المبدع في شرح المقنعصفحات 3-42

كِتَابُ الْعَارِيَةِ

صفحات 3-42

هِيَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، وَأَصْلُهَا مِنْ عَارَ إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعِيَارِ بَطَّالٌ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَعَارَهُ وَعَارَهُ كَأَطَاعَهُ وَطَاعَهُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ تَبَعًا لِلْجَوْهَرِيِّ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَارِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهَا، وَأَصْلُ الْمَادَّةِ فِيمَا قِيلَ: الْعُرْيُ الَّذِي هُوَ التَّجَرُّدُ تُسَمَّى عَارِيَةً لِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْعِوَضِ، كَمَا تُسَمَّى النَّخْلَةُ الْمَوْهُوبَةُ عُرْيَةً لِتَعَرِّيهَا عَنِ الْعِوَضِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ التَّعَاوُرِ أَيِ التَّنَاوُبِ لِجَعْلِهِ لِلْغَيْرِ نَوْبَةً فِي الِانْتِفَاعِ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ الْعَوَارِي، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ» ، وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ، فَهِيَ كَهِبَةِ الْأَعْيَانِ، وَقِيلَ: تَجِبُ مَعَ غِنَى رَبِّهِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَاجِبَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ.
(وَهِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ) أَيْ: مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِ، وَالْأَوْلَى: إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحِلُُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لِيَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُعِيرِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ شَرْعًا، وَأَهْلِيَّةُ مُسْتَعِيرٍ لِلتَّبَرُّعِ لَهُ، وَتَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ

الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، وَيُكْرَهُ إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيْرَ مَحْرَمِهَا، وَاسْتِعَارَةُ وَالِدَيْهِ

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَيْهَا (تَجُوزُ فِي كُلِّ الْمَنَافِعِ) الْمُبَاحَةُ كَالدُّورِ، وَالْعَبِيدِ، وَالدَّوَابِّ، وَالثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَعَارَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ فَرَسًا، وَمِنْ صَفْوَانَ أَدْرَاعًا، وَسُئِلَ عَنْ حَقِّ الْإِبِلِ، فَقَالَ: " إِعَارَةُ ذَلُولِهَا، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا» ، فَثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا، وَتَدْخُلُ فِيهِ إِعَارَةُ النَّقْدَيْنِ لِلْوَزْنِ، فَإِنِ اسْتَعَارَهُمَا لِلنَّفَقَةِ فَقَرْضٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ.
وَنَقَلَ صَالِحٌ: مِنْحَةُ لَبَنٍ هُوَ الْعَارِيَةُ، وَمِنْحَةُ وَرَقٍ هُوَ الْقَرْضُ (إِلَّا مَنَافِعَ الْبُضْعِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فَلَمْ يَجُزْ إِجْمَاعًا.
(وَلَا تَجُوزُ إِعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِخْدَامُهُ، فَكَذَا إِعَارَتُهُ، وَقِيلَ: هُوَ كَإِجَارَتِهِ، وَقِيلَ: بِالْكَرَاهَةِ، وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ لِمُحَرَّمٍ، وَقِيلَ: كَلْبًا لِصَيْدٍ، وَفَحْلًا لِضِرَابٍ.
فَرْعٌ: تَجِبُ إِعَارَةُ مُصْحَفٍ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَى الْقِرَاءَةِ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَتُكْرَهُ إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيْرَ مَحْرَمِهَا) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا لِشَابٍّ خُصُوصًا الْأَعْزَبُ، وَلَا بِأْسَ بِشَوْهَاءَ، وَكَبِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَهِي مِثْلَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إِعَارَتُهَا لِامْرَأَةٍ، وَلَا ذِي مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا (وَ) تُكْرَهُ (اسْتِعَارَةُ وَالِدَيْهِ) إِذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا (لِلْخِدْمَةِ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِخْدَامُهُمَا، فَكَذَا اسْتِعَارَتُهُمَا لِذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِعَارَةُ وَلَدِهِ لَهَا كَأُمِّ وَلَدِهِ.

[رُجُوعُ الْمُعِيرِ فِي الْعَارِيَةِ]

(وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً، قَبْلَ الِانْتِفَاعِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ: إِنْ عَيَّنَ مُدَّةً تَعَيَّنَتْ، وَعَنْهُ: وَمَعَ الْإِطْلَاقِ لَا يَرْجِعُ قَبْلَ انْتِفَاعِهِ، وَلَزِمَهُ تَرْكُهَا مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا.

لِلْخِدْمَةِ،

وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سَفِينَةً لِحَمْلِ مَتَاعِهِ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَبْلَى الْمَيِّتُ، وَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ لَمْ يَرْجِعْ مَا دَامَ عَلَيْهِ، فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ لِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ، وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزَّرْعِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَصَادِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا فَيَحْصُدُ، وَإِنْ أَعَارَهَا لِلْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْقَلْعَ فِي وَقْتٍ أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَقَالَ: يَحْصُلُ بِهَا الْمِلْكُ مَعَ عَدَمِ قَبْضِهَا، وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ، فَيَجُوزُ لَهُ الرَّدُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ مَصْدَرُ شَغَلَ يَشْغَلُ، وَفِيهِمَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ (بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سَفِينَةً) فَعِيلَةً مِنَ السَّفْنِ (لِحَمْلِ مَتَاعِهِ) أَوْ لَوْحًا يَرْقَعُ بِهِ سَفِينَةً فَرَقَعَهَا، وَلَجَّجَ فِي الْبَحْرِ (فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا رَسَتْ جَازَ الرُّجُوعُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ (وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ، لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَبْلَى الْمَيِّتُ) لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَصِيرَ رَمِيمًا.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُخْرِجُ عِظَامَهُ، وَيَأْخُذُ أَرْضَهُ، وَلَا أُجْرَةَ لَهَا، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا قَبْلَ الدَّفْنِ (وَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ) جَازَ كَالْأَرْضِ لِلْغَرْسِ (لَمْ يَرْجِعْ مَا دَامَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ هَذَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَدْفَعُ إِلَيْكَ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُسْتَعِيرَ ذَلِكَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ (فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ لِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ) لِأَنَّ الْإِذْنَ تَنَاوَلَ الْحَائِطَ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ: لَهُ إِعَارَتُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ قَالَ: وَهُوَ اللَّائِقُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مُسْتَمِرٌّ، فَكَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مُسْتَمِرًّا، وَعَلَى الْأَوَّلِ سَوَاءٌ بَنَى الْحَائِطَ بِآلَتِهِ، أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ زَالَتِ الْخُشُبُ بِانْهِدَامٍ، أَوْ بِاخْتِيَارِ الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنْ أَذِنَ فِي إِعَادَتِهِ، أَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرِ الْحَائِطُ جَازَ.
(وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزَّرْعِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَصَادِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، فَإِنْ بَذَلَ لَهُ الْمُعِيرُ قِيمَةَ الزَّرْعِ لِيَمْلِكَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا فَيَحْصُدُ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ

عِنْدَ رُجُوعِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَزِمَهُ الْقَلْعُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطٍ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ الْقَلْعَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُعِيرُ النَّقْصَ، فَإِنْ قَلَعَ فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ فَلِلْمُعِيرِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ بِيعَا لَهُمَا، فَإِنْ أَبَيَا

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ أَعَارَهَا لِلْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْقَلْعَ فِي وَقْتٍ، أَوْ عِنْدَ رُجُوعِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَزِمَهُ الْقَلْعُ) مَجَّانًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَةَ مُؤَقَّتَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ فَلَمْ تَتَنَاوَلْ مَا عَدَا الْمُقَيَّدَ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ دَخَلَ فِيهَا رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِالْقَلْعِ، وَظَاهِرُهُ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَمَانُ نَقْصِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) لِرِضَاهُ بِضَرَرِ الْقَلْعِ (إِلَّا بِشَرْطٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا (وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ الْقَلْعَ لَمْ يَلْزَمْهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ (إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُعِيرُ النَّقْصَ) فَيَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي الْعَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ.
وَقَالَ الْحُلْوَانِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ (فَإِنْ قَلَعَ) الْمُسْتَعِيرُ، وَلَيْسَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) لِأَنَّ الْقَلْعَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَوِ امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ التَّسْوِيَةُ كَالْمُشْتَرِي لِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ إِذَا أَخَذَ غَرْسَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ رَضِيَ بِذَلِكَ حَيْثُ أَعَارَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ قَلْعَ غَرْسِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْحَفْرِ (وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ) أَيْ فِي حَالٍ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِيهَا (فَلِلْمُعِيرِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ) وَيُجْبَرُ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَرْسَهُ أَوْ بِنَاءَهُ حَصَلَ فِي مُلْكِ غَيْرِهِ كَالشَّفِيعِ مَعَ الْمُشْتَرِي، وَالْمُؤَجِّرِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ قَالَ الْمُسْتَعِيرُ: أَنَا أَدْفَعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِتَصِيرَ لِي لَمْ يَلْزَمِ الْمُعِيرَ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ لِلْأَرْضِ بِدَلِيلِ دُخُولِهِمَا فِي الْبَيْعِ (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ) أَيْ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَأَرْشِ النَّقْصِ، وَامْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ مِنَ الْقَلْعِ وَدَفْعِ الْأَجْرِ (بِيعَا) أَيِ الْغِرَاسُ وَالْأَرْضُ (لَهُمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى تَحْصِيلِ مَالِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَيُدْفَعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ، فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَةُ الْأَرْضِ فَارِغَةً، فَيُقَالُ: عَشَرَةٌ وَمَشْغُولَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَيَكُونُ لِلْمُعِيرِ ثُلُثَا الثَّمَنِ،

الْبَيْعَ تُرِكَ بِحَالِهِ.

وَلِلْمُعِيرِ التَّصَرُّفُ فِي أَرْضِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالشَّجَرِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ الدُّخُولُ لِلسَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ وَأَخْذِ الثَّمَرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ أُجْرَةً مِنْ حِينِ الرُّجُوعِ، وَذَكَرُوا عَلَيْهِ أُجْرَةً فِي الزَّرْعِ فَيَخْرُجُ فِيهِمَا وَفِي سَائِرِ

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِلْمُسْتَعِيرِ ثُلُثُهُ، فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيْعُ مَا لَهُ مُنْفَرِدًا لِمَنْ شَاءَ، وَيَكُونُ كَهُوَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْتَعِيرِ لِغَيْرِ الْمُعِيرِ (فَإِنْ أَبَيَا الْبَيْعَ تُرِكَ بِحَالِهِ) أَيْ: يَبْقَى فِيهَا مَجَّانًا فِي الْأَصَحِّ حَتَّى يَتَّفِقَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَبِيعُهُمَا الْحَاكِمُ.
تَنْبِيهٌ: غَرْسُ الْمُشْتَرِي وَبِنَاؤُهُ كَذَلِكَ إِذَا فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ فَلَسٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَأْخُذُهُ، وَلَا يَقْلَعُهُ.
وَقِيلَ: إِنْ أَبَى الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ، وَأَبَى دَفْعَ قِيمَتِهِ رَجَعَ أَيْضًا.

