فَصْلٌ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْفَاكِهَةِ، وَالْبِطِّيخِ، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمِينًا كَالْمَتَاعِ، وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ كَالْخَشَبِ،
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ، أَشْبَهَ السَّارِقَ، وَسَوَاءٌ بَطَّ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَوْ قَطَعَهُ، فَأَخَذَهُ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ بَطَّ جَيْبَهُ، فَسَقَطَ مِنْهُ نِصَابٌ، فَأَخَذَهُ قُطِعَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: لَا يُقْطَعُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَارِقًا كَالْمُخْتَلِسِ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا]
فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا) لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ قَطْعٌ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ غَيْرَ الْمَالِ لَا يُسَاوِي الْمَالَ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، لَا يُقَالُ: الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ، مُقَيَّدَةٌ بِهِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَعَلَى هَذَا: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ كَلْبٍ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا بِحُرٍّ لِمَا يَأْتِي (مُحْتَرَمًا) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ، تَجُوزُ سَرِقَتُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَجَوَازُ الْأَخْذِ مِنْهُ يَنْفِي وُجُوبَ الْقَطْعِ (سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْفَاكِهَةِ وَالْبِطِّيخِ، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمِينًا كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الثَّمَرِ: «مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ أُتْرُجَّةً فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَمَرَ عُثْمَانُ أَنْ تُقَوَّمَ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: هِيَ الْأُتْرُجَّةُ الَّتِي يَأْكُلُهَا النَّاسُ، وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يُتَمَوَّلُ عَادَةً، وَيُرْغَبُ فِيهِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ كَالْمُجَفَّفِ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ الْإِبَاحَةَ، أَوْ لَا، حَتَّى أَحْجَارٌ، وَلَبَنٌ، وَنَوْرَةٌ، وَفَخَّارٌ، وَزُجَاجٌ، وَمِلْحٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ: وَسِرْجِينٌ طَاهِرٌ، وَالْأَظْهَرُ:
وَالْقَصَبِ.
وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْطَعُ، فَسَرَقَهُ وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ، فَهَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَثَلْجٌ، وَفِي مَاءٍ وَجْهَانِ، وَفِي الْوَاضِحِ: فِي صَيْدِ مَمْلُوكٍ مُحْرَزٍ رِوَايَتَانِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا قَطْعَ فِي طَيْرٍ، لِإِبَاحَتِهِ أَصْلًا، قَالَ فِي الْفُصُولِ: قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ كَلُّ الْأَمْوَالِ كَذَلِكَ، وَعِنْدِي أَنَّ قَصْدَ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ فِي الْأَصْلِ، كَالصُّيُودِ، وَمَا شَاكَلَهَا، لَا قَطْعَ فِيهَا، وَفِي الرَّوْضَةِ: إِنْ لَمْ يُتَمَوَّلْ عَادَةً، كَمَاءٍ، وَكَلَإٍ مُحْرَزٍ، فَلَا قَطْعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَمْلُوكًا، تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا أَشْبَهَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَفْهَمُ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ، وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا عَاقِلًا لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِمًا، أَوْ مَجْنُونًا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ، وَغَيْرِهِ فِي الطَّاعَةِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ، كَأَعْجَمِيٍّ لَا يُمَيِّزُ، وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا، وَفِي الشَّرْحِ: إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ فِي حَالِ نَوْمِهِ، أَوْ جُنُونِهِ، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَوَجْهَانِ، وَفِي الْكَافِي: لَا يُقْطَعُ كَبِيرٌ، أَكْرَهُهُ، وَفِي التَّرْغِيبِ فِي عَبْدٍ نَائِمٍ وَسَكْرَانَ: وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا سَرَقَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يُقْطَعْ بِخِلَافِ مَالِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدَهُ هُوَ السَّارِقُ (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الصَّغِيرِ) كَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ مَسْرُوقٌ، أَشْبَهَ الْمَالَ وَالْبَهِيمَةَ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ كَالْكَبِيرِ النَّائِمِ (فَإِنْ قُلْنَا: لَا
يُقْطَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ، وَلَا مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ.
وَإِنْ سَرَقَ إِنَاءً فِيهِ خَمْرٌ، أَوْ صَلِيبًا، أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ، لَمْ يُقْطَعْ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ.
[المبدع في شرح المقنع]
يُقْطَعُ، فَسَرَقَهُ، وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ) أَوْ ثِيَابٌ تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابًا (فَهَلْ يُقْطَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ: لَا قَطْعَ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، أَشْبَهَ ثِيَابَ الْكَبِيرِ، وَلِأَنَّ يَدَ الصَّبِيِّ عَلَى مَا عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا يُوجَدُ مَعَ اللَّقِيطِ يَكُونُ لَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْكَبِيرُ نَائِمًا عَلَى مَتَاعٍ فَسَرَقَهُ وَثِيَابَهُ، لَمْ يُقْطَعْ، لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يُقْطَعُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَكَمَا لَوْ سَرَقَهُ مُفْرَدًا (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ) فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ) ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ، وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَالْفِقْهِ، وَقِيلَ: إِنْ سَرَقَهُ ذِمِّيٌّ قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَهُ مُسْلِمٌ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْطَعُ، وَعَلَيْهِ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، فَوَجْهَانِ (وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ) الْمُبَاحَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ حَقِيقَةً وَشَرْعًا، وَقِيلَ: إِنْ سَرَقَ كِتَابَ فِقْهٍ، أَوْ حَدِيثٍ يَحْتَاجُهُ لَمْ يُقْطَعْ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إِلَّا بِسَرِقَةِ دَفَاتِرِ الْحِسَابِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الْبِدَعِ وَالتَّصَاوِيرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ) كَطُنْبُورٍ، وَمِزْمَارٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مُفَصَّلًا نِصَابًا، لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ إِجْمَاعًا، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ كَالْخَمْرِ، وَقِيلَ: إِنْ سَرَقَهُ وَكَسَرَهُ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِلَّا قُطِعَ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا قَطْعَ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، أَشْبَهَ الْخَشَبَ وَالْأَوْتَارَ، وَالثَّانِي، وَقَالَهُ الْقَاضِي: يُقْطَعُ، لِأَنَّهُ سرق نصابا مِنْ حِرْزٍ، أَشْبَهَ الْمُفْرَدَ، (وَلَا مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ) ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ، لِأَنَّهَا عَيْنٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهَا كَالْخِنْزِيرِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنَ الذِّمِّيِّ، كَالدَّمِ، وَعَنْهُ: وَلَمْ يَقْصِدْ سَرِقَةً، وَفِي التَّرْغِيبِ مِثْلُهُ فِي إِنَاءِ نَقْدٍ، وَفِي الْفُصُولِ فِي قُضْبَانِ الْخَيْزُرَانِ وَمَخَادِّ الْجُلُودِ الْمُعَدَّةِ لِلصُّوفِيَّةِ: يُحْتَمَلُ كَآلَةِ لَهْوٍ، وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ (وَإِنْ سَرَقَ إِنَاءً فِيهِ خَمْرٌ) لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا
فَصْلٌ، الثَّالِثُ: أَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا قَطْعَ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، بِحَيْثُ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ بالشركة نصابا، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَوْ سَرَقَ إِنَاءً فِيهِ مَاءٌ أَوْ خَمْرٌ لَمْ يُقْطَعْ، عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، (أَوْ صَلِيبًا أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ) ، أَوْ فِضَّةٍ، وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: أَوْ صَنَمَ نَقْدٍ، وَهِيَ أَوْلَى (لَمْ يُقْطَعْ) ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَوَجْهُهُمَا مَا سَبَقَ فِي سَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَسَرَ آلَةَ النَّقْدَيْنِ بِكُلِّ وَجْهٍ، لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عَنِ النِّصَابِ، وَلِأَنَّهُمَا جَوْهَرَانِ يَغْلِبَانِ عَلَى الصَّنْعَةِ، وَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكَذَا يُقْطَعُ بِإِنَاءِ نَقْدٍ بِهَا تَمَاثِيلُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِنْكَارًا.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَبْلُغَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا]
فَصْلٌ
(الثَّالِثُ أَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا) فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةٍ دُونَ النِّصَابِ فِي قَوْلِهِمْ إِلَّا الْحَسَنَ، وَابْنَ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ كَالْكَثِيرِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فصاعدا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ» مَحْمُولٌ عَلَى حَبْلٍ، أَوْ بَيْضَةٍ تَبْلُغُ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْضَةِ بَيْضُ النَّعَامِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) لِأَنَّ غَيْرَهَا يُقَوَّمُ بِهَا لِمَا يَأْتِي، فَلَأَنْ يُقْطَعَ بِهَا نَفْسِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْعُرُوضِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِيهِ عَلَى أَنَّ الْعَرَضَ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ، لِأَنَّ الْمِجَنَّ قُوِّمَ بِهَا، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ، فَلِأَنَّ مَا كَانَ الْوَرِقُ
وَالْعُرُوضِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ: لَا تُقَوَّمُ الْعُرُوضُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ.
وَإِذَا سَرَقَ نِصَابًا، ثُمَّ نَقَصَتْ
[المبدع في شرح المقنع]
فِيهِ أَصْلًا كَانَ الذَّهَبُ فِيهِ أَصْلًا، كَنِصَابِ الزَّكَاةِ، وَالدِّيَاتِ، وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ مِجَنًّا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَقَطَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأُتِيَ عُثْمَانُ بِرَجُلٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، فَقُطِعَ، وَقَالَ عَلِيٌّ: فَمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الدَّرَاهِمِ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً، فَلَوْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً فَلَا، خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِيهَا (وَعَنْهُ: أَنَّهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا) نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهَا أَوْلَى، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، لِخَبَرِ عَائِشَةَ، وَلِقَوْلِهِ: «اقْطَعُوا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، لَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» وَكَانَ رُبْعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَالدِّينَارُ اثْنَيْ عَشَرَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَهَذَا تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: " يَبْلُغُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: يَسْرِقُ عَرَضًا قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا، (وَعَنْهُ: لَا تُقَوَّمُ الْعُرُوضُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ) لِأَنَّ التَّقْوِيمَ حَصَلَ بِهَا لَا بِالذَّهَبِ، وَاخْتُلِفَ فِي الذَّهَبِ، هَلْ هُوَ أَصْلٌ فِي الْقَطْعِ نَفْسِهِ؟ فَعَنْهُ: نَعَمْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ: لَا، فَعَلَى هَذِهِ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ، فَمَا سَاوَى مِنْهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُبْعَ دِينَارٍ، وَمَا لَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، لَمْ يُقْطَعْ بِهِ، وَإِنْ بَلَغَ رُبْعَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: أَقَلُّهُ رُبْعُ دِينَارٍ، فَلَوْ كَانَ دُونَهَا، وَيُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، لَمْ يُقْطَعْ، وَعَلَى هَذَا: هُوَ أَصْلٌ فِي التَّقْوِيمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُؤَلِّفِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ، فَكَانَ التَّقْوِيمُ بِهِ كَالْآخَرِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَيْسَ بِأَصْلٍ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ الدَّرَاهِمُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: مَتَى بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ أَدْنَى النِّصَابَيْنِ قُطِعَ، وَعَلَى الْأُخْرَى: الِاعْتِبَارُ بِالدَّرَاهِمِ فَقَطْ، وَفِي تَكْمِيلِهِ بِضَمٍّ مِنَ النَّقْدَيْنِ وَجْهَانِ، وَيَكْفِي تِبْرٌ فِي الْمَنْصُوصِ، أَيْ: يَكْفِي وَزْنُ التِّبْرِ،
قِيمَتُهُ، أَوْ مَلَكَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ.
وَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ، فَذَبَحَ شَاةً قِيمَتُهَا نِصَابٌ، فَنَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ فَرْدَ خُفٍّ قِيمَتُهُ مُنْفَرِدًا دِرْهَمَانِ، وَقِيمَتُهُ وَحْدَهُ مَعَ الْآخَرِ أَرْبَعَةٌ، لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِالْمَضْرُوبِ.
[سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ]
(وَإِذَا سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ: بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، لِأَنَّ النُّقْصَانَ وُجِدَ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهَا الْقَطْعَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَصَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَلِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ النِّصَابِ حَالَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ (أَوْ مَلَكَهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ) لِمَا «رَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّهُ نَامَ عَلَى رِدَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ؟ إِنَّ هَذَا رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ النِّصَابَ شَرْطٌ فَلَمْ تُعْتَبَرِ اسْتِدَامَتُهُ كَالْحِرْزِ، لَكِنْ إِنْ مَلَكَ الْعَيْنَ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا عِنْدَهُ، لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِرَافِعِهِ عَفْوٌ، وَظَاهِرُ الْوَاضِحِ، وَغَيْرِهِ: قَبْلَ الْحُكْمِ، قَالَ أَحْمَدُ: تُدْرَأُ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ، فَإِذَا صَارَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَصَحَّ عِنْدَهُ الْأَمْرُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الِاعْتِرَافِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ آخَرُونَ: لَوْ مَلَكَهُ سَارِقُهُ قُطِعَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَحْمَدَ (وَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ، فَذَبَحَ شَاةً قِيمَتُهَا نِصَابٌ، فَنَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْقَطْعِ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ الْحِرْزِ الْعَيْنَ، وَهِيَ نِصَابٌ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مَذْبُوحَةً نِصَابًا قُطِعَ بِإِخْرَاجِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَلَا (وَإِنْ سَرَقَ فَرْدَ خُفٍّ قِيمَتُهُ مُنْفَرِدًا دِرْهَمَانِ، وَقِيمَتُهُ وَحْدَهُ مَعَ الْآخَرِ أَرْبَعَةٌ، لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ نِصَابًا، وَالْمَشْرُوطُ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ شَرْطِهِ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا دِرْهَمًا، وَمَعًا عَشَرَةً، غُرِّمَ ثَمَانِيَةً الْمُتْلَفَ، وَنَقْصَ التَّفْرِقَةِ، وَقِيلَ: دِرْهَمَيْنِ، وَكَذَا جُزْءًا مِنْ كِتَابٍ، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَتْلَفَ وَثِيقَةً لِغَيْرِهِ بِمَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِهَا، فَفِي إِلْزَامِهِ مَا تَضَمَّنَتْهُ احْتِمَالَانِ: أَقْوَاهُمَا: يَلْزَمُهُ، وَمِثْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِالضَّمَانِ فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْدِيلًا بِطَرَفِهِ دِينَارٌ مَشْدُودٌ يَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: أَوْ يَجْهَلُهُ، صَحَّحَهُ فِي " الْمُذْهَبِ ": كَجَهْلِهِ قِيمَتَهُ.
يُقْطَعْ، إِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ قُطِعُوا، سَوَاءٌ أَخْرَجُوهُ جُمْلَةً، أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءًا.
وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا وَدَخَلَاهُ، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا
[المبدع في شرح المقنع]
(إِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ قُطِعُوا) ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْأَصْحَابُ، كَهَتْكِ الْحِرْزِ، وَكَالْقِصَاصِ (سَوَاءٌ أَخْرَجُوهُ جُمْلَةً، أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءًا) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِ النِّصَابِ فَلَزِمَهُمُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَقِيلًا فَحَمَلُوهُ، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ، فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ، وَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ، إِلَّا أَنْ تُوجَدَ أَفْعَالُهُمْ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْيَدِ، وَهُنَا الْقَصْدُ الزَّجْرُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُمَاثَلَةٍ، وَعَنْهُ: يُقْطَعُ مَنْ أَخْرَجَ نِصَابًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ، لِأَنَّ الْقَطْعَ هُنَا لَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجِبُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي سُقُوطِهِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاطِ فِي إِيجَابِهِ، لِأَنَّهُ مِمَّا يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُقْطَعْ بَعْضُهُمْ لِشُبْهَةٍ، فَلَا قَطْعَ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْهُ، لِوِلَادَةٍ، أَوْ سِيَادَةٍ، أَوْ عَدَمِ تَكْلِيفٍ، قُطِعَ غَيْرُهُ فِي الْأَصَحِّ إِنْ أَخَذَ نِصَابًا، وَقِيلَ: أَوْ أَقَلَّ، وَلَمْ يَذْكُرْه فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْمُحَرَّرِ "، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا لَمْ يُقْطَعْ قُطِعَ الْأَجْنَبِيُّ، فَلَوْ أَقَرَّ بِمُشَارَكَةِ آخَرَ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ وَلَمْ يُقِرَّ الْآخَرُ، فَفِي الْقَطْعِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا سَرَقَ نِصَابًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ سَرَقَ مَا ظَنَّهُ فلوسا فبان نِصَابَ نَقْدٍ لَمْ يُقْطَعْ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ ".
[هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا وَدَخَلَاهُ]
(وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا وَدَخَلَاهُ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَحْدَهُ) قُطِعَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُخْرِجَ أَخْرَجَهُ بِقُوَّةِ صَاحِبِهِ وَمَعُونَتِهِ، (أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا، فَقَدَّمَهُ إِلَى بَابِ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ قُطِعَا) وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ وَأَخْرَجَاهُ، وَكَذَا إِنْ وَضَعَهُ وَسَطَ النَّقْبِ، فَأَخَذَهُ الْخَارِجُ، وَفِيهِ فِي التَّرْغِيبِ وَجْهَانِ، وَإِنْ شَدَّهُ بِحَبْلٍ،
وَحْدَهُ، أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا، فَقَدَّمَهُ إِلَى بَابِ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، قُطِعَا، وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إِلَى خَارِجٍ، فَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا، وَدَخَلَ الْآخَرُ، فَأَخْرَجَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْطَعَا، إِلَّا أَنْ يَنْقُبَ أَحَدُهُمَا وَيَذْهَبَ، وَيَأْتِيَ الْآخَرُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَيَسْرِقُ، فَلَا يُقْطَعُ.
[المبدع في شرح المقنع]
فَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخَذَهُ، أَوْ جَذَبَ الْحَبْلَ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ أَخَذَهُ الَّذِي رَمَاهُ قُطِعَا (وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إِلَى خَارِجٍ، فَأَخْذَهُ الْآخَرُ) أَوْ لَا، أَوْ أَعَادَهُ فِيهِ أَحَدُهُمَا (فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ) ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي النَّقْبِ، لِأَنَّ الدَّاخِلَ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَحْدَهُ، فَاخْتَصَّ الْقَطْعُ بِهِ، لَا يُقَالُ: هُمَا اشْتَرَكَا فِي الْهَتْكِ، لِأَنَّ شَرْطَهُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَتْكِ، وَالْإِخْرَاجِ، وَلَمْ يُوجَدِ الثَّانِي، فَانْتَفَى الْقَطْعُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَجْهٌ: هُمَا (وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا، وَدَخَلَ الْآخَرُ، فَأَخْرَجَهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ، وَالثَّانِيَ لَمْ يَهْتِكِ الْحِرْزَ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ تَوَاطَآ عَلَى السَّرِقَةِ، قَالَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْطَعَا) لِأَنَّ فِعْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَعَ بِقُوَّةِ الْآخَرِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي النَّقْبِ، وَالْإِخْرَاجِ (إِلَّا أَنْ يَنْقُبَ أَحَدُهُمَا وَيَذْهَبُ، وَيَأْتِي الْآخَرُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَيَسْرِقُ، فَلَا يُقْطَعُ) وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكِ الْحِرْزَ، وَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْقَطْعِ هَتْكُهُ.
مَسَائِلُ: إِذَا أَخْرَجَ نِصَابًا إِلَى سَاحَةِ دَارٍ بَابُهَا مُغْلَقٌ مِنْ بَيْتٍ مِنْهَا فَرِوَايَتَانِ، وَإِنْ فَتَحَ هُوَ بَابَهَا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ مَفْتُوحًا قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ وَحْدَهُ مَفْتُوحًا فَلَا، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ ": إِنَّهُ إِنْ كَانَ الْبَيْتُ مُغْلَقًا فَفَتَحَهُ، أَوْ نَقَبَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا الْخَانُ فِي الْأَقْيَسِ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَإِنْ تَطَيَّبَ فِي الْحِرْزِ بِطِيبٍ، ثُمَّ خَرَجَ، وَلَوِ اجْتَمَعَ فَبَلَغَ نِصَابًا فَاحْتِمَالَانِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا فَلَا قَطْعَ فِي الْأَشْهَرِ، لِأَنَّهُ حين إخراجه نَاقِصٌ عَنْ نِصَابٍ.
فَصْلٌ الرَّابِعُ: أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ.
فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ، فَأَتْلَفَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَإِنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا أَوْ ذَهَبًا، وَخَرَجَ بِهِ، أَوْ نَقَبَ، وَدَخَلَ، فَتَرَكَ
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ: إِخْرَاجُ الْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ]
فَصْلٌ
(الرَّابِعُ: أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَالنَّخَعِيِّ فِيمَنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الْحِرْزِ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ، قَالَ سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: ذَكَرَ لِعَائِشَةَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: لَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ حَتَّى يُخْرِجَ الْمَتَاعَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا شَفْرَةً لَحَزَزْتُ بِهَا يَدَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ الْحِرْزُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ ثَابِتٌ، وَالْأَوَّلُ شَبِيهٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الثِّمَارِ، فَقَالَ: مَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ أَكْمَامِهِ، وَاحْتُمِلَ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْحِرْزِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَبِهَذَا تُخَصُّ الْآيَةُ كَمَا خَصَصْنَاهَا بِالنِّصَابِ (فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَأَتْلَفَهُ فِيهِ) بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ ضمانه، لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ، وَلَا يُقْطَعُ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، سَوَاءٌ حَمَلَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، أَوْ تَرَكَهُ خَارِجًا مِنَ الْحِرْزِ (وَإِنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا أَوْ ذَهَبًا وَخَرَجَ بِهِ) مِنَ الْحِرْزِ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ فِي كُمِّهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ مَا إِذَا خَرَجَا مِنْهُ أَوْ لَا، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُخْرِجْ مَا ابْتَلَعَهُ فَلَا قَطْعَ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ قَدَمُهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ، فَقِيلَ: يُقْطَعُ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ كُمِّهِ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا بِالْبَلْعِ، فَكَانَ إِتْلَافًا لَهَا لَا
الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَخَرَجَتْ بِهِ، أَوْ فِي مَاءٍ جَارٍ، فَأَخْرَجَهُ، أَوْ قَالَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَعْتُوهٍ: ادْخُلْ فَأَخْرِجْهُ، فَفَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ.
وَحِرْزُ الْمَالِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَضَعْفِهِ، فَحِرْزُ الْأَثْمَانِ،
[المبدع في شرح المقنع]
سَرِقَةً (أَوْ نَقَبَ، وَدَخَلَ، فَتَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَخَرَجَتْ بِهِ) مِنْ غَيْرِ سَوْقِهَا، لِأَنَّ الْعَادَةَ مَشْيُ الْبَهِيمَةِ بِمَا وُضِعَ عَلَيْهَا، (أَوْ فِي مَاءٍ جَارٍ) وَقِيلَ: وَرَاكِدٍ، (فَأَخْرَجَهُ) الْمَتَاعَ إِلَى حَائِلٍ مِنَ الدَّارِ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ، فَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ آلَةً لِلْإِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي: يُقْطَعُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ خُرُوجِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَاقَ الْبَهِيمَةَ.
فَرْعٌ: إِذَا رَمَى الْمَتَاعَ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ فَأَخْرَجَتْهُ، أَوْ فَتَحَ طَاقًا فَسَقَطَ مِنْهُ طَعَامٌ، أَوْ غَيْرُهُ قَدْرَ نِصَابٍ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ وَرَمَاهُ خَارِجًا عَنْهُ، أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ، قُطِعَ، لِأَنَّهُ مَتَى ابْتَدَأَ الْفِعْلُ مِنْهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِعْلُ الرِّيحِ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا، فَأَعَانَتِ الرِّيحُ السَّهْمَ حَتَّى قَتَلَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ، وَلَوْ رَمَى الْجِمَارَ، فَأَعَانَتْهَا الرِّيحُ حَتَّى وَقَعَ فِي الْمَرْمَى احْتَسَبَ بِهِ، (أَوْ قَالَ لِصَغِيرِهِ، أَوْ مَعْتُوهٍ: ادْخُلْ، فَأَخْرِجْهُ، فَفَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) لِأَنَّهُ لِاخْتِيَارِهِ لَهُمَا فَهُمَا كَالْآلَةِ، وَلَوْ أَمَرَهُمَا شَخْصٌ بِالْقَتْلِ، قُتِلَ الْآمِرُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا أَخْرَجَ خَشَبَةً أَوْ بَعْضَهَا مِنَ الْحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ، لِأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَنْفَرِدُ عَنْ بَعْضٍ، وَكَذَا لَوْ أَمْسَكَ عِمَامَةً، وَطَرَفُهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا، وَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ نِصَابٍ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ تَمَامَهُ وَقَرُبَ، قُطِعَ، وَكَذَا إِنْ بَعُدَ فِي وَجْهٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي لَيْلَةٍ قُطِعَ، لَا لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِهَتْكِهِ وَأَهْمَلَهُ، فَلَا قَطْعَ، قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا يُبْنَى فِعْلُهُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَوْ فَتَحَ أَسْفَلَ كُوَّارَةٍ، فَخَرَجَ الْعَسَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا، قُطِعَ.
