المبدع في شرح المقنعصفحات 443-29

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 443-29

تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي.
وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكُنَّ فَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِي الْآخَرِ: لَا يَصِيرُ مُؤْلِيًا حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا فَيَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنَ الرَّابِعَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ مَاتَتِ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ هَاهُنَا، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا لَا تَنْحَلُّ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

الْبَاقِي (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي) قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " كَمَا لَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ، أَوْ مَاتَتْ، وَلِأَنَّهُ صَرح بِمَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ يَمِينًا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ كُلَّمَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقٌ، وَقُلْنَا: هُوَ إِيلَاءٌ، فَهُوَ مُؤْلٍ مِنْهُنَّ.
(وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهُ لَا أَطَؤُكُنَّ فَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ.
وَهُوَ هَلْ يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ فَيَكُونُ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ مِنْهُنَّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَّا بِحِنْثٍ، فَإِذَا وَطِئَ وَاحِدَةً انْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٍ فَتَنْحَلُّ بِالْحِنْثِ فِيهَا كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَلَا يَكُونُ مُؤْلِيًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ حِنْثٍ.
(وَفِي الْآخَرِ: لَا يَصِيرُ مُؤْلِيًا حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا فَيَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنَ الرَّابِعَةِ) ، لِأَنَّ الْمَنْعَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ فِي الرَّابِعَةِ مُحَقَّقًا ضَرُورَةَ الْحِنْثِ بِوَطْئِهَا وَابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ حِينَئِذٍ، (فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ مَاتَتِ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ هَاهُنَا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ الْبَاقِيَاتِ بِغَيْرِ حِنْثٍ، (وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا، لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَطَلَاقَ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَوْتِهَا، لَا يُوجِبُ انْحِلَالَ الْيَمِينِ فِي غَيْرِهَا كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاللَّهِ: لَا وَطِئْتُ هَذِهِ، ثُمَّ حَلَفَ: لَا وَطِئْتُ هَذِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ إِحْدَاهُمَا، أَوْ طَلَّقَهَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إِذَا قُلْنَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فَوَطِئَ وَاحِدَةً حَنِثَ، وَلَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " خِلَافَ قَوْلِهِ، وَقِيلَ: إِنْ مَاتَتْ لَمْ تَبْقَ يَمِينٌ، وَلَا إِيلَاءٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قُلْنَا صَارَ مُؤْلِيًا مِنْهُنَّ، فَإِذَا طَالَبْنَ

الْبَوَاقِي.
وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: شَرَكْتُكِ مَعَهَا لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا مِنَ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنْهُمَا.

[المبدع في شرح المقنع]

بِالْفَيْئَةِ، وَقَفَ لَهُنَّ كُلُّهُنَّ، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ مُطَالَبَتُهُنَّ، وَقَفَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عِنْدَ طَلَبِهَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِحَقِّهَا قَبْلَ طَلَبِهَا، وَعَنْهُ: يُوقِفُ لِلْجَمِيعِ وَقْتَ مُطَالَبَةِ أُولَاهُنَّ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَكَانَ الْوَقْفُ لَهَا وَاحِدًا، وَالْكَفَّارَةُ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: تَجِبُ بِفَيْئَتِهِ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ.
(وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: شَرَكْتُكَ مَعَهَا لَمْ يَصِرْ مُؤْلِيًا مِنَ الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاللَّهِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ مِنَ اسْمٍ، أَوْ صِفَةٍ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا كِنَايَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ بِهِ الْيَمِينُ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِيرُ مُؤْلِيًا مِنْهُمَا) كَالطَّلَاقِ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّلَاقَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْيَمِينُ، فَلَوْ آلَى رَجُلٌ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَقَالَ آخَرُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتَ مِثْلُ فُلَانَةٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا.
وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ زَوْجَةٍ، فَلَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا لِلنَّصِّ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ، ثُمَّ نَكَحَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْإِيلَاءَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ كَالطَّلَاقِ، وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: قَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ الظِّهَارُ قَبْلَ النِّكَاحِ فَكَذَا الْإِيلَاءُ، وَقِيلَ: بِشَرْطِ إِضَافَتِهِ إِلَى النِّكَاحِ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجَتْ فُلَانَةُ فَوَاللَّهِ لَا وَطِئْتُهَا، وَمِثْلُهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ الْإِيلَاءُ بِكُلِّ لُغَةٍ مُطْلَقًا، فَإِنْ آلَى بِالْعَجَمِيَّةِ، أَوِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْ لَا يَدْرِي مَعْنَاهَا لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا، وَإِن نَوَى مُوجِبَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَإِنْ آلَى عَرَبِيٌّ، أَوْ عَجَمِيٌّ بِلُغَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: جَرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.

فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبَدَا، سَلِيمًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ مَرِيضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَأَمَّا الْعَاجِزِ عَنِ الْوَطْءِ بِجَبٍّ، أَوْ شَلَلٍ، فَلَا يَصِحُّ إِيلَاؤُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ قَدَرْتُ لِجَامَعْتُكِ.
وَلَا يَصِحُّ إِيلَاءُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
وَفِي إِيلَاءِ السَّكْرَانِ

[المبدع في شرح المقنع]

[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ]

فَصْلٌ (الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ) نَصَّ عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الزَّوْجِ مَوْطُوءَتُهُ أَمَتُهُ، وَالْأُمَةُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
وَالذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يَنْقَطِعْ إِيلَاؤُهُ، وَيَتَخَرَّجْ: وَأَجْنَبِيٌّ كَلُزُومِهِ الْكَفَّارَةَ.
(يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْجِمَاعُ كَالْمَجْبُوبِ فَيَمِينُهُ يَمِينٌ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ.
كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَيَقْلِبَ الْحَجَرَ ذَهَبًا.
وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْيَمِينُ الْمَانِعَةُ مِنِ الْجِمَاعِ، وَيَمِينُ مَنْ شَأْنُهُ مَا ذُكِرَ لَا يَمْنَعُهُ، بَلْ فِعْلُ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ مِنْهُ.
(وَتَلْزَمُهُ) أَيِ: الزَّوْجُ (الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ) لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينُهُ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ.
(مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ كَافِرًا، حُرًّا، أَوْ عَبْدًا، سَلِيمًا، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ مَرِيضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ) أَوْ مَرْضُوضًا، أَوْ مَجْبُوبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ بِهِ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَحَبْسٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْوَطْءِ فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ.
وَعَنْهُ: أَوْ لَا كَرَتْقٍ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
(فَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنِ الْوَطْءِ بِجَبٍّ، أَوْ شَلَلٍ، فَلَا يَصِحُّ إِيلَاؤُهُ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ إِمْكَانُ الْجِمَاعِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ لِعَارِضٍ غَيْرِ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الطَّيَرَانِ.
(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) كمَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، وَالْأُولَى أَوْلَى.
وَعَلَيْهِ لَوْ حَلَفَ، ثُمَّ جُبَّ فَفِي بُطْلَانِهِ وَجْهَانِ.
قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ (وَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ قَدَرْتُ لِجَامَعْتُكِ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَعَنْهُ: فَيْئَةُ كُلِّ مَعْذُورٍ فِئْتُ إِلَيْكِ، وَلَا حِنْثَ بِفَيْئَةِ اللِّسَانِ.
(وَلَا يَصِحُّ إِيلَاءُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا.
وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ إِيلَاءِ

وَجْهَانِ.
وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي الْأَحْرَارِ، وَالرَّقِيقِ سَوَاءٌ.
وَعَنْهُ: أَنَّهَا فِي الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ، وَلَا حَقَّ لِسَيِّدِ الْأمَةِ فِي طَلَبِ الْفَيْئَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَيْهَا.

فَصْلٌ وَإِذَا صَحَّ الْإِيلَاءُ ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ كَانَ بِالرَّجُلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُمَيِّزِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ (وَفِي إِيلَاءِ السَّكْرَانِ وَجْهَانِ) بِنَاءً عَلَى طَلَاقِهِ، وَالْأَشْهُرُ صِحَّتُهُ.
(وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي الْأَحْرَارِ وَالرَّقِيقِ سَوَاءٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِعُمُومِ النَّصِّ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْوَطْءِ أَشْبَهَتْ مُدَّةَ الْعُنَّةِ، (وَعَنْهُ: أَنَّهَا فِي الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ) . نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَوْلُ التَّابِعِينَ كُلِّهِمْ إِلَّا الزُّهْرِيَّ وَحْدَهُ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ كَالطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ ثَبَتَ ابْتِدَاؤُهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ، فَوَجَبَ أَنْ تَخْتَلِفَ كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْغَضَبُ وَلَا قَصْدُ الْإِضْرَارِ.
وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الْإِيلَاءُ فِي الْغَضَبِ (وَلَا حَقَّ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ فِي طَلَبِ الْفَيْئَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَيْهَا) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّةَ، وَالْأَمَةَ سَوَاءٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ، عَفَا السَّيِّدُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا لِكَوْنِ الِاسْتِمْتَاعِ يَحْصُلُ لَهَا.
فَإِنْ تَرَكَتِ الْمُطَالَبَةَ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ.
لَا يُقَالُ: حَقُّهُ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْزَلُ عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الزَّوْجِ اسْتِيلَادُ الْمَرْأَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لِيُعْزَلَنَّ عَنْهَا أَوْ لَا يَسْتَوْلِدُهَا - لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا.

[الْمُدَّةُ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْإِيلَاءِ]

[إِذَا صَحَّ الْإِيلَاءُ ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ]

فَصْلٌ (وَإِذَا صَحَّ الْإِيلَاءُ ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فَالْمُؤْلِي يَتَرَبَّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يُطَالِبُ بِالْوَطْءِ فِيهِنَّ، فَإِذَا مَضَتْ وَرَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْحَاكِمِ أَمَرَهُ بِالْفَيْئَةِ، فَإِنْ أَبَى أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تُطَلَّقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُوقَفُ عَنْ أَكَابِرِ

الْوَطْءَ احْتَسَبَ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِهَا لَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ.
وَإِنْ طَرَأَ بِهَا اسْتُؤْنِفَتِ الْمَدَّةُ عِنْدَ زَوَالِهِ إِلَّا الْحَيْضَ، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ، وَفِي النِّفَاسِ

[المبدع في شرح المقنع]

الصَّحَابَةِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَعَلَ يُثْبِتُ حَدِيثَ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُمْ يُوقِفُ الْمُؤْلِي.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ: تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ ضُرِبَتْ لِاسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ مِنْهُ أَشْبَهَ مَدُّةَ الْعُنَّةِ، وَجَوَابُهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ.
ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227] . وَلَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى عَزْمٍ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ مَسْمُوعٌ، وَلَا يَكُونُ الْمَسْمُوعُ إِلَّا كَلَامًا، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ تَأْجِيلًا، فَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْمُطَالَبَةَ فِيهَا كَسَائِرِ الْآجَالِ.
وَمُدَّةُ الْعُنَّةِ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِمُضِيِّهَا، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْعُنَّةِ ضُرِبَتْ لِيُخْتَبَرَ فِيهَا، وَيُعْرَفَ عَجْزُهُ عَنِ الْوَطْءِ بِتَرْكِهِ فِي مُدَّتِهَا.
وَهَذِهِ ضُرِبَتْ تَأْخِيرًا لَهُ وَتَأْجِيلًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ إِلَّا بِمُضِيِّ الْأَجَلِ كَالدَّيْنِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " تُضْرَبُ لِلْكَافِرِ الْمُدَّةُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ الْيَمِينِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبٍ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ، (فَإِنْ كَانَ بِالرَّجُلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ) كَمَرَضٍ وَصَوْمٍ.
(احْتُسِبَ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ وَجَدَ التَّمْكِينَ الَّذِي عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا وَامْتَنَعَ وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ بَعْدَ الْإِيلَاءِ، أَوْ جُنَّ لَمْ تَنْقَطِعِ الْمُدَّةُ.
(وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِهَا) كَصِغَرِهَا وَمَرَضِهَا وَصِيَامِهَا وَاعْتِكَافِهَا الْمَفْرُوضَيْنِ وَإِحْرَامِهَا.
(لَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ) أَيْ إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ حَالَ الْإِيلَاءِ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ حَتَّى تَزُولَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِامْتِنَاعِهِ مَنْ وَطْئِهَا، وَالْمَنْعُ هُنَا مِنْ قِبَلِهَا.
(وَإِنْ طَرَأَ بِهَا) هُوَ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ يُتْرَكُ.
(اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ عِنْدَ زَوَالِهِ) وَلَمْ تُبْنَ عَلَى مَا مَضَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] يَقْتَضِي أَنَّهَا مُتوَالِيَةٌ، فَإِذَا قَطَعَهَا وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ،

وَجْهَانِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ انْقَطَعَتْ، فَإِنْ رَاجَعَهَا، أَوْ نَكَحَهَا إِذَا كَانَتْ بَائِنًا اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ.

وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَبِهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقِيلَ: تُبْنَى كَحَيْضٍ (إِلَّا الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ) وَلَا يُمْنَعُ ضَرْبُ الْمُدَّةِ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ لَمْ يُمْكِنْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ؛ لَأَنَّ الْحَيْضَ فِي الْغَالِبِ لَا يَخْلُو مِنْهُ شَهْرٌ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى إِسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ.
(وَفِي النِّفَاسِ وَجْهَانِ) وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا هُوَ كَالْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي أَحْكَامِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ: إنَّهُ كَالْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ.
وَقِيلَ: مَجْنُونَةٌ لَهَا شَهْوَةٌ كَعَاقِلَةٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": فَإِنْ تَعَذَّرَ الْوَطْءُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا كَحَيْضٍ وَحَبْسٍ وَمَرَضٍ وَصِغَرٍ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ.
وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ طَرَأَ بَعْضُ ذَلِكَ فِيهَا، ثُمَّ زَالَ اسْتُؤْنِفَتْ، وَقِيلَ: لَا كَحَيْضٍ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": فَيَخْرُجُ أَنْ يُسْقِطَ أَوْقَاتَ الْمَنْعِ مِنْهَا، وَيَبْنِيَ عَلَى مَا مَضَى (وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ انْقَطَعَتْ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً بِغَيْرِ الْيَمِينِ، فَانْقَطَعَتِ الْمُدَّةُ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا سَوَاءٌ بَانَتْ بِفَسْخٍ، أَوْ خُلْعٍ، أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ نِكَاحِهَا (فَإِنْ رَاجَعَهَا، أَوْ نَكَحَهَا إِذَا كَانَتْ بَائِنًا اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ) لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَعُودُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ، وَالتَّرَبُّصُ وَاجِبٌ فَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا ضَرُورَةَ الْوَفَاءِ بِالْوَاجِبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيِّ كَالْبَائِنِ فِي انْقِطَاعِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، وَفِي اسْتِئْنَافِهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى زَوْجَتِهِ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَأَنَّهُ لَا يَحْتَسِبُ الْمُدَّةَ عَلَى الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّجْعَةِ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، فَانْقَطَعَتْ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِذَا طَلَّقَ اسْتُؤْنِفَتْ مُدَّةٌ أُخْرَى مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ وَتُحْتَسَبُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي زَمَنِ عِدَّةِ الرَّجْعَةِ، فَإِذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَقَفَ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، وَإِنِ انْقَضَتِ الْعُدَّةُ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ تَرَبَّصَ بِهِ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ طَلَّقَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ رَجْعِيًّا فِي الْمُدَّةِ لَمْ تَنْقَطِعْ قَبْلَ فَرَاغِ عِدَّتِهَا، وَقِيلَ: تَنْقَطِعُ وَتُسْتَأْنَفُ كَمَا لَوِ ارْتَدَّا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوْ أَسْلَمَا فِي الْعِدَّةِ.

[انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَبِهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ الْفَيْئَةِ]

(وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَبِهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ) كَمَرَضٍ

الْفَيْئَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ بِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَعْجِزُ بِهِ عَنِ الْوَطْءِ أُمِرَ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيَقُولُ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُكِ، ثُمَّ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، أَوْ يُطَلِّقُ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَإِحْرَامٍ (لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ الْفَيْئَةِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَسْتَحِقُّ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكِنْ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إِلَى زَوَالِ الْعُذْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا لِلْمُدَّةِ كَالْحَيْضِ، أَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَمْ تُطَالِبْ بِفَيْئَةِ الْوَطْءِ حَتَّى يَزُولَ ذَلِكَ.
وَفِي فَيْئَةِ الْقَوْلِ وَجْهَانِ (وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ بِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَعْجِزُ بِهِ عَنِ الْوَطْءِ) كَمَرَضٍ وَحَبْسٍ مُطْلَقًا، (أُمِرَ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ) وَلَا يُمْهَلَ لِفَيْئَةِ اللِّسَانِ (فَيَقُولُ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُكِ) ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمْعٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْفَيْئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنِ الْإِضْرَارِ.
وَقَدْ تَرَكَ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنَ الِاعْتِذَارِ.
وَالْقَوْلُ مَعَ الْعُذْرِ يَقُومُ مُقَامَ فِعْلِ الْقَادِرِ بِدَلِيلِ إِشْهَادِ الشَّفِيعِ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا.
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: نَدِمْتُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يُظْهِرَ رُجُوعَهُ عَنِ الْمَقَامِ عَنِ الْيَمِينِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ أَنْ يَقُولَ فِئْتُ إِلَيْكَ، وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَاخْتَارَهُ الْخُرْقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْحُلْوَانِيُّ؛ لِأَنَّ وَعْدَهُ بِالْفِعْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ.
(ثُمَّ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، أَوْ يُطَلِّقُ) . صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ حَقَّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا إِيَّاهُ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مَرَّةً، فَلَا يَلْزَمُهُ أُخْرَى كَالْوَطْءِ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فَيْئَتَهُ بِالْقَوْلِ لَيْسَ عَيْنَ حَقِّهَا، وَإِنَّمَا هُوَ وَعْدٌ بِإِيفَاءِ حَقِّهَا، فَحَقُّهَا الْأَصْلِيُّ بَاقٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَزِمَهُ كَمَا لو لَمْ يَفِءْ بِلِسَانِهِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ الْعَاجِزِ لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَفَاءَ بِلِسَانِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا حِنْثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ مُظَاهِرًا فَقَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِي، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي، أَوْ أَتَغَدَّى، أَوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ، أَوْ أَنَامَ، فَإِنِّي نَاعِسٌ أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ.

وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

يَفْعَلِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ كَالْمَدِينِ إِذَا أَعْسَرَ (وَإِنْ كَانَ مُظَاهِرًا) لَمْ يَطَأْ حَتَّى يُكَفِّرَ، فَإِذَا وَطِئَ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهَا وَزَالَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ.
(فَقَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِي، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّهَا مُدَّةَ قَرِيبَةٌ.
فَالظِّهَارُ كَالْمَرَضِ عِنْدَ الْخرْقِيِّ، وَكَذَا الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ لَا يُمْهَلُ وَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عُذْرِ مَنْ فِعْلِهِ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، لَا يُمْهِلُ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ بِسَبَبٍ مِنْهُ، فَلَا يُسْقِطُ حُكْمًا وَاجِبًا وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الْوَطْءِ بِأَمْرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْمَرِيضَ، فَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً، أَوْ أُطْعِمَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّكْفِيرِ فِي الْحَالِ لَمْ يُمْهَلْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُمْهَلُ لِلْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ هُنَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أُمْهِلَ.
ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَا يُمْهَلُ لِصَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ.
وَقِيلَ: بَلَى، فَإِنْ وَطِئَهَا فَقَدْ عَصَى، وَانْحَلَّ إِيلَاؤُهُ وَلَهَا مَنْعُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي يَلْزَمُهَا التَّمْكِينُ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ.
وَقَدْ بَذَلَهُ لَهَا وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ، فَلَا يَلْزَمُ التَّمْكِينُ مِنْهُ كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ (وَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي، أَوْ أَتَغَدَّى، أَوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ، أَوْ أَنَامُ، فَإِنِّي نَاعِسٌ أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ زَمَنٌ يَسِيرٌ، وَلَا يُمْهَلُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ كَالدَّيْنِ الْحَالِّ، وَإِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ حَتَّى يَنْظُرَ فِي صَوْمِهِ، أَوْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، أَوْ يَحُلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ أُمْهِلَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِيهِ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ مَجْنُونَةً فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَا لِوَلِيِّهَا؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ، وَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُمَا لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَأَفَاقَتِ الْمَجْنُونَةُ وَبَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَهُ تَمَّمَتْ، ثُمَّ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلَهُمَا الْمُطَالَبَةُ

عُذْرٌ وَطَلَبَتِ الْفَيْئَةَ، وَهِيَ الْجِمَاعُ فَجَامَعَ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَتُهَا.
وَأَدْنَى مَا يَكْفِيهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، وَإِنْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ أَوْ فِي الدُّبُرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْفَيْئَةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ وَطْئًا مُحَرَّمًا - مِثْلَ أَنْ يَطَأَ حَالَةَ الْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ أَوْ صِيَامِ فَرْضٍ - مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَدْ فَاءَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:

[المبدع في شرح المقنع]

يَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْمُطَالَبَةِ.

[لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ وَطَلَبَتِ الْفَيْئَةَ]

(وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ وَطَلَبَتِ الْفَيْئَةَ، وَهِيَ الْجِمَاعُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ إِلَى فِعْلِ مَا تَرَكْتَهُ، وَالْفَيْئَةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِثْلُ الصِّيغَةِ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ (فَجَامَعَ) الْقَادِرُ عَلَيْهِ إِنْ حَلَّ وَطْؤُهَا، وَقِيلَ - ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً - وَطْئًا مُبَاحًا، لَا فِي حَيْضٍ وَنَحْوِهِ، (انْحَلَّتْ يَمِينُهُ) لِتَحَقُّقِ حِنْثِهِ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَتُهَا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ النَّصِّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
قَالَ قَتَادَةُ: الْحَسَنُ قَدْ خَالَفَ النَّاسَ.
فَرْعٌ: إِذَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، أَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ وَطِئَهَا نَاسِيًا يَمِينَهُ أَوْ فِي حَالِ جُنُونِهِ، وَقُلْنَا لَا يَحْنَثُ، فَهَلْ يَنْحَلُّ إِيلَاؤُهُ؛، عَلَى وَجْهَيْنِ وَفِي الْمَذْهَبِ يَفِي بِمَا يُبِيحُهَا لِزَوْجٍ أَوَّلٍ، وَالْجَاهِلُ كَالنَّاسِي فِي الْحِنْثِ.
(وَأَدْنَى مَا يَكْفِيهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) أَوْ قَدْرُهَا (فِي الْفَرْجِ) لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ مُكْرَهٍ وَنَاسٍ وَنَحْوِهِمَا.
(وَإِنْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْفَيْئَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْلُوفٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ بِفِعْلِهِ.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " فَمَا فَاءَ، وَلَوْ حَنِثَ بِهِمَا فِي وَجْهٍ لِدُخُولِهِ فِي يَمِينِهِ.
(وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ وَطْئًا مُحَرَّمًا مِثْلَ أَنْ يَطَأَ حَالَةَ الْحَيْضِ، أَوِ النِّفَاسِ، أَوْ صِيَامِ فَرْضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَدْ فَاءَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ بِهِ) فَزَالَ حُكْمُهَا وَزَالَ الضَّرَرُ عَنْهَا، وَكَانَ كَالْوَطْءِ الْحَلَالِ، وَكَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْأَصَحُّ) وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " قِيَاسَ الْمَذْهَبِ (أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِيلَاءِ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنِ الْإِيلَاءِ كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ، وَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنَ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ كَمَا لَوْ كَفَّرَ يَمِينَهُ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ حَلَفَ، ثُمَّ كَفَّرَ يَمِينَهُ، لَا يَبْقَى

الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الإيلاء.
وَإِنْ لَمْ يَفِئْ وَأَعْفَتْهُ الْمَرْأَةُ سَقَطَ حَقُّهَا وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَسْقُطَ وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدُ، وَإِنْ لَمْ تُعْفِهِ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَلَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

مُؤْلِيًا لِعَدَمِ حُكْمِ الْيَمِينِ فَهَذَا أَوْلَى، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُحْرِمِ وَالْمَظَاهِرِ أَنَّهُمَا إِذَا وَطِئَا فَقَدْ وَفَّيَاهَا حَقَّهَا، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَطْءِ.
1 - مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا آلَى بِعِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ، وَقَعَ بِنَفْسِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ آلَى بِنَذْرٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَاتِ، أَوِ الْمُبَاحَاتِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ التَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ لُجَاجٍ وَغَضَبٍ، وَهَذَا حُكْمُهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا آلَى بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ بِإِيلَاجِ الْحَشَفَةِ فَيَصِيرُ مُسْتَمْتِعًا بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الْأَلْيَقَ بِالْمَذْهَبِ تَحْرِيمُهُ.
وَعَنْهُ لَا، وَمَتَى أَوْلَجَ وَتَمَّمَ، أَوْ لَبِثَ لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَفِي الْمَهْرِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْحَدُّ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَفِيهِ وَيُعَزَّرُ جَاهِلٌ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " فَلَا مَهْرَ، وَلَا نَسَبَ، وَإِنْ نَزَعَ فَلَا حَدَّ، وَلَا مَهْرَ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ، وَإِنَّ نَزَعَ، ثُمَّ أَوْلَجَ.
فَإِنْ جَهِلَا التَّحْرِيمَ، فَالْمَهْرُ، وَالنَّسَبُ، وَلَا حَدَّ.
وَالْعَكْسُ بِعَكْسِهِ، وَإِنْ عَلِمَهُ لَزِمَهُ الْمَهْرُ، وَالْحَدُّ، وَلَا نَسَبَ.
وَإِنْ عَلِمَتْهُ، فَالْحَدُّ، وَالنَّسَبُ، وَلَا مَهْرَ، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا.
(وَإِنْ لَمْ يَفِئْ وَأَعْفَتْهُ الْمَرْأَةُ سَقَطَ حَقُّهَا) وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنَ الْفَسْخِ فَسَقَطَ حَقُّهَا مِنْهُ كَامْرَأَةِ الْعِنِّينِ إِذَا رَضِيَتْ مِنْهُ.
(وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَسْقُطَ وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدُ)

رَجْعَتُهَا.
وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ حُبِسَ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ حَتَّى يُطَلِّقَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يُطَلِّقُ عَلَيْها الْحَاكِمُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَهُوَ كَطَلَاقِ

[المبدع في شرح المقنع]

أَيْ: مَتَى شَاءَتْ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ مَا يَتَجَدَّدُ مَعَ الْأَحْوَالِ كَمَا لَوْ أُعْسِرَ بِالنَّفَقَةِ فَعَفَّتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ، وَفَارَقَ الْفَسْخَ لِلْعُنَّةِ، فَإِنَّهُ فَسْخٌ لِعَيْبِهِ، فَمَتَى رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ سَقَطَ حَقُّهَا كَمَا لَوْ عَفَى الْمُشْتَرِي عَنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ، وَإِنْ سَكَتَتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ فَلَهَا ذَلِكَ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا ثَبَتَ عَلَى التَّرَاخِي، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ كَاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ.
(وَإِنْ لَمْ تُعْفِهِ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ) إِنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] . فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ فَقَدِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ.
(فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً فَلَهُ رَجْعَتُهَا) سَوَاءٌ كَانَ الْمُؤْلِي أَوِ الْحَاكِمُ فِي الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا اسْتِيفَاءِ عِدَدٍ، فَكَانَ رَجْعِيًّا كَالطَّلَاقِ فِي غَيْرِ الْإِيلَاءِ وَيُفَارِقُ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِعَيْبٍ.
(وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً) وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَكَانَتْ بَائِنَةً كَالْمُخْتَلِعَةِ.
وَعَنْهُ مِنْ حَاكِمٍ، لَا مِنْهُ.
قَالَ الْقَاضِي: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي فُرْقَةِ الْحَاكِمِ أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنًا، وَقَالَ الْأَثْرَمُ: فَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ كَاللِّعَانِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الزَّوْجَ أَوِ الْحَاكِمَ إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ.
فَرْعٌ: إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا، أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَفَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ وَطْئِهَا بِيَمِينٍ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَاجَعَهَا.
وَإِنْ بَقِيَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ لِقُصُورِهِ عَنْ مُدَّتِهِ (وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ حُبِسَ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ حَتَّى يُطَلِّقَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " و" الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى زَوَالِ ضَرَرِ الْمَرْأَةِ الْمَطْلُوبِ زَوَالُهُ، فَعَلَيْهَا لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إِذَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَاخْتِيَارِهِ لِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ.
(وَالْأُخْرَى يُطَلِّقُ عَلَيْها الْحَاكِمُ) قَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي "

الْمُؤْلِي، وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ فَسَخَ صَحَّ ذَلِكَ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْمُدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ أَوْ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِن كَانَتْ بِكْرًا وَادَّعَتْ أَنَّهَا عَذْرَاءُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَصَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ ". قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ فَدَخَلَتِ النِّيَابَةُ فِيهِ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ طَلَاقِ الْحَاكِمِ، وَالتَّخْيِيرِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنَ النِّسْوَةِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّهَا خِيرَةُ تَشَهٍّ، بِخِلَافِ الْخِيرَةِ هُنَا، وَلَيْسَ هُوَ خِيرَةٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْفَيْئَةِ، ثُمَّ بِالطَّلَاقِ.
(فَإِنْ طَلَّقَهَا) الْحَاكِمُ (وَاحِدَةً، فَهُوَ كَطَلَاقِ الْمُؤْلِي) لِأَنَّهُ نَائِبُهُ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَحُكْمِهِ.
(وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، أَوْ فَسَخَ صَحَّ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَائِمٌ مَقَامَ الزَّوْجِ فَمَلَكَ مَا يَمْلِكُهُ.
وَقَدَّمَ فِي " التَّبْصِرَةِ " أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ثَلَاثًا لِلْمُسَاوَاةِ.
وَعَنْهُ: يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ.
وَعَنْهُ: الْفَسْخُ، فَإِنْ قَالَ الْحَاكِمُ: فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا فَرِوَايَتَانِ أَنَصُّهُمَا أَنَّهُ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
وَالْأُخْرَى تَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةً.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَجْزَهُ عَنِ الْوَطْءِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّهُ عِنِّينٌ، فَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَتُهُ فَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ.
وَقِيلَ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
(وَإِن ادَّعَى أَنَّ الْمُدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ) وَادَّعَتْ هِيَ انْقِضَاءَهَا (أَوْ أَنَّهُ وَطْئِهَا، وَكَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِي رَفْعَهُ، فَهُوَ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ كَمَا لَوِ ادَّعَى الْوَطْءَ مِنَ الْعُنَّةِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
وَفِي الْيَمِينِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَحْلِفُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ لِلْخَبَرِ وَكَالدَّيْنِ، وَلِأَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ مُحْتَمَلٌ فَوَجَبَ نَفْيُهُ بِالْيَمِينِ، وَالثَّانِيَةُ: وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يقْضي فِيهَا بِالنُّكُولِ.
(وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَادَّعَتْ أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ عَدْلٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) لِأَنَّ قَوْلَهَا اعْتُضِدَ بِالْبَيِّنَةِ إِذْ لَوْ وَطِئَهَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا.
وَعَنْهُ لَا يُقْبَلُ

فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ عَدْلٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَهَلْ يَحْلِفُ مَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

فِيهِ إِلَّا امْرَأَتَانِ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا أَحَدٌ بِذَلِكَ (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا.
(وَهَلْ يَحْلِفُ مَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؟) مِنَ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) حَكَاهُمَا فِي " التَّرْغِيبِ " فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الظِّهَارِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَهُوَ أَنْ يُشْبِهَ امْرَأَتَهُ، أَوْ عُضْوًا مِنْهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ - بِهَا، أَوْ بِعُضْوٍ مِنْهَا فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ كَيَدِ أُخْتِي، أَوْ كَوَجْهِ

[المبدع في شرح المقنع]

[تَعْرِيفُ الظِّهَارِ]

كِتَابُ الظِّهَارِ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِظَهْرِ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ إِذِ الْمَرْأَةُ مَرْكُوبَةٌ إِذَا غُشِيَتْ، فَقَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَيْ: رُكُوبُكِ لِلنِّكَاحِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَرُكُوبِ أُمِّي لِلنِّكَاحِ فَأَقَامَ الظَّهْرَ مَقَامَ الرُّكُوبِ ; لِأَنَّهُ مَرْكُوبٌ، وَأَقَامَ الرُّكُوبَ مَقَامَ النِّكَاحِ ; لِأَنَّ النَّاكِحَ رَاكِبٌ.
وَيُقَالُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِالظِّهَارِ تَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَا تُبَاحُ لِغَيْرِهِ فَنَقَلَ الشَّارِعُ حُكْمَهُ لَا تَحْرِيمَهَا.
وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْعَوْدِ وَأَبْقَى مَحَلَّهُ، وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ (وَهُوَ مُحَرَّمٌ) إِجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] . وَقَوْلُ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لِلْخَبَرِ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ كَالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4] ، وَالسُّنَّةُ حَدِيثُ «أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَجَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشْتَكِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَوَّلَ سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَفِيهِ أَحَادِيثُ أُخَرُ سَتَأْتِي (وَهُوَ أَنْ يُشَبِّهَ امْرَأَتَهُ، أَوْ عُضْوًا مِنْهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ - بِهَا، أَوْ بِعُضْوٍ مِنْهَا) إِذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
فَهُوَ مَظَاهِرٌ إِجْمَاعًا، وَإِنْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ مِنْ ذَوِي رَحِمَهُ كَجَدَّتِهِ وَخَالَتِهِ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ أَشْبَهْنَ الْأُمَّ، (فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ كَيَدِ أُخْتِي، أَوْ كَوَجْهِ

