المبدع في شرح المقنعصفحات 15-54

كِتَابُ الْعِتْقِ

صفحات 15-54

رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ، وَمَيْتَةً وَصَيْدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الطَّعَامُ، وَالصَّيْدُ، إِذَا لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ الْمَيْتَةَ،

[المبدع في شرح المقنع]

رِوَايَتَيْنِ) . أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ، وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَاسْتَثْنَى مَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ.
وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّةَ فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ نَاقَةٌ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَكُلُوهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ مَا جَازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنْهُ جَازَ الشِّبَعُ مِنْهُ كَالْمُبَاحِ، وَقِيلَ: هَذَا مُقَيَّدٌ بِدَوَامِ الْخَوْفِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا تَزَوُّدُهُ، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَجَوَّزَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَالْفَضْلُ: يَتَزَوَّدُ إِنْ خَافَ الْحَاجَةَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: كَمَا يَتَيَمَّمُ، وَيَتْرُكُ الْمَاءَ إِذَا خَافَ، كَذَا هُنَا، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَفَرٍ مُحَرَّمٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ، وَلَمْ يَتُبْ فَلَا، وَيَجِبُ تَقْدِيمُ السُّؤَالِ قَبْلَ أَكْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِسَائِلٍ: قُمْ قَائِمًا لِيَكُونَ لَكَ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ الْقَاضِي: يَأْثَمُ إِذَا لَمْ يَسْأَلْ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: إِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَسْأَلَةِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ، قِيلَ: فَإِنْ تَوَقَّفَ، قَالَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ، اللَّهُ يَأْتِيهِ بِرِزْقِهِ، (وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ) أَيْ: جَهِلَهُ (وَمَيْتَةً وَصَيْدًا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ) ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ، وَالضِّيقِ، وَحَقُّهُ يُلْزِمُهُ غَرَامَتَهُ، بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا عِوَضَ فِيهِ، وَفِي الْفُنُونِ قَالَ حَنْبَلِيٌّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنَا خِلَافَ هَذَا، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الطَّعَامُ، وَالصَّيْدُ، إِذَا لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ الْمَيْتَةَ) هَذَا وَجْهٌ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّعَامِ الْحَلَالِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَذَلَهُ مَالِكُهُ، وَفِي الْكَافِي: هِيَ أَوْلَى إِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ، وَإِلَّا أَكَلَ الطَّعَامَ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ، وَلَوْ بِقِتَالِهِ، ثُمَّ صَيْدًا، ثُمَّ مَيْتَةً، فَلَوْ عَلِمَهُ، وَبَذَلَهُ فَفِي بَقَاءِ حِلِّهِ - كَبَذْلِ حُرَّةٍ بُضْعَهَا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا - مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ، فَإِنْ بَذَلَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَلْزَمُ مُعْسِرًا عَلَى احْتِمَالٍ، فَإِنْ وَجَدَ صَيْدًا وَطَعَامًا أَكَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَإِنْ وَجَدَ لَحْمَ صَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ، وَمَيْتَةً أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَأْكُلُ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَإِنِ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ تَحَرَّى عَلَى

وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا طَعَامًا لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ بَذْلُهُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ أَبَى لِلْمُضْطَرِّ أَخَذَهُ قَهْرًا، وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهُ، فَإِنْ مَنَعَهُ فَلَهُ قِتَالُهُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، أَوْ قَدْرِ شِبَعِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ

[المبدع في شرح المقنع]

الْأَشْهَرِ، وَلَوْ وَجَدَ مَيْتَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَكَلَ مِنْهَا، (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا طَعَامًا لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ، لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ، وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ، أَشْبَهَ غَيْرَ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ أَخْذُ الْمَاءِ مِنَ الْعَطْشَانِ، وَيَلْزَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَحَدٌ فَمَاتَ لَزِمَهُ ضمانه، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ، أَوْ يَدْفَعُهُ إِلَى الْمُضْطَرِّ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَهُ إِمْسَاكُهُ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إِيثَارُهُ، وَفِي الْهَدْيِ: لَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ غَايَةُ الْجُودِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] ، وَلِفِعْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعُدَّ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِهِمْ، (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ (لَزِمَهُ بَذْلُهُ) لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إِحْيَاءُ نَفْسِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ فَلَزِمَهُ بَذْلُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَنَافِعِهِ فِي تَخْلِيصِهِ مِنَ الْغَرَقِ، (بِقِيمَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي ذِمَّةِ مُعْسِرٍ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَفِي زِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ وَجْهَانِ، وَفِي الِانْتِصَارِ، وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ: فَرْضًا بِعِوَضِهِ، وَقِيلَ: مَجَّانًا، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالْمَنْفَعَةِ فِي الْأَشْهَرِ، (فَإِنْ أَبَى فلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ) بِالْأَسْهَلِ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَخَذَهُ (قَهْرًا) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ دُونَ مَالِكِهِ، (وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهُ) أَيْ: يُعْطِي الْمَالِكَ قِيمَتَهُ، لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ فَوَاتُ الْعَيْنِ، وَفَوَاتُ الْمَالِيَّةِ، (فَإِنْ مَنَعَهُ فَلَهُ قِتَالُهُ) جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَجْهٌ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِتَالُهُ، كَمَا ذَكَرَ فِي دَفْعِ الصَّائِلِ (عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) وَهُوَ الْأَوْلَى، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (أَوْ قَدْرِ شِبَعِهِ) لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، (عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُبِيحَ لِلْقِتَالِ مَنْعُ مَا يُبَاحُ لَهُ، لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ، لَكِنْ لَوْ لَمْ يَبِعْهُ إِلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَخَذَهُ

لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمِ كَالْحَرْبِيِّ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ حَلَّ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ؟ وَإِنْ وُجِدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا، فَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ وَجْهَانِ.

[المبدع في شرح المقنع]

، وَأَعْطَاهُ قِيمَتَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَاتِلُهُ، (فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقِتَالِهِ، أَشْبَهَ الصَّائِلَ، (وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) لِأَنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمَ كَالْحَرْبِيِّ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ حَلَّ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ) لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ، فَلَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَلَهُ أَكْلُهُ، (وَإِنْ وُجَدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا فَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ وَجْهَانِ) . أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْحَيَّ وَالْمَيِّتَ يَشْتَرِكَانِ فِي الْحُرْمَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» . وَالثَّانِي: بَلَى، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنَ اللَّحْمِ لَا مِنَ الْعَظْمِ.
وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْحُرْمَةِ لَا بِمِقْدَارِهَا، بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الضَّمَانِ وَالْقَوَدِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ حَيًّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَلَا إِتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَهَذَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، لِأَنَّ الْمَعْصُومَ الْحَيَّ مِثْلُ الْمُضْطَرِّ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ نَفْسَهُ بِإِتْلَافِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُضْطَرُّ شَيْئًا لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ، لِأَنَّهُ يُتْلِفُهُ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ مَوْهُومٌ، فَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَلَا الْعُدُولُ إِلَى الْمَيْتَةِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَسُمَّهُ فِيهِ، أَوْ يَكُونَ الطَّعَامُ فِيهِ مَضَرَّةً، أَوْ يَخَافَ أَنْ يُمْرِضَهُ، وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَدَفْعِ بَرْدٍ، وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ، وَكَوْنُهُ وَجَبَ بَذْلُهُ مَجَّانًا مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْعِوَضُ.
مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الْجُبْنِ؛ فَقَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَقِيلَ لَهُ عَنِ الْجُبْنِ الَّذِي تَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي، وَذَكَرَ أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُبْنِ، وَقِيلَ لَهُ: تُعْمَلُ فِيهِ الْإِنْفَحَةُ الْمَيْتَةُ؟ قَالَ: سَمُّوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ جَوْزًا، أَوْ بَيْضًا قُومِرَ بِهِ.

فَصْلٌ وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرٍ فِي شَجَرٍ لَا حَائِطَ عَلَيْهِ، وَلَا نَاظِرَ فَلَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ وَلَا يَحْمِلُ.
وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إِلَّا لِحَاجَةٍ.
وَفِي الزَّرْعِ وَشُرْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ رِوَايَتَانِ.

[المبدع في شرح المقنع]

[حُكْمُ أَكْلِ الثَّمَرِ مِنْ بُسْتَانٍ لَا حَائِطَ لَهُ وَلَا نَاظِرَ]

فَصْلٌ.
(وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرٍ فِي شَجَرٍ لَا حَائِطَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُوجَزِ، (وَلَا نَاظِرَ) وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْوَسِيلَةِ، (فَلَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إِنَّهُ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَتَيْتَ حَائِطَ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ، فَإِنْ أَجَابَكَ، وَإِلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَفَعَلَهُ أَنَسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ بِأَنَّهُ يَأْكُلُ بِقَدْرِ شَهْوَتِهِ، وَلَا يَشْبَعُ، ومقتضى كَلَامُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ السَّاقِطِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ رِوَايَةً، وَفِي التَّرْغِيبِ: يَجُوزُ لِمُسْتَأْذِنٍ ثَلَاثًا لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُحَوَّطًا بِحَائِطٍ، أَوْ نَاطُورٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ، لِأَنَّ إِحْرَازَهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ مَجْمُوعًا، إِلَّا لِمُضْطَرٍّ، وَلَا يَرْمِي شَجَرًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَصْعَدُهَا، (وَلَا يَحْمِلُ) شَيْئًا بِحَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا أَوْ لَا، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ فَقَطْ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ» ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: «وَلَا تَتَّخِذْ خُبْنَةً» (وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إِلَّا لِحَاجَةٍ) وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ قَوْلُهُ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» ، الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا، تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثمر الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَا أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي الْحَاجَةِ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلِهِ وَالْعُقُوبَةُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَعَنْهُ: الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ فَقَطْ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِيمَا سَقَطَ لِلْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ، وَاحْتَجَّ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ لَهَا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِرَافِعٍ: «لَا تَرْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعَنْهُ: وَيَضْمَنُهُ، اخْتَارَهَا فِي الْمُبْهِجِ لِلْعُمُومَاتِ، (وَفِي الزَّرْعِ) الْقَائِمِ، (وَشُرْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ؛ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ.
الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنَ الزَّرْعِ الْقَائِمِ شَيْئًا، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الثِّمَارِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا رَطْبَةً، فَالنَّفْسُ تَتُوقُ إِلَيْهَا، بِخِلَافِ الزَّرْعِ.
وَالثَّانِيَةُ، وَهِيَ أَشْهَرُ: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنَ الْفَرِيكِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا، أَشْبَهَ الثَّمَرَ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ الْبَاقِلَاءَ، وَالْحِمَّصَ الْأَخْضَرَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الثَّانِيَةِ فِي شُرْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ، لِمَا رَوَى الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَلَا يَحْمِلْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . مُتَّفَقٌ

وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَإِنْ أَبَى فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهِ.
وَحَمَلَهَا فِي الرِّعَايَةِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَائِطٌ، أَوْ حَافِظٌ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ مُطْلَقًا، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الْمَيْتَةِ، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَهُوَ أَسْهَلُ.
(وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ) قَالَ أَحْمَدُ: الضِّيَافَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كُلُّ مَنْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَيِّفَهُ، لِمَا رَوَى الْمِقْدَادُ بْنُ كَرِيمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ: «فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ.» وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ: «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَهُمْ حَقُّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ ضِيَافَةَ الْكَافِرِ لَا تَجِبُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ فِي رِوَايَةٍ: وَتَجِبُ لِذِمِّيٍّ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ الضِّيَافَةَ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا لِلْمُسَافِرِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ نُصُوصِهِ أَنَّهَا تَجِبُ لِحَاضِرٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ، في قرية، وَفِي مِصْرَ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، جَزَمَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ أَنَّ الْمُسْلِمَ تَجِبُ عَلَيْهِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى لَا الْأَمْصَارِ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِيهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهَا تَجِبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَهِيَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مَعَ أُدُمٍ، وَفِي الْوَاضِحِ، وَلِفَرَسِهِ تِبْنٌ لَا شَعِيرٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ: كَأُدُمِهِ، وَأَوْجَبَ شَيْخُنَا الْمَعْرُوفُ عَادَةً، قَالَ: كَزَوْجَةٍ، وَقَرِيبٍ، وَرَفِيقٍ، وَمَنْ قَدَّمَ لِضِيفَانِهِ طَعَامًا لَمْ يَجُزْ لَهُ قِسْمَتُهُ، لِأَنَّهُ أَبَاحَهُ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ، (فَإِنْ أَبَى فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ) أَيْ: يُحَاكِمُهُ وَيَطْلُبُ حَقَّ ضِيَافَتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: إِذَا بُعِثُوا فِي السَّبِيلِ يُضَيِّفُهُمْ مَنْ مَرُّوا بِهِ ثَلَاثَةَ

عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَتُسْتَحَبُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِنْزَالُهُ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَلَّا يَجِدَ مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا يَبِيتُ فِيهِ.

