طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِمَّا أَخَذَ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ، فَالْكُلُّ لَهَا دُونَهُ.
وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا،
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَمِيعُ لَهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَضَعَّفَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ; لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِجْحَافُ ; لِعَدَمِ مِلْكِهَا لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَأَبِي الْخَطَّابِ - أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ (فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) بَعْدَ قَبْضِهِمَا (رَجَعَ عَلَيْهَا) ; لِأَنَّهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ (وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِمَّا أَخَذَ) ; لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنَتِهِ أَلْفًا، فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: إِلَّا فِي شَرْطٍ جَمِيعُهُ لَهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إِذَا قَبَضَتِ الْأَلْفَيْنِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا سَقَطَ عَنِ الزَّوْجِ أَلْفٌ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَلْفٌ لِلزَّوْجَةِ، يَأْخُذُ الْأَبُ مِنْهَا مَا شَاءَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَنَقَلَهُ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ النِّصْفَ، وَلَمْ يُحَصِّلْ مِنَ الصَّدَاقِ إِلَّا النِّصْفَ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ ": هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَلَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ الْجَمِيعَ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ - رَجَعَ فِي نِصْفِ مَا أَعْطَى الْأَبَ ; لِأَنَّهُ الَّذِي فَرَضَهُ لَهَا، فَيَرْجِعُ فِي نِصْفِهِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ فِيمَا أَخَذَ؛ لِأَنَّا قَدَّرْنَا أَنَّ الْجَمِيعَ صَارَ لَهَا، وَلَوِ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ تَرْجِعُ فِي الْأَلْفِ الَّتِي قَبَضَهَا الْأَبُ لَهُ أَوْ عَلَيْهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ) كَالْجَدِّ وَالْأَخِ (فَالْكُلُّ لَهَا دُونَهُ) وَكَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا اشْتَرَطَهُ عِوَضٌ فِي تَزْوِيجِهَا فَيَكُونُ صَدَاقًا لَهَا، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لَهَا، وَلَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَيَقَعُ الِاشْتِرَاطُ لَغْوًا، وَفِي " التَّرْغِيبِ " فِي الْأَبِ رِوَايَةٌ كَذَلِكَ.
[وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا] (وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ) صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً (بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ) ؛ «لِأَنَّ عُمَرَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا تُغَالُوا فِي صُدُقِ النِّسَاءِ، فَمَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ
وَإِنْ كَرِهَتْ، وَإِنْ فَعَلَ غَيْرُهُ بِإِذْنِهَا صَحَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الِاعْتِرَاضُ، وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَ الزَّوْجَ إِلَّا الْمُسَمَّى، وَالْبَاقِي عَلَى الْوَلِيِّ، كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ صَحَّ، وَلَزِمَ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ النِّكَاحِ الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفُلُهَا وَيَصُونُهَا، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْأَبِ مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ - أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنَ الصَّدَاقِ إِلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَعُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْعِوَضُ، لَا يُقَالُ: كَيْفَ يُمَلَّكُ الْأَبُ تَزْوِيجَ الْبِنْتِ الْكَبِيرَةِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَأْذَنَ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ دُونَ قَدْرِ الْمَهْرِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ تَتْمِيمُهُ كَبَيْعِهِ بَعْضَ مَالِهَا بِدُونِ ثَمَنِهِ لِسُلْطَانٍ يُظَنُّ بِهِ حِفْظُ الْبَاقِي، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَقِيلَ: لِبِنْتٍ كَبِيرَةٍ؛ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهَا، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِلَّا أَنْ تَرْضَى بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ قَبْلَ لُزُومِهِ (وَإِنْ فَعَلَ غَيْرُهُ بِإِذْنِهَا) وَكَانَتْ رَشِيدَةً (صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِهِ، سَقَطَ، كَبَيْعِ سِلْعَتِهَا (وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الِاعْتِرَاضُ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ تَمَحَّضَ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ (وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ نَقْصُهَا مِنْهُ، وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَسَادُ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمُهَا (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَلْزَمَ الزَّوْجَ إِلَّا الْمُسَمَّى) هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ غَيْرُهُ، وَكَمَنَ زُوِّجَ بِدُونِ مَا عَيَّنْتَهُ لَهُ (وَالْبَاقِي عَلَى الْوَلِيِّ) ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ (كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ) وَفِي " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ -: تَمَامُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فَاسِدَةٌ، وَيَضْمَنُهُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ الثيب الكبيرة وُجُوبُ التَّمَامِ.
(وَإِنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْأَبِ مَلْحُوظٌ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، فَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَصْلَحَةِ، فَكَذَا يَصِحُّ هُنَا تَحْصِيلُهُ لَهَا (وَلَزِمَ ذِمَّةَ الِابْنِ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُ، فَكَانَ بَدَلُهُ عَلَيْهِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ مَعَ رِضَاهُ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَهَلْ يَضْمَنُهُ الْأَبُ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُمَا فِي " الْمُغْنِي "
ذِمَّةَ الِابْنِ، وَلِلْأَبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَلَا يَقْبِضُ صَدَاقَ الْبِنْتِ الْكَبِيرَةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَفِي الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ رِوَايَتَانِ.
فَصْلٌ وَإِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَلَى صَدَاقٍ مُسَمًّى، صَحَّ وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
رِوَايَتَيْنِ - أَشْهُرُهُمَا: لَا يَضْمَنُهُ كَثَمَنِ مَبِيعِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا أَصَحُّ، وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُهُ الْأَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، كَمَا لَوْ نَطَقَ بِالضَّمَانِ وَلِلْعُرْفِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ، وَفِي النَّوَادِرِ نَقَلَ صَالِحٌ كَالنَّفَقَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى ابْن، كَذَا قَالَ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ النَّفَقَةَ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُوطَأُ قَالَ: إِنْ كَانَ لَهَا مَالٌ أُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْهُ، وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ مَعَ الْمَنْعِ مِنْ قِبَلِهِ لَا مِنْ قِبَلِهِمْ.
فَرْعٌ: إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، سَقَطَ نِصْفُ الصَّدَاقِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ دَفْعِ الْأَبِ الصَّدَاقَ، رَجَعَ نِصْفُهُ إِلَى الِابْنِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ قَضَى الصَّدَاقَ عَنِ ابْنِهِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنِ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالرُّجُوعُ فِي جَمِيعِهِ كَالرُّجُوعِ فِي نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ (وَلِلْأَبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ) أَيِ: الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا (بِغَيْرِ إِذْنِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَلِي مَالَهَا، فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا، وَالسَّفِيهَةُ وَالْمَجْنُونَةُ كَذَلِكَ (وَلَا يَقْبِضُ صَدَاقَ الْبِنْتِ الْكَبِيرَةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا) إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً؛ لِأَنَّهَا الْمُتَصَرِّفَةُ فِي مَالِهَا، فَاعْتَبَرَ إِذْنُهَا فِي قَبْضِهِ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا (وَفِي الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ) الْعَاقِلَةِ (رِوَايَتَانِ) الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهُ إِلَّا بِإِذْنِهَا إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً، كَالثَّيِّبِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ، أَشْبَهَتِ الصَّغِيرَ، زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": مَا لَمْ تمْنَعْهُ، فَعَلَيْهَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ بِقَبْضِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَى أَبِيهَا بِمَا بَقِيَ لَا بِمَا أَنْفَقَ.
[إِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَلَى صَدَاقٍ مُسَمًّى]
فَصْلٌ (وَإِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَلَى صَدَاقٍ مُسَمًّى، صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَحِقَ سَيِّدَهُ، فَإِذَا أُسْقِطَ حَقُّهُ سَقَطَ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ وَلَوْ أَمْكَنَهُ حُرَّةً، وَيَمْلِكُ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ إِذَا طَلَّقَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي تَنَاوُلِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ احْتِمَالَانِ (وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ ذِمَّةِ
ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، وَجَبَ فِي رَقَبَتِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ خُمُسَا الْمُسَمَّى، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَإِنْ زَوَّجَ السَّيِّدُ
[المبدع في شرح المقنع]
سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ بِرِضَا السَّيِّدِ، فَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ كَالدَّيْنِ، وَكَذَا النَّفَقَةُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْمَسْكَنُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِفِعْلِهِ، أَشْبَهَ جِنَايَتَهُ، وَعَنْهُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَعَنْهُ: بِذِمَّتَيْهِمَا بِذِمَّةِ الْعَبْدِ أَصَالَةً، وَذِمَّةِ سَيِّدِهِ ضَمَانًا، وَعَنْهُ بِكَسْبِهِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ أَلْزَمَ السَّيِّدَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كسب، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ؛ لِعَدَمِ كَسْبِ الْعَبْدِ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهُ وَمَنْعُهُ مِنَ الِاكْتِسَابِ، وَمَنْ عَلَّقَهُ بِكَسْبِهِ فَلِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنَ التَّكَسُّبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ أَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَسْقُطِ الْمَهْرُ عَنِ السَّيِّدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّهَا تَتَجَدَّدُ، فَيَكُونُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعَلَى الْعَبْدِ إِذَا أُعْتِقَ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيَّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنْ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَفِيهِ كَلَامٌ، وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَأَنْكَرَهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا؛ وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَقَدَ شَرْطَهُ فَكَانَ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: هُوَ كَفُضُولِيٍّ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الْفَسْخِ فَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْوَصِيَّةِ (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا) وَوَطِئَهَا (وَجَبَ فِي رَقَبَتِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، فَعَلَى هَذَا يُبَاعُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ، وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ أُجْرِيَ مُجْرَى الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ بِغَيْرِ
عَبْدَهُ أَمَتَهُ، لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَسْقُطُ، وَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ حُرَّةً، ثُمَّ بَاعَهَا الْعَبْدُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ، تَحَوَّلَ صَدَاقُهَا أَوْ نِصْفُهُ - إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ - إِلَى ثَمَنِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
إِذْنِ الْوَلِيِّ (وَعَنْهُ: يَجِبُ خُمُسَا الْمُسَمَّى) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ؛ لِمَا رَوَى خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ غُلَامًا لِأَبِي مُوسَى تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ فَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَخُذْ لَهَا الْخُمُسَيْنِ مِنْ صَدَاقِهَا، وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ الْمَهْرَ أَحَدُ مُوجِبَيِ الْوَطْءِ، فَجَازَ أَنْ يَنْقُصَ فِيهِ الْعَبْدُ عَنِ الْحُرِّ كَالْحَدِّ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمَهْرُ يَجِبُ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: عَقْدُ النِّكَاحِ، وَعَقْدُ الصَّدَاقِ، وَإِذْنُ السَّيِّدِ فِي النِّكَاحِ، وَإِذْنُهُ فِي الصَّدَاقِ، وَالدُّخُولُ، فَبَطَلَ ثَلَاثَةٌ مِنْ قِبَلِ السَّيِّدِ، فَبَقِيَ مِنْ قِبَلِهِ اثْنَانِ وَهُوَ: التَّسْمِيَةُ، وَالدُّخُولُ.
وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ فَلَهَا خُمُسَا الْمَهْرِ، وَإِلَّا فَلَهَا الْمَهْرُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَقِيلَ: يَجِبُ خُمُسَا مَهْرِ الْمِثْلِ، وَعَنْهُ: الْمُسَمَّى، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُعْطِي شَيْئًا، قُلْتُ: تَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ؟ قَالَ: أَذْهَبُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ الْقِيَاسُ.
تَنْبِيهٌ: السَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَهْرٍ وَاجِبٍ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا مَهْرَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَاهِرِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إِنْ عَلِمَا التَّحْرِيمَ - وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَوْ عَلِمَتْهُ هِيَ (وَإِنْ زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ) وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ (وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَسْقُطُ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، و" الْمُسْتَوْعِبِ "، و" الرِّعَايَةِ "، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " التَّبْصِرَةِ "؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ مَهْرٍ، ثُمَّ يَسْقُطُ لِتَعَذُّرِ إِتْيَانِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَيُتْبِعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ سِنْدِيٍّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (وَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ حُرَّةً، ثُمَّ بَاعَهَا الْعَبْدُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ، تَحَوَّلَ صَدَاقُهَا أَوْ نِصْفُهُ - إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ - إِلَى ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى بَدَلِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ لَهَا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهَا فَعَلَى حُكْمِ مُقَاصَصَةِ الدَّيْنَيْنِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ تَحَوَّلَ مَهْرُهَا إِلَى ثَمَنِهِ، كَشِرَاءِ غَرِيمٍ عَبْدًا مَدِينًا، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتَيْهِمَا سَقَطَ الْمَهْرُ لِمِلْكِهَا الْعَبْدُ، وَالسَّيِّدُ تَبَعٌ لَهُ؛
وَإِنْ بَاعَهَا إِيَّاهُ بِالصَّدَاقِ صَحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَصْلٌ وَتَمْلِكُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ ضَامِنُهُ، وَيَبْقَى الثَّمَنُ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ بِنَاءً عَلَى مَنْ ثَبَتَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدٍ ثُمَّ مَلَكَهُ، فَفِي سُقُوطِهِ وَجْهَانِ، وَالنِّصْفُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَالْجَمِيعِ إِنْ لَمْ يَسْقُطْ فِي رِوَايَةٍ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " الْمُذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِحَالٍ (وَإِنْ بَاعَهَا إِيَّاهُ بِالصَّدَاقِ صَحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِغَيْرِ الْعَبْدِ، فَكَذَا لَهُ، وَفِي رُجُوعِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِنِصْفِهِ أَوْ جَمِيعِهِ الرِّوَايَتَانِ، وَبَطَلَ النِّكَاحُ إِذَنْ (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ) هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ، وَمِنْ سُقُوطِ الْمَهْرِ بُطْلَانُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ، وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَاخْتَارَ وَلَدُ صَاحِبِ " التَّرْغِيبِ ": إِنْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ، وَسَقَطَ مَا فِي الذِّمَّةِ بِمِلْكٍ طَارِئٍ - بَرِئَتْ ذِمَّةُ السَّيِّدِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، فَيَكُونُ فِي الصِّحَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ الرِّوَايَتَانِ قَبْلَهُ، وَإِنْ جَعَلَهُ مَهْرَهَا بَطَلَ الْعَقْدُ، كَمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ عَلَى رَقَبَةِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى الِابْنِ لَوْ مَلَكَهُ، إِذْ نُقَدِّرُهُ لَهُ قَبْلَهَا بِخِلَافِ إِصْدَاقِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَنْفَسِخْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
[تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ]
فَصْلٌ (وَتَمْلِكُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ» فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ كُلَّهُ لِلْمَرْأَةِ، وَلَا يَبْقَى لِلرَّجُلِ فِيهِ شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يُمْلَكُ بِهِ الْعِوَضُ، فَمُلِكَ بِهِ الْعِوَضُ كَامِلًا كَالْبَيْعِ، وَعَنْهُ: تَمْلِكُ نِصْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ، وَسُقُوطُ نَصْفِهِ
فِيهِ، وَنَمَاؤُهُ لَهَا، وَزَكَاتُهُ، وَنَقْصُهُ، وَضَمَانُهُ - عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهَا قَبْضَهُ، فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ - فِيمَنْ تَزَوَّجَ عَلَى عَبْدٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ -: إِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَتْهُ فَهُوَ لَهَا، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ، لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا إِلَّا بِقَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَفِيزٍ مِنْ صَبْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهَا، وَلَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ إِلَّا بِقَبْضِهِ كَالْمَبِيعِ.
وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالطَّلَاقِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ جَمِيعِهِ بِالْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوِ ارْتَدَّتْ سَقَطَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَلَكَتْ نِصْفَهُ (فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهَا، فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهَا (وَنَمَاؤُهُ لَهَا، وَزَكَاتُهُ، وَنَقْصُهُ، وَضَمَانُهُ - عَلَيْهَا) سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ، مُتَّصِلًا كَانَ النَّمَاءُ أَوْ مُنْفَصِلًا، وَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا، وَلَوْ زَكَّتْ ثُمَّ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ ضَمَانُ الزَّكَاةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَكَتْهُ بِالْبَيْعِ (إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهَا قَبْضُهُ، فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِنْ زَادَ فَالزِّيَادَةُ لَهَا، وَإِنْ نَقَصَ فَالنَّقْصُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ أَكَثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ إِلَى يَوْمِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا زَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَالزِّيَادَةُ لَهَا، وَإِنْ نَقَصَ فَالنَّقْصُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ (وَعَنْهُ: فِيمَنْ تَزَوَّجَ عَلَى عَبْدٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ -: إِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَتْهُ فَهُوَ لَهَا، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ نَقَلَهَا مُهَنَّا، فَعَلَى هَذَا (لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا إِلَّا بِقَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ فِي رِوَايَةٍ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَعَلَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ضَمِنَهُ الزَّوْجُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، وَإِلَّا قِيمَتُهُ يَوْمَ الْعَقْدِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَفِيزٍ مِنْ صَبْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهَا، وَلَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ إِلَّا بِقَبْضِهِ كَالْمَبِيعِ) نَقُولُ: حُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الْمَبِيعِ فِي أَنَّ مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا لَا يَجُوزُ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلَّا بِقَبْضِهِ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: مَا كَانَ مُتَعَيِّنًا فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا كَقَفِيزٍ مِنْ صَبْرَةٍ، وَرَطْلِ زَيْتٍ مِنْ دِنٍّ - لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ كَالْمَبِيعِ، وَعَنْهُ: لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقِيلَ: مَا لَا يَنْقُصُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ كَالْمَهْرِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ - يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ لَا يَنْفَسِخُ لِلسَّبَبِ الَّذِي مُلِكَ
قَبَضَتْ صَدَاقَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَدْخُلَ حَتَّى يُطَالِبَ بِهِ وَيَخْتَارَ، فَمَا يَنْمِي قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهَا، فَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً رَجَعَ فِي نِصْفِ الْأَصْلِ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهِ زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ،
[المبدع في شرح المقنع]
بِهَلَاكِهِ كَالْوَصِيَّةِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هِبَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا صَدَاقَهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، وَهُوَ نَوْعُ تَصَرُّفٍ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّمَا جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا، وَمَا لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهَا قَبْضُهُ، فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ، كَمَا نُصَّ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا فُقِئَتْ عَيْنُهُ - وَحَيْثُ قَبِلَ - فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا تَلِفَ لَمْ يَبْطُلِ الصَّدَاقُ بِتَلَفِهِ، وَيَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ.
[يَنْتَصِفُ الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]
(وَإِنْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - رَجَعَ بِنِصْفِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا) بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ (وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ لَكُمْ أَوْ لَهُنَّ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَيْنُونَةَ النِّصْفِ لَهُ أَوْ لَهَا بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ تَمَلَّكَ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى اخْتِيَارِهِ كَالْإِرْثِ فَعَلَى هَذَا مَا يَحْدُثُ مِنَ النَّمَاءِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَدْخُلَ) فِي مِلْكِهِ (حَتَّى يُطَالِبَ بِهِ وَيَخْتَارَ) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ إِلَّا بِالْمِيرَاثِ، وَكَالشَّفِيعِ (فَمَا يَنْمِي قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهَا) ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهَا؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ، فَهُوَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ عَلَى مِلْكِ الزَّوْجَةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": أَصْلُهَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِيمَنْ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، وَعَلَى الْمَنْصُوصِ: لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ لَهَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ وَعَلَى الثَّانِي وَجْهَانِ (فَإِنْ) كَانَ الصَّدَاقُ (زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً) كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ (رَجَعَ فِي نِصْفِ الْأَصْلِ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ، وَقَدْ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى أَحَدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ (وَالزِّيَادَةُ لَهَا) ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهَا، وَعَنْهُ: يَرْجِعُ بِنِصْفِهِمَا (وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً) كَالسَّمْنِ، وَتَعَلُّمِ صِنَاعَةٍ، وَبَهِيمَةٍ حَمَلَتْ (فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهِ زَائِدًا) وَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ (وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ دَفْعَ نِصْفِ الْأَصْلِ زَائِدًا كَانَ لَهَا ذَلِكَ إِسْقَاطًا
وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا، وَبَيْنَ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا أَوْ مُسْتَحَقًّا بِدَيْنٍ أَوْ شُفْعَةٍ، فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا،
[المبدع في شرح المقنع]
لِحَقِّهَا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَإِنِ اخْتَارَتْ دَفْعَ نِصْفِ قِيمَتِهِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا دَفْعُ نِصْفِ الْأَصْلِ زَائِدًا؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ تَعَيَّنَتِ الْقِيمَةُ كَالْإِتْلَافِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَجِبَ دَفْعُهُ بِزِيَادَتِهِ كَالْمُنْفَصِلَةِ وَأَوْلَى، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": لَهَا نَمَاؤُهُ بِتَعْيِينِهِ، وَعَنْهُ: بِقَبْضِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَهُ قِيمَةُ نِصْفِهِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ قَبْضِهِ، وَفِي " الْكَافِي ": أَوِ التَّمْكِينِ مِنْهُ، فَإِنْ قُلْنَا: يُضْمَنُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ، اعْتُبِرَتْ صِفَةُ وَقْتِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": الْمَهْرُ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ قَبْضِهِ هَلْ هُوَ بِيَدِهِ أَمَانَةٌ فَمَئُونَةُ دَفْنِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَّا فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ (وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا) بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ (خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ أَخْذِهِ) أَيْ: أَخْذِ نِصْفِهِ (نَاقِصًا) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ (وَبَيْنَ نِصْفِ الْقِيمَةِ) ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ نَاقِصًا ضَرَرٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ لَهُ أَرْشُ النَّقْصِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ، أَوْ لَا أَرْشَ كَوَاجِدِ مَتَاعِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ (وَقْتَ الْعَقْدِ) ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَحَرَّرَ الْمَجْدُ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ فِي الْمُتَمَيِّزِ، إِذَا قُلْنَا عَلَى الْمَذْهَبِ يَضْمَنُهُ بِالْعَقْدِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ؛ إِذِ الزِّيَادَةُ الْمُتَمَيِّزَةُ في غير المتميز صُورَةٌ نَادِرَةٌ، وَفِي " الشَّرْحِ ": إِذَا كَانَ نَاقِصًا مُتَمَيِّزًا كَعَبْدَيْنِ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، رَجَعَ بِنِصْفِ الْبَاقِي وَنِصْفِ قِيمَةِ التَّالِفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا كَشَابٍّ صَارَ شَيْخًا، فَنِصْفُ قِيمَتِهِ، أَوْ نَسِيَ صِنَاعَةً، فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَ النَّقْصِ عَلَيْهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ نِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِنِصْفِهِ نَاقِصًا، فَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ.
1 -
فَرْعٌ: إِذَا زَادَ مِنْ وَجْهٍ وَنَقَصَ مِنْ وَجْهٍ، كَعَبْدٍ صَغِيرٍ كَبُرَ، وَمَصُوغٍ كَسَرَتْهُ، وَأَعَادَتْهُ صِنَاعَةً أُخْرَى، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ، وَكَذَا حَمْلُ أَمَةٍ، وَفِي الْبَهِيمَةِ زِيَادَةُ مَا لَمْ يُفْسِدِ اللَّحْمَ وَزَرْعُ وَغَرْسُ بَعْضِ الْأَرْضِ (وَإِنْ كَانَ تَالِفًا أَوْ مُسْتَحَقًّا بِدَيْنٍ أَوْ شُفْعَةٍ فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ) إِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ كَالْإِتْلَافِ (وَقْتَ الْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ مِلْكًا لِلزَّوْجَةِ؛ لِكَوْنِهَا نَمَاءَ
فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مِثْلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الْقِيمَةُ أَقَلُّ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ إِلَى يَوْمِ الْقَبْضِ،
[المبدع في شرح المقنع]
مِلْكِهَا، فَلَا يَجُوزُ تَقْوِيمُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِكَوْنِهِ تَقْوِيمًا لِمِلْكِ الْغَيْرِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا، فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ يُضْمَنُ فِي الْإِتْلَافِ بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مُشَابَهَةً وَمُمَاثَلَةً لِحَقِّهِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الْقِيمَةُ أَقَلُّ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ إِلَى يَوْمِ الْقَبْضِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ فِي يَدِهِ، كَانَ ضمانه عَلَيْهِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمَرْأَةِ إِلَّا بِقَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي رِوَايَةٍ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَقَلَّ، لَمْ يَلْزَمْهَا إِلَّا نِصْفُهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهَا، أَشْبَهَتِ الزِّيَادَةَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَبْضِ أَقَلَّ، لَمْ يَلْزَمْهَا أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهَا؛ لِأَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ مِنْ ضَمَانِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ غَرَامَةٌ لَهَا، فَكَيْفَ تَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا؛ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِيهَا: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يَفْتَقِرُ الْمِلْكُ فِيهِ إِلَى قَبْضٍ، وَلَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ.