[تَصَرُّفُ الْمُعِيرِ فِي أَرْضِهِ]

(وَلِلْمُعِيرِ التَّصَرُّفُ فِي أَرْضِهِ) وَالِانْتِفَاعُ بِهَا كَيْفَ شَاءَ وَدُخُولُهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالشَّجَرِ) وَالْبِنَاءِ لِإِذْنِهِ فِيهِمَا، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمَا (وَلِلْمُسْتَعِيرِ الدُّخُولُ لِلسَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ وَأَخْذِ الثَّمَرَةِ) لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الشَّيْءِ إِذَنٌ فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِهِ، وَاقْتَضَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالتَّفَرُّجِ وَنَحْوِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ أُجْرَةً مِنْ حِينِ الرُّجُوعِ) لِأَنَّ بَقَاءَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ بِحُكْمِ الْعَارِيَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِلَا أُجْرَةٍ كَالْخَشَبِ عَلَى الْحَائِطِ (وَذَكَرُوا) أَيْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ (عَلَيْهِ أُجْرَةً فِي الزَّرْعِ) مِنْ رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى رُجُوعِ الْمُعِيرِ مَنْعُ الْمُسْتَعِيرِ مِنَ الِانْتِفَاعِ ضَرُورَةَ بُطْلَانِ الْإِذْنِ الْمُبِيحِ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ (فَيَخْرُجُ فِيهِمَا وَفِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ) أَيْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُشْبِهُهَا (وَجْهَانِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الرُّجُوعِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ، فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ مِنَ الزَّرْعِ إِلَى الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ، وَعَكَسَ آخَرُونَ.
وَقِيلَ: يَجْرِي فِي كُلِّ مَا اسْتُعِيرَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِيمَا سِوَى أَرْضٍ لِلدَّفْنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الرُّجُوعِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنَ الْقَلْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، فَفِي دَفْعِ الْأُجْرَةِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَةِ بَاقٍ فِيهِ، لِكَوْنِهَا صَارَتْ لَازِمَةً لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ

الْمَسَائِلِ وَجْهَانِ، وَإِنْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى بَعْدَ الرُّجُوعِ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَهُوَ غَاصِبٌ يَأْتِي حُكْمُهُ، وَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضٍ فَنَبَتَ فِيهَا فَهُوَ لِصَاحِبِهِ فَيَبْقَى إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا أُجْرَةَ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ حَمَلَ غَرْسَ رَجُلٍ فَنَبَتَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَهَلْ يَكُونُ

[المبدع في شرح المقنع]

بِفَسْخِهَا، وَالْإِعَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
(وَإِنْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى بَعْدَ الرُّجُوعِ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَهُوَ غَاصِبٌ) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إِذَنِ الْمَالِكِ، وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ " وَفِعْلُهُ بَعْدَ الْمَنْعِ أَوِ الْمَدَّةِ غَصْبٌ، وَهِيَ أَعَمُّ (يَأْتِي حُكْمُهُ) فِي الْغَصْبِ.
مَسْأَلَةٌ: اسْتَعَارَ دَابَّةً إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ فَقَدْ تَعَدَّى وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ خَاصَّةً، فَإِنْ قَالَ مَالِكُهَا: أَعَرْتُكَهَا إِلَى فَرْسَخٍ، فَقَالَ: إِلَى فَرْسَخَيْنِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْمَالِكِ (وَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضٍ فَنَبَتَ فِيهَا فَهُوَ لِصَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَلْعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ وَمَا نَقَصَتْ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ (فَيَبْقَى إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ إِلْزَامَهُ تَبْقِيَةَ زَرْعِ مَا أُذِنَ فِيهِ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ إِضْرَارٌ بِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ كَمَا لَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يُفَرِّطْ فِي زَرْعِهِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا أُجْرَةَ لَهُ) لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، أَشْبَهَ بَيْتُوتَةَ الدَّابَّةِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ) كَزَرْعِ الْغَاصِبِ، فَقِيلَ: بَذْرًا، وَقِيلَ: بِقِيمَتِهِ إِذَنْ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهَا بِغَيْرِ عُدْوَانٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ، يَدْفَعُ الْأَجْرَ إِلَيْهِ، وَالسَّاقِطُ لِرَبِّ الْأَرْضِ إِذَا نَبَتَ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا، أَوْ مُسْتَعِيرًا، أَوْ مُسْتَأْجِرًا، وَقِيلَ: لَهُ حُكْمُ الْعَارِيَةِ، وَفِي أُجْرَتِهَا وَجْهَانِ (وَإِنْ حَمَلَ غَرْسَ رَجُلٍ) أَوْ نَوَاةً، أَوْ لَوْزًا (فَنَبَتَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ) فَهُوَ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ كَالزَّرْعِ لَكِنْ (فَهَلْ يَكُونُ كَغَرْسِ الشَّفِيعِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي عَدَمِ التَّعَدِّي

كَغَرْسِ الشَّفِيعِ أَوْ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

فَصْلٌ وَحُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْعَارِيَةُ مَضْمُونَةٌ بِقِيمَتِهَا

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْغَرْسَ مِلْكُ الشَّفِيعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشَّفِيعُ إِذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَرَسَ لَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ قَلْعَ الْغَرْسِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: كَغَرْسِ الْمُشْتَرِي لِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ (أَوْ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغِرَاسَيْنِ أَنَّ قَلْعَ الثَّانِي مَجَّانًا مُسْتَحَقٌّ بِخِلَافِ غَرْسِ الشَّفِيعِ.
فَرْعٌ: لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ أَرْضًا بِشَجَرِهَا فَنَبَتَ فِي أَرْضِ آخَرَ كَمَا كَانَتْ فَهِيَ لِمَالِكِهَا يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَتِهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ لَوْ تَرَكَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُنْتَقِلَةِ، أَوِ الشَّجَرِ، أَوِ الزَّرْعِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهُ، وَلَا أُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، وَلَا عُدْوَانِهِ، وَكَانَتِ الْخِيَرَةُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِهِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَلَعَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".

[حُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ]

فَصْلٌ (وَحُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّهُ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ أَشْبَهَ الْمُسْتَأْجِرَ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَعَارَهُ لِلْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا شَاءَ وَلَا عَكْسَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي زَرْعِ مَرَّةٍ لَمْ يَمْلُكْ أُخْرَى، وَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ (وَالْعَارِيَةُ) الْمَقْبُوضَةُ (مَضْمُونَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَعَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ إِسْنَادَهُ، «وَعَنْ صَفْوَانَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَدْرَاعًا، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَا إِذْنٍ فِي

يَوْمَ تَلَفِهَا، وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهَا

وَإِنْ شُرِطَ نَفْيُ ضَمَانِهَا، وَكُلُّ مَا كَانَ أَمَانَةً لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، وَمَا كَانَ مَضْمُونًا لَا يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ أَجْزَاؤُهَا

[المبدع في شرح المقنع]

إِتْلَافٍ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ، وَقَاسَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ مُخَرَّجَةٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ لَا يَضْمَنُ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " فِيهِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانٌ» ، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا فَكَانَتْ أَمَانَةً، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانَ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ وَالْأُجْرَةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَعَدَّى فِيهَا أَوْ لَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا تَلِفَتْ فِي يَدِ مُسْتَعِيرٍ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا، أَوْ يَكُونُ الْمُعَارُ وَقْفًا كَكُتُبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَضْمَنُ فِيهِمَا إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ (بِقِيمَتِهَا) لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهَا فِي الْإِتْلَافِ، فَوَجَبَ عِنْدَ تَلَفِهَا كَالْإِتْلَافِ، وَإِذَا قُلْنَا بِضَمَانِ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِانْتِفَاعِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا (يَوْمَ تَلَفِهَا) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ فَوَاتُ الْعَارِيَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الضَّمَانِ بِهِ

[مَا كَانَ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ]

(وَإِنْ شُرِطَ نَفْيُ ضَمَانِهَا) أَيْ: لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ.
(وَكُلُّ مَا كَانَ أَمَانَةً) كَالْوَدِيعَةِ (لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، وَمَا كَانَ مَضْمُونًا لَا يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا اقْتَضَى شَيْئًا فَشُرِطَ غَيْرُهُ، يَكُونُ شَرْطًا لِشَيْءٍ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شُرِطَ فِي الْمَبِيعِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ (وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ) . قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي إِتْلَافِهَا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا، فَكَذَا إِذَا سَقَطَ عَنْهُ ضَمَانُهَا، وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يُشْرَطْ نَفْيُهُ، جُزِمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " (وَإِنْ تَلِفَتْ أَجْزَاؤُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ) أَيْ: بِانْتِفَاعٍ مَعْرُوفٍ

بِالِاسْتِعْمَالِ، كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ، فَإِنْ فَعَلَ،

[المبدع في شرح المقنع]

(كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضْمَنُ الْإِذْنَ فِي الْإِتْلَافِ، وَمَا أُذِنَ فِي إِتْلَافِهِ لَا يُضْمَنُ كَالْمَنَافِعِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ مَضْمُونَةٌ، لَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِتَلَفِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ كَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّهَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنَ الْعَيْنِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا الَّذِي لَا يَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ ضُمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ كَالْمَغْصُوبِ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ جُزْؤُهَا بِاسْتِعْمَالٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ، كَاسْتِعَارَةِ ثَوْبٍ فِي لُبْسٍ، فَحَمَلَ فِيهِ تُرَابًا؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيِهِ، أَمَّا مَا تَلِفَ بِطُولِ الزَّمَانِ فَهُوَ كَالَّذِي تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِالْإِمْسَاكِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، أَشْبَهَ تَلَفُهُ بِالْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: الْخِلَافُ جَارٍ فِي وَلَدِ الْعَارِيَّةِ وَزِيَادَتِهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ، وَكَذَا تَجْرِي فِي وَلَدِ مُؤَجَّرَةٍ وَوَدِيعَةٍ، وَيُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ فِي عَدَمِ التَّعَدِّي حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ.
(وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ) لِأَنَّهَا إِبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبِيحَهَا غَيْرَهُ كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، بَلِ الِانْتِفَاعُ بِهَا مُسْتَفَادٌ بِالْإِذْنِ لَا بِطْرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ، وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَلَى حَسَبِ مَا مَلَكَهُ، فَجَازَ كَإِيجَارِ الْمُسْتَأْجِرِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا لِأَحْمَدَ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ فِي الْعَارِيَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَعَارَهُ أَرْضَهُ سَنَةً لِيَبْنِيَ فِيهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّرَ الْمَنْفَعَةَ كَالْمُسْتَأْجِرِ، وَأُطْلِقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافُ، أَصْلُهُمَا هَلْ هِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، أَوْ إِبَاحَةٌ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " يَصِحُّ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": يَكْفِي مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (فَإِنْ فَعَلَ) فَلِمَالِكِهَا الرُّجُوعُ بِأُجْرَةٍ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ

فَتَلِفَ عِنْدَ الثَّانِي، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي، وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ، فَإِنْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى إِصْطَبْلِ الْمَالِكِ أَوْ غُلَامِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ، إِلَّا أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ كَالسَّائِسِ وَنَحْوِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

إِذْنِهِ، وَالثَّانِي اسْتَوْفَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ مِنْهُ، وَإِنَّ ضَمِنَ الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ بِالْحَالِ (فَتَلِفَ عِنْدَ الثَّانِي، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ) لِتَعَدِّي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي) إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَإِلَّا ضَمِنَ الْعَيْنَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْأَوَّلِ (وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» ، وَإِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ الرَّدِّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَمُؤْنَةُ عَيْنِهَا عَلَى الْمُعِيرِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ أَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ؛ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَقْلًا، وَخَرَّجَهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي نَفَقَةِ الْجَارِيَةِ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ رَدُّهَا إِلَى الْمُعِيرِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا (فَإِنْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى إِصْطَبْلِ الْمَالِكِ أَوْ غُلَامِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا وَلَا نَائِبِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَبْرَأْ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِرَدِّهَا إِلَى غُلَامِهِ (إِلَّا أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ كَالسَّائِسِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، أَشْبَهَ صَرِيحَ الْإِذْنِ، وَخَالَفَ الْحُلْوَانِيُّ فِيهِ كَالْغُلَامِ (وَنَحْوِهِ) كَزَوْجَتِهِ، وَخَازِنٍ، وَوَكِيلٍ عَامٍّ فِي قَبْضِ حُقُوقِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ ". 1 - مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: مَا أَرْكَبُهَا إِلَّا بِأُجْرَةٍ، فَقَالَ رَبُّهَا: مَا آخُذُ لَهَا أُجْرَةً، وَلَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا، فَعَارِيَّةٌ، وَلَوْ أُرْكِبَ دَابَّتَهُ مُنْقَطِعًا لَمْ يُضَمَّنْ فِي الْأَشْهَرِ، وَكَذَا رَدِيفٌ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ شَرِيكٌ شَرِيكَهُ الدَّابَّةَ، فَتَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ لَمْ يُضَمَّنْ، فَإِنْ سَاقَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ ضُمِنَ، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَيَتَوَجَّهُ كَعَارِيَّةٍ إِنْ كَانَ عَارِيَّةً وَإِلَّا لَمْ يُضَمَّنْ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَيْهِ إِنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِيَعْلِفَهَا وَيَقُومَ بِمَصْلَحَتِهَا وَنَحْوِهِ، لَمْ يُضَمَّنْ، وَإِنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِرُكُوبِهَا لِمَصَالِحِهِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ عَلَيْهَا فَعَارِيَّةٌ.

فَصْلٌ إِذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ: أَجَّرْتُكَ، قَالَ: بَلْ أَعَرْتَنِي عَقِبَ الْعَقْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ دُونَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوِ الْمُدَّعِي إِنْ زَادَ عَلَيْهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَعَرْتُكَ، قَالَ: بَلْ آجَرْتَنِي، وَالْبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.