فَرْعٌ: إِذَا عَلَّمَ قِرْدًا السَّرِقَةَ فَالْغُرْمُ فَقَطْ، ذَكَرَهُ أَبُو الْوَفَا، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ.
1 -
(وَحِرْزُ الْمَالِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ، وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ، عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ كَمَا رَجَعْنَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْقَبْضِ، وَالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ،
وَالْجَوَاهِرِ، وَالْقُمَاشِ فِي الدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ فِي الْعُمْرَانِ وَرَاءَ الْأَبْوَابِ، وَالْأَغْلَاقِ الْوَثِيقَةِ، وَحِرْزُ الْبَقْلِ، وَالْبَاقِلَاءِ، وَنَحْوِهِ، وَقُدُورِهِ وَرَاءَ الشَّرَائِجِ إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ، وَحِرْزُ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ، الْحَظَائِرُ، وَحِرْزُ الْمَوَاشِي الصِّيَرُ، وَحِرْزُهَا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا (فَحِرْزُ الْأَثْمَانِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْقُمَاشِ فِي الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ، فِي الْعُمْرَانِ وَرَاءَ الْأَبْوَابِ وَالْأَغْلَاقِ الْوَثِيقَةِ) وَهُوَ اسْمٌ لِلْقُفْلِ خَشَبًا كَانَ أَوْ حَدِيدًا، أَوْ يَكُونُ فِيهَا حَافِظٌ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي حِرْزِ ذَلِكَ بِذَلِكَ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: فِي قُمَاشٍ غَلِيظٍ وَرَاءَ غَلَقٍ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: مَا جُعِلَ لِلسُّكْنَى، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَلَقٌ، فَسُرِقَ مِنْهُ: أُرَاهُ سَارِقًا، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَهُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَبْوَابُ مَفْتُوحَةً وَفِيهَا خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ فَالْخَزَائِنُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا، وَالْبُيُوتُ الَّتِي فِي الْبَسَاتِينِ، أَوِ الطُّرُقِ، أَوِ الصَّحْرَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلَيْسَتْ حِرْزًا، وَإِنْ كَانَتْ مُغْلَقَةً وَفِيهَا حَافِظٌ فَهِيَ حِرْزٌ، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا، وَإِنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَافِظُ يَقْظَانَ.
تَتِمَّةٌ: الْخَيْمَةُ وَالْخَرْكَاةُ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَفْتُوحُ الْبَابِ، أَوْ لَا بَابَ لَهُ، إِلَّا أَنَّهُ مُحْجَرٌ بِالْبِنَاءِ، فَإِنْ سَرَقَ صُنْدُوقًا فِيهِ مَتَاعٌ أَوْ دَابَّةٌ عَلَيْهَا مَتَاعٌ وَلَا حَافِظَ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ الْمَتَاعَ الَّذِي فِيهِ قُطِعَ، وَعَنْهُ: إِنَّ الصَّنَادِيقَ الَّتِي فِي السُّوقِ، وَإِنْ حُمِلَتْ كَمَا هِيَ قُطِعَ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّ مَعَهَا شَيْئًا (وَحِرْزُ الْبَقْلِ، وَالْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِ، وَقُدُورِهِ وَرَاءَ الشَّرَائِجِ) وَاحِدُهَا شَرِيجَةٌ، وَهُوَ: شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ قَصَبٍ، أَوْ نَحْوِهِ، يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ بِحَبْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ (إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ) لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِحْرَازِهَا بِهِ (وَحِرْزُ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ) وَالْقَصَبِ (الْحَظَائِرُ) وَاحِدَتُهَا حَظِيرَةٌ، وَهِيَ: مَا يُعْمَلُ لِلْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ مِنَ الشَّجَرِ تَأْوِي إِلَيْهِ، وَأَصْلُ الْحَظْرِ: الْمَنْعُ، فَيُعَبِّئُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَيُقَيِّدُهُ بِقَيْدٍ، بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي فُنْدُقٍ مُغْلَقًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُحْرَزًا، وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": حِرْزُ حَطَبٍ تَعْبِئَتُهُ، وَرَبْطُهُ بِالْحِبَالِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ.
فَرْعٌ: حِرْزُ السُّفُنِ فِي الشَّطِّ بِرَبْطِهَا.
الْمَرْعَى بِالرَّاعِي، وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا، وَحِرْزُ حَمُولَةِ الْإِبِلِ بِتَقْطِيرِهَا، وَقَائِدِهَا، وَسَائِقِهَا إِذَا كَانَ يَرَاهَا، وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِي الْحَمَّامِ بِالْحَافِظِ، وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِي الْقَبْرِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَحِرْزُ الْمَوَاشِي) جَمْعُ مَاشِيَةٍ (الصِّيَرُ) وَاحِدهَا صِيرَةٌ، وَهِيَ حَظِيرَةُ الْغَنَمِ، (وَحِرْزُهَا فِي الْمَرْعَى بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا) لِأَنَّ الْعَادَةَ حِرْزُهَا بِذَلِكَ، فَمَا غَابَ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْحِرْزِ لِأَنَّ الرَّاعِيَةَ هَكَذَا تُحْرَزُ (وَحِرْزُ حَمُولَةِ الْإِبِلِ بِتَقْطِيرِهَا، وَقَائِدِهَا، وَسَائِقِهَا إِذَا كَانَ يَرَاهَا) وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ الْإِبِلَ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: بَارِكَةٍ، وَرَاعِيَةٍ، وَسَائِرَةٍ، فَحِرْزُ الْبَارِكَةِ الْمَعْقُولَةِ بِالْحَافِظِ يَقْظَانَ كَانَ أَوْ نَائِمًا، لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ صَاحِبَهَا يَعْقِلُهَا إِذَا نَامَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً، فَحِرْزُهَا بِحَافِظٍ يَقْظَانَ، وَحِرْزُ الرَّاعِيَةِ بِنَظَرِ الرَّاعِي إِلَيْهَا، فَمَا غَابَ عَنْ نَظَرِهِ، أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ، لِأَنَّ الرَّاعِيَةَ إِنَّمَا تُحْرَزُ بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا، وَحِرْزُ السَّائِرَةِ الْحَمُولَةِ بِسَائِقٍ يَرَاهَا، مُقْطَّرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُقْطَّرَةٍ، أَوْ بِتَقْطِيرِهَا مَعَ قَائِدٍ يَرَاهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ "، وَ " الشَّرْحِ ": يَكْثُرُ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهَا، وَيَرَاهَا إِذَا الْتَفَتَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا فَهُوَ مُحْرَزٌ بِقَوْدِهِ، وَالْحَافِظُ الرَّاكِبُ فِيمَا وَرَاءَهُ كَقَائِدٍ، وَلَوْ سُرِقَ مَرْكُوبُهُ مِنْ تَحْتِهِ فَلَا قَطْعَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ سَرَقَهُ بِرَاكِبِهِ الرَّقِيقُ، وَهُمَا يُسَاوِيَانِ نِصَابًا قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا وَمَعَهُ مَا يُسَاوِي نِصَابًا فَوَجْهَانِ (وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِي الْحَمَّامِ بِالْحَافِظِ) جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْبَيْتِ، وَعَنْهُ: لَا قَطْعَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَتَاعِ قَاعِدٌ، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ مِنَ الْبَيْتِ الْمَأْذُونِ فِي دُخُولِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ الْحَافِظُ مِنْ حِفْظِهِ فِيهِ، وَإِنْ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ، فَنَامَ، أَوِ اشْتَغَلَ، فَلَا قَطْعَ، وَيَضْمَنُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنِ اسْتَحْفَظَهُ رَبُّهُ صَرِيحًا، وَفِيهِ: لَا تَبْطُلُ الْمُلَاحَظَةُ بِفَتَرَاتٍ، وَأَعْرَاضٍ يَسِيرَةٍ، بَلْ بِتَرْكِهِ وَرَاءَهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ مِنَ الْحَمَّامِ، وَلَا حَافِظَ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ.
فَرْعٌ: وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِي أَعْدَالٍ، أَوْ غَزْلٍ فِي سُوقٍ، وَخَانٍ، وَمَا كَانَ مُشْتَرِكًا فِي الدُّخُولِ إِلَيْهِ بِحَافِظٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْحَمَّامِيُّ حَافِظًا بِجُلُوسِهِ، وَلَا الَّذِي يَدْخُلُ الطَّاسَاتِ.
نَبَشَ قَبْرًا، وَأَخَذَ الْكَفَنَ قُطِعَ، وَحِرْزُ الْبَابِ تَرْكِيبُهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِي الْقَبْرِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ نَبَشَ قَبْرًا وَأَخَذَ، الْكَفَنَ قُطِعَ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا، وَلِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْتَرَمًا مِنْ حِرْزٍ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِهِ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُوضَعُ فِيهِ عَادَةً وَلَا يُعَدُّ وَاضِعُهُ مُفَرِّطًا، وَعَنْهُ: لَا قَطْعَ، وَعَنْهُ: إِلَّا أَنْ يُخْرِجَ الْمَيِّتَ مِنَ الْقَبْرِ، وَيَأْخُذَهُ مِنْهُ، ذَكَرَهَا فِي " النِّهَايَةِ "، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ فِي الْقَبْرِ أَنْ يَكُونَ فِي حِرْزٍ، أَوْ لَا، كَالصَّحْرَاءِ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي الْوَاضِحِ: مِنْ مَقْبَرَةٍ مَصُونَةٍ بِقُرْبِ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي " التَّبْصِرَةِ " مَصُونَةً، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ مَشْرُوعًا، وَأَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْقَبْرِ، لِأَنَّهُ حِرْزٌ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنَ اللَّحْدِ، وَوَضَعَهُ فِي الْقَبْرِ فَلَا قَطْعَ، وَمَا زَادَ عَلَى الْكَفَنِ الْمَشْرُوعِ كَاللِّفَافَةِ، وَالرَّابِعَةِ، أَوْ تَرَكَ مَعَهُ طِيبًا، فَلَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْخِلَافِ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الطِّيبِ، لِأَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَفِي كَوْنِهِ مِلْكًا لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ، فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِمَا هُوَ خَصْمُهُ، فَإِنْ عُدِمَ فَنَائِبُ الْإِمَامِ، وَلَوْ كَفَّنَهُ أَجْنَبِيٌّ، وَقِيلَ: هُوَ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْمَذْهَبِ مَا إِذَا أَكَلَهُ ضَبُعٌ، فَإِنَّ كَفَنَهُ إِرْثٌ، وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَهَلْ يُفْتَقَرُ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ إِلَى مُطَالَبَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
(وَحِرْزُ الْبَابِ تَرْكِيبُهُ فِي مَوْضِعِهِ) مَفْتُوحًا كَانَ أَوْ مُغْلَقًا، لِأَنَّهُ هَكَذَا يُحْفَظُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": حِرْزُ بَابٍ، أَوْ خِزَانَةٍ بِغَلْقِهِ، أَوْ غَلْقِ بَابِ الدَّارِ عَلَيْهِ، وَحِرْزُ جِدَارِ الدَّارِ كَوْنُهُ مَبْنِيًّا فِيهِ إِذَا كَانَ فِي الْعُمْرَانِ، أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ إِذَا كَانَ ثَمَّ حَافِظٌ، فَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْجِدَارِ، أَوْ خَشَبَةً تبلغ نصابا قُطِعَ، وَإِنْ هَدَمَ الْحَائِطَ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَلَا قَطْعَ، وَأَبْوَابُ الْخَزَائِنِ فِي الدَّارِ إِنْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مُغْلَقًا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا حَافِظٌ.
فَرْعٌ: حَلَقَةُ الْبَابِ إِنْ كَانَتْ مُسَمَّرَةً فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِلَّا فَلَا.
الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ، قُطِعَ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْمَخِيطَةِ عَلَيْهَا، وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حُصْرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ نَامَ إِنْسَانٌ عَلَى رِدَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَرَقَهُ سَارِقٌ، قُطِعَ، وَإِنْ مَالَ رَأْسُهُ عَنْهُ، لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
(فَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ الْكَعْبَةِ) وَهُوَ: بَابُهَا الْعَظِيمُ، وَيُقَالُ: أُرْتِجَ عَلَى الْقَارِئِ، إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِرَاءَةِ.
(أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ) وَهُوَ: مَا جُعِلَ مِنْ أَسْفَلِ حَائِطِهِ مِنْ لِبَادٍ أَوْ دُفُوفٍ، وَنَحْوِهِ (قُطِعَ) كَبَابِ بَيْتِ الْآدَمِيِّ، وَالْمُطَالَبَةُ بِذَلِكَ لِلْإِمَامِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَقِيلَ: لَا قَطْعَ، لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِمَا النَّاسُ، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ، كَالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ مُسْلِمٌ بِبَابِ مَسْجِدٍ، كَحُصْرِهِ، وَنَحْوِهَا فِي الْأَصَحِّ (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا) أَيِ: الْخَارِجَةِ مِنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَغَيْرِ الْمَخِيطَةِ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْرَزَةٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْمَخِيطَةِ عَلَيْهَا) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ حِرْزٌ مِثْلُهَا فِي الْعَادَةِ، وَحَمَلَ ابْنُ حَمْدَانَ النَّصَّ عَلَى غَيْرِ الْمَخِيطَةِ (وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ أَوْ حُصْرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لَهَا، فَقُطِعَ كَالْبَابِ.