1 -
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهُوَ فِي يَدِهَا، كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهِ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ، إِذْ لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ شَيْئًا، فَخَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ، ثُمَّ عَادَ حَيْثُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، وَإِنْ أَسْلَمَ فُلَانٌ حَقَّ الْوَلَدِ، سَقَطَ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ بِبَدَلِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ كَوَصِيَّةٍ، لَمْ يَمْنَعِ الرُّجُوعَ كَعَارِيَةٍ، وَكَذَا إِذَا دَبَّرَتْهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي نِصْفِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُبَاعُ، لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ، فَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ لَازِمًا لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ كَنِكَاحٍ وَإِجَارَةٍ، خُيِّرَ بَيْنَ الرُّجُوعِ فِي نِصْفِهِ نَاقِصًا وَبَيْنَ نِصْفِ قِيمَتِهِ، فَإِنْ رَجَعَ فِي نِصْفِ الْمُسْتَأْجِرِ صَبَرَ حَتَّى تَنْفَسِخَ الْإِجَارَةُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَصْدَقَهَا نَخْلًا فَاطَّلَعَتْ، أَبَّرَ أَوْ لَمْ يُؤَبِّرْ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ - فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ فِيمَا أَبَّرَ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا أَصْدَقَهَا أَرْضًا فَزَرَعَتْهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الشَّجَرِ إِذَا أَثْمَرَ سَوَاءٌ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُفَارِقُ الزَّرْعُ الثَّمَرَةَ فِي أَنَّهَا إِذَا بَذَلَتْ نِصْفَ الْأَرْضِ مَعَ نِصْفِ الزَّرْعِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، فَلَوْ أَصْدَقَهَا ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ أَرْضًا فَبَنَتْهَا، فَبَذَلَ قِيمَةَ زِيَادَتِهِ لِتَمَلُّكِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ خِلَافًا.
وَإِنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَهَلْ تَضْمَنُ نَقْصَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: نَقَصَ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَقَالَتْ: بَعْدَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَالزَّوْجُ: هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَإِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَأَيُّهُمَا عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَامِسَةُ: أَصْدَقَهَا صَيْدًا، ثُمَّ طَلَّقَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ بِإِرْثٍ فَنِصْفُ قِيمَتِهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُقَدِّمُ حَقَّ اللَّهِ فَيُرْسِلُهُ، وَيَغْرَمُ لَهَا قِيمَةَ النِّصْفِ، أَمْ حَقَّ الْآدَمِيِّ فَيُمْسِكُهُ، وَيَبْقَى مِلْكُ الْمُحْرِمِ ضَرُورَةً، أَمْ هُمَا سَوَاءٌ، فَيُخَيَّرَانِ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ بِرِضَاهَا غُرِّمَ لَهَا، وَإِلَّا بَقِيَ مُشْتَرِكًا، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ بَيْنَ مُحِلٍّ وَمُحْرِمٍ، وَفِيهِ أَوْجُهٌ.
(وَإِنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَهَلْ تَضْمَنُ نَقْصَهُ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ) أَمَّا إِذَا مَنَعَتْهُ مِنْهُ بَعْدَ طَلَبِهِ، وَتَلِفَ، فَعَلَيْهَا الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهَا غَاصِبَةٌ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ مُطَالَبَتِهِ فَوَجْهَانِ، أَصْلُهُمَا: الزَّوْجُ إِذَا تَلِفَ الصَّدَاقُ الْمُعَيَّنُ فِي يَدِهِ قَبْلَ مُطَالَبَتِهَا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي يَدِهَا بِغَيْرِ فِعْلِهَا، وَلَا عُدْوَانَ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَمْ تَضْمَنْهُ كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمُطَالَبَةِ قَبْلَ قَوْلِهَا؛ لِأَنَّهَا مُنْكَرَةٌ، وَالثَّانِي: عَلَيْهَا الضَّمَانُ، أَشْبَهَ الْمَبِيعَ إِذَا ارْتَفَعَ الْعَقْدُ بِالْفَسْخِ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ الْمُتَمَيِّزُ كَمَا لَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ (وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: نَقَصَ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَقَالَتْ: بَعْدَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهَا مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهَا، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّقْصَ فِي الصَّدَاقِ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَنَّهَا لَا تَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَضْمُونًا بَعْدَهُ كَمَا يُضْمَنُ قَبْلَهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاخْتِلَافِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا فَاتَ النِّصْفُ مَشَاعًا فَلَهُ النِّصْفُ الْبَاقِي، وَكَذَا مُعَيَّنًا مِنَ النِّصْفِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": لَهُ نِصْفُ الْبَقِيَّةِ وَنِصْفُ قِيمَةِ التَّالِفِ أَوْ مِثْلِهِ، وَإِنْ قَبَضَتِ الْمُسَمَّى فِي الذِّمَّةِ، فَكَالْمُعَيَّنِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ بِنَمَائِهِ مُطْلَقًا، وَيُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِهِ صِفَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَفِي وُجُوبِ رَدِّهِ بِعَيْنِهِ وَجْهَانِ.
[الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ]
(وَالزَّوْجُ: هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَلِيُّ الْعُقْدَةِ الزَّوْجُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ ابْنِ
الْمَهْرِ - وَهُوَ جَائِزُ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ - بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ الْأَبُ، فَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لَهِيعَةَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بَعْدَ الْعَقْدِ هُوَ الزَّوْجُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] وَالْعَفْوُ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى هُوَ عَفْوُ الزَّوْجِ عَنْ حَقِّهِ، أَمَّا عَفْوُ الْوَلِيِّ عَنْ مَالِ الْمَرْأَةِ، فَلَيْسَ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى؛ وَلِأَنَّ الْمَهْرَ لِلزَّوْجَةِ، فَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ إِسْقَاطَهُ كَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْعُدُولُ عَنِ خطاب الْحَاضِرِ إِلَى الْغَائِبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] وَعَفْوُهُ أَنْ يَسُوقَ إِلَيْهَا الْمَهْرَ كَامِلًا؛ وَلِأَنَّ الصَّغِيرَ لَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ صَدَاقُ زَوْجَتِهِ أَوْ نِصْفُهُ - لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِرِضَاعٍ أَوْ نَحْوِهِ - لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ الْعَفُوُ عَنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَكَذَا وَلِيُّ الصَّغِيرِ (فَإِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ) فَإِنَّهُ يَتَنَصَّفُ الْمَهْرَ بَيْنَهُمَا (فَأَيُّهُمَا عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْمَهْرِ - وَهُوَ جَائِزُ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ - بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْعَافِي الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ إِذَا كَانَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَلَا يَصِحُّ عَفْوُ الْوَلِيِّ عَنِ الصَّدَاقِ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، نَصَّ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ الْأَبُ) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ: وَمَثَّلَهُ سَيِّدُ الْأُمَّةِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بَعْدَ الطَّلَاقِ إِلَى الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْأَزْوَاجَ بِخِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ، ثُمَّ خَاطَبَ الْأَوْلِيَاءَ فَقَالَ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وَهُوَ خِطَابُ غَيْبَةٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَعْفُو لِلْمُطَلَّقَاتِ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ، فَلَا يُطَالِبْنَهُمْ بِنِصْفِ الْمَهْرِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَبًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَلِي مَالَهَا، لَكِنْ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: مَا أَرَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ إِلَّا قَوْلًا قَدِيمًا، فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِجَوَازِ عَفْوِ الْأَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ إِسْقَاطُ دُيُونِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَلَا إِعْتَاقُ عَبِيدِهِ، وَلَا تَصَرُّفِهِ إِلَّا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ (فَلَهُ) أَيْ: لِلْأَبِ (أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ) وَالْمَجْنُونَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ وَلِيًّا عَلَى مَالِهَا، فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ الْعَاقِلَةَ تَلِي مَالَ نَفْسِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "
فَصْلٌ إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، وَإِنِ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَرْجِعُ
[المبدع في شرح المقنع]
و" الْكَافِي ": بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ، وَاخْتَارَ جَمْعٌ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُوجَزِ ": وَبِكْرٌ بَالِغَةٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " أَصْلُهُ هَلْ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ بِالْبُلُوغِ (إِذَا طُلِّقَتْ) لِأَنَّهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ مُعْتَرِضَةٌ لِإِتْلَافِ الْبُضْعِ (قَبْلَ الدُّخُولِ) ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ قَدْ أَتْلَفَ الْبُضْعَ، فَلَا يَعْفُو عَنْ بَدَلٍ مُتْلَفٍ، وَسَوَاءٌ فِيهِ عَفْوُهُ أَوْ عَفْوُهَا، وَلَمْ يُقَيِّدْ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " بِصِغَرٍ وَكِبَرٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةَ الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ قَوْلًا: لِلْأَبِ الْعَفُوُ بَعْدَ الدُّخُولِ مَا لَمْ تَلِدْ أَوْ تَبْقَى فِي بَيْتِهَا سَنَةً بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهَا، وَقَدَّمَ اعْتِبَارَ كَوْنِهِ دَيْنًا، فَلَا يَعْفُوَ عَنْ عَيْنٍ، فَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْهِبَةِ.
[إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]
فَصْلٌ (إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهَا أَبْرَأَتْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ مُسْتَأْنَفًا، فَلَمْ يَمْنَعِ اسْتِحْقَاقَ النِّصْفِ، كَمَا لَوْ وَهَبَتْهُ لِأَجْنَبِيٍّ فَوَهَبَهُ الْأَجْنَبِيُّ لِلزَّوْجِ (وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ) ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الصَّدَاقِ يُعَجَّلُ لَهُ بِالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَا يَقْتَضِي ضَمَانًا، وَعَنْهُ: يَرْجِعُ مَعَ الْهِبَةِ دُونَ الْإِبْرَاءِ، صَحَّحَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ لَا تَمْلِيكٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": أَصْلُ الْخِلَافِ فِي الْإِبْرَاءِ أَيُّهُمَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ إِذَا مَضَى أَحْوَالٌ، وَهُوَ دَيْنٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": هَلْ هُوَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، وَإِنْ وَهَبَتْهُ بَعْضَهُ ثُمَّ تَنَصَّفَ رَجَعَ بِنِصْفِ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ، وَنِصْفُ الْمَوْهُوبِ اسْتَقَرَّ مَلِكُهَا لَهُ، فَلَا تَرْجِعُ بِهِ، وَنِصْفُهُ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا خَالَعَتْهُ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ - صَحَّ، وَكَانَ الصَّدَاقُ كُلُّهُ لَهُ،
عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ كَطَلَاقِهِ وَخَلْعِهِ، وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَالرِّضَاعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَنَصَّفُ بِهَا الْمَهْرُ بَيْنَهُمَا.
وَكُلُّ فُرْقَةٍ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ بِمِثْلِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا - صَحَّ، وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ بِصَدَاقِهَا كُلِّهِ، فَكَذَا فِي وَجْهٍ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ.
مَسْأَلَةٌ: بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ وَهَبَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِيَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا، فَهَلْ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ وَالْمُطَالِبَةُ بِالثَّمَنِ أَوْ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ مَعَ إِمْسَاكِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، فَوَهَبَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ الْبَائِعَ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَضْرِبَ بِالثَّمَنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا عَادَ إِلَى الْبَائِعِ مِنْهُ شَيْءٌ.
فَرْعٌ: تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِأَدَاءِ الْمَهْرِ، ثُمَّ سَقَطَ أَوْ تَنَصَّفَ، فَالرَّاجِعُ لِلزَّوْجِ، وَقِيلَ: لِلْأَجْنَبِيِّ، وَمِثْلُهُ أَدَاءُ ثَمَنٍ، ثُمَّ يُفْسَخُ بِعَيْبٍ وَرُجُوعِ مُكَاتَبٍ أُبْرِئَ مِنْ كِتَابَتِهِ بِالْإِيتَاءِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ لَا رُجُوعَ.
(وَإِنِ ارْتَدَّتِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) مَأْخَذُهُمَا مَا سَبَقَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِجَمِيعِهِ.
[كُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَنَصَّفُ بِهَا الْمَهْرُ]
(وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ كَطَلَاقِهِ وَخَلْعِهِ) سَوَاءٌ سَأَلَتْهُ أَوْ سَأَلَهُ أَجْنَبِيٌّ (وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَالرِّضَاعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَنَصَّفُ بِهَا الْمَهْرُ بَيْنَهُمَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ ثَبَتَ فِي الطَّلَاقِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَعَنْهُ: إِذَا أَسْلَمَ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَإِنَّمَا تَنَصَّفَ الْمَهْرَ بِالْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ جَانِبُ الزَّوْجِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ خُلْعُهُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فَصَارَ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَا مُتْعَةَ لَهَا، وَأَنَّ الْمُخَالَعَةَ فِي الْمَرَضِ لَا تَرِثُ، وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ جِهَتِهَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": وَإِنْ تَخَالَعَا، وَقُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ، وَقِيلَ: أَوْ طَلَاقٌ وَجْهَانِ، وَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ
جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، كَإِسْلَامِهَا، وَرِدَّتِهَا، وَرَضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا وَفَسْخُهَا لِعَيْبِهِ، أَوْ إِعْسَارِهِ، وَفَسْخُهُ لِعَيْبِهَا - يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا وَمُتْعَتُهَا، وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَفِي فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَشِرَائِهَا لَهُ وَجْهَانِ، وَفُرْقَةُ الْمَوْتِ يَسْتَقِرُّ
[المبدع في شرح المقنع]
فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ وَكَّلَهَا فِي الطَّلَاقِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ كَطَلَاقِهِ؛ لِأَنَّهَا بَائِنَةٌ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مِنْهَا لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْهُ، وَإِنْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْإِيلَاءِ فَهُوَ كَطَلَاقِهِ، وَأَمَّا فُرْقَةُ الْأَجْنَبِيِّ كَالرَّضَاعِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِمَا لَزِمَهُ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ قَرَّرَهُ عَلَيْهِ.
(وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، كَإِسْلَامِهَا، وَرِدَّتِهَا، وَرَضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا وَفَسْخُهَا لِعَيْبِهِ، أَوْ إِعْسَارِهِ، وَفَسْخِهِ لِعَيْبِهَا - يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا وَمُتْعَتُهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتِ الْعِوَضَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، فَسَقَطَ الْبَدَلُ كُلُّهُ، كَالْبَائِعِ يُتْلِفُ الْمَبِيعَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، وَكَذَا إِنْ فَسَخَتْ لِعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ، أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، وَعَنْهُ: يَتَنَصَّفُ بِفَسْخِهَا لِشَرْطٍ، فَيَتَوَجَّهُ فِي فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ الْخِلَافُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَرِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَهْرٌ مُسَمًّى فَهَلْ يَتَنَصَّفُ أَوْ يَسْقُطُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَتَسَرَّى، أَوْ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ دَارِهَا، فَلَمْ يَفِ لَهَا، فَفَسَخَتْ وَلَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا - فَلَهَا الْمُتْعَةُ (وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى كَوْنِ الْفَسْخِ عَقِيبَ لَعَانِهَا فَهُوَ كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ، أَوْ إِلَى أَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ الْقَذْفُ مِنَ الزَّوْجِ فَهُوَ كَفَسْخِهِ لِطَلَاقِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصْلُهُمَا: إِذَا لَاعَنَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ هَلْ تَرِثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: هُوَ كَطَلَاقِهِ لِأَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ قَذْفُهُ الصَّادِرُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ، وَالثَّانِيَةُ: يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ عَقِيبَ لَعَانِهَا هُوَ كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ (وَفِي فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَشِرَائِهَا لَهُ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: يَتَنَصَّفُ الْمَهْرُ بِشِرَائِهَا زَوْجَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالسَّيِّدِ وَبِالْمَرْأَةِ، أَشْبَهَ الْخُلْعَ، وَالثَّانِي: يَسْقُطُ بِهِ الْمُهْرُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ وُجِدَ عَقِيبَ قَبُولِهَا، أَشْبَهَ فَسْخَهَا لِعَيْبِهِ، وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَفِي " الْمُغْنِي " فِي شِرَائِهَا لَهُ رِوَايَتَانِ، وَفِي شِرَائِهِ لَهَا وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ،
بِهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ كَالدُّخُولِ، وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا لَاسْتَقَرَّ مَهْرُهَا كَامِلًا.
فَصْلٌ وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَنْهُ:
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: هُمَا إِنِ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرِهَا، وَإِنِ اشْتَرَتْهُ فَرِوَايَتَانِ (وَفُرْقَةُ الْمَوْتِ يَسْتَقِرُّ بِهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ كَالدُّخُولِ) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ «لِقَضَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِرَوْعَ بِنْتِ وَاشِقٍ» رَوَاهُ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَنْتَهِي بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَاسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ كَانْتِهَاءِ الْإِجَارَةِ (وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا) أَوْ قَتَلَهَا غَيْرُهَا (لَاسْتَقَرَّ مَهْرُهَا كَامِلًا) كَالْمَوْتِ حَتْفَ أَنْفِهَا؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَصَلَتْ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَانْتِهَاءِ النِّكَاحِ، فَهُوَ كَمَوْتِهَا حَتْفَ أَنْفِهَا، وَفِيه رِوَايَةٍ وَفِي " الْوَجِيزِ ": يَتَقَرَّرُ إِنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمَا، فَظَاهِرُهُ لَا يَتَقَرَّرُ إِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِنَّ قَتَلَتْهُ.
[إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ]
فَصْلٌ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ) أَوْ وَرَثَتْهُمَا (فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ) وَلَا نِيَّةَ عَلَى مُبَلِّغِهِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ (مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (وَعَنْهُ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُ مَنْ يَدَّعِيهِ، فَيُقَدَّمُ قَوْلُهُ، أَشْبَهَ الْمُنْكِرَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، فَلَوِ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، قُبِلَ قَوْلُهَا، وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُ الْمُدَّعِي، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الدُّخُولِ
الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا، فَإِنِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ، رُدَّ إِلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ عِنْدِ الْقَاضِي فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَجِبُ الْيَمِينُ، وَإِنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، قَالَتْ: بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ ثَالِثَةٌ: يَتَحَالَفَانِ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُبْهِجِ "، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ ثَبَتَ مَا قَالَهُ الْآخَرُ، وَإِنْ حَلَفَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَالْأَصَحُّ: لَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَنْفَسِخُ بِالتَّحَالُفِ، فَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، كَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ (فَإِنِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ رُدَّ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ قَبُولِ قَوْلِ مَنْ يَدَّعِيهِ (بِلَا يَمِينٍ عِنْدِ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي نِكَاحٍ أَشْبَهَتِ الدَّعْوَى فِي أَصْلِ النِّكَاحِ (فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) سَوَاءٌ وَافَقَ قَوْلَ الزَّوْجِ أَوْ قَوْلَهَا (وَعِنْدِ أَبِي الْخَطَّابِ: يَجِبُ الْيَمِينُ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِيمَا يَجُوزُ بَدَلُهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَجِبَ فِيهِ الْيَمِينُ كَسَائِرِ الدَّعَاوِي فِي الْأَمْوَالِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": إِذَا ادَّعَى أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ - رُدَّ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا يَمِينًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَالَفَا، فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إِلَّا بِيَمِينٍ كَالْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوِي؛ وَلِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي عَدَمِ الظُّهُورِ، فَشُرِعَ التَّحَالُفُ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونَ الْأَصْحَابُ ذَكَرُوا يَمِينًا، وَالْحَالُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَنِ الْقَاضِي نَفْيًا وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ إِثْبَاتًا، وَقَوْلُهُ: " فَشُرِعَ التَّحَالُفُ " يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ هُوَ: مَا أَصْدَقْتُهَا كَذَا، وَإِنَّمَا أَصْدَقْتُهَا كَذَا، أَوْ تَقُولُ هِيَ: مَا أَصْدَقَنِي كَذَا، وَإِنَّمَا أَصْدَقَنِي كَذَا، كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ (وَإِنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، قَالَتْ: بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، أَيْ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي عَيْنِهِ أَوْ صِفَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَقِيمَةُ الْأَمَةِ دُونَ ذَلِكَ - حَلَفَ الزَّوْجُ، وَلَهَا قِيمَةُ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْأَمَةِ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ دُونَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَهَلْ تَجِبُ الْأَمَةُ أَوْ قِيمَتُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَجِبُ عَيْنُ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الْقَدْرِ، فَكَذَا فِي الْعَيْنِ، وَالثَّانِي: تَجِبُ لَهَا قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا إِنَّمَا وَافَقَ الظَّاهِرَ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ، وَفِي
الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ - سِرًّا وَعَلَانِيَةً - أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
فَتَاوَى الْمُؤَلِّفِ: إِنْ عَيَّنَتْ أُمَّهَا وَعَيَّنَ أَبَاهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ أَبُوهَا؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِمِلْكِهَا لَهُ، وَإِعْتَاقُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَتَحَالَفَانِ، وَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهَا أَوْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَفِي " الْوَاضِحِ ": يَتَحَالَفَانِ كَبَيْعٍ، وَلَهَا الْأَقَلُّ مِمَّا ادَّعَتْهُ أَوْ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِ جِنْسِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: قِيمَةُ مَا يَدَّعِيهِ هُوَ.
فَرْعٌ: اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَأَبُو الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ قَامَ الْأَبُ مَقَامَهَا فِي الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ كَالْوَكِيلِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " و" الشَّرْحِ "، وَفِي الْوَاضِحِ تُوقَفُ الْيَمِينُ إِلَى حِينِ بُلُوغِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ دَفْعُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى بَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ وَعَقَلَتِ الْمَجْنُونَةُ، فَالْيَمِينُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَلَفَ لِتَعَذُّرِ الْيَمِينِ مِنْهُمَا، فَإِذَا أَمْكَنَ، لَزِمَهُمَا كَالْوَصِيِّ إِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ، فَأَمَّا أَبُو الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ فَلَا تَسْمَعُ مُخَالَفَةَ الْأَبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ، وَالْحَقُّ لَهَا، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يُزَوِّجُوا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ فَعَلُوا ثَبَتَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، فَالْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
(فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى: " كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ " (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ) مِنَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ - سِرًّا وَعَلَانِيَةً - أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ وُجِدَ مِنْهُ بَذَلُ الزَّائِدِ عَلَى مَهْرِ السِّرِّ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ زَادَهَا فِي صَدَاقِهَا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَزْيَدِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ) أَيِ: الْوَاجِبُ الْمَهْرُ
أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ، وَقَالَتْ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.
فَصْلٌ في المفوضة وَالتَّفْوِيضُ، عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَفْوِيضُ الْبُضْعِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ - سِرًّا كَانَ أَوْ عَلَانِيَةً - لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ النِّكَاحُ وَالْعَلَانِيَةُ لَيْسَ بِعَقْدِ حَقِيقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَقْدُ صُورَةٍ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُقِرَّ بِنِكَاحِ السِّرِّ، وَإِذًا الْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ نِكَاحِ السِّرِّ، فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفٌ، وَأَنَّهُمَا عَقَدَا بِأَلْفَيْنِ تَجَمُّلًا فَالْمَهْرُ أَلْفَانِ، أَيْ: مَا عُقِدَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ، كَعَقْدِهِ هَزْلًا وَتَلْجِئَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مِنْ جِنْسِ الْعَلَانِيَةِ أَوْ يَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ فِي بَيْعِ مِثْلِهِ (وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ، وَقَالَتْ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالْأَوَّلِ، وَلَهَا الْمَهْرَانِ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ سُئِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا حَلَفَتْ، وَاسْتَحَقَّتْ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يَسْقُطُ جَمِيعُهُ أَوْ نِصْفُهُ لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ.
فَرْعٌ: يَلْحَقُ الزِّيَادَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِالْمَهْرِ عَلَى الْأَصَحِّ فِيمَا يُقَرِّرُهُ وَيُنْصِفُهُ، وَتَمْلِكُ الزِّيَادَةَ مِنْ حِينِهَا، نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي أَمَةٍ عَتَقَتْ فَزِيدَ مَهْرُهَا، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي لِمَنِ الْأَصْلُ لَهُ فَأَمَّا هَدِيَّتُهُ فَلَيْسَتْ مِنَ الْمَهْرِ نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَقَدْ وَعَدَ بِهِ فَزَوَّجُوا غَيْرَهُ رَجَعَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: مَا قُبِضَ بِسَبَبِ نِكَاحٍ فَكَمَهْرٍ، وَقَالَ فِيمَا كُتِبَ فِيهِ الْمَهْرُ: لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِطَلَاقِهَا إِذَا كَانَ مِنْهُ.
[فَصْلٌ فِي الْمُفَوَّضَةِ]
ِ يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْوَاوِ وَكَسْرُهَا (وَالتَّفْوِيضُ) مَعْنَاهُ: الْإِهْمَالُ، كَأَنَّهَا أَهْمَلَتِ الْمَهْرَ حَيْثُ لَمْ يُسَمِّهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحٌ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ، فَإِنْ فَرْضَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
(عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَفْوِيضُ الْبُضْعِ) وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ إِطْلَاقُ التَّفْوِيضِ إِلَيْهِ (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَوْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِلا مَهْرٍ) أَوْ مُطْلَقًا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فعلم مِنْهُ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] ؛ وَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَيَأْتِي؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوُصْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ ذِكْرُهُ كَالنَّفَقَةِ، وَسَوَاءٌ شَرَطَا نَفْيَ الْمَهْرِ أَوْ تَرْكَا ذِكْرَهُ، فَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الثَّانِي صَحَّ (وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَنَحْوَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا إِلَّا بِصَدَاقٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَسَقَطَ لِجَهَالَتِهِ (فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ) ؛ «لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا صَدَاقُ نَسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعُدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ، فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِرَوْعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - امْرَأَةٌ مِنَّا بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ بِهِ» ، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ؛ وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْمُسَمَّى؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ لَمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ، كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَنَصَّفْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَقَلَ غَيْرَ الْمُسَمَّى لَهَا بِالطَّلَاقِ إِلَى الْمُتْعَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ فَرَضَ الرَّجُلُ مَهْرَ أَمَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ فَرَضَ لَهَا كَانَ لِمُعْتِقِهَا أَوْ بَائِعِهَا وَإِنْ طُلِّقَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالْمُتْعَةُ لَهَا (وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ) قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنِ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنَ الْمَهْرِ فَوَجَبَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِذِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، بِالْعَقْدِ يُفْضِي إِلَى خُلُوِّهِ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ يَقَعُ صَحِيحًا، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ، وَيَصِحُّ إِبْرَاؤُهَا مِنْهُ قَبْلَ فَرْضِهِ، وَعَنْهُ: لَا، لِجَهَالَتِهِ، وَإِنْ وَقَفَ وُجُوبُهُ عَلَى الدُّخُولِ، فَكَالْعَفْوِ عَمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ (فَإِنِ) امْتَنَعَ مِنْ بَيَانِ قَدْرِهِ (فَرَضَهُ الْحَاكِمُ) ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَرَضَهُ أَجْنَبِيٌّ لَهَا
جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ، وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالْمَوْتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ رَضِيَتْهُ وَفِيهِ وَجْهٌ بِالصِّحَّةِ، فَإِنْ سَلَّمَ إِلَيْهَا مَا فَرَضَ لَهَا فَرَضِيَتْهُ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ فَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ نَصِفُهُ إِلَى الزَّوْجِ و (لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ) ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَيْلٌ عَلَيْهِ، وَالنُّقْصَانُ مَيْلٌ عَلَيْهَا، وَالْعَدْلُ الْمِثْلُ؛ وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلَ الْبُضْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِهِ كَالسِّلْعَةِ، إِذَا تَلَفَتْ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهَا فَرْضُهُ بِحُكْمِهِ، فَدَلَّ أَنَّ ثُبُوتَ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ كَتَقْدِيرِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَالنَّفَقَةَ وَنَحْوَهُ، حُكْمٌ، فَلَا يُغَيِّرُ حَاكِمٌ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ السَّبَبُ، كَيُسْرِهِ فِي النَّفَقَةِ، أَوْ عُسْرِهِ.
(وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا فَقَدْ بَذَلَ لَهَا مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْيَسِيرِ فَقَدْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا، وَيَصِيرُ مَا فَرَضَاهُ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ الدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ إِعْطَائِهَا شَيْئًا؛ لِلْخَبَرِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ: لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا؛ لِلْخَبَرِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَيَجِبُ الْمُسَمَّى بِوَطْءٍ أَوْ خَلْوَةِ مَنْ يَطَأُ مِثْلَهُ بِمَنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا بِدُونِ مَانِعٍ عُرْفًا، وَفِي الْمَانِعِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا رِوَايَتَانِ.
(وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ) وَقَبْلَ الْفَرْضِ (وِرْثَهُ صَاحِبُهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِيَّةِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، فَيُورَثُ بِهِ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ (وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِحَدِيثِ؛ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْتَ يَكْمُلُ بِهِ الْمُسَمَّى، فَكَمُلَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالدُّخُولِ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالْمَوْتِ) ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ لَهَا يُخَالِفُ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا فِي الطَّلَاقِ، فَجَازَ أَنْ يُخَالِفَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ وَرَدَتْ عَلَى تَفْوِيضٍ صَحِيحٍ قَبْلَ فَرْضٍ وَمَسِيسٍ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ كَفُرْقَةِ الطَّلَاقِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا) الْحَاكِمُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَصَّفُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَجْعَلُهُ كَالْمُسَمَّى، وَلَوْ سَمَّى ثُمَّ مَاتَ لَوَجَبَ كُلُّهُ، فَكَذَا إِذَا فَرَضَهُ.
قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُتْعَةُ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ، فَأَعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كُسْوَةٌ تُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا، وَعَنْهُ: يَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهَا إِلَى الْحَاكِمِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا تَجِبُ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُتْعَةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 49] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: 241] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ يَقْتَضِي عِوَضًا، فَلَمْ يُعَرَّ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ كَمَا لَوْ سَمَّى مَهْرًا ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] أَيِ الْمُتْعَةُ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 236] وَقِيلَ: بِحَالِهَا، وَقِيلَ بِحَالِهِمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَأَعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كُسْوَةٌ تُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَعَلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكُسْوَةُ، وَقُيِّدَتْ بِمَا يُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلَّ الْكُسْوَةِ (وَعَنْهُ: يَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهَا إِلَى الْحَاكِمِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ (وَعَنْهُ: يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِهِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَوَجَبَ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ كَالَّتِي سَمَّى لَهَا، وَكَمَا لَوْ سَمَّى لَهَا مُحْرِمًا.
(فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ يُوجِبُ اسْتِقْرَارَ الْمُسَمَّى، فَكَذَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَهْرِ فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلِاسْتِقْرَارِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا تَجِبُ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لَمْ يَجِبْ لَهَا مُتْعَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا أَوْ لَا؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَدَلِ مَعَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالثَّانِيَةُ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ، رَوَي عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ - لِلْآيَةِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ
فَصْلٌ وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ نِسَاءِ عَصَبَتِهَا، كَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَبِنْتِ أَخِيهَا، وَعَمِّهَا، وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ جَمِيعُ أَقَارِبِهَا كَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا، وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَالِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُتْعَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا لِحُرَّةٍ، أَوْ سَيِّدِ أَمَةٍ عَلَى زَوْجٍ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَمَنْ لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - قَسَّمَ الْمُطَلَّقَاتِ قِسْمَيْنِ، وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَنِصْفَ الْمُسَمَّى لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قَسَمٍ بِحُكْمِهِ، مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: الْعَمَلُ عِنْدِي عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِتَوَاتُرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ بِخِلَافِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ هَذَا إِلَّا حَنْبَلٌ، وَعَنْهُ: تَجِبُ الْمُتْعَةُ إِلَّا لِمَنْ دَخَلَ بِهَا وَسَمَّى لَهَا.
فَرْعٌ: لَا مُتْعَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُطَلَّقَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا أَخَذَتِ الْعِوَضَ الْمُسَمَّى لَهَا فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا بِهِ سِوَاهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ.
[مَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ نِسَاءِ عَصَبَتِهَا]
فَصْلٌ (وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ نِسَاءِ عَصَبَتِهَا) مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا (كَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَبِنْتِ أَخِيهَا، وَعَمِّهَا) قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هُوَ الْأَوْلَى؛ «لِقَضَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِرَوْعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ مَهْرِ قَوْمِهَا» ؛ وَلِأَنَّ شَرَفَ الْمَرْأَةِ مُعْتَبَرٌ فِي مَهْرِهَا، وَشَرَفُهَا بِعَصَبَاتِهَا؛ لِأَنَّهُمْ نُسَبَاؤُهَا، وَأُمُّهَا وَخَالَتُهَا لَا يُسَاوِيَانِهَا فِي شَرَفِهَا، وَقَدْ تَكُونُ أُمُّهَا مَوْلَاةً وَهِيَ شَرِيفَةٌ، وَبِالْعَكْسِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا، كَأُخْتِهَا لِأَبِيهَا، ثُمَّ عَمَّاتِهَا (وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ جَمِيعُ أَقَارِبِهَا كَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا) جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْمُسْتَوْعِبِ " و" الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ لَهُ أَثَرٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمُّهَا وَخَالَتُهَا يَشْمَلُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا» وَحِينَئِذٍ يَعْتَبِرُ بِمَنْ يُسَاوِيهَا فِي الصِّفَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْمَالِ وَالْبَلَدِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْهُنَّ.
(وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَالْعَقْلِ، وَالْأَدَبِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَاعْتُبِرَتِ الصِّفَاتُ الْمَفْقُودَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا
وَالْجَمَالِ، وَالْعَقْلِ، وَالْأَدَبِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا إِلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا، وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّخْفِيفَ عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ من عَادَتهمُ التَّأْجِيلَ، فُرِضَ مُؤَجَّلًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ، اعْتُبِرَتْ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا، ثُمَّ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا، وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ
[المبدع في شرح المقنع]
مَنْ هُوَ مِثْلُ حَالِهَا، فَمِنْ نِسَاءِ أَرْحَامِهَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا إِلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا) ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةَ الْمَهْرِ (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا) كَأَرْشِ الْعَيْبِ، مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ نَقْصِ الْمَبِيعِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ بِحَسَبِهِ (وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّخْفِيفَ عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْمِقْدَارِ، فَكَذَا فِي التَّخْفِيفِ، لَا يُقَالُ: مَهْرُ الْمِثْلِ بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمُتْلَفَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَالِيَّةُ خَاصَّةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ، وَالْمَهْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ (وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّأْجِيلَ، فُرِضَ مُؤَجَّلًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ مَهْرُ نِسَائِهَا، وَالثَّانِي: يُفْرَضُ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مُتْلَفٌ، فَوَجَبَ الْحُلُولُ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَادَةٌ بِالتَّأْجِيلِ، فَلَوِ اخْتَلَفَتْ مُهُورُهُنَّ أَخَذَ بِالْوَسَطِ الْحَالِّ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ اعْتُبِرَتْ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ (ثُمَّ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْأَقَارِبُ اعْتَبَرَ أَقْرَبَ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ غَيْرِهِنَّ، كَمَا اعْتَبَرَ قَرَابَتَهَا الْبَعِيدَ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْقَرِيبُ.
(وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا مَهْرَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لِمَوْتٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ بِهِ، وَتُقَرِّرُهُ بِالْخَلْوَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يَسْتَقِرُّ بِهِ وَفِي الرِّعَايَةِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا يَقَعُ، فَفِي
بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا مَهْرَ فِيهِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى، وَعَنْهُ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهِيَ أَصَحُّ، وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَقِرُّ.
وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ
[المبدع في شرح المقنع]
سُقُوطِ الْمَهْرِ وَإِيجَابِهِ احْتِمَالَانِ (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا) وَوَطِئَهَا (اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى) فِي الْمَنْصُوصِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «وَلَهَا الَّذِي أَعْطَاهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِمَا (وَعَنْهُ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهِيَ أَصَحُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» فَجُعِلَ لَهَا الْمَهْرُ بِالْإِصَابَةِ، وَالْإِصَابَةُ إِنَّمَا تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِيسِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَكَوَطْءِ الشُّبْهَةِ؛ وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ فَسَدَتْ لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَكَذَا إِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ (وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَنْ مَنَعَتْهُ الْوَطْءَ أَوِ افْتَرَقَا بِلَا وَطْءٍ وَلَا خَلْوَةٍ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا يَسْتَقِرُّ) نَصَّ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْوَطْءُ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَشْبَهَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الْمَهْرَ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: لَا يَكْمُلُ بِهَا.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ قَبْلَ طَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ فَسَخَهُ الْحَاكِمُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: لَوْ زَوَّجَهَا قَبْلَ فَسْخِهِ لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا شُهُودٍ، فَفِي تَزْوِيجِهَا قَبْلَ فُرْقَةٍ رِوَايَتَانِ فِي " الْإِرْشَادِ "، وَهُمَا فِي " الرِّعَايَةِ " بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِدُونِهِمَا.
[وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ]
(وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، كَبَدَلِ مُتْلَفٍ (وَالْمُكْرَهَةُ عَلَى الزِّنَا) أَيْ: يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِوَطْءٍ فِي قُبُلٍ وَلَوْ مِنْ مَجْنُونٍ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَالْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَا، وَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ، وَإِذَا دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ بِكَارَتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الزَّوْجُ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَكُنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَعَنْهُ: الْمَهْرُ لِلْبِكْرِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ لِمُكْرَهَةٍ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ خَبِيثٌ، وَظَاهِرُهُ لَا يَجِبُ لِمُطَاوَعَةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي "؛ لِأَنَّهَا بَاذِلَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ طَرَفِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَمَةُ، وَفِي وَطْءِ دُبُرٍ وَأَمَةٍ أَذِنَتْ وَجْهَانِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لِمُطَاوَعَةٍ، وَيَسْقُطُ، وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لِذَاتِ رَحِمٍ، وَعَنْهُ: تَحْرُمُ بِنْتُهَا كَلِوَاطٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: بِخِلَافِ مُصَاهَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ طَارِئٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَرَضَاعٌ (وَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ) كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ جُزْءٍ، فَوَجَبَ عِوَضُهُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ بَدْلُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ؛ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ، وَمَهْرُ الْبِكْرِ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ بِبَكَارَتِهَا، وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ مُقَابِلَةً لِمَا أَتْلَفَ مِنَ الْبَكَارَةِ وَلَا يَجِبُ عِوَضُهُمَا مَرَّةً ثَانِيَةً.
تَنْبِيهٌ: يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الشُّبْهَةِ وَالزِّنَا لَا بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ فِي الشُّبْهَةِ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ فِي الشُّبْهَةِ، لَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" النِّهَايَةِ " يَتَعَدَّدُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَوَطْئِهِ مُكَاتَبَتِهِ إِنِ اسْتَوْفَتْ مَهْرًا عَنِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا، وَمَنْ نِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ كَالْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ، فَهِيَ كَالْمُكْرَهَةِ، جَزَمَ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُ الْمُسَمَّى، وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لِمُحَرَّمَةٍ بِنَسَبٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ.
(وَإِذَا دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا) أَوْ أَزَالَهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَعَلَيْهِ أَرْشُ بِكَارَتِهَا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ جُزْءٍ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ دِيَتِهِ فَرَجَعَ فِيهَا إِلَى الْحُكُومَةِ كَسَائِرِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْمُلِ الصَّدَاقُ بِهِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَفِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ أَوْلَى (وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ عِنْدَهُ يَتِيمَةٌ، فَخَافَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَاسْتَعَانَتْ بِنِسْوَةٍ، فَأَذْهَبْنَ عُذْرَتَهَا، وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: فَجَرَتْ، فَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ
عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى.
وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ، فَإِنْ تَبَرَّعَتْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالنِّسْوَةِ، فَلَمَّا أَتَيْنَ لَمْ يَلْبَثْنَ أَنِ اعْتَرَفْنَ بِمَا صَنَعْنَ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: اقْضِ فِيهَا، فَقَالَ: الْحَدُّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا، وَالْعُقْرُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمُمْسِكَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ إِتْلَافٌ يُسْتَحَقُّ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْعَقْدِ فَإِذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا، فَدَفَعَهَا هُوَ وَأَخُوهُ، فَأَذْهَبَا عُذْرَتَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ إِنَّ عَلَى الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَعَلَى الْأَخِ نِصْفُ الْعُقْرِ، رَوَي عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهَذِهِ قِصَصٌ مُشْتَهِرَةٌ، وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ كَالْإِجْمَاعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ، لَوْلَا مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الزَّوْجُ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إِتْلَافَهُ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عُذْرَةَ أَمَتِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَجِبَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ الصَّدَاقُ، فَفِيمَا إِذَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَقِيلَ: بَلَى، إِنْ قِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَرْشُهَا، فَيُعْطَى حُكْمَهُ مِنْ حِينِ الْإِتْلَافِ، وَيَمْتَازُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمُسَمَّى؛ لِكَوْنِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَرْعٌ: لَوْ وَطِئَ مَيِّتَةً لَزِمَهُ الْمَهْرُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ مَنْ دَخَلَ بِهَا فَوَضَعَتْ فِي يَوْمِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فِيهِ، وَطَلَّقَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فِي يَوْمِهَا مَنْ دَخَلَ بِهَا، فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِالنِّكَاحِ مَهْرَيْنِ وَنِصْفَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَتَاوِيهِ.
[لِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ]
(وَلِلْمَرْأَةِ) سُمِّيَ لَهَا أَوْ مُفَوِّضَةً (مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ فِي إِجْبَارِهَا أَوَّلًا عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا خَطَرًا بِإِتْلَافِ الْبُضْعِ، وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ: أَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَسَافَرَ بِلَا إِذْنِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَهَا النَّفَقَةُ إِذَا امْتَنَعَتْ - وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا - وَالسَّفَرُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ بِحَقٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوِ امْتَنَعَتْ لِلْإِحْرَامِ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَّلَ أَحْمَدُ وُجُوبَ النَّفَقَةِ بِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ
بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، ثُمَّ أَرَادَتِ الْمَنْعَ، فَهَلْ لَهَا ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ قَبْلَ
[المبدع في شرح المقنع]
قِبَلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا نَفَقَةَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُؤَجَّلًا فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِتَأْجِيلِهِ رِضًا مِنْهَا بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ كَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا، فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَاجِلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُلُولِهِ بَعْدَ تَأْجِيلِهِ وَعَدَمِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً أَوْ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ كَمَهْرِ الصَّغِيرَةِ فِي الْأَصَحِّ.
(فَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا ثُمَّ أَرَادَتِ الْمَنْعَ، فَهَلْ لَهَا ذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَبَرُّعًا، فَدَخَلَ أَوْ خَلَا، ثُمَّ أَرَادَتِ الْمَنْعَ فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْجَوَابِ عَنْهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ كَتَسْلِيمِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَبَرِّعِ بِالتَّسْلِيمِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ قَادِحٌ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ، وَالثَّانِي - وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ -: عَلَى أَنَّ لَهَا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ يُوجِبُهُ الْعَقْدُ، فَكَانَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ قَبْلَ صَدَاقِهَا، كَمَا لَوْ تَتَبَرَّعُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، فَأَمَّا إِنْ وَطِئَهَا مُكْرَهَةً لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " كَالْبَائِعِ الْمُكْرَهِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا أَظْهَرَ مَعِيبًا بَعْدَ قَبْضِهِ وَتَسْلِيمِ نَفْسِهَا أَنَّ لَهَا الْمَنْعَ.
فَرْعٌ: إِذَا أَبَى كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ، أُجْبِرَ زَوْجٌ، ثُمَّ زَوْجَةٌ، وَإِنْ بَادَرَ بِهِ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَبَتِ التَّسْلِيمَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَهُ اسْتِرْجَاعُ الصَّدَاقِ.
[إِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ]
(وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ) الْحَالِّ (قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْفَسْخُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَقِيلَ: لَا يُفْسَخُ، اخْتَارَهُ
الدُّخُولِ فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ.
بَابُ الْوَلِيمَةِ وَهِيَ اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْعُرْسِ خَاصَّةً، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ، إِذَا عَيَّنَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنُ حَامِدٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْإِعْسَارِ كَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، وَالثَّمَنُ كُلُّ مَقْصُودِ الْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ، وَالصَّدَاقُ فَضْلَةٌ، وَالْعَادَةُ تَأْخِيرُهُ (وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الدُّخُولِ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهَا، إِنْ قُلْنَا: لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا، فَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ بِدَيْنٍ آخَرَ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْحُرَّةَ مُكَلَّفَةُ الْفَسْخِ بَعْدَهُ مَا لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ تَزَوَّجَ مُفْلِسًا وَلَمْ تَعْلَمِ الْمَرْأَةُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: عِنْدِي عِوَضٌ، وَمَالٌ، وَغَيْرُهُ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ فَلَا فَسْخَ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنَّ لَهَا مَنْعَ نَفْسِهَا.
فَرْعٌ: الْمَنْعُ وَالْفَسْخُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، وَقِيلَ: لَا، وَهُوَ أَوْلَى كَوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ، وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ حِلَّهَا لَهُ وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْآخَرِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ بِغَيْرِ حُكْمٍ كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ؛ إِذِ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُعْتَقَةِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْوَلِيمَةِ]
[تَعْرِيفُ الْوَلِيمَةِ وَحُكْمُهَا]
بَابُ الْوَلِيمَةِ
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَلِيمَةُ الشَّيْءِ كَمَالُهُ وَجَمْعُهُ، وَسُمِّيَتْ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَلِيمَةً؛ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ، يُقَالُ: أَوْلَمَ، إِذَا صَنَعَ وَلِيمَةً.
(وَهِيَ اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْعُرْسِ خَاصَّةً) لَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، إِلَّا أَنَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرُ، وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّأْنِ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ، وَأَعْلَمُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ.
وَالْأَطْعِمَةُ الَّتِي يُدْعَى إِلَيْهَا النَّاسُ عَشَرَةٌ: الْأُولَى: وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَالثَّانِيَةُ: عُذْرَةٌ وَإِعْذَارٌ لِلْخِتَانِ، وَالثَّالِثَةُ: خُرْسَةٌ وَخُرْسٌ لِلْوِلَادَةِ، وَالرَّابِعَةُ: وَكِيرَةٌ لِدَعْوَةِ الْبِنَاءِ، وَالْخَامِسَةُ: نَقِيعَةٌ لِقُدُومِ الْغَائِبِ، وَالسَّادِسَةُ: عَقِيقَةُ الذَّبْحِ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، وَالسَّابِعَةُ: حَذَاقٌ لِأَجْلِ حَذَاقِ الصَّبِيِّ، وَالثَّامِنَةُ: مَأْدُبَةٌ وَهِيَ كُلُّ دَعْوَةٍ بِسَبَبٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: وَالتَّاسِعَةُ: وَضِيمَةٌ وَهِيَ طَعَامُ الْمَأْتَمِ، نَقَلَهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ، وَالْعَاشِرَةُ: تُحْفَةٌ لِقُدُومِ الْغَائِبِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، وَشَدْخِيَّةٌ: لِطَعَامِ إِمْلَاكٍ عَلَى زَوْجَةٍ، وَشَدَاخٌ: لِمَأْكُولٍ فِي خَتْمَةِ الْقَارِئِ.
(وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) بِالْعَقْدِ قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِهَا وَفَعَلَهَا، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَوْلِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ بِشَاةٍ فَأَقَلَّ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَكَوْنُهَا لِلْأَمْرِ، وَقَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُكْثِرَ لِلْبِكْرِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ طَعَامٌ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِشَاةٍ لِلتَّقْلِيلِ أَيْ: وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ كَشَاةٍ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْوَلِيمَةَ جَائِزَةٌ بِدُونِهَا؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» (وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ) فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ قَالَهُ فِي " الْإِفْصَاحِ "، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَهْوٌ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ،
الدَّاعِي الْمُسْلِمُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ دَعَى الْجَفْلَى كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا إِلَى الطَّعَامِ، أَوْ دَعَاهُ فِيمَا بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ، لَمْ تَجِبِ الْإِجَابَةُ، وَسَائِرُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيُتْرَكُ لَهَا الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ طَعَامِ الْوَلَائِمِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمَا أَمَرَ بِهَا وَلَا نَدَبَ إِلَيْهَا، وَاسْتَحَبَّ فِي " الْغُنْيَةِ " إِجَابَةَ وَلِيمَةِ عُرْسٍ، وَكَرِهَ حُضُورَ غَيْرِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَصَفَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا إِكْرَامٌ وَمُوَالَاةٌ، أَشْبَهَ رَدَّ السَّلَامِ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبَّةٌ لِفِعْلِهَا، وَعَنْهُ: إِنْ دَعَاهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَإِجَابَتُهُ أَفْضَلُ (إِذَا عَيَّنَهُ الدَّاعِي الْمُسْلِمُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَيْهَا شُرُوطٌ مِنْهَا: أَنْ يُعَيِّنَ الدَّاعِي الْمَدْعُوَّ بِالدَّعْوَى، فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا إِلَى الْوَلِيمَةِ لَمْ يُجِبْ؛ لِعَدَمِ كَسْرِ الْقَلْبِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُسْلِمًا، فَلَا تَجِبُ بِدَعْوَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْإِكْرَامِ وَالْمُوَالَاةِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ، وَعَنْهُ: فِي جَوَازِ تَهْنِئَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ وَعِيَادَتِهِمْ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا يُخَرَّجُ فِي إِجَابَتِهِمْ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَلَّا يَجُوزَ هَجْرُهُ، فَإِنْ جَازَ كَمُبْتَدِعٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَجِبْ، وَمَنَعَ فِي " الْمِنْهَاجِ " مِنْ فَاسِقٍ وَمُبْتَدَعٍ وَمُفَاخِرٍ بِهَا، أَوْ فِيهَا مُبْتَدِعٌ يَتَكَلَّمُ بِبِدْعَتِهِ إِلَّا لِرَادٍّ عَلَيْهِ، وَكَذَا مُضْحِكٌ بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ، وَإِلَّا أُبِيحَ الْقَلِيلُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنْ عَلِمَ حُضُورَ الْأَرَاذِلِ، وَمَنْ مُجَالَسَتُهُمْ تُزْرِي بِمِثْلِهِ لَمْ يُجِبْ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِي لَمْ يُجِبْ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي سُنَّةٌ، وَالثَّالِثُ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْغَرَائِبِ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَكْسَبُهُ طَيِّبًا فِي الْمَنْصُوصِ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا مُنْكَرًا، وَسَيَأْتِي.
(فَإِنْ دَعَى الْجَفْلَى كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا إِلَى الطَّعَامِ) أَوْ يَقُولُ الرَّسُولُ أُمِرْتُ أَنْ أَدْعُوَ مَنْ لَقِيتُ أَوْ شِئْتُ، فَهَذِهِ دَعْوَةٌ عَامَّةٌ لَا يُخَصُّ فِيهَا أَحَدٌ (أَوْ دَعَاهُ فِيمَا بَعْدَ
الدَّعَوَاتِ وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
وَإِذَا حَضَرَ وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ كَانَ نَفْلًا أَوْ كَانَ مُفْطِرًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْأَكْلُ، فَإِنْ أَحَبَّ، دَعَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) أَيْ: إِذَا تَكَرَّرَ فِعْلُ الْوَلِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ جَازَ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ عَرَّسَ الْأَنْصَارُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي الثَّانِي فَيُسْتَحَبُّ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَيُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ مَرَّتَيْنِ فَأَجَابَ، فَلَمَّا دُعِيَ الثَّالِثَةَ حَصَبَ الرَّسُولَ رَوَاهُ الْخَلَّالُ (أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ لَمْ تَجِبِ الْإِجَابَةُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ اخْتِلَاطَ طَعَامِهِمْ بِالْحَرَامِ وَالنَّجَاسَةِ، وَدَعْوَاهُ الْجَفْلَى وَإِجَابَةُ الذِّمِّيِّ قِيلَ بِجَوَازِهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الذِّمِّيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: يَأْكُلُ عِنْدَ الْمَجُوسِيِّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، مَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْ قُدُورِهِمْ.
(وَسَائِرُ الدَّعَوَاتِ وَالْإِجَابَةِ إِلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ) قَطَعَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي كُتُبِهِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَجَبْرِ الْقُلُوبِ؛ وَلِأَنَّ فِي فِعْلِهَا شُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِظْهَارًا لِإِحْسَانِهِ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَمُثَنَّى: يَجِبُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عُرْسٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَجَوَابُهُ بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى إِبَاحَةِ بَقِيَّةِ الدَّعَوَاتِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَقِيقَةُ، فَإِنَّهَا تُسَنُّ، وَعَنْهُ: تُكْرَهُ دَعْوَةُ الْخِتَانِ؛ لِقَوْلِ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: «كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نُدْعَى إِلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَكَالْمَأْتَمِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْإِجَابَةَ إِلَى دَعْوَةِ الْخِتَانِ مُبَاحَةٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ كَعَمَلِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِجَابَةِ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْغُنْيَةِ ": يُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ وَالتَّسَامُحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً وَشَرَهًا لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ.
[إِذَا حَضَرَ الْوَلِيمَةَ وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا]
(وَإِذَا حَضَرَ وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ) يَعْنِي: أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا دُعِيَ تَسْقُطُ الْإِجَابَةُ، فَإِذَا حَضَرَ وَكَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا لَمْ يُفْطِرْ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
وَانْصَرَفَ، وَإِنْ دَعَاهُ اثْنَانِ، أَجَابَ أَوَّلَهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْرَبَهُمَا
[المبدع في شرح المقنع]
«إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيَدْعُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: «إِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» ؛ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ يَعْذُرُهُ فَلَا يُؤَدِّي إِلَى كَسْرِ قَلْبِهِ (وَإِنْ كَانَ نَفْلًا) أَفْطَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: إِنْ جَبَرَ قَلْبَ دَاعِيهِ، وَقِيلَ: يَدْعُو أَوْ يَنْصَرِفُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِعْلَامُهُمْ بِصَوْمِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ تَزُولُ وَيَتَمَهَّدُ عُذْرُهُ (أَوْ كَانَ مُفْطِرًا اسْتُحِبَّ لَهُ الْأَكْلُ) إِنْ شَاءَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وُجُوبُهُ، وَفِي مُنَاظَرَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ: لَوْ غَمَسَ أُصْبُعَهُ فِي مَاءٍ وَمَصَّهَا حَصَلَ بِهِ إِرْضَاءُ الشَّرْعِ، وَإِزَالَةُ الْمَأْثَمِ بِإِجْمَاعِنَا، وَمِثْلُهُ لَا يُعَدُّ إِجَابَةً عُرْفًا بَلِ اسْتِخْفَافًا بِالدَّاعِي (فَإِنْ أَحَبَّ دَعَا وَانْصَرَفَ) ؛ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ» ؛ وَلِأَنَّ الْأَكْلَ غَيْرُ وَاجِبٍ نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَطْعَمْ، مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَكْلُ لَوَجَبَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ بِالصَّوْمِ، بَلِ الْمَقْصُودُ الْإِجَابَةُ (وَإِنْ دَعَاهُ اثْنَانِ أَجَابَ أَوَّلَهُمَا) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ؛ وَلِأَنَّ إِجَابَتَهُ وَجَبَتْ بِدَعْوَتِهِ فَلَمْ تَزُلْ بِدَعْوَةِ الثَّانِي، وَالسَّبْقُ بِالْقَوْلِ وَقِيلَ بِالْبَابِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُجِيبُ الثَّانِي، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِإِجَابَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِجَابَةُ الثَّانِي مَعَ عَدَمِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، لَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ مِثْلِهِ، بَلْ أَرْجَحُ فَإِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَهُمَا وَجَبَا لِلْأَخْبَارِ (فَإِنِ اسْتَوَيَا أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الدِّينِ لَهَا أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ بِدَلِيلِ الْأَمَانَةِ (ثُمَّ أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا) وَكَذَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ
جِوَارًا.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا كَالزَّمْرِ وَالْخَمْرِ، وَأَمْكَنَهُ الْإِنْكَارُ، حَضَرَ وَأَنْكَرَ، وَإِلَّا لَمْ يَحْضُرْ، وَإِنْ حَضَرَ فَشَاهَدَ الْمُنْكَرَ، أَزَالَهُ وَجَلَسَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ انْصَرَفَ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَلَهُ الْجُلُوسُ، وَإِنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ الْحَيَوَانِ، لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا أَنْ تُزَالَ، فَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا ثُمَّ أَقْرَبُهُمَا، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الْكَافِي ": يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا ثُمَّ رَحِمًا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الرِّعَايَةِ " و" الْوَجِيزِ " عَكْسُهُ ثُمَّ الْقُرْعَةُ بَعْدَ الْكُلِّ.
[إِنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا]
(وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا كَالزَّمْرِ وَالْخَمْرِ، وَأَمْكَنَهُ الْإِنْكَارُ، حَضَرَ وَأَنْكَرَ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَيْنِ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ وَإِزَالَةَ الْمُنْكَرِ (وَإِلَّا) إِذَا لَمْ يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ (لَمْ يَحْضُرْ) لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْحُضُورِ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدُ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا خَمْرٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ؛ وَلِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمُنْكَرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ، فَمُنِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ شَاهَدَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِزَالَتِهِ (وَإِنْ حَضَرَ فَشَاهَدَ الْمُنْكَرَ، أَزَالَهُ وَجَلَسَ) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ مَصْلَحَتَيِ الْإِنْكَارِ وَمَقْصُودِ الْإِجَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ انْصَرَفَ) ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ مَعَ مُشَاهَدَةِ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ، وَقَدْ خَرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَلِيمَةٍ فِيهَا آنِيَةٌ فِضَّةٌ، فَقَالَ الدَّاعِي: نُحَوِّلُهَا فَلَمْ يَرْجِعْ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ (وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ فَلَهُ الْجُلُوسُ) ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ رُؤْيَةُ الْمُنْكَرِ وَسَمَاعِهِ، وَلَوْ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْهَا، وَلَهُ الْأَكْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْحُضُورِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، كَإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِاتِّخَاذِ الْمُنْكَرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ، وَفِي الْمَذْهَبِ، و" الْمُسْتَوْعِبِ ": لَا يَنْصَرِفُ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ، وَإِنْ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَى رِوَايَةٍ أَوْ قَوْلٍ (وَإِنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ الْحَيَوَانِ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا أَنْ تُزَالَ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ صُورَةُ الْحَيَوَانِ عَلَى السُّتُورِ وَالْحِيطَانِ وَمَا لَا يُوطَأُ، وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا أَوْ قَطْعُ
عَلَى وِسَادَةٍ، فَلَا بَأْسَ بِهَا، وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ لَا صُوَرَ فِيهَا أَوْ فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَهَلْ يُبَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَلَا يُبَاحُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَالدُّعَاءُ
[المبدع في شرح المقنع]
رَأْسِهَا، فَعَلَ ذَلِكَ وَجَلَسَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، انْصَرَفَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ؛ «لِأَنَّ عَائِشَةَ نَصَبَتْ سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَعَهُ، قَالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا دُخُولُ مَنْزِلٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ لِاتِّخَاذِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَفِيهِ وَجْهٌ.
فَائِدَةٌ: إِذَا قُطِعَ رَأْسُ الصُّورَةِ، أَوْ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ ذَهَابِهِ أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْبَدَنِ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَهُ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ، فَهُوَ صُورَةٌ وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا؛ لِلْإخْبَارِ، وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهَا مُحَرَّمٌ كَعَمَلِهَا.
(فَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ عَلَى وِسَادَةٍ، فَلَا بَأْسَ بِهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً لَهَا؛ وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ تَعْلِيقِهَا إِنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالْإِغْرَارِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْبُسُطِ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّكِئًا عَلَى نُمْرُقَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِهَانَةً كَالْبُسُطِ (وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ) غَيْرِ حَرِيرٍ (لَا صُوَرَ فِيهَا أَوْ فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَهَلْ يُبَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا يُكْرَهُ، وَهُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِّرَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ عُمَرَ أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: دُعِيَ حُذَيْفَةُ، فَخَرَجَ، وَإِنَّمَا رَأَى شَيْئًا مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ وَكَرَاهَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ فِي ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ بِهِ التَّحْرِيمَ، وَالْأُخْرَى: يَحْرُمُ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُسْتُرَ الْجُدُرُ» وَكَمَا لَوْ كَانَتِ السُّتُرُ حَرِيرًا، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في تحريمه حَدِيثٌ، وَلَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ
إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا، وَالنُّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ وَمَنْ حَصَلَ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
لِحَاجَةٍ، أَشْبَهَ السُّتُرَ عَلَى الْبَابِ، وَفِي جَوَازِ خُرُوجِهِ لِأَجْلِهِ وَجْهَانِ، فَلَوْ كَانَ فِيهَا آنِيَةٌ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، فَهُوَ مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِنْ أَجْلِهِ، وَكَذَا مَا كَانَ مِنِ الْفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كَالْمُكْحُلَةِ.
(وَلَا يُبَاحُ الْأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ) صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ، كَدُعَائِهِ إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُحَرَّمٌ، كَلُبْسِ ثَوْبِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ (وَالدُّعَاءُ إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا دُعِيتَ فَقَدْ أُذِنَ لَكَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ عَنْهُ، نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": لَيْسَ الدُّعَاءُ إِذْنًا لِلدُّخُولِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ، فِيمَنْ كَتَبَ مِنْ مَحْبَرَةِ غَيْرِهِ يَجُوزُ فِي حَقِّ مَنْ تَنْبَسِطُ إِلَيْهِ، وَيَأْذَنُ لَهُ عُرْفًا.
(وَالنُّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ النُّهْبَة وَالْمُثْلَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَزَاحُمًا وَقِتَالًا، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِهِ، وَرُبَّمَا دَلَّ عَلَى دَنَاءَةِ نَفْسِ الْمُنْتَهِبِ، لَا يُقَالُ: ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ لِمَالٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا كَسَائِرِ الْإِبَاحَاتِ (وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ قَالَ: «قُرِّبَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ، فَقَالَ: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا جَارٍ مَجْرَى النُّثَارِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَجَعَلَ يُزَاحِمُ النَّاسَ عَلَى النُّهْبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمَا نَهَيْتَنَا عَنِ النُّهْبَةِ؟ قَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ، وَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْوَلَائِمِ» رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إِبَاحَةٍ، أَشْبَهَ إِبَاحَةَ الطَّعَامِ لِلضِّيفَانِ، وَعَنْهُ: لَا
حِجْرِهِ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ إِعْلَانُ النِّكَاحِ، وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ.
[المبدع في شرح المقنع]
يُعْجِبُنِي، هَذِهِ نُهْبَةٌ لَا تُؤْكَلُ، وَفَرَّقَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ بِذَبْحِهِ زَالَ مِلْكُهُ، وَالْمَسَاكِينُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، وَالنَّثَرُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ (وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَهُوَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَمَلَكَهُ كَمَا لَوْ وَثَبَتْ إِلَيْهِ سَمَكَةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " يَمْلِكُهُ مَعَ الْقَصْدِ، وَبِدُونِ الْقَصْدِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَسَّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ فَلَا بَأْسَ؛ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «قَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا» ، وَقَدْ روي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ حَذَقَ بَعْضُ وَلَدِهِ، فَقَسَّمَ عَلَى الصِّبْيَانِ الْجَوْزَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ؛ وَلِأَنَّ بِذَلِكَ تَنْتَفِي الْمَفْسَدَةُ، مَعَ أَنَّ فِيهِ إِطْعَامَ الطَّعَامِ، وَجَبْرَ الْقُلُوبِ وَانْبِسَاطَهَا، وَهُوَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ.
1 -
(وَيُسْتَحَبُّ إِعْلَانُ النِّكَاحِ، وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ) ؛ لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَظْهَرَ النِّكَاحُ، وَيُضْرَبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ، حَتَّى يُشْتهَرَ وَيُعْرَفَ، قِيلَ: مَا الدُّفُّ؟ قَالَ: هَذَا الدُّفُّ، قِيلَ لَهُ - فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ -: يَكُونُ فِيهِ جَرَسٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ، وَالصَّوْتُ فِي الْأمْلَاكِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ، وَيَتَحَدَّثُ، وَيَظْهَرُ، وَلَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْأَنْصَارِ «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ» .
وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الضَّرْبُ بِهِ لِلنِّسَاءِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَظَاهِرُ نَصِّهِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ، قِيلَ لَهُ: فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ مَا تَرَى لِلنَّاسِ الْيَوْمَ تُحَرِّكُ
فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
الدُّفَّ فِي إِمْلَاكٍ أَوْ بِنَاءٍ بِلَا غِنَاءٍ فَلَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ، وَخِتَانٌ وَقُدُومُ غَائِبٍ مِثْلُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ تَحْرِيمُ كُلِّ مَلْهَاةٍ سِوَاهُ، كَمِزْمَارٍ وَطُنْبُورٍ، وَرَبَابٍ، وَجُنْكٍ، سَوَاءٌ اسْتُعْمِلَ لِحُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ، وَسَأَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ عَنِ النَّفْخِ فِي الْقَصَبَةِ كَالْمِزْمَارِ، قَالَ: أَكْرَهُهُ، وَفِي الْقِصَصِ وَجْهَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا يُكْرَهُ إِلَّا مَعَ تَصْفِيقٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ رَقْصٍ وَنَحْوِهِ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الطَّبْلَ لِغَيْرِ حَرْبٍ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِتَنْهِيضِ طِبَاعِ الْأَوْلِيَاءِ، وَكَشْفِ صُدُورِ الْأَعْدَاءِ، وَلَيْسَ عَبَثًا.
[فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ]
فَصْلٌ
يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَبْلَهُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَاسْتَحَبَّهُ فِي الْمُذْهَبِ بَعْدَ أَنْ قَالَهُ عُمَرُ، وَيُكْرَهُ بِطَعَامٍ، وَلَا بَأْسَ بِنُخَالَةٍ، وَغَسْلُهُ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي أُكِلَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُكْرَهُ بِدَقِيقِ حِمَّصٍ، وَعَدَسٍ، وَبَاقِلٍ، وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُهُ، فَإِنْ عِلِمَ بِهِ بِقَرِينَةٍ رِضَا مَالِكِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": يُكْرَهُ، وَقِيلَ يُبَاحُ، وَإِنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ ظَنِّهِ رِضَاهُ، وَلَا يُمَلَّكُهُ بِتَقْدِيمِهِ إِلَيْهِ، بَلْ يَهْلَكُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ.
الثَّالِثُ: يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ قَبْلَ غَسْلِهَا أَوْ يَلْعَقُهَا، وَيَعْرِضُ الْمَاءُ لِغَسْلِهِمَا، وَيُقَدِّمُهُ بِقُرْبِ الطَّعَامِ وَبُعْدِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ وَلَا يَعْرِضُهُ - ذَكَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ ".
الرَّابِعُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّسْمِيَةُ فِي ابْتِدَائِهِ، وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ، وَيَحْمَدُ إِذَا فَرَغَ، وَقِيلَ: يَجِبُ ذَلِكَ، قَالَ الْأَصْحَابُ: يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ زَادَ " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " كَانَ بِخِلَافِ الذَّبْحِ، وَنَقَلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ جَعَلَ عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ يُسَمِّي وَيَحْمَدُ، قَالَ أَحْمَدُ: يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، وَبِالْمُرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَأَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ.
الْخَامِسُ: يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِمَّا يَلِيهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالطَّعَامُ نَوْعٌ وَاحِدٌ، قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا بَأْسَ، وَهُوَ وَحْدَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَيَخْلَعُ نَعْلَيْهِ.
السَّادِسُ: يُكْرَهُ عَيْبُ الطَّعَامِ، وَحَرَّمَهُ فِي " الْغُنْيَةِ "، وَنَفْخُهُ فِيهِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ حَارٌّ.
وَأَكْلُهُ حَارًّا، أَوْ فِعْلُ مَا يَسْتَقْذِرُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَرَفْعٌ قَبْلَهُمْ بِلَا قَرِينَةٍ، وَمَدْحُ طَعَامِهِ وَتَقْوِيمِهِ، وَحَرَّمَهُمَا فِي " الْغُنْيَةِ "، وَتَنَفُّسُهُ فِي إِنَائِهِ، وَأَكْلُهُ مِنْ وَسَطِهِ وَأَعْلَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ وَمُتَّكِئًا وَعَلَى الطَّرِيقِ قَالَهُ فِي الْغُنْيَةِ.
السَّابِعُ: يُكْرَهُ قِرَانُهُ فِي التَّمْرِ، وَقِيلَ: مَعَ شَرِيكٍ لَمْ يَأْذَنْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَا قِرَانُ مَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِتَنَاوُلِهِ مُفْرَدًا، وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْخُبْزُ عَلَى الْمَائِدَةِ، وَلَا بَأْسَ بِتَكْسِيرِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: لِئَلَّا يَعْرِفَ مَا يَأْكُلُونَ.
الثَّامِنُ: لَهُ قَطْعُ لَحْمٍ بِسِكِّينٍ، وَالنَّهْيِ عَنْهُ لَا يَصِحُّ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجُّوا بِنَهْيٍ ضَعِيفٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ عَلَى قَوْلٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ هُنَا مِثْلُهُ بِلَا حَاجَةٍ.
التَّاسِعُ: يَجُوزُ أَكْلُهُ كَثِيرًا حَيْثُ لَا يُؤْذِيهِ، وَفِي " الْغُنْيَةِ ": يُكْرَهُ مَعَ خَوْفِ تُخَمَةٍ، وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَكَذَا الْإِسْرَافُ فِيهِ إِلَى مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، وَلَا بَأْسَ بِإِطْعَامِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَسَائِلٍ، وَسِنَّوْرٍ، وَتَلْقِيمٍ، وَفِي تَقْدِيمِ الْأَظْهَرِ جَوَازُهُ.
الْعَاشِرُ: لَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ قَائِمًا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَسَأَلَهُ صَالِحٌ عَنْ شُرْبِهِ قَائِمًا فِي نَفَسٍ، قَالَ: أَرْجُو، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ كَأَكْلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ قَائِمًا، وَيَتَوَجَّهُ كَشُرْبٍ، قَالَهُ شَيْخُنَا: وَكَرِهَ أَحْمَدُ الشُّرْبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ، وَالْجُلُوسَ بَيْنَ ظِلٍّ وَشَمْسٍ، وَالنَّوْمَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَعَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ، وَاسْتَحَبَّ الْقَائِلَةَ نِصْفَ النَّهَارِ وَالنَّوْمَ إِذَنْ.
بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَادِي عَشَرَ: لَا بَأْسَ بِالتَّخْلِيلِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: تَرْكُ الْخُلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ، قَالَ الْأَطِبَّاءُ: هُوَ نَافِعٌ لِلَّثَةِ وَتَغَيُّرٌ لِلنَّكْهَةِ.
الثَّانِي عَشَرَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَخْلِطَ الْمُسَافِرُونَ أَزْوَادَهُمْ وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ السَّلَفِ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَاهَدَ فِي الطَّعَامِ وَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ، لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ، وَيَتَوَجَّهُ رِوَايَةُ: لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنٍ.
مَسْأَلَةٌ: لَهُ دُخُولُ بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: مَعَ صُورَةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: تَحْرِيمُ دُخُولِهِ مَعَهَا، وَيَحْرُمُ شُهُودُ عِيدٍ لِيَهُودٍ أَوْ نَصَارَى، نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَكَرِهَهُ الْخَلَّالُ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِهِمْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - لَا الْبَيْعُ لَهُمْ فِيهَا - نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَخَرَّجَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي حَمْلِ التِّجَارَةِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِنَّ مِثْلَهُ مُهَادَاتُهُمْ لِعِيدِهِمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ]
[الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ]
بَابُ
عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَهِيَ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالِانْضِمَامِ
(يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ) وَالْمُرَادُ هُنَا: النَّصَفَةُ، وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الْأَهْلِ (وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ) هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ، وَالْمَطْلُ الدَّفْعُ عَنِ الْحَقِّ بِوَعْدٍ (بِحَقِّهِ، وَلَا يُظْهِرُ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] ، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] .
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ، كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: هُوَ الْمُعَاشَرَةُ الْحَسَنَةُ، وَالصُّحْبَةُ الْجَمِيلَةُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي؛ لِهَذِهِ الْآيَةِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ تَحْسِينُ الْخَلْقِ وَالرِّفْقِ، وَاسْتَحَبَّهُمَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " كَاحْتِمَالِ أَذَاهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: 36] .