[المبدع في شرح المقنع]

[اخْتَلَفَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ]

فَصْلٌ (إِذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ: أَجَّرْتُكَ، قَالَ: بَلْ أَعَرْتَنِي، عَقِبَ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَحِينَئِذٍ تُرَدُّ الْعَيْنُ إِلَى مَالِكِهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهَا، فَلَوْ عُكِسَ فِي الدَّعْوَى قُدِّمَ قَوْلُ الْمَالِكِ (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إِلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ، فَقُدِّمَ قَوْلُ الْمَالِكِ كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ، فَادَّعَى الْمَالِكُ بَيْعَهَا، وَالْآخَرُ هِبَتَهَا، إِذِ الْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ الرَّاكِبِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَلَفِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ، وَادَّعَى الْمَالِكُ عِوَضًا لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا حَلَفَ الْمَالِكُ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ (فِيمَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ دُونَ مَا بَقِيَ مِنْهَا) ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوِ اخْتَلَفَا عَقِبَ الْعَقْدِ (وَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوِ الْمُدَّعِي إِنْ زَادَ عَلَيْهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِهِ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ، فَمَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى، وَالثَّانِي: يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى إِنْ زَادَ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِقَوْلِ الْمَالِكِ وَيَمِينِهِ، فَوَجَبَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَالْأَصْلِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " الشَّرْحِ " وَلَا غَيْرِهِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ أَقَلَّهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَجْدِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُسَمَّى فَقَدْ رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمْ تَثْبُتْ، وَمِثْلُهُ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ زَرَعَهَا عَارِيَّةً، وَقَالَ رَبُّهَا: إِجَارَةً، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَإِنْ قَالَ: أَعَرْتُكَ، قَالَ: بَلْ آجَرْتَنِي، وَالْبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) إِذَا كَانَ مَضَى مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْإِجَارَةَ أَوِ الْإِعَارَةَ؛ لِأَنَّهُ إِنِ ادَّعَى الْإِجَارَةَ فَهُوَ مُعْتَرِفٌ لِلرَّاكِبِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ ضَمَانِهَا فَقَبِلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنِ ادَّعَى الْإِعَارَةَ فَهُوَ يَدَّعِي قِيمَتَهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي

وَإِنْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، أَوْ آجَرْتَنِي، قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، وَقِيلَ: قَوْلُ الْغَاصِبِ.

[المبدع في شرح المقنع]

صِفَةِ الْقَبْضِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا يَقْبِضُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ لِلْأَثَرِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ فِي قِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ، وَالْأَجْرُ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِغَيْرِ يَمِينٍ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيِهِ الْمَالِكُ أَكَثُرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِذَا حَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، أَوْ آجَرْتَنِي، قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهَا (وَقِيلَ: قَوْلُ الْغَاصِبِ) لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا الْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْيَدِ أَنَّهَا بِحَقٍّ فَقُبِلَ قَوْلُهُ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّ الدَّابَّةَ إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ تَنْقُصْ فَلَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ دَابَّتَهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فَادَّعَى الرَّاكِبُ الْعَارِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْقَيِّمَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَوُجُوبِهَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ، فَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَوْدَعْتَنِي، قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِي، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ قَالَ: أَوْدَعْتُكَ، قَالَ: بَلْ أَعَرْتَنِي، صُدِّقَ الْمَالِكُ إِنْ حَلَفَ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا انْتَفَعَ بِهِ.

كِتَابُ الْغَصْبِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتُضْمَنُ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْعَقَارُ

[المبدع في شرح المقنع]

[كِتَابُ الْغَصْبِ]

[تَعْرِيفُ الْغَصْبِ]

ِ. هُوَ مَصْدَرُ غَصَبَ الشَّيْءَ يَغْصِبُهُ، بِكَسْرِ الصَّادِ غَصْبًا، وَاغْتَصَبَهُ يَغْتَصِبُهُ اغْتِصَابًا، وَالشَّيْءُ مَغْصُوبٌ وَغَصْبٌ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَابْنُ سِيدَهْ.
وَفِي الشَّرْعِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ.
(وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ) فـ " َقَهْرًا " زِيَادَةٌ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُهُ مَعَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَيْدِ " الْقَهْرِ " الْمَالُ الْمَسْرُوقُ، وَالْمُنْتَهَبُ، وَالْمُخْتَلَسُ، وَ " بِغَيْرِ حَقٍّ " يُخْرِجُ اسْتِيلَاءَ الْوَلِيِّ عَلَى مَالِ الصَّغِيرِ، وَالْحَاكِمِ عَلَى مَالِ الْمُفْلِسِ، وَكَذَا فِي " الْمُغْنِي " وَأَسْقَطَ لَفْظَةَ " قَهْرًا " وَلَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ كَالْكَلْبِ، وَخَمْرِ الذِّمِّيِّ، وَالسِّرْجِينِ، فَإِنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْغَصْبِ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَفِيهِ تَعْرِيفُ " غَيْرِ " بِاللَّامِ، وَالْأَشْهَرُ إِسْقَاطُهَا فِيهَا، وَأَحْسَنُهَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ قَهْرًا وَظُلْمًا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (وَتُضْمَنُ أُمُّ الْوَلَدِ) بِالْغَصْبِ فِي قَوْلِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ فِي الْإِتْلَافِ، لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً كَالْمُدَبَّرَةِ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً فَلَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ لَكِنْ لَا تَثْبُتُ يَدٌ عَلَى بُضْعٍ، فَيَصِحُّ تَزْوِيِجُهَا، وَلَا يُضْمَنُ نَفْعُهُ، (وَالْعَقَارُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، الضَّيْعَةُ، وَالنَّخْلُ، وَالْأَرْضُ، قَالَهُ أَبُو

بِالْغَصْبِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ

وَإِنْ غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ، أَوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ.

وَإِن

ْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ

فَهَلْ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّعَادَاتِ (بِالْغَصْبِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَا يُضْمَنُ فِي الْإِتْلَافِ يَجِبُ أَنْ يُضْمَنَ فِي الْغَصْبِ كَالْمَنْقُولِ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ) رَوَى عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ثُمَّ أَصَابَهَا غَرَقٌ مِنَ الْغَاصِبِ غَرِمَ قِيمَةَ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ فَلَمْ يُضْمَنْ، كَمَا لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ، فَتَلِفَ، وَلِأَنَّ الْغَصْبَ إِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ عُدْوَانًا عَلَى وَجْهٍ تَزُولُ بِهِ يَدُ الْمَالِكِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ، مِثْلَ أَنْ يَسْكُنَ دَارًا، وَيَمْنَعَ مَالِكَهَا مِنْ دُخُولِهَا، أَشْبَهَ أَخْذَ الدَّابَّةِ وَالْمَتَاعِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ إِنْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ بِالْإِتْلَافِ.
1 - مَسْأَلَةٌ: لَوْ دَخَلَ دَارًا قَهْرًا وَأَخْرَجَهُ فَغَاصِبٌ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ قَهْرًا وَلَمْ يَدْخُلْ، أَوْ دَخَلَ مَعَ حُضُورِ رَبِّهَا وَقُوَّتِهِ، فَلَا، وَإِنْ دَخَلَ قَهْرًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ فَقَدْ غَصَبَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلِ النِّصْفُ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الْغَصْبُ، فَلَا، وَإِنْ دَخَلَهَا قَهْرًا فِي غَيْبَةِ رَبِّهَا فَغَاصِبٌ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا قُمَاشَهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي غَصْبِ مَا يُنْقَلُ نَقْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.

[رَدُّ الْمَغْصُوبِ]

[غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ]

(وَإِنْ غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ) أَيْ يُقْتَنَى (أَوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ لَزِمَهُ رَدُّهُ) لِأَنَّ الْكَلْبَ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَاقْتِنَاؤُهُ أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَبْدَالِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، وَفِي رَدِّهِ صَيْدَهُ أَوْ أُجْرَتَهُ، أَوْ هُمَا أَوْجُهٌ، وَأَمَّا الْخَمْرُ، فَلِأَنَّ الذِّمِّيَّ يُقَرُّ عَلَى شُرْبِهَا لِكَوْنِهَا مَالًا عِنْدَهُ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَتْ مَسْتُورَةً، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ أَتْلَفَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ) لِأَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ لَهُ عِوَضٌ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَفِي " الْإِفْصَاحِ " يَضْمَنُهُ، وَالْخَمْرُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ بَيْعُهُ لَا لِحُرْمَتِهِ، لَمْ تَجِبْ قِيمَتُهُ كَالْمَيْتَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمُتْلِفِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا،

يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِنْ دَبَغَهُ وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُهُ، فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ وَحُلِيَّهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَ الْحُرَّ كَرْهًا فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ،

[المبدع في شرح المقنع]

أَوْ ذِمِّيًّا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ كَالْمُرْتَدِّ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوَّمَةٍ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا، وَقِيلَ: يُغَرَّمُ قِيمَتَهَا الذِّمِّيُّ دُونَ الْمُسْلِمِ، فَعَلَيْهِ لَا يَكُونُ حُكْمُ بَقِيَّةِ الْكُفَّارِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مَالِيَّتَهَا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يَرُدُّهَا، وَأَنَّهُ يَلْزَمُ إِرَاقَتُهَا إِنْ حُدَّ، وَإِلَّا لَزِمَ تَرْكُهُ، وَعَلَيْهَا يَخْرُجُ تَعْزِيرُ مُرِيقِهِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى شُرْبِهِ وَاقْتِنَائِهِ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ بِالشُّرْبِ، وَلَا يُقَرُّونَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ، وَأَمَّا أَنْ نُقِرَّهُمْ فَلَا نُسَلِّمُ، يَبْطُلُ بِالْمَجُوسِ يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحِ الْمَحَارِمِ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِمَهْرٍ، وَنَفَقَةٍ، وَمِيرَاثٍ.
وَقَالَهُ هُوَ وَ " التَّرْغِيبُ ": يَرُدُّ الْخَمْرَ الْمُحْتَرَمَةَ، وَيَرُدُّ مَا تَخَلَّلَ بِيَدِهِ لَا مَا أُرِيقَ، فَجَمَعَهُ آخَرُ لِزَوَالِ يَدِهِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ لَنَا خَمْرًا مُحْتَرَمَةً وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ، أَوْ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ مُحْتَرَمَةٌ دُونَ الثَّانِي، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْخَلِّ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، وَلَا يَصِيرُ خَلًّا إِلَّا بَعْدَ التَّخَمُّرِ، فَلَوْ أَرَقْنَاهَا لِتَعَذُّرِ اتِّخَاذِ الْخَلِّ.
فَرْعٌ: تَجِبُ إِرَاقَةُ خَمْرِ الْمُسْلِمِ وَلَا غُرْمَ، وَإِنْ تَخَلَّلَتْ رَدَّهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ خَلًّا عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا.

[غَصْبُ جِلْدِ مَيْتَةٍ]

(وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَهَارَتِهِ بِالدِّبَاغِ، وَالْأَشْهَرُ لَا يَرُدُّهُ مُطْلَقًا، فَعَلَيْهِ لَوْ أَتْلَفَهُ، أَوْ أَتْلَفَ مَيْتَةً بِجِلْدِهَا لَمْ يَضَمَّنْ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (فَإِنْ دَبَغَهُ) أَيْ غَاصِبُهُ (وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ) كَالْخَمْرِ إِذَا تَخَلَّلَ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا قُلْنَا: لَا يَطْهُرُ لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ لِكَوْنِهِ لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إِذَا قِيلَ: يُنْتَفَعُ بِهِ فِي يَابِسٍ (وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ) كَبِيرٍ (لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْغَصْبُ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَقِيلَ: بَلَى (إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا فَفِيهِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا لَا ضَمَانَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَالْكَبِيرِ، وَالثَّانِي بَلَى؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ

وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

فَصِلٌ وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

مِنْ غَيْرِ مُمَانَعَةٍ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْعَبْدَ الصَّغِيرَ (وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُهُ، فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ، وَحُلِيَّهُ) أَيِ الَّتِي لَمْ يَنْزِعْهَا عَنْهُ (عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُهُ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَهُوَ تَحْتَ يَدِهِ أَشْبَهَ ثِيَابَ الْكَبِيرِ، وَالثَّانِي بَلَى؛ لِأَنَّهُ مَالٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا (وَإِنِ اسْتَعْمَلَ الْحُرَّ كَرْهًا فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ، وَهِيَ مُتَقَوَّمَةٌ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ (وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً) أَيْ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ (فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تَلْزَمُهُ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهُ، وَهِيَ مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا، فَضُمِنَتْ بِالْغَصْبِ كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ، وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَا يَصِحُّ غَصْبُهُ أَشْبَهَ ثِيَابَهُ إِذَا بَلِيَتْ عَلَيْهِ وَأَطْرَافَهُ، فَإِنْ مَنَعَهُ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ وَلَوْ عَبْدًا لَمْ يَضْمَنْ مَنَافِعَهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَيَتَوَجَّهُ: بَلَى فِيهِمَا، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَإِنْ مَاتَ فِي حَبْسِهِ فَهَدَرٌ، وَإِنْ صَحَّ غَصْبُهُ صَحَّ أَنْ يُؤَجِّرَهُ مُسْتَأْجِرُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
فَائِدَةٌ: فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ رِوَايَتَانِ اخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ الصِّحَّةَ، وَحَمَلَ رِوَايَةَ الْمَنْعِ عَلَى الْوَرَعِ.

[يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا]

فَصْلٌ (وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ) إِنْ كَانَ بَاقِيًا لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ رَدِّهِ إِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يُشْتَغَلْ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَزِمَتْهُ إِعَادَتُهُ (إِنْ

خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ وَرَدُّهُ، وَإِنْ بَنَى عَلَيْهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ، وَإِنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا لَزِمَهُ قَلْعُهَا وَرَدُّهَا، وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِ

[المبدع في شرح المقنع]

قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَدِّي فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَصْلَحَتِهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْغَرَامَةِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ؛ لِأَنَّهُ جَنَى بِتَعَدِّيهِ، فَكَانَ ضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: خُذْ مِنِّي أَجْرَ رَدِّهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي هَاهُنَا، أَوْ بَذَلَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ لَمْ يَلْزَمِ الْمَالِكَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا كَالْبَيْعِ، وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: دَعْهُ لِي فِي مَكَانِهِ الَّذِي نَقَلْتَهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَمْلِكِ الْغَاصِبُ رَدَّهُ، وَإِنْ قَالَ: رُدَّهُ إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ، لَزِمَهُ، وَإِنْ قَالَ: دَعْهُ فِي مَكَانِهِ وَأَعْطِنِي أُجْرَةَ رَدِّهِ، أَوْ طَلَبَ مِنْهُ حَمْلَهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ لَمْ يُلْزَمِ الْغَاصِبُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا (وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ) كَحِنْطَةٍ بِشَعِيرٍ، وَتَمْرٍ بِزَبِيبٍ (لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ) أَيْ تَخْلِيصُ الْمُتَمَيِّزِ (وَرَدُّهُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ رَدُّ مَالِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَخْلِطْهُ بِغَيْرِهِ، وَأُجْرَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَأَجْرِ رَدِّهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَمْيِيزُ بَعْضِهِ وَجَبَ تَمْيِيزُ مَا أَمْكَنَ (وَإِنْ بَنَى عَلَيْهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ) يَعْنِي إِذَا غَصَبَ شَيْئًا، فَشَغَلَهُ بِمُلْكِهِ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ بَنَى عَلَيْهَا، أَوْ خَيْطٍ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَإِنِ انْتُقِضَ الْبِنَاءُ، وَتُفُصِّلَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ أَمْكَنَ رَدُّهُ فَوَجَبَ كَمَا لَوْ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ) لِأَنَّهُ صَارَ هَالِكًا فَوَجَبَ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ (وَإِنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا لَزِمَهُ قَلْعُهَا وَرَدُّهَا) لِلْخَبَرِ، وَلَا أَثَرَ لِضَرَرِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ.
مَسَائِلُ: إِذَا غَصَبَ فَصِيلًا وَنَحْوَهُ، فَأَدْخَلَهُ دَارَهُ، وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ نُقِضَ بَابُهُ مَجَّانًا، فَإِنْ دَخَلَ الْفَصِيلُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَدْخَلَهُ رَبُّهُ دَارًا غَصَبَهَا غَرِمَ مَالِكُهُ أَرْشَ نَقْصِ الْبِنَاءِ وَإِصْلَاحِهِ، وَإِنْ بَذَلَ لَهُ رَبُّهُ عِوَضَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: يُذْبَحُ إِنْ أَدْخَلَهُ رَبُّهُ، وَلَوْ عَمِلَ فِيهَا غَاصِبُهَا تَابُوتًا، وَلَمْ يَخْرُجْ، فُكَّ التَّابُوتُ وَلَمْ يُنْقَضِ الْبِنَاءُ، وَإِنْ سَقَطَ فِي مَحْبَرَتِهِ مَالٌ بِتَفْرِيطِهِ أُخْرِجَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كُسِرَتْ لَهُ مَجَّانًا، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَضَمِنَ رَبُّ الْمَالِ كَسْرَهَا، فَإِنْ بَذَلَ رَبُّهَا بَدَلَ مَالِهِ وَجَبَ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ دَارَهُ وَلَهُ فِيهَا أُسْرَةٌ، وَتَعَذَّرَ الْإِخْرَاجُ وَالتَّفْكِيكُ غَرِمَ أَرْشَ نَقْصِ

الزَّرْعِ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا، وَإِنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَتِهِ وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ، وَهَلْ ذَلِكَ قِيمَتُهُ أَوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: كَمَا لَوْ قَلَعَ أَحْجَارًا لَهُ فِيهَا مَدْفُونَةٌ، وَفُصِّلَ فِي " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِ الزَّرْعِ) فَهُوَ لِلْغَاصِبِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ (فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا إِلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى نَفْعَهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ كَمَا لَوِ اسْتَوْفَاهُ بِالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ كَالْعَيْنِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ النَّقْصِ، وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ كَأَرْضِ الْبَصْرَةِ ضَمِنَ ذَلِكَ، وَرَوَى عَنْهُ حَرْبٌ أَنَّ لَهُ تَمَلُّكَهُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ يَنْبُتُ عَلَى مِلْكِ مَالِكِ الْأَرْضِ ابْتِدَاءً، وَقَرَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُوَافَقَتَهُ لِلْقِيَاسِ بِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ يَكُونُ مَمْلُوكًا لِمَالِكِ الْأُمِّ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِمَا، وَبُطُونُ الْأُمَّهَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ، وَمَاءُ الْفُحُولِ بِمَنْزِلَةِ الْبَذْرِ، وَالْمَذْهَبُ هُوَ الْأَوَّلُ (وَإِنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ) فِيهَا (خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَتِهِ) أَيْ بِأُجْرَةِ (مِثْلِهِ) ، وَأَرْشِ نَقْصِ الْأَرْضِ (وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ) هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَالشَّيْخَيْنِ.
وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ، فَمَلَكَ الْخِيَرَةَ بَيْنَهُمَا تَحْصِيلًا لِغَرَضِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، خِلَافًا لِأَكْثَرِهِمْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، وَلِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظُلْمًا أَشْبَهَ الْغَرْسَ، لَنَا مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إِتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ عَلَى قُرْبٍ مِنَ الزَّمَانِ فَلَمْ يَجُزْ إِتْلَافُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً فَحَمَلَ فِيهَا مَتَاعَهُ، فَأَدْخَلَهَا لُجَّةَ الْبَحْرِ، لَا يُجْبَرُ عَلَى إِلْقَائِهِ، فَكَذَا هُنَا صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنِ التَّلَفِ، وَفَارَقَ الشَّجَرَ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُنَا عَلَى الزَّرْعِ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً، أَوْ مَشْفُوعَةً (وَهَلْ ذَلِكَ قِيمَتُهُ أَوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ، صَحَّحَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الزَّرْعِ، فَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَعَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إِلَى حِينِ تَسْلِيمِ

يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، وَإِنْ غَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ

[المبدع في شرح المقنع]

ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: لَا، نَقَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالثَّانِي: هِيَ نَفَقَتُهُ، فَعَلَى هَذَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنَ الْبَذْرِ، وَمُؤْنَةِ لَوَاحِقِهِ مِنَ الْحَرْثِ، وَالسَّقْيِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: أَصْلُهُمَا هَلْ يُضْمَنُ وَلَدُ الْمَغْرُورِ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: فِيهِ ثَالِثَةٌ خَرَّجَهَا أَبُو الْقَاسِمِ أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يُخَيَّرُ إِنْ شَاءَ دَفَعَ الْقِيمَةَ، وَإِنْ شَاءَ النَّفَقَةَ، نَقَلَ مُهَنَّا: وَيُزَكِّيهِ إِنْ أَخَذَهُ قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ (وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ) أَيْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَهُ قَلْعُهُ إِنْ ضَمِنَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ زَرَعَ بِلَا إِذْنِ شَرِيكِهِ، وَالْعَادَةُ بِأَنَّ مِنْ زَرَعَ فِيهَا لَهُ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ وَلِرَبِّهَا نَصِيبٌ، قُسِّمَ مَا زَرَعَهُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: وَهَلِ الرُّطَبَةُ وَغَيْرُهَا كَزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، فَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ، فَسَيَأْتِي (وَإِنْ غَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا أَخَذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ) أَيْ: إِذَا طَالَبَ مَالِكَ الْأَرْضِ لَزِمَ الْغَاصِبَ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِلْأَثَرِ الْحَسَنِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ الْأَصَحُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ، فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُئُوسِ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عَمٌّ» ، قَالَ أَحْمَدُ الْعُمُّ: الطِّوَالُ، وَلِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِمِلْكِهِ الَّذِي لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَزِمَهُ تَفْرِيغُهُ كَمَا لَوْ جَعَلَ فِيهَا قُمَاشًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ غَرَسَ نَخْلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ مَشَاعًا، قَالَ: إِنْ كَانَ

وَبِنَائِهِ، وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ، وَأَرْشِ نَقْصِهَا، وَأَجْرَتِهَا.

وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً

[المبدع في شرح المقنع]

بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ قَلَعَ نَخْلَهُ (وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ، وَأَرْشِ نَقْصِهَا) لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَلَزِمَهُ إِزَالَتُهُ كَغَيْرِهِ (وَأُجْرَتُهَا) أَيْ: أُجْرَةُ مِثْلِهَا إِلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ بَذَلَ رَبُّهَا قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لِيَمْلِكَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْغَاصِبَ قَبُولُهُ، وَلَهُ قَلْعُهُمَا، وَيُضَمَّنُ الْأَرْشَ وَالْأُجْرَةَ، وَإِنْ وَهَبَهُمَا لِمَالِكِ الْأَرْضِ وَفِي الْإِزَالَةِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لَمْ يُجْبَرْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا إِذَا غَرَسَهَا بِغِرَاسِ مَالِكِهَا، وَحُكْمُ الْبِنَاءِ كَالْغَرْسِ إِلَّا أَنَّهُ يُتَخَرَّجُ إِذَا بَذَلَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْقِيمَةَ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْصِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ النَّقْصَ سَفَهٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
1 - فَرْعٌ: إِذَا غَصَبَهَا، فَغَرَسَهَا، فَأَثْمَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ، فَهِيَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ فَكَانَتْ لَهُ كَأَغْصَانِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: إِذَا غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَهَا، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ، فَلَوْ غَصَبَ شَجَرًا، فَأَثْمَرَ، فَالثَّمَرُ لِمَالِكِ الشَّجَرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". 1 - فَرْعٌ: إِذَا أَخَذَ تُرَابَ الْأَرْضِ، فَضَرَبَهُ لَبِنًا رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ تِبْنًا فَلَهُ أَنْ يَحِلَّهُ وَيَأْخُذَ تِبْنَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِحَلِّهِ لَزِمَهُ إِذَا كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ جَعَلَهُ آجِرًا لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَلَا أُجْرَةَ لِعَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ كَسْرُهُ، وَلَا لِلْمَالِكِ إِجْبَارُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ، وَإِتْلَافٌ لِلْمَالِ، فَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا وَكَشَطَ تُرَابَهَا لَزِمَهُ رَدُّهُ وَفَرْشُهُ كَمَا كَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى فَرْشِهِ.
يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

فَرْعٌ: الْقَابِضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ مِنَ الْمَالِكِ إِذَا غَرَسَ، أَوْ بَنَى، فَلِلْمَالِكِ تَمَلُّكُهُ بِالْقِيمَةِ كَغَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَا يُقْلَعُ إِلَّا مَضْمُونًا لِاسْتِنَادِهِ إِلَى الْإِذْنِ، ذَكَرَهَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ.

[غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً]

(وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً) وَخِيفَ مِنْ قَلْعِهِ (لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تُرْسَى) لِأَنَّ فِي

لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تُرْسَى، وَإِنْ غَصَبَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ، وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ قَلْعِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مَأْكُولًا لِلْغَاصِبِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ وَيُذْبَحُ الْحَيَوَانُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا.

[المبدع في شرح المقنع]

قَلْعِهِ إِفْسَادًا لِمَالِ الْغَيْرِ مَعَ إِمْكَانِ رَدِّ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِعُذْرٍ مِنْ يَسِيرٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِلْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا أَوْ لَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَ فِيهَا حَيَوَانٌ مُحْتَرَمٌ، أَوْ مَالٌ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ لَمْ يُقْلَعْ كَالْخَيْطِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ إِتْلَافٍ، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مَالُ غَيْرِهِ، وَاقْتَضَى مَا سَبَقَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى السَّاحِلِ، أَوْ كَانَتْ فِي اللُّجَّةِ وَاللَّوْحُ فِي أَعْلَاهَا بِحَيْثُ لَا تَغْرَقُ لَزِمَهُ الْقَلْعُ (وَإِنْ غَصَبَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ) مُحْتَرَمٍ (وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ قَلْعِهِ) الضَّرَرُ، وَقِيلَ: التَّلَفُ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَوَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَظَاهِرُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَلْعُ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ بَقِيَّةِ الْمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَنْعُ نَمَائِهِ مِنْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَالْمُرْتَدِّ، وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِ وَجَبَ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ ذِي حُرْمَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مَأْكُولًا لِلْغَاصِبِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ، وَيُذْبَحُ الْحَيَوَانُ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَشْهُرُهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ، وَالِانْتِفَاعُ بِلَحْمِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ عَلَى الْغَاصِبِ، فَلَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ وُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ كَنَقْصِ الْبِنَاءِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ قَلْعُهُ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَلِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ، وَلِلْمُؤَلِّفِ احْتِمَالٌ: يُذْبَحُ الْمُعَدُّ لَهُ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهِ كَالْخَيْلِ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ لَهُ فَجَرَى مَجْرَى مَا لَا يُؤْكَلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إِذَا كَانَ مَأْكُولًا لِغَيْرِ الْغَاصِبِ، صُرِّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِصَاحِبِهِ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ (وَإِنْ مَاتَ الْحَيَوَانُ لَزِمَهُ رَدُّهُ) لِأَنَّ عَدَمَ الرَّدِّ فِي الْحَيَاةِ إِنَّمَا كَانَ خَشْيَةَ التَّلَفِ، وَقَدْ أُمِنَ بِالْمَوْتِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا) فَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ بَاقِيَةٌ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِيهَا، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ قِيمَتُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الرَّدُّ لِلْعُمُومِ.