وَالثَّانِي: لَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، كَالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إِذَا كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا، وَفِي " الْكَافِي ": إِنَّهُ إِذَا سَرَقَ قَنَادِيلَ مَسْجِدٍ أَوْ حُصْرَهُ وَنَحْوَهُ مِمَّا جُعِلَ لِنَفْعِ الْمُصَلِّينَ فَلَا قَطْعَ.
1 -
(وَإِنْ نَامَ إِنْسَانٌ عَلَى رِدَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ) ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ عَلَى مِجَرِّ فَرَسِهِ وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ، أَوْ نَعْلِهِ فِي رِجْلِهِ (فَسَرَقَهُ سَارِقٌ قُطِعَ) لِمَا «رَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى رِدَائِهِ، فَأَخَذَهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ سَارِقٌ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،
يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ.
وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلًا، وَثَمَّ حَافِظٌ، قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَمَنْ سَرَقَ مِنَ النَّخْلِ، أَوِ الشَّجَرِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ عِوَضَهَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ، أَوْ بَرِّيَّةٍ (وَإِنْ مَالَ رَأْسُهُ عَنْهُ لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُحْرَزًا، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ مَا دَامَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ حَالَ نَوْمِهِ، فَإِنِ انْقَلَبَ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، فَلَا، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهًا (وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلًا وَثَمَّ حَافِظٌ قُطِعَ) لِأَنَّ حِرْزَهُ بِحَافِظِهِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَافِظٌ فَلَا قَطْعَ، لِأَنَّهُ مال غير مُحْرَزٌ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": هَلْ حِرْزُهُ بِحَافِظٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَمَنْ سَرَقَ مِنَ النَّخْلِ أَوِ الشَّجَرِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ) وِفَاقًا، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِنْ كَانَ مِنْ بُسْتَانٍ مُحْرَزٍ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَكَسَائِرِ الْمُحْرَزَاتِ، وَجَوَابُهُ: مَا رَوَى رَافِعٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ، وَحَافِظٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ فِي دَارِهِ، وَهِيَ: مُحْرَزَةٌ، فَسَرَقَ مِنْهَا نِصَابًا قُطِعَ (وَيَضْمَنُ عِوَضَهَا مَرَّتَيْنِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الثمر الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حاجة غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ لَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِ غَرَامَةِ مِثْلَيْهِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ أَغْرَمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ نَحَرَ غِلْمَانُهُ نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ مِثْلَيْ قِيمَتِهَا.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ يُضَاعَفُ الْغُرْمُ فِيهَا عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّ الثِّمَارَ فِي الْعَادَةِ تَسْبِقُ الْيَدُ إِلَيْهَا، فَجَازَ أَنْ تُغَلَّظَ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ رَدْعًا لَهُ وَزَجْرًا، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ، فَإِنَّهَا فِي الْعَادَةِ مُحْرَزَةٌ، فَالْيَدُ لَا تُسْرِعُ إِلَيْهَا، وَمُقْتَضَاهُ وَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ دُونَ نِصَابٍ ومن غير حِرْزٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَالزَّرْكَشِيُّ.
فَرْعٌ: لَا قَطْعَ فِي عَامِ مَجَاعَةِ غَلَاءٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ يَشْتَرِي بِهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يُبْذَلْ لَهُ، وَلَوْ بِثَمَنٍ غَالٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": مَا يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ.
مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ حِرْزًا لِمَالٍ فَهُوَ حِرْزٌ لِمَالٍ آخَرَ.
فَصْلٌ الْخَامِسُ: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ، وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا الْوَلَدُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ، وَإِنْ عَلَا، وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ حِرْزًا لِمَالٍ فَهُوَ حِرْزٌ لِمَالٍ آخَرَ) لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَحَمَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى قُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَعَدْلِهِ، وَبَسْطِ الْأَمْنِ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعْنَا فِي الْحِرْزِ إِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فَالْجَوَاهِرُ لَا تُحْرَزُ فِي الصِّيَرِ، فَإِنْ أَحْرَزَهَا فِيهَا عُدَّ مُفَرِّطًا، فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ أَوْلَى.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: فِي الْمَاشِيَةِ تُسْرَقُ مِنَ الْمَرْعَى - مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُحْرَزَةً - مَثَلًا قِيمَتُهَا لِلْخَبَرِ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لَا يُضْمَنُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، خُولِفَ فِي هَذَيْنِ لِلْأَثَرِ، وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى غَرَامَةِ مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ بِمِثْلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهَا تُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[الشَّرْطُ الْخَامِسُ انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ مِنَ الْمَسْرُوقِ]
فَصْلٌ (الْخَامِسُ: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ) لِأَنَّ الْقَطْعَ حَدٌّ فَيُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ) لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ، أَخَذَهُ لِقَوْلِهِ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» ، وَلِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (وَلَا الْوَلَدُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ، وَإِنْ عَلَا) لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تَمْنَعُ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ كَالْأَبِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلِابْنِ فِي مَالِ أَبِيهِ حِفْظًا لَهُ، فَلَا يَجُوزُ إِتْلَافُهُ حِفْظًا لِلْمَالِ، وَعَنْهُ: يُقْطَعُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ يُقَادُ بِهِ وَيُحَدُّ بِالزِّنَا بِجَارِيَتِهِ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَجَوَابُهُ: مَا سَبَقَ، وَالزِّنَا بِجَارِيَتِهِ
مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
فَفِيهِ مَنْعٌ، وَإِنْ سَلِمَ، فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا (وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ) لِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبِرِّ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ فَالْمُسَاوَاةُ، وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِهِمَا سَوَاءٌ (وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِغُلَامٍ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ غُلَامِي قَدْ سَرَقَ، فَأَقْطَعُ يَدَهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَالَكُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا قَطْعَ، مَالُكَ سَرَقَ مَالَكَ، وَالْمُكَاتَبُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ، وَلَا يُقْطَعُ سَيِّدٌ بِسَرِقَةِ مَالِ مُكَاتَبِهِ فَإِنْ مَلَكَ وَفَاءً فَيَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ وَفِي " الِانْتِصَارِ " فِيمَنْ وَارِثُهُ حُرٌّ يُقْطَعُ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ، وَكُلُّ مَنْ لَا يُقْطَعُ الْإِنْسَانُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ لَا يُقْطَعُ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ.
(وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَالَ:» «مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا قَطْعَ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا مُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَطْعٌ، وَكَذَا لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ، أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَلَوْ سَرَقَ ذِمِّيٌّ، أَوْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قُطِعَ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ) كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُقْطَعِ الْأَبُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ، لِكَوْنِ أَنَّ
لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ سَيِّدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ.
وَهَلْ يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ، وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ
[المبدع في شرح المقنع]
لَهُ فِيهِ شُبْهَةً، فَلَأَنْ لَا يُقْطَعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى (أَوْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ) كَمَالٍ مُشْتَرَكٍ لِأَبِيهِ وَابْنِهِ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً لَكُوْنِ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَنَحْوِهِمَا لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ (وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ) أَيْ: لَمْ تُخَمَّسْ (أَوْ لِوَلَدِهِ، أَوْ سَيِّدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ لَهُ فِي الْمَالِ الْمَسْرُوقِ حَقًّا، أَوْ شُبْهَةَ حَقٍّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَمْنَعُ الْحَدَّ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ يُحْرَقُ رَحْلُهُ كَالْغَالِّ، وَإِنْ أُخْرِجَ الْخُمْسُ فَسَرَقَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ، قُطِعَ.
(وَهَلْ يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، إِحْدَاهُمَا: لَا قَطْعَ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ، وَهِيَ قَوْلُ عُمَرَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ صَاحِبَهُ بِغَيْرِ حَجْبٍ، وَيَنْبَسِطُ بِمَالِهِ، أَشْبَهَ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ، وَكَمَا لَوْ مَنَعَهَا نَفَقَتَهَا، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ".
وَالثَّانِيَةُ: يُقْطَعُ كَحِرْزٍ مُفْرَدٍ، قَالَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "، كَضَيْفِهِ، وَصَدِيقِهِ، وَعَبْدِهِ مِنِ امْرَأَتِهِ، مِنْ مَالٍ مُحْرَزٍ عَنْهُ، وَلَمْ يَمْنَعِ الضَّيْفَ قِرَاهُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَكَالْأَجْنَبِيِّ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ، فَقَالُوا: يُقْطَعُ الزَّوْجُ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ بِخِلَافِهَا، لِأَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ فِيهِ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَالُ أَحَدِهِمَا مُحْرَزًا عَنِ الْآخَرِ فَلَا قَطْعَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فَرْعٌ: لَا تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ بِسَرِقَةِ نَفَقَتِهَا، أَوْ نَفَقَةِ وَلَدِهَا الْوَاجِبَةِ مَعَ مَنْعِهَا مِنْهُمَا، سَوَاءٌ أَخَذَتْ قَدْرَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ قَدْرَ ذَلِكَ، فَالزَّائِدُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا، فَاسْتُحِقَّ أَخْذُهُ (وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ) نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ الْقَرَابَةَ هُنَا لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، فَلَا تَمْنَعُ الْقَطْعَ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ تَعُمُّ كُلَّ سَارِقٍ خَرَجَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَقِيلَ: إِلَّا ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": قُطِعَ غَيْرُ أَبٍ (وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَعْصُومًا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ كَمَالِ الْمُسْلِمِ (وَالْمُسْتَأْمَنِ) لِأَنَّ مَالَهُ مَالُ الذِّمِّيِّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلَافِهِ (وَيُقْطَعَانِ
بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، وَالْمُسْتَأْمَنِ، وَيُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ.
وَمَنْ سَرَقَ عَيْنًا وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ لَمْ يُقْطَعْ، وَعَنْهُ: يُقْطَعُ، وَعَنْهُ: لَا يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ، وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ، أَوِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ مِنَ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ،
[المبدع في شرح المقنع]
بِسَرِقَةِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا قُطِعَ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمْ فَلَأَنْ يُقْطَعُوا بِسَرِقَةِ مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَقَوَدٍ، وَحَدِّ قَذْفٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَضَمَانِ مُتْلَفٍ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُقْطَعُ مُسْتَأْمَنٌ كَحَدِّ خَمْرٍ وَزِنًا، نَصَّ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ، وَسَوَّى فِي " الْمُنْتَخَبِ " بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الْقَطْعِ (وَمَنْ سَرَقَ عَيْنًا) ، أَوْ بَعْضَهَا (وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ لَمْ يُقْطَعْ) نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَحُّ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَسَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ السَّارِقَ الظَّرِيفَ، لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ (وَعَنْهُ: يُقْطَعُ) قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَأَدَّى إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَطْعِ، فَتَفُوتُ الْمَصْلَحَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (وَعَنْهُ: لَا يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ) اخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الدَّارِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَرَنِي رَبُّ الدَّارِ أَنْ أُخْرِجَهُ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَدُّ زِنًا، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ: لَا يُحَدُّ (وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ، أَوِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ مِنَ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ، لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُبْهَةً فِي هَتْكِ الْحِرْزِ مِنْ أَجْلِ أَخْذِ مَالِهِ، فَإِذَا هُتِكَ الْحِرْزُ صَارَ كَأَنَّ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ أُخِذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ تَمَيَّزَ، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ قَدْرِ مَالِهِ إِذَا عَجَزَ عَنْ أَخْذِهِ (وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ قُطِعَ) لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ (إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ فَيَسْرِقَ قَدْرَ حَقِّهِ، فَلَا يُقْطَعُ) نَصَرَهُ
أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ قُطِعَ، إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ، فَيَسْرِقُ قَدْرَ حَقِّهِ، فَلَا يُقْطَعُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْطَعُ.
وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا، قُطِعَ.
