وَالْأَوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ، فَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَالْكَفَاءَةُ: الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ، فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ،
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْلَى ; وَلِأَنَّ لِلَّهِ فِيهِ نَظَرًا ; وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ يَكُونُ فَاسِقًا.
(وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ) لِلصِّحَّةِ، بَلْ لِلِّزُومِ (وَهِيَ أَصَحُّ) اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهِيَ أَوْلَى ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَيْهِ مِنْ عُثْمَانَ وَأَبِي الْعَاصِي، وَلَا شَكَّ أَنَّ نَسَبَهُ فَوْقَ نَسَبِهِمَا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ» ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَتَزَوَّجَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَتْ تَحْتَ بِلَالٍ، وَمَا رُوِيَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُهَا (لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ) ، وَيَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا ; لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنِ ابْنِ أَخِيهِ ; لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَ النِّسَاءَ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَيَكُونُ الْفَسْخُ فَوْرًا، وَكَذَا وَتَرَاخِيًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَهِيَ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ وَالْمَرْأَةِ، وَلِلْأَبْعَدِ الْفَسْخُ مَعَ رِضَا الْأَقْرَبِ ; لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْعَارِ فِي الْأَشْهَرِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْأُخْوَةِ الْفَسْخُ، نَصَّ عَلَيْهِ) ; لِأَنَّ الْأَخَ وَلِيٌّ فِي حَالٍ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ كَالْوَلِيِّ الْمُسَاوِي، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْفَسْخَ يَفْتَقِرُ إِلَى حَاكِمٍ.
فَرْعٌ: الْكَفَاءَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الرَّجُلِ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا مُكَافِئَ لَهُ، وَقَدْ
وَلَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَعَنْهُ: لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيْرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ، وَعَنْهُ: أَنَّ
[المبدع في شرح المقنع]
تَزَوَّجَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ: يُخَيَّرُ مُعْتَقٌ تَحْتَ أَمَةٍ، وَفِي " الْوَاضِحِ " احْتِمَالٌ: يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ إِذَا اسْتَغْنَى عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِحُرَّةٍ بَطَلَ.
قَالَ الْكِسَائِيُّ: قَوْلُهُمْ: لَا أَصْلَ، أَيْ: لَا حَسَبَ وَلَا فَضْلَ، أَيْ: لَا مَالَ، وَهِيَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: حَقٌّ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْمَرْأَةِ فَقَطْ.
(وَالْكَفَاءَةُ: الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ) هَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِلَيْهَا مَيْلُ الْمُؤَلِّفِ، أَمَّا الدِّينُ ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [السجدة: 18] ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الِاسْتِوَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْفَاسِقَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ: غَيْرُ مَأْمُونٍ، مَسْلُوبُ الْوِلَايَةِ، نَاقِصٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، قَلِيلُ الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَمَّا الْمَنْصِبُ: فَهُوَ النَّسَبُ ; لِحَدِيثِ عُمَرَ: مَا الْأَكْفَاءُ؟ قَالَ: فِي الْحَسَبِ.
رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ; وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَعُدُّونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ، وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي، وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ وَعَارٌ (فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، وَلَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ) ; لِفَقْدِ الْعِفَّةِ وَالْمَنْصِبِ (وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ أَكْفَاءٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ عُثْمَانَ وَأَبَا الْعَاصِ، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ عُمَرَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَتَزَوَّجَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ أُخْتَهَا سُكَيْنَةَ، وَتَزَوَّجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ كُلَّهُمْ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءُ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ» إِلَّا أَنَّ خَالِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ، (وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ) وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِي الشَّرَفِ كَالْعَرَبِ (وَعَنْهُ: لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيْرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ) حَكَاهَا الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّيْخَانِ ; إِذِ الْعَرَبُ فَضَلَتِ النَّاسَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُرَيْشٌ أَخَصُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ أَخَصُّ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» وَرَدَّ الشَّيْخُ
الْحَرِيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بِعَبْدٍ، وَلَا بِنْتُ بَزَّازٍ بِحَجَّامٍ، وَلَا بِنْتُ تَانِئٍ بِحَائِكٍ، وَلَا مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ.
[المبدع في شرح المقنع]
تَقِيُّ الدِّينِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمَنْصُوصُ عَنْهُ - كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي - أَنَّ قُرَيْشًا بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ أَكْفَاءٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ قَالَ: الْهَاشِمِيَّةُ لَا تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ هَاشِمِيٍّ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَارِقٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ; إِذْ نَصُّهُ: تَزْوِيجُ الْهَاشِمِيَّاتِ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِنَّ بِغَيْرِ الْهَاشِمِيِّينَ - ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ ثُبُوتًا لَا يَخْفَى.
(وَعَنْهُ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ) أَيْ: مَعَ الدِّينِ وَالنَّسَبِ، فَتَكُونُ خَمْسَةً، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ، وَصَحَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالشِّيرَازِيُّ فِي الْيَسَارِ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ ; فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَرِيرَةَ حِينَ عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الِاسْتِدَامَةِ فَفِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى ; وَلِأَنَّ الرِّقَّ نَقْصُهُ كَثِيرٌ وَضَرَرُهُ بَيِّنٌ ; فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنِ امْرَأَتِهِ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا الصِّنَاعَةُ ; فَلِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وَقَدْ رُوِيَ: «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، قَبِيلَةٌ لِقَبِيلَةٍ، وَحَيٌّ لِحَيٍّ، وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ، إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ» ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّمْهِيدِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ لَمَّا سَأَلَهُ مُهَنَّا، وَأَمَّا الْيَسَارُ ; فَلِأَنَّ فِي عُرْفِ النَّاسِ التَّفَاضُلَ فِي ذَلِكَ ; وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ أَخْبَرَتْهُ بِخُطَّابِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» ; وَلِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إِعْسَارِ زَوْجِهَا ; لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ وَلَدِهَا (فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بِعَبْدٍ) لِانْتِفَاءِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، وَلَا بِمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ مَسَّهُ أَوْ مَسَّ آبَاءَهُ الرِّقُّ، هَلْ يَكُونُ كُفْء الحُرَّةِ الْأَصْلِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ (وَلَا بِنْتُ بَزَّازٍ) بَيَّاعُ الْبَزِّ (بِحَجَّامٍ) ; لِانْتِفَاءِ الِاسْتِوَاءِ فِي الصَّنْعَةِ (وَلَا بِنْتُ تَانِئٍ) بِالْهَمْزِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْعَقَارِ وَالْمَالِ (بِحَائِكٍ) ; لِانْتِفَاءِ الْيَسَارِ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ كَثْرَةُ الْمَالِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْغَالِبِ (وَلَا مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ مُتَوَلِّيًا، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَى هَذَا بَقِيَّةُ الصَّنَائِعِ الْمُزْرِيَةِ كَالْقَيِّمِ وَالْحَمَّامِيِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَعَنْهُ: لَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ لَازِمٍ كَالْمَرَضِ، وَقِيلَ: نَسَّاجٌ كَحَائِكٍ، وَوَلَدُ الزِّنَا قِيلَ: هُوَ كُفْءٌ لِذَاتِ نَسَبٍ، وَعَنْهُ: لَا كَعَرَبِيَّةٍ، زَادَ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ غَيْرَ الْمُنْتَسِبِ إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْمَشْهُورِينَ لَيْسَ كُفُؤًا لِلْمُنْتَسِبِ إِلَيْهِمَا.
تَنْبِيهٌ: اخْتُلِفَ فِي الْكَفَاءَةِ، هَلْ هِيَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ أَوْ لِلُّزُومِ؛ وَأَنَّهَا هَلْ تُعْتَبَرُ فِي اثْنَيْنِ أَوْ جِهَةٍ؛ وَقَدْ سَبَقَ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَمْعٌ: كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": وَمَحَلُّهُمَا فِي الدِّينِ وَالْمَنْصِبِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ فَلَا يَبْطُلُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَجَمَعَ الْمَجْدُ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ فِيهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، يَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِالدِّينِ وَالْمَنْصِبِ.
وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": يَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِالنَّسَبِ فَقَطْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ لِفَقْرٍ أَوْ رِقٍّ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا بِإِقْرَارِ النِّكَاحِ مَعَ عَدَمِ الدِّينِ وَالْمَنْصِبِ، وَنَصَّ عَلَى التَّفْرِيقِ بِالْحِيَاكَةِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ لِلْعَجَمِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» هُوَ فِي الصَّدَقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: الْمَنْعُ، وَمَنْ أَسْلَمَ كُفْءٌ لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الْجَهْمِيَّ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا الْوَاقِفِيُّ إِذَا كَانَ يُخَاصِمُ، وَقَالَ: لَا يُزَوِّجُ بِنْتَهُ مِنْ حَرُورِيٍّ وَلَا رَافِضِيٍّ وَلَا قَدَرِيٍّ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْعُو فَلَا بَأْسَ.
مَسْأَلَةٌ: لَا تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ بِخُلُوِّهَا عَنِ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: وَلَا الْإِشْهَادُ عَلَى إِذْنِهَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَلَا يُزَوِّجُهَا الْعَاقِدُ نَائِبَ الْحَاكِمِ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَعْلَمَ إِذْنَهَا، وَإِنِ ادَّعَى زَوْجٌ إِذْنَهَا وَأَنْكَرَتْ، صَدَقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": تَصْدُقُ الثَّيِّبُ ; لِأَنَّهَا تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا ظَاهِرًا، بِخِلَافِ الْبِكْرِ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِلَا إِذْنِهَا، وَفِي دَعْوَى الْوَلِيِّ إِذْنُهَا كَذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَوْلُهَا وَإِنِ ادَّعَتِ الْإِذْنَ فَأَنْكَرَ وَرَثَتُهُ، صَدَقَتْ
بَابٌ الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ وَهُنَّ ضَرْبَانِ: مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ، وَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا
: الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ،
وَهُنَّ سَبْعٌ: الْأُمَّهَاتُ: وَهُنَّ الْوَالِدَةُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَالْبَنَاتُ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ، وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَبَنَاتُ الْأَخِ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ، وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالْعَمَّاتُ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ]
[الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْأَبَدِ]
[الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ] (وَهُنَّ ضَرْبَانِ: مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ) أَيِ: التَّأْبِيدُ (وَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسَبِ الْحَاصِلِ بِنِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ حَرَامٍ، وَسَنَذْكُرُهُ (وَهُنَّ سَبْعٌ) يَجْمَعُهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الْآيَةَ (الْأُمَّهَاتُ) وَهُنَّ كُلُّ مَنِ انْتُسِبَ إِلَيْهِنَّ بِوِلَادَةٍ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأُمِّ حَقِيقَةً - وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْكَ - أَوْ مَجَازًا وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ وَإِنْ عَلَتْ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَهُنَّ الْوَالِدَةُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَإِنْ عَلَوْنَ) وَهُنَّ جَدَّتَاكَ أُمُّ أُمِّكَ وَأُمُّ أَبِيكَ، وَجَدَّتَا أُمِّكَ، وَجَدَّتَا أَبِيكَ، وَجَدَّتَا جَدَّتَيْكَ، وَجَدَّتَا أَجْدَادِكَ، وَارِثَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ، كُلُّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ذَكَرَ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَقَالَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ، وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ» (وَالْبَنَاتُ مِنْ حَلَالٍ) وَهِيَ كُلُّ أُنْثَى انْتَسَبَتْ إِلَيْكَ بِوِلَادَتِكَ، كَابْنَةٍ (أَوْ حَرَامٍ) وَشَمَلَ ابْنَتَهُ مِنَ الزِّنَا ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «انْظُرُوهُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحماءَ» يَعْنِي: الزَّانِيَ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ «بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنَ ابْنِ زَمْعَةَ ;» لِلشَّبَهِ الَّذِي رَأَى بِعُتْبَةَ، وَيَكْفِي فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا بِنْتُهُ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ النَّسَبُ لِغَيْرِهِ، قَالَهُ فِي " التَّعْلِيقِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الشَّبَهَ كَافٍ ; وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ، فَحَرُمَتْ كَتَحْرِيمِ الزَّانِيَةِ عَلَى وَلَدِهَا، وَكَالْمَنْفِيَّةِ بِاللِّعَانِ، لَا يُقَالُ: لَا يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا، وَلَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يُوجِبُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ رَقِيقَةً، أَوْ مُخَالِفَةً لِدِينِهِ (وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ) مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ ; لِصِحَّةِ تَنَاوُلِ الِاسْمِ لِلْجَمِيعِ (وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ) أَيِ: الْأَخَوَاتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَبِ وَمِنَ الْأُمِّ ; لِشُمُولِ الْآيَةِ لَهُنَّ (وَبَنَاتُ الْأَخِ وبنات الأخت) مِنْ
وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَلَا تُحَرَّمُ بَنَاتُهُنَّ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ، وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
الْقِسْمُ الثَّالِث
ُ: الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ،
وَهُنَّ أَرْبَعٌ: أُمَّهَاتُ
[المبدع في شرح المقنع]
أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا (وَأَوْلَادُهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا) ; لِلْآيَةِ، (وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ) فَيَدْخُلُ فِي الْعَمَّاتِ كُلُّ أُخْتٍ لِأَبٍ، وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ، وَفِي الْخَالَاتِ كُلُّ أُخْتٍ لِأُمٍّ، وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ جَدٍّ أَبٌ، وَكُلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ، فَكُلُّ أُخْتٍ لَهَا عَمَّةٌ وَخَالَةٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ خَالَةُ الْعَمَّةِ لِأَبٍ، وَعَمَّةُ الْخَالَةِ لِأُمٍّ (وَلَا تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: 50] وَالْأَصْلُ الْمُسَاوَاةُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَضَابِطُهُ: أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ حُرِّمَتْ حُرِّمَتِ ابْنَتُهَا إِلَّا خَمْسٌ: أُمُّ الزَّوْجَةِ وَالْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ وَحَلِيلَةُ الْأَبِ، وَمَنْ حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ أُمُّهَا إِلَّا خَمْسٌ: الْبِنْتُ وَالرَّبِيبَةُ وَبِنْتُ الْأَخِ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ وَحَلِيلَةُ الْأَبِ.