فَصْلٌ وَإِنْ زَادَ لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَالْكَسْبِ، وَإِنْ غَصَبَ جَارِحًا فَصَادَ بِهِ، أَوْ شَبَكَةً، أَوْ شَرَكًا فَأَمْسَكَ شَيْئًا، أَوْ فَرَسًا فَصَادَ عَلَيْهِ أَوْ غَنِمَ، فَهُوَ لِمَالِكِهِ، وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا رَدَّ ذَلِكَ بِزِيَادَتِهِ، وَأَرْشِ نَقْصِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَعَنْهُ: يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[زَادَ الْمَغْصُوبُ لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ]

فَصْلٌ (وَإِنْ زَادَ لَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ، وَالْكَسْبِ) لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ الْمَغْصُوبِ، وَهُوَ لِمَالِكِهِ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ كَالْأَصْلِ (وَإِنْ غَصَبَ جَارِحًا فَصَادَ بِهِ، أَوْ شَبَكَةً، أَوْ شَرَكًا، فَأَمْسَكَ شَيْئًا، أَوْ فَرَسًا فَصَادَ عَلَيْهِ أَوْ غَنِمَ، فَهُوَ لِمَالِكِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِسَبَبِ مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَصَادَ، وَقِيلَ: هُوَ لِلْغَاصِبِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الصَّائِدُ، وَالْجَارِحُ آلَةٌ، فَعَلَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أُجْرَةٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا أُجْرَةَ لَهُ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَصِدْ، وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا، فَصَادَ، أَوْ كَسَبَ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَفِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْغَاصِبِ فِي مُدَّةِ كَسْبِهِ وَصَيْدِهِ وَجْهَانِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَصْرُوفَةٌ إِلَى مَالِكِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهَا عَلَى غَيْرِهِ، لَكِنْ لَوْ غَصَبَ مِنْجَلًا، فَقَطَعَ بِهِ شَجَرًا، أَوْ حَشِيشًا فَهُوَ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ آلَةٌ فَهُوَ كَالْحَبْلِ يُرْبَطُ بِهِ (وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ فِضَّةً، أَوْ حَدِيدًا، فَضَرَبَهُ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَرَهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا رَدَّ ذَلِكَ) إِلَى مَالِكِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ فَقَطْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ بِمِلْكِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، فَكَذَا إِذَا فَعَلَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ (بِزِيَادَتِهِ) إِنْ زَادَ (وَأَرْشِ نَقْصِهِ) إِنْ نَقَصَ لِكَوْنِهِ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَقْصِ الْعَيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ أَوْ هُمَا (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْغَاصِبِ بِعَمَلِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ لِذَلِكَ عِوَضًا كَمَا لَوْ غَلَى زَيْتًا فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ الرَّدُّ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى كَحُلِيٍّ، وَأَوَانٍ، وَدَرَاهِمَ، وَنَحْوِهَا، فَلِلْمَالِكِ إِجْبَارُهُ عَلَى الْإِعَادَةِ (وَعَنْهُ: يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ) ذُكِرَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمَذْهَبِ "؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ بِمَنَافِعِهِ، وَالْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ أَشْبَهَ مَا لَوْ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فَرْخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غَرْسًا رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، وَفَرَّقَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّ الصِّبْغَ عَيْنُ مَالٍ لَا يَزُولُ مِلْكُ مَالِكِهِ عَنْهُ بِجَعْلِهِ مَعَ مِلْكِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَمْلِكُهُ) الْغَاصِبُ (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) قَبْلَ تَغْيِيرِهِ، هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهَا عَنْهُ مُحَمَّدُ عَبْدُ الْحَكَمِ فِيمَنْ جَعَلَ حَدِيدًا سُيُوفًا تُقَوَّمُ فَيُعْطِيهِ الثَّمَنَ عَلَى الْقِيمَةِ، حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الزَّرْعِ: «أَعْطُوهُ ثَمَنَ بَذْرِهِ» ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ مَرْجُوعٌ عَنْهُ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ وَهَبَهُ الْغَاصِبُ عَمَلَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا وَوَضَعَ تُرَابَهَا فِي أَرْضِ مَالِكِهَا لَمْ يَمْلِكْ طَمَّهَا إِذَا أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا نُقْرَةً، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ، وَالثَّانِي: لَهُ طَمُّهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، مَعَ أَنَّهُ إِبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا، وَنُصِرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلُ بِأَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي، فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ زَالَ التَّعَدِّي، فَيَزُولُ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ هَذَا إِبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَاهُ بِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا ذَكَرَهُ، فَلَوْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي غَيْرِ أَرْضِ مَالِكِهَا، أَوْ لَمْ يُبَرِّئْهُ مِنَ الضَّمَانِ فَلَا، وَحُكْمُ مَا إِذَا مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا غَصَبَ بَقَرَةً، وَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحْلَهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالْوَلَدُ لِرَبِّ الْأُمِّ، وَلَا أُجْرَةَ لِفِعْلِهِ، وَلَا أَرْشَ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ فَحْلِ غَيْرِهِ إِنْ ضَرَّهُ ضِرَابُهُ، وَأُجْرَتُهُ إِنْ صَحَّ إِيجَارُهُ لِذَلِكَ، وَإِذَا أَفْرَخَتْ طَيْرَةُ زَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو مِنْ طَيْرِهِ، فَفَرْخُهَا لِزَيْدٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَهُ عَمْرٌو إِنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ بَيْضَا فَصَارَ فَرْخًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ غَرْسًا) وَفِي " الِانْتِصَارِ "، أَوْ غُصْنًا فَصَارَ شَجَرَةً (رَدَّهُ) لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ مَالِكِهِ وَنَقْصَهُ (وَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِفِعْلِهِ (وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ) فَيَرُدُّهُ، وَنَقْصَهُ، أَوْ

فَصْلٌ وَإِنْ نَقَصَ لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ بِقِيمَتِهِ رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَعَنْهُ: إِنَّ الرَّقِيقَ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ فِي الْإِتْلَافِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ غَصَبَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

يَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ أَوْ يَكُونُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَصَّرَ الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ، سَاوَى ذَلِكَ حُكْمًا.
فَرْعٌ: إِذَا صَارَ الرُّطَبُ تَمْرًا، أَوِ السِّمْسِمُ شَيْرَجًا، أَوِ الْعِنَبُ عَصِيرًا أَخَذَ رَبُّهُ مِثْلَ أَيِّهِمَا شَاءَ.

[ضَمَانُ الْمَغْصُوبِ]

[نَقْصُ الْمَغْصُوبِ لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ]

فَصْلٌ (وَإِنْ نَقَصَ لَزِمَهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ) وَلَوْ بِنَبَاتِ لِحْيَةِ أَمْرَدَ، وَقَطْعِ ذَنَبِ حِمَارِ الْقَاضِي (بِقِيمَتِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ، فَكَانَ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ كَالْبَهِيمَةِ، إِذِ الْقَصْدُ بِالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ بِإِيجَابِ قَدْرِ مَا فُوِّتَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْجَمِيعُ لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ، فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ قَدْرُهُ مِنَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ الْحَيَوَانِ (رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّلَفِ (وَعَنْهُ: إِنَّ الرَّقِيقَ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ فِي الْإِتْلَافِ) فَيَجِبُ فِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوَضِّحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ لِأَبْعَاضِهِ، فَكَانَ مُقَدَّرًا مِنْ قِيمَتِهِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَالْمَذْهَبُ يُضَمِّنُهُ مُطْلَقًا بِقِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ حُرٍّ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ) لِأَنَّ سَبَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ وُجِدَ، فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِأَكْثَرِهِمَا، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ وَجَنَى عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ النَّقْصُ فِي الرَّقِيقِ مِمَّا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ كَنَقْصِهِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مَعَ الرَّدِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِغَيْرِ انْتِفَاعٍ وَاسْتِعْمَالٍ أَوْ عَابٍ، وَجَبَ أَرْشُهُ، وَفِي أُجْرَتِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ نَقَصَ بِاسْتِعْمَالِهِ فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَكْثَرُ مِنْ أُجْرَتِهِ، وَأَرْشُ نَقْصِهِ، وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ وَأَبْلَاهُ، فَنَقَصَ نِصْفُ قِيمَتِهِ، ثُمَّ غَلَتِ الثِّيَابُ فَعَادَتْ قِيمَتُهُ رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَهُ وَجَنَى عَلَيْهِ ضَمِنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ) هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ

وَجَنَى عَلَيْهِ ضَمِنَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُ الْغَاصِبِ فَلَهُ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ، وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ، وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ، وَعَنْهُ فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ: رُبْعُ

[المبدع في شرح المقنع]

غَيْرُ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ، فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا، وَدَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانُ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ، كَانَ الْوَاجِبُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُ الْغَاصِبِ) بِأَنْ قَطَعَ يَدَهُ مَثَلًا (فَلَهُ) أَيْ لِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ قَطَعَ يَدَهُ، وَالْغَاصِبَ حَصَلَ النَّقْصُ فِي يَدِهِ (تَضْمِينُ الْغَاصِبِ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ) إِذَا قُلْنَا: إِنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ مَا نَقَصَ (وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ) وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ هُنَا؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا، (وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ) وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ لَا غَيْرَ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ (وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ) أَيْ: إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانُ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ، أَوْ لَمْ تَنْقُصْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَضْمَنِ الْغَاصِبُ هَاهُنَا شَيْئًا، وَإِنِ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ، وَقُلْنَا: إِنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ كَضَمَانِ الْجِنَايَةِ ضَمَّنَهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَرَجَعَ بِهَا الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ) أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ، أَوْ مَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ مِنَ الْحُرِّ (لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ) نُصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ الْبَعْضُ فَلَا يَقِفُ ضَمَانُهُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ كَقَطْعِ خُصْيَتَيْ ذَكَرِ الْمُدَبَّرِ، وَلِأَنَّ الْخُصْيَتَيْنِ تَجِبُ فِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، كَمَا تَجِبُ فِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ مِنَ الْحُرِّ (وَعَنْهُ فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ رُبْعُ قِيمَتِهَا) نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا» ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ لَمَّا كَتَبَ يَسْأَلُهُ عَنْ عَيْنِ الدَّابَّةِ: إِنَّا كُنَّا نُنْزِلُهَا مَنْزِلَةَ الْآدَمِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَجْمَعَ رَأَيُنَا أَنَّ قِيمَتَهَا رُبُعُ الثَّمَنِ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ فَقُدِّمَ عَلَى الْقِيَاسِ،

قِيمَتِهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَيْنُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ لَمْ يُضْمَنْ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً، فَعَادَتِ الْقِيمَةُ ضَمِنَ النَّقْصَ، وَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ لِسِمَنٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ نَقَصَتْ ضَمِنَ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ عَادَ مِثْلَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى مِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