حَمَاتِي، أَوْ ظَهْرُكِ أَوْ يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَيْدِ أُخْتِي أَوْ خَالَتِي مِنْ نَسَبٍ أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

حَمَاتِي) الْأَحْمَاءُ فِي اللُّغَةِ أَقَارِبُ الزَّوْجِ، وَالْأُخْتَانِ أَقَارِبُ الْمَرْأَةِ، وَالْأَصْهَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَنَقَلَ ابْنُ فَارِسٍ أَنَّ الْأَحْمَاءَ كَالْأَصْهَارِ، فَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ هَذِهِ حَمَاةُ زَيْدٍ وَحَمَاةُ هِنْدٍ.
(أَوْ ظَهْرِكِ، أَوْ يَدِكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ (أَوْ كَيْدِ أُخْتِي، أَوْ خَالَتِي) لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِعُضْوٍ مِنْهَا بِعُضْوِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ ظِهَارًا ; لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالزُّورِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي تَشْبِيهِ عُضْوٍ مِنْهَا بِذَلِكَ.
(مِنْ نَسَبٍ) كَالْأُمَّهَاتِ، وَالْجَدَّاتِ (أَوْ رَضَاعٍ) كَالْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَعَنْهُ لَا يَكُونُ ظِهَارًا.
قَالَهُ الْحُلْوَانِيُّ حَتَّى يُشْبِهَ جُمْلَةَ امْرَأَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاللَّهِ، لَا يَمَسُّ عُضْوًا مِنْهَا لَمْ يَسِرْ إِلَى غَيْرِهِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ النَّسَبِ، وَالرَّضَاعِ، إِنَّمَا كَانَ لَمَعَانٍ نَظَرَ إِلَيْهَا الشَّارِعُ فِيهِنَّ فَحَرَّمَهُنَّ لِتِلْكَ الْمَعَانِي وَأَبَاحَ الزَّوْجَةَ لِمَعْنًى فِيهَا فَإِلْحَاقُهَا فِي التَّحْرِيمِ بِمَنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَتَحْرِيمٌ لِمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْهُنَّ.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ وَقَعَ مِنْهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ قَالَ كَشَعَرِ أُمِّي، أَوْ سِنَّهَا، أَوْ ظُفْرَهَا فَلَغْوٌ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَعْضَاءِ الثَّابِتَةُ وَكَذَا الرِّيقُ وَالدَّمُ وَالرُّوحُ.
وَكَوَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامٌ وَلَيْسَ بِظِهَارٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَأُمِّي امْرَأَتِي، أَوْ مِثْلُهَا.
وَفِي " الْمُبْهِجِ " أَنَّهُ كَطَلَاقٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ، أَوْ عِنْدِي، أَوْ مِنِّي، أَوْ مَعِي كَأُمِّي، أَوْ مِثْلَ أُمِّي، وَأَطْلَقَ.
فَهُوَ ظِهَارٌ وَعَنْهُ لَا، اخْتَارَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُغْنِي "، وَإِنْ نَوَى فِي الْكَرَامَةِ، وَنَحْوِهَا دُيِّنَ، وَفِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قَالَ: جُمْلَتُكِ، أَوْ بَدَنُكِ، أَوْ جِسْمُكِ، أَوْ ذَاتُكِ، أَوْ كُلُّكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ ظِهَارًا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، فَانْصَرَفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ، أَوْ عَكْسُهُ لَزِمَا.

رَضَاعٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي، كَانَ مُظَاهِرًا.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ كَأُمِّي فِي الْكَرَامَةِ، وَنَحْوُهُ دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ كَأُمِّي، أَوْ مِثْلَ أُمِّي فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِظِهَارٍ

[المبدع في شرح المقنع]

فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُسَمِّيَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَهْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُخْتُكَ هِيَ» فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُشْبِهُ الظِّهَارَ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ.
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا) ; لِأَنَّهُ يشَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِأُمِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، وَهَذَا إِذَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي أَنَّهُ إِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَ الْخُصُومَةِ، وَالْغَضَبِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ كَأُمِّي فِي الْكَرَامَةِ، وَنَحْوِهِ دُيِّنَ) ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
(وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، أَصَحُّهُمَا، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الظِّهَارَ وَغَيْرَهُ تَرَجَّحَ عَدَمُ الظِّهَارِ بِدَعْوَى الْإِرَادَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا تَحْرِيمٌ أَشْبَهُ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
1 - (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ كَأُمِّي، أَوْ مِثْلَ أُمِّي) بِإِسْقَاطِ عَلَيَّ، أَوْ عِنْدِي.
فَهُوَ مُظَاهِرٌ إِنْ نَوَاهُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ) مِثْلَ قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي، وَكَذَا يَتَخَرَّجُ فِي قَوْلِهِ: رَأْسُكَ كَرَأْسِ أُمِّي، أَوْ يَدُكَ كَيَدِهَا وَمَا أَشْبَهَهَ، فَلَوْ قَالَ: أُمِّيُّ امْرَأَتِي، أَوْ مِثْلَ امْرَأَتِي لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ; لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأُمِّهِ وَوَصْفٌ لَهَا وَلَيْسَ بِوَصْفٍ لِامْرَأَتِهِ.
(وَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِظِهَارٍ) ، لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَامَةِ فَتَعَيَّنَ

إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، أَوْ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أُخْتِ زَوْجَتِي، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهُوَ مَظَاهِرٌ

[المبدع في شرح المقنع]

حَمْلُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ كَبِيرَةٌ مِثْلُ أُمِّي (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، أَوْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ) ، لِأَنَّ النِّيَّةَ تُعِينُ اللَّفْظَ فِي الْمَنْوِيِّ، وَالْقَرِينَةُ شَبِيهَةٌ بِهَا.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي) أَوْ كَأَبِي، أَوْ مِثْلَ أَبِي (أَوْ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أُخْتِ زَوْجَتِي، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي فَعَنْهُ ظِهَارٌ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدُ أَشْبَهَ الْأُمَّ، وَكَذَا إِنْ شَبَّهَهَا بِالْمَيْتَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَمَا لَزِيدٍ، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ أَشْبَهُ مَا لَوْ حَرَّمَ مَالَهُ.
وَعَنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ التَّشْبِيهَ بِمَالِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إِذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَعَمَّتِهَا، أَوِ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ ظِهَارٌ.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةٍ أَشْبَهَ تَشْبِيهَهَا بِالْأُمِّ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِظِهَارٍ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِهَا كَافِيًا كَالْحَائِضِ.
1 - (وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ أَبِيهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ". وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " إِذَا نَوَى الظِّهَارَ فَلَيْسَ مُظَاهِرًا.
وَقِيلَ: بَلَى (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهُوَ مَظَاهِرٌ) إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا، وَلَا يَمِينًا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ;

إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقًا، أَوْ يَمِينًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا، أَوْ مَا نَوَاهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

فَصْلٌ وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا.
وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِيهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ ظِهَارًا كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الظَّاهِرَةِ.
فَلَوْ زَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقًا، أَوْ يَمِينًا فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا، أَوْ مَا نَوَاهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ ظِهَارٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.
وَحَكَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي الزَّوْجَةِ، فَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ ظِهَارًا لِشَبَهِهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَا نَوَاهُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً.
وَعَنْهُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] . وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهَارَ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ، وَالطَّلَاقَ مَعًا كَانَ ظِهَارًا ; لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ، لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.

فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، فَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ، تُجْزِئُهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا تُوجِبُ كَفَارَّتَيْنِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ لِلظِّهَارِ وَلِتَحْرِيمِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ أَوْجَبَ بِذَلِكَ فَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَا.

[مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ]

فَصْلٌ (وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) فَكُلُّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ أَشْبَهَ الطَّلَاقَ.
قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": فَإِنَّ أَحْمَدَ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، وَفِي " الْمُوجَزِ " مُكَلَّفٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ إِلَّا الْأَبُ، وَالسَّيِّدُ (مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ ذِمِّيًّا) عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ

لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ، وَلَا إِيلَاءٌ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ.
وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ، أَوْ أُمِّ وَلَده لَمْ يَصِحَّ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ

[المبدع في شرح المقنع]

إِذَا حَنِثَ فَوَجَبَ صِحَّةُ ظُهَارِهِ كَالْمُسْلِمِ، وَكَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَيُكَفِّرُ بِمَالٍ فَقَطْ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُعْتِقُ بِلَا نِيَّةٍ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ مُرْتَدٍّ.
وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": وَيُعْتِقُ ; لِأَنَّهُ مِنْ فَرْعِ النِّكَاحِ، أَوْ قَوْلٍ لَمُنْكَرٍ وَزَوْرٍ، وَالذِّمِّيُّ أَهْلٌ لِذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِكَفَّارَةِ الصَّيْدِ إِذَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ وَيَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ، لَا الصِّيَامُ، وَلَا تَمْتَنِعُ صِحَّةُ الظِّهَارِ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ.
وَالنِّيَّةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ كَالنِّيَّةِ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّتَهُ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ، وَإِنَّ مَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَهُوَ الطِّفْلُ وَزَائِلُ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، لَا يَصِحُّ مِنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ، وَلَا إِيلَاءٌ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ) كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزَّوْرِ، وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ.
وَفِي " الْمَذْهَبِ " فِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " يُحْتَمَلُ أَلَّا يَصِحَّ ظِهَارُهُ ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الزُّورِ وَحُصُولِ التَّكْفِيرِ، وَالْمَأْثَمِ وَإِيجَابِ مَالٍ، أَوْ صَوْمٍ.
قَالَ: وَأَمَّا الْإِيلَاءُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَإِسْلَامُهُ وَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرِ اللَّهِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ لِرَفْعِ الدَّعْوَى.
(وَيَصِحُّ مَنْ كُلِّ زَوْجَةٍ) كَبِيرَةً كَانَتْ، أَوْ صَغِيرَةً مُسْلِمَةً، أَوْ ذِمِّيَّةً، أَمْكَنَ وَطْؤُهَا أَوْ لَا ; لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ; لِأَنَّ الظِّهَارَ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ، وَجَوَابُهُ الْعُمُومُ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَغَيْرِهَا.
(فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ، أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لَمْ يَصِحَّ) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَمْرٍو،

الْيَمِينِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ.
وَإِنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي لَمْ يَكُنْ مُظَاهَرَةً وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ.
وَعَنْهُ:

[المبدع في شرح المقنع]

وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] فَخَصَّهُنَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ تَعَلَّقَ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ، فَلَا تَحْرُمُ بِهِ الْأَمَةُ كَالطَّلَاقِ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) . نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَتَحْرِيمِ سَائِرِ مَالِهِ.
وَقَالَ نَافِعٌ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، جَارِيَتَهُ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ» . (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) وَنَقَلَهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمُنْكِرِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالزُّورِ، وَلَكِنْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَتَوَجَّهُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ كَانَ مُظَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي.
وَفِي " عُمُدِ الْأَدِلَّةِ " وَ " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةُ أَنَّهُ يَصِحُّ، قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنْ أَعْتَقَهَا، فَهُوَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَيَتَزَوَّجُهَا إِنْ شَاءَ.
1 - (وَإِنْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي) أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتُ فَلَانًا، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي (لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً) رِوَايَةً وَاحِدَةً.
قَالَ الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ كَالطَّلَاقِ.
وَعَنْهُ: ظِهَارٌ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فَتُكَفِّرُ إِنْ طَاوَعَتْهُ، وَإِنِ اسْتَمْتَعَتْ بِهِ، أَوْ عَزَمَتْ فَكَمُظَاهِرٍ (وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَصَحَّحَهُ الْحَلْوَانِيُّ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، فَاسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرُوهَا أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهَا زَوْجٌ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالزُّورِ كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٍ فَاسْتَوَى فِيهَا الْمَرْأَةُ، وَالرَّجُلُ.
قَالَهُ

كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلِيَّ

[المبدع في شرح المقنع]

أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الظِّهَارُ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ (وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِيَمِينِهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ كَالرَّجُلِ.
وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ.
وَنَقَلَ صَالِحٌ لَهُ أَنْ يَطَأَ قَبْلَ أَنْ تُكَفِّرَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " يَحْرُمُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءٌ قَبْلَهُ، يَعْنِي: كَمُظَاهِرٍ.
(وَعَنْهُ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ) وَأَشْبَهُ بِأُصُولِهِ ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِحَلَالٍ كَتَحْرِيمِ الْأَمَةِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَيْسَ بِظَهِارٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
إِنَّمَا قَالَ: الْأَحْوَطُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحْوَطَ التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْكَفَّارَاتِ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلَافِ.
(وَعَنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وَلَيْسَ بِظِهَارٍ، فَلَمْ تَجِبْ كَفَّارَةٌ كَالنَّسَبِ، وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا لَمْ تَجِبْ إِلَّا بِوَطْئِهَا مُطَاوَعَةً، فَإِنْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا، أَوْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ، فَلَا كَفَّارَةَ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَلَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا عَلَّقَتْهُ بِتَزَوُّجِهَا لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ، إِنَّمَا سُئِلَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: ظِهَارٌ.
وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ لَهُ فِي " الْمُفْرَدَاتِ ": هَذَا ظِهَارٌ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَعِنْدَكُمْ لَا يَصِحُّ، قُلْنَا: يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، فَالْخَبَرُ أَفَادَ الْكَفَّارَةَ، وَصِحَّتُهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَهُ، بَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ قِيَاسَهُ قَوْلُهَا: أَنَا عَلَيْكَ كَظَهْرِ أُمِّكَ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمٌ عَلَيْهَا.

(وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا.
نَصَرَهُ فِي

حَرَامٌ يُرِيدُ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ.
وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَمُطْلَقًا وَمُؤَقَّتًا نَحْوَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ

[المبدع في شرح المقنع]

" الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فَصَحَّ عَقْدُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالطَّلَاقِ، وَالْإِيلَاءِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ قَيْدَ النِّكَاحِ.
وَلَا يُمْكِنُ حَلُّهُ قَبْلَ عَقْدِهِ.
وَالظِّهَارُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعَقْدِ كَالْحَيْضِ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِنِسَائِهِ لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهِنَّ.
وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ هُنَا لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ، فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنِسَائِهِ.
(لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا تَحَقَّقَ مَعْنَى الظِّهَارِ فِيهَا وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وَطْؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ; لِأَنَّهُ شَأْنُ الْمُظَاهِرِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ إِذَا تَزَوَّجَ نِسَاءً وَأَرَادَ الْعَوْدَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لِكُلِّ عَقْدٍ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنَّ مِثْلَهَا فِي التَّحْرِيمِ فِي الْحَالِ - دُيِّنَ.
وَفِي الْحُكْمِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لِلظِّهَارِ، وَالثَّانِي: بَلَى ; لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ كَأُمِّهِ.
(وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يُرِيدُ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَذَلِكَ) أَيْ: فَهُوَ ظِهَارٌ ; لِأَنَّ لَفْظَةَ الْحَرَامِ إِذَا أُرِيدَ بِهَا، فَهُوَ ظِهَارٌ مِنَ الزَّوْجَةِ، فَكَذَا الْأَجْنَبِيَّةُ، فَعَلَيْهِ لَا يَطَؤُهَا إِذَا تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ (وَإِنْ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ) . وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهٌ.
1 - (وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ) فَإِذَا وُجِدَ فَمُظَاهِرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَمُطْلَقًا)

أُمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ، أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَمَتَى انْقَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ، وَإِنْ أَصَابَهَا فِيهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.

[المبدع في شرح المقنع]

إِنْ قَصَدَ الْيَمِينَ وَاخْتَارَهُ، وَمَثَّلَ بِالْحِلِّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَأَفْعَلَنَّ.
(وَمُؤَقَّتًا نَحْوَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ) «لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، قَالَ: ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي شَهْرَ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الشَّهْرِ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ» ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ التَّقْيِيدَ وَلَمْ يَعِبْهُ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فَصَحَّ تَوْقِيتُهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ بِيَمِينٍ لَهَا كَفَّارَةٌ، فَصَحَّ أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً كَالْإِيلَاءِ.
لَا يُقَالُ: الظِّهَارُ طَلَاقٌ فِي الْأَصْلِ، فَيَجِبُ أَلَّا يَصِحَّ تَقْيِيدُهُ كَالنِّكَاحِ ; لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي تَعْلِيقِهِ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ.
(أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ) لِأَنَّهُ يَمِينٌ فَجَازِ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْرُمُ بِهِ الزَّوْجَةُ فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالطَّلَاقِ (فَمَتَى انْقَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ صَادَفَ ذَلِكَ الزَّمَنَ دُونَ غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْقَضِيَ بِانْقِضَائِهِ.
(وَإِنْ أَصَابَهَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْوَقْتِ (وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْجَبَهَا عَلَى سَلَمَةَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مُظَاهِرٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحرَّرِ ". وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَهُ أَهْلٌ، هِيَ يَمِينٌ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ عَكْسُهُ، فَلَا ظِهَارَ.
نَصَّ عَلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ شَاقِلَا، وَابْنِ بَطَّةَ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ زَيْدٌ فَشَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ; لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَيْئَيْنِ، فَلَا يَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ يَحْرُم

ُ وَطْءُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ،

وَهَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا دُونَ الْفَرْجِ؟

[المبدع في شرح المقنع]

[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ]

[وَطْءُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ] فَصْلٌ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ (يَحْرُمُ وَطْءُ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ) إِذَا كَانَ بِالْعِتْقِ، أَوِ الصِّيَامِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِلْآيَةِ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ بِالْإِطْعَامِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِمَا رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؛ فَقَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، فَقَالَ: لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: الْمُرْسَلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ.
(وَهَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا دُونَ الْفَرْجِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ مَا حَرُمَ الْوَطْءُ مِنَ الْقَوْلِ حَرُمَ دَوَاعِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْإِحْرَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ.
نَقَلَهَا الْأَكْثَرُ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " هِيَ أَظْهَرُهُمَا ; لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ فِيهِ كَفَارَّةٌ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ التَّحْرِيمُ كَوَطْءِ الْحَائِضِ.
وَالْمُرَادُ مِنَ الْتَّمَاس فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا إِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ) وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرِ الْمَسِيسَ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ.
وَجَوَابُهُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاتِّحَادِ الْوَاقِعَةِ.

[وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ]

(وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ) أَيْ: تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ (بِالْعَوْدِ، وَهُوَ الْوَطْءُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ) . اخْتَارَهُ

عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا إِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.

وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ، وَهُوَ الْوَطْءُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ إِنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ، وَإِنْ مَاتَ

[المبدع في شرح المقنع]

الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ ". وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَقِبَ الْعُوْدِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعَلُّقَهَا بِهِ فَمَتَى وَطِئَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِشَرْطَيْنِ: ظِهَارٌ وُعَوْدٌ، وَالْمُعَلَّقُ لَا وُجُودَ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِهِمَا إِلَّا أَنَّهَا شَرْطٌ لِحَلِّ الْوَطْءِ فَيُؤْمَرُ بِهَا مَنْ أَرَادَهُ لِيَسْتَحِلَّهُ بِهَا كَمَا يُؤْمَرُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَنْ أَرَادَ حَلَّهَا.
ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَلِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْقَوْلِ هُوَ فِعْلٌ بضِدَّ مَا قَالَ كَمَا أَنَّ الْعَوْدَ فِي الْهِبَةِ اسْتِرْجَاعُ مَا وَهَبَ، وَيَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهَا بِعَزْمِهِ عَلَى الْوَطْءِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ قَبْلَهُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " فِي الطَّلَاقِ إِنْ عَزَمَ فَيَقِفُ مُرَاعًا.
(وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ وَطِئَ، وَهِيَ عِنْدَهُ فِي حَقِّ من وَطِئَ كَمَنْ لَمْ يَطَأْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْعَوْدُ إِمْسَاكُهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنًا يُمْكِنُ طَلَاقُهَا فِيهِ، وَقَالَ دَاوُدُ: الْعَوْدُ تَكْرَارُ الظِّهَارِ مَرَّةً ثَانِيَةً.
(وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ) وَغَيْرُهُمَا (هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ) ، وَذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ رِوَايَةً ; لِأَنَّهُ قَصَدَ تَحْرِيمَهَا، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْوَطْءِ فَقَدْ عَادَ فِيمَا قَصَدَ، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ

أَحَدُهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَثِمَ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَتُجْزِئُهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

تَحْرِيمٌ، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا فَقَدْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ، فَكَانَ عَائِدًا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّكْفِيرِ عَقِبَ الْعَوْدِ قَبْلَ التَّمَاسِّ، وَكَلَامُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْعَوْدَ لَيْسَ هُوَ إِمْسَاكَ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا عَقِبَ يَمِينِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ قَصَدَهُ وَفَعَلَ مَا حَرَّمَهُ دُونَ الْإِمْسَاكِ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ فِعْلٌ، وَالْإِمْسَاكُ تَرْكُ الطَّلَاقِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] وَ " ثُمَّ " لِلتَّرَاخِي، وَالْمُهْلَةِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْإِمْسَاكَ عَقِبَ الظِّهَارِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْعَازِمِ عَلَى الْوَطْءِ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْوَطْءِ إِلَّا أَبَا الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْعَزْمِ، أَوْ طَلَّقَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْكَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
حَكَاهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَطَعَ فِي " الْمُحَرَّرِ " بِالْكَفَّارَةِ، وَحَكَاهُ عَنِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ.
(وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ، لَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ فَارَقَهَا قَبْلَ الْعَوْدِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهَا هُوَ الْوَطْءُ، وَلَمْ يُوجَدْ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَرُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ مَنْ وَرِثَهَا إِذَا كَفَّرَ وَرِثَهَا، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ كَالْمُؤْلِي مِنْهَا (وَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ) سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ، أَوْ لَا.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ لِلْآيَةِ.
وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي امْرَأَتِهِ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَمَاسَّا حَتَّى يُكَفِّرَ كَالَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُهَا بِالطَّلَاقِ كَالْإِيلَاءِ.
(وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَثِمَ) مُكَلَّفٌ ; لِأَنَّهُ بِوَطْئِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَاصٍ رَبَّهُ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ (وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) وَلَوْ مَجْنُونًا.
نَصَّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْقُطُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالصَّلَاةِ إِذَا غَفَلَ عَنْهَا فِي وَقْتِهَا وَتَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يُكَفِّرَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا وَأَنَّهُ كَالْيَمِينِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَكَذَا فِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ كَالْإِيلَاءِ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ "

وَإِنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ الْأَمَةَ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَبْطُلُ الظِّهَارُ وَتَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

وَإِنْ كَرَّرَ الظِّهَارَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَغَيْرِهِ إِنْ أَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ نَائِمًا، فَلَا عَوْدَ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ.
(وَتُجْزِئُهُ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ) لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الظِّهَارَ، وَالْعَوْدَ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَتَيْنِ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ ; لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ وَقْتُهَا لِكَوْنِهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ.

[ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا]

(وَإِنْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ) . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا ظَاهَرَ مَنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ مَلَكَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَحُكْمُ الظِّهَارِ بَاقٍ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ لَا يَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ وَالْحِلِّ فَبِمَلِكِ الْيَمِينِ أَوْلَى.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وَأَبُو الْخَطَّابِ (يُبْطِلُ الظِّهَارَ) لِأَنَّ شَرْطَهُ الزَّوْجِيَّةَ، وَقَدْ زَالَتْ فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ لِزَوَالِ شَرْطِهِ (وَتَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لَا غَيْرُ كَمَا لَوْ كَانَ تَظَاهَرَ مِنْهَا، وَهِيَ أَمَتُهُ وَيَتَخَرَّجُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا هُنَا أَنَّهَا تُبَاحُ لَهُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الظِّهَارَ وَجَعَلَهُ يَمِينًا لِتَحْرِيمِ أَمَتِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ أَجَزَأَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ، وَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ

[كَرَّرَ الظِّهَارَ]

(وَإِنْ كَرَّرَ الظِّهَارَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَكَفَّارَتُهُ وَاحِدَةٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ يَنْوِي بِهِ الِاسْتِئْنَافَ، أَوِ التَّأْكِيدَ، أَوْ يُطْلِقَ.
نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمْعٌ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يُؤْثِرْ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهَا أَثَبَتَتْ فِي الْمَحَلِّ تَحْرِيمًا أَشْبَهَتِ الْأُولَى، وَعَنْهُ: إِنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ فَكَفَّارَاتٌ بِعَدَدِهِ، وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ.
وَعَنْهُ: بِعَدَدِهِ.
(وَعَنْهُ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ; لِأَنَّ

فَكَفَّارَتُهُ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ، فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَاتٍ فَلِكُلُّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ.

فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ

[المبدع في شرح المقنع]

الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَأْنَفٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِثْلَ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّأْكِيدَ.
(فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) بِأَنْ قَالَ أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، رَوَاهُ عَنْهُمَا الْأَثْرَمُ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ: لِكُلِّ امْرَأَةٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ أَفْرَدَهَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كَفَّارَةً تَرْفَعُهَا وَتُكَفِّرُ إِثْمَهَا، وَالظِّهَارُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، الْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَهَا وَتَمْحُو إِثْمَهَا، بِخِلَافِ الْكَلِمَاتِ (وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَاتٍ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ) ، قَالَهُ عُرْوَةُ وَعَطَاءٌ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي: هَذَا الْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فِي مَحَالَّ مُخْتَلِفَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَتْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ.
وَعَنْهُ: تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ اتِّبَاعًا لِعُمْرَ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ حَقُّ للَّهِ، فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهَا كَالْحَدِّ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ يُدْرَأَ بِالشُّبْهَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ يُخْرِجُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، يَعْنِي: بِفِعْلٍ، أَوْ أَفْعَالٍ.

[فَصْلٌ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا]

فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
الْكَفَّارَةُ مَأْخُوذٌ مَعْنَاهَا مِنَ الْكُفْرِ، وَهُوَ السَّتْرُ ; لِأَنَّهَا تَسْتُرُ الذَّنْبَ (كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ.
وَفِي " الْكَافِي ": غَيْرُ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ، أَوْ يَخَافُ زِيَادَتُهُ، أَوْ بُطْأهُ.
وَذَكَرَ

شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وَكَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ مِثْلُهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلُهُمَا إِلَّا فِي الْإِطْعَامِ فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِذا وَجَبَتْ، وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَعْسَرَ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا الْعِتْقُ، وَإِنْ وَجَبَتْ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَيْسَرَ لَمْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُؤَلِّفَ وَغَيْرَهُ: أَوْ لِشَبَقٍ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ ": أَوْ لِضَعْفِهِ عَنْ مَعِيشَةٍ تَلْزَمُهُ.
وَفِي " الرَّوْضَةِ " لِضَعْفٍ عَنْهُ، أَوْ كَثْرَةِ شُغْلٍ، أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ.
﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة: 3] الْآيَتَيْنِ «وَلِحَدِيثِ خُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ ظَاهَرَ مِنْها، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تُعْتِقُ رَقَبَةً قَالَتْ، يَعْنِي امْرَأَتَهُ: لَا يَجِدُ، قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَتْ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا كَانَ الْمَظَاهِرُ حُرًّا وَيَأْتِي حُكْمُ الْعَبْدِ (وَكَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي) نَهَارِ (رَمَضَانَ مِثْلُهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَقَدْ سَبَقَ.
(وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلَهُمَا) لِأَنَّ التَّحْرِيرَ، وَالصِّيَامَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (إِلَّا فِي الْإِطْعَامِ فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ) أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ كَالْعِتْقِ، وَالصِّيَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، اخْتَارَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " وَ " الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ " ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فِيهَا عِتْقٌ وَصَوْمٌ، فَكَانَ فِيهَا إِطْعَامٌ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
(وَالِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَجَبَ، وَهُوَ عَبْدٌ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَهُ الْأَثْرَمُ (فَإِذا وَجَبَتْ، وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أُعْسِرَ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا الْعِتْقُ) ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِهِ.
(وَإِنْ وَجَبَتْ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ) لِأَنَّه غَيْرَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: الصَّوْمُ بَدَلٌ عَنِ الْعِتْقِ، فَإِذَا وَجَدَ مَنْ يُعْتِقُهُ وَجَبَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ فِيهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمَاءَ إِذَا وُجِدَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْعِتْقَ لَوْ وُجِدَ بَعْدَ فِعْلِهِ لَمْ يَبْطُلْ.
(وَلَهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) لَأَنَّ الْعِتْقَ هُوَ الْأَصْلُ

يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ وَلَهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ.
وَعَنْهُ فِي الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الِاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ فَمَنْ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ.

[المبدع في شرح المقنع]

فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَسَائِرِ الْأُصُولِ (وَعَنْهُ فِي الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ) بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ حَنِثَ، وَهُوَ عَبْدٌ، فَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُهُ إِلَّا الصَّوْمُ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، فَإِنْ كَفَرَ بِهِ أَجْزَأَهُ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ فِي رِقِّهِ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِحُرِّيَّتِهِ كَالْحَدِّ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَعَلَى الْأُخْرَى هُوَ كَالْحُرِّ ; لِأَنَّ رِقَّهُ جَعَلَهُ كَالْمُعْسِرِ، فَإِذَا أَتَى بِالْعِتْقِ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ.
(وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الِاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ) لِأَنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِوُجُودِ الْمَالِ فَاعْتُبِرَتْ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ كَالْحَجِّ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةُ الْعُمُرِ وَجَمِيعُهُ وَقْتٌ لَهَا، فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهِ وَجَبَ بِخِلَافِهِ هُنَا، (فَمَنْ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ (فَإِنْ شُرِعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ) . وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعِتْقِ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِالصِّيَامِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إِلَى مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ كَالْمُتَمَتِّعِ يَجِدُ الْهَدْيَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صِيَامِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ، وَيُفَارِقُ مَا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ قَضَاءَهَا يَسِيرٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: السُّنَّةُ فِيمَنْ صَامَ مِنَ الشَّهْرَيْنِ، ثُمَّ أَيْسَرَ أَنْ يَمْضِيَ.
وَذَكَرَ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْأَدَاءِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حَالَةُ الْأَدَاءِ كَالْوُضُوءِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ) الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْحَكَمُ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ فِيهَا.
أَصْلٌ: إِذَا تَكَلَّفَ الْعِتْقَ مِمَّنْ فَرْضُهُ الصِّيَامُ أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ فَوَقْتُهُ فِي الظِّهَارِ مِنْ حِينِ الْعَوْدِ لَا وَقْتَ الْمُظَاهَرَةِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا

فَصْلٌ فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً، أَوْ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهَا بِمَا هُوَ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ عَلَى الدَّوَامِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا لَزِمَهُ الْعِتْقُ

وَمَنْ لَهُ خَادِمٌ

[المبدع في شرح المقنع]

تَجِبُ حَتَّى يَعُودَ وَوَقْتُهُ فِي الْيَمِينِ مِنِ الْحِنْثِ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ، فَلَوْ كَانَ الْمُظَاهِرُ ذِمِّيًّا فَتَكْفِيرُهُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَيَتَعَيَّنُ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِرَائِهِ، وَيَتَعَيَّنُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتِي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، فَيَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ، فَلَوْ ظَاهَرَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَصَامَ فِيهَا لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ كَفَرَ بِغَيْرِهِ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.

[فَصْلٌ مَنْ مَلَكَ رَقَبَةً]

[مَنْ مَلَكَ رَقَبَةً وَأَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهَا]

فَصْلٌ (فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً) لَزِمَهُ، فَلَوِ اشْتَبَهَ عَبْدُهُ بِعَبِيدِ غَيْرِهِ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ بِأَنْ يُعْتِقَ الرَّقَبَةَ الَّتِي فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الرِّقَابِ فَيُعْتِقُ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(أَوْ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهَا بِمَا هُوَ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ عَلَى الدَّوَامِ) ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْمُفْلِسِ الْمُقْدِمِ عَلَى الْكَفَّارَةِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(وَغَيْرِهَا مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ) لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ كِفَايَتِهِ وَمُسَاوِيَةٌ لَهَا بِدَلِيلِ تَقْدِيمِهَا عَلَى غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ.
(بِثَمَنِ مِثْلِهَا) لِأَنَّ مَا حَصَلَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ كَالتَّيَمُّمِ (لَزِمَهُ الْعِتْقُ) إِجْمَاعًا وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الصِّيَامِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا حُرًّا مَعَ شَرْطٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُكَفِّرَ فَاضِلًا عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ وَفِيهِ رِوَايَةٌ، لَا مَالَ يَحْتَاجُهُ لِأَكْلِ الطَّيِّبِ وَلُبْسِ النَّاعِمِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ لِعَدَمِ عِظَمِ الْمَشَقَّةِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ

[لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ]

(وَمَنْ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ) لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْدِمُ نَفْسَهُ عَادَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعْتَاقٌ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ كَمَنْ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِعَطَشٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ امْرَأَتَهُ، وَهُوَ مِمَّنْ عَلَيْهِ إِخْدَامُهَا، أَوْ كَانَ

يَحْتَاجُ إِلَى خدمته، أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا، أَوْ دَابَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا، أَوْ ثِيَابٌ يَتَجَمَّلُ بِهَا، أَوْ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، أَوْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا تُجْحِفُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ.
وَإِنْ وَجَدَهَا بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ به، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَأَمْكَنَهُ شِرَاؤُهَا بِنَسِيئَةٍ لَزِمَهُ.

وَلَا تُجْزِئُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

لَهُ رَقِيقٌ يَتَقَوَّتُ بِخَرَاجِهِمْ فَكَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَهُ خَادِمٌ، وَهُوَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ عَادَةً لَزِمَهُ الْإِعْتَاقُ ; لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ سُرِّيَّةٌ لَمْ يَلْزَمْ إِعْتَاقُهَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ سُرِّيَّةٍ غَيْرِهَا وَرَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّ الْغرْضَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَهُ رَقَبَةٌ يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ رَقَبَتَيْنِ بِثَمَنِهَا، يَسْتَغْنِي بِخِدْمَةِ إِحْدَاهُمَا وَيُعْتِقُ الْأُخْرَى.
(أَوْ دَارٍ يَسْكُنُهَا، أَوْ دَابَّةٍ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دَارٌ يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ لِسَكَنِ مِثْلِهِ، أَوْ رَقَبَةٍ، أَوْ ضَيْعَةٍ يَفْضُلُ مِنْهَا عَنْ كِفَايَتِهِ مَا يُمْكِنُهُ شِرَاءُ رَقَبَةٍ لَزِمَهُ، وَيُرَاعِي فِي ذَلِكَ الْكِفَايَةَ الَّتِي يَحْرُمُ مَعَهَا أَخْذُ الزَّكَاةِ.
(أَوْ ثِيَابٍ يَتَجَمَّلُ بِهَا) لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْعِتْقِ لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ مَلَابِسُ فَاخِرَةٌ تَزِيدُ عَلَى مَلَابِسِ مِثْلِهِ يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ فِي لِبَاسِهِ وَرَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا، لَزِمَهُ.
(أَوْ كُتُبِ) عِلْمٍ (يَحْتَاجُ إِلَيْهَا) أَوْ عَقَارٍ يَحْتَاجُ إِلَى غَلَّتِهِ، أَوْ عَرَضٍ لِلتِّجَارَةِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رِبْحِهِ فِي مُؤْنَتِهِ (أَوْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا تُجْحِفُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ، (وَإِنْ وَجَدَهَا بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَقَيَّدَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا.
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا تُجْحِفُ بِهِ، أَشْبَهُ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ يَجِدُ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْعَادِمَ وَأَصْلُهُمَا الْعَادِمُ لِلْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَإِنْ وَجَدَ رَقَبَةً رَفِيعَةً يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا رَقَبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا لَزِمَهُ.
لَا ضَرَرَ فِي الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ فِي إِعْتَاقِهَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لَهَا.
(وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا) لِأَنَّ عَلَيْهِ مِنَّةً فِي قَبُولِهَا، وَذَلِكَ ضَرَرٌ فِي حَقِّهِ.
(وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَأَمْكَنَهُ شِرَاؤُهَا بِنَسِيئَةٍ) لِغَيْبَةِ مَالِهِ.
وَفِي " الرِّعَايَةِ "، أَوْ لِكَوْنِهِ دَيْنًا (لَزِمَهُ) فِي الْأَصَحِّ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ

فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَلَا

[المبدع في شرح المقنع]

فَبُذِلَ لَهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، وَالثَّانِي: وَقَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ لَا ; لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَرُبَّمَا تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ فَيَخْرُجُ هَاهُنَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَبِعْ نَسِيئَةً، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الصَّوْمُ.
قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِلْحَاجَةِ وَكَالْعَادِمِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ ظِهَارٍ لِلْحَاجَةِ لِتَحْرِيمِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ.
وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا كَانَ مَرْجُوَّ الْحُضُورِ قَرِيبًا لَمْ يَجُزِ الِانْتِقَالُ إِلَى الصِّيَامِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِظَارِ لِشِرَاءِ الرَّقَبَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا جَازَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
1 - فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَبْلَهُ، فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرُّ السَّاعَةَ عَنْ ظِهَارِي - عَتَقَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ: إِنْ ظَاهَرْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي - عَتَقَ، وَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.

[لَا تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَاتِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ]

(وَلَا تُجْزِئُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ) رِوَايَةً وَاحِدَةً.
قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] (وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ، وَالْأَكْثَرِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ قَتْلٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَقِيلَ: كَافِرَةٌ، وَقِيلَ: كِتَابِيَّةٌ، وَقِيلَ: ذِمِّيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الرَّقَبَةَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ مَا تَنَاوَلَهُ الْإِطْلَاقُ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى

تُجْزِئُهُ إِلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا كَالْعَمَى وَشَلَلَ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، أَوْ قَطْعَهُمَا، أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ أَوْ سَبَّابَتِهَا أَوِ الْوُسْطَى أَوِ الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصَرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ، وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُقَيَّدِ إِذَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ، وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ وَمَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَنَاسَبَ ذَلِكَ إِعْتَاقَهُ فِي الْكَفَّارَةِ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ: مَنْعُ حَرْبِيَّةٍ وَمُرْتَدَّةٍ اتِّفَاقًا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ فِي نَذْرِ عِتْقٍ مُطْلَقٍ رِوَايَةٌ مُخْرَجَةٌ مِنْ فِعْلٍ مَنْذُورٍ فِي وَقْتِ نَهْيٍ وَمِنْ مَنْعَه زَوْجَةٍ مِنْ حَجَّةِ نَذْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَلَا تُجْزِئُهُ إِلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا) ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْعَبْدِ مَنْفَعَتَهُ وَتَمْكِينَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا مَعَ مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا (كَالْعَمَى) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ لِفَقْدِهِ الْبَصَرَ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ إِلَى الْعَمَلِ.
(وَشَلَلِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ، أَوْ قَطْعِهِمَا) لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ الْبَطْشِ، وَالرِّجْلَ آلَةُ الْمَشْيِ، فَلَا يَتَهَيَّأُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَمَلِ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ.
وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مُقْعَدٌ وَمَجْنُونٌ مُطْبِقٌ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ الْمَعِيبَانِ ذَهَابَ مَنْفَعَةِ الْحِسِّ وَحُصُولَ الضَّرَرِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِكِفَايَةِ نَفْسِهِ يَكُونُ كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَدْ نَظَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْعُيُوبِ مِنْ كُلِّ بَابٍ إِلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَاعْتَبَرَ هُنَا مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ.
وَفِي الْأُضْحِيَّةِ مَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ، وَفِي النِّكَاحِ مَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْجِمَاعِ، وَفِي الْبَيْعِ مَا يُخِلُّ بِالْمَالِيَّةِ (أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ، أَوْ سَبَّابَتِهَا، أَوِ الْوُسْطَى، أَوِ الْخِنْصَرِ، وَالْبِنْصِرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ نَفْعَ الْيَدِ يَزُولُ أَكْثَرُهُ بِذَلِكَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ خِنْصَرُهُ وَبِنْصِرُهُ مِنْ يَدَيْنِ جَازَ عِتْقُهُ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ نَفْعَ الْكَفَّيْنِ بَاقٍ، وَقَطْعَ أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ كَقَطْعِهَا، وَإِنْ قُطِعَ مِنْ إِصْبَعٍ أُنْمُلَتَانِ، فَهُوَ كَقَطْعِهَا ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِمَنْفَعَتِهَا، وَإِنْ قُطِعَ مِنْ إِصْبَعٍ غَيْرِ الْإِبْهَامِ أُنْمُلَةٌ لَمْ يَمْنَعْ.
وَفِي " الْوَاضِحِ " أَنَّ مَقْطُوعَ الْإِبْهَامَيْنِ، لَا يُجْزِئُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُطِعَ أَحَدُهُمَا (. وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ) كَمَرَضِ السُّلِّ ; لِأَنَّ بُرْأَهُ يَنْدُرُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْعَمَلِ مَعَ بَقَائِهِ.
وَقِيلَ: أَوْ لَا، ثُمَّ مَاتَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ كَالْحُمَّى، وَنَحْوِهَا لَمْ يَمْنَعْ.
(وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ الْعَمَلِ) لِعَجْزِهِ عَمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَلِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ.
وَفِي مَعْنَاهُ الزَّمِنُ، وَالْمُقْعَدُ وَفِيهِمَا

الْعَمَلِ، وَلَا غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، وَلَا مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ، وَلَا أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ، وَلَا عِتْقُ مَنْ عَلِقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَلَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، وَلَا مَنِ

[المبدع في شرح المقنع]

رِوَايَةٌ (وَلَا غَائِبٌ، لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ) لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي حَيَاتِهِ.
وَالْأَصْلُ بَقَاءُ شَغْلِ الذِّمَّةِ، فَلَا تَبْرَأُ بِالشَّكِّ.
لَا يُقَالُ: الْأَصْلُ الْحَيَاةُ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ، لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ وُجِدَتْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ كَمَا لَوْ عُلِمَ بَعْدُ.
وَقِيلَ: يُعْتَقُ، وَلَا يُجْزِئُ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ خَبَرُهُ، أَجْزَأَ عِتْقُهُ ; لِأَنَّهُ عِتْقٌ صَحِيحٌ (وَلَا مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ) لِأَنَّهُ مَعْدُومُ النَّفْعِ ضَرُورَةَ اسْتِغْرَاقِ زَمَانِهِ فِي الْجُنُونِ، وَقِيلَ: أَوْ أَكْثَرَ وَقْتُهُ.
وَهُوَ أَوْلَى لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَمَامِ الْعَمَلِ.
وَفِي مَعْنَاهُ الْهَرَمُ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَلَا أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ) لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ زَائِلَةٌ أَشْبَهَ زَوَالَ الْعَقْلِ، وَلِأَنَّ الْخَرَسَ نَقْصٌ كَثِيرٌ يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ كَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا تَفْهَمُ إِشَارَتَهُ فَيَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ أَجْزَأَ.
صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " كَذَهَابِ الشَّمِّ، وَالْمَنْصُوصُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مُطْلَقًا حَكَاهُ فِي التَّعْلِيقِ وَأَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ.
فَإِنْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ لَمْ يُجْزِئْ وَإِلَّا أَجْزَأَ.
وَفِي " الْمُغْنِي ": الْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ وَفَهِمَ إِشَارَةَ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَقُومُ مُقَامَ الْكَلَامِ.
وَفِي " الْوَاضِحِ ": الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْأَصَمَّ ; لِأَنَّ الصَّمَمَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعَمَلِ (وَلَا عِتْقَ مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا) أَيْ: إِذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ يَنْوِي بِشِرَائِهِ عِتْقَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ عَتَقَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُجْزِئْ عِتْقُهُ كَالَّذِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ لِلْكَفَّارَةِ، أَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَه الَّذِي يَمْلِكُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحِقٌّ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ.
(وَلَا مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] ، وَالتَّحْرِيرُ فِعْلُ الْعِتْقِ، وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَا بِتَحْرِيرٍ مِنْهُ، وَلَا إِعْتَاقٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَمَا لَوْ وَرِثَهُ يَنْوِي بِهِ

اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَلَا مَكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا فِي اخْتِيَارِ شُيُوخِنَا.
وَعَنْهُ: يُجْزِئُ.
وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ مَكَاتَبٌ

[المبدع في شرح المقنع]

الْعِتْقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَيُخَالِفُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَائِعَ يُعْتِقُهُ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتِقْهُ، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِإِعْتَاقِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ.
الثَّانِي أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إِعْتَاقَهُ، وَالْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِ.
(وَلَا مَنِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ قَوْلُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَائِعَ نَقَصَهُ مِنَ الثَّمَنِ لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ عَنِ الْعِتْقِ عِوَضًا، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ.
وَعَنْهُ: بَلَى، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَالًا، أَوْ خِدْمَةً لَمْ يُجْزِئْهُ.
(وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ) وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ عِتْقَهَا مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى قَرِيبَةً، أَوْ عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهُ.
وَكَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ وَنَوَى عِتْقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يُجْزِئُ.
قَالَهُ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] وَمُعْتِقُهَا قَدْ حَرَّرَهَا.
وَجَوَابُهُ: الْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
(وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا فِي اخْتِيَارِ شُيُوخِنَا) وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَدَّى شَيْئًا فَقَدْ حَصَلَ الْعِوَضُ عَنْ بَعْضِهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَ رَقَبَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً سَالِمَةَ الْخَلْقِ تَامَّةَ الْمِلْكِ فَأَجْزَأَ كَالْمُدَبَّرِ.
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُ) وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ عَنْهَا كَالْمُدَبَّرِ، وَلِأَنَّهُ رَقَبَةٌ فَيَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْآيَةِ.
(وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ مَكَاتَبٌ بِحَالٍ) قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ إِبْطَالَ كِتَابَتِهِ، أَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مِنْ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ جَازَ بَيْعُهُمَا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَبَّرِ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَمْ يَحْصُلْ فِي مُقَابَلَةٍ مِنْهُ عِوَضٌ، بِخِلَافِ مَكَاتَبٍ أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ الْمَكَاتَبِ.
1 -

بِحَالٍ.
وَيُجْزِئُ الْأَعْرَجُ يَسِيرًا، وَالْمُجْدَعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، وَالْمَجْبُوبُ، وَالْخَصِيُّ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْأَصَمُّ، وَالْأَخْرَسُ الَّذِي يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ وَتَفْهَمُ إِشَارَتُهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: لَا يُجْزِئُ إِعْتَاقُ الْجَنِينِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمَلَّكُ إِلَّا بِالْإِرْثِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا كَوْنُهُ آدَمِيًّا لِكَوْنِهِ يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ نُطْفَةٌ، أَوْ عَلَقَةٌ وَلَيْسَ بِآدَمِيٍّ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
1 - تَنْبِيهٌ: إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِي إِعْتَاقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا، لَا يُمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ فَأَخَذَ أَرْشَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ عَنْهَا أَجْزَأَهُ.
وَالْأَرْشُ لَهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبِهِ وَأَخَذَ أَرْشَهُ، فَهُوَ لَهُ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ إِعْتَاقِهِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُصَرِّفُ الْأَرْشَ فِي الرِّقَابِ، فَإِنْ عَلِمَ الْعَيْبَ، وَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُعْتَقِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشٌ كَمَا لَوْ بَاعَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتِكَ وَلَكَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَفَعَلَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهَا ; لِأَنَّ الرَّقَبَةَ لَمْ تَقَعْ خَالِصَةً عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ

(وَيُجْزِئُ الْأَعْرَجُ يَسِيرًا) لِأَنَّهُ قَلِيلُ الضَّرَرِ بِالْعَمَلِ، بِخِلَافِ الْفَاحِشِ الْكَثِيرِ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرِّجْلِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ يَسِيرًا إِذَا كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْمَشْيِ.
(وَالْمُجْدَعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ) الْجَدْعُ قَطْعُ الْأَنْفِ، وَالْأُذُنِ، وَالشَّفَةِ، وَهُوَ بِالْأَنْفِ أَخَصُّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَمَلِ، فَهُوَ كَمَقْطُوعِ الْأُذُنَيْنِ وَكَنَقْصِ السَّمْعِ (وَالْمَجْبُوبِ، وَالْخَصِيِّ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْأَصَمُّ، وَالْأَخْرَسُ الَّذِي يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ وَتُفْهَمُ إِشَارَتُهُ) لِمَا ذَكَرْنَا.
وَخَالَفَ فِي " الْمُوجَزِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " فِي الْأَصَمِّ لِنَقْصِهِ، وَتُجْزِئُ الرَّتْقَاءُ، وَالْكَبِيرَةُ الَّتِي تَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ لِأَنَّ مَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ لَا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ.
1 - مَسَائِلُ: يُجْزِئُ مُسْتَأْجِرٌ وَمَرْهُونٌ وَأَحْمَقُ، وَالْجَانِي مُطْلَقًا وَإِنْ قُتِلَ قِصَاصًا، وَالْأَمَةُ الزَّوْجَةُ، وَالْحَامِلُ، وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهَا كَمَا لَا يَضُرُّ قَطْعُ أَصَابِعِ قَدَمِ وَكَذَهَابِ نُورِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ، وَالْإِجْزَاءُ فِي

وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَوَلَدُ الزِّنَا، وَالصَّغِيرُ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا صَلَّى

[المبدع في شرح المقنع]

الْهَدْيِ أَشْبَهَ الْعَمَى، 1 - (وَالْمُدَبَّرُ) فِي قَوْلِ طَاوُسٍ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ كَامِلُ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ عِوَضٌ كَالْقَنِّ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَإِنْ قِيلَ: بِعَدَمِ جَوازِهِ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ.
قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحِقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ أَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ.
(وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) قَبْلَ وُجُودِهَا ; لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ تَامٌّ (وَوَلَدِ الزِّنَا) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِدُخُولِهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ كَامِلُ الْعَقْلِ لَمْ يُعْتَقْ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا اسْتَحَقَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ أَشْبَهَ وَلَدَ الرَّشِيدَةِ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ الْمُلَازِمُ لِلزِّنَا كَمَا يُقَالُ: ابْنُ السَّبِيلِ الْمُلَازِمُ لَهَا وَوَلَدُ اللَّيْلِ يَسِيرُ فِيهِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُجْزِئُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ أَصْلًا وَعُنْصُرًا وَنَسَبًا ; لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءِ الزِّنَا، وَهُوَ خَبِيثٌ.
وَأَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ وَالِدَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ شَرُّهُمْ إِذَا عَمِلَ عَمَلَهُمْ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ وَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، فَكَذَا فِي عِتْقِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَيُجْزِئُ مَعَ كَمَالِ أَجْرِهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَشْفَعُ مَعَ صِغَرِهِ فِي أُمِّهِ، لَا أَبِيهِ (وَالصَّغِيرُ) كَذَا عَبَّرَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ: لَهُ سَبْعُ سِنِينَ إِنِ اشْتَرَطَ الْإِيمَانَ قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " لِدُخُولِهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ يُرْجَى مَنَافِعُهُ فَأَجْزَأَ كَالْمَرِيضِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ الْإِسْلَامُ بِدَلِيلِ إِعْتَاقِ الْفَاسِقِ.
قَالَ الثَّوْرِيُّ: الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلِهَذَا تَعَلَّقَ حُكْمُهُ بِكُلِّ مُسْلِمٍ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا صَلَّى وَصَامَ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْفِعْلُ دُونَ السِّنِّ، فَمَنْ صَلَّى وَصَامَ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَعْرِفُهُمَا وَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْآيَتَانِ بِنِيَّتِهِ وَأَرْكَانِهِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ السَّبْعَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا ; لِأَنَّهُ عَاجِزٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَشْبَهَ الزَّمَنَ.
وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يُجْزِئُ ابْنُ سَبْعٍ إِذَا صَلَّى وَصَامَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا

وَصَامَ، وَإِنْ أعَتَقَ نِصْفُ عَبْدٍ، وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيهِ فَأَعْتَقَهُ أَجَزْأَهُ إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الِاسْتِسْعَاءِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

يُجْزِئُ إِعْتَاقُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعٍ ; لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْعِبَادَاتُ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِي إِعْتَاقِ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ إِلَّا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: يُعْتِقُ الصَّغِيرَ إِلَّا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ لَا تُجْزِئُ إِلَّا مُؤْمِنَةٌ فَأَرَادَ الَّتِي صَلَّتْ.
وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، وَالصِّحَّةِ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ، وَالْإِسْلَامَ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ تَبَعًا.
(وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهُ فَأَعْتَقَهُ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةً فِي وَقْتَيْنِ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ فِي وَقْتَيْنِ (إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الِاسْتِسْعَاءِ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَحِقُّ الْعِتْقَ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهَا.
(وَإِنْ أَعْتَقَهُ) عَنْ كَفَّارَتِهِ (وَهُوَ مُوسِرٌ فَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ) عَتَقَ (لَمْ يُجْزِئْهُ نَصَّ عَلَيْهِ) اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّ عِتْقَ نِصْفِهِ لَمْ يَحْصُلْ بِالْمُبَاشِرَةِ بَلْ بِالسِّرَايَةِ كَمَا لَوْ عَتَقَ نِصْفُ عَبْدٍ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِأَهُ) إِذَا نَوَى إِعْتَاقَ جَمِيعِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا كَامِلَ الرِّقِّ سَلِيمَ الْخَلْقِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِتْقِ نَاوِيًا بِهِ الْكَفَّارَةَ، فَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِلْكَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ مُعَيَّنًا، أَوْ مُشَاعًا عَتَقَ كُلُّهُ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ نَوَى إِعْتَاقَ الْجُزْءِ الَّذِي بَاشَرَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ دُونَ غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ.
وَهَلْ يُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا نَوَى عَنِ الْكَفَّارَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفًا آخَرَ) أَيْ: نِصْفَ عَبْدَيْنِ، أَوْ أَمَتَيْنِ، أَوْ نِصْفَ عَبْدٍ وَنِصْفَ أَمَةٍ (أَجْزَأَهُ عِنْدَ

لَمْ يُجْزِئْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفًا آخَرَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَلَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ.

فَصْلٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حُرًّا كَانَ، أَوْ عَبْدًا وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ

[المبدع في شرح المقنع]

الْخِرَقِيِّ) وَفِي " الرَّوْضَةِ " هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْأَشْقَاصَ كَالْأَشْخَاصِ فِيمَا لَا يَمْنَعُ الْعَيْبَ بالْيَسِيرَ دَلِيلُهُ الزَّكَاةُ إِذَا كَانَ نِصْفُ ثَمَانِينَ شَاةً مَشَاعًا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً وَكَالضَّحَايَا، وَالْهَدَايَا إِذَا اشْتَرَكُوا فِيهَا.
(وَلَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَلَا تَحْصُلُ مِنْ إِعْتَاقِ نِصْفَيْنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " رِوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا أَجْزَأَهُ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إِذَا أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ كَفَارَّتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ إِعْتَاقَ الرَّقَبَةِ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنَ الشَّخْصَيْنِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ فِي تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ وَتَخْلِيصِ الْآدَمِيِّ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ.
وَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ الشِّقْصَيْنِ عَلَى الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ بِدَلِيلِ الشِّرَاءِ.
فَرْعٌ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَغْصُوبُ وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَفِي مُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَبَدًا: مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَأَمَّا نِضْوُ الْخَلْقِ ضَعِيفُ التَّرْكِيبِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَضْعُفُ عَنِ الْعَمَلِ مَعَ بَقَائِهِ أَجْزَأَهُ.

[فَصْلٌ مَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً]

[مَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ]

فَصْلٌ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رَقَبَةً يَشْتَرِيهَا، أَوْ وَجَدَهَا، وَلَمْ يَجِدْ ثَمَنَهَا، أَوْ وَجَدَهُ لَكِنْ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، أَوْ وَجَدَهَا وَلَكِنِ احْتَاجَهَا لِخِدْمَةٍ، وَنَحْوِهِ (فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ، وَمَعْنَاهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ صِيَامِ أَيَّامِهِمَا، فَلَا يُفْطِرُ فِيهِمَا، وَلَا يَصُومُ عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ.
(حُرًّا كَانَ) الْمُكَفِّرُ (أَوْ عَبْدًا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ) بَلْ يَكْفِي فِعْلُهُ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَشَرَائِطُ

جارٍ التحميل