وَمَنْ أَجَّرَ دَارَهُ، أَوْ أَعَارَهَا، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَعِيرِ، أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، قُطِعَ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَبَاحَ لَهُ الْأَخْذَ، فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي إِبَاحَةِ الْأَخْذِ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ، كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنْ سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ فَهَلْ يُقْطَعُ؟ هُنَا فِيهِ وَجْهَانِ (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْطَعُ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذَا لَا يَلْغِي الشبهة النَّاشِئَةَ عَنْ الِاخْتِلَافِ، ثُمَّ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَقِيلَ، إِنْ أَخَذَهُ وَلَا بَيِّنَةَ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ فَلَا.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَأْخُذُ بِدُونِ إِذْنِهِ، أَوْ إِذْنِ حَاكِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا) مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ أَوْ غَيْرِهِ (قُطِعَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزَجِرْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ غَيْرَهَا، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ لَا يُعَادُ مَرَّةً أُخْرَى، لَأَنَّ الْغَرَضَ إِظْهَارُ كَذِبِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ، وَهُنَا الْمَقْصُودُ: رَدْعُهُ، وَزَجْرُهُ عَنِ السَّرِقَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَيُرْدَعُ بِالثَّانِي، كَمَا لَوْ سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى (وَمَنْ آجَّرَ دَارَهُ أَوْ أَعَارَهَا، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَعِيرِ، أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ قُطِعَ) لِأَنَّهُ هَتَكَ حِرْزًا، وَسَرَقَ منه نِصَابًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، فَقُطِعَ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مَنْ مَلَكَهُمَا، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُعِيرِ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حِرْزًا لِمِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " احْتِمَالٌ: إِنْ قَصَدَ بِدُخُولِهِ الرُّجُوعَ، قَالَ فِي " الْفُنُونِ ": لَهُ الرُّجُوعُ بِقَوْلِ لَا سَرِقَةَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ السَّرِقَةُ قَبْلَ الْقَطْعِ قُطِعَ مَرَّةً، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّ الْقَطْعَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَدَاخَلَ كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَعَنْهُ: إِنْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ تَتَدَاخَلْ، كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ.
فَصْلٌ السَّادِسُ: ثُبُوتُ السَّرِقَةِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ.
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ السَّادِسُ ثُبُوتُ السَّرِقَةِ]
فَصْلٌ
(السَّادِسُ: ثُبُوتُ السَّرِقَةِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ (بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ قَطْعَ السَّارِقِ يَجِبُ إِذَا شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ، بِشَرْطِ أَنْ يَصِفَاهَا، وَلَا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ غَائِبًا، فَطَالَبَ وَلِيُّهُ، احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ أَنْ يَرْفَعَا فِي نَسَبِهِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ وَجَبَ الْقَطْعُ بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِمَا، وَلَا غَيْبَتِهِمَا، فَإِنْ شَهِدَتْ فِي غَيْبَتِهِ ثُمَّ حَضَرَ أُعِيدَتْ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْمَسْرُوقِ، فَلَا قَطْعَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي اللَّوْنِ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَ هَرَوِيًّا، وَقَالَ الْآخَرُ: مَرْوِيًّا، فَوَجْهَانِ (أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ، فَقَالَ: إِخَالُكَ سَرَقْتَ، قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لِسَارِقٍ: سَرَقْتَ، قَالَ: فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ، فَقُطِعَ.
رَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ.
وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِتْلَافًا، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّكْرَارُ، كَحَدِّ الزِّنَا، أَوْ يُقَالُ: أَحَدُ حُجَّتَيِ الْقَطْعِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّكْرَارُ كَالشَّهَادَةِ، وَيَصِفُهَا بِأَنْ يَذْكُرَ فِيهَا شُرُوطَ السَّرِقَةِ، بِخِلَافِ إِقْرَارِهِ بِزِنًا، فَإِنَّ فِي اعْتِبَارِ التَّفْصِيلِ وَجْهَيْنِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، بِخِلَافِ الْقَذْفِ، لِحُصُولِ التَّغْيِيرِ، وَعَنْهُ: فِي إِقْرَارِ عَبْدٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، نَقَلَهُ مُهَنَّا، لَا بَكُونُ الْمَتَاعُ عِنْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ عَلَى سَرِقَةِ نِصَابٍ، وَفِي " الْمُغْنِي ": أَوْ قَالَ: فَقَدْتُهُ، وَمَعْنَاهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَطَالَبَهُ هُوَ، أَوْ وَكِيلُهُ، أَوْ وَلِيُّهُ بِالسَّرِقَةِ لَا بِالْقَطْعِ، وَعَنْهُ: أَوْ لَمْ يُطَالِبْهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَشَيْخُنَا،
فَصْلٌ السَّابِعُ: مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ.
[المبدع في شرح المقنع]
كَإِقْرَارِهِ بِزِنَا أَمَةِ غَيْرِهِ وَجَبَ قَطْعُهُ، وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ حَبْسُهُ، قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ لِلْحَاكِمِ حَقًّا فِي الْقَطْعِ، فَيُحْبَسُ، وَإِنْ كَذَّبَ مُدَّعٍ نَفْسَهُ سَقَطَ قَطْعُهُ (وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِخَالُكَ سَرَقْتَ» عَرَّضَ لَهُ لِيَرْجِعَ وَلَوْ لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ بِرُجُوعِهِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّ قَطْعَ السَّارِقِ حَدٌّ ثَبَتَ بِالِاعْتِرَافِ فَسَقَطَ بِالرُّجُوعِ، كَحَدِّ الزِّنَا، وَلِأَنَّ حُجَّةَ الْقَطْعِ زَالَتْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، فَسَقَطَ كَمَا لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ.
فَائِدَةٌ: قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَكْثَرُ: لَا بَأْسَ بِتَلْقِينِ السَّارِقِ لِيَرْجِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لِلْآثَارِ.
[الشَّرْطُ السَّابِعُ: مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ]
فَصْلٌ (السَّابِعُ: مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ "، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْمُغْنِي "، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَنَّ الْمَالَ يُبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُ أَبَاحَهُ إِيَّاهُ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَى طَائِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى جَمَاعَةِ السَّارِقِ مِنْهُمْ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ حِرْزِهِ، فَاعْتُبِرَتِ الْمُطَالَبَةُ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَصَحَّحَهَا فِي الرِّعَايَةِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْقَطْعِ السَّرِقَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ فَوَجَبَ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ كَالزِّنَا، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ أَوْسَعُ فِي الْإِسْقَاطِ، لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ زَنَى بِجَارِيَتِهِ حُدَّ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ شُرِعَ لِصِيَانَةِ مَالِ الْآدَمِيِّ، فَلَهُمْ بِهِ تَعَلُّقٌ، فَلَمْ يُسْتَوْفَ مِنْ غَيْرِ مُطَالِبٍ بِهِ، وَالزِّنَا حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْمُطَالِبِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: غَصَبْتَنِي وَنَحْوَهُ، لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِاثْنَيْنِ فَتَخَالَفَا فِي إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْطَعْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَنْ وَافَقَهُ نِصَابٌ فَيُقْطَعُ.
فَصْلٌ وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَحُسِمَتْ.
وَهُوَ أَنْ تُغْمَسَ فِي زَيْتٍ مَغْلِيٍّ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ،
[المبدع في شرح المقنع]
[قَطْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى]
فصل (وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ) بِلَا خِلَافٍ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنَ الْكُوعِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى، فَكَانَتِ الْبُدَاءَةُ بِهَا أَرْدَعَ، وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ غَالِبًا فَنَاسَبَ عُقُوبَتُهُ بِإِعْدَامِ آلَتِهَا مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، لِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَيْهَا إِلَى الْكُوعِ، وَإِلَى الْمِرْفَقِ، وَإِلَى الْمَنْكِبِ، وَإِرَادَةُ الْأَوَّلِ مُتَيَقَّنَةٌ، وَمَا سِوَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ مَعَ الشَّكِّ (وَحُسِمَتْ) وُجُوبًا، وَقَالَ: الْمُؤَلِّفُ يُسْتَحَبُّ (وَهُوَ أَنْ تُغْمَسَ فِي زَيْتٍ مَغْلِيٍّ) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي سَارِقٍ: اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْحَسْمِ أَنَّ الْعُضْوَ إِذَا قُطِعَ فَغُمِسَ فِي ذَلِكَ الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ اسْتَدَّتْ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ، فَيَنْقَطِعُ الدَّمُ، إِذْ لَوْ تُرِكَ بِلَا حَسْمٍ لَنَزَفَ الدَّمُ، فَأَدَّى إِلَى مَوْتِهِ، وَيُسَنُّ تَعْلِيقُ يَدِهِ فِي عُنُقِهِ، زَادَ فِي " الْبُلْغَةِ "، وَ " الرِّعَايَةِ ": ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ رَآهُ الْإِمَامُ (فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي السَّارِقِ: إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» وَلِأَنَّهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ،
وَحُسِمَتْ.
فَإِنْ عَادَ حُبِسَ، وَلَمْ يُقْطَعْ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى فِي الرَّابِعَةِ.
وَمَنْ سَرَقَ وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنَّمَا قُطِعَتِ الرِّجْلُ الْيُسْرَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمُحَارَبَةِ ثَبَتَ فِي هَذَا قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْيُسْرَى أَرْفَقُ بِهِ، لِأَنَّ مَشْيَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى أَسْهَلُ وَأَمْكَنُ لَهُ مِنَ الْيُسْرَى، وَيَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ مِنْ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الْمَشْيِ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ ذَلِكَ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ بِهِ مَنْفَعَتُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ (مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ) لِأَنَّهُ أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ فِي السَّرِقَةِ، فَيُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ كَالْيَدِ، رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقْطَعُ السَّارِقَ مِنَ الْمَفْصِلِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ مِنْ شَطْرِ الْقَدَمِ وَيَتْرُكُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "، فَقَالَ: مِنْ مَفْصِلِ كَعْبِهِ، يُتْرَكُ عَقِبُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَحُسِمَتْ) قَالَ أَحْمَدُ: «قَطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَرَ بِهِ فَحُسِمَ» .
تَذْنِيبٌ: يُقْطَعُ السَّارِقُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُهُ، فَيُجْلَسُ، وَيُضْبَطُ، لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فَيَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ، وَتُشَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ، وَتُجَرُّ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْمَفْصِلُ، ثُمَّ تُوضَعُ السِّكِّينُ وَتُجَرُّ بِقُوَّةٍ لِتَقْطَعَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.
(فَإِنْ عَادَ حُبِسَ) حَتَّى يَتُوبَ كَالْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ، وَفِي " الْإِيضَاحِ ": وَيُعَذِّبُهُ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": أَوْ يُغَرَّبُ، وَفِي " الْبُلْغَةِ ": يُعَزَّرُ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ (وَلَمْ يُقْطَعْ) أَيْ: يَحْرُمُ قَطْعُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَنَصَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَصَحَّحَهُ، وَإِنَّهَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْكُلِّ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ، فَلَمْ يُشْرَعْ كَالْقَتْلِ، فَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ مِنْ تَعْطِيلِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى فِي الرَّابِعَةِ) ، وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ فِي السَّارِقِ: إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . رَوَاهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ
سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى فَذَهَبَتْ، سَقَطَ الْقَطْعُ.
وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، لَمْ تُقْطَعِ الْيُمْنَى
[المبدع في شرح المقنع]
أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، رَوَاهُ سَعِيدٌ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْقَتْلِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ، لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَامِسَةِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَتَلُوهُ» ، قَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ: مُصْعَبٌ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ حَسَنٌ، وَقِيلَ: لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهُ، وَقَالَ أَبُو الْمُصْعَبِ الْمَالِكِيُّ: يُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ كَالشَّارِبِ فِي الرَّابِعَةِ يُقْتَلُ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ بِدُونِهِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ يُحْمَلُ فِي حَقِّ رَجُلٍ اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ، أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ، وَالْمُثْلَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأُصُولَ تَشْهَدُ بِنَفْيِ الْقَتْلِ، لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لَا تُوجِبُ الْقَتْلَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا تُوجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَسَائِرِ الْمَعَاصِي (وَمَنْ سَرَقَ وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ يُمْنَى قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى) لِأَنَّ الْيُمْنَى لَمَّا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِلْقَطْعِ انْتَقَلَ الْقَطْعُ إِلَى مَا يَلِي ذَلِكَ، وَهُوَ الرِّجْلُ الْيُسْرَى، لَكِنْ إِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ شَلَّاءَ، فَعَنْهُ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَعَنْهُ: يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهَا إِذَا قُطِعَتْ، وَرَقِيَ دَمُهَا، وَانْحَسَمَتْ عُرُوقُهَا، قُطِعَتْ، وَإِنْ قَالُوا: لَا يَرْقَى دَمُهَا فَلَا، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ رِوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا، فَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُ الْيُمْنَى ذَاهِبَةً، فَقِيلَ: لَا تُقْطَعُ، وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَصَابِعِ كَخِنْصَرٍ، وَبِنْصَرٍ، أَوْ وَاحِدَ سِوَاهُمَا، قُطِعَتْ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَهِيَ كَالَّتِي ذَهَبَ جَمِيعُ أَصَابِعُهَا، وَإِنْ بَقِيَ اثْنَانِ فَالْأَوْلَى قَطْعُهَا، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَكَذَا حُكْمُ مَا لَوْ ذَهَبَ مُعْظَمُ نَفْعِهَا، كَقَطْعِ إِبْهَامٍ، أَوْ إِصْبُعَيْنِ فصاعدا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (وَإِنْ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى فَذَهَبَتْ) هِيَ، أَوْ يُسْرَى يَدَيْهِ، أَوْ مَعَ رِجْلَيْهِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا (سَقَطَ الْقَطْعُ) لِتَعَلُّقِ
عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَتُقْطَعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يُمْنَاهُ، فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يُسْرَاهُ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَطَعَهَا خَطَأً فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا، وَفِي قَطْعِ يُمْنَى السَّارِقِ وَجْهَانِ.
وَيَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ، فَتُرَدُّ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ إِلَى مَالِكِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً غُرِّمَ قِيمَتَهَا، وَقُطِعَ.
وَهَلْ يَجِبُ الزَّيْتُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْقَطْعِ بِهَا لِوُجُودِهَا، كَجِنَايَةٍ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ، فَمَاتَ (وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى) أَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً، أَوْ شَلَّاءَ (لَمْ تُقْطَعِ الْيُمْنَى عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى) وَهِيَ: أَنَّ السَّارِقَ يُحْبَسُ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَا يُقْطَعُ، لِأَنَّ قَطْعَهَا يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَبَقَاؤُهُ بِلَا يَدٍ يَبْطِشُ بِهَا وهو غير جَائِزٌ (وَتُقْطَعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى) لِأَنَّ غَايَتَهُ تَعْطِيلُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَبَقَاؤُهُ بِلَا يَدٍ يَبْطِشُ بِهَا وَاقِعٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الْيُمْنَى تَعَلَّقَ بِهَا الْقَطْعُ وِفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي سُقُوطِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى لَمْ يُقْطَعْ، لِتَعْطِيلِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ، وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى قَبْلَ سَرِقَتِهِ، أَوْ يَدُهُ لَمْ تُقْطَعْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ رِجْلَيْهِ أَوْ يُمْنَاهُمَا، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي الْأَصَحِّ (وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يُمْنَاهُ فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يُسْرَاهُ) بِلَا إِذْنِهِ (عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا (وَإِنْ قَطَعَهَا خَطَأً فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا) لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ عَمْدُهُ الْقَوَدَ أَوْجَبَ خَطَؤُهُ الدِّيَةَ، بِدَلِيلِ الْقَتْلِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ: يُجْزِئُ وَلَا ضَمَانَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ تَضْمِينُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: إِنْ قُطِعَ دَهْشَةً، أَوْ ظَنَّهَا تُجْزِئُ كَفَتْ، وَلَا ضَمَانَ (وَفِي قَطْعِ يُمْنَى السَّارِقِ وَجْهَانِ) .
أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ، لِأَنَّ قَطْعَهَا يُفْضِي إِلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَتَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ مِنْهُ، فَلَمْ يُشْرَعْ كَقَتْلِهِ.
وَالثَّانِي: بَلَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " بِنَاءً عَلَى قَطْعِهَا فِي الثَّالِثَةِ، فَعَلَى الْأُولَى: فِي قَطْعِ رِجْلِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا، (وَيَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ، وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ، (فَتُرَدُّ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ إِلَى مَالِكِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً (وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً غُرِّمَ قِيمَتَهَا) أَوْ مِثْلَهَا، إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، (وَقُطِعَ) مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يُحْتَمَلُ لَا يُغَرَّمُ شَيْئًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
الَّذِي يُحْسَمُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ مَالِ السَّارِقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بَابٌ، حَدُّ الْمُحَارِبِينَ وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلَاحِ فِي الصَّحْرَاءِ،
[المبدع في شرح المقنع]
عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَقَمْتُمُ الْحَدَّ عَلَى السَّارِقِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ التَّضْمِينَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَالْمِلْكُ يَمْنَعُ الْقَطْعَ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُمَا حَقَّانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي أُجْرَةِ الْقَاطِعِ (وَهَلْ يَجِبُ الزَّيْتُ الَّذِي يُحْسَمُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ مَالِ السَّارِقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَأُجْرَةِ الْقَاطِعِ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ لَمْ يَذْكُرْ فِي " الْكَافِي " غَيْرَهُ، فَإِنْ لَمْ تُحْسَمْ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ لَا مُدَاوَاةَ الْمَحْدُودِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا مِنْ مَالِ السَّارِقِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ مُدَاوَاةٌ كَمُدَاوَاتِهِ فِي مَرَضِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَأْثَمْ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّدَاوِيَ فِي الْمَرَضِ.
[بَابٌ حَدُّ الْمُحَارِبِينَ]
[تَعْرِيفُ الْمُحَارِبِ وَحُكْمُهُ]
بَابٌ، حَدُّ الْمُحَارِبِينَ.
الْمُحَارِبُونَ وَاحِدُهُمْ مُحَارِبٌ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَارَبَ يُحَارِبُ، وَهُوَ فَاعِلٌ مِنَ الْحَرْبِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ الْحَرْبُ اشْتِقَاقُهَا مِنَ الْحَرَبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مَصْدَرُ حَرَبَ مَالَهُ أَيْ: سَلَبَهُ، وَالْحَرِيبُ الْمَحْرُوبُ، وَالْأَصْلُ فِيهِمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وَالْكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ كَمَا تُقْبَلُ قَبْلَهَا، فَلَمَّا خَصَّهُ بِمَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عُلِمَ أَنَّهُ
فَيَغْصِبُونَهُمُ الْمَالَ مُجَاهَرَةً، فَأَمَّا مَنْ يَأْخُذُهُ سَرِقَةً فَلَيْسَ بِمُحَارِبٍ، وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
أَرَادَ الْمُحَارِبِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَدًّا لَا كُفْرًا، وَالْحَدُّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُرْتَدِّينَ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قَضِيَّةُ الْعُرَنِيِّينَ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً، وَأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُمْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الْحُدُودُ، ثُمَّ قَالَ فَحُكْمُ مَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا نَزَلَ مِنَ الْحُدُودِ وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ الْيَدِ مَعَ الرِّجْلِ لِلْمُحَارِبِ لَقُلْنَا لَا تُقْطَعُ إِلَّا يَدُهُ الْيُمْنَى كَالسَّارِقِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ أَنْ يَصِحَّ عَفْوُ وَلِيِّ الدَّمِ عَنِ الْمُحَارِبِ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِيهِ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ) وَهُمْ كُلُّ مُكَلَّفٍ مُلْتَزِمٍ لِيَخْرُجَ الْحَرْبِيُّ، وَلَوْ أُنْثَى، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ وَالْعَبْدُ، وَالذِّمِّيُّ كَضِدِّهِمَا، وَعَنْهُ: يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ فَيَحِلُّ دَمُهُ وَمَالُهُ بِكُلِّ حَالٍ، (وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلَاحِ) هَذَا أَحَدُ الشُّرُوطِ فِيهِمْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ فَلَيْسُوا مُحَارِبِينَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مَنْ قَصَدَهُمْ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ كَانَ بِعَصًا وَحَجَرٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّلَاحِ الَّذِي يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ، أَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ، وَفِي " الْبُلْغَةِ "، وَغَيْرِهَا وَجْهٌ وَيَدٌ، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَإِنْ قَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ بِمُثْقَلٍ قُتِلَ كَمَا لَوْ قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ وَإِنْ قَتَلَ بِآلَةٍ لَا يَجِبِ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ بِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ أَيْضًا لِدُخُولِهِمْ فِي الْعُمُومِ.
فَرْعٌ: مَنْ قَاتَلَ اللُّصُوصَ وَقُتِلَ قُتِلَ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى (فِي الصَّحْرَاءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةُ الْمُحَارِبِينَ (فَيَغْصِبُونَهُمُ الْمَالَ) الْمُحْتَرَمَ (مُجَاهَرَةً) أَيْ: يَأْخُذُونَ الْمَالَ قَهْرًا اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَنَصْرَهُ الْقَاضِيَ فِي " الْخِلَافِ " وَذَكَرَهُ الْمَذْهَبُ (فَأَمَّا مَنْ يَأْخُذُهُ سَرِقَةً فَلَيْسَ بِمُحَارِبٍ) لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى مَنَعَةٍ، وَقُوَّةٍ، وَإِنِ اخْتَطَفُوهُ، وَهَرَبُوا فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ (وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ لِأَنَّ الْمِصْرَ يَلْحَقُ فِيهِ الْغَوْثُ
الْمِصْرِ، وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ، وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ حَتْمًا، وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ
[المبدع في شرح المقنع]
غَالِبًا فَتَذْهَبُ شَوْكَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ مُخْتَلِسِينَ لَا قُطَّاعَ طَرِيقٍ، (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ) وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِيهِمْ، وَلِأَنَّ ضَرَرَهُمْ فِي الْمِصْرِ أَعْظَمُ، فَكَانُوا بِالْحَدِّ أَوْلَى، وَفِي " الْفُرُوعِ " قِيلَ: فِي صَحْرَاءَ، وَقِيلَ: وَمِصْرٍ، إِنْ لَمْ يُغَثْ وَحَكَى فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ إِذَا كَبَسُوا دَارًا فِي مِصْرٍ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُمُ الْغَوْثُ عَادَةً لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ وَإِنْ حَصَرُوا قَرْيَةً أَوْ بَلَدًا لَا يَلْحَقُهُمُ الْغَوْثُ عَادَةً فَهُمْ قُطَّاعُ طَرِيقٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الرِّعَايَةِ " فِيهِ خِلَافًا وَيُعْتَبَرُ ثُبُوتُهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارًا مَرَّتَيْنِ كَسَرِقَةٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَفِي سُقُوطِهِ الْيُسْرَى كَسَرِقَةٍ وَجْهَانِ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ) لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ بِـ " أَوْ " فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّ مَا أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ فَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ التَّرْتِيبُ فَيُبْدَأُ بِالْأَغْلَظِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، وَلِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَجْرَامِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِي، وَالْقَاذِفِ، وَالسَّارِقِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ وَجَبَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُخَيَّرِ الْإِمَامُ فِيهِ كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا، وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ، وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا خَافُوا السَّبِيلَ، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنَ الْأَرْضِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُتِلَ وَصُلِبَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ لَا يَدْخُلُهُ عَفْوٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالصَّلْبِ بَعْدَ الْقَتْلِ،
عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ.
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ، فَهَلْ يُقْتَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَهَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يُصْلَبُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُقْتَلُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ الْقَتْلَ عَلَى الصَّلْبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَلِأَنَّهُ شُرِعَ رَدْعًا لِغَيْرِهِ، لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ، وَلَوْ شُرِعَ لِرَدْعِهِ فَقَطْ لَسَقَطَ بِقَتْلِهِ كَمَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ مَعَ الْقَتْلِ، وَالصَّلْبُ حَتْمٌ فِي حَقِّ مَنْ قَتَلَ، وَأَخَذَ الْمَالَ، فَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَيَكُونُ حَتَّى يَشْتَهِرَ، ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ زَجْرُ غَيْرِهِ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ) اقْتَصَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى حِكَايَتِهِ عَنْ أَحْمَدَ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَصْدُقُ اسْمُ الصَّلْبِ، وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهَذَا تَوْقِيتٌ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ مَعَ أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ يُفْضِي إِلَى تَغَيُّرِهِ، وَنَتْنِهِ، (وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ) اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ حَدًّا مُفْرَدًا فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَ حَدُّهُمَا كَمَا لَوْ زَنَى، وَسَرَقَ، فَعَلَى هَذَا يُقْطَعُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُقْتَلُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُدْفَعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ قَتْلِهِ لَمْ يُصْلَبْ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْقَتْلِ، فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ (وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ) كَوَلَدِهِ، وَعَبْدٍ، وَذِمِّيٍّ، (فَهَلْ يُقْتَلُ؟ قَاطِعُ الطَّرِيقِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: يُقْتَلُ، وَيُصْلَبُ، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْعُمُومِ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ " أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» فَعَلَى هَذَا إِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا أَوْ حُرٌّ عَبَدًا، وَأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ لِأَخْذِ الْمَالِ، وَغَرِمَ دِيَةَ ذِمِّيٍّ، وَقِيمَةَ عَبْدٍ، وَإِنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا غَرِمَ دِيَتَهُ، وَنُفِيَ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: الْقَتْلُ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَمْ يَقْتُلْ
يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَحُكْمُ الرَّدْءِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ، وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ، وَهَلْ يُصْلَبُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
مَنْ يُكَافِئُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَفِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ إِذَا قَتَلَهُ لِيَأْخُذَ الْمَالَ فَإِنْ قَتَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَعَدَاوَةٍ، فَالْوَاجِبُ قِصَاصٌ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ، (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) كَالطَّرْفِ (فَهَلْ يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي الْفُرُوعِ.