وَخُصَّ فِي " الرَّوْضَةِ " هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِعَيْنِ الْفَرَسِ، وَإِنَّ عَيْنَ غَيْرِهَا بِمَا نَقَصَ، لَكِنْ قَالَ: أَحْمَدُ قَالَهُ فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ كَقَوْلِ عُمَرَ (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) أَيْ أَنَّهُ يُضْمَنُ نَقْصُهُ بِالْقِيمَةِ رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ، وَحَدِيثُ زَيْدٍ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ بِدَلِيلِ احْتِجَاجِ أَحْمَدَ بِقَوْلِ عُمَرَ دُونَهُ مَعَ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْرَ نَقْصِهَا، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَلَوْ كَانَ تَقْدِيرُ الْوَاجِبِ فِي الْعَيْنِ نِصْفَ الدِّيَةِ كَعَيْنِ الْآدَمِيِّ.
(وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَيْنُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ لَمْ يُضْمَنْ، نَصَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا، لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا عَيْنٌ وَلَا صِفَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَسَمِينٍ هُزِلَ، فَزَادَتْ، وَعَنْهُ: بَلَى، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ كَعَبْدٍ خَصَاهُ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، وَقِيلَ: مَعَ تَلَفِهِ (وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) إِلَّا رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَا لَهُ قِيمَةٌ، وَالْعَيْبُ الَّذِي أَوْجَبَ الضَّمَانَ زَالَ فِي يَدِهِ، وَكَمَا لَوِ انْقَلَعَ سِنُّهُ ثُمَّ عَادَ، وَنَصُّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ كَزِيَادَةٍ فِي يَدِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ رُدَّ الْمَغْصُوبُ مَعِيبًا، وَزَالَ عَيْبُهُ فِي يَدِ مَالِكِهِ، وَكَانَ أَخَذَ الْأَرْشَ لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ لِذَلِكَ.
(وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً، فَعَادَتِ الْقِيمَةُ ضُمِنَ النَّقْصُ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأُولَى، فَلَمْ يَنْجَبِرْ بِهَا (وَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ لِسِمَنٍ أَوْ نَحْوِهِ) مِنْ تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ كَغَصْبِهِ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ بِمَا ذُكِرَ حَتَّى صَارَتْ مِائَتَيْنِ (ثُمَّ نَقَصَتِ) الْقِيمَةُ بِنُقْصَانِ بَدَنِهِ، أَوْ نِسْيَانِ مَا تَعَلَّمَهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً (ضِمْنَ الزِّيَادَةِ) مَعَ رَدِّهِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الْمَغْصُوبِ، فَلَزِمَ الْغَاصِبَ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِرَدِّهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُهَا، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ كَمَا أَخَذَهَا (وَإِنْ عَادَ مِثْلَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى مِنْ جِنْسِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذُكِرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ مَا ذَهَبَ عَادَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ مَرِضَ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ بَرَأَ فَعَادَتْ، وَالثَّانِي يَضْمَنُهَا، صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ،

جِنْسِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأُولَى لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهَا.
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ، فَهَزُلَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ، خُيِّرَ بَيْنَ أَخْذِ مِثْلِهَا وَبَيْنَ تَرْكِهَا، حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا، وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا.

وَإِنْ جَنَى الْمَغْصُوبُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ هُزِلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِأَنْ كَانَ قِيمَتُهَا مِائَةً يَوْمَ الْغَصْبِ، فَسَمِنَتْ فَبَلَغَتْ أَلْفًا ثُمَّ هُزِلَتْ فَعَادَتْ إِلَى مِائَةٍ، ثُمَّ سَمِنَتْ فَعَادَتْ إِلَى أَلْفٍ، ثُمَّ هُزِلَتْ فَعَادَتْ إِلَى مِائَةٍ ضَمِنَ النَّقْصَيْنِ بِأَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ أَكْثَرَ السِّمَنَيْنِ قِيمَةً، جُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأُولَى لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهَا) جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَتَى زَادَتْ ثُمَّ نَقَصَتْ ثُمَّ زَادَ مِثْلَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى فَوَجْهَانِ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَالسِّمَنِ وَالتَّعَلُّمِ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ كَسِمَنٍ مَرَّتَيْنِ (وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ فَهُزِلَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ) أَوْ لَمْ تَنْقُصِ الْقِيمَةُ (رَدَّهُ) لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِ غَيْرِهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَمْ تَنْقُصْ فَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ.
فَرْعٌ: إِذَا غَصَبَ دَارًا فَنَقَضَهَا وَلَمْ يَبْنِهَا فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا إِلَى حِينِ نَقْضِهَا، وَأَجْرُهَا مَهْدُومَةً مِنْ حِينِ نَقْضِهَا إِلَى حِينِ رَدِّهَا، وَإِنْ بَنَاهَا بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِآلَتِهَا أَوْ آلَةٍ مِنْ تُرَابِهَا، أَوْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا عَرْصَةً مُنْذُ نَقَضَهَا إِلَى أَنْ بَنَاهَا، وَأُجْرَتُهَا دَارًا فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ (وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ خُيِّرَ بَيْنَ أَخْذِ مِثْلِهَا) أَيْ أَخْذِ بَدَلِهَا (وَبَيْنَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا) كَذَا قَالَهُ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَفِي " الْمُغْنِي " أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْمِثْلُ لِوُجُودِ عَيْنِ مَالِهِ، وَلَا يَجِبُ أَرْشُ الْعَيْبِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ وَلَا ضَبْطُهُ، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ بَقِيَتِ الْخِيَرَةُ إِلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الْبَدَلِ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنَ الضَّرَرِ، وَبَيْنَ الصَّبْرِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ سَقَطَ فَيَأْخُذُ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيَأْخُذُ أَرْشَ النَّقْصِ مِنَ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ، أَشْبَهَ تَلَفَ الْحُرِّ الْمَغْصُوبِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَرْشُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ بَدَلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُ نَقْصِهِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئا.
1 -

فَعَلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ، وَتُضْمَنُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ إِذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ كَالْأَصْلِ.

فَصْلٌ وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، مِثْلَ أَنْ خَلَطَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا بِمِثْلِهِ، لَزِمَهُ مَثْلُهُ مِنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا اسْتَعْمَلَ عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ كَغَصْبِهِ، وَكُلُّ مَغْصُوبٍ زَكَّاهُ مَالِكُهُ حَالَ غَصْبِهِ رُجِعَ بِمَا غَرِمَ عَلَى غَاصِبِهِ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ ضُمِّنَ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ ضُمِّنَ، وَإِلَّا فَلَا.

[جِنَايَةُ الْمَغْصُوبِ]

(وَإِنْ جَنَى الْمَغْصُوبُ فَعَلَيْهِ) أَيِ: الْغَاصِبِ (أَرْشُ جِنَايَتِهِ) لِأَنَّهُ نَقَصَ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي، فَكَانَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ نَقْصِهِ (سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ) لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَقِيلَ: لَا يُضَمَّنُ جِنَايَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ لِتَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ (أَوْ غَيْرِهِ) وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوِ الْمَالَ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنَ النَّقْصِ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ (وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ) لِأَنَّهُ إِذَا جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ وَجَبَ أَرْشُهُ عَلَى الْغَاصِبِ، فَلَوْ وَجَبَ لَهُ شَيْءٌ لَوَجَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَحَلِّهِ فِي غَيْرِ قَوَدٍ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، فَلَوْ قَتَلَ عَبْدًا لِأَحَدِهِمَا عَمْدًا فَلَهُ قَتْلُهُ بِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فِيهِمَا.
(وَتُضْمَنُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ إِذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ كَالْأَصْلِ) سَوَاءٌ تَلِفَ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَيَضْمَنُهُ بِالتَّلَفِ كَالْأَصْلِ.

[فَصْلُ خَلْطِ الْمَغْصُوبِ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ]

فَصْلٌ (وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِثْلَ أَنْ خَلَطَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا بِمِثْلِهِ لَزِمَهُ مِثْلُهُ) قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ، فَيَجِبُ مِثْلُ مَكِيلِهِ (مِنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَنَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ". وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ

خَلَطَهُ بِدُونِهِ، أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا.
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَوِيقًا فُلَتَّهُ بِزَيْتٍ

[المبدع في شرح المقنع]

قَدَرَ عَلَى دَفْعِ مَالِهِ إِلَيْهِ مَعَ رَدِّ الْمِثْلِ فِي الْبَاقِي فَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى بَدَلِهِ فِي الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ صَاعًا فَتَلِفَ بَعْضُهُ (وَفِي الْآخَرِ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ) قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِ مَالِهِ بِالْخَلْطِ فَوَجَبَ مُطْلَقُ الْمِثْلِ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ "، وَ " الْمُوجَزِ " قُسِّمَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا، أَمَّا لَوْ خَلَطَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَزَيْتٍ خُلِطَ بِمَاءٍ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ خَلَّصَهُ وَرَدَّهُ، وَرَدَّ نَقْصَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُهُ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ لَزِمَهُ مِثْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْهُ رَدَّهُ، وَرَدَّ نَقْصَهُ، وَإِنِ احْتِيجَ فِي تَخْلِيصِهِ إِلَى غَرَامَةٍ فَعَلَى الْغَاصِبِ (وَإِنْ خَلَطَهُ بِدُونِهِ، أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ (لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا) . قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْخَلْطِ مُسْتَهْلَكًا، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِزَيْتِهِ، ثُمَّ أَفْلَسَ، صَارَ الْبَائِعُ كَبَعْضِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ، فَكَانَ لَهُ بَدَلُهُ كَمَا لَوْ كَانَ تَالِفًا، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا خَلَطَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ، وَبَذَلَ الْغَاصِبُ مِثْلَ حَقِّهِ مِنْهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ بِأَدْنَى مِنْهُ فَرَضِيَ الْمَالِكُ بِأَخْذِ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ لَزِمَ الْغَاصِبَ بَدَلُهُ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ انْتَقَلَ إِلَى الذِّمَّةِ فَلَمْ يُجْبِرْ عَلَى عَيْنِ مَالٍ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنَ الرَّدِيءِ، أَوْ دُونَ حَقِّهِ مِنَ الْجَيِّدِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ رِبًا، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَرَضِيَ بِأَخْذِ دُونِ حَقِّهِ مِنَ الرَّدِيءِ، أَوْ سَمَحَ الْغَاصِبُ بِدَفْعِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنَ الْجَيِّدِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ دُونَ حَقِّهِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ؛ لِأَنَّ بَدَلَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا (وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي رَجُلٍ لَهُ رِطْلُ شَيْرَجٍ، وَآخَرَ لَهُ رِطْلُ زَيْتٍ، وَاخْتَلَطَا: يُبَاعُ الدُّهْنُ كُلُّهُ، وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ، فَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ عَنْ قِيمَتِهِ مُنْفَرِدًا، فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، فَلَوِ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ بِاثْنَيْنِ لِآخَرَ فَتَلِفَ اثْنَانِ فَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، أَوْ نِصْفَيْنِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اخْتَلَطَ نَقْدٌ حَرَامٌ بِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ، دَفَعَ قَدْرَ الْحَرَامِ إِلَى مَالِكِهِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ

فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ضُمِّنَ النَّقْصَ، وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ، أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْبَرَ إِذَا ضَمِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

مَقَامَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ إِنْ جَهِلَهُ، وَمَا بَقِيَ حَلَالٌ، وَإِنْ عَبَرَ الْحَرَامُ الثُّلُثَ، وَقِيلَ: أَوْ بَلَغَهُ، حَرُمَ الْكُلُّ وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَقِيلَ: كَالْأَوَّلِ يُخْرِجُ قَدْرَ الْحَرَامِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الَّذِي يُعَامِلُ بِالرِّبَا: يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ، وَيَرُدُّ الْفَضْلَ إِنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا يُؤْكَلُ عِنْدَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ شَكَّ فِي قَدْرِ الْحَرَامِ تَصَدَّقَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ، نُصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِزَيْتٍ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ضَمِنَ النَّقْصَ) لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ فَيَضْمَنُهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ، فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ لَمْ يَضْمَنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَإِنْ لَمْ تَنْقُصِ) الْقِيمَةُ (وَلَمْ تَزِدْ) كَمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً، فَصَارَتْ قِيمَتُهُمَا عَشَرَةً (أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا) لِأَنَّ عَيْنَ الصِّبْغِ مِلْكُ الْغَاصِبِ، وَاجْتِمَاعُ الْمِلْكَيْنِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ (وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْمِلْكِ الَّذِي زَادَتْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْأَصْلِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ لِزِيَادَةِ الثِّيَابِ فِي السُّوقِ كَانَتِ الزِّيَادَةُ لِمَالِكِ الثَّوْبِ، وَإِنْ كَانَتْ لِزِيَادَةِ الصِّبْغِ فَهِيَ لِمَالِكِ الصِّبْغِ (فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ) أَيْ: يُمْنَعُ طَالِبُ قَلْعِ الصِّبْغِ مِنْهُمَا، كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْمُرِيدَ لِلْقَلْعِ إِمَّا الْغَاصِبُ، لَمْ يُجْبِرِ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يَنْقُصُ بِسَبَبِ أَخْذِهِ، أَوِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لَمْ يَجْبُرِ الْغَاصِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ يَهْلِكُ بِالْإِخْرَاجِ، وَقَدْ أَمْكَنَ وُصُولُ الْحَقِّ إِلَى صَاحِبِهِ بِدُونِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْبَرَ إِذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ) لِأَنَّ الْمَانِعَ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ انْتَفَى، فَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ عَمَلًا بِالْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذَا بِمَنْ ذُكِرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الْآخَرِ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُمْكِنَ إِذَا ضَمِنَ نَقْصَ حَقِّ الْآخَرِ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ رَبُّ الْمَالِ كَبِنَاءٍ، وَنُقِلَ فِي " الشَّرْحِ " عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا أَرَادَ قَلْعَ الصِّبْغِ فَلَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَضَرَّ بِالثَّوْبِ أَوْ لَا، وَيَضْمَنُ نَقْصَ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقَلْعَ حَيْثُ تَضَرُّرُ الثَّوْبِ،

الْغَاصِبُ النَّقْصَ، وَإِنْ وَهَبَ الصِّبْغَ لِلْمَالِكِ أَوْ وَهَبَهُ تَزْوِيقَ الدَّارِ وَنَحْوِهَا، فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكَ قَبُولُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا، أَوْ زَيْتًا فَلَتَّ بِهِ سَوِيقًا، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغَا، فَصَبَغَهُ بِهِ رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَتِهِ.

[المبدع في شرح المقنع]

وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ مَا يَهْلِكُ صَبْغُهُ بِالْقَلْعِ وَبَيْنَ مَا لَا يَهْلِكُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إِذَا هَلَكَ بِالْقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ، وَإِنْ أَرَادَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فَوَجْهَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ إِجْبَارَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ قَلْعِهِ، وَحَكَى فِي " الرِّعَايَةِ " احْتِمَالًا أَنَّ لَهُ قَلْعَهُ بِأَرْشِهِ مَعَ بَقَاءِ قِيمَةِ الثَّوْبِ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَخْذُ الثَّوْبِ بِقِيمَتِهِ، فَلَوْ بَذَلَ رَبُّ الثَّوْبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ لِمَالِكِهِ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ، كَمَا لَوْ بَذَلَ قِيمَةَ الْغِرَاسِ، وَقِيلَ: بَلَى إِذَا لَمْ يَقْلَعْهُ كَالْغَرْسِ فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ (وَإِنْ وَهَبَ الصِّبْغَ لِلْمَالِكِ أَوْ وَهَبَهُ تَزْوِيقَ الدَّارِ وَنَحْوِهَا، فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكَ قَبُولُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ صَارَ مِنْ صِفَاتِ الْعَيْنِ، فَهُوَ كَزِيَادَةِ الصِّفَةِ فِي الْمُسَلَّمِ بِهِ، وَكَنَسْجِ الْغَزْلِ، لَا هِبَةَ مَسَامِيرَ سُمِّرَ بِهَا الْبَابُ الْمَغْصُوبُ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ يُمْكِنُ إِفْرَادُهَا كَالْغِرَاسِ، فَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الثَّوْبِ بَيْعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ بَيْعَهُ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ (وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا، أَوْ زَيْتًا فَلَتَّ بِهِ سَوِيقًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ) أَيْ: أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ حَيْثُ كَانَ الصِّبْغُ وَالثَّوْبُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ (وَاحْتَمَلَ أَنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا) لِأَنَّ الصِّبْغَ قَدْ تَفَرَّقَ فِي الثَّوْبِ، وَالزَّيْتَ مُسْتَهْلَكٌ فِي السَّوِيقِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُمَا.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا فَصَبَغَهُ بِهِ رَدَّهُ) لِأَنَّهُ عَيْنٌ مِلْكُ غَيْرِهِ (وَ) يَرُدُّ (أَرْشَ نَقْصِهِ) لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ (وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَتِهِ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا لِاثْنَيْنِ، أَوْ لِوَاحِدٍ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِذَا كَانَ مِنْ وَاحِدٍ وَزَادَا فَزِيَادَتُهُمَا لَغْوٌ، وَيُحْتَمَلُ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَا مِنَ اثْنَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الْأَصْلِ وَالزِّيَادَةِ بِالْقِيمَةِ، وَمَا نَقَصَ أَحَدُهُمَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ، وَقِيلَ: زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا لِرَبِّهِ، وَفِي " الشَّرْحِ " هُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا

فَصْلٌ وَإِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ - وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً - وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ مَهْرُ الثَّيِّبِ، وَإِنْ وَلَدَتْ فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ، وَيَضْمَنُ نَقْصَ

[المبدع في شرح المقنع]

فَإِنْ زَادَتْ فَالزِّيَادَةُ لَهُمَا، وَإِنْ نَقَصَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَيَكُونُ النَّقْصُ مِنْ صَاحِبِ الصِّبْغِ؛ لِأَنَّهُ تَبَدَّدَ فِي الثَّوْبِ، وَيُرْجَعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ نَقَصَ السِّعْرُ لِنَقْصِ سِعْرِ الثِّيَابِ أَوِ الصِّبْغِ أَوْ هُمَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْغَاصِبُ، وَكَانَ نَقْصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهِ فَلَبِسَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ ضَمِنَهُ دَافِعُهُ، وَقِيلَ: لَابَسَهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ أَكْثَرُهُمَا إِنْ كَانَ لَهُ أُجْرَةٌ، وَإِلَّا فَأَرْشُهُ فَقَطْ.

[فَصْلُ وَطْئَ الْجَارِيَةِ بَعْدَ غَصْبِهَا]

فَصْلٌ (وَإِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ) بَعْدَ غَصْبِهَا فَهُوَ زَانٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) أَيْ: حَدُّ الزِّنَى، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ (وَالْمَهْرُ) أَيْ: مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً) لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُطَاوَعَتِهَا كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ طَرَفِهَا، وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لِمُطَاوِعَةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ» ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرَّةِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ مَعَ الْإِكْرَاهِ، فَيَجِبُ مَعَ الطَّوَاعِيَةِ كَأَجْرِ مَنَافِعِهَا (وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ) لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ لِدُخُولِهِ فِي مَهْرِ الْبِكْرِ، وَلِهَذَا تَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ عَادَةً لِأَجْلِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَفْوِيتِ الْبَكَارَةِ (وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ مَهْرُ الثَّيِّبِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْهَا وَلَمْ يُؤْلِمْهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَّلَهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى (وَإِنْ وَلَدَتِ فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا وَأَجْزَائِهَا، وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ فِي النِّكَاحِ الْحَلَالِ فَهُنَا أَوْلَى، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى، وَيَجِبُ رَدُّهُ مَعَهَا كَزَوَائِدِ الْغَصْبِ، وَإِنْ سَقَطَ مَيِّتًا لَمْ يَضْمَنْهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ قَبْلَ هَذَا، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَفِي " الْمُغْنِي " يَضْمَنُهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَضْمَنُهُ فِي الْجِنَايَةِ، فَلَوْ

الْوِلَادَةِ، وَإِنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ فَوَطِئَهَا؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، نَقْصَهَا وَمَهْرَهَا وَأُجْرَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ وَلَا يَرْجِعُ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا الْغَصْبَ؛ فَضَمِنَهُمَا، رَجَعَا عَلَى

[المبدع في شرح المقنع]

وَضَعَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ انْفِصَالِهِ.
(وَيَضْمَنُ نَقْصَ الْوِلَادَةِ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، كَنَقْصِهَا بِقَطْعِ طَرَفِهَا، وَلَا يَنْجَبِرُ بِزِيَادَتِهَا بِالْوَلَدِ، وَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا فَأَلْقَتِ الْجَنِينَ مَيِّتًا فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الضَّارِبِ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ وُجِدَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَنَقْصُ الْوِلَادَةِ دُونَ وَلَدٍ وَمَهْرٍ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْغَاصِبُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَحِدْ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ، وَهِيَ إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ؛ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ: ضَرَبَ بَهِيمَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ضَمِنَ نَقْصَ الْقِيمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَلْ قِيمَتُهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ تَلِفَ لَا بِجِنَايَةٍ فَهَدَرٌ، وَقِيلَ: يُضْمَنُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ كَالْإِتْلَافِ.
(وَإِنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ) فَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى الْمَذْهَبِ (فَ) إِنْ (وَطِئَهَا فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ) أَمَّا الْغَاصِبُ، فَلِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي إِيصَالِهَا إِلَى الْغَيْرِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهِبُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ حَقِّهِ، وَزَجْرِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مُتَّهِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَاصِبٌ.
(نَقْصِهَا وَمَهْرِهَا، وَأُجْرَتِهَا، وَقِيمَةِ وَلَدِهَا) أَيْ: التَّالِفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ يَضْمَنُهَا الْغَاصِبُ لَوِ انْفَرَدَ فَكَذَا هُنَا (فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ) لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَالْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ لَهُ (وَلَا يَرْجِعُ الْآخَرُ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهِبُ حَيْثُ ضَمِنَهُ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالْغَصْبِ فَضَمِنَهُمَا) الْمَالِكُ الْمَهْرَ وَأَرْشَ الْبَكَارَةِ وَنَقْصَ الْوِلَادَةِ (رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْعَقْدِ، عَلَى أَنْ يُتْلِفَا ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَرَّهُمَا (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ) لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ (وَيَفْدِيِهِ) عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِاعْتِقَادِهِ حِلَّ الْوَطْءِ،

الْغَاصِبِ، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَيَفْدِيهِ بِمِثْلِهِ فِي صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُهُ فِي الْقِيمَةِ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا إِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا، وَيَرْجِعُ بِهَا الْمُتَّهِبُ، وَعَنْهُ أَنَّ مَا حَصَلَتْ لَهُ بِهِ مَنْفَعَةٌ كَالْأُجْرَةِ، وَالْمَهْرِ، وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ

[المبدع في شرح المقنع]

أَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ، وَعَنْهُ: لَا فِدَاءَ عَلَيْهِ لِانْعِقَادِهِ حُرًّا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، فَيَكُونُ الْفِدَاءُ يَوْمَ الْوَضْعِ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِيَيْنِ، وَالْشَيْخَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ أَنَّهُ يَوْمَ الْمُحَاكَمَةِ (بِمِثْلِهِ فِي صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيَّ، وَالْقَاضِي، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ، وَالْحُرُّ لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُهُ فِي الْقِيمَةِ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْسِ الْقِيمَةِ (وَعَنْهُ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ) اخْتَارَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ، فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْمُتَقَوَّمَاتِ، وَعَنْهُ: بِأَيِّهِمَا شَاءَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمُقْنِعِ (وَيَرْجِعُ بِهِ) بِالْمَهْرِ وَمَا فُدِيَ بِهِ الْوَلَدُ (عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ قَدْ غَرَّهُ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي الْمَهْرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا رُجُوعَ لَهُ بِالْمَهْرِ، قَضَى بِهِ عَلِيٌّ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ بَاقِيَةً رَدَّهَا إِلَى سَيِّدِهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِبَدَلِهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، لَكِنْ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ (وَإِنْ تَلِفَتُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) لِمَالِكِهَا كَمَا يَلْزَمُهُ نَقْصُهَا، فَلَوْ قَتَلَهَا الْغَاصِبُ بِوَطْئِهِ فَالدِّيَةُ، نَقَلَهُ مُهَنَّا (وَلَا يَرْجِعُ بِهَا) عَلَى الْغَاصِبِ (إِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَإِذَا ضَمَّنَهُ الْقِيمَةَ، لَمْ يَرْجِعْ بِهَا، لَكِنْ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، فَلَا يَدْخُلُ الثَّمَنُ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْعَيْنَ بَاقِيَةً (وَيَرْجِعُ بِهَا) أَيْ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ (الْمُتَّهِبُ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْعَيْنَ، فَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَى الْغَاصِبِ كَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ (وَعَنْهُ: أَنَّ مَا حَصَلَتْ لَهُ بِهِ مَنْفَعَةٌ كَالْأُجْرَةِ، وَالْمَهْرِ، وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ لَا يَرْجِعُ بِهِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ غَرِمَ مَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ كَقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَبَدَلِ أَجْزَائِهَا، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَالِكَ إِذَا رَجَعَ

الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا لَا يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ فَمَاتَ الْوَلَدُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

عَلَى الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ عَلَى الْغَاصِبِ فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ، الْأَوَّلُ: لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ قِيمَتُهَا إِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، وَأَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَعَنْهُ: بَلَى كَالْمَهْرِ، وَبَدَلِ أَجْزَائِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ.
الثَّانِي: يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ بَدَلُ الْوَلَدِ وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إِتْلَافٌ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ مَنْعِ الْغَاصِبِ مِنْهُ.
الثَّالِثُ: مَهْرُ الْمِثْلِ وَأُجْرَةُ نَفْعِهَا، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُتْلِفَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِذَا غَرِمَ رَجَعَ بِهِ كَبَدَلِ الْوَلَدِ.
(وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي) لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ كَالْمُبَاشِرِ، وَالْغَاصِبُ كَالْمُتَسَبِّبِ (بِمَا لَا يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ، إِذَا رَجَعَ بِهِ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَرَجَعَ بِهِ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكُلُّ مَا لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ إِذَا غَرَّمَهُ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَى الْغَاصِبِ، فَإِنْ رَدَّهَا حَامِلًا فَمَاتَتْ مِنَ الْوَضْعِ، فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْوَاطِئِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ) أَيْ: إِذَا اشْتَرَى الْمَغْصُوبَةَ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِالْغَصْبِ، فَزَوَّجَهَا لِغَيْرِ عَالِمٍ بِهِ، فَوَلَدَتْ مِنَ الزَّوْجِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا (فَمَاتَ الْوَلَدُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ مَالٌ، وَلَيْسَ بِمِثْلِيٍّ لِكَوْنِهِ يَنْعَقِدُ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ الْوَاطِئَ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي الْجَاهِلِ بِالْغَصْبِ (وَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا) أَيْ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ (عَلَى الْغَاصِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، لِكَوْنِهِ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ إِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ.

وَإِنْ أَعَارَهَا فَتَلِفَتَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ اسْتَقَرَّ ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيْهِ، وَضَمَانُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ

وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، وَقَلَعَ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا غَرِمَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْقِسْمَةِ

وَإِنْ أُطْعِمَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَالثَّانِيَةُ لَا رُجُوعَ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، أَشْبَهَ تَلَفَ الْجَارِيَةِ (وَإِنْ أَعَارَهَا فَتَلِفَتَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ) فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَهَا، وَقِيمَتَهَا، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْغَصْبِ فَضَمِنَهُ (اسْتَقَرَّ ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ (وَضَمَانُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهَا فَقَدِ اسْتَوْفَى بَدَلَ مَا غَرِمَ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى الْغَاصِبِ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْعَيْنَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ مَعَ الْعِلْمِ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ حَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ.
تَنْبِيهٌ: جُعِلَ فِي " الشَّرْحِ " الْمُودَعُ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ مُودَعٌ وَنَحْوُهُ بِقِيمَتِهِ وَمَنْفَعَتِهِ، كَمُرْتَهِنٍ فِي الْأَصَحِّ، وَيَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ بِقِيمَتِهِ، وَعَكْسُهُ مُشْتَرٍ وَمُسْتَعِيرٌ، وَيَأْخُذُ مُسْتَأْجِرٌ وَمُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ مَا دَفَعَا إِلَيْهِ، وَيَأْخُذُ مُشْتَرٍ نَفَقَتَهُ وَعَمَلَهُ مِنْ بَائِعٍ غَارٍّ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

[اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً]

(وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً) وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْحَالِ (وَقَلَعَ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا غَرِمَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْقِسْمَةِ) وَوَافَقَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ؛ لِأَنَّهُ بِبَيْعِهِ إِيَّاهَا غَرَّهُ، وَأَوْهَمَهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَمَلَّكُ بِالْقِيمَةِ وَلَا يَقْلَعُ مَجَّانًا، لَيْسَ هَذَا مِثْلَ مَنْ غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَيَقْلَعُ غَرْسَهُ، وَحَمَلَ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ لَهُ الْقَيِّمَةَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، كَمَا فِي الْمَغْرُورِ بِنِكَاحِ أَمَةٍ، فَأَمَّا مَالِكُ الْأَرْضِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إِذْنٌ، وَفِي " الْقَوَاعِدِ " أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَدْلُولِ النُّصُوصِ، وَكَوْنُهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إِذْنٌ لَا يَنْفِي كَوْنَ الْغِرَاسِ مُحْتَرَمًا، كَالسَّيْلِ إِذَا حَمَلَ نَوًى إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَنَبَتَ فِيهَا، أَنَّهُ كَغَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ فِي وَجْهٍ، وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ أَنَّ لِلْمَالِكِ قَلْعَهُ.

الْمَغْصُوبُ لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَالَ لَهُ الْغَاصِبُ: كُلْهُ، فَإِنَّهُ طَعَامِي، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ، فَفِي أَيِّهِمَا يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُبَرَّأْ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأَوْصَلَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا صِلَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ هَذَا،

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنْهُ: لَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ نَقْصَهُ ثُمَّ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ.

[أُطْعِمَ الْمَغْصُوبُ لِعَالَمٍ بِالْغَصْبِ]

(وَإِنْ أُطْعِمَ الْمَغْصُوبُ لِعَالِمٍ بِالْغَصْبِ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَالْآكِلِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَى الْآكِلِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْآكِلُ فَهَدَرٌ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَالَ لَهُ الْغَاصِبُ: كُلْهُ، فَإِنَّهُ طَعَامِي، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَلِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الضَّمَانَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: عَلَى آكِلٍ كَآكِلِهِ بِلَا إِذْنِهِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَكَذَا إِذَا أَطْعَمَهُ لِعَبْدِهِ، أَوْ دَابَّتِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ) هُوَ طَعَامِي أَوْلَى (فَفِي أَيِّهِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؟ وَجْهَانِ) هُمَا رِوَايَتَانِ فِي " الْمُغْنِي " أَحَدُهُمَا يَسْتَقِرُّ عَلَى آكِلِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ كَآكِلِهِ بِلَا إِذْنٍ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْغَاصِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْآكِلَ، وَأَطْعَمَهُ عَلَى أَنْ لَا يَضْمَنَهُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَبَاحَهُ لِلْغَاصِبِ، فَأَكَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ ضَمِنَ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، وَ " الشَّرْحِ " (وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُبَرَّأْ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأَوْصَلَهَا إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا صِلَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ) لِأَنَّهُ بِالْغَصْبِ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ وَسَلْطَنَتَهُ، وَبِالتَّقْدِيمِ إِلَيْهِ لَمْ يَعُدْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِكُلِّ مَا يُرِيدُ مِنَ الْأَخْذِ وَالصَّدَقَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ عَلَفَهُ لِدَوَابِّهِ.
وَقِيلَ: يُبَرَّأُ بِنَاءً عَلَى مَا إِذَا أَطْعَمَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": فَيَكُونُ فِي الْمَالِكِ رِوَايَتَا الْمَغْرُورِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَأَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ بِرِضَاهُ عَالِمًا بِهِ، فَلَوْ وَهَبَهُ الْمَغْصُوبُ

يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُبَرَّأُ، وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ، أَوْ أَوْدَعَهُ إِيَّاهُ، أَوْ أَجَّرَهُ وَاسْتَأْجَرَهُ عَلَى قِصَارَتِهِ وَخِيَاطَتِهِ لَمْ يُبَرَّأْ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ، وَإِنْ أَعَارَهُ إِيَّاهُ بَرِئَ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ

وَمَنِ اشْتَرَى عَبَدًا فَأَعْتَقَهُ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ صَدَّقَاهُ مَعَ الْعَبْدِ لَمْ يَبْطُلِ الْعِتْقُ، وَيَسْتَقِرُّ

[المبدع في شرح المقنع]

لِمَالِكِهِ، أَوْ أَهْدَاهُ إِلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ، وَعَنْهُ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ تَسْلِيمًا تَامًّا زَالَتْ بِهِ يَدُ الْغَاصِبِ (وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ، أَوْ أَوْدَعَهُ إِيَّاهُ، أَوْ أَجَّرَهُ وَاسْتَأْجَرَهُ عَلَى قِصَارَتِهِ، أَوْ خِيَاطَتِهِ لَمْ يُبَرَّأْ) مِنَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ سُلْطَانُهُ، إِنَّمَا قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ) لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَبْرَأُ مُطْلَقًا لِعَوْدِهِ إِلَى مَالِكِهِ (وَإِنْ أَعَارَهُ إِيَّاهُ بَرِئَ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَتَأَتَّى وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الرُّجُوعِ، فَلَوْ بَاعَهُ إِيَّاهُ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ أَوْ أَقْرَضَهُ، بَرِئَ، جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَالْأَشْهَرُ خِلَافُهُ.
فَرْعٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ كَهُوَ فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَا فَرْقَ، فَلَوْ زَوَّجَهُ الْأَمَةَ بَرِئَ مِنَ الْغَصْبِ.
وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ رَبُّهُ، وَإِلَّا فَلَا.

[اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ]

(وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ مِنْهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا) أَيِ: الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي (لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْآخَرِ) لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، لَكِنْ إِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ (وَإِنْ صَدَّقَاهُ مَعَ الْعَبْدِ لَمْ يَبْطُلِ الْعِتْقُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ وَأَنْكَرَهُ الْعَبْدُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَكَذَا إِنْ صَدَّقَاهُ جَمِيعًا دُونَ الْعَبْدِ، كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي) لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعِتْقِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْبَائِعُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ إِلَّا بِالثَّمَنِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَخَلَّفَ مَالًا فَهُوَ

الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إِذَا صَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ.

فَصْلٌ وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَإِنْ أَعْوَزَ الْمِثْلَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إِعْوَازِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَعَنْهُ:

[المبدع في شرح المقنع]

لِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ لِلْمُدَّعِي، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ وَحْدَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، وَلَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إِذَا صَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ) وَيَعُودُ الْعَبْدُ إِلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ، أَقَرَّ بِالرِّقِّ لِمَنْ يَدَّعِيهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ الْمُشْتَرِي.

[ضَمَانُ الْمَغْصُوبِ إِذَا تَلِفَ]

فَصْلٌ (وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ) أَوْ أَتْلَفَهُ (ضَمِنَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ لَزِمَهُ رَدُّ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا فِي كُلِّ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْقِيمَةِ، فَهُوَ مُمَاثِلٌ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْنَى، وَالْقِيمَةُ مُمَاثِلَةٌ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ كَالنَّصِّ مَعَ الْقِيَاسِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي ". وَعَنْهُ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ أَيْضًا الْقِيمَةَ فِي نَقْرَةٍ وَسَبِيكَةٍ، وَعِنَبٍ وَرُطَبٍ، كَمَا فِيهِ صِنَاعَةٍ مُبَاحَةٍ لَا مُحَرَّمَةٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنَ الْأَوَّلِ الْمَاءُ فِي الْمَفَازَةِ، فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ.
مَسْأَلَةٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمِثْلِيَّ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَالْأَوْلَى، وَجَازَ السَّلَمَ فِيهِ كَمَاءٍ وَتُرَابٍ (وَإِنْ أُعْوِزَ الْمِثْلُ) فِي الْبَلَدِ أَوْ حَوْلَهُ (فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَثَلِهِ يَوْمَ إِعْوَازِهِ) أَيْ: يَوْمَ تَعَذُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ يَوْمَ الْإِعْوَازِ، فَوَجَبَ أَنْ تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ وُجُوبِهَا (وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ) أَيْ: قَبْضِ بَدَلِهِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمِثْلَ إِلَى حِينِ قَبْضِ الْبَدَلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمِثْلَ بَعْدَ إِعْوَازِهِ

يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا؛ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ فِي بَلَدِهِ مِنْ نَقْدِهِ،

[المبدع في شرح المقنع]

لَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ دُونَ الْقِيمَةِ (وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ) لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ يَوْمَ التَّلَفِ، فَاعْتُبِرَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ كَمَا لَوْ لَمْ تَخْتَلِفِ الْقِيمَةُ.
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ يَوْمَ الْمُحَاكَمَةِ.
وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَمْ تَنْتَقِلْ إِلَى ذِمَّتِهِ إِلَّا حِينَ حَكَمَ بِهَا الْحَاكِمُ، وَعَنْهُ: يَوْمَ غَصْبِهِ.
وَقِيلَ: أَكْثَرُهُمَا مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى يَوْمِ تَعَذُّرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ غَرِمَهَا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ لَمْ تُرَدَّ الْقِيمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ غُرْمِهَا عَادَ وُجُوبُهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ، أَشْبَهَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ، وَلِهَذَا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمُحَاكَمَةِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، اسْتَحَقَّ الْمَالِكُ طَلَبَهُ وَأَخْذَهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا) كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ (ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ) فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ» فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهَا، وَتَخْتَلِفُ صِفَاتُهَا، فَالْقِيمَةُ فِيهَا أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إِلَيْهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى (يَوْمَ تَلَفِهِ فِي بَلَدِهِ) الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زَمَنُ الضَّمَانِ وَمَوْضِعُهُ، وَعَنْهُ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ بِبَلَدِ تَلَفِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " (مِنْ نَقْدِهِ) فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ اعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَالِبِهِ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهَا الثِّقَاتُ مِنْهُمُ ابْنُ مُشَيْشٍ، وَكَذَا ابْنُ مَنْصُورٍ إِلَّا أَنَّهُ عَاوَدَهُ فِي ذَلِكَ فَجَبُنَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي أَزَالَ يَدَهُ فِيهِ، فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَعَنْهُ: أَكْثَرُهُمَا، أَيْ: مِنْ يَوْمِ غَصْبِهِ إِلَى يَوْمِ تَلَفِهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ كَإِتْلَافِهِ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنَّ الْقَاضِي حَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا إِذَا اخْتَلَفَتِ الْقِيمَةُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ الضَّمَانِ حَتَّى قَالَ الْقَاضِي: لَمْ أَجِدْ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ بِأَنَّهَا تُضْمَنُ بِأَكْثَرِ الْقِيمَتَيْنِ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي مُوسَى خِلَافَهُ،

جارٍ التحميل