بَابُ الذَّكَاةِ لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ إِلَّا الْجَرَادَ وَشِبْهَهُ، وَالسَّمَكَ

[المبدع في شرح المقنع]

أَيَّامٍ، فَإِنْ أَبَوْا أَخَذُوا مِنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، (وَتُسْتَحَبُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثًا) لِخَبَرِ أَبِي شُرَيْحٍ، (فَمَا زَادَ) أَيْ: عَلَى الثَّلَاثَةِ، (فَهُوَ صَدَقَةٌ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَكَانَ كَصَدَقَةِ النَّفْلِ، (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِنْزَالُهُ فِي بَيْتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ، وَالْمَشَقَّةِ، وَالْخَبَرُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الضِّيَافَةِ فَقَطْ، وَأَوْجَبَهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ مُطْلَقًا كَالنَّفَقَةِ، (إِلَّا أَلَّا يَجِدَ مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا يَبِيتُ فِيهِ) فَيَلْزَمُهُ إِنْزَالُهُ فِي بَيْتِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، قَالَ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ فِي النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الْأَضْحَى: النَّاسُ فِيهِ تَبَعٌ لِوَفْدِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ بَيْتِهِ، وَهُمْ كَالضَّيْفِ، فَلَا يَحْسُنُ صَوْمُهُ عِنْدَ مُضَيِّفِهِ.
فَائِدَةٌ: مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَمَذْمُومٌ مُبْتَدِعٌ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْبِطِّيخِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَيْفِيَّةِ أَكْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ كَذِبٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ

[بَابُ الذَّكَاةِ]

[حُكْمُ التَّذْكِيَةِ]

بَابُ الذَّكَاةِ يُقَالُ: ذَكَّى الشَّاةَ وَنَحْوَهَا تَذْكِيَةً، أَيْ: ذَبَحَهَا، وَالِاسْمُ: الذَّكَاةُ، وَالْمَذْبُوحُ ذَكِيٌّ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
(لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ) الْمُبَاحِ، (الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ) ، وَقَالَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْبَحْرِيِّ: أَوْ عُقِرَ، لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ، (إِلَّا الْجَرَادَ وَشِبْهَهُ) فَإِنَّهُ يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، لِقَوْلِهِ: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ، وَالْجَرَادُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ

وَسَائِرَ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْمَاءِ، فَلَا ذَكَاةَ لَهُ.
وَعَنْهُ فِي السَّرَطَانِ وَسَائِرِ الْبَحْرِيِّ أَنَّهُ يَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ، وَعَنْهُ فِي الْجَرَادِ: لَا يُؤْكَلُ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ كَكَبْسِهِ وَتَغْرِيقِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ، وَيُبَاحُ بِمَا فِيهِ، (وَالسَّمَكَ وَسَائِرَ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْمَاءِ، فَلَا ذَكَاةَ لَهُ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِلْأَخْبَارِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا مَاتَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِبَاحَةِ مَا مَاتَ بِسَبَبٍ، مِثْلُ أَنْ صَادَهُ إِنْسَانٌ، أَوْ نَبَذَهُ الْبَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الطَّافِي، وَنُصُوصُهُ: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَتَقَذَّرْهُ، وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَذَكَرَ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنِ الصِّدِّيقِ وَغَيْرِهِ حِلَّهُ، قَالَ: وَمَا يُرْوَى خِلَافَ ذَلِكَ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ عِنْدَ قَائِلِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] ، وَهُوَ: مَا رَمَى بِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا مَاتَ فِيهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ذَبَحَ مَا فِي الْبَحْرِ لِبَنِي آدَمَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً يَجْرِي مَجْرَى دِيدَانِ الْخَلِّ وَالْبَاقِلَاءِ، فَيَحِلُّ بِمَوْتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالذُّبَابِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ حَرُمَ لَمْ يَنْجُسْ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: مَعَ دَمٍ.
فَرْعٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ شَيَّ سَمَكٍ حَيٍّ لَا جَرَادٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِمَا: يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَحْرُمُ بَلْعُهُ حَيًّا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: يُكْرَهُ، (وَعَنْهُ فِي السَّرَطَانِ وَسَائِرِ الْبَحْرِيِّ أَنَّهُ يَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ) لِأَنَّ السَّرَطَانَ لَا دَمَ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ: السَّرَطَانُ لَا بَأْسَ بِهِ.
قِيلَ لَهُ: يُذْبَحُ؟ قَالَ: لَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الذَّبْحِ إِنَّمَا هُوَ إِخْرَاجُ الدَّمِ، وَتَطْيِيبُ اللَّحْمِ بِإِزَالَتِهِ عَنْهُ، فَأَمَّا مَا لَا دَمَ لَهُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَبْحِهِ،

وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مُسْلِمًا، أَوْ كِتَابِيًّا فَتُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَعَنْهُ: لَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ نَصَارَى بَنِي

[المبدع في شرح المقنع]

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرَ، وَهُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ، كَطَيْرِ الْمَاءِ، وَالسُّلَحْفَاةِ، وَكَلْبِ الْمَاءِ، فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَبْحِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ لِلْأَخْبَارِ، وَالْأَصَحُّ فِي السَّرَطَانِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ، (وَعَنْهُ: فِي الْجَرَادِ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ؛ كَكَبْسِهِ وَتَغْرِيقِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ لَهُ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِيهِ كَالذَّبْحِ فِي غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَا أُبِيحَتْ مَيْتَتُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ سَبَبٌ بِدَلِيلِ السَّمَكِ.

[شُرُوطُ الذَّكَاةِ]

[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ]

(وَيُشْتَرَطُ لِلذَكَاةِ) وَفِي الرَّوْضَةِ وَالْعُمْدَةِ: لِلنَّحْرِ (شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ) قَالَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، (أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ) وَهُوَ الْمُذَكِّي، (وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا) لِيَصِحَّ قَصْدُ التَّذْكِيَةِ، وَلَوْ مُكْرَهًا، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ كَذَبْحِ مَغْصُوبٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُعْتَبَرُ قَصْدُ الْأَكْلِ، وَفِي التَّعْلِيقِ لَوْ تَلَاعَبَ بِسِكِّينٍ عَلَى حَلْقِ شَاةٍ، فَصَارَ ذَبْحًا، وَلَمْ يَقْصِدْ حَلَّ أَكْلِهَا لَمْ تُبَحْ، وَعَلَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ تَحْرِيمَ مَا قَتَلَهُ مُحْرِمٌ لِصَوْلِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَكْلُهُ، أَوْ وَطِئَهُ آدَمِيٌّ إِذَا قُتِلَ، وَفِي التَّرْغِيبِ: هَلْ يَكْفِي قَصْدُ الذَّبْحِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْإِحْلَالِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ، (مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَا تَأْكُلُوا مِنَ الذَّبَائِحِ إِلَّا مَا ذَبَحَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ.
وَالْعَدْلُ، وَالْفَاسِقُ سَوَاءٌ وَلَوْ مُمَيِّزًا، وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ: لَا دُونَ عَشْرٍ (فَتُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) وَلَوْ قِنًّا، وَهُوَ كَالْحُرِّ إِجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَبْحِ الصَّبِيِّ، وَقَيَّدَهُ أَحْمَدُ بِإِطَاقَةِ الذَّبْحِ، وَالْجُنُبِ وَالْآبِقِ؛ نَقَلَ حَنْبَلٌ فِي الْأَقْلَفِ: لَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا حَجَّ، هِيَ مِنْ تَمَامِ الْإِسْلَامِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: لَا بَأْسَ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ جُنُبٌ، وَمِثْلُهُ حَائِضٌ، وَظَاهِرُهُ: إِبَاحَةُ

تَغْلِبَ، وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ، وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ مَجْنُون، وَلَا سَكْرَانَ، وَلَا طِفْلٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَلَا وَثَنِيٍّ، وَلَا مَجُوسِيٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ.

[المبدع في شرح المقنع]

ذَكَاةِ أَعْمَى، وَذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا (وَعَنْهُ: لَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) فِي الْأَظْهَرِ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَا تَأْكُلُوا مِنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ.
وَظَاهِرُ الْمَتْنِ وَالْفُرُوعِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: الْإِبَاحَةُ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: فِي الصَّابِئَةِ رِوَايَتَانِ، مَأْخَذُهُمَا هَلْ هُمْ مِنَ النَّصَارَى، أَمْ لَا؟ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: يَسْبِتُونَ، جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ، وَكُلُّ مَنْ يَصِيرُ إِلَى كِتَابٍ فَلَا بَأْسَ بِذَبِيحَتِهِ، (وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ غير كِتَابِيٌّ) قَالَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ: تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، وَالْأَشْهَرُ الْحِلُّ مُطْلَقًا لِلْعُمُومِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: مَنْ أَقَرَّ بِجِزْيَةٍ حَلَّتْ ذَكَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ مَجْنُونٍ) وَفِي مَعْنَاهُ: الْمَغْمِيٌّ عَلَيْهِ فِي حَالِ إِغْمَائِهِ، (وَلَا سَكْرَانَ وَلَا طِفْلٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمُ الْقَصْدُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَ إِنْسَانًا بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ (وَلَا وَثَنِيٍّ، وَلَا مَجُوسِيٍّ) أَمَّا الْمَجُوسُ فَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ، لِمَفْهُومِ الْآيَةِ، وَلِخَبَرٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَكَسَائِرِ الكفار غير أَهْلِ الْكِتَابِ، وَشَذَّ أَبُو ثَوْرٍ، فَأَبَاحَ صَيْدَهُ وَذَبِيحَتَهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَلِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: خَرَقَ أَبُو ثَوْرٍ الْإِجْمَاعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ مَا صَادَهُ الْمَجُوسُ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا الْوَثَنِيُّ فَحُكْمُهُ كَالْمَجُوسِ، بَلْ هُمْ شَرٌّ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَجُوسَ لَهُمْ شِبْهُ كِتَابٍ، (وَلَا مُرْتَدٍّ) لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ كَالْوَثَنِيِّ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ تَحِلُّ ذَكَاةُ مُرْتَدٍّ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنِ انْتَقَلَ إِلَى دِينٍ يُقِرُّ أَهْلُهُ بِكِتَابٍ وَجِزْيَةٍ، وَأَقَرَّ عَلَيْهِ حَلَّتْ ذَكَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا

فَصْلٌ الثَّانِي: الْآلَةُ، وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ بِمُحَدَّدٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ قَصَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلَّا السِّنَّ، وَالظُّفْرَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرُ.
فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ حَلَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

[الشَّرْطُ الثَّانِي: الْآلَةُ]

فَصْلٌ (الثَّانِي: الْآلَةُ، وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ بِمُحَدَّدٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ قَصَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ) كَخَشَبٍ، (إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفْرَ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، (لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنُّ وَالظُّفُرُ) » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ، «وَلِأَنَّ جَارِيَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْلِهَا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِيهِ فَوَائِدُ، وَفِي عَظْمِ غَيْرِ سِنٍّ رِوَايَتَانِ، كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ يُبَاحُ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ تَحْرِيمَ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ بِكَوْنِهِ عَظْمًا، (فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ حَلَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ الذَّكَاةَ وُجِدَتْ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الذَّبْحِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَذْبُوحُ مَغْصُوبًا، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَجْمَرَ بِالرَّوْثِ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ الْمُذَكَّى مَغْصُوبًا، فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَمِثْلُهَا سِكِّينٌ ذَهَبٌ وَنَحْوُهَا، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَالْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: يَحْرُمُ بِعَظْمٍ، وَلَوْ بِسَهْمٍ نَصْلُهُ عَظْمٌ.

فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ والمري، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

[الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ والمري]

فَصْلٌ.
(الثَّالِثُ: أَنْ يَقْطَعَ) مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، (الْحُلْقُومَ والمري) وَهِيَ: الْوَهْدَةُ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، قَالَ عُمَرُ: النَّحْرُ فِي اللَّبَّةِ، وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَى سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ بَيْتِنَا: أَلَا إِنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ، «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؛ قَالَ: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو الْعُشَرَاءِ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَحَدِيثُهُ غَلَطٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ وَاسْمِهِ وَسَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي أَحْكَامِهِ: هَذَا فِيمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ والْمري، وَهُمَا مَجْرَى الطَّعَامِ وَالنَّفَسِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْكَافِي، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَوْلَى، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الْأَرْبَعَةَ، وَاخْتَصَّ الذَّبْحُ بِالْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ، لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ، وَيُسْرِعُ زُهُوقُ الرُّوحِ، فَيَكُونُ أَطْيَبَ لِلَّحْمِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ، (وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ) ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، «لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ» ، وَهِيَ الَّتِي تَذْبَحُ فَتَقْطَعُ الْجِلْدَ، وَلَا تَفْرِي الْأَوْدَاجَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ

نَحَرَهُ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ أَنْ يَطْعَنَهُ بِمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ، وَيَذْبَحَ مَا

[المبدع في شرح المقنع]

سَعِيدٌ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا أُهْرِيقَ الدَّمُ وَقُطِعَ الْوَدَجُ فَكُلْ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ، وَعَنْهُ: أَوْ أَحَدُهُمَا، وَفِي الْإِيضَاحِ: الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ، وَفِي الْإِرْشَادِ: المري وَالْوَدَجَيْنِ، وَفِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ: يَكْفِي قَطْعُ الْأَوْدَاجِ وَحْدَهَا، لَكِنْ لَوْ قَطَعَ أَحَدَهُمَا مَعَ الْحُلْقُومِ أَوِ المري أَوْلَى بِالْحِلِّ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَ وَجْهًا: يَكْفِي قَطْعُ ثَلَاثٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، وَظَاهِرُهُ: لَا يَضُرُّ رَفْعُ يَدِهِ إِنْ أَتَمَّ الذَّكَاةَ عَلَى الْفَوْرِ، وَاعْتُبِرَ فِي التَّرْغِيبِ قَطْعًا تَامًّا، فَلَوْ بَقِيَ مِنَ الْحُلْقُومِ جِلْدَةٌ، وَلَمْ يَنْفُذِ الْقَطْعُ، وَانْتَهَى الْحَيَوَانُ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ثُمَّ قَطَعَ الْجِلْدَةَ لَمْ يَحِلَّ.
فَرْعٌ: إِذَا أَبَانَ رَأْسَهُ بِالذَّبْحِ، لَمْ يَحْرُمْ بِهِ الْمَذْبُوحُ قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَأَكْلُهُ مُبَاحٌ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ وَيَحِلُّ، وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأْسَ بَطَّةٍ، أَوْ شَاةٍ بِالسَّيْفِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الذَّبِيحَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعِمْرَانَ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ مَعَ الذَّبْحِ، (وَإِنْ نَحَرَهُ أَجْزَأَهُ) أَيْ: إِذَا نَحَرَ مَا يَذْبَحُ أَجَزَأَهُ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ كَعَكْسِهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» . وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَحَرْنَا فَرَسًا، وَفِي رِوَايَةٍ: ذَبَحْنَا، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً» ، وَلِأَنَّهُ ذَكَّاهُ فِي مَحِلِّهِ، فَجَازَ أَكْلُهُ كَالْحَيَوَانِ الْآخَرِ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي ذَبْحِ الْبَقَرِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ عَنْهُ أَظْهَرُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ ذَبْحُ إِبِلٍ، وَعَنْهُ: وَلَا تُؤْكَلُ، (وَهُوَ أَنْ يَطْعَنَهُ

سِوَاهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَنِدَّ الْبَعِيرُ، أَوْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ، صَارَ كَالصَّيْدِ، إِذَا جَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ، فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ، فَلَا يُبَاحُ، وَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا وَهُوَ مُخْطِئٌ، فَأَتَتِ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا، وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ أُكِلَتْ، وَإِنْ فَعَلَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

بِمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهِ) فَبَيَانٌ لِمَعْنَى النَّحْرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ هَكَذَا يَفْعَلُونَ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ قَالَا: النَّحْرُ فِي اللَّبَّةِ، وَالذَّبْحُ فِي الْحَلْقِ، وَالذَّبْحُ وَالنَّحْرُ فِي الْبَقَرِ وَاحِدٌ، (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْحَرَ الْبَعِيرُ، وَيُذْبَحَ مَا سِوَاهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّحْرِ، لِأَنَّ أَغْلَبَ مَاشِيَةِ قَوْمِهِ الْإِبِلُ، وَأُمِرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالذَّبْحِ، لِأَنَّ غَالِبَ مَاشِيَتِهِمُ الْبَقَرُ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَحَرَ الْبُدْنَ، وَذَبَحَ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ بِيَدِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ رِوَايَةٌ: يُنْحَرُ الْبَقَرُ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: إِنَّ مَا صَعُبَ وَضْعُهُ فِي الْأَرْضِ نُحِرَ، (فَإِنْ عُجِزَ عَنْ ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَنِدَّ الْبَعِيرُ) أَيْ: إِذَا ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ شَارِدًا، (أَوْ يَتَرَدَّى) أَيْ: يَسْقُطُ، (فِي بِئْرٍ فَلَا يُقْدَرُ عَلَى ذَبْحِهِ، صَارَ كَالصَّيْدِ إِذَا جَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَدَّ بَعِيرٌ، وَفِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ منها فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الذَّكَاةِ بِحَالِ الْحَيَوَانِ وَقْتَ ذَبْحِهِ، لَا بِأَصْلِهِ، بِدَلِيلِ الْوَحْشِيِّ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ وَجَبَتْ ذَكَاتُهُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَكَذَلِكَ الْأَهْلِيُّ إِذَا تَوَحَّشَ.
وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: يُقْتَلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، إِلَّا أَنْ يُذَكَّى، قَالَ أَحْمَدُ: لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ رَافِعٍ، (إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ فَلَا يُبَاحُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الذَّبْحَ قَتَلَهُ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ فَحَرُمَ، كَمَا لَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ، وَقِيلَ: يَحِلُّ إِنْ جَرَحَهُ بِجَرْحٍ مُوحٍ، (وَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا وَهُوَ مُخْطِئٌ، فَأَتَتِ السِّكِّينُ) وَلَوْ عَبَّرَ بِالْآلَةِ لَعَمَّ، (عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ) أَيْ: فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِوُجُودِ الْحَرَكَةِ، وَعَنْهُ: أَوْ لَا، وَفِي

عَمْدًا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَكُلُّ مَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبُ الْمَوْتِ، كَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطِيحَةِ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْمُغْنِي: غَلَبَ بَقَاؤُهَا، (أُكِلَتْ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهَا حَلَّتْ بِالذَّبْحِ، وَفِي التَّرْغِيبِ رِوَايَةٌ: يَحْرُمُ مَعَ حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ.
، (وَإِنْ فَعَلَهُ عَمْدًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ: هُمَا رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: لَا تُبَاحُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ في غير محل الذَّبْحِ، كَمَا لَوْ بَقَرَ بَطْنَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: تَحِلُّ إِذَا بَقِيَتْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ والمري، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَهِيَ أَصَحُّ، لِأَنَّ الذَّبْحَ إِذَا أَتَى عَلَى مَا فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، حَلَّ كَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا، وَفِي الشَّرْحِ: إِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ والمري أَوْ لَا، نُظِرَتْ: فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاءَ ذَلِكَ، لِحِدَّةِ الْآلَةِ وَسُرْعَةِ الْقَطْعِ، فَالْأَوْلَى إِبَاحَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَآلَةٍ، وَأَبْطَأَ قَطْعُهُ، وَطَالَ تَعْذِيبُهُ لَمْ يُبَحْ.
فَرْعٌ: مُلْتَوٍ عُنُقُهُ كَمَعْجُوزٍ عَنْهُ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقُبِلَ: حُكْمُهُ كَذَلِكَ.
(وَكُلُّ مَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبُ الْمَوْتِ كَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطِيحَةِ، وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ إِذَا أَدْرَكَ ذَكَاتَهَا، وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ حَلَّتْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] ، وَلِحَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبٍ، وَلِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي شَاةٍ وَقَعَ قَصَبَتُهَا، أَيِ: الْأَمْعَاءُ بِالْأَرْضِ، فَأَدْرَكَهَا فَذَبَحَهَا بِحَجَرٍ، يُلْقِي مَا أَصَابَ الْأَرْضَ، وَيَأْكُلُ سَائِرَهَا، وَسَوَاءٌ انْتَهَتْ إِلَى حَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مَعَهُ أَوْ تَعِيشُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَ السَّامِرِيُّ: أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ لِمِثْلِهِ لَمْ تَحِلَّ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ رَجَا حَيَاتَهَا حَلَّتْ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ: أَنَّهَا تَحِلُّ بِشَرْطِ أَنْ تَتَحَرَّكَ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَلَوْ بِيَدٍ، أَوْ رِجْلٍ، أَوْ طَرَفِ ذَنَبٍ، وَحَكَاهُ فِي

وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ، إِذَا أَدْرَكَ ذَكَاتَهَا، وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، حَلَّتْ، وَإِنْ صَارَتْ حَرَكَتُهَا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لَمْ تَحِلَّ.

فَصْلٌ الرَّابِعُ: أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْفُرُوعِ قَوْلًا.
وَقِيلَ: أَوْ لَا، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَمُوتُ بِالسَّبَبِ، وَعَنْهُ: لِدُونِ أَكْثَرِ يَوْمٍ، لَمْ يَحِلَّ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ تَعِيشُ زَمَانًا يَكُونُ بِالْمَوْتِ بِالذَّبْحِ أَسْرَعَ مِنْهُ حَلَّتْ بِالذَّبْحِ، وَعَنْهُ: يَحِلُّ مُذَكًّى قَبْلَ مَوْتِهِ مُطْلَقًا، وَفِي كِتَابِ الْآدَمِيِّ الْبَغْدَادِيِّ: وَتُشْتَرَطُ حَيَاةٌ يُذْهِبُهَا الذَّبْحُ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَعَنْهُ: إِنْ تَحَرَّكَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالْمَرُّوذِيُّ وَأَبُو طَالِبٍ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَوْ ذَبَحَ وَشَكَّ فِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَوَجَدَ مَا يُقَارِبُ الْحَرَكَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي التَّذْكِيَةِ الْمُعْتَادَةِ، حَلَّ فِي الْمَنْصُوصِ، وَمُرَادُهُمْ بِالْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ مَا جَازَ بَقَاؤُهَا أَكْثَرَ الْيَوْمِ، (وَإِنْ صَارَتْ حَرَكَتُهَا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ) لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا بَعْدَ ذَبْحِ الْوَثَنِيِّ، وَكَذَا فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ.
فَرْعٌ: وَمَرِيضَةٌ، وَمَا صِيدَ بِشَبَكَةٍ، أَوْ شَرَكٍ، أَوْ أُحْبُولَةٍ، أَوْ فَخٍّ، أَوْ أَنْقَذَهُ مِنْ مَهْلَكَةٍ، فَهُوَ كَمُنْخَنِقَةٍ.

[الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ]

فَصْلٌ.
(الرَّابِعُ: أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ) وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَوْ قَبْلَهُ قَرِيبًا، فَصَلَ بِكَلَامٍ، أَوْ لَا كَالطَّهَارَةِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ ثُمَّ أَخَذَ السِّكِّينَ، أَوْ كَانَتْ بِيَدِ مُفْتَرِكِهَا وَأَخَذَ أُخْرَى، أَوْ تَحَدَّثَ ثُمَّ ذَبَحَ حَلَّتْ، لِأَنَّهُ سَمَّى عَلَيْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] ، وَالْفِسْقُ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَأَطْلَقَ، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا ذَبَحَ سَمَّى» ، فَحُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ) لِأَنَّ إِطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ تَنْصَرِفُ إِلَيْهَا وَلَوْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ، وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ، وَالسَّلَامِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَفْظُهُ، وَفِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ إِنْ سَمَّى بِغَيْرِ

مَقَامَهَا، إِلَّا الْأَخْرَسَ، فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ لَمْ تُبَحْ،

[المبدع في شرح المقنع]

الْعَرَبِيَّةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، صَحَّحَ فِي الرِّعَايَةِ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ، (لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا) كَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الشَّرْحِ، وَقِيلَ: يَكْفِي تَكْبِيرٌ وَنَحْوُهُ، وَيَضْمَنُ أَجِيرٌ تَرَكَهَا إِنْ حَرُمَتْ، وَاخْتَارَ فِي النَّوَادِرِ لِغَيْرِ شَافِعِيٍّ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ يَضْمَنُهُ النَّقْصُ إِنْ حَلَّتْ، (إِلَّا الْأَخْرَسَ، فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى السَّمَاءِ) لِأَنَّ إِشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ، وَكَذَا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَشَارَ إِشَارَةً تَدُلُّ عَلَى التَّسْمِيَةِ.
فَرْعٌ: يُسَنُّ التَّكْبِيرُ مَعَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا، كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي الْمُنْتَخَبِ: لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ مَعَهَا شَيْئًا، وَاخْتَارَ ابْنُ شَاقْلَا: أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَهَا، (فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ) عَمْدًا، أَوْ جَهْلًا، (لَمْ تُبَحْ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا أُبِيحَتْ) ذَكَرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: أَنَّهَا أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، لِحَدِيثِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ، لَكِنَّ الْأَحْوَصَ ضَعِيفٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِيمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ، قَالَ: الْمُسْلِمُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ عُمَرُ: لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَرْكِهَا عَمْدًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] وَالْأَكْلُ مِمَّا نَسِيتَ عَلَيْهِ التَّسْمِيَةَ لَيْسَ بِفِسْقٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . وَقَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] يَعْنِي: الْمَيْتَةَ، نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، (وَعَنْهُ: تُبَاحُ فِي الْحَالَيْنِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ رَخَّصَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ

وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا أُبِيحَتْ، وَعَنْهُ: تُبَاحُ فِي الْحَالَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا تُبَاحُ فِيهِمَا.

وَتَحْصُلُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا، أَوْ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَمْ يُبَحْ إِلَّا بِذَبْحِهِ، وَسَوَاءٌ أَشَعَرَ، أَوْ لَمْ يَشْعُرْ.

[المبدع في شرح المقنع]

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ، قَالَ: اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
    وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَوِ اشْتُرِطَتْ لَمَا حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِهَا، لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ شَكٌّ فِي الْمَشْرُوطِ، وَالذَّبِيحَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ التَّسْمِيَةِ حَلَالٌ، بِدَلِيلِ حِلِّ ذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إِتْيَانِهِمْ بِهَا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمَنْعِ مِنَ الشَّكِّ، (وَعَنْهُ: لَا تُبَاحُ فِيهِمَا) قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وَلِأَنَّ الشَّيْءَ مَتَى كَانَ شَرْطًا لَا يُعْذَرُ فِي تَرْكِهِ سَهْوًا، كَالْوُضُوءِ مَعَ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ الْمُسْلِمُ بِاشْتِرَاطِهَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَكْسَهَا، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الصَّيْدِ.
    فَرْعٌ: إِذَا شَكَّ فِي تَسْمِيَةِ الذَّابِحِ حَلَّ، فَلَوْ وَجَدَ شَاةً مَذْبُوحَةً فِي مَوْضِعٍ يُبَاحُ ذَبْحُ أَكْثَرِ أَهْلِهِ حَلَّتْ، وَإِلَّا فَلَا.

[ذَكَاةُ الْجَنِينِ]

(وَتَحْصُلُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ) الْمَأْكُولِ، (بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا، أَوْ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَلِأَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّ الْجَنِينَ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ خِلْقَةٍ، يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا، فَتَكُونُ ذَكَاتُهُ بِذَكَاتِهَا كَأَعْضَائِهَا، وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَيَوَانِ تَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ، إِلَّا بِأَنْ تُجْعَلَ ذَكَاةُ أُمِّهِ ذَكَاتَهُ، لَكِنِ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ ذَبْحَهُ لِيَخْرُجَ دَمُهُ،

فَصْلٌ وَيُكْرَهُ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَالذَّبْحُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، وَأَنْ يَحُدَّ السِّكِّينَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ (وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَمْ يُبَحْ إِلَّا بِذَبْحِهِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّهُ نَفْسٌ أُخْرَى، وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِحَيَاتِهِ، وَقُدِّمَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ أَنَّهُ كَالْمُنْخَنِقَةِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: إِنْ خَرَجَ حَيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهِ، وَعَنْهُ: يَحِلُّ بِمَوْتِهِ قَرِيبًا (وَسَوَاءٌ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ) لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ إِذَا أَشْعَرَ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: إِذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كَانَ النَّاسُ عَلَى إِبَاحَتِهِ إِلَى أَنْ جَاءَ النُّعْمَانُ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ، لِأَنَّ ذَكَاةَ نَفْسٍ لَا تَكُونُ ذَكَاةَ نَفْسَيْنِ، وَجَوَابُهُ: مَا سَبَقَ، وَحَكَمَ بِإِبَاحَتِهِ تَيْسِيرًا عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ تَحْرِيمُهُ كَتَحْرِيمِ أَبِيهِ، وَلَوْ وَجَأَ بَطْنَ أُمِّهِ فَأَصَابَ مَذْبَحَهُ يُذَكَّى وَالْأُمُّ مَيْتَةٌ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» مَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هُوَ ذَكَاةُ أُمِّهِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَذْكِيَتِهِ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَالْجُمْهُورِ، وَمَنْ نَصَبَ قَدَّرَهُ كَذَكَاةِ الْجَنِينِ فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ نُصِبَ، فَعَلَيْهِ يَفْتَقِرُ الْجَنِينُ إِلَى ذَبْحٍ مُسْتَأْنَفٍ، لَكِنْ قَدَّرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ النَّصْبِ، تَقْدِيرُهُ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ الْمَشْهُورَةِ.

[تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ]

فَصْلٌ (وَيُكْرَهُ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ سِيرِينَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ضَحَّى وَجَّهَ أُضْحِيَتَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقَالَ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: 79] » الْآيَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قُرْبَةً كَالْأُضْحِيَّةِ، فَكُرِهَ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَالْأَذَانِ، فَيُسَنُّ تَوْجِيهُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ، وَرِفْقُهُ بِهَا، وَحَمْلُهُ عَلَى الْآلَةِ بِقُوَّةٍ، وَإِسْرَاعُهُ

وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ، وَأَنْ يَكْسِرَ عُنُقَ الْحَيَوَانِ، أَوْ يَسْلُخَهُ حَتَّى يَبْرُدَ.
فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَأُكِلَتْ، وَإِذَا ذَبَحَ الْحَيَوَانَ، ثُمَّ غَرِقَ فِي مَاءٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتُلُ مِثْلَهُ، فَهَلْ يَحِلُّ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، كَذِي الظُّفُرِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا.

[المبدع في شرح المقنع]

بِالشَّحْطِ، (وَالذَّبْحُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ الْإِحْسَانَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، حَتَّى فِي حَالِ إِزْهَاقِ النُّفُوسِ، نَاطِقِهَا وَبَهِيمِهَا، وَلِأَنَّ الذَّبْحَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ فِيهِ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ (وَأَنْ يَحُدَّ السِّكِّينَ، وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ) لِأَنَّ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى شَاةٍ، وَهُوَ يَحُدُّ السِّكِّينَ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أَفْلَتَ الشَّاةَ، وَيُكْرَهُ ذَبْحُ شَاةٍ، وَالْآخَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ كَذَلِكَ، (وَأَنْ يَكْسِرَ عُنُقَ الْحَيَوَانِ، أَوْ يَسْلُخَهُ حَتَّى يَبْرُدَ) أَيْ: حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا «تَعْجَلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
وَعَنْ عُمَرَ مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ، وَحَرَّمَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَفْعَلُ، وَفِي التَّرْغِيبِ: يُكْرَهُ قَطْعُ رَأْسِهِ قَبْلَ سَلْخِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَفْعَلُ، وَكَذَا يُكْرَهُ قَطْعُ عُضْوٍ مِنْهُ قَبْلَ الزُّهُوقِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، (فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ، وَأُكِلَتْ) لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بَعْدَ حِلِّهَا وَذَبْحِهَا، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ ذَبَحَ دَجَاجَةً فَأَبَانَ رَأْسَهَا، فَقَالَ: يَأْكُلُهَا، قِيلَ لَهُ: وَالَّذِي بَانَ مِنْهَا؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَلَوْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَهُوَ مَيْتَةٌ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّ إِبَاحَتَهُ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالذَّبْحِ، وَلَيْسَ هَذَا بِذَبْحٍ، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَكْرَهُ نَفْخَ اللَّحْمِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: الَّذِي لِلْبَيْعِ، لِأَنَّهُ غِشٌّ.
(وَإِذَا ذَبَحَ الْحَيَوَانَ ثُمَّ غَرِقَ فِي مَاءٍ أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتُلُ مِثْلَهُ، فَهَلْ يَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . أَنَصُّهُمَا: لَا يَحِلُّ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُعِينُ عَلَى زُهُوقِ النَّفْسِ، فَيَحْصُلُ مِنْ سَبَبٍ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، قَدَّمَهَا فِي

وَإِنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا غَيْرَهُ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ شَحْمُ الثَّرْبِ وَالْكُلْيَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَحَكَاهُ عَنِ الْخِرَقِيِّ فِي كَلَامٍ مُفْرَدٍ، إلا

[المبدع في شرح المقنع]

الرِّعَايَةِ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِحُصُولِ ذَبْحِهِ، وَطُرْئَانِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ حَصَلَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالذَّبْحِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ مَا أَصَابَهُ، لِحُصُولِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِحِلِّهِ، (وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَذِي الظُّفُرِ) مِنَ الْإِبِلِ وَنَحْوِهَا، (لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَذَبْحُ مَا يَحِلُّ لَنَا أَشْبَهَ الْمُسْلِمَ، وَقُدِّمَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَقِيلَ: لَا، كَظَنِّهِ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ، ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذِي الظُّفُرِ كَالْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِ الشُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُنَا لَهُمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ تَحْرِيمَهَا، لِأَنَّ الْحُكْمَ لِاعْتِقَادِنَا.
مَسْأَلَةٌ: ذُو الظُّفُرِ مَا لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ، كَإِبِلٍ وَنَعَامٍ وَبَطٍّ وَوَزٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمِعَ، وَقِيلَ: هِيَ الْإِبِلُ خَاصَّةً، وَعِنْدَ ابْنِ قُتَيْبَةَ: هِيَ كُلُّ ذِي حَافِرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، (وَإِنْ ذَبَحَ) أَيِ: الْكِتَابِيُّ، (حَيَوَانًا غَيْرَهُ) أَيْ: مَا يَحِلُّ لَهُ، (لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ شَحْمُ الثَّرْبِ) وَهُوَ بِوَزْنِ فَلْسٍ، يُغْشِي الْكِرْشَ وَالْأَمْعَاءَ رَقِيقٌ، (وَالْكُلْيَتَيْنِ) وَاحِدُهَا كُلْيَةٌ وَكُلْوَةٌ، بِضَمِّ الْكَافِ فِيهَا، وَالْجَمْعُ: كُلْيَاتٌ وَكُلًى، (فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ) وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (وَحَكَاهُ عَنِ الْخِرَقِيِّ فِي كَلَامٍ مُفْرَدٍ) لِمَا «رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبْتُ مِنْ شَحْمِ يَوْمِ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا شَيْئًا، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَبَسِّمًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ أَبَاحَتِ اللَّحْمَ فَأَبَاحَتِ الشَّحْمَ، كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ، وَكَذَبْحِ حَنَفِيٍّ حَيَوَانًا فَتَبَيَّنَ حَامِلًا وَنَحْوَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْيَهُودِ شَحْمُ الثَّرْبِ وَالْكُلْيَةِ مِنْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: 146] أَيْ:

ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم وَاخْتَارَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي تَحْرِيمَهُ.
وَإِنْ ذَبَحَ لِعِيدِهِ، أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى شَيْءٍ يُعَظِّمُونَهُ لَمْ يَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا فَوَجَدَ فِي بَطْنِهِ جَرَادًا، أَوْ طَائِرًا فَوَجَدَ فِي