أَصْلٌ: يَحْرُمُ زَوْجَاتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مَنْ فَارَقَهَا، وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ دُنْيَا وَأُخْرَى.
[الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ]
(الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ، وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] وَالْبَقِيَّةُ بِالْقِيَاسِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ وَالْمُؤَلِّفِ ; وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: نِكَاحُ ابْنِ الرَّجُلِ مِنْ لَبَنِهِ بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ ابْنِهِ مِنْ صُلْبِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ يَقُلِ الشَّارِعُ مَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ، فَأُمُّ امْرَأَتِهِ بِرَضَاعٍ، وَامْرَأَةُ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْهُ، وَبَنَتُ امْرَأَتِهِ بِلَبَنِ غَيْرِهِ، حُرِّمْنَ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا بِالنَّسَبِ، وَلَا نَسَبَ وَلَا مُصَاهَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، فَلَا تَحْرِيمَ، وَقَدِ اسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِلَّا أُمَّ أُخْتِهِ وَأُخْتَ ابْنِهِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَحْرُمَانِ، وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَدَمُ اسْتِثْنَائِهِمَا ; لِأَنَّ أُمَّ أُخْتِهِ إِنَّمَا حَرُمَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِكَوْنِهَا زَوْجَةَ أَبِيهِ، وَهُوَ تَحْرِيمٌ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا تَحْرِيمَ نَسَبٍ، وَأُخْتَ ابْنِهِ ; لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ.
فَرْعٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّضَاعِ وَالْمَحْظُورِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " بِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ.
نِسَائِهِ، وَحَلَائِلُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ دُونَ بَنَاتِهِنَّ، وَالرَّبَائِبُ وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ دُونَ اللَّاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ،
[المبدع في شرح المقنع]
[الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ]
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ: أُمَّهَاتُ نِسَائِهِ) أَيْ: إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، حُرُمَ عَلَيْهِ كُلُّ أُمٍّ لَهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً - بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِابْنَتِهَا، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] وَهُوَ عَامٌّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو حَفْصٍ، (وَحَلَائِلُ آبَائِهِ) سُمِّيَتِ امْرَأَةُ الرَّجُلِ: حَلِيلَةٌ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ إِزَارِ زَوْجِهَا، وَهِيَ مُحَلَّلَةٌ لَهُ أَيْ: فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَةُ أَبِيهِ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] وَقَالَ الْبَرَاءُ: «لَقِيتُ خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَةُ قَالَ: أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا امْرَأَةُ أَبِيهِ أَوِ امْرَأَةُ جَدِّهِ لِأَبِيهِ، وَجَدِّهُ لِأُمِّهِ - قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ وَطِئَهَا بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ (وَأَبْنَائِهِ) أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجُ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ وَابْنِ بِنْتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ) ; لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ كَانَ نِكَاحُ الْأَبِ الْكَافِرِ فَاسِدًا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجْمَاعًا، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ الْمُفِيدِ لِلْحِلِّ وَالْفَاسِدِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " ; لِأَنَّ حُكْمَهُ كَالصَّحِيحِ إِلَّا الْحِلَّ وَالْإِحْلَالَ وَالْإِحْصَانَ وَالْإِرْثَ، وَتُنْصَفُ الصَّدَاقُ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " التَّعْلِيقِ " خِلَافُهُ (دُونَ بَنَاتِهِنَّ) أَيْ: يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ رَبِيبَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] (وَالرَّبَائِبُ: وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] (دُونَ اللَّاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ) ; لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْحِجْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ
فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ بَاشَرَ امْرَأَةً، أَوْ نَظَرَ إِلَى
[المبدع في شرح المقنع]
الْغَالِبِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا مَفْهُومَ لَهُ اتِّفَاقًا، وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً، وَارِثَةً أَوْ غَيْرَ وَارِثَةٍ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، فَإِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَا، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - أَنَّهُ يُرَخِّصُ فِيهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ (فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ) أَوْ مَاتَتْ (فَهَلْ تَحْرَمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] وَكَالطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ، لَا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخُولِ فِي الْإِحْلَالِ وَالْإِحْصَانِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قِيَاسًا عَلَى تَكْمِيلِ الْعِدَّةِ وَالصَّدَاقِ.
(وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ) اتِّفَاقًا (وَالْحَرَامِ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] وَفِيهَا دَلَالَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى الْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [النساء: 22] وَهَذَا التَّغْلِيظُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَطْءِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ; وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورِ، كَوَطْءِ الْحَائِضِ ; وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يُفْسِدُهُ الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ، وَأَفْسَدَهُ الْوَطْءُ الْحَرَامُ كَالْإِحْرَامِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" الْمُغْنِي "، و" التَّرْغِيبِ ": وَلَوْ بِوَطْءِ دُبُرٍ، وَقِيلَ: لَا، وَنَقَلَ بِشْرُ بْنُ مُوسَى: لَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْحَلَالَ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْحَرَامُ مُبَايِنٌ لِلْحَلَالِ (فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً) لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ كَالرَّضَاعِ، وَالثَّانِي - وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ -: لَا يَنْشُرُهَا ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْوَطْءِ، وَذَلِكَ يُبْطِلُهَا، وَفِي الْمَذْهَبِ: هُوَ كَنِكَاحٍ، فِيهِ شُبْهَةٌ وَجْهَانِ.
فَرْجِهَا، أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ، وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ بَاشَرَ امْرَأَةً أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا) أَوْ قَبَّلَهَا (أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: إِذَا بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْشُرُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ، كَالْوَطْءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرَجِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَنَّهُ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَنْشُرُهَا كَالنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَنْشُرُهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْشُرُهَا اللَّمْسُ، رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ وَإِلَى بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، ذَكَرَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ، وَنَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَابْنُ هَانِئٍ، مِنْهَا أَوْ مِنْهُ إِذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ; فَإِنَّ غَيْرَ الْفَرْجِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ يَنْشُرْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ، وَهَذَا فِيمَنْ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ فَمَا زَادَ، وَعَنْهُ: سَبْعٌ إِذَا أَصَابَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا.
الثَّالِثَةُ: إِذَا خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَرِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا - وَهِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفِ -: لَا يَنْشُرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّظَرَ كِنَايَةٌ عَنِ الدُّخُولِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَطْلَقَ الدُّخُولَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْخَلْوَةِ، وَالْعُرْفُ عَلَى ذَلِكَ، يُقَالُ: دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ، إِذَا كَانَ بَنَى بِهَا وَإِنْ لَمْ يَطَأْ، وَأَمَّا إِذَا فَعَلَتْ هِيَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرَهُ (وَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الْآخَرِ وَابْنَتُهُ) أَيْ: يَحْرُمُ بِوَطْءِ الْغُلَامِ مَا يَحْرُمُ بِوَطْءِ الْمَرْأَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ، فَيَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى مَنْ ذُكِرَ كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ (وَعَنْد أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ) فَيَكُونُ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لشَهْوَةً ; لِكَوْنِهِ وَطَئا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى تَحْرِيمٍ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النِّسَاءِ ; لِأَنَّ وَطْأَهَا سَبَبٌ لِلْبُغْضَةِ، وَيُوجِبُ
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فصل: الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمدٍ، وَهُنَّ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَهْرَ، وَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، وَتَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ فِرَاشًا، قَالَ ابْنُ الْبَنَّا وَابْنُ عَقِيلٍ: وَكَذَا دَوَاعِيهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ.
[الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ]
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ) إِذَا لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ ; لِقَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، رَوَاهُ الْجُوزْجَانِيُّ، وَنَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تَحْرُمُ ; لِظَاهِرِ الْخَبَرِ ; وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَالتَّكْذِيبِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِالتَّكْذِيبِ كَالرَّضَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَحِلُّ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهَا الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ صَارَتْ شُبْهَتُهُ بِحَالِهَا قَبْلَ الْمُلَاعَنَةِ، وَهِيَ حِينَئِذٍ حَلَالٌ، وَعَنْهُ: بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، أَمَّا إِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِاللِّعَانِ، وَإِنْ قِيلَ: لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِفُرْقَةِ الْحَاكِمِ، فَلَا تَحْرُمُ حَتَّى يَقُولَ: حَلَّتْ لَهُ، وَظَاهِرُهُ إِذَا كَانَ اللِّعَانُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَا حَدَّ، قَوْلًا وَاحِدًا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوِ ابْنَتَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ ; لِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُحَرِّمُهَا، أَشْبَهَ الرَّضَاعَ.
[الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ]
[الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ]
فَصْلٌ (الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ) أَيْ: غَايَةٍ (وَهُنَّ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، حُرَّتَيْنِ أَوْ أَمَتَيْنِ، أَوْ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، أَوْ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ، قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، أَوْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً - فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَى أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] (وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ، وَفِي " التَّمْهِيدِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَإِفْضَاؤُهُ إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَيَحْصُلُ تَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَضَابِطُهُ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى حَرُمَ نِكَاحُهُ، وَلِهَذَا حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا ; لِأَنَّ الْأَخَ لَا يُبَاحُ لَهُ بِنْتُ أُخْتِهِ، وَابْنُ الْأُخْتِ لَا تُبَاحُ لَهُ خَالَتُهُ، وَأُبِيحَ الْجَمْعُ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمَّيْنِ وَبِنْتَيْ خَالَيْنِ، وَبِنْتَيْ عَمَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ خَالَتَيْنِ ; لِأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ عَمِّهِ، وَابْنُ الْخَالِ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ خَالَتِهِ، وَهَلْ يُكْرَهُ لِأَجْلِ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ إِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً أَوْ لَا يُكْرَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عَمَّةٍ وَخَالَةٍ، بِأَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً وَابْنُهُ أُمُّهَا، فَوُلِدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ، وَبَيْنَ عَمَّتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ أُمَّ رَجُلٍ وَالْآخَرُ أُمَّهُ، فَيُولَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ، وَبَيْنَ خَالَتَيْنِ بِأَنْ يَنْكِحَ كُلٌّ مِنْهُمَا ابْنَةَ الْآخَرِ لَا بَيْنَ أُخْتِ رَجُلٍ مِنْ أَبِيهِ وَبَيْنَ أُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ، وَلَا بَيْنَ مَنْ كَانَتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ، وَبِنْتُهُ مِنْ غَيْرِهَا (فَإِنَّ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ) وَاحِدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ مَعًا (لَمْ يَصِحَّ) ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، (وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، أَوْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً، فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ) ; لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ، فَاخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِهِ، لَكِنْ إِنْ جُهِلَ السَّابِقُ فُسِخَ النِّكَاحَانِ، وَعَنْهُ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ نِصْفُ
عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا - صَحَّ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنِ اشْتَرَاهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، صَحَّ، فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْأُولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ، وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ، فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَهْرِ، وَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةَ: لَا ; لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
فَرْعٌ: إِذَا تَزَوَّجَ أُمًّا وَبِنْتًا فِي عَقْدٍ، صَحَّ فِي حَقِّ الْبِنْتِ فَقَطْ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ فِي حَقِّهِمَا كَالْأُخْتَيْنِ، وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأُمَّ تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، فَاخْتَصَّتْ بِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ، يَخْتَارُ إِحْدَاهُمَا، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَاهُمَا بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ (وَإِنِ اشْتَرَى أُخْتَ امْرَأَتِهِ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا، صَحَّ) ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَلِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاءُ الْمَجُوسِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ الشِّرَاءِ (وَلَمْ يَحِلَّ له وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) ; لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا فِي الْفِرَاشِ وَجَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (وَإِنِ اشْتَرَاهُنَّ) أَوْ مَلَكَهُنَّ (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، صَحَّ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُرَادُ لِغَيْرِ الْوَطْءِ بِخِلَافِ الْعَقْدِ، وَإِذَا جَازَ شِرَاءُ وَاحِدَةٍ عَلَى الْأُخْرَى، فَمَعًا أَوْلَى (فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا) جَازَ ; لِأَنَّ الْأُخْرَى لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: لَا يَقْرُبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ و (لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْأُولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ) وَلَوْ بِبَيْعٍ لِلْحَاجَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ رَجَبٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (أَوْ تَزْوِيجٍ) بَعْدَ اسْتِبْرَاءٍ (وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ) وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَرُمَ وَطْؤُهَا تَحِلُّ لَهُ إِذَا أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ تَزْوِيجٍ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ قَدْ زَالَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَتِ الْأُولَى صَغِيرَةً، وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَشَرَطَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ: (وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ) ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ; لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، فَهُوَ كَنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا، لَا يُقَالُ: هَذَا الشَّرْطُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، إِذْ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ غَيْرُ حَامِلٍ ; لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ يَجُوزُ عَلَى رِوَايَةٍ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَضَرَّرَ بِالْعِتْقِ، وَلَكِنْ مِنْ صُوَرِ الْإِخْرَاجِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِتَحْرِيمِهَا بِكِتَابَةٍ وَرَهْنٍ وَبَيْعٍ بِشَرْطِ خِيَارٍ وَجْهَانِ، وَلَا
عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى، وَعَنْهُ: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
يَكْفِي مُجَرَّدُ تَحْرِيمِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ -: أَحَلَّتْهَا آيَةٌ، وَحَرَّمَتْهَا أُخْرَى، يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: 23] ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] (فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى) فِي ظَاهِرِ نُصُوصِهِ ; لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ فِرَاشًا، وَقَدْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا، فَحَرُمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِكَوْنِ الْأُخْرَى فِرَاشًا، كَمَا لَوِ انْفَرَدَتْ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي ": إِنْ عَادَتْ قَبْلَ وَطْءِ أُخْتِهَا فَهِيَ الْمُبَاحَةُ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": بَلْ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَأَنَّهَا إِنْ عَادَتْ بَعْدَ وَطْءِ أُخْتِهَا فَأُخْتُهَا الْمُبَاحَةُ، وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَجِبِ اسْتِبْرَاءٌ، فَإِنْ وَجَبَ لَمْ يَلْزَمْهُ تَرْكُ أُخْتِهَا، وَهُوَ حَسَنٌ، فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ لَزِمَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُمَا حَتَّى تَحْرُمَ إِحْدَاهُمَا، وَأَبَاحَ الْقَاضِي وَطْءَ الْأُولَى بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ الثَّانِيَةِ (وَعَنْهُ: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ) حَكَاهَا الْقَاضِي وَالشَّيْخَانِ مُعْتَمِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ تَقُولُ: إِنَّهُ حَرَامٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، وَامْتَنَعَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ إِثْبَاتِ ذَلِكَ رِوَايَةً، وَهَذَا أَدَبٌ فِي الْفَتْوَى، كَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُهُ السَّلَفُ، لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ التَّحْرِيمِ، يَقُولُونَ: يُنْهَى عَنْهُ.
فَرْعٌ: لَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ مُسْلِمَةً وَمَجُوسِيَّةً، فَلَهُ وَطْءُ الْمُسْلِمَةِ، ذَكَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ ".
(وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ) أَوْ أَعْتَقَ سُرِّيَّتَهُ (ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، قَالَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ كَالْوَطْءِ (وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ (وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَحْرُمَ الْمَوْطُوءَةُ) ; لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنَ النِّكَاحِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَوْ سُلِّمَ تَسَاوِيهِمَا، فَسَبَقَ مِلْكُ الْيَمِينَ مُعَارِضَهُ، وَعَنْهُ: تَحْرِيمُهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إِحْدَاهُمَا، وَكَذَا
يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَحْرِيمِ سُرِّيَّتِهِ ثُمَّ رَجَعَتِ السُّرِّيَّةُ إِلَيْهِ، لَكِنَّ النِّكَاحَ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ سُرِّيَّتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي مُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ سِوَاهَا فِي الْأَصَحِّ (فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى) ; لِأَنَّ الْأُولَى عَادَتْ إِلَى الْفِرَاشِ، فَاجْتَمَعَا فِيهِ، فَلَمْ تُبَحْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا قَبْلَ إِخْرَاجِ الْأُخْرَى عَنِ الْفِرَاشِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَطِئَ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَجُزْ فِي الْعِدَّةِ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَفِي وَطْءِ أَرْبَعٍ غَيْرَهَا أَوِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ وَجْهَانِ، وَمَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ حَرُمَ نِكَاحُهَا فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: إِنْ لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهِيَ أَشْهَرُ، وَعَنْهُ: إِنْ نَكَحَ مُعْتَدَّةً مِنْ زَوْجٍ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ أَبَاحَ تِسْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ ; وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَاتَ عَنْ تِسْعٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَأَمَرَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حِينَ أَسْلَمَ عَلَى خَمْسٍ أَنْ يُفَارِقَ وَاحِدَةً مِنْهَن، رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ.
فَإِذَا مُنِعَ مِنَ الِاسْتِدَامَةِ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعٍ فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى، وَالْوَاوُ أُرِيدَ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: 1] الْآيَةَ، لَيْسَ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ، ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى جَوَازُ التَّزْوِيجِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، وَفِي شَرِيعَةِ عِيسَى لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ; لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ، فَرَاعَتْ شَرِيعَتُنَا مَصْلَحَةَ النَّوْعَيْنِ (وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ) إِجْمَاعًا،
لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: مُحَرَّمَاتٌ لِعَارِضٍ يَزُولُ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيْرِهِ، وَالْمُعْتَدَّةُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَسَنَدُهُ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ إِلَّا اثْنَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبِهِ يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْآيَةِ، أَوْ يُقَالُ: الْآيَةُ إِنَّمَا تَنَاوَلَتِ الْحُرَّ ; لِأَنَّ فِيهَا ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ، وَلَوْ مَلَكَ فَنَفْسُ مِلْكِهِ لَا يُبِيحُ التَّسَرِّي.
فَرْعٌ: مَنْ عُتِقَ نِصْفُهُ أَوْ أَكْثَرُ، لَهُ جَمْعُ ثَلَاثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْحَدِّ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ سِوَى اثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا قَدْ ثَبَتَا لَهُ وَهُوَ عَبْدٌ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ) أَيْ: نِهَايَةُ عَدَدِهِ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) أَمَّا إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بَائِنًا أَوْ فَسْخًا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ بَاقِيَةٌ، فَيَمْتَنِعَانِ مِنْهُ كَالرَّجْعِيِّ بِخِلَافِ مَوْتِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَكَذَّبَتْهُ، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَبَدَلِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تَسْقُطُ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَنَسَبُ الْوَلَدِ، بَلِ الرَّجْعَةُ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ نِكَاحُ أَمَتِهِ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ، إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَكَانَ خَائِفًا لِلْعَنَتِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ; لِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ.
تَذْنِيبٌ: فِي " الْفُنُونِ " قَالَ فَقِيهٌ: شَهْوَةُ الْمَرْأَةِ فَوْقَ شَهْوَةِ الرَّجُلِ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ.
فَقَالَ حَنْبَلِيٌّ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْبَعٍ، وَيَنْكِحَ مَا شَاءَ مِنَ الْإِمَاءِ، وَلَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَجُلٍ، وَلَهَا مِنَ الْقَسْمِ الرُّبُعُ، وَحَاشَا حِكْمَتُهُ أَنْ تُضَيِّقَ عَلَى الْأَحْوَجِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ -: فُضِّلَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا مِنَ اللَّذَّةِ - أَوْ قَالَ -: مِنَ الشَّهْوَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى عَلَيْهِنَّ الْحَيَاءَ، وَقَوَّي فِي " إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " أَنَّ الرَّجُلَ أَشَدُّ شَهْوَةً مِنَ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّ حَرَارَتَهُ أَقْوَى مِنْ حَرَارَةِ الْمَرْأَةِ، وَالشَّهْوَةُ تَتْبَعُهَا الْحَرَارَةُ ; بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا جَامَعَ امْرَأَةً أَمْكَنَهُ مُجَامَعَةَ غَيْرِهَا فِي الْحَالِ.
[مُحَرَّمَاتٌ لِعَارِضٍ يَزُولُ]
فَصْلٌ (النَّوْعُ الثَّانِي: مُحَرَّمَاتٌ لِعَارِضٍ يَزُولُ) ; لِأَنَّ زَوْجَةَ غَيْرِهِ إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِأَجْلِ ذَلِكَ
مِنْهُ، وَالْمُسْتَبْرِئَةُ مِنْهُ، وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى
[المبدع في شرح المقنع]
الْغَيْرِ (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيْرِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ غَيْرِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 235] (وَالْمُسْتَبْرِئَةُ مِنْهُ) ; لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِهِ ; وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ نِكَاحِهَا يُفْضِي إِلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَهُوَ مَحْذُورٌ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ.
(وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) نَصَّ عَلَيْهِمَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَحَرُمَتْ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَيُشْتَرَطُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ، أَمَّا عَلَى الزَّانِي، فَلِأَنَّ وَلَدَهَا لَا يَلْحَقُ بِهِ، فَيُفْضِي نِكَاحُهُ بِهَا إِلَى اشْتِبَاهِ مَنْ لَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِأَحَدٍ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِهِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِ ; فَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ إِذَا حَمَلَتْ مِنَ الزِّنَا فَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ; وَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْحَوَامِلِ، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ نِكَاحُهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَحْمِلْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ، وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ فِيهَا ; لِاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَتُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ مِنْهُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] وَهِيَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَا، فَإِذَا تَابَتْ زَالَ ذَلِكَ، وَتَوْبَتُهَا كَغَيْرِهَا، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَنَصُّهُ: الِامْتِنَاعُ مِنَ الزِّنَا بَعْدَ الدَّعَايَةِ إِلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَظَاهِرُهُ: لَا تُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ مِنَ الزَّانِي، وَعَنْهُ: بَلَى إِنْ نَكَحَهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا إِذَا تَابَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، حَلَّتْ لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
فَائِدَةٌ: إِذَا زَنَتِ امْرَأَةُ رَجُلٍ، أَوْ زَنَى زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ - لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَعَنْ جَابِرٍ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ، وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، وَلَنَا أَنَّ دَعْوَاهُ الزِّنَا عَلَيْهَا لَا يُبَيِّنُهَا، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ يَنْفَسِخُ بِهِ لَانْفَسَخَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَالرَّضَاعِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ أَشْبَهَتِ السَّرِقَةَ، وَلَكِنِ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ مُفَارَقَتَهَا إِذَا زَنَتْ، وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُمْسِكَ مِثْلَ هَذِهِ، وَلَا يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَالْأَوْلَى بِحَيْضَةٍ (وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا
تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَالْمُحرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ.
وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ، وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ إِلَّا حَرَائِرَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: الْوَطْءُ، فَدَلَّ أَنَّهَا إِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ حَلَّتْ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ غَايَةً لِتَحْرِيمِهَا، وَحِلُّهَا مَوْقُوفٌ عَلَى طَلَاقِ الثَّانِي وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهِ (وَالْمُحَرَّمَةُ حَتَّى تَحِلَّ) ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ; وَلِأَنَّهُ عَارِضٌ مَنَعَ الطِّيبَ، فَمَنَعَ النِّكَاحَ كَالْمُعْتَدَّةِ.
[لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ]
(وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ وَكِيلًا (وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، وصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَلَا نِكَاحُ مُرْتَدَّةٍ وَإِنْ تَدَيَّنَتْ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا لَا تُقَرُّ عَلَى دِينِهَا، وَلَا مَجُوسِيَّةٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا كِتَابٌ (إِلَّا حَرَائِرَ أَهْلِ الْكِتَابِ) فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: 5] ; وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: مَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِبَاحَتِهِنَّ لِشِرْكِهِنَّ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: آيَةُ الْمَائِدَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُمَا ; لِأَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ لَا يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1] وَنَصَّ عَلَى الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّ الْإِمَاءَ يَأْتِي حُكْمُهُنَّ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَكَرِهَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ كَذَبَائِحِهِمْ بِلَا حَاجَةٍ، وَشَمَلَ الْحَرْبِيَّاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " و" الْفُرُوعِ " ; لِدُخُولِهِنَّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ; حَمْلًا لِآيَةِ الْمَنْعِ عَلَى ذَلِكَ، وَآيَةُ الْجَوَازِ عَلَى غَيْرِ الْحَرْبِيَّاتِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ، وَإِنِ اضْطُرَّ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَعَ الضَّرُورَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ،
كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَّلَ الْإِمَامُ الْمَنْعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ ; لِئَلَّا يُسْتَعْبَدَ وَيَصِيرَ عَلَى دِينِهِمْ، وَمُقْتَضَاهُ: لَا يَتَزَوَّجُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَتْ مُغَيَّبَةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ آيِسَةً وَصَغِيرَةً.
تَنْبِيهٌ: أَهْلُ الْكِتَابِ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ، كَالسَّامِرَةِ، وَالْفِرِنْجِ، وَالْأَرْمَنِ، وَأَمَّا الصَّابِئَةُ فَقَالَ أَحْمَدُ: هُمْ مِنْ جِنْسِ النَّصَارَى، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، فَأَلْحَقَهُمْ بِالْيَهُودِ وَفِي " الْمُغْنِي ": الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ وَافَقَ الْيَهُودَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَخَالَفَهُمْ فِي فُرُوعِهِ - فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ، فَلَا، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ كَالْمُتَمَسِّكِ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ، وَشِيثَ، وَزَبُورِ دَاوُدَ، فَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَلَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ [الأنعام: 156] الْآيَةَ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ، الْأُولَى: قَطَعَ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " - أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ نِكَاحُهَا ; لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَمَنْ لَا يَحِلُّ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَلَى ; لِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ، فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَحَكَى ابْنُ رَزِينٍ ثَالِثَةً: أَنَّهَا تَحِلُّ إِذَا كَانَ أَبُوهَا كِتَابِيًّا ; لِأَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا خَطَأٌ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالدِّينِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقِ الْحُكْمَ بِالنَّسَبِ الْبَتَّةَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " رَدًّا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ دُونَ النَّسَبِ، وَالدِّينُ الْمُحَرَّمُ مَوْجُودٌ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ دُونَ النَّسَبِ، وَظَاهِرُهُ إِذَا كَانَ أبواه غير كِتَابِيَّيْنِ، فَالتَّحْرِيمُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ عَنْهُ: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ اعْتِبَارًا بِنَفْسِهِ (وَأَمَّا الثَّانِيَةُ) فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحِلُّ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْأَثْرَمُ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَرِهَهُ إِلَّا عَلِيًّا ; وَلِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ فَتَشْمَلُهَا الْآيَةُ ; وَلِأَنَّ بَنِي تَغْلِبَ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ، فَتَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ كَأَهْلِ الْكِتَابِ.
نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدُ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: لَا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ; وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُن دَخَلْنَ فِي دِينِ الْكُفْرِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَقِيلَ: هُمَا فِي بَقِيَّةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ الْعَرَبِ، فَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُمَا يَحْرُمَانِ.
فَرْعٌ: لَا يَنْكِحُ مَجُوسِيٌّ كِتَابِيَّةً، وَقِيلَ: وَلَا كِتَابِيٌّ مَجُوسِيَّةً.
[لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ]
(وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ عِشْرِينَ نَفْسًا، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] ; وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصُ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ، أَشْبَهَتِ الْمَجُوسِيَّةَ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْكُفْرُ وَعَدَمُ الْكِتَابِ ; وَحِذَارًا مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْوَلَدِ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ) ; لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَتَحِلُّ بِالنِّكَاحِ كَالْمُسْلِمَةِ، فَعَلَى هَذَا تَحِلُّ لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا وَلِلْحُرِّ بِشَرْطِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ تَلِدَ أَوَّ لًا، وَلَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " (وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدُ طَوْلًا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ) أَيْ: لَيْسَ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مُسْلِمَةً إِلَّا بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ: عَدَمُ الطَّوْلِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] فَشَرَطَهُمَا تَعَالَى لِنِكَاحِ الْأَمَةِ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَكَمَا إِذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ يُحْتَرَزُ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ، فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَهَا شَرْطٌ لِتَسَاوِيهِمَا.
وَالثَّانِي: يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْكَافِرِ، وَقَيَّدَ الْأَمَةَ بِكَوْنِهَا مُسْلِمَةً ; احْتِرَازًا مِنَ الْكَافِرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَلَا مَعَ الشَّرْطَيْنِ، وَالْعَنَتُ فَسَّرَهُ الْقَاضِيَانِ أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ: بِالزِّنَا، وَفَسَّرَهُ الْمَجْدُ: لِحَاجَةِ الْمُتْعَةِ، أَوِ الْخِدْمَةِ لِكِبَرٍ أَوْ سَقَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَمْدَانَ قَوْلًا، وَالطَّوْلُ، قَالَ أَحْمَدُ - تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ -: السَّعَةُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَجِدُ صَدَاقَ حُرَّةٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَزَادَ عَلَيْهِ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا نَفَقَتَهَا، وَزَادَ
أَيْسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَلَمْ تَعُفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ أُخْرَى، فَهَلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ (وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ) ; لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ خَائِفٍ الْعَنَتَ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى صِيَانَةِ وَلَدِهِ مِنَ الرِّقِّ، فَهُوَ كَالْقَادِرِ عَلَى نِكَاحِ مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ شَرَطَ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ صَارَ حُرًّا، ذَكَرَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَفِي " إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ وَوَجَدَ طَوْلًا لِحُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ - أَنَّ لَهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " ; لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَصَرَّحَ الْأَكْثَرُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ وَجَدَ طَوْلًا لِحُرَّةٍ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَنْ يَأْمَنُ الْعَنَتَ، فَيَفُوتُ الشَّرْطُ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَقَدْ دَخَلَ فِي كَلَامِهِ الْمَجْبُوبُ وَنَحْوُهُ، لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ بِشَرْطِهِ، وَأَنَّ لَهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْوَلُودِ، وَإِنْ وَجَدَ آيِسَةً، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وَعَدَمِ جَوَازِ نِكَاحِهَا مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِدُ لِصِغَرٍ أَوْ رَتْقٍ وَنَحْوِهِمَا، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ الِاقْتِرَاضُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَا التَّزَوُّجُ بِصَدَاقٍ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا ; دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ الصَّدَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، نَعَمْ، لَوْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فَاحْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " فَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ لَزِمَهُ لِلِاسْتِطَاعَةِ، قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَا يُرَدُّ الْيَتِيمُ عَلَى وَجْهٍ ; لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ لِلضَّرُورَةِ وَفِي " التَّرْغِيبِ ": مَا لَمْ يَعُدْ سَرَفًا، وَحُرَّةٌ لَا تُوطَأُ لِصِغَرٍ أَوْ غَيْبَةٍ كَعَدَمٍ، فِي الْمَنْصُوصِ، وَكَذَا مَرِيضَةٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَفِيهِ مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ أَوْلَى مِنْ أَمَةٍ ; لِأَنَّ إِرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِهِ.
فَرْعٌ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي خَشْيَةِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الطَّوْلِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِيَدِهِ قَالَ: فَادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ قَبْلَ قَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ أَيِسَر أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِذَا أَيْسَرَ بَعْدَ نِكَاحِهَا لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَجْزُومِ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ عَدَمَ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ شَرْطُ نِكَاحِ الْأَمَةِ، فَلَمْ تُعْتَبَرِ اسْتِدَامَتُهُ كَخَوْفِ الْعَنَتِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَإِذَا زَالَتْ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ كَأَكْلِ
قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ قَائِمَيْنِ فِيهِ.
وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْدِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَيْتَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُغْنِي " مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ لِلْأَكْلِ، بِخِلَافِ عَادِمِ الطَّوْلِ فإنه غير مُبْتَدِئٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَدِيمٌ، وَفِي تَزَوُّجِ الْحُرَّةِ يَنْبَنِي عَلَى انْفِسَاخِهِ بِالْيَسَارِ وَعَدِمِهِ، وَجَعَلَهُمَا فِي " التَّرْغِيبِ " فِي زَوَالِ خَوْفِ الْعَنَتِ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": يَكُونُ طَلَاقًا لَا فَسْخًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ إِذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً عَلَى أَمَةٍ يَكُونُ طَلَاقًا لِلْأَمَةِ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَسْأَلَةُ إِسْحَاقَ مُفْرَدَةٌ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَلَمْ تَعُفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ أُخْرَى فَهَلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: يَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «لَا تَتَزَوَّجْ مِنَ الْإِمَاءِ إِلَّا وَاحِدَةً ;» وَلِأَنَّ تَحْتَهُ زَوْجَةً، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، وَهِيَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ خَائِفٌ الْعَنَتَ، عَادِمٌ لِطَوْلِ حُرَّةٍ، أَشْبَهَ مَنْ لَا زَوْجَةَ تَحْتَهُ، ثُمَّ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ قَائِمَيْنِ فِيهِ) ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ مِنْ أَجْلِهِ نِكَاحُ الْأَمَةِ - الشَّرْطَانِ، فَإِذَا وُجِدَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ: لَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً إِذَا عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَعُفَّهُ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَحَكَى الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَحَمَلَهُ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " عَلَى مَا إِذَا خَشِيَ الْعَنَتَ، وَفَسَّرَهُ هُنَا بِمَا إِذَا كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ غَائِبَةٌ أَوْ مَرِيضَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا.
[لِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ]
(وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ) وَإِنْ فَقَدَ الشَّرْطَيْنِ ; لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ كَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ، وَمُدْبِرٌ كَذَلِكَ، وَكَذَا مَكَاتِبٌ وَمُعْتَقٌ بَعْضُهُ، مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِيهِمَا أَوْ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ (وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) الْمَذْهَبُ - وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ": لَهُ ذَلِكَ لِلْمُسَاوَاةِ، وَكَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِبُضْعِ حُرَّةٍ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْحُرِّ (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ (فِي الْعَقْدِ، جَازَ) ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ
جَازَ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ، وَلَا لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ وَلَا أَمَةَ ابْنِهِ، وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ، وَإِنِ اشْتَرَى الْحُرُّ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا،
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْهُمَا يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ، فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالْأَمَتَيْنِ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ) هَذَا رِوَايَةٌ ; لِأَنَّهُ جَمَعَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ فَقَطْ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَفِي " الْمُوجَزِ ": فِي عَبْدٍ، رِوَايَةٌ عَكْسُهَا، وَكَذَا فِي " التَّبْصِرَةِ " ; لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ، صَحَّ فِيهِمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْمَذْهَبِ.
فَرْعٌ: وَكِتَابِيٌّ وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": وَمَجُوسِيٌّ، وَفِي " الْمَجْمُوعِ ": وَكُلُّ كَافِرٍ كَمُسْلِمٍ فِي نِكَاحِ أَمَةٍ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: فَإِنِ اعْتُبِرَ فِيهِ الْإِسْلَامُ، اعْتُبِرَ فِي الْكِتَابِيِّ كَوْنُهَا كِتَابِيَّةً.
(وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ) بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ مُتَنَاقِضَانِ (وَلَا لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ) ; لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ تُفِيدُ إِبَاحَةَ الْبُضْعِ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ عَقْدٍ أَضْعَفَ مِنْهُ (وَلَا أَمَةَ ابْنِهِ) دُونَ أَمَةِ وَالِدِهِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا ; لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لَهُ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا مُكَاتَبَتَهُ (وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ) ; لِأَنَّ الرِّقَّ قَطَعَ وِلَايَتَهُ عَنِ ابْنِهِ وَمَالِهِ، فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ، وَيَصِحُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً تُسْقِطُ الْحَدَّ، لَكِنْ لَا يَجْعَلُ الْأَمَةَ أُمَّ وَلَدٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ ".
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أُمِّ سَيِّدِهِ وَلَا سَيِّدَتِهِ - خِلَافًا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ.
(وَإِنِ اشْتَرَى الْحُرُّ) وَعَبَّرَ فِي " الْفُرُوعِ " بِمِلْكِ، وَهُوَ أَوْلَى (زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِمُنَافَاةِ الْحُكْمَيْنِ ; وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ لِلْمَرْأَةِ حُقُوقًا تَمْنَعُهَا مِنَ الْقَسْمِ، فَانْفَسَخَ بِالْمِلْكِ ; لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَا لَا يُوَافِقُهُ، وَكَذَا إِنْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ مَلَكَتْهُ هِيَ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، وَفِي الْأَصَحِّ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ، وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا مَلَكَتْ بَعْضَ زَوْجِهَا، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ طَلَاقًا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ تَطْلِيقَةٌ، وَلَا يَصِحُّ
وَإِنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا، حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، إِلَّا إِمَاءَ أَهْلَ الْكِتَابِ.
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ; لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ كَمِلْكِهِ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ وَحُرْمَةِ الِاسْتِيلَادِ، فَكَذَا هَذَا.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا بِمِلْكِ الِابْنِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَلَوْ بَعَثَتْ إِلَيْهِ زَوْجَتُهُ: حَرُمْتُ عَلَيْكَ وَنَكَحْتُ غَيْرَكَ وَعَلَيْكَ نَفَقَتِي وَنَفَقَةَ زَوْجِي، فَقَدْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا، وَتَزَوَّجَتِ ابْنَ عَمِّهَا، فَلَوْ قَبِلَ مَلَكَتْ زَوْجَهَا، وَتَزَوَّجَتْ مُعْتِقَهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ، وَكَانَ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَ لَهَا مُعْتِقٌ وَلَيْسَ لَهُ نَفَقَةٌ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى مُعْتِقَتِهِ ; لِأَنَّهَا عَصَبَتُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِتِسْعِ نِسْوَةٍ، فَأَقَلَّ، حَرُمْنَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيَانِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِعَشَرَةٍ، وَقِيلَ يَتَحَرَّى، فَإِنْ كَانَتْ بِنِسَاءِ قَبِيلَةٍ، فَلَهُ نِكَاحُ إِحْدَاهُنَّ، وَفِي وُجُوبِ التَّحَرِّي وَجْهَانِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّ حَنْبَلًا نُقِلَ عَنْهُ فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ زَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ بِرَجُلٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيَّتَهُنَّ زَوَّجَهَا - أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ، فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ انْتَهَى.
وَإِنِ اشْتَبَهَتْ مُطَلَّقَتُهُ - دُونَ الثَّلَاثِ - بِزَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ بِمُعْتَقَتِهِ، تَحَرَّى فِي الْأَصَحِّ.
(وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مْحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَفْسُدُ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ، أُضِيفَ إِلَيْهَا عَقْدٌ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ، لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا، فَصَحَّ كَمَا لَوِ انْفَرَدَتْ بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهَا مِنَ الْمُسَمَّى بِقِسْطٍ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَقِيلَ: لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى (وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا حرُمَ وطؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ إِذَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى الْوَطْءِ، فَلِأَنْ يَحْرُمَ الْوَطْءُ بِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَأَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ (إِلَّا إِمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ;
فَصْلٌ وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ، لَمْ يَنْكِحْ إِلَّا رَجُلًا، فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِرَجُلٍ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وَإِنَّمَا حَرُمَ نِكَاحُهَا ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِرْقَاقِ الْوَلَدِ وَإِبْقَائِهِ مَعَ كَافِرَةٍ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي التَّسَرِّي، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ.
[نِكَاحُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ]
فَصْلٌ (وَلَا يَحِلُّ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ) نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ جِهَةَ مَا يُبِيحُ لَهُ النِّكَاحَ، فَلَمْ يَبُحْ لَهُ كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ فِي الْحَيَوَانَاتِ بِمَيْلِ الذَّكَرِ، وَبِالْعَكْسِ، وَهَذَا الْمَيْلُ فِي النَّفْسِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَرُجِعَ فِيهِ إِلَيْهِ ; لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا رُجِعَ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا وَعِدَّتِهَا، وَهَذَا فِي الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِحُكْمِهِ.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدُ) ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِتَحْرِيمِهِ ; وَلِأَنَّهُ إِذَا ادَّعَى غَيْرَ الْأَوَّلِ، يَكُونُ مُكَذِّبًا بِالنَّفَقَةِ، مُدَّعِيًا دَعْوَى يُنَاقِضُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، فَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ كَالْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ (وَإِنْ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ لَمْ يَنْكِحْ إِلَّا رَجُلًا) ; لِمَا ذَكَرْنَا (فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ) ; لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهِ، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِلَّا جَمِيعُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَوْلِهِ: أَنَا رَجُلٌ بِتَحْرِيمِ الرِّجَالِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ بِتَحْرِيمِ النِّسَاءِ (وَلَوْ تَزَوَّجَ بِرَجُلٍ ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ) ; لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ الْغَيْرِ، فَإِذَا زَالَ النِّكَاحُ، فَلَا مَهْرَ ; لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": إِنْ عَادَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ بِمُتَزَوِّجٍ مُنِعَ نِكَاحُ الصِّنْفَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ عِنْدِي، وَظَاهِرُهُ: قَوْلُ أَصْحَابِنَا: لَا يُمْنَعُ مِنَ الصِّنْفِ
بَابٌ الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ وَهِيَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ مِثْلُ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ أَوْ نَقْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى، فَهَذَا صَحِيحٌ لَازِمٌ إِنْ وَفَى بِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوَّلِ إِنْ عَادَ إِلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ أَوَّلًا وَقَدْ نَكَحَ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ مِنَ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَفِي نِكَاحِهِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ الْوَجْهَانِ.
فَائِدَةٌ: لَا يَحْرُمُ فِي الْجَنَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَدِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرُهُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ]
[الشُّرُوطُ الصَّحِيحَةُ]
بَابٌ الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ (وَهِيَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ) وَفَاسِدٌ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَانْقَسَمَ إِلَى ذَلِكَ كَالْبَيْعِ، وَالْأَوَّلُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: شَرْطُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَتَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ، وَتَمْكِينِهِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ، وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، وَالثَّانِي: شَرْطُ مَا تَنْتَفِعُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (مِثْلُ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ أَوْ نَقْدٍ مُعَيَّنٍ) ، فَهَذَا صَحِيحٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ (أَوْ) شَرَطَ أَنْ (لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ; لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ - مَرْفُوعًا - قَالَ: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ ; وَلِعُمُومَاتِ الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ ; وَلِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ مَالَ الْغَيْرِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَمْ تَرْضَ بِبَذْلِ فَرْجِهَا إِلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ وَشَأْنُ الْفَرْجِ أَعْظَمُ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا حَرُمَ الْمَالُ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، فَالْفَرْجُ أَوْلَى، مَعَ أَنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهَا، فَخَاصَمُوهُ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: لَهَا شَرْطُهَا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُ، وَحَكَاهَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَنْ شَيْخِهِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» وَعَنْ عَمْرِ بْنِ عَوْفٍ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ،
وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضُرَّتِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» .
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَوَابُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، أَيْ: فِي حُكْمِهِ وَشَرْعِهِ، وَهَذِهِ مَشْرُوعَةٌ، وَمَنْ نَفَاهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ الْحَلَالَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": يَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ بِالْغُرْمِ عَلَى الْإِخْرَاجِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَسَرَّى فَهَذَا صَحِيحٌ) ; لِقَوْلِ عُمَرَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ; وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، كَاشْتِرَاطِ نَقْدٍ مُعَيَّنٍ (لَازِمٌ إِنْ وَفَى بِهِ، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ) كَاشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ، كَكَوْنِهِ كَاتِبًا أَوْ صَانِعًا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُهُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ - وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمَنْصُوصُ الْإِمَامِ: أَنَّهُ كَالشَّرْطِ فِيهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: لَا يُؤَثِّرُ إِلَّا إِذَا اشْتَرَطَتْ فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ كَالشُّرُوطِ.
وَالثَّالِثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ شَرْطٍ يَجْعَلُ الْعَقْدَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، كَالتَّوَاطُؤِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ تَلْجِئَةٌ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَيُؤَثِّرُ، وَبَيْنَ شَرْطٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ، فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضُرَّتِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ) وَهُوَ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ لَهَا فِيهِ نَفْعًا وَفَائِدَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَاطِلٌ) هَذَا قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْأَشْهَرُ مِثْلُهُ بَيْعُ أَمَتِهِ، قَالَ
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهَا: مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلَ " وَغَيْرِهَا: إِذَا شَرَطَتْ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا إِذَا أَرَادَتِ انْتِقَالًا، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ تَصَرُّفِ الزَّوْجِ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ تَسْتَدْعِيَهُ إِلَى النِّكَاحِ وَقْتَ حَاجَتِهَا وَإِرَادَتِهَا، وَهُنَا شَرَطَتِ التَّسْلِيمَ عَلَى نَفْسِهَا فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، فَاقْتَصَرَتْ بِالشَّرْطِ فِي تَصَرُّفِهِ فِيهَا عَلَى بَعْضِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِإطْلَاقِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ عَلَى مَكَانٍ وَعَدَدٍ، فَلَا يَخُصُّ الشَّرْعُ الزَّوْجَةَ بِالتَّصَرُّفِ فِي الزَّوْجِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَا يَبْعُدُ صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ شَرْطِهَا طَلَاقُ ضُرَّتِهَا.
أَصْلٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي " الْهَدْيِ " فِي قِصَّةِ بَنِي هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ لَمَّا اسْتَأْذَنُوا أَنْ يُزَوِّجُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ تَضَمَّنَ هَذَا مَسْأَلَةَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ يُؤْذِي فَاطِمَةَ، وَيُرِيبُهَا، وَيُؤْذِيهِ وَيُرِيبُهُ، وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا زَوَّجَهُ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ، وَفِي ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صِهْرَهُ الْآخَرَ بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ فَصَدَقَهُ، وَوَعَدَهُ فَوَفَى لَهُ - تَعْرِيضٌ لِعَلِيٍّ، وَأَنَّهُ قَدْ جَرَى مِنْهُ وَعْدٌ لَهُ بِذَلِكَ، فَحَثَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَأَنَّ عَدَمَهُ يَمْلِكُ بِهِ الْفَسْخَ، فَقَوْمٌ لَا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، أَوِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتٍ لَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى نِسَائِهِمْ ضُرَّةً، وَيَمْنَعُونَ الْأَزْوَاجَ مِنْهُ، أَوْ تُعْلَمُ عَادَةً أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُمَكِّنُ مِنْ إِدْخَالِ الضُّرَّةِ عَلَيْهَا - كَانَ ذَلِكَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَحْمَدَ: أَنَّ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ، وَبِهَذَا أَوْجَبُوا الْأُجْرَةَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ، الْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ.
فَرْعٌ: مَتَى بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَلَا حَقَّ لَهَا فِي الشَّرْطِ، نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: وَإِنْ أَعْطَتْهُ مَالًا، وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا - يَرُدُّ عَلَيْهَا الْمَالَ إِذَا تَزَوَّجَ، وَأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهَا مَالًا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَتَزَوَّجَتْ - يُرَدُّ الْمَالُ إِلَى وَرَثَتِهِ.
[الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ]
[مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ]
[نِكَاحُ الشِّغَارِ]
فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: نِكَاحُ الشِّغَارِ) قِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِقُبْحِهِ تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُولَ،
مَهْرَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ سَمُّوا مَهْرًا، صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَصِحُّ.
وَالثَّانِي:
[المبدع في شرح المقنع]
يُقَالُ: شَغَرَ الْكَلْبُ، إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ الرَّفْعُ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَفَعَ رِجْلَهُ لِلْآخَرِ عَمَّا يُرِيدُ، وَقِيلَ: هُوَ الْبُعْدُ، كَأَنَّهُ بَعُدَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الْخُلُوِّ، يُقَالُ: شَغَرَ الْمَكَانُ إِذَا خَلَا، وَمَكَانٌ شَاغِرٌ: أَيْ: خَالٍ، وَشَغَرَ الْكَلْبُ: إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ ; لِأَنَّهُ أَخْلَى ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ رِجْلِهِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ فَرْجٌ بِفَرْجٍ، فَالْفُرُوجُ كَمَا لَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، فَلِأَنْ لَا يُعَارَضَ بُضْعٌ بِبُضْعٍ أَوْلَى ; وَلِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الْآخَرِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبِعْتُكَ ثَوْبِي بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي ثَوْبَكَ بِمِائَةٍ، (وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا) فَهَذَا بَاطِلٌ ; لِمَا رَوَى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الشِّغَارِ» ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَبُو دَاوُدَ جَعَلَ تَفْسِيرَهُ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، وَالنَّفْيُ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ; وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ الصَّحَابَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ أَنَّهُمَا فَرَّقَا فِيهِ، وَصَرَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَعَ - رِوَايَةً بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ، وَصِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ نَصِّهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ إِذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ إِنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ، والشَّرْطُ بَاطِلٌ ; إِذْ فَسَادُ التَّسْمِيَةِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ وَنَحْوِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ (فَإِنْ سَمُّوا مَهْرًا) مُسْتَقِلًّا غَيْرَ قَلِيلٍ حِيلَةً (صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِذِ التَّفْسِيرُ إِنْ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ نَافِعٍ فَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ بِمَا لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، فَيَقَعُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ) وَأَبُو بَكْرٍ فِي " الْخِلَافِ "، وَحَكَاهُ فِي " الْجَامِعِ " رِوَايَةً: أنَّهُ (لَا يَصِحُّ) ; لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا طَلَّقَهَا، فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ بِغَيْرِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَبَّاسِ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ، وَقَدْ كَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَبِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا جَعَلَا صَدَاقًا قَلِيلًا حِيلَةً، وَحَكَى الْمَجْدُ قَوْلًا وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ قَوْلِهِ: وَتَضَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَهْرَ الْأُخْرَى فَقَطْ لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّشْرِيكِ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفُ، أَنَّهُ مَتَى صَرَّحَ بِالتَّشْرِيكِ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، قَوْلًا وَاحِدًا، فَهَذِهِ الصُّورَةُ عِنْدَهُمْ مُخْرِجَةٌ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ يَصِحُّ مَعَهُ بِتَسْمِيَةٍ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا اخْتَارَهُ: أَنَّ بُطْلَانَهُ لِاشْتِرَاطِ عَدَمِ الْمَهْرِ، وَمَتَى قُلْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ إِذَا سَمَّيَا صَدَاقًا، فَقِيلَ: تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْمُسَمَّى وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَإِنْ سَمَّى لِإِحْدَاهُمَا صَدَاقًا دُونَ الْأُخْرَى، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَفْسَدُ فِي الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقًا، وَفِي الْأُخْرَى رِوَايَتَانِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: زَوَّجْتُكَ جَارِيَتِي هَذِهِ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ، وَيَكُونَ رَقِيقُهَا صَدَاقًا لِابْنَتِكَ - لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ، وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ رَقَبَةَ الْجَارِيَةِ صَدَاقًا لَهَا، صَحَّ، وَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً، وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقًا لَهَا، صَحَّ النِّكَاحُ، وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
[نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ]
(وَالثَّانِي: نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ) وَهُوَ حَرَامٌ بَاطِلٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا) لِلْأَوَّلِ (طَلَّقَهَا) أَوْ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ زَوَّجْتُكَهَا إِلَى أَنْ تَطَأَهَا، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَلِكَ،
شَرْطٍ، لَمْ يَصِحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ.
الثَّالِثُ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَهُوَ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَلْعَنُ عَلَى فِعْلٍ جَائِزٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَفَسَادِهِ، وَتَسْمِيَتُهُ مُحَلِّلًا لِقَصْدِهِ الْحِلَّ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ الْحِلُّ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَوُتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إِلَّا رَجَمْتُهُمَا، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ إِلَى مُدَّةٍ، وَفِيهِ شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ، أَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ، وَصِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ، لَكِنَّهُ خَرَّجَهَا مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ; لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ شَاهِينَ فِي غَرَائِبِ السُّنَنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، فَقَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا نِكَاحُ رَغْبَةٍ» ، لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ وَظَاهِرُهُ شَامِلٌ إِذَا اشْتَرَطَا التَّحْلِيلَ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ السَّابِقَ كَالْمُقَارِنِ، إِلَّا أَنَّ هُنَا النِّيَّةَ كَافِيَةٌ فِي الْمَنْعِ، فَغَايَتُهُ أَنَّهَا أُكِّدَتْ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ، نَعَمْ، لَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ نَوَى فِيهِ نِكَاحًا، فَالْمُؤَلِّفُ يُصَحِّحُهُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرْطَ السَّابِقَ كَالْمُقَارِنِ، فَالشَّرْطُ لَا يَلْزَمُ مَعَهُ الْعَقْدُ (وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ) قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْبَنَّا، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، أَمَّا الْكَرَاهَةُ ; فَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ، وَأَمَّا صِحَّتُهُ ; فَلِأَنَّهُ عَقْدٌ خَلَا عَنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ الْإِحْلَالِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ، عَنْ أَحْمَدَ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَفِي نَفْسِهِ طَلَاقُهَا - فَكَرِهَهُ، فَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ الشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً بِالصِّحَّةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ شَيْخِنَا، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إِذْ رِوَايَةُ حَرْبٍ فِيمَنْ نَوَى الطَّلَاقَ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْمُحَلِّلُ لَا رَغْبَةَ لَهُ فِيهِ أَصْلًا، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: إِذَا نَوَى التَّطْلِيقَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ كَنِيَّةِ التَّحْلِيلِ، وَنَصُّ أَحْمَدَ يَشْهَدُ لَهُمْ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
أَصْلٌ: لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِمُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ وَهَبَهَا الْعَبْدَ أَوْ بَعْضَهُ لِيَنْفَسِخَ نِكَاحُهَا، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَمُحَلِّلٍ، وَلَوْ دَفَعَتْ مَالًا هِبَةً لِمَنْ تَثِقُ بِهِ لِيَشْتَرِيَ مَمْلُوكًا، فَاشْتَرَاهُ وَزَوَّجَهُ بِهَا ثُمَّ وَهَبَهُ لَهَا - انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحْلِيلٌ مَشْرُوطٌ وَلَا مَنْوِيٌّ مِمَّنْ تُؤَثِّرُ نِيَّتُهُ وَشَرْطُهُ - وَهُوَ الزَّوْجُ - وَلَا أَثَرَ لِنِيَّةِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ، قَالَهُ فِي " إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " وَقَالَ: صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ ذَلِكَ يُحِلُّهَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ ": وَمَنْ لَا فُرْقَةَ بِيَدِهِ لَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ.
[نِكَاحُ الْمُتْعَةِ]
(الثَّالِثُ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ) نَقَلَ عَنْهُ ابْنَاهُ، وَحَنْبَلٌ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ حَرَامٌ ; لِمَا رَوَى عَلِيٌّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ عَامَ أَوْطَاسٍ ثَلَاثَةَ أَيَامٍ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا» وَعَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ «أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتْحَ مَكَّةَ، قَالَ: فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، فَأَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ حَرَّمَهَا» وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَبْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ» . وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَضَّدَهُ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّخْلِيَةِ، وَالِاسْتِدَامَةُ أَسْهَلُ مِنَ الِابْتِدَاءِ، وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنِّكَاحِ مِنَ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ، وَالتَّوَارُثِ - لَا يَجْرِي فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ ; إِذْ هِيَ لَازِمَةٌ لِلنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ: اجْتَنِبْهَا أَحَبُّ إِلَيَّ، فَأَثْبَتَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ فِي " الْخِلَافِ " رِوَايَةً، وَأَبَى ذَلِكَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنْهَا، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَقُولُ: تَوَقَّفَ عَنْ لَفْظِ الْحَرَامِ، وَلَمْ يَنْفِهِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَجَازَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ
أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَى مُدَّةٍ،
وَنِكَاحٌ يُشْرَطُ فِيهِ طَلَاقُهَا فِي وَقْتٍ، أَوْ عَلَّقَ ابْتِدَاءَهُ عَلَى شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا، فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي، فَنَهَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا بَعْدُ أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ﴾ [المائدة: 87] » الْآيَةَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ثُبُوتِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ نُسِخَ الْجَمِيعُ بِمَا تَقَدَّمَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً، ثُمَّ نُسِخَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ أُبِيحَتْ، ثُمَّ حُرِّمَتْ عَامَ الْفَتْحِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّهُ، ثُمَّ حَرَّمَهُ، ثُمَّ أَحَلَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ، إِلَّا الْمُتْعَةَ.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَى مُدَّةٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْلُومَةً كَإِلَى شَهْرٍ، أَوْ مَجْهُولَةٍ كَنُزُولِ الْمَطَرِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَ بِشَرْطِهِ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ وَفِي نِيَّتِهِ طَلَاقُهَا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: نِكَاحُ مُتْعَةٍ، وَالصَّحِيحُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ حَبْسُ امْرَأَتِهِ وَحَسْبُهُ إِنْ وَافَقَتْهُ، وَإِلَّا طَلَّقَهَا، وَقَالَ الشَّرِيفُ: وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ عَقَدَ بِقَلْبِهِ تَحْلِيلَهَا لِلْأَوَّلِ، أَوِ الطَّلَاقَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ - لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ.
[نِكَاحٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ طَلَاقُهَا]
(وَنِكَاحٌ يُشْرَطُ فِيهِ طَلَاقُهَا) فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ، وَهُوَ شَرْطٌ مَانِعٌ مِنْ بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ الْعَقْدُ دُونَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ مُطْلَقًا، وَشَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ شَرْطًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَطَأَهَا، وَكَمَا لَوْ نَوَى إِنْ وَافَقَتْهُ وَإِلَّا طَلَّقَهَا (أَوْ عَلَّقَ ابْتِدَاءَهُ) أَيِ: النِّكَاحُ (عَلَى شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا، فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ) ; لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَبَطَلَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْبَيْعِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ: إِلَّا زَوَّجْتُ أَوْ قَبِلْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَغَيْرُهُ: مُسْتَقْبَلٌ، فَيَصِحُّ عَلَى مَاضٍ وَحَاضِرٍ، كَزَوَّجْتُكَ هَذِهِ إِنْ كَانَتْ بِنْتِي، أَوْ كُنْتُ وَلِيَّهَا، أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا - وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ - أَوْ شِئْتَ، فَقَالَ: شِئْتُ وَقَبِلْتُ وَنَحْوُهُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ دُونَ شَرْطِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي " تَعْلِيقِهِ " بِشَرْطٍ، وَالْأَنَصُّ مِنْ
أَصْلِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، أَوْ يَقْسِمَ لَهَا أَكْثَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ الْأُخْرَى أَوْ أَقَلَّ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ، أَوْ إِنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتٍ، وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ رِوَايَتَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
كَلَامِهِ: جَوَازُهُ كَالطَّلَاقِ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بِأَنَّ هَذَا مُعَاوَضَةٌ أَوْ إِيجَابٌ، وَذَاكَ إِسْقَاطٌ غَيْرُ مُؤَثِرٍ، وَبِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِنَذْرِ التَّبَرُّرِ بِالْجَعَالَةِ.
مَسَائِلُ: إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ نِكَاحًا صَحِيحًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهُ - فَلَا عِتْقَ وَلَا نِكَاحَ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي الصَّدَاقِ، وَيُكْرَهُ تَقْلِيدُ مُفْتٍ بِهَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَجَمْعٌ: أَنَّهَا كَغَيْرِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَلَا يُثْبِتُ أَحْكَامَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خِلَافًا، بَلْ وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ بَطَّةَ أَنَّهُ كَزِنًا، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ إِلَى الْمَمَاتِ، وَإِذَا عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهِ بِالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَوَعَدَهَا سِرًّا - كَانَ أَشَدَّ تَحْرِيمًا مِنَ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ إِجْمَاعًا، لَا سِيَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَيُعْطِيهَا مَا يُحَلِّلُ بِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ]
(النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، أَوْ يَقْسِمَ لَهَا أَكْثَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ الْأُخْرَى أَوْ أَقَلَّ) أَوْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَدَمَ وَطْءٍ وَنَحْوَهُ (فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ) ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ; وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ، فَبَطَلَ كَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ (وَيَصِحُّ النِّكَاحُ) نَصَّ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِيهِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ، فَجَازَ أَنْ يَصِحَّ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ: إِذَا تَزَوَّجَ النَّهَارِيَّاتِ أَوِ اللَّيْلِيَّاتِ لَيْسَ مِنْ نِكَاحِ الْإِسْلَامِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: إِذَا تَزَوَّجَ عَلَى شَرْطٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُقِيمَ - جَدَّدَ النِّكَاحَ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيمَا إِذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَطَأَ أَوْ لَا يُنْفِقَ، أَوْ إِنْ فَارَقَ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ بِشَرْطِ تَرْكِ الْوَطْءِ فَقَطْ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ تَوَقُّفَهُ فِي الشَّرْطِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَيَخْرُجُ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ صِحَّتَهُ كَشَرْطِهِ تَرْكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بِأَنَّ لَهُ مُخَلِّصًا كَمِلْكِهِ طَلَاقَهَا وَأَجَابَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِأَنَّ عَلَيْهِ الْمَهْرَ، وَابْنُ عَقِيلٍ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَإِنْ صَحَّ وَطَلَبَتْهُ فَارَقَهَا وَأَخَذَ الْمَهْرَ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخُلْعِ.
[أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ]
(الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ، أَوْ إِنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتٍ، وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ) ; لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي
فَصْلٌ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً، فَلَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ شَرَطَهَا كِتَابِيَّةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا إِذَا شَرَطَهَا أَمَةً فَبَانَتْ حُرَّةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا، أَوْ جَمِيلَةً، أَوْ نَسِيبَةً، أَوْ شَرَطَ نَفْيَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ، فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ - فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً
[المبدع في شرح المقنع]
" الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ، أَشْبَهَ الْعِتْقَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا ; لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ثابتا لَازِمًا، فَنَافَاهُ الشَّرْطُ وَأَبْطَلَهُ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ صِحَّتَهَا، وَبَعْدَهَا الْقَاضِي، وَاخْتَارَ الصِّحَّةَ فِيهِمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ، وَقَالَ: وَإِنْ بَطَلَ لَمْ يَلْزَمِ الْعَقْدُ بِدُونِهِ، وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْمَهْرِ كَذَا، وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَإِنَّ طَلَّقَ بِشَرْطِ خِيَارٍ وَقَعَ.
[إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً]
فَصْلٌ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً، فَلَهُ الْخِيَارُ) أَيْ: خِيَارُ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ، وَضَرَرُهُ يَتَعَدَّى إِلَى الْوَلَدِ (وَإِنْ شَرَطَهَا كِتَابِيَّةً) أَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً وَلَمْ تُعْرَفْ بِتَقَدُّمِ كُفْرٍ (فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ) ; لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهُ الْخِيَارُ) ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهَا، وَفِي " الشَّرْحِ ": إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً، فَبَانَتْ كَافِرَةً، فَلَهُ الْخِيَارُ (كَمَا إِذَا شَرَطَهَا أَمَةً) وَكَانَ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ (فَبَانَتْ حُرَّةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ) ; لِأَنَّ وَلَدَهُ يَسْلَمُ مِنَ الرِّقِّ، وَيَتَمَكَّنُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكَذَا إِذَا شَرَطَهَا ذَاتَ نَسَبٍ، فَبَانَتْ أَشْرَفَ مِنْهُ أَوْ عَلَى صِفَةٍ دَنِيئَةٍ، فَبَانَتْ خَيْرًا مِنْ شَرْطِهَا (وَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا، أَوْ جَمِيلَةً، أَوْ نَسِيبَةً، أَوْ شَرَطَ نَفْيَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ) كَالْعَمَى وَالشَّلَلِ (فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ، فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: لَا خِيَارَ لَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَدُّ لَهُ بِعَيْبٍ سِوَى الْعُيُوبِ السَّبْعَةِ، فَلَا يُرَدُّ بِمُخَالَفَةِ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ شَرَطَتْ ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ.
يَظُنُّهَا حُرَّةً، فَأَصَابَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَيَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ يَوْمَ وِلَادَتِهِمْ وَيَرْجِعُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: لَهُ الْفَسْخُ، اخْتَارَهَا فِي " التَّرْغِيبِ " و" الرِّعَايَةِ "، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ; لِأَنَّهَا صِفَاتٌ مَقْصُودَةٌ، فَصَحَّ شَرْطُهَا كَالْحُرِيَّةِ، وَقِيلَ: لَهُ الْفَسْخُ فِي شَرْطِ النَّسَبِ خَاصَّةً وَفِي " الْإِيضَاحِ "، وَاخْتَارَهُ فِي الْفُصُولِ فِي شَرْطِ بِكْرٍ، إِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ رَجَعَ بِمَا بَيْنَ الْمَهْرَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، وَفِي " الْفُنُونِ " فِي شَرْطِ أبِكْرٍ: يَحْتَمِلُ فَسَادَ الْعَقْدِ ; لِأَنَّ لَنَا قَوْلًا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى صِفَةٍ فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ وَإِنْ غَرَّتْهُ وَقَبَضَتْهُ، وَإِلَّا سَقَطَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا ظَنَّهَا بِكْرًا فَلَمْ تَكُنْ، فَلَا فَسْخَ لَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ شَرَطَتْهُ حُرًّا أَوْ ظَنَّتْهُ فبان عبدا، بَطَلَ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَلَهَا الْفَسْخُ، فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ، فَلَا مَهْرَ، وَبَعْدَ أَحَدِهِمَا بِحَسَبِ الْمُسَمَّى وَالْعِدَّةِ، وَإِنْ شَرَطَهُ بِصِفَةٍ غَيْرِ الْحُرِّيَّةِ فَبَانَ أَقَلَّ، لَمْ يُخَيَّرْ، وَفِي النَّسَبِ إِنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْكَفَاءَةِ وَجْهَانِ، وَإِنْ خَرَجَ مُمَاثِلًا لَهُ، فَوَجْهَانِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ": إِنَّ شَرْطَهَا فِيهِ أَبْلَغُ مِنْ شَرْطِهِ فِيهَا ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ طَلَاقَهَا وَلَا تَمْلِكُ طَلَاقَهُ، وَفِي " الْكَافِي ": إِنْ غُرِّتِ الْأَمَةُ بِعَبْدٍ فَتَزَوَّجَتْهُ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
[إِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً]
(وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً) أَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " مُقَارَنَتَهُ - لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ بِالْغُرُورِ، لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الْفَرَسَ، فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ الشَّخْصُ دُونَ الصِّفَاتِ، فَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهُ فِي صِحَّتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ هَذِهِ الْحَسْنَاءَ، فَإِذَا هِيَ شَوْهَاءُ، وَذَاتُهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَالْبَيْعُ يُؤَثِّرُ فِيهِ فَوَاتُ الصِّفَاتِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ (فَأَصَابَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِاعْتِقَادِهِ حُرِّيَّتَهُ، كَمَا إِذَا اشْتَرَى أَمَةً، فَبَانَتْ مَغْصُوبَةً بَعْدَ أَنْ أَوْلَدَهَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: كَمَا يَنْعَقِدُ وَلَدُ الْقُرَشِيِّ قُرَشِيًّا بِاعْتِقَادِهِ (وَيَفْدِيهِمْ) عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ; لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ; وَلِأَنَّهُ نَمَاءُ مَمْلُوكِهِ، فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِمَالِكِهَا، وَقَدْ فَوَّتَهُ الزَّوْجُ بِاعْتِقَادِهِ الْحَرِيَّةَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ فَوَّتَهُ بِفِعْلِهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا فِدَاءَ عَلَيْهِ ; لِانْعِقَادِ الْوَلَدِ حُرًّا، وَالْحُرُّ لَا يَمْلِكُ، وَرَوَى الْخَلَّالُ هَذِهِ، وَقَالَ: أَحْسَبُهُ قَوْلًا، رُوِيَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ; لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى الْفِدَاءِ،
بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَإِنْ كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفِدَاءِ فَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا، وَبَيْنَ التَّرْكِ فَيَكُونُ رَقِيقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ، شَرْطَ أَنْ تَضَعَهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، وَصِفَةُ الْفِدَاءِ وَوَقْتُهُ تَقَدَّمَا فِي الْغَصْبِ (بِمِثْلِهِمْ يَوْمَ وِلَادَتِهِمْ) ; لِقَوْلِ عُمَرَ: مَكَانُ كُلِّ غُلَامٍ بِغُلَامٍ، وَكُلِّ جَارِيَةٍ بِجَارِيَةٍ، وَعَنْهُ: يَفْدِيهِمْ بِقِيمَتِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " ; لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ، فَيُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ فِيهِمَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَقَدْ نَكَحَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا - فَلَهَا الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَاخْتَارَ الْفَسْخَ، فَلَا مَهْرَ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ لِعُذْرٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَبُحْ لَهُ، فَبَاطِلٌ كَعِلْمِهِ، وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ: يَصِحُّ، وَلَهُ الْخِيَارُ، وَبِنَاه فِي " الْوَاضِحِ " عَلَى الْكَفَاءَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا مَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ هَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، فَلَا مَهْرَ قَبْلَ الْخَلْوَةِ ; لِفَسَادِ الْعَقْدِ، وَكَذَا بَعْدَهَا عَلَى رَأْيِ الْمُؤَلِّفِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَجِبُ (وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ) أَيْ: مِنَ الْمَهْرِ وَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ - فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِقَضَاءِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَأَمْرِهِ بِإِتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ فِي " الْوَاضِحِ "، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ لَاسِيَّمَا وَقَدِ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمُقَابِلَةَ لَهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ ثُمَّ إِنِّي هِبْتُهُ، وَكَأَنِّي أَمِيلُ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ، وَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْخِدْمَةِ إِذَا غَرِمَهَا، وَظَاهِرُهُ الرُّجُوعُ مَعَ الظَّنِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; إِذِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ قَضَوْا بِالرُّجُوعِ لَمْ يَسْتَفْصِلُوا، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ خِلَافَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَعَنِ الْقَاضِي: لَا يَرْجِعُ إِلَّا مَعَ شَرْطٍ مُقَارِنٍ لَا مَعَ تَقَدُّمِهِ ; لِأَنَّهُ مُفْرِطٌ حَيْثُ اعْتَمَدَ عَلَى ظَنِّهِ.
تَنْبِيهٌ: الْغَارِمُ مَنْ عَلِمَ أَنَّهَا أَمَةٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ، نَصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ أَوِ الْمَرْأَةُ أَوْ وَكِيلُهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ وَقَالَ: هِيَ حُرَّةٌ عُتِقَتْ، وَبِغَيْرِهَا لَا تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ، وَلَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ، نَعَمْ، إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الزَّوْجَ لَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ، وَجَبَ لِلسَّيِّدِ ; لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ; لِأَنَّ شَرْطَهُ الْمُقَارَنَةُ، وَإِنْ كَانَ وَكَيْلَهَا، رَجَعَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلْ صَرِيحُهُ فِي
مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ رَقِيقٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا، فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ، وَيَفْدِيهِمْ إِذَا عُتِقَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
رِوَايَةِ ابْنَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ، فَفِي الرُّجُوعِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا - هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَالْمُؤَلِّفِ -: لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا لِمَكَانِ الْغُرُورِ، وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا أَوْ ذِمَّتِهَا عَلَى وَجْهَيِ اسْتِدَانَةِ الْعَبْدِ بِدُونِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَالثَّانِي - وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ -: لَا رُجُوعَ ; إِذِ الْوَلَدُ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَهِيَ لَا تَمْلِكُ بَذْلَ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ طَرَفِهَا، وَلِمُسْتَحَقِّ الْفِدَاءِ مُطَالَبَةُ الْغَارِّ أَوَّلًا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) ; لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، أَشْبَهَ الْمَنْكُوحَةَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بِلَا رِضًا، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَهَا بِلَا رِضَا سَيِّدِهَا أَوِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": أنَّ الْمَغْرُورَ الْحُرَّ لَا يَبْطُلُ نِكَاحُهُ فِي وَجْهٍ، بَلْ لَهُ الْخِيَارُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) بِالشَّرْطَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْحُرِّ، وَفِي الْعَبْدِ أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ (فَلَهُ الْخِيَارُ) ; لِأَنَّهُ غُرَّ بِحُرِّيَتِهَا، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا لَوْ غُرَّتْ بِحُرِّيَتِهِ ; وَلِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِهِ بِالْوَلَدِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (فَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ رَقِيقٌ) ; لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ إِذَنْ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِ عُمَرَ، وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ عُلِّقَتْ بِهِ قَبْلَ الرِّضَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَضْعِ، أَمَّا هُنَا فَقَدْ جَعَلَ الْحُكْمَ مَنُوطًا بِالْعُلُوقِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ، وَإِنِ اخْتَارَ فَسْخَ النِّكَاحِ انْفَسَخَ، وَعُمُومُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِيَارِ لِلْعَبْدِ كَالْحُرِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ لِتَسَاوِيهِمَا.
تَنْبِيهٌ: مَنْ غُرَّ بِحُرِّيَّةِ مُكَاتَبَةٍ أَوْ مَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ - فَكَالْأَمَةِ وَلَا مَهْرَ فِي الْأَصَحِّ ; لِمُكَاتَبَةٍ غَارَّةٍ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَوَلَدُهَا مُكَاتَبٌ، فَيَغْرَمُ أَبُوهُ قِيمَتَهُ لَهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا يَجِبُ لَهَا الْبَعْضُ فَيَسْقُطُ، وَوَلَدُهَا يَغْرَمُ أَبُوهُ قَدْرَ رِقِّهِ، وَلَوْ أَوْهَمَتْهُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ سُرِّيَّتُهُ بِظَنِّهِ فَمَوْطُوءَةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ أَوْهَمَهُ سَيِّدُهَا بِهِ فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَهُ وَيُغَرَّرُ عَالِمُهُ، ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَإِنْ جَهِلَ فَسَادَ نِكَاحٍ كَتَغْرِيرِ غَارٍّ كَأُخْتِهِ مِنَ رَضَاعٍ - فَالْمَهْرُ عَلَى الْغَارِّ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ) ; لِأَنَّهُ سَاوَى الْحُرَّ فِي اعْتِقَادِ حُرِّيَّتِهِ (وَيَفْدِيهِمْ
غَرَّهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ تَظُنُّهُ حُرًّا فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ.
فَصْلٌ وَإِنْ عُتِقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا عُتِقَ) كَالْحُرِّ ; لِفَوَاتِ الرِّقِّ الْمُسْتَحَقِّ، لَكِنَّ الْحُرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ فِي الْحَالِ كَبَقِيَّةِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ لَهُ، أَمَّا الْعَبْدُ فَلَا مَالَ لَهُ فِي الْحَالِ، فَيَتَأَخَّرُ الْفِدَاءُ إِلَى وَقْتِ مِلْكِهِ وَيَسَارِهِ وَهُوَ الْعِتْقُ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " عَلَى الْخِلَافِ فِي اسْتِدَانَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَبَنَاهُ الْمُؤَلِّفُ عَلَى خُلْعِ الْأَمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا، وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " التَّرْغِيبِ " كَجِنَايَتِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ فِعْلِهِ بِخِلَافِ الْفِدَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْنِ فِي عِتْقِهِمْ، وَإِنَّمَا عُتِقُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ) كَالْحُرِّ، لَكِنْ يَرْجِعُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى حِينِ الْغُرْمِ ; حِذَارًا مِنْ أَنْ يَجِبَ لَهُ مَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، نَعَمْ، يَتَعَلَّقُ الْفِدَاءُ بِرَقَبَتِهِ يَرْجِعُ بِهِ السَّيِّدُ فِي الْحَالِ.
[إِنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ فَبَانَ عَبْدًا]
(وَإِنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ تَظُنُّهُ حُرًّا، فَبَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لِلْعَبْدِ إِذَا غُرَّ بِأَمَةٍ، ثَبَتَ لَهَا إِذَا غُرَّتْ بِعَبْدٍ، وَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ الْعَقْدِ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ; وَلِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ حُرَّةً وَكَانَتْ حُرِّيَّةُ الزَّوْجِ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْخِيَارُ ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَالْخِيَارُ يَعْتَمِدُ الصِّحَّةَ، وَحِينَئِذٍ فَإِنِ اخْتَارَتِ الْإِمْضَاءَ فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ.
[إِنْ عُتِقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ]
فَصْلٌ (وَإِنْ عُتِقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ) أَوْ بَعْضُهُ (فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) هَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأَكْثَرِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَهَا الْخِيَارُ ; لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَرِيرَةَ، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا
عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَلَهَا الْفَسْخُ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ فَسْخِهَا، أَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا - بَطَلَ خِيَارُهَا، فَإِنِ ادَّعَتِ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ - وَهُوَ مِمَّا
[المبدع في شرح المقنع]
» وَجَوَابُهُ أَنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَعَنِ الْخَبَرِ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ وَعُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَقَالَتْ: لَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ عَائِشَةُ عَمَّةُ الْقَاسِمِ وَخَالَةُ عُرْوَةَ، فَرِوَايَتُهُمَا عَنْهَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ أَجْنَبِيٍّ يَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ مِنْ فَسْخِ النِّكَاحِ) بِالْإِجْمَاعِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَيَّرَ بَرِيرَةَ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْفَسْخَ فَلَهَا فِرَاقُهُ، وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ فَلَا ; لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، فَإِنْ عُتِقَ بَعْضُهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَعَنْهُ: أَوْ مُعْتَقٌ بَعْضُهُ، وَعَنْهُ: لَيْسَ فِيهِ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهَا، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ مُعْتَقٍ بَعْضُهُ، فَلَهَا الْفَسْخُ (وَلَهَا الْفَسْخُ) عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ (بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ) ; لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُجْتَهَدٍ فِيهِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ كَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْفِرَاقَ كَانَ فَسْخًا وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، قَالَ أَحْمَدُ: الطَّلَاقُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ; وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ، فَكَانَتْ فَسْخًا كَمَا لَوِ اخْتَلَفَ دِينُهَما أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُنفْسَخُ نِكَاحُهُ بِرَضَاعِهَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، أَوْ فَسَخْتُ هَذَا النِّكَاحَ انْفَسَخَ، وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، وَنَوَتِ الْمُفَارَقَةَ - كَانَ كِنَايَةً فِي الْفَسْخِ (فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ فَسْخِهَا) بَطَلَ خِيَارُهَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالرِّقِّ، وَقَدْ زَالَ بِعِتْقِهِ، فَسَقَطَ كَالْمَبِيعِ إِذَا زَالَ عَيْبُهُ (أَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَفْصَةَ - رَوَاهُ مَالِكٌ ; «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَبَرِيرَةَ: فَإِنْ قَرَبَكِ، فَلَا خِيَارَ لَكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ عَلِمَتْ بِالْخِيَارِ أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ إِذَا لَمْ
يَجُوزُ جَهْلُهُ - أَوِ الْجَهْلَ بِمِلْكِ الْفَسْخِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَبْطُلُ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ.
وَخِيَارُ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا.
فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً، فَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ وَعَقَلَتْ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا الِاخْتِيَارُ عَنْهَا، فَإِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ عُتِقَتِ الْمُعْتَدَّةُ
[المبدع في شرح المقنع]
تَعْلَمْ، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ عِلْمِهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا، فَعَلَيْهِ إِذَا وَطِئَهَا و (ادَّعَتِ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ - وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ جَهْلُهُ) مِثْلُ أَنْ يُعْتِقَهَا سَيِّدُهَا فِي بَلَدٍ آخَرَ (أَوِ الْجَهْلُ بِمِلْكِ الْفَسْخِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهَا، فَلَوْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ وَاشْتُهِرَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " قِيلَ: يَجُوزُ جَهْلُهُ، وَقِيلَ: لَا يُخَالِفُهَا ظَاهِرٌ، فَلَا فَسْخَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَبْطُلُ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ) ; لِقَوْلِ حَفْصَةَ لِامْرَأَةٍ عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ مَا لَمْ يَمَسَّكِ، فَلَيْسَ لَكِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.
رَوَاهُ مَالِكٌ ; وَلِأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ، فَيَسْقُطُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مَعَ الْجَهَالَةِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": فَإِنِ ادَّعَتْ جَهْلًا بِعِتْقِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ، وَعَكْسُهُ الْجَهْلُ بِمِلْكِ الْفَسْخِ.
(وَخِيَارُ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي) فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَفْصَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ; وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَثَبَتَ كَخِيَارِ الْقِصَاصِ (مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا) ; لِمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أُعْتِقَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا.
فَرْعٌ: أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّزْوِيجِ بِأَمَةٍ فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَ الْعَبْدَ، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فِي الْمَشْهُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفْسَخَ نِكَاحُهُمَا بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ إِذَا اسْتَغْنَى عَنْ نِكَاحِ أَمَةٍ بِحُرَّةٍ (فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً فَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ) سِنًّا يُعْتَبَرُ قَوْلُهَا فِيهِ (وَعَقَلَتْ) وَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ لَا عَقْلَ لَهُمَا وَلَا قَوْلَ مُعْتَبَرٌ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا بَلَغَتْ سَبْعَ سِنِينَ (وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا الِاخْتِيَارُ عَنْهَا) ; لِأَنَّ هَذَا طَرِيقة الشَّهْوَةُ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ الْوَلِيُّ كَالْقِصَاصِ