إِحْدَاهُمَا: قَالَ فِي " الشَّرْحِ "، وَهِيَ أَوْلَى لَا يَتَحَتَّمُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الْقِصَاصِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَتَحَتَّمُ، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَحَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ نَوْعُ قَوَدٍ، فَتَحَتَّمَ اسْتِيفَاؤُهُ، كَالْقَوَدِ فِي النَّفْسِ، وَلَا يَسْقُطُ مَعَ تَحَتُّمِ الْقَتْلِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ سُقُوطُهُ بِتَحَتُّمِ قَتْلِهِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَسْقُطَ الْجِنَايَةُ، إِنْ قُلْنَا يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤُهَا، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ إِنْ قُلْنَا يَتَحَتَّمُ فِي الطَّرْفِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَهَذَا وَهْمٌ.
[حُكْمُ الرَّدْءِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ]
(وَحُكْمُ الرَّدْءِ) وَالطَّلِيعِ (حُكْمُ الْمُبَاشِرِ) لِأَنَّ حَدَّ الْمُبَاشِرِ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَاسْتَوَى فِيهَا الرَّدْءُ، وَالْمُبَاشِرُ كَالْغَنِيمَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَنَعَةِ، وَالْمُعَاضَدَةِ، وَالْمُبَاشِرُ لَا يَتَمَكَّنُ إِلَّا بِالرَّدْءِ فَوَجَبَ التَّسَاوِي فِي الْحُكْمِ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرِقَةَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ؟ ثَبَتَ حُكْمُ الْقَتْلِ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَإِنْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ بَعْضُهُمْ جَازَ قَتْلُهُمْ، وَصَلْبُهُمْ، فَرَدْءُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَهُوَ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْمَالَ آخِذُهُ، وَقِيلَ: قَرَارُهُ عَلَيْهِ، وَفِي " الْإِرْشَادِ ": مَنْ قَاتَلَ اللُّصُوصَ وَقُتِلَ قُتِلَ الْقَاتِلُ فَقَطْ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْآمِرُ كَرَدْءٍ، وَأَنَّهُ فِي السَّرِقَةِ كَذَلِكَ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تُحْضِرُ النِّسَاءَ لِلْقَتْلِ تُقْتَلُ، وَالْمُرَادُ بِالرَّدْءِ هُوَ الْعَوْنُ لِلْمُبَاشِرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: 34] . (وَمَنْ قَتَلَ) مُكَافِئَهُ (وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ) حَتْمًا لِأَنَّهُ قَاتِلٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا أَثَرَ لِعَفْوِ الْوَلِيِّ (وَهَلْ يُصْلَبُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: لَا يُصْلَبُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، لِأَنَّ جِنَايَتَهُمْ
الْيُمْنَى، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا، وَخُلِّيَ، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مَقْطُوعَةً، أَوْ مُسْتَحَقَّةً فِي قِصَاصٍ، أَوْ شَلَّاءَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ؟ يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَطْعِ
[المبدع في شرح المقنع]
بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الْقَتْلِ أَعْظَمُ، فَكَانَتْ عُقُوبَتُهُمْ أَغْلَظَ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ يَجِبُ قَتْلُهُ، فَيُصْلَبُ كَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ (وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يُقْتَلْ قُطِعَتْ) حَتْمًا (يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] وَإِنَّمَا قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِلْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ فِي السَّارِقِ، لِأَنَّهُ سَارِقٌ وَزِيَادَةٌ، ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى لِتَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ، وَلِيَكُونَ أَرْفَقَ بِهِ فِي مَكَانِ مَشْيِهِ، وَلَا يَنْتَظِرُ انْدِمَالَ الْيَدِ، بَلْ يُقْطَعَانِ (فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَطْعِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَأْخِيرِ شَيْءٍ مِنْهُمَا، فَيُبْدَأُ بِيَمِينِهِ، فَتُقْطَعُ وَتُحْسَمُ، ثُمَّ بِرِجْلِهِ كَذَلِكَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ (وَحُسِمَتَا) لِقَوْلِهِ: «اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ» لِأَنَّ الْحَسْمَ يَسُدُّ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ، وَيَمْنَعُ الدَّمَ مِنَ النَّزْفِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ حَتْمًا (وَخُلِّيَ) بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ قَدِ اسْتُوْفِيَ، أَشْبَهَ الْمَدِينَ إِذَا أَدَّى دَيْنَهُ (وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ) ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ» وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تَعَلَّقَتْ بِهَا عُقُوبَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحَارِبِ، فَلَا تَغْلِيظَ فِي الْمُحَارِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ كَالْقَتْلِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ أَيْضًا فإن أخذوا مِنْ مَالٍ لَهُمْ فِيهِ شَرِكَةٌ أَوْ شُبْهَةٌ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْرُوقِ - لَمْ يُقْطَعْ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَجْهَانِ (فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مَقْطُوعَةً) بِأَنْ قُطِعَتْ فِي سَرِقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ مُسْتَحَقَّةً فِي قِصَاصٍ، أَوْ شَلَّاءَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى) كَمَا لَوْ كَانَتْ يُمْنَاهُ مَوْجُودَةً، لَأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَتِ الْيُمْنَى مَوْجُودَةً، وَالْيُسْرَى مَعْدُومَةً فإنا نَقْطَعُ الْمَوْجُودَ مِنْهَا حَسْبُ، وَيَسْقُطُ الْقَطْعُ فِي الْمَعْدُومِ، لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْفَرْضُ قَدْ زَالَ، فَيَسْقُطُ، كَالْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنْ عَدِمَ يُسْرَى يَدَيْهِ قُطِعَتْ يُسْرَى رِجْلَيْهِ، وَإِنْ عَدِمَ يُمْنَى يَدَيْهِ لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَى رِجْلَيْهِ (وَهَلْ تُقْطَعُ
يُسْرَى السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ.
وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ، وَلَا أَخَذَ مَالًا نُفِيَ وَشُرِّدَ، وَلَا يُتْرَكُ يَأْوِي إِلَى بَلَدٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ نَفْيَهُ تَعْزِيرُهُ بِمَا يَرْدَعُهُ، وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، مِنَ الصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ، وَالنَّفْيِ، وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ، وَأَخْذٍ
[المبدع في شرح المقنع]
يُسْرَى يَدَيْهِ؟) أَيْ: قُطِعَ لِلْمُحَارَبَةِ، ثُمَّ حَارَبَ ثَانِيًا، فَهَلْ تُقْطَعُ بَقِيَّةُ أَرْبَعَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَذَلِكَ (يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ) ، فَإِنْ قُلْنَا: يُقْطَعُ، ثُمَّ قُطِعَتْ هاهنا، لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ الْقَطْعَ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا لَوْ سَرَقَ، وَلَا يُمْنَى لَهُ، وَلَا رِجْلَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُقْطَعُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، سَقَطَ لِأَنَّ قَطْعَهَا يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ، وَتَتَعَيَّنُ دِيَةٌ لِقَوَدٍ لَزِمَهُ بَعْدَ مُحَارَبَتِهِ كَتَقْدِيمِهَا بِسَبْقِهَا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ قَتْلِهِ لِلْمُحَارَبَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا عَدِمَ يَدَهُ الْيُسْرَى، أَوْ بَطْشَهَا بِشَلَلٍ، أَوْ نَقْصٍ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى دُونَ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَقِيلَ: يُقْطَعَانِ، وَيَتَخَرَّجُ عَكْسُهُ، فَلَوْ كَانَ مَا وَجَبَ قَطْعُهُ أَشَلَّ، فَذَكَرَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ قَطْعَهُ يُفْضِي إِلَى تَلَفِهِ سَقَطَ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ كَالْمَعْدُومِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا يُفْضِي إِلَى تَلَفِهِ، فَفِي قَطْعِهِ رِوَايَتَانِ (وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا نُفِيَ وَشُرِّدَ) أَيْ: طُرِدَ، وَلَوْ عَبْدًا (وَلَا يُتْرَكُ يَأْوِي إِلَى بَلَدٍ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَنَصَرُوهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] ، وَظَاهِرُهُ يَتَنَاوَلُ نَفْيَهُ من جميعها، وَهُوَ يَبْطُلُ بِنَفْيِ الزَّانِي إِلَى مَكَانٍ، فَعَلَى هَذَا: يُنْفَوْنَ مُدَّةً تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُمْ، وَتَحْسُنُ سِيرَتُهُمْ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَقِيلَ: يُنْفَوْنَ عَامًا كَالزَّانِي (وَعَنْهُ: أَنَّ نَفْيَهُ تَعْزِيرُهُ بِمَا يَرْدَعُهُ) مِنْ: ضَرْبٍ، وَحَبْسٍ، وَنَفْيٍ، لِأَنَّ الْغَرَضَ الرَّدْعُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا ذُكِرَ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": بِهِمَا، وَعَنْهُ: نَفْيُهُمْ حَبْسُهُمْ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً، وَفِي " الْوَاضِحِ " وَغَيْرِهِ رِوَايَةُ أَنَّ نَفْيَهُمْ طَلَبُ الْإِمَامِ لَهُمْ، لِيُقِيمَ فِيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً نُفُوا مُتَفَرِّقِينَ (وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، مِنَ الصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ، وَالنَّفْيِ، وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:
بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، مِنَ النَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَالْجِرَحِ، إِلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا.
وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى سِوَى ذَلِكَ، فَتَابَ قَبْلَ إِقَامَتِهِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ، وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ سَقَطَ عَنْهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] فَعَلَى هَذَا: يَسْقُطُ عَنْهُمْ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ، أَطْلَقَ فِي " الْمُبْهِجِ " فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى: رِوَايَتَيْنِ (وَأَخَذَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، مِنَ النَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَالْجِرَاحِ، إِلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا) لِأَنَّهَا حُقُوقٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا، فَلَمْ تَسْقُطْ لِغَيْرِ الْمُحَارِبِ، لَا يُقَالُ: الْآيَةُ عَامَّةٌ، فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ؟ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِرِضَاهُ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضِّيقِ، وَالشُّحِّ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ كَوْنَ تَوْبَتِهِمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهَا بَعْدَهَا، وَلِأَنَّهُ إِذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَوْبَةُ إِخْلَاصٍ، وَبَعْدَهَا تُقْيَةٌ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَلِأَنَّ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ تَرْغِيبًا فِي تَوْبَتِهِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ مُحَارَبَتِهِ، وَبَعْدَ الْقُدْرَةِ لَا حَاجَةَ فِي تَرْغِيبِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنِ الْفَسَادِ، وَالْمُحَارَبَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ هُوَ تَحْتَ حُكْمِنَا، وَفِي خَارِجِيٍّ، وَبَاغٍ، وَمُرْتَدٍّ مُحَارِبٍ الْخِلَافُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِبَيِّنَةٍ، وَقِيلَ: وَقَرِينَةٍ، وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ الْكَافِرُ فَلَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ فِي كُفْرِهِ إِجْمَاعًا
[مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَابَ]
(وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى سِوَى ذَلِكَ) كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ (فَتَابَ قَبْلَ إِقَامَتِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ) ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَذْهَبَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لِعُمُومِ آيَةِ الزِّنَا، وَالسَّارِقِ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَجَمَ مَاعِزًا، وَالغَامِدِيَّةَ، وَقَدْ جَاءَا تَائِبَيْنِ» ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ كَالْمُحَارِبِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ) نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ " وَصَحَّحَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] وَلِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] وَفِي الْخَبَرِ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» ، وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَسَقَطَ بِالتَّوْبَةِ كَحَدِّ الْمُحَارِبِ (قَبْلَ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ) ، وَكَذَا
فَصَلٌ (وَمَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ، أَوْ حُرْمَتُهُ، أَوْ مَالُهُ، فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذَلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى شَرْطَيْنِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ هَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ، وَالْمُبَالَغَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ صَلَاحُ الْعَمَلِ فِي تَوْبَةِ الْمُشْرِكِ، قَالَ الْقَاضِي: لَا يُعْتَبَرُ صَلَاحُ الْعَمَلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، وَأَبِي الْحَارِثِ، لِأَنَّهَا تَوْبَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْحَدِّ أَشْبَهَتْ تَوْبَةَ الْمُحَارِبِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَالْإِسْلَامِ، فَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ قَبْلَ ثُبُوتِهِ، وَقِيلَ: قَبْلَ الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: قَبْلَ إِقَامَتِهِ، وَفِي بَحْثِ الْقَاضِي التَّفْرِقَةَ بَيْنَ عِلْمِ الْإِمَامِ بِهِمْ أَوْ لَا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ فِي الْحَدِّ لَا يُكْمَلُ، وَإِنَّ هَرَبَهُ فِيهِ تَوْبَةٌ، وَعَنْهُ إِنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِنَفْيهِ لَمْ يَسْقُطْ، ذَكَرَهَا ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِمَا يَسْقُطُ فِي حَقِّ مُحَارِبٍ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ لَا، كَمَا قَبْلَ الْمُحَارَبَةِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ ": لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِ ذِمِّيٍّ، وَمُسْتَأْمِنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي ذِمِّيٍ، وَنَقَلَهُ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ فِيهِ الْخِلَافَ (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ سَقَطَ عَنْهُ) لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، كَمَا يَسْقُطُ غَسْلُ مَا ذَهَبَ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا وَجَدَ رَجُلًا يَزْنِي مَعَ امْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ، فَإِنِ ادَّعَى ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهِيَ شَاهِدَانِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَرْبَعَةٌ لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً ضَمِنَهَا وَأَثِمَ، وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، فَلَا.