[المبدع في شرح المقنع]

حَرَّمْنَا عَلَى الْيَهُودِ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَجَمِيعَ شُحُومِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَهِيَ الثَّرْبُ وَالْكُلَى، (إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) مَا عَلِقَ بِالظَّهْرِ وَالْجَنْبِ مِنْ دَاخِلٍ، (أَوِ الْحَوَايَا) وَهِيَ: الْمَصَارِينُ، (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) هُوَ شَحْمُ الْإِلْيَةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ الْعَظْمِ، (وَاخْتَارَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي) وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، قَالَهُ فِي الْوَاضِحِ، وَصَحَّحَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، (تحريمه) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْبَهِيمَةِ لَمْ تُبَحْ لِذَابِحِهَا، فَلَمْ تُبَحْ لِغَيْرِهِ كَالدَّمِ، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الذَّكَاةَ تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَصْدِ، وَالْكِتَابِيُّ لَمْ يَقْصِدْ ذَكَاةَ هَذَا الشَّحْمِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّ مَعْنَى طَعَامِهِمْ ذَبَائِحُهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا مِنْهُمْ.
فَرْعٌ: يَحْرُمُ عَلَيْنَا إِطْعَامُهُمْ شَحْمًا مِنْ ذَبْحِنَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لبقاء تحريمه، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: نُسِخَ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا.
(وَإِنْ ذَبَحَ لِعِيدِهِ، أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى شَيْءٍ يُعَظِّمُونَهُ لَمْ يَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ طَعَامِهِمْ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الذَّكَاةَ، وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَعَنْهُ لَا تَحِلُّ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّهُ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: كَلُوا وَأَطْعِمُونِي.
رَوَاهُ سَعِيدٌ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ كُرَيْتٍ الْأَمْلُولِيِّ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَذَلِكَ، رَوَاهُمَا سَعِيدٌ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الشَّامِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَصَحِّ أَنْ يَذْكُرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُعْجِبُنِي مَا ذُبِحَ لِلزُّهَرَةِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْكَنِيسَةِ، وَكُلُّ شَيْءٍ ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَذَكَرَ الْآيَةَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا ذَبَحَهُ مُسْلِمٌ لِكِتَابِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا فَوَجَدَ فِي بَطْنِهِ جَرَادًا) أَوْ سَمَكَةً فِي بَطْنِ أُخْرَى (أَوْ طَائِرًا، فَوَجَدَ فِي حَوْصَلَتِهِ حَبًّا، أَوْ وَجَدَ الْحَبَّ فِي بَعْرِ الْجَمَلِ لَمْ يَحْرُمْ) صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ

حَوْصَلَتِهِ حَبًّا، أَوْ وَجَدَ الْحَبَّ فِي بَعْرِ الْجَمَلِ، لَمْ يَحْرُمْ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَالْجَدُّ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» . الْخَبَرَ.
وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ، لَا تُعْتَبَرُ لَهُ ذَكَاةٌ، فَأُبِيحَ كَالطَّافِي (وَعَنْهُ: يَحْرُمُ) لِأَنَّهُ رَجِيعٌ، فَيَكُونُ مُسْتَخْبَثًا، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يَحْرُمُ جَرَادٌ فِي بَطْنِ سَمَكٍ، لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، وَمَيْتَتُهُ حَرَامٌ، لَا الْعَكْسُ كَحِلِّ مَيْتَةِ صَيْدِ الْبَحْرِ.
تَنْبِيهٌ: يَحْرُمُ بَوْلُ طَاهِرٍ كَرَوْثِهِ، وَأَبَاحَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ رِوَايَةً فِي بَوْلِ الْإِبِلِ وِفَاقًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ فِيهِ: لَا، وَكَلَامُهُ فِي الْخِلَافِ يَدُلُّ عَلَى حِلِّ بَوْلِهِ وَرَوْثِهِ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ يُحَلِّلُهُ كَاللَّبَنِ، وَبِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلَّحْمِ، وَاحْتَجَّ فِي الْفُصُولِ بِإِبَاحَةِ شُرْبِهِ كَاللَّبَنِ، وَدَلَّتْ عَلَى الْوَصْفِ قِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ.

كِتَابُ الصَّيْدِ وَمَنْ صَادَ صَيْدًا فَأَدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ.
فَإِنْ خَشِيَ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الصَّيْدِ]

[حِلُّ الصَّيْدِ بِالذَّكَاةِ]

وَهُوَ: فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ صَيْدًا فَهُوَ صَائِدٌ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَصِيدِ، تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] الْآيَةَ، وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، مِنْهَا حَدِيثُ عَدِيٍّ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا حَلَالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ لَنَا صَيْدُهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَيُكْرَهُ لَهْوًا، وَهُوَ أَطْيَبُ مَأْكُولٍ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: الزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ مَكْسَبٍ، وَقِيلَ: عَمَلُ الْيَدِ، وَقِيلَ: التِّجَارَةُ، وَأَفْضَلُهَا فِي بَزٍّ، وَعِطْرٍ، وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ، وَمَاشِيَةٍ، وَأَبْغَضُهَا فِي رَقِيقٍ، وَصُوفٍ، وَأَفْضَلُ الصَّنَائِعِ خِيَاطَةٌ، مَعَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا نَصَحَ فِيهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَأَدْنَاهَا حِيَاكَةٌ وَحِجَامَةٌ وَنَحْوُهُمَا، وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً: صَبْغٌ وَصِيَاغَةٌ وَحِدَادَةٌ وَنَحْوُهَا.
(وَمَنْ صَادَ صَيْدًا فَأَدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ) يَعْنِي: إِذَا أَدْرَكَهُ مُتَحَرِّكًا فَوْقَ حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِتَذْكِيَتِهِ لَمْ يُبَحْ إِلَّا بِهَا، ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ،

مَوْتَهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ، أَرْسَلَ الصَّائِدَ لَهُ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَحِلَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحِلُّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَحِلُّ إِلَّا أَنْ يُذَكِّيَهُ.

وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ مَا قُدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَيِّ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَعَنْهُ: يَحِلُّ بِمَوْتِهِ قَرِيبًا، وَعَنْهُ: دُونَ مُعْظَمِ يَوْمٍ، وَفِي التَّبْصِرَةِ: دُونَ نِصْفِهِ، (فَإِنْ خَشِيَ مَوْتَهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ أَرْسَلَ الصَّائِدَ لَهُ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ صَيْدٌ قَتَلَهُ الْجَارِحُ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِمْكَانِ ذَكَاتِهِ فَأُبِيحَ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا، وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيُّ: أَشْلَى الصَّائِدَ، وَفِي الْمُغْنِي: مَعْنَى أَشْلَى فِي الْعَرَبِيَّةِ: دَعَاهُ، إِلَّا أَنَّ الْعَامَّةَ تَسْتَعْمِلُهُ بِمَعْنَى: أَغْرَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ أَرَادَ دَعَاهُ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْشَ مَوْتَهُ أَوْ وَجَدَ مَعَهُ مَا يُذَكِّيهِ بِهَا لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِهَا، لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى ذَكَاتِهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الذَّهَابُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيُذَكِّيَهِ، (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ، لَمْ يَحِلَّ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، لِأَنَّ الْإِرْسَالَ ذَكَاةٌ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَحِلَّ فَكَذَا هُنَا، (وَقَالَ الْقَاضِي) وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا: (يَحِلُّ) بِالْإِرْسَالِ، قَالَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، لِأَنَّ إِدْرَاكَ الصَّيْدِ بِلَا آلَةٍ تَذْكِيَةٌ كَلَا إِدْرَاكٍ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ حَيًّا لَحَلَّ، فَكَذَا إِذَا أَدْرَكَهُ بِلَا آلَةٍ، (وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَحِلُّ إِلَّا أَنْ يُذَكِّيَهُ) وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يُبَحْ بِقَتْلِ الْجَارِحِ كَالْأَنْعَامِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُبَاحُ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ، إِذَا كَانَتْ مَعَهُ فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِهَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةٌ كَسَائِرٍ الْمَقْدُورِ عَلَى تَذْكِيَتِهِ، وَمَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا يَخَافُ مَوْتَهُ إِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْحَيَوَانُ أَوْ يُذَكّى، فَإِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِالذَّكَاةِ.
فَرْعٌ: إِذَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبْحِ، فَجَعَلَ يَعْدُو مِنْهُ يَوْمَهُ حَتَّى مَاتَ تَعَبًا وَنَصَبًا حَلَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْإِتْعَابَ يُعِينُهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَصَارَ كَالْمَاءِ

[رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ]

(وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ) أَيْ: مَنَعَهُ مِنَ الِامْتِنَاعِ، وَحَبَسَهُ عَنْهُ مَلَكَهُ، (ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ، لَمْ

فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، وَلِمَنْ أَثْبَتَهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ، إِلَّا أَنْ يُصِيبَ الْأَوَّلُ مَقْتَلَهُ دُونَ الثَّانِي، أَوْ يُصِيبَ الثَّانِي مَذْبَحَهُ فَيَحِلَّ، وَعَلَى الثَّانِي مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ.

وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ، وَمَتَى أَدْرَكَهُ مَيِّتًا حَلَّ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، فَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ صَيْدًا،

[المبدع في شرح المقنع]

يَحِلَّ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُبَحْ إِلَّا بِذَبْحِهِ، (وَلِمَنْ أَثْبَتَهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ، (إِلَّا أَنْ يُصِيبَ الْأَوَّلُ مَقْتَلَهُ دُونَ الثَّانِي، أَوْ يُصِيبَ الثَّانِي مَذْبَحَهُ فَيَحِلَّ) لِأَنَّهُ ذَكَاةٌ، فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْأَوَّلُ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَبَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وإن اتفقا عَلَى السَّابِقِ، وَأَنْكَرَ الثَّانِي كَوْنَ الْأَوَّلِ أَثْبَتَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَوَّلِ لِاعْتِرَافِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وَيَحِلُّ لِلثَّانِي، فَإِنْ رَمَيَاهُ وَوَجَدَاهُ مَيِّتًا، وَلَمْ يُعْلَمْ مَنْ أَثْبَتَهُ مِنْهُمَا، فَهُوَ بَيْنُهُمَا، وَإِنْ وَجَدَاهُ مَيِّتًا حَلَّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ، (وَعَلَى الثَّانِي مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ سِوَى ذَلِكَ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إِذَا رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ، ثُمَّ إِنْ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَصَابَ مَقْتَلَهُ، وَالثَّانِي مَذْبَحَهُ قَصْدًا حَلَّ، وَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ غُرْمُ مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ، وَقِيلَ: بَلْ مَا بَيْنَ كَوْنِهِ حَيًّا مَجْرُوحًا وَكَوْنِهِ مُذَكًّى، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ يَحْرُمُ، وَعَلَى الثَّانِي قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ، إِنْ لَمْ يُدْرِكِ الْأَوَّلُ ذَبْحَهُ بَلْ مَيِّتًا، أَوْ كَمَذْبُوحٍ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَلَمْ يَذْبَحْهُ فَمَاتَ ضَمِنَهُ الثَّانِي كَذَلِكَ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحَيْنِ مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ، وَعِنْدِي: إِنَّمَا يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ.

[شُرُوطُ حِلِّ الصَّيْدِ]

[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ]

(وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ) أَيْ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ، لِأَنَّ عَقْرَهُ كَذَكَاتِهِ، (وَمَتَّى أَدْرَكَهُ مَيِّتًا حَلَّ) لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ أُقِيمَ مَقَامَ الذَّكَاةِ، وَالْجَارِحُ لَهُ آلَةُ السِّكِّينِ، وَعَقْرُهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ، (بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالصَّائِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكِّي فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ، وَفِي الْمَجُوسِيِّ رِوَايَةٌ فِي مَا صَادَهُ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ: أَنَّهُ لَا

أَوْ أَرْسَلَا عَلَيْهِ جَارِحًا، أَوْ شَارَكَ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ، لَمْ يَحِلَّ.

[المبدع في شرح المقنع]

يَحِلُّ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ الْكُلَاعِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُونَ مِنْ صَيْدِ الْمَجُوسِ.
إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّامِيِّينَ حُجَّةٌ.
وَفِي الْأَعْمَى قُوَيْلٌ لِابْنِ حَمْدَانَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِتَعَذُّرِ قَصْدِهِ صَيْدًا مُعَيَّنًا، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ: أَنَّ مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذَكَاةٍ كَالْحُوتِ إِذَا صَادَهُ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَكَاتُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا، (فَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَا عَلَيْهِ جَارِحًا) أَوْ جَارِحًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ، أَوْ غَيْرَ مُسَمًّى عَلَيْهِ، (أَوْ شَارَكَ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ) أَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا لَا يَعْرِفُ مُرْسِلَهُ، أَوْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ، أَوْ مَعَ سَهْمِهِ سَهْمًا كَذَلِكَ، (لَمْ يَحِلَّ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، فَغَلَّبْنَا التَّحْرِيمَ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْمُبِيحِ رُدَّ إِلَى أَصْلِهِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ، فَاسْتَرْسَلَ مَعَهُ آخَرَ بِنَفْسِهِ.
فَرْعٌ إِذَا أَرْسَلَ جَمَاعَةٌ كِلَابًا بِشَرْطِهِ، وَسَمَّوْا، فَوَجَدُوا الصَّيْدَ قَتْلًا، لَا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَهُ، حَلَّ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَوْ كَانَتِ الْكِلَابُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهُوَ بَيْنُهُمْ، وَإِلَّا كَانَ لِمَنْ كَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَعَلَى مَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ كَانَ قَتِيلًا وَالْكِلَابُ نَاحِيَةً وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ خِيفَ فَسَادُهُ بَاعُوهُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى ثَمَنِهِ.
(وَإِنْ أَصَابَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا الْمَقْتَلَ دُونَ الْآخَرِ فَالْحُكْمُ لَهُ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ

وَإِنْ أَصَابَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا الْمَقْتَلَ دُونَ الْآخَرِ فَالْحُكْمُ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحِلَّ، وَإِنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ، فَقَتَلَهُ، حَلَّ.
وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ حَلَّ، وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ، وَإِنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبًا، فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ، حَلَّ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ الْمَجُوسِيُّ، فَزَجَرَهُ الْمُسْلِمُ، لَمْ يَحِلَّ.
.

[المبدع في شرح المقنع]

وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَفِي الشَّرْحِ: فَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَقْتَلَهُ دُونَ الْآخَرِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ قَدْ عَقَرَهُ مُوحِيًا، ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي وهو غير مُوحٍ، فَالْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ الثَّانِي مُوحِيًا، فَهُوَ مُبَاحٌ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُسْلِمًا، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ حَصَلَتْ بِهِ، (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحِلَّ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الرَّوْضَةِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ إِرْسَالِهِ لَهُ، لَكِنْ لَوْ أَثْخَنَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، حَرُمَ، وَيَضْمَنُهُ لَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا رَمَى سَهْمًا ثُمَّ ارْتَدَّ، أَوْ مَاتَ بَيْنَ رَمْيِهِ وَإِصَابَتِهِ، حَلَّ.
(وَإِنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ حَلَّ) لِأَنَّ جَارِحَةَ الْمُسْلِمِ انْفَرَدَتْ بِقَتْلِهِ فَأُبِيحَ، كَمَا لَوْ رَمَى الْمَجُوسِيُّ سَهْمَهُ، فَرَدَّ الصَّيْدَ، فَأَصَابَهُ سَهْمُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ، أَوْ أَمْسَكَ الْمَجُوسِيُّ شَاةً فَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ، (وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ حَلَّ) وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، ذُكِرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وِفَاقًا، وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَا وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، لِأَنَّهُ آلَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بِقُوَّتِهِ وَسَهْمِهِ، (وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ) وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] وَكَلْبُ الْمَجُوسِيِّ غَيْرُ مُعَلَّمٍ مِنْ مُسْلِمٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى إِبَاحَةِ الصَّيْدِ بِمَا عَلَّمْنَاهُ وَمَا عَلَّمَهُ غَيْرُنَا، فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: جَابِرٌ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، (وَإِنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَمْ يَحِلَّ) فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ صَادَ بِقَوْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، (وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبًا فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ) فَزَادَ عَدْوُهُ أَوْ ذَبَحَ مَا أَمْسَكَهُ لَهُ مَجُوسِيٌّ بِكَلْبِهِ وَقَدْ جَرَحَهُ غَيْرُ مُوحٍ، (حَلَّ) ؛ لِأَنَّ الصَّائِدَ هُوَ الْمُسْلِمُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، (وَإِنْ أَرْسَلَهُ الْمَجُوسِيُّ

فَصْلٌ الثَّانِي: الْآلَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ، مُحَدَّدٌ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَرْحِهِ بِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِثَقْلَةٍ لَمْ يُبَحْ.
وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ أَكَلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ، وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ أَوْ سَكَاكِينَ، وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا، فَقَتَلَتْ صَيْدًا أُبِيحَ، وَإِنْ قَتَلَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَزَجَرَهُ الْمُسْلِمُ) وَقِيلَ: وَلَمْ يَزِدْ عَدْوُ كَلْبِهِ بِزَجْرِ الْمُسْلِمِ، (لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّ الصَّائِدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ إِذِ الْعِبْرَةُ بِالْإِرْسَالِ.

[الشَّرْطُ الثَّانِي الْآلَةُ]

[أَنْوَاعُ الْآلَةِ]

[النَّوْعُ الْأَوَّلُ مُحَدَّدٌ]

فَصْلٌ (الثَّانِي: الْآلَةُ وَهِيَ نَوْعَانِ مُحَدَّدٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ) لِأَنَّهَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِلْمُحَدَّدِ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ، (وَلَا بُدَّ مِنْ جَرْحِهِ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدِيٍّ: «مَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ قَتَلَهُ بِثَقْلَةٍ لَمْ يُبَحْ) لِأَنَّهُ وَقِيذٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ بِشَبَكَةٍ أَوْ فَخٍّ أَوْ بُنْدُقَةٍ، وَلَوْ شَدَخَتْهُ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ (وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ) قَالَ فِي الْمَشَارِقِ: هُوَ خَشَبَةٌ مُحَدَّدَةُ الطَّرَفِ، وَقِيلَ: فِيهِ حَدِيدَةٌ، (أَكَلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ) قَالَ أَحْمَدُ: الْمِعْرَاضُ يُشْبِهُ السَّهْمَ، يُحْذَفُ بِهِ الصَّيْدُ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ، فَخَرَقَ، فَهُوَ مُبَاحٌ، (دُونَ عَرْضِهِ) لِلْخَبَرِ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: وَلَمْ يَجْرَحْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ، لِأَنَّهُ وَقِيذٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَحُكْمُ الصَّوَّانِ الَّذِي لَهُ حَدٌّ كَالْمِعْرَاضِ، (وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ أَوْ سَكَاكِينَ، وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا فَقَتَلَتْ صَيْدًا أُبِيحَ) إِذَا جَرَحَهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، لِأَنَّ النَّصْبَ جَرَى مَجْرَى الْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ، فَكَذَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُبَاحُ بِحَالٍ، كَمَا لَوْ نَصَبَ سِكِّينًا فَذَبَحَتْ شَاةً، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَمَى سَهْمًا، وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا، فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ، وَهَذَا أَوْلَى، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ.» وَلِأَنَّهُ قَتَلَ الصَّيْدَ بِمَا لَهُ حَدٌّ، جَرَتِ الْعَادَةُ بِالصَّيْدِ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ وَفَارَقَ مَا إِذَا نَصَبَ سِكِّينًا، فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالصَّيْدِ بِهَا، وَإِذَا

بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ، لَمْ يُبَحْ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ.
وَلَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجُرْحُ مُوحِيًا كَالذَّكَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ،

[المبدع في شرح المقنع]

رَمَى سَهْمًا وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعْتَادٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ صَيْدًا فَلَمْ يَصِحَّ قَصْدُهُ بِخِلَافِ هَذَا، وَقِيلَ: يَحِلُّ مُطْلَقًا، فَإِنْ بَانَ مِنْهُ عُضْوٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَائِنِ بِضَرْبَةِ الصَّائِدِ، وَحَيْثُ حَلَّ فَظَاهِرُهُ يَحِلُّ، وَلَوِ ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ، (وَإِنْ قَتَلَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ، لَمْ يُبَحْ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ) كَذَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، فَغُلِّبَ الْمُحَرَّمُ، وَكَسَهْمَيْ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ ضَرَرِ السُّمِّ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ: إِذَا اجْتَمَعَ فِي الصَّيْدِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمُثَقِّلٍ وَمُحَدَّدٍ، أَوْ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَغَيْرِهِ، إِلَى آخِرِهِ، لَمْ يُبَحْ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ.» وَبِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْمُبِيحِ رُدَّ إِلَى أَصْلِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَعَانَ لَمْ يَأْكُلْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَيْسَ هَذَا فِي كَلَامِ أَحْمَدَ بِمُرَادٍ، وَفِي الْفُصُولِ: إِذَا رُمِيَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ لَمْ يُبَحْ، لَعَلَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَارَكَ السَّهْمَ تَغْرِيقٌ بِالْمَاءِ، (وَلَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِالْمُشَارِكِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجُرْحُ مُوحِيًا كَالذَّكَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، أَشْهَرُهُمَا، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ: أَنَّهُ يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، أَشْبَهَ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحِلُّ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ بِالذَّبْحِ، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فَإِنْ «وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلَا خِلَافَ في تحريمه إِذَا كَانَتْ الجراح غير مُوحِيَة، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ

فَمَاتَ، حَلَّ.
وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيْرَ سَهْمِهِ، حَلَّ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ مُوحِيَةً حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَهُ فِي يَوْمِهِ حَلَّ، وَإِلَّا

[المبدع في شرح المقنع]

خَارِجًا مِنَ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ فِي إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّ التَّرَدِّيَ وَالْوُقُوعَ إِنَّمَا حَرَّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا، أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ، وَهَذَا مُنْتَفٍ هُنَا، (وَإِنْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ) أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ جَبَلٍ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْعُلُوِّ لَعَمَّ، (فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، حَلَّ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ زُهُوقُ رُوحِهِ بِالرَّمْيِ، لَا بِالْوُقُوعِ، وَعَنْهُ: يَحِلُّ بِجَرْحٍ مُوحٍ، جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: 3] ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ سُقُوطَهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ، كَمَا لَوْ أَصَابَهُ فَوَقَعَ عَلَى جَنْبِهِ، وَالْمَاءُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيْرَ سَهْمِهِ، حَلَّ) فِي الْأَشْهَرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنِي فِي سَهْمِي، قَالَ: مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ فَكُلْ.
قَالَ: فَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي، قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ غَيْرَ سَهْمِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ جَرْحَهُ بِسَهْمِهِ سَبَبُ إِبَاحَتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ يَقِينًا، وَالْمُعَارِضُ لَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ وَجَدَهُ بِفَمِ كَلْبِهِ، أَوْ وَهُوَ يَعْبَثُ بِهِ، أَوْ سَهْمَهُ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً أَوْ لَا، وَجَدَهُ مَيِّتًا فِي يَوْمِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، لَكِنْ لَوْ غَابَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْإِصَابَةِ، ثُمَّ وَجَدَهُ عَقِيرًا وَحْدَهُ وَالسَّهْمَ وَالْكَلْبَ نَاحِيَةً، لَمْ يُبَحْ، (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ مُوحِيَةً حَلَّ) لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ إِسْنَادُ الزُّهُوقِ إِلَيْهِ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مُوحِيًا لَمْ يَظْهَرْ إِسْنَادُ الزُّهُوقِ إِلَيْهِ، (وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَهُ فِي يَوْمِهِ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا رَمَيْتَ فَأَقْعَصْتَ فَكُلْ، وَإِنْ رَمَيْتَ فَوَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ مِنْ يَوْمِكَ أَوْ لَيْلَتِكَ فَكُلْ، وَإِنْ غَابَ عَنْكَ فَلَا تَأْكُلْ، لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حَدَثَ بَعْدَكَ.
لَا يُقَالُ: الْأَوَّلُ مُطْلَقٌ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُتَبَيِّنٌ

فَلَا.
وَإِنْ وَجَدَ بِهِ غَيْرَ أَثَرِ سَهْمِهِ مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ لَمْ يُبَحْ، وَإِنْ ضَرَبَهُ فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ يُبَحْ مَا أَبَانَ مِنْهُ، وَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْده حَلَّ، وَإِنْ أَبَانَهُ وَمَاتَ فِي الْحَالِ، حَلَّ الْجَمِيعُ، وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ

[المبدع في شرح المقنع]

لَهُ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ، فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ» . وَعَنْهُ: إِنْ غَابَ مُدَّةً قَرِيبَةً حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ غَابَ نَهَارًا حَلَّ، لَا لَيْلًا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ اللَّيْلِ تَخَطُّفُ الْهَوَامِّ.
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ أَكْلُ مَا غَابَ، (وَإِنْ وَجَدَ بِهِ غَيْرَ أَثَرِ سَهْمِهِ، مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، لَمْ يُبَحْ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْأَخْبَارِ، وَكَمَا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا سِوَاهُ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا هُنَا بِالظَّنِّ، كَالسَّهْمِ الْمَسْمُومِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَتَوَجَّهُ التَّسْوِيَةُ لِعَدَمِ الْفَرْقِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّنِّ الِاحْتِمَالُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْأَثَرُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ، فَهُوَ مُبَاحٌ، لِأَنَّ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا غَابَ قَبْلَ عَقْرِهِ، ثُمَّ وَجَدَ سَهْمَهُ أَوْ كَلْبَهُ عَلَيْهِ، فَفِي الْمُنْتَخَبِ وَالْمُغْنِي: إِنَّهُ حَلَالٌ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ كَمَا لَوْ وَجَدَ سَهْمَهُ أَوْ كَلْبَهُ نَاحِيَتَهُ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَحَنْبَلٍ حِلُّهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، (وَإِنْ ضَرَبَهُ فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ يُبَحْ مَا أَبَانَ مِنْهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» . وَعَنْهُ: إِنْ ذُكِّيَ حَلَّ الْبَائِنُ، وَإِنْ كَثُرَ كَبَقِيَّتِهِ، وَإِنْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ، أَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ، حَلَّ الْجَمِيعُ، فَإِنْ لَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ فَرِوَايَتَانِ، أَشْهَرُهُمَا: إِبَاحَتُهُمَا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ مِنْهُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ مَا كَانَ ذَكَاةً لِبَعْضِهِ كَانَ ذَكَاةً لِجَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي حَيًّا حَتَّى يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ مَيِّتًا.
(وَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبِنْ، (وَإِنْ أَبَانَهُ وَمَاتَ فِي الْحَالِ، حَلَّ الْجَمِيعُ) عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ، (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ مِنْهُ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْحَيَاةِ فِي الْعَادَةِ، فَلَمْ يُبَحْ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ الصَّيَّادُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَجَوَابُهُ سَبَقَ، بِدَلِيلِ الْمَذْبُوحِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا بَقِيَ سَاعَةً، وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى

مِنْهُ، وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ وَنَحْوِهِ، وَأَفْلَتَ حَيًّا، أُبِيحَ مَا أَخَذَ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ وَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالشَّبَكَةِ وَالْفَخِّ، فَلَا يُبَاحُ مَا قُتِلَ بِهِ، لِأَنَّهُ وَقِيذٌ.

[المبدع في شرح المقنع]

يَمُوتَ، وَمَعَ هَذَا هُوَ حَلَالٌ، (وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ وَنَحْوِهِ، وَأَفْلَتَ حَيًّا، أُبِيحَ مَا أَخَذَ مِنْهُ) لِأَنَّ أَقْصَى مَا فِيهِ أَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ لِلْخَبَرِ.
تَذْنِيبٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِصَيْدِ اللَّيْلِ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَرِهَهُ، وَلَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ صَيْدَ الْفِرَاخِ الصِّغَارِ مِنْ أَوْكَارِهَا، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الصَّيْدِ الْوَحْشِيِّ بِاللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ أَوْكَارِهَا، وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالطَّرِيدَةِ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَقَعَ الصَّيْدُ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَيَقْطَعَ كُلٌّ مِنْهُمْ قِطْعَةً بِسَيْفِهِ، حَتَّى يُؤْتَى عَلَى آخِرِهِ، وَهُوَ حَيٌّ، قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إِلَّا أَنْ يَصِيدَ الصَّيْدَ، يَقَعُ بَيْنَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ، وَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، (وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ، وَالْحَجَرِ) الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، (وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْفَخِّ، فَلَا يُبَاحُ مَا قُتِلَ بِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ.
وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ عَمَّارٌ: إِذَا رَمَيْتَ بِالْحَجَرِ أَوِ الْمِعْرَاضِ أَوِ الْبُنْدُقَةِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَإِنْ قَلَّ.
وَجَوَابُهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ [المائدة: 3] الْآيَةَ، (لِأَنَّهُ وَقِيذٌ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ، فَوَجَبَ أَلَّا يُبَاحَ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ شَاةً بِعَصَا فَمَاتَتْ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمَوْقُوذَةُ الَّتِي تُضْرَبُ حَتَّى تُوقَذَ، أَيْ: تُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا، فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، دَلِيلُ الْأَكْثَرِ مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا: «إِذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَرَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْمِعْرَاضِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْبُنْدُقَةِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يَلْقَ عَدِيًّا، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلَوْ شَدَخَهُ أَوْ خَرَقَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَارِحَةُ، فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً، إِلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، فَلَا يُبَاحُ صَيْدُهُ.
وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ: مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ، فَتَعْلِيمُهُ بِثَلَاثَةِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ الصَّيْدُ بِمُثَقِّلٍ لَا يَجْرَحُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

[النَّوْعُ الثَّانِي الْجَارِحَةُ]

(النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَارِحَةُ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا فِيمَا إِذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، وَكُلُّ سَبْعٍ مِنْ طَيْرٍ أَوْ ذِي أَرْبَعٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، وَلَمْ يُدْرَكْ فِيهِ حَيَاةٌ أَصْلًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَلَوْ ذُكِّيَ، وَحِينَئِذٍ مَا قَتَلَتْهُ الْجَارِحَةُ جَرْحًا، وَعَنْهُ: وَصَدْمًا وَخَنْقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، فَيُبَاحُ، (إِلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ) وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَالْمُؤَلِّفُ: هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنٌ سِوَاهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنٌ آخَرُ فَهُوَ بَهِيمٌ، قِيلَ لَهُمَا: مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، قَالَا: نَعَمْ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ، يَعْنِي مِنَ السَّلَفِ، (فَلَا يُبَاحُ صَيْدُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ شَيْطَانٌ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهُوَ الْعِلَّةُ، وَالسَّوَادُ عَلَامَةٌ، كَمَا يُقَالُ إِذَا رَأَيْتَ صَاحِبَ السِّلَاحِ فَاقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ فَالْعِلَّةُ الرِّدَّةُ، وَنَقَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرَاهَةَ، وَأَبَاحَهُ الْأَكْثَرُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَكَغَيْرِهِ مِنَ الْكِلَابِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ بَلَى، وَمِثْلُهُ فِي أَحْكَامِهِ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ كَخِنْزِيرٍ، قَالَ جَمَاعَةٌ: يُقْتَلُ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَنَقَلَ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
1

أَشْيَاءَ: بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ، وَلَا يُعْتَبَرْ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ، وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى: يَحِلُّ.
وَالثَّانِي: ذُو الْمِخْلَبِ كَالْبَازِيِّ وَالصَّقْرِ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ) وَفِي الْمُذْهَبِ وَالتَّرْغِيبِ: وَالنَّمِرِ، (فَتَعْلِيمُهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ) لَا فِي وَقْتِ رُؤْيَتِهِ لِلصَّيْدِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، (وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْمُعَلَّمِ تُرْكُ الْأَكْلِ، فَكَانَ شَرْطًا كَالِانْزِجَارِ إِذَا زُجِرَ، وَهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْخِصَالَ تُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْكَلْبِ، فَإِنَّهُ الَّذِي يُجِيبُ صَاحِبَهُ إِذَا دَعَاهُ وَيَنْزَجِرُ إِذَا زُجِرَ، وَالْفَهْدُ لَا يَكَادُ يُجِيبُ دَاعِيًا وَإِنْ عُدَّ مُتَعَلِّمًا فَيَكُونُ التَّعْلِيمُ فِي حَقِّهِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ خَاصَّةً، أَوْ بِمَا يُعِدُّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ مُتَعَلِّمًا، (وَلَا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ) اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ صَنْعَةً أَشْبَهَ سَائِرَ الصَّنَائِعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يَصِيرَ فِي الْعُرْفِ مُعَلَّمًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثٌ، نَصَرَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّ تَرْكَ الْأَكْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِبَعٍ أَوْ عَارِضٍ فَيُعْتَبَرُ تَكْرَارُهُ، وَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ ثَلَاثًا كَالِاسْتِجْمَارِ وَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي الْعِدَّةِ، وَالصَّنَائِعِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا إِلَّا مَنْ تَعَلَّمَهَا، وَتَرْكُ الْأَكْلِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ مِنَ الْمُتَعَلِّمِ وَغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا يَحِلُّ فِي الرَّابِعَةِ، وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ فَيَحِلُّ فِي الثَّالِثَةِ، (فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَعَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّعْلِيمِ فِيهِ، فَلَا يَحْرُمُ بِالِاحْتِمَالِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعَلَّمًا مَا أَكَلَ، (وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ

وَالْعُقَابِ وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرَ تَرْكُ الْأَكْلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنَقَهُ لَمْ يُبَحْ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ.
وَمَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[المبدع في شرح المقنع]

الصَّحِيحَةُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ» . وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: حِينَ الصَّيْدِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: قَبْلَ مُضِيِّهِ، وَلَا يَخْرُجُ بِأَكْلِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، فَيُبَاحُ صَيْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، (وَالْأُخْرَى: يَحِلُّ) رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَحْمَدُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] وَلَا حُجَّةَ فِيهَا، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ وَأَصَحُّ، فَلَوْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الِانْتِصَارِ: مِنْ دَمِهِ الَّذِي جَرَى، وَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
1 - (وَالثَّانِي: ذُو الْمِخْلَبِ كَالْبَازِيِّ، وَالصَّقْرِ، وَالْعُقَابِ، وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ.
رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَلِأَنَّ تَعْلِيمَهُ بِالْأَكْلِ، وَيَتَعَذَّرُ تَعْلِيمُهُ بِدُونِهِ، فَلَمْ يَقْدَحْ فِي تَعْلِيمِهِ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ، (وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِهِ، أَوْ خَنَقَهُ، لَمْ يُبَحْ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ جَرْحٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالْحَجَرِ وَالْبُنْدُقِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْعُمُومَ فِيهِمَا مَخْصُوصٌ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ إِبَاحَتِهِ.

(وَمَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَحَالِّ.
وَالثَّانِي: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ أَمَرَا بِأَكْلِهِ، وَلَمْ يَأْمُرَا بِغَسْلِهِ.

فَصْلٌ الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا لِلصَّيْدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ، أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ وَإِنْ زَجَرَهُ، إِلَّا أَنْ يَزِيدَ عَدْوُهُ بِزَجْرِهِ، فَيَحِلَّ.
وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ فَقَتَلَ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيْدَ، وَلَا يَرَى صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ إِذَا

[المبدع في شرح المقنع]

[فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا لِلصَّيْدِ]

فصل (الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا لِلصَّيْدِ) فَعَلَى هَذَا لَوْ سَقَطَ سَيْفٌ مِنْ يَدِهِ عَلَيْهِ، فَعَقَرَهُ، أَوِ احْتَكَّتْ شَاةٌ بِشَفْرَةٍ فِي يَدِهِ، لَمْ تَحِلَّ (فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ، أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُؤْكَلُ إِذَا جَرَحَهُ الصَّائِدُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا سَمَّى عِنْدَ انْفِلَاتِهِ أُبِيحَ، وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكِلَابِ تَنْفَلِتُ مِنْ مَرَابِطِهَا، فَتَصِيدُ الصَّيْدَ، قَالَ: إِذَا سَمَّى فَكُلْ، قَالَ الْخَلَّالُ: هَذَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ إِرْسَالَ الْجَارِحَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، وَلِهَذَا اعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ مَعَهُ، (وَإِنْ زَجَرَهُ) أَيْ: لَمْ يَحِلَّ، لِأَنَّ الزَّجْرَ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا عَنِ اسْتِرْسَالِ الصَّائِدِ بِنَفْسِهِ، (إِلَّا أَنْ يَزِيدَ عَدْوُهُ بِزَجْرِهِ فَيَحِلَّ) لِأَنَّ زَجْرَهُ لَهُ أَثَّرَ فِي عَدْوِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ، لِأَنَّ فِعْلَ الْآدَمِيِّ إِذَا انْضَافَ إِلَى فِعْلِ الْبَهِيمَةِ، كَانَ الِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَدَا عَلَى إِنْسَانٍ، فَأَغْرَاهُ آدَمِيٌّ فَأَصَابَهُ، ضَمِنَ، فَلَوْ أَرْسَلَهُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، ثُمَّ سَمَّى وَزَجَرَهُ، فَزَادَ عَدْوُهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: إِبَاحَتُهُ، لِأَنَّهُ انْزَجَرَ بِتَسْمِيَتِهِ وَزَجْرِهِ، أَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا، لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِالْإِرْسَالِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: إِنْ صَادَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ لَا يُعْجِبُنِي، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَفِي الرَّوْضَةِ: إِنِ اسْتَرْسَلَ الطَّائِرُ بِنَفْسِهِ فَصَادَ وَقَتَلَ، حَلَّ وَأَكَلَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ، (وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ، أَوْ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ) وَهُوَ كُلُّ مُرْتَفَعٍ مِنْ بِنَاءٍ، أَوْ كَثِيبِ رَمْلٍ، أَوْ جَبَلٍ، (فَقَتَلَ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيْدَ، وَلَا يَرَى صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ إِذَا قَتَلَهُ) لِأَنَّ قَصْدَ الصَّيْدِ شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ فِي السَّهْمِ (وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدًا عَلَى

قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ.
وَإِنْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ غَيْرَهُ حَلَّ، وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ جَمَاعَةً حَلَّ، وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ فَقَتَلَتْهُ، وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ - حَلَّ، وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ، فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيْمَةَ إِنْسَانٍ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ لِآخِذِهِ، وَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ صَيْدٌ، فَإِنْ خَرَقَهَا، وَذَهَبَ بِهَا،

[المبدع في شرح المقنع]

الْحَقِيقَةِ، وَكَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ ظَنَّهُ أَوْ عَلِمَهُ غَيْرَ صَيْدٍ، فَأَصَابَ صَيْدًا، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ) اخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ تَنْبَنِي عَلَى الظَّنِّ، وَقَدْ وُجِدَ وَصَحَّ، وَكَمَا لَوْ رَمَى غَيْرُهُ، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَكَّ، هَلْ هُوَ صَيْدٌ أَمْ لَا؛ لَمْ يُبَحْ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ تَنْبَنِي عَلَى الْعِلْمِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
تَتِمَّةٌ: إِذَا قَصَدَ إِنْسَانًا أَوْ حَجَرًا، أَوْ رَمَى عَبَثًا غَيْرَ قَاصِدٍ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدًا، لِكَوْنِ الصيد لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَإِنْ ظَنَّهُ صَيْدًا، فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ حَلَّ، وَإِنْ ظَنَّهُ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا، لَمْ يُبَحْ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ رَمَى مَا ظَنَّهُ حَجَرًا، أَوْ آدَمِيًّا، فَبَانَ صَيْدًا، أَوْ رَمَى حَجَرًا ظَنَّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، أَوْ سَمِعَ حِسٍّا لَيْلًا، أَوْ رَأَى سَوَادًا، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً، أَوْ سَهْمَهُ، فَأَصَابَ صَيْدًا فَوَجْهَانِ.
وَقِيلَ: إِنْ ظَنَّهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، أَوْ بَهِيمَةً، أَوْ حَجَرًا، فَقَتَلَهُ، فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ، لَمْ يُبَحْ، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ، حَلَّ) وَالْجَارِحُ كَالسَّهْمِ فِي هَذَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ، فَحَلَّ مَا صَادَهُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَهَا عَلَى كِبَارٍ فَتَفَرَّقَتْ عَنْ صِغَارٍ، أَوْ كَمَا لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فِي طَرِيقِهِ، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ جَمَاعَةً حَلَّ) لِأَنَّ شَرْطَ الْحِلِّ قَصْدُ الصَّيْدِ فِي الْجُمْلَةِ، لَا قَصْدُ الصَّيْدِ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، (وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ فَقَتَلَتْهُ، وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ، حَلَّ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَهْمِهِ وَرَمْيِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَى حَجَرٍ، فَرَدَّهُ عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَهُ حُكْمُ الْحِلِّ، وَالرِّيحُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ) لِأَنَّهُ أَزَالَ امْتِنَاعَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ، (فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فَلَزِمَهُ، كَمَا يَلْزَمُهُ رَدُّ مِلْكِ غَيْرِهِ،

فَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ لِلثَّانِي، وَإِنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ.
وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا

[المبدع في شرح المقنع]

كَالشَّاةِ وَنَحْوِهَا، (وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيْمَةَ إِنْسَانٍ) أَوْ غَيْرَهَا (فَأَخَذَهُ فَهُوَ لِآخِذِهِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ، لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، فَمَلَكَهُ الثَّانِي بِأَخْذِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ خَرَجَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: هُوَ لِصَاحِبِ الْخَيْمَةِ، وَلَوْ نَصَبَ خَيْمَةً لِلْأَخْذِ مَلَكَهُ، وَإِنْ مَاتَ فِيهَا، فَهُوَ لَهُ.
فَرْعٌ: إِذَا رَمَى طَيْرًا عَلَى شَجَرَةٍ فِي دَارِ قَوْمٍ، فَطَرَحَهُ فِي دَارِهِمْ فَأَخَذُوهُ، فَهُوَ لِلرَّامِي، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِإِزَالَةِ امْتِنَاعِهِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إِنْ حَمَلَ نَفْسَهُ فَسَقَطَ خَارِجَ الدَّارِ، فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ سَقَطَ فِيهَا فَهُوَ لَهُمْ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لِلْمُوحِي، (وَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ) أَوْ فَخِّهِ أَوْ شَرَكِهِ (صَيْدٌ) فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِآلَتِهِ (فَإِنْ خَرَقَهَا، وَذَهَبَ بِهَا، فَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ لِلثَّانِي) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ الْأَوَّلُ، وَمَا مَعَهُ لُقَطَةٌ، فَإِنْ كَانَ يَمْشِي بِالشَّبَكَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، لَكِنْ إِنْ أَمْسَكَهُ الصَّائِدُ وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ، لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ شَرَدَتْ فَرَسُهُ، أَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ صَادَهُ فَوَجَدَ عَلَيْهِ عَلَامَةً كَقِلَادَةٍ فِي عُنُقِهِ أَوْ قُرْطٍ فِي أُذُنِهِ، فَلَوْ وَجَدَ طَائِرًا مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ فَلُقَطَةٌ، وَيَمْلِكُ الصَّيْدَ بِإِلْجَائِهِ إِلَى مَضِيقٍ يَعْجِزُ عَنِ الِانْفِلَاتِ مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا وَقَعَ فِي دِبْقٍ يمنعه مِنَ الطَّيَرَانِ، (وَإِنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ السَّمَكَ مِنَ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ، فَمُلِكَتْ بِالسَّبْقِ إِلَيْهَا، كَمَا لَوْ فَتَحَ حِجْرَهُ لِلْأَخْذِ، زَادَ فِي الْوَجِيزِ: مَا لَمْ تَكُنِ السَّفِينَةُ مُعَدَّةً لِلصَّيْدِ، فِي هَذَا الْحَالِ، وَقِيلَ: هُوَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَيَكُونَ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا إِذَا وَقَعَتْ في السفينة فَهِيَ لِصَاحِبِهَا، لِأَنَّ السَّفِينَةَ مِلْكُهُ، وَيَدُهُ عَلَيْهَا، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ السَّمَكَةُ وَثَبَتْ بِفِعْلِ إِنْسَانٍ لِقَصْدِ الصَّيْدِ فَهِيَ لَهُ دُونَ مَنْ وَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، لِأَنَّ الصَّائِدَ أَثْبَتَهَا بِذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا دَخَلَتْ ظَبْيَةٌ دَارَهُ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَجَهِلَهَا، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهَا، وَمِثْلُهُ إِحْيَاءُ أَرْضٍ بِهَا كَنْزٌ مَلَكَهُ، كَنَصْبِ خَيْمَةٍ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ دَخَلَ الصَّيْدُ دَارَهُ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ،

مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ سَمَكٌ، أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ وَلِغَيْرِهِ أَخْذُهُ، وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ، وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشِّبَاشِ.
وَإِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، وَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ، وَيَمْلِكَهُ مَنْ أَخَذَهُ.

[المبدع في شرح المقنع]

أَوْ بُرْجَهُ، فَسَدَّ الْمَنَافِذَ، أَوْ حَصَلَتِ السَّمَكَةُ فِي بِرْكَتِهِ، فَسَدَّ مَجْرَى الْمَاءِ، فَقِيلَ: يَمْلِكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ سَهُلَ تَنَاوُلُهُ مِنْهُ، وَإِلَّا كَمُتَحَجِّرٍ لِلْأَحْيَاءِ، وَيُحْتَمَلُ اعْتِبَارُ قَصْدِ التَّمَلُّكِ بِغَلْقٍ وَسَدٍّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: مَا يَبْنِيهِ النَّاسُ مِنَ الْأَبْرِجَةِ، فَتُعَشْعِشُ بِهَا الطُّيُورُ يَمْلِكُونَ الْفِرَاخَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الطُّيُورُ مَمْلُوكَةً، فَهِيَ لِأَرْبَابِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَحَوَّلَ طَيْرٌ مِنْ بُرْجِ زَيْدٍ إِلَى بُرْجِ عَمْرٍو، لَزِمَ عَمْرًا رَدُّهُ، وَإِنِ اخْتَلَطَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ مُنِعَ عَمْرٌو مِنَ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَنْقُلُ الْمِلْكَ حَتَّى يَصْطَلِحَا، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَقَّهُ، أَوْ وَهَبَهُ، صَحَّ فِي الْأَقْيَسِ (وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا مَلَكَهُ) لِأَنَّهَا آلَةٌ لِلصَّيْدِ، قَصَدَ بِهَا السَّمَكَ فَمَلَكَهُ، وَكَمَا لَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ، أَوْ فَخٍّ، أَوْ مِنْجَلٍ (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ لَمْ يَمْلِكْهُ) كَمَا لَوْ تَوَحَّلَ الصَّيْدُ فِي أَرْضِهِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: يَمْلِكُهُ بِالتَّوَحُّلِ (وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ سَمَكٌ، أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ لَمْ يَمْلِكْهُ) لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِذَلِكَ، أَشْبَهَ الْبِرْكَةَ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الِاصْطِيَادُ، نَقَلَ صَالِحٌ وَحَنْبَلٌ، فِيمَنْ صَادَ مِنْ نَخْلَةٍ بِدَارِ قَوْمٍ: هُوَ لَهُ، فَإِنْ رَمَاهُ بِبُنْدُقَةٍ فَوَقَعَ فِيهَا فَهُوَ لِأَهْلِهَا، (وَلِغَيْرِهِ أَخْذُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ، وَلِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، لَكِنْ يَأْثَمُ بِدُخُولِهَا بِدُونِ إِذْنِ رَبِّهَا، وَقِيلَ: مُسْتَأْجِرُهَا أَوْلَى مِنْ رَبِّهَا، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لِلْمُؤَجِّرِ، (وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِمَا فِيهِ مِنْ أَكْلِ السَّمَكِ لِلنَّجَاسَةِ، فَيَصِيرُ كَالْجَلَّالَةِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِالسُّلْطَانِ، وَفِي الْمُبْهِجِ فِيهِ: وَبِمُحَرَّمٍ، رِوَايَتَانِ.
وَكَرِهَ أَحْمَدُ الصَّيْدَ بِبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَقَالَ: مَأْوَاهَا الْحُشُوشُ، وَكَذَا بِالضَّفَادِعِ (وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشِّبَاشِ) وَهُوَ طَائِرٌ تَخِيطُ عَيْنَيْهِ وَيُرْبَطُ، لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ.
وَكَذَا يُكْرَهُ مِنْ وَكْرِهِ، أَطْلَقَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ لَا بِلَيْلٍ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا، كَالْفَرْخِ مِنْهُ، وَلَا بِمَا يُسْكِرُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يُكْرَهُ بِلَيْلٍ.

جارٍ التحميل