فَائِدَةٌ: مَنْ عُرِفَ بِأَذَى النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ حُبِسَ، وَأُطْعِمَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يَمُوتَ، وَكَذَا مَنِ ابْتَدَعَ بِبِدْعَةٍ وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا حُبِسَ حَتَّى يَكُفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بِدْعَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
[مَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ أَوْ مَالُهُ فَلَهُ الدَّفْعُ]
فَصْلٌ (وَمَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ، أَوْ حُرْمَتُهُ، أَوْ مَالُهُ وَإِنْ قَلَّ، كَافَأَهُ أَمْ لَا (فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذَلِكَ
دَفْعَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ آدَمِيًّا، أَوْ بَهِيمَةً،
[المبدع في شرح المقنع]
بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ) ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ ذَلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (دَفَعَهُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لَأَدَّى إِلَى تَلَفِهِ وَأَذَاهُ فِي نَفْسِهِ، وَحُرْمَتِهِ وَمَالِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَتَسَلَّطَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأَدَّى إِلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ، لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، لِحُصُولِ الدَّفْعِ بِهِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ هَرَبٌ، أَوِ احْتِمَاءٌ، وَنَحْوُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مَتَى عَلِمَ، أَوْ ظَنَّ الدَّافِعُ أَنَّ الصَّائِلَ عَلَيْهِ يَنْدَفِعُ بالقول لَمْ يَجُزْ ضَرْبُهُ بِشَيْءٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا تُرِيدُ قَتْلَهُ وَضَرْبَهُ لَكِنِ ادْفَعْهُ، وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: رَأَيْتُهُ يَعْجَبُ مِمَّنْ يَقُولُ: أُقَاتِلُهُ، وَأَمْنَعُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِعَصًا لَمْ يَضْرِبْهُ بِحَدِيدٍ (وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ ضَرَرَهُ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِهِ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الدَّفْعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) بِالْقَتْلِ، لِأَنَّهُ قَتَلَ لِدَفْعِ شَرِّ الصَّائِلِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ كَفِعْلِ الْبَاغِي.
وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا ضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ فَأَرَادَ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَا يُودَى بِهِ (وَإِنْ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمِنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَلِأَنَّهُ قتل لدفع ظَلَمَ فَكَانَ شهيدا كَالْعَادِلِ إِذَا قَتَلَهُ الْبَاغِي، وَإِنْ قَتَلَهُ فَهَدَرٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَالِ مَزْحٍ، ذَكَرُهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَيُقَادُ بِهِ، ذَكَرَهُ آخَرُونَ (وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وَكَمَا يَحْرُمُ قَتْلُ نَفْسِهِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِبَاحَةُ قَتْلِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إِحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا يَتَّقِي بِهِ، كَالْمُضْطَرِّ إِذَا وَجَدَ الْمَيْتَةَ، وَكَذَا عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ، لَا فِي فِتْنَةٍ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إِذَا جَاءَ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ابْنَيْ آدَمَ، الْقَاتِلُ فِي النَّارِ، وَالْمَقْتُولُ فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ فِتْنَةً فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّ عُثْمَانَ تَرَكَ الْقِتَالَ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ غَيْرَهُ مِنْ قِتَالِهِمْ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَعَلَى اللُّزُومِ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَهْرُبَ، أَوْ يَحْتَمِيَ، أَوْ يَخْتَفِيَ، فَفِي جَوَازِ الدَّفْعِ وَجْهَانِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ حُرْمَتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ قُوَيْلٌ، فَإِنَّهُ إِذَا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَوِ ابْنَتِهِ، أَوْ أُخْتِهِ يُزْنَي بِهَا، أَوْ تُلُوِّطَ بِابْنِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، وَهُوَ مَنْعُهُ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَحَقُّ نَفْسِهِ بِالْمَنْعِ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَا يَسَعُهُ إِضَاعَةُ هَذِهِ الْحُقُوقِ، وَلَا عَنْ مَالِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ حفظه مِنَ الضَّيَاعِ، وَالْهَلَاكِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " فِي الثَّلَاثَةِ: يَلْزَمُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ بَذْلُهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَنَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": الْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ تَرْكَ قِتَالِهِ عَنْهُ أَفْضَلُ، وَأَطْلَقَ رِوَايَتَيِ الْوُجُوبِ فِي الْكُلِّ، زَادَ فِي " نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ " عَلَى الثَّلَاثَةِ: وَعِرْضِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَأَطْلَقَ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لُزُومَهُ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ (وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ آدَمِيًّا) مُكَلَّفًا، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَعِنْدِي يَنْتَقِضُ عَهْدُ الذِّمِّيِّ (أَوْ بَهِيمَةً) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُجَوِّزِ لِلدَّفْعِ، وَهُوَ الصَّوْلُ، وَلِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا
وَإِذَا دَخَلَ رَجُلٌ مَنْزِلَهُ مُتَلَصِّصًا، أَوْ صَائِلًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، ذَهَبَتْ هَدَرًا.
وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
حُرْمَةَ لَهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ إِذَا أَمْكَنَهُ، كَمَا لَوْ خَافَ مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَارٍ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهُ (وَإِذَا دَخَلَ رَجُلٌ مَنْزِلَهُ مُتَلَصِّصًا أَوْ صَائِلًا) أَيْ: إِذَا ادَّعَى صِيَالَةً بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا إِقْرَارٍ لَمْ يُقْبَلْ (فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا) أَيْ: إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ أَمْرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ سِلَاحٌ أَوْ لَا، فَإِنْ خَرَجَ بِالْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِخْرَاجُهُ، لَكِنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى لِصًّا فَأَصْلَتَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، قَالَ الرَّاوِي: فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ.
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ، فَقَالَ: رَجُلٌ دَخَلَ بَيْتِي وَمَعَهُ حَدِيدَةٌ، أَقْتُلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ أَمْكَنَ إِزَالَةُ الْعُدْوَانِ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، فَلَمْ يَجُزِ الْقَتْلُ، وَكَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا وَأَمْكَنَ أَخْذُهُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ التَّرْهِيبِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ بِالْعَصَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ بِالْحَدِيدِ، وَإِنْ وَلَّى هَارِبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ وَلَا اتِّبَاعُهُ كَالْبُغَاةِ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَطَّلَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ، لِأَنَّهُ لَقِيَ شَرَّهُ، وَإِنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ، فَوَلَّى مُدْبِرًا فَقَطَعَ رِجْلَهُ، فَالرِّجْلُ مَضْمُونَةٌ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ، لِأَنَّهُ فِي حَالٍ لَا يَحِلُّ لَهُ ضَرْبُهُ، وَالْيَدُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ قَطْعِ رِجْلِهِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، فَالْيَدَانِ غَيْرُ مَضْمُونَتَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَةِ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنْ يَضْمَنَ نِصْفَ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ اثْنَانِ، وَمَاتَ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ، أَوْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَهُوَ هَدَرٌ، كَالْبَاقِي، وَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَهُوَ شَهِيدٌ لِلْخَبَرِ، وَكَالْعَادِي، وَعَلَى الصَّائِلِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ فَقَتَلَهُ، أَوْ قَطَعَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَنْدَفِعُ بِهِ، ضَمِنَهُ (وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا) عَضًّا مُحَرَّمًا (فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ ذَهَبَتْ هَدَرًا) لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: «قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، وَفِي لَفْظٍ: بِثَنِيَّتِهِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ.
وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّ صَاحِبِهِ فَلَمْ يُضْمَنْ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنِ الدَّافِعُ إِلَّا بِقَطْعِ يَدِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَعْضُوضُ ظَالِمًا أَوْ
مِنْ خِصَاصِ الْبَابِ وَنَحْوِهِ، فَخَذَفَ عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
مَظْلُومًا، لِأَنَّ الْعَضَّ مُحَرَّمٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَضُّ مُبَاحًا، كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ إِلَّا بِعَضِّهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَخْلِيصُ الْمَعْضُوضِ يَدَهُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُهُ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَكَّ لَحْيَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ لَكَمَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَذَبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُصْ فَلَهُ أَنْ يَعْصِرَ خُصْيَتَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَبْعَجَ بَطْنَهُ، وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْذِبَ يَدَهُ أَوَّلًا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، فَعَدَلَ إِلَى لَكْمِ فَكِّهِ، فَأَتْلَفَ شَيْئًا ضَمِنَهُ، لِإِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ.
(وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ مِنْ خِصَاصِ الْبَابِ) وَهُوَ الْفُرُوجُ الَّذِي فِيهِ (وَنَحْوِهِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَكِنْ ظَنَّهُ مُتَعَمِّدًا، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": أَوْ صَادَفَ عَوْرَةً مِنْ مَحَارِمِهِ وَأَصَرَّ، وَفِي " الْمُغْنِي ": وَلَوْ خَلَتْ مِنْ نِسَاءٍ (فَخَذَفَ عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا) وَفِي " الْفُرُوعِ ": فَتَلِفَتْ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِمَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذَنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إِلَّا بِذَلِكَ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلَا يَتْبَعُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَدْفَعُهُ بِالْأَسْهَلِ، فَيُنْذِرُهُ أَوَّلًا، كَمَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ لَمْ يَقْصِدْ أُذُنَهُ بِلَا إِنْذَارٍ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَقِيلَ: بَابٌ مَفْتُوحٌ كَخَصَاصَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «وَإِنْ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى بَابٍ لَا سِتْرَ لَهُ غَيْرِ مُغْلَقٍ، فَيَنْظُرُ، فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.
وَلَوْ كَانَ إِنْسَانٌ عُرْيَانًا فِي طَرِيقٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَمْيُ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ.
فَرْعٌ: إِذَا اطَّلَعَ فَرَمَاهُ، فَقَالَ الْمُطَّلِعُ: مَا تَعَمَّدْتُهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ: بَلَى، وإن اطلع أعمى لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: بَلَى، إِنْ كَانَ سَمِيعًا كَالْبَصِيرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاظِرُ فِي مِلْكِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابٌ قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ]
[تَعْرِيفُ أَهْلِ الْبَغْيِ]
ِ الْبَغْيُ: مَصْدَرُ بَغَى يَبْغِي بَغْيًا، إِذَا اعْتَدَى، وَالْمُرَادُ هُنَا: الظَّلَمَةُ الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، الْمُعْتَدُونَ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] .
وَفِيهَا فَوَائِدُ: مِنْهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِالْبَغْيِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَوْجَبَ قِتَالَهُمْ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَسْقَطَ قِتَالَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمُ التَّبِعَةَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي قِتَالِهِمْ، وَمِنْهَا: أَنَّهَا أَجَازَتْ قِتَالَ كُلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ، مِنْهَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَلِيًّا قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَأَهْلَ صِفِّينَ (وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ) الْعَادِلِ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ) سَوَاءٌ كَانَ صَوَابًا أَوْ خَطَأً، وَقِيلَ: بَلْ خَطَأٌ فَقَطْ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ) لَا جَمْعٌ يَسِيرٌ، خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ، فَإِنْ فَاتَ شَرْطٌ فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ، فَعَلَى هَذَا لَوِ امْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَخَرَجُوا عَنْ قَبْضَتِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، أَوْ كَانَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ كَالْعَشَرَةِ، فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": لَا تَتِمُّ الشَّوْكَةُ إِلَّا وَفِيهِمْ وَاحِدٌ مُطَاعٌ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُمْ فِي طَرَفِ وِلَايَتِهِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": تَدْعُو إِلَى نَفْسِهَا، أَوْ إِلَى إِمَامٍ غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ.
أَصْلٌ: مَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ، وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ بُغَاةٌ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ تَتَعَيَّنُ اسْتِتَابَتُهُمْ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إِفْسَادِهِمْ، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحْدَثِينَ: هُمْ كُفَّارٌ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ، لِلْأَخْبَارِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، ذَكَرَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَ " الرِّعَايَةِ ": أَنَّهَا أَشْهَرُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ،