بَيْنَ أَكْلِهِ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَبَيْنَ حِفْظِهِ لِمَالِكِهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
الثَّانِي: مَا يُخْشَى فَسَادُهُ
فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَيْعِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
[سَائِرُ الْأَمْوَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ]
[الْأَوَّلُ الْحَيَوَانُ]
(وَهِيَ) أَيِ: الْأَمْوَالُ الْمَذْكُورَةُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: حَيَوَانٌ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ) ذَبْحِهِ وَ (أَكْلِهِ) وِفَاقًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» جَعَلَهَا لَهُ فِي الْحَالِ، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لَا يُؤَخِّرُ أَكْلَهَا، وَلِأَنَّ فِي أَكْلِهَا فِي الْحَالِ إِغْنَاءً عَنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَحِفْظًا لِمَالِيَّتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَهَا فِي الْمِصْرِ أَوِ الصَّحْرَاءِ (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) قَالَهُ أَصْحَابُنَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ إِذَا أَكَلَهُ؛ فَلِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا ذَكَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَتَصِيرُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ عَزْلُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَكْلُ ضَالَّةِ الْغَنَمِ، وَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ لِصَاحِبِهَا، وَلَا تَعْرِيفَ لَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُوَافِقْ مَالِكًا أَحَدُ الْعُلَمَاءِ، وَأَفْتَى أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ بِأَكْلِهِ بِمَضْيَعَةٍ، بِشَرْطِ ضَمَانِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُ ذَبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ: لَا يَتَصَرَّفُ قَبْلَ الْحَوْلِ فِي شَاةٍ وَنَحْوِهَا بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَكْلُهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ فَبَيْعُهَا أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَيَلْزَمُهُ حِفْظُ صِفَتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا هُنَا تَعْرِيفًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِتَعْرِيفِهَا، وَنَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " لُزُومَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ لَهَا خَطَرٌ، فَوَجَبَ تَعْرِيفُهَا كَالْمَطْعُومِ الْكَثِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ بيان التعريف (وَبَيْنَ حِفْظِهِ لِمَالِكِهِ) وَلَمْ يَتَمَلَّكْهَا (وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِهِ عَلَى مَالِكِهِ عَيْنًا وَمَآلًا، فَلَوْ تَرَكَهَا بِلَا نَفَقَةٍ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِيهَا.
(وَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ) إِذَا نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا رِوَايَتَانِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ، قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيُّ فِي طَيْرَةٍ
وَأَكْلِهِ، إِلَّا أَنْ يُمْكِنَ تَجْفِيفُهُ كَالْعِنَبِ، فَيَفْعَلُ مَا يَرَى فِيهِ الْحَظَّ لِمَالِكِهِ، وَغَرَامَةَ التَّجْفِيفِ مِنْهُ، وَعَنْهُ: يَبِيعُ الْيَسِيرَ وَيَرْفَعُ الْكَثِيرَ إِلَى الْحَاكِمِ.
الثَّالِثُ: سَائِرُ الْمَالِ
[المبدع في شرح المقنع]
أَفْرَخَتْ عِنْدَ قَوْمٍ، فَقَضَى أَنَّ الْفِرَاخَ لِصَاحِبِ الطَّيْرَةِ، وَيَرْجِعُ بِالْعَلَفِ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مَعَ تَرْكِ التَّعَدِّي، فَإِنْ تَعَدَّى لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، وَلِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ، فَكَانَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ كَمَئُونَةِ التَّجْفِيفِ، وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ فَلَمْ يُرْجِعْ، كَمَا لَوْ بَنَى دَارَهُ، وَفَارَقَ التَّجْفِيفَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَكَرَّرُ نَفَقَتُهُ بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، فَرُبَّمَا اسْتَغْرَقَتْ ثَمَنَهُ مَعَ أَنَّ الشَّعْبِيَّ عَجِبَ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ، وَقِيلَ: إِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ رُجِعَ، وَإِلَّا فَلَا.
[الثَّانِي مَا يُخْشَى فَسَادُهُ]
(الثَّانِي: مَا يُخْشَى فَسَادُهُ) مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ كَالطَّبِيخِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْخُضْرَاوَاتِ (فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَيْعِهِ) وَحِفْظِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِبْقَاءً لِمَالِيَّتِهِ، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ (وَأَكْلِهِ) وَتَثْبُتُ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَلِفَ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ كَالْوَدِيعَةِ، وَيَحْفَظُ صِفَاتِهِ ثُمَّ يُعَرِّفُهُ عَامًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، فَإِنْ تَلِفَ الثَّمَنُ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَوْ نَقْصٍ، أَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ، أَوْ نَقَصَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يُمْكِنَ تَجْفِيفُهُ كَالْعِنَبِ) وَالرُّطَبِ (فَيَفْعَلُ مَا يَرَى فِيهِ الْحَظَّ لِمَالِكِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَفِعْلُ الْأَحَظِّ فِي الْأَمَانَةِ مُتَعَيَّنٌ، وَكَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ ضَرَرًا وَهُوَ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَخَوْفُ مَوْتِهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعُرُوضَ لَا تُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ، لَكِنْ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ بِهِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ (وَغَرَامَةُ التَّجْفِيفِ مِنْهُ) لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ فَكَانَ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ لِيَتِيمٍ، وَلَهُ بَيْعُ بَعْضِهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ تَعَيَّنَ أَكْلُهُ (وَعَنْهُ: يَبِيعُ الْيَسِيرَ وَيَرْفَعُ الْكَثِيرَ إِلَى الْحَاكِمِ) لِأَنَّ الْيَسِيرَ يُتَسَامَحُ بِهِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فَكَانَ أَمْرُهُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَعَنْهُ: مَعَ وُجُودِهِ.
[الثَّالِثُ سَائِرُ الْمَالِ فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا]
(الثَّالِثُ: سَائِرُ الْمَالِ) كَالْأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ (فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ (وَيُعَرَّفُ الْجَمِيعُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَلِأَنَّهُ طَرِيقٌ
فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا، وَيُعَرِّفُ الْجَمِيعَ بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ، كَالْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ حَوْلًا كَامِلًا: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ نَفَقَةٌ، وَأُجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَا لَا يُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ لِمَالِكِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَى وُصُولِهَا إِلَى صَاحِبِهَا فَوَجَبَ ذَلِكَ لِحِفْظِهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَجَدَهَا فِي دَارِ حَرْبٍ، فَإِنْ كَانَ فِي جَيْشٍ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَطْرَحُهَا فِي الْمَغْنَمِ (بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى إِيصَالِ الْمَالِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ وُجُوبَهُ، وَقَدْرَهُ، وَزَمَانَهُ، وَمَكَانَهُ، وَمَنْ يَتَوَلَّاهُ، أَمَّا وُجُوبُهُ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُلْتَقِطٍ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا أَوْ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا، إِلَّا فِي الْيَسِيرِ الَّذِي لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ (فِي مَجَامِعِ النَّاسِ كَالْأَسْوَاقِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ) هَذَا مَكَانُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِشَاعَةُ ذِكْرِهَا وَإِظْهَارُهَا لِيَظْهَرَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، وَذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ وَاجِدَ اللُّقَطَةِ بِتَعْرِيفِهَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ مَجْمَعَ النَّاسِ، بَلْ يُكْرَهُ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا يَجُوزُ، وَقَالَهُ ابْنُ بَطَّةَ لِقَوْلِهِ لِلرَّجُلِ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، وَوَقْتُهُ النَّهَارُ، وَقَدْ يُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ كَالْأَسْوَاقِ (حَوْلًا كَامِلًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَيَكُونُ مُتَوَالِيًا يَلِي الِالْتِقَاطَ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، إِذْ مُقْتَضَاهُ الْفَوْرُ عِنْدَنَا، وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِيبَ ضَيَاعِهَا، فَإِذَا عُرِّفَتْ إِذَنْ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى وُصُولِهَا إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَأَخَّرَ، وَلِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْقَوَافِلُ، وَيَمْضِي فِيهَا الزَّمَانُ الَّذِي يُقْصَدُ فِيهَا الْبِلَادُ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَصَلُحَتْ قَدْرًا كَأَجَلِ الْعِنِّينِ، فَيَكُونُ نَهَارًا مُتَوَالِيًا فِي أُسْبُوعٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " ثُمَّ مَرَّةً كُلَّ أُسْبُوعٍ فِي شَهْرٍ، ثُمَّ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ الْعَادَةُ، وَلَا تُعَرَّفُ كِلَابٌ بَلْ يُنْتَفَعُ بِالْمُبَاحِ مِنْهَا (مَنْ ضَاعَ) هَذَا بَيَانُ مَنْ يَتَوَلَّاهُ (مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ نَفَقَةٌ) وَلَا يَصِفُهُ، فَإِنْهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْمَعَهُ أَحَدٌ فَيَصِفَهُ فَيَأْخُذَهُ فَيَفُوتَ عَلَى الْمَالِكِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " يَذْكُرُ جِنْسَهَا فَيَقُولُ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَطْنَبَ فِي الصِّفَاتِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا، وَلَوْ مَعَ خَوْفِهِ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ لِيَأْخُذَهَا، أَوْ يُطَالِبَهُ بِأَكْثَرَ، فَإِنْ أَخَّرَ لَمْ يَمْلِكْهَا إِلَّا بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
(وَأُجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُلْتَقِطِ، نُصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ، فَكَانَتِ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوِ اكْتَرَى شَخْصًا يَقْطَعُ لَهُ مُبَاحًا، فَلَوْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ (وَقَالَ أَبُو
يُرْجَعُ بِالْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَطَّابِ: مَا لَا يُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ لِمَالِكِهِ يُرْجَعُ بِالْأُجْرَةِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ إِيصَالِهَا إِلَيْهِ، فَكَانَ عَلَى مَالِكِهَا كَأُجْرَةِ مُخَزِّنِهَا، وَرَاعِيهَا، وَنُسِبَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " مَا لَا يُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ إِلَى ابْنِ عَقِيلٍ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ إِلَى أَبِي الْخَطَّابِ، وَعِنْدَ الْحُلْوَانِيِّ وَابْنِهِ مِنْهَا كَمُؤْنَةِ التَّجْفِيفِ، وَقِيلَ: مِنْهَا إِنْ لَمْ يَمْلِكْ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ " ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عَنِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ مَعَ إِمْكَانِهِ أَثِمَ لِلْأَمْرِ بِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ يَسْلُو عَنْهَا وَيَتْرُكُ طَلَبَهَا، وَيَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ عَنِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، نُصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ عُرِّفَ بَقِيَّتَهُ، وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فَلَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، وَعَلَيْهِمَا لَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا عَدَا الْحَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ، نَعَمْ لَوْ تَرَكَهُ لِمَرَضٍ وَنِسْيَانٍ مَلَكَهَا بِالتَّعْرِيفِ فِي ثَانِي الْحَوْلِ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَمْلِكُهَا، إِذِ الْحُكْمُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ مُطْلَقًا (فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ حُكْمًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ (كَالْمِيرَاثِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ «فَإِنْ لَمْ تُعَرِّفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» وَفِي لَفْظٍ «فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» وَفِي لَفْظٍ " ثُمَّ كُلْهَا " وَفِي لَفْظٍ " فَانْتَفِعْ بِهَا " وَفِي لَفْظٍ «فَشَأْنُكَ بِهَا» وَفِي لَفْظٍ «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» وَلَوْ وَقَفَ مِلْكُهَا عَلَى
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا تُمْلَكُ إِلَّا الْأَثْمَانُ،
[المبدع في شرح المقنع]
تَمَلُّكِهَا، لَبَيَّنَهُ لَهُ، وَلِمَ يُجَوِّزْ لَهُ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ وَالتَّعْرِيفَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ، فَإِذَا تَمَّ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْمِلْكُ حُكْمًا، كَالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ) وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " الْوَاضِحِ "؛ لِأَنَّ هَذَا يُمْلَكُ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ كَالْقَرْضِ، فَعَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ، فَلَوِ الْتَقَطَهَا اثْنَانِ فَعَرَّفَاهَا حَوْلًا مَلَكَاهَا، فَإِنْ قُلْنَا تَقِفُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ مَلَكَ الْمُخْتَارُ نَصِفَهَا، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هَاتِهَا، فَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ الْآمِرِ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْآمِرِ فَهِيَ لَهُ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الِاصْطِيَادِ، وَفِي " الْكَافِي " لِرَافِعِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ (وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تُمْلَكُ إِلَّا الْأَثْمَانُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ) نَقَلَهَا وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِيهَا، وَغَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا لِعَدَمِ الْغَرَضِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا، فَمِثْلُهَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَدَلَّ أَنَّ الْعُرُوضَ لَا تُمْلَكُ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مَعَ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي " الْمُغْنِي "، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرْقًا بَيْنَ الْأَثْمَانِ، وَالْقُرُوضِ، وَعَنْهُ: وَلَا الشَّاةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ الشَّاةَ تُمْلَكُ دُونَ الْعُرُوضِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَهَلْ لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيْرِهَا) أَيْ: بَعْدَ التَّعْرِيفِ الْمُعْتَبَرِ تُبَاعُ، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: لَهُ الصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَفِعُ بِمَا لَهُ تَارَةً لِمَعَاشِهِ، وَتَارَةً لِمَعَادِهِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَوَّلُ تَعَيَّنَ الثَّانِي، وَالثَّانِي: لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا فَيَأْخُذَهَا.
قَالَ الْخَلَّالُ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ، فَعَلَيْهِ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْخِصَالِ " يُخَيَّرُ بَيْنَ تَعْرِيفِهَا أَبَدًا وَبَيْنَ دَفْعِهَا إِلَى الْحَاكِمِ لِيَرَى رَأْيَهُ فِيهَا؛ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْبِدَايَةِ ": يَدْفَعُهَا إِلَى الْحَاكِمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَتَتَوَجَّهُ الرِّوَايَتَانِ فِيمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنَ اللُّصُوصِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ فِي اللُّقَطَةِ يَبِيعُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ (وَعَنْهُ: لَا تُمْلَكُ
وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهَلْ لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيْرِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَعَنْهُ: لَا تُمْلَكُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ.
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا وَقَدْرَهَا وَجِنْسَهَا
[المبدع في شرح المقنع]
لُقْطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ) بَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا لِلْحِفْظِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مَكَّةَ: لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُنْشِدُ: الْمُعَرِّفُ، وَالنَّاشِدُ: الطَّالِبُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكَّةَ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا؛ لِأَنَّهَا خُصَّتْ بِهَذَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْبُلْدَانِ، فَتُعَرَّفُ أَبَدًا، أَوْ يَدْفَعُهَا إِلَى حَاكِمٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالْحِلِّ لِحَدِيثِ زَيْدٍ، وَبِأَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَتَنَاوَلُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ، إِذْ قَوْلُهُ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، عَامٌّ فِي كُلِّ وَاجِدٍ، وَعُمُومُ الْوَاجِدِينَ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ أَحْوَالِهِمْ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ اللُّقَطَةَ لَا تُمْلَكُ بِحَالٍ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَالْبَغَوِيُّ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ.
[فَصْلُ التَّصَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ]
فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهَا) وَهُوَ الْعِفَاصُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقِيلَ: هُوَ صِفَةُ شَدِّهِ وَعَقْدِهِ (وَوِكَاءَهَا) وَهُوَ مَا شُدَّ بِهِ الْوِعَاءُ، وَهُمَا مَمْدُودَانِ (وَقَدْرَهَا) بِالْعَدَدِ، أَوِ الْكَيْلِ، أَوِ الْوَزْنِ، أَوِ الذَّرْعِ (وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا) لِحَدِيثِ زَيْدٍ وَفِيهِ: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَّفَ عِفَاصَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا، وَوِعَائِهَا، وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ» وَلِأَنَّ دَفْعَهَا إِلَى رَبِّهَا يَجِبُ بِمَا ذُكِرَ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، نَظَرًا إِلَى مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّهُ إِذَا عَدَمَ ذَلِكَ لَمْ يُبْقَ سَبِيلٌ إِلَى مَعْرِفَتِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَ جِنْسَهَا، وَنَوْعَهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا عَرَّفَ لِفَافَتَهَا، وَجِنْسَهَا، وَيُعَرِّفُ الْعَقْدَ عَلَيْهَا هَلْ هُوَ وَاحِدٌ، أَوْ أَكْثَرُ (وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ وِجْدَانِهَا) لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ (وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
وَصِفَتَهَا، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ وِجْدَانِهَا وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا، فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا فَوَصَفَهَا لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ، وَزِيَادَتِهَا الْمُنْفَصِلَةِ لِمَالِكِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَأَوْجَبَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو بَكْرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَعَلَيْهَا يَضْمَنُ بِتَرْكِهِ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ سِيَّمَا وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ اللُّقَطَةِ، وَلِأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْإِشْهَادِ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ، وَالشُّهُودُ عَدْلَانِ فَصَاعِدًا، وَلَا يَشْهَدُ عَلَى الصِّفَاتِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ تَنَوُّعِهِ، فَيَعْتَمِدُهُ الْمُدَّعِي الْكَاذِبُ، وَيُسْتَحَبُّ كَتْبُ صِفَاتِهَا لِيَكُونَ أَثْبَتَ لَهَا، مَخَافَةَ نِسْيَانِهَا (فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا) وَلَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ (فَوَصَفَهَا) بِالصِّفَاتِ السَّابِقَةِ (لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ) بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ لِقَوْلِهِ: «فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَأْخُذُهَا تَامَّةً مَعَ ظَنِّ صِدْقِهِ، وَفِي كَلَامِ أَبِي الْفَرَجِ وَ " التَّبْصِرَةِ " جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْ بَيِّنَةً، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَذَكَرَهَا كَغَيْرِهَا، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» إِذْ هُوَ مَعَ وُجُودِ مُنْكِرٍ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي صُورَةِ اللُّقَطَةِ فَالْخَبَرُ لَا يَشْمَلُهَا، وَلَوْ سَلَّمَ فَالتَّخْصِيصُ، وَيَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا غَالِبًا لِسُقُوطِهَا حَالَ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا بِالصِّفَةِ لَمَا جَازَ الْتِقَاطُهَا، وَمِثْلُهُ وَصْفُهُ مَغْصُوبًا وَمَسْرُوقًا، ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ (بِنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ) لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهَا، وَلِأَنَّهُ يُتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ (وَزِيَادَتُهَا الْمُنْفَصِلَةُ لِمَالِكِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ) لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ (وَلِوَاجِدِهَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ مُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ (فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِانْفِصَالِ الْحَوْلِ، فَالنَّمَاءُ إِذَنْ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَالثَّانِي: يَأْخُذُهَا رَبُّهَا بِهَا كَالْمُتَّصِلَةِ، وَكَالْمُفْلِسِ، وَالْوَلَدِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لِمَنْ
وَلِوَاجِدِهَا بَعْدَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ
وَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَضْمَنْهَا،
[المبدع في شرح المقنع]
حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ الْفَرْقُ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا يَضْمَنُ الْمُلْتَقِطُ النَّقْصَ، فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ لَهُ لِيَكُونَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
فَرْعٌ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي دَفْنٍ فِي الدَّارِ، مَنْ وَصَفَهُ فَهُوَ لَهُ، وَقِيلَ: لَا كَوَدِيعَةٍ، وَعَارِيَّةٍ، وَرَهْنٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَلَا تَتَعَذَّرُ الْبَيِّنَةُ.
مَسْأَلَةٌ: مَئُونَةُ الرَّدِّ عَلَى رَبِّهَا، ذَكَرَهُ فِي " التَّعْلِيقِ "، وَ " الِانْتِصَارِ " لِتَبَرُّعِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " عَلَى الْمُلْتَقَطِ.
[تَلِفَتِ اللُّقَطَةُ أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ]
(وَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَضْمَنْهَا) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَلَمْ تُضْمَنْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ كَالْوَدِيعَةِ (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ضَمِنَهَا) لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ، وَتَلِفَتْ مِنْ مَالِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّفْرِيطِ وَعَدَمِهِ، لَكِنِ اخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّ اللُّقَطَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ تُمْلَكُ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَثْبُتُ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ الْعِوَضُ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا، وَعِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا بَعِوَضٍ فِي ذِمَّتِهِ لِصَاحِبِهَا، وَعَلَيْهِمَا يَزُولُ مِلْكُ الْمُلْتَقِطِ عَنْهَا بِوُجُودِ رَبِّهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَيُرَدُّ بَدَلُهَا وَهُوَ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً لِأَخْبَارٍ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ فَلَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُ حَقِّهِ مِنْهُ مُطْلَقًا كَمَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى مَالِ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ لِحَدِيثِ عِيَاضٍ الْمَرْفُوعِ «فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ التَّمَلُّكِ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي.
وَقَالَ الشَّيْخَانِ: حِينَ وُجُودِ رَبِّهَا، وَقِيلَ: يَوْمَ تَصَرُّفِهِ، وَقِيلَ: يَوْمَ غَرِمَ بَدَلَهَا، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا بَعْدَ مِلْكِهَا، وَقِيلَ: وَلَا يَرُدُّهَا، وَالْخِلَافُ السَّابِقُ عَلَى الْقَوْلِ بِمِلْكِهَا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ لَمْ يَضْمَنْهَا إِلَّا بِهِ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَمْلِكُهَا بِحَالٍ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا صَحَّ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا، وَلَهُ أَخْذُ بَدَلِهَا، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى الْمُلْتَقِطِ فَلَهُ أَخْذُهَا، كَالزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَوَجَدَ الصَّدَاقَ قَدْ رَجَعَ إِلَى
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ضَمِنَهَا، وَإِنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا، وَإِنْ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، أَخَذَهَا مِنَ الْوَاصِفِ، وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، إِلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَمَتَى ضَمِنَ الدَّافِعُ رُجِعَ عَلَى الْوَاصِفِ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَ بَيْعَ خِيَارٍ فَلَهُ أَخْذُهُ، فَإِنْ مَاتَ الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ مِلْكًا لَهُ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ غَرِيمٌ بِهَا يَرْجِعُ بِبَدَلِهَا إِنِ اتَّسَعَتِ التَّرِكَةُ، وَإِلَّا تَحَاصَّ الْغُرَمَاءُ، أَيْ: مَعَ التَّلَفِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ تَلَفَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ أَوْ لَا؛ وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالٌ لَا يُلْزِمُ عِوَضَهَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَلَفُهَا بَعْدَ الْحَوَلِ، لِاحْتِمَالِ تَلَفِهَا فِي الْحَوَلِ، وَهِيَ أَمَانَةٌ (وَإِنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ) مَعًا، أَوْ وَصَفَهَا الثَّانِي قَبْلَ دَفْعِهَا لِلْأَوَّلِ (قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلدَّفْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا (وَفِي الْآخَرِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنَّهُ أَشْبَهُ بِأُصُولِنَا فِيمَا إِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الْقُرْعَةِ، وَيَحْلِفُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، وَكَذَا إِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَلَوْ وَصَفَهَا إِنْسَانٌ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: إِنْ زَادَ فِي الصِّفَةِ احْتُمِلَ تَخْرِيجُهُ عَلَى بَيِّنَةِ التَّشَاحِّ.
(وَإِنْ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ أَخَذَهَا مِنَ الْوَاصِفِ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنَ الْوَصْفِ (وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ) مِنَ الْوَاصِفِ وَالدَّافِعِ إِلَيْهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَتَلِفَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ إِلَى غَيْرِ مَالِكِهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ؛ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا إِذًا عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَالِكُهَا؛ وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الدَّفْعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ، وَكَمَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْهُ كُرْهًا (إِلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا لَوْ غُصِبَتْ مِنْهُ (وَمَتَى ضَمِنَ الدَّافِعُ رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ) لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ تَغْرِيمِهِ، وَالتَّلَفُ حَصَلَ فِي يَدِهِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ
فَصْلٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا،
[المبدع في شرح المقنع]
يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ قَدْ أَقَرَّ الْوَاصِفُ أَنَّهَا مِلْكُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْوَاصِفَ هُوَ الْمُحِقُّ، وَصَاحِبَ الْبَيِّنَةِ قَدْ ظَلَمَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيِّنَةِ إِذَا ضَمِنَ الْوَاصِفَ لَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الدَّافِعِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَالْعُدْوَانَ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا مَاتَ الْمُلْتَقِطُ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي التَّعْرِيفِ أَوْ إِتْمَامِهِ، وَيَمْلِكُهَا بَعْدَ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَلَفُهَا، وَلَا وُجِدَتْ فِي تَرِكَتِهِ فَهُوَ غَرِيمٌ بِهَا، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ شَيْءٌ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا قَبْلَهُ.
[فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا]
) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَخَلْقٍ؛ لِلْعُمُومِ.
وَعَنْهُ: لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا فَقِيرٌ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى؛ لِحَدِيثِ عِيَاضٍ؛ وَلِأَنَّهُ أَضَافَ الْمَالَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ إِنَّمَا يَتَمَلَّكُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بِالْقَرْضِ مَلَكَ اللُّقَطَةَ كَالْفَقِيرِ، وَدَعْوَاهُمْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، بَلْ بُطْلَانُهَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تُضَافُ إِلَى اللَّهِ خَلْقًا وَمِلْكًا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] (مُسْلِمًا) اتِّفَاقًا (أَوْ كَافِرًا) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اكْتِسَابٍ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِهِ كَالِاحْتِطَابِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " بِالذِّمِّيِّ، وَلَعَلَّهُ مُرَادٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " بِالْكَافِرِ الْعَدْلِ فِي دَارِنَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ، وَيَنْتَقِضُ بِالصَّبِيِّ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ عَلِمَ بِهَا الْحَاكِمُ أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ وَضَمَّ إِلَيْهِ عَدْلًا فِي
وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ فِي تَعْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا، وَإِنْ وَجَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ سَفِيهٌ قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا، فَإِذَا عَرَّفَهَا فَهِيَ لِوَاجِدِهَا، وَإِنْ وَجَدَهَا عَبْدٌ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهَا مِنْهُ وَتَرْكُهَا مَعَهُ يَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا إِذَا كَانَ عَدْلًا، فَإِنْ لَمْ يَأْمَنِ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ عَلَيْهَا لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا بَعْدَهُ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْحِفْظِ وَالتَّعْرِيفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُنْتَزَعَ مِنْ يَدِهِ، وَتُوضَعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا (عَدْلًا) اتِّفَاقًا (أَوْ فَاسِقًا) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِهَاتِ الْكَسْبِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، فَصَحَّ الْتِقَاطُهُ كَالْعَدْلِ، وَإِذَا صَحَّ الْتِقَاطُ الذِّمِّيِّ فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى، وَالْأَوْلَى لَهُ تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ يَعْرِضُ نَفْسَهُ لِلْأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ فِي تَعْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا، فَافْتَقَرَ إِلَى مُشَارَكَةِ الْأَمِينِ فِي الْحِفْظِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُنْتَزَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ التَّمَلُّكِ، نَعَمْ، إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْمُسْرِفَ حِفْظُهَا مِنْهُ انْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ وَتُرِكَتْ فِي يَدِ عَدْلٍ، فَإِذَا عَرَّفَهَا مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ الْمِلْكِ مِنْهُ.
(وَإِنْ وَجَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ سَفِيهٌ) أَوْ مَجْنُونٌ - قَالَهُ جَمَاعَةٌ - (قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا) ؛ لِأَنَّ وَاجِدَهَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّعْرِيفِ، وَهُوَ مُقَوَّمٌ فِي مَالِهِ، فَكَذَا فِي لُقَطَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَخْذُهَا مِنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ فَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا (فَإِذَا عَرَّفَهَا) وَلَمْ تُعْرَفْ (فَهِيَ لِوَاجِدِهَا) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ شَرْطُهُ، فَثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ كَالصَّيْدِ، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ الْتِقَاطِهِمَا؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ كَسْبٍ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالِاحْتِشَاشِ، فَإِنْ تَلِفَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمْ وَفَرَّطَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي صَبِيٍّ كَإِتْلَافِهِ.
(وَإِنْ وَجَدَهَا عَبْدٌ) عَدْلٌ (فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهَا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَهُوَ لِسَيِّدِهِ، فَكَانَ لَهُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ (وَتَرْكُهَا مَعَهُ، يَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا إِذَا كَانَ عَدْلًا) ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ، فَإِنْ عَرَّفَهَا بَعْضَ الْحَوْلِ عَرَّفَهَا السَّيِّدُ تَمَامَهُ، وَإِنْ عَرَّفَهَا حَوْلًا صَحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ لَهُ قَوْلًا صَحِيحًا فَصَحَّ تَعْرِيفُهُ كَالْحُرِّ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ مَلَكَهَا سَيِّدُهُ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ أَكْسَابِهِ، وَظَهَرَ مِنْهُ صِحَّةُ الْتِقَاطِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ جَازَ لَهُ الِالْتِقَاطُ كَالْحُرِّ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْهَا، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، لَا يُقَالُ: هِيَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَمَانَةٌ وَوِلَايَةٌ وَبَعْدَهُ تَمَلُّكٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهِلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ،
وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةً، فَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
بَابُ اللَّقِيطِ وَهُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوذُ، وَهُوَ حُرٌّ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ التَّمَلُّكِ فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ الِاصْطِيَادِ، فَإِنْ عُتِقَ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ.
وَقِيلَ: إِنْ عُتِقَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالتَّعْرِيفِ؛ وَقُلْنَا: يَمْلِكُ - فَلَا، (فَإِنْ لَمْ يَأْمَنِ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ عَلَيْهَا لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا، وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى الْحَاكِمِ ثُمَّ يَدْفَعُهَا إِلَى سَيِّدِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ (فَإِنْ أَتْلَفَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ) أَيْ تَتَعَلَّقُ قِيمَتُهَا بِرَقَبَتِهِ، كَالْجِنَايَةِ، وَكَذَا إِذَا تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، فَلَوْ تَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَالْحُرِّ (وَإِنْ أَتْلَفَهَا بَعْدَهُ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي إِتْلَافِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَاحِبِهَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هَذَا إِذَا قُلْنَا: يَمْلِكُهَا الْعَبْدُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَنْبَنِيَ ذَلِكَ عَلَى اسْتِدَانَةِ الْعَبْدِ.
فَائِدَةٌ: الْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَأُمُّ الْوَلَدِ، كَالْقِنِّ.
(وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ) لِأَنَّ الْمَالَ لَهُ فِي الْحَالِ وَأَكْسَابَهُ لَهُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِأَكْسَابِهِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، فَإِنْ عَجَزَ صَارَ عَبْدًا، وَحُكْمُ لُقَطَتِهِ كَالْعَبْدِ، (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَهِيَ بَيْنَهُمَا فَيُعَرِّفَانِ وَيُمَلَّكَانِ بِالْقِسْطِ كَسَائِرِ الْأَكْسَابِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةً) بِأَنْ يَتَّفِقَ هُوَ وَالسَّيِّدُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ يَوْمًا لِهَذَا وَيَوْمًا لِلْآخَرِ، (فَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، أَصَحُّهُمَا لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْأَكْسَابِ النَّادِرَةِ أَشْبَهَتِ الْمِيرَاثَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَالثَّانِي: يَدْخُلُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، أَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَكْسَابِ، فَيَكُونُ لِمَنْ وُجِدَ فِي يَوْمِهِ، وَكَذَا حُكْمٌ نَادِرٌ مَنْ كَسْبِهِ كَهَدِيَّةٍ، وَهِبَةٍ، وَوَصِيَّةٍ، وَنَحْوِهَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
[بَابِ اللَّقِيطِ]
[تَعْرِيفُ اللَّقِيطِ]
بَابُ اللَّقِيطِ هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ، وَالْتِقَاطُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
يُنْفَقُ عَلَيْهِ، وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ فَيَكُونُ
[المبدع في شرح المقنع]
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءَ نَفْسٍ، فَكَانَ وَاجِبًا كَإِطْعَامِهِ إِذَا اضْطُرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنَ الْغَرَقِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا، فَأَتَيْتُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ، وَفِي لَفْظٍ: عَلَيْنَا رِضَاعُهُ.
(وَهُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوذُ) مِنْ نَبَذَ، أَيْ طَرَحَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي شَارِعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَقِيلَ: وَالْمُمَيِّزُ إِلَى الْبُلُوغِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَآهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُرَبِّيَهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا فَلِلْحَاكِمِ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ، وَتَسْلِيمُهُ إِلَى أَمِينٍ لِيُرَبِّيَهُ.
وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: اللَّقِيطُ وَقَدْ عُرِّفَ، وَالِالْتِقَاطُ، وَفِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ مَا فِي اللُّقَطَةِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ قَوْلًا وَاحِدًا لِئَلَّا يَسْتَرِقَّهُ، وَالْمُلْتَقِطُ وَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ، وَفِي اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ وَجْهَانِ.
(وَهُوَ حُرٌّ) فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِنِ الْتَقَطَهُ لِلْحِسْبَةِ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنِ الْتَقَطَهُ لِلِاسْتِرْقَاقِ فَهُوَ لَهُ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ، وَلَا يَصِحُّ فِي النَّظَرِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ كَوِجْدَانِهِ فِي دَارِ حَرْبٍ (يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ) ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مَصْرِفُ مِيرَاثِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إِجْمَاعًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَعَلَى مَنْ عُلِمَ حَالُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنَ الْحَاكِمِ فَقَوْلَانِ، وَمَا حُكِيَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مَعَ إِذْنِ الْحَاكِمِ سَهْوٌ (وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ) أَيْ هُوَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ إِذَا وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَالدَّارِ؛
كَافِرًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمَا وُجِدَ مَعَهُ مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ مَالٍ فِي جَيْبِهِ أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ، أَوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ - فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا تَحْتَهُ، أَوْ مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَأَوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، ثُمَّ دَارُ الْإِسْلَامِ قِسْمَانِ: مَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ لَقِيطُهَا مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ قَطْعًا، الثَّانِي: دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَدَائِنِ الشَّامِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ حُكِمَ بِكُفْرِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ فَيَكُونُ كَافِرًا) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَأَهْلَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ بِلَادُ الْكُفَّارِ قِسْمَانِ أَيْضًا: بَلَدٌ يَغْلِبُ الْمُسْلِمُونَ الْكُفَّارَ عَلَيْهِ كَالسَّاحِلِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَبِلَادٌ لَمْ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَالْهِنْدِ وَالرُّومِ، فَلَقِيطُهَا كَافِرٌ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، (فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ) كَتَاجِرٍ وَغَيْرِهِ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) : أَحَدِهِمَا - وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " - أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ كَافِرٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَالثَّانِي يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ تَغْلِيبًا لِلدَّارِ وَالْأَكْثَرِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إِذَا وُجِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَيِّتًا فِي أَيِّ مَكَانٍ وُجِدَ، أَنَّهُ يَجِبُ غُسْلُهُ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ مَنَعُوا أَنْ يُدْفَنَ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا مُشْرِكٌ فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِ مَا حَكَمُوا بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ.
[مَا وُجِدَ مِنْ فِرَاشٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ مَالٍ مَعَ اللَّقِيطِ]
(وَمَا وُجِدَ مَعَهُ مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ أَوْ ثِيَابٍ) فَوْقَهُ (أَوْ مَالٍ فِي جَيْبِهِ أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ أَوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ فَهُوَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ وَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ وَلَيُّهُ وَيَبِيعَ، وَمَنْ لَهُ مِلْكٌ صَحِيحٌ فَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ كَالْبَالِغِ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ مُتَعَلِّقًا بِمَنْفَعَةٍ فَهُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ فِي الظَّاهِرِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَجَعَلَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " مِنْ ذَلِكَ مَا جُعِلَ فِيهِ كَخَيْمَةٍ وَدَارٍ، وَكَلَامُ الْمَجْدِ يُخَالِفُهُ.
(وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا تَحْتَهُ، أَوْ مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ، أَمَّا الْمَدْفُونُ تَحْتَهُ
أَمِينًا، وَلَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا وَجَدَ مَعَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ حَاكِمٍ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا
[المبدع في شرح المقنع]
فَهُوَ لَهُ كَالْمُتَّصِلِ؛ وَلِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ لِلْبَالِغِ، فَكَذَا لِلطِّفْلِ، وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ لَشَدَّهُ وَاضِعُهُ فِي ثِيَابِهِ لِيُعَلَّمَ بِهِ، وَتَوَسَّطَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ فَجَعَلَاهُ لَهُ بِشَرْطِ طَرَاوَةِ الدَّفْنِ؛ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ، وَأَمَا الْمَطْرُوحُ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَطَعَ الْمَجْدُ وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَهُ؛ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَالثَّانِي، وَأَوْرَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَذْهَبًا: لَا يَكُونُ لَهُ كَالْبَعِيدِ، وَيَرْجِعُ بِهِ إِلَى الْعُرْفِ، وَحَيْثُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ فَهُوَ لُقَطَةٌ أَوْ رِكَازٌ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَفِي ثَالِثٍ: إِنْ وَجَدَ رُقْعَةً فِيهَا أَنَّهُ لَهُ فَهُوَ لَهُ (وَأَوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَقَ إِلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى بِهِ؛ لِلْخَبَرِ، (وَلَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا وَجَدَ مَعَهُ) مِنْ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِغَيْرِ إِذْنِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى إِذْنِ حَاكِمٍ) كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إِنْفَاقٌ عَلَى طِفْلٍ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى صَغِيرٍ مُودَعٍ، وَأَصْلُهَا مَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ فِي رَجُلٍ أَوْدَعَ آخَرَ مَالًا وَغَابَ، وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ، وَلَهُ وَلَدٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ، هَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ هَذَا الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ؟ فَقَالَ: تَقُومُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْإِنْفَاقَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى اللَّقِيطِ وَعَلَى مَالِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى اللَّقِيطِ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ عِنْدَهُ إِثْبَاتَ حَاجَتِهِ لِعَدَمِ مَالِهِ، وَعَدَمِ نَفَقَةٍ مَتْرُوكَةٍ بِرَسْمِهِ، وَمَتَى لَمْ يَجِدْهَا حَاكِمًا فَلَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهُ فِي مَوْضِعٍ يَجِدُ حَاكِمًا؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، فَإِنْ بُلِّغَ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهَا وَالتَّفْرِيطِ - قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْفِقِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
[وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ]
(فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا - وَاللَّقِيطُ
يُنْفِقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ
فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا - وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ - أَوْ بَدَوِيًّا يَنْتَقِلُ فِي الْمَوَاضِعِ، أَوْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ، لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ، وَإِنِ
[المبدع في شرح المقنع]
مُسْلِمٌ - أَوْ بَدَوِيًّا يَنْتَقِلُ فِي الْمَوَاضِعِ، أَوْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ، فَأَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يُقَرُّ فِي يَدِ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حِفْظِهِ إِلَّا الْوِلَايَةُ، وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ، وَفَارَقَ اللُّقَطَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا فِي مَعْنَى التَّكَسُّبِ، وَإِنَّهَا إِذَا انْتُزِعَتْ مِنْهُ فَتُرَدُّ إِلَيْهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ تُقَرُّ فِي يَدِهِ فِي الْحَضَرِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِكَوْنِهِ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ أَحَقَّ، فَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهِ مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ يُبْعِدُهُ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهُ فَلَا يُؤَمَنُ أَنْ يَدَّعِيَ رِقَّهُ وَيَبِيعَهُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي: " فَعَلَى قَوْلِهِ: يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ، وَيُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ يُشَارِفُهُ لِيُؤْمَنَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُقَرُّ فِي يَدِهِ مُطْلَقًا كَاللُّقَطَةِ، وَيُجَابُ عَمَّا ذُكِرَ بِأَنَّ اللَّقِيطَ ظَاهِرٌ وَمَكْشُوفٌ لَا تَخْفَى الْخِيَانَةُ فِيهِ بِخِلَافِهَا؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُ بَعْضِهَا وَإِبْدَالُهَا بِخِلَافِ اللَّقِيطِ؛ وَلِأَنَّ الْمَالَ مَحَلُّ الْخِيَانَةِ، وَالنُّفُوسَ إِلَى أَخْذِهَا دَاعِيَةٌ بِخِلَافِ النُّفُوسِ، فَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ: لَا يُقَرُّ فِي يَدِ مُبَذِّرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، فَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهِ لَمْ يُمْنَعْ لِلْأَمْنِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: السَّفِيهُ كَالْفَاسِقِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يُقَرُّ فِي يَدِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، فَلَا يُذْهِبُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوِ الْتَقَطَهُ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْأَمَةُ كَالْعَبْدِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَلْتَقِطُهُ سِوَاهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَتَخْلِيصِهِ مِنَ الْغَرَقِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
فَائِدَةٌ: الْمُدَبَّرُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَالْقِنِّ.
الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حُلَّةٍ أَوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ - أُقِرَّ مَعَهُ، وَإِنِ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَهَلْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنِ الْتَقَطَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَا يُقَرُّ فِي يَدِ كَافِرٍ إِذَا كَانَ اللَّقِيطُ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْكُفْرَ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَبِّيهِ عَلَى دِينِهِ، نَعَمْ حَيْثُ حُكِمَ بِكُفْرِ اللَّقِيطِ فَإِنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا يُقَرُّ فِي يَدِ الْبَدَوِيِّ الَّذِي يَنْتَقِلُ فِي الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِتْعَابًا لِلطِّفْلِ بِتَنَقُّلِهِ، فَعَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُدْفَعُ إِلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَهُ لَهُ، وَأَخَفُّ عَلَيْهِ، وَفِي آخَرَ أَنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ وَلَدُ بَدَوِيَّيْنِ، وَإِقْرَارُهُ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ".
الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ لَا يُقَرُّ فِي يَدِ مَنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ وَأَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ فِي الْحَضَرِ أَصْلَحُ لَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَأَرْفَهُ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وُلِدَ فِيهِ، فَبَقَاؤُهُ فِيهِ أَرْجَى؛ لِكَشْفِ نَسَبِهِ وَظُهُورِ أَهْلِهِ وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ (وَإِنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: الْبُيُوتِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَحِينَئِذٍ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّةَ كَالْقَرْيَةِ فِي كَوْنِهِ لَا يَرْحَلُ لِطَلَبِ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ (أَوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالشَّقَاءِ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ وَالدَّعَةِ وَالدِّينِ.
(وَإِنِ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَهَلْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، أَحَدُهُمَا لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ بِبَلَدِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، وَالثَّانِي: يُقَرُّ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ، وَالْبَلَدُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ فِي الرَّفَاهِيَةِ، أَشْبَهَ الْمُنْتَقِلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَلَدِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ أَرَادَ نَقْلَهُ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ، أَوْ مِنْ حِلَّةٍ إِلَى حِلَّةٍ، وَعَلَى الْمَنْعِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَلَدُ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَبِيئًا كَغَوْرِ بَيْسَانَ؛ قَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقِيلَ: إِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِيمَا انْتَقَلَ بِهِ إِلَيْهِ مِنْ حِلَّةٍ وَقَرْيَةٍ وَبَلَدٍ جَازَ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " مَنْ وَجَدَهُ بِفَضَاءٍ خَالٍ نَقَلَهُ حَيْثُ شَاءَ.
(وَإِنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ) بِحَيْثُ إِنَّهُمَا تَنَاوَلَاهُ جَمِيعًا (قُدِّمَ الْمُوسِرُ عَلَى الْمُعْسِرِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَظُّ لِلطِّفْلِ (وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ) ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقَ بِالطِّفْلِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا غَيْرَ
اثْنَانِ قُدِّمَ الْمُوسِرُ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا وَتَشَاحَّا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
مُتَّصِفَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُنْزَعُ مِنْ أَيْدِيهِمَا، وَيُقَدَّمُ الْأَمِينُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُسْلِمُ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ فَقِيرًا؛ لِأَنَّ النَّفْعَ بِإِسْلَامِهِ أَعْظَمُ مِنَ النَّفْعِ الْحَاصِلِ بِيَسَارِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ: يُقَدَّمُ الْجَوَادُ عَلَى الْبَخِيلِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": يُقَدَّمُ بَلَدِيٌّ عَلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْعَدَالَةِ عَلَى مَسْتُورِ الْحَالِ؛ وَقِيلَ: سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ وُجُودِ الْمَانِعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّرْجِيحِ (فَإِنْ تَسَاوَيَا) فِي الصِّفَاتِ (وَتَشَاحَّا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ عِنْدَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالْقُرْعَةِ فِي الشَّرِكَةِ، وَالْقَسْمِ، وَالْعِتْقِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةً؛ لِاخْتِلَافِ الْأَغْذِيَةِ، وَالْأُنْسِ، وَالْإِلْفِ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ؛ وَقِيلَ: يُسَلِّمُهُ الْحَاكِمُ إِلَى أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا، فَلَوْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِتَسْلِيمِهِ إِلَى الْآخَرِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِيثَارِ بِهِ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى، فَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، فَإِنِ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا، أَوْ أُطْلِقَتَا، أَوْ أُرِّخَتْ إِحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتِ الْأُخْرَى - تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا فِي وَجْهٍ، فَيَصِيرُ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَفِي الْآخَرِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ أَوْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي دَعْوَى الْمَالِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ اسْتِحْقَاقِ الْإِمْسَاكِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ كَالطَّلَاقِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ": يَحْلِفُ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ (فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ وَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِمَا، فَتَثْبُتُ الْقُرْعَةُ، وَحِينَئِذٍ يُسَلَّمُ إِلَى مَنْ تَقَعُ الْقُرْعَةُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَا يَمِينَ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهَرًا وَسَأَلَ يَمِينَهُ، حَلَفَ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": لَا، كَطَلَاقٍ، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا) بِأَنْ يَقُولَ: فِي ظَهْرِهِ شَامَةٌ، أَوْ بِخَدِّهِ عَلَامَةٌ (قُدِّمَ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ كَلُقَطَةِ
أَحَدُهُمَا قُدِّمَ، وَإِلَّا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.
فَصْلٌ وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ إِنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا فَوَلِيُّهُ الْإِمَامُ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا انْتَظَرَ بُلُوغَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ الْوَصْفَ يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ، فَقُدِّمَ بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْمُنْتَخَبِ "، وِ " الْوَسِيلَةِ ": لَا يُقَدَّمُ وَاصِفُهُ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ " عَنْ أَصْحَابِنَا لِتَأَكُّدِهِ لِكَوْنِهِ دَعْوَى نَسَبٍ، وَلِلْغِنَى بِالْقَافَةِ، وَكَمَا لَوْ وَصَفَ الْمُدَّعِي الْمُدَّعَى (وَإِلَّا) إِذَا انْتَفَى الْوَصْفُ (سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ لَهُمَا، وَقِيلَ: لَا يُسَلِّمُهُ الْحَاكِمُ، بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ الْأَوْلَى كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا، وَلِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا حَقًّا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، أَشْبَهُ مَا لَوْ تَنَازَعَا وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَخْيِيرَ لِلصَّبِيِّ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
[فَصْلٌ: وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ]
ُ) دِيَةُ حُرٍّ (إِنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ) إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ، فَكَانَ مَالُهُ وَدِيَتُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ كَغَيْرِ اللَّقِيطِ.
وَعَنْهُ: إِنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَإِنْ جَنَى خَطَأً عَقَلَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ وَإِسْحَاقُ: وَلَاؤُهُ لِمُلْتَقِطِهِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي جَمِيلَةَ: فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَلِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ مَرْفُوعًا: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقُهَا، وَلَقِيطُهَا، وَمِيرَاثُ وَلَدِهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ وَلَا عَلَى آبَائِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ كَمَعْرُوفِ النِّسَبِ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ لَا يَثْبُتُ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ فِي خَبَرِ عُمَرَ: أَبُو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَا يَقُومُ بِحَدِيثِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ أَسْلَمَ؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَكَ وَلَاؤُهُ، أَيْ لَكَ وِلَايَةُ الْقِيَامِ بِهِ وَحِفْظِهِ (وَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا فَوَلِيُّهُ الْإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَيْ ذَلِكَ فِعْلٌ جَازَ
اللَّقِيطُ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَلِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيْهِ، وَإِنِ ادَّعَى الْجَانِي عَلَيْهِ أَوْ قَاذِفُهُ رِقَّهُ وَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ، وَإِنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذَا رَآهُ أَصْلَحَ؛ لِقَوْلِهِ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَمَتَى عُفِيَ عَلَى مَالٍ أَوْ صَالَحَ عَلَيْهِ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ (وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا انْتَظَرَ بُلُوغَهُ) وَرُشْدَهُ - فِي الْأَشْهَرِ - لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الِاسْتِيفَاءِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ، فَانْتَظَرَ أَهْلِيَّتَهُ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، وَيُحْبَسُ الْجَانِي إِلَى بُلُوغِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، وَعَنْهُ: لِلْإِمَامِ الْقِصَاصُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ عَنِ اللَّقِيطِ كَالنَّفْسِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قِصَاصٌ لَمْ يَتَحَتَّمِ اسْتِيفَاؤُهُ، فَوُقِفَ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ كَمَا لَوْ كَانَ بَالِغًا غَائِبًا، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ لَهُ بَلْ لِوَارِثِهِ، وَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّقِيطُ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَلِلْإِمَامِ) - أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ - (الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ حَالَةٌ مَعْلُومَةٌ تُنْتَظَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدُومُ بِخِلَافِ الْعَاقِلِ، وَلَا بُدَّ مِنِ اجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ، فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُهُمَا فَوَجْهَانِ.
(وَإِنِ ادَّعَى الْجَانِي عَلَيْهِ أَوْ قَاذِفُهُ رِقَّهُ وَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَقَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِلظَّاهِرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحُرِّ إِذَا كَانَ قَاذِفًا - فِي الْأَصَحِّ - وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي حُرًّا، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ صِحَّةَ قَوْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ أَمَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَهُ اللَّقِيطُ أَنَّهُ رَقِيقٌ سَقَطَ الْحَدُّ؛ لِإِقْرَارِ الْمُسْتَحِقِّ بِسُقُوطِهِ، وَوَجَبَ عَلَى الْقَاذِفِ التَّعْزِيرُ؛ لِقَذْفِهِ مَنْ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ، وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِحَدٍّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ؛ وَلِذَلِكَ جَازَتِ الْمُصَالَحَةُ عَنْهُ وَأُخِذَ بَدَلُهُ، وَإِنْ مَاتَ الْبَالِغُ مُمْسِكًا عَنْهُمَا، فَكَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ (وَإِنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ لَمْ يُقْبَلْ) ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى لَا تَكْفِي فِي انْتِزَاعِ الْمُدَّعِي لِلْخَبَرِ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ وَإِنْ
مَمْلُوكُهُ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُعْتَبَرَ قَوْلُهَا فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيْهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ:
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَتْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَتُفَارِقُ دَعْوَى النَّسَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَعْوَى النَّسَبِ لَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ بِخِلَافِ دَعْوَى الرِّقِّ، الثَّانِي: أَنَّ دَعْوَى النَّسَبِ يَثْبُتُ بِهَا حَقًّا لِلَّقِيطِ، وَدَعْوَى الرِّقِّ يُثْبِتُ بِهَا حَقًّا عَلَيْهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا (إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَلِدُ فِي مِلْكِهِ إِلَّا مِلْكَهُ، يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا وَلَدَتْهُ قَبْلَ مِلْكِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِنَّهَا لَوْ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مَمْلُوكُهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ سَبَبُ الْمِلْكِ كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكِ دَارٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " (وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُعْتَبَرَ قَوْلُهَا فِي مِلْكِهِ) ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ مِلْكُهُ، فَنَمَاؤُهَا مِلْكُهُ كَسِمَنِهَا، وَمَتَى شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُلْتَقِطِ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا مِلْكٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْمِلْكِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَإِنِ ادَّعَى رِقَّهُ وَهُوَ طِفْلٌ، أَوْ مَجْنُونٌ، وَلَيْسَ بِيَدِ غَيْرِهِ بَلْ بِيَدِهِ، وَلَيْسَ وَاجِدُهُ - فَهُوَ لَهُ وَإِنْ أَنْكَرَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ ": إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى بَعْدَ بُلُوغِ اللَّقِيطِ كُلِّفَ إِجَابَتَهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ تَصَرَّفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُ، (وَإِنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَمْ يُقْبَلْ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ اللَّهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الْمَحْكُومِ بِهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إِذَا كَانَ قَدِ اعْتَرَفَ بِالْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ فِي الْأَصَحِّ، (وَعَنْهُ: يُقْبَلُ) ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْحَالِ، فَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَإِنْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ نَفْسِهِ، وَشَرَطَ فِي " الْمُغْنِي " عَلَيْهَا أَلَّا يَكُونَ أَقَرَّ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهَا لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لِقَوْلِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ جَحَدَهُ.
(وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيْهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً) ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَقًّا عَلَيْهِ وَحَقًّا لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ مَا عَلَيْهِ فَقَطْ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عِنْدِي أَلْفٌ وَلِي عِنْدَهُ رَهْنٌ، (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، إِحْدَاهُمَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَتْبَعُ الرِّقَّ، فَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ، ثَبَتَ التَّبَعُ، كَمَا لَوْ شَهِدَتِ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ، فَإِنَّهَا تَثْبُتُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا، فَإِذَا قُلْنَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِالرِّقِّ بَعْدَ نِكَاحِهِ وَهُوَ ذَكَرٌ، وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ - فَسَدَ
إِنَّهُ كَافِرٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَطَقَ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
النِّكَاحُ فِي حَقِّهِ، وَلَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَسَدَ نِكَاحُهُ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ تَابِعٌ لِأُمِّهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِأَمَةٍ فَوَلَدُهُ لِسَيِّدِهَا، وَيَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ بِرَقَبَتِهِ، وَإِذَا قُلْنَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا مَهْرَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى وَقُلْنَا: يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيْهِ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، وَلَا مَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وَلِسَيِّدِهَا الْأَقَلُّ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ.
فَرْعٌ: إِذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ ابْتِدَاءً لِإِنْسَانٍ فَصَدَّقَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ جَوَابًا، وَإِنْ كَذَّبَهُ بَطَلَ إِقْرَارُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِآخَرَ، جَازَ؛ وَقِيلَ: لَا يُسْمَعُ إِقْرَارُهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ الْأَوَّلَ يَتَضَمَّنُ الِاعْتِرَافَ بِنَفْيِ مَالِكٍ لَهُ سِوَى الْمُقِرِّ لَهُ، وَكَمَا لَوِ اعْتَرَفَ بِالْحُرِّيَّةِ ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ.
(وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ كَافِرٌ) بَعْدَ الْبُلُوغِ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) ، وَهُوَ مُسْلِمٌ سَوَاءٌ كَانَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِالْكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنْكَارٌ بَعْدَ إِقْرَارٍ، فَلَا يُقْبَلُ كَغَيْرِهِ، وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ وَهُوَ مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ لَمْ يُقَرَّ عَلَى كُفْرِهِ، (وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ) أَيْ إِذَا بَلَغَ اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، (وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ) ، حَكَاهُ الْقَاضِي، أَيْ يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقْوَى مِنَ الظَّاهِرِ، فَيُقَرُّ بِجِزْيَةٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ وُجِدَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ وَاسْتَقَرَّ، فَلَا تَجُوزُ إِزَالَةُ حُكْمِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ وَلَدَ مُسْلِمٍ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَطَقَ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُهُ) ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ ثَبَتَ يَقِينًا، فَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِمُنَافِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ وَصَفَ كُفْرًا يُقَرُّ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ عُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْتِزَامِهَا، أَوْ وَصَفَ كُفْرًا لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ، وَبَعَّدَهُ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ ابْنَ حَرْبِيٍّ فَهُوَ حَاصِلٌ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، فَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِسَابِيهِ، أَوْ يَكُونُ وَلَدَ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَا يُقَرُّ عَلَى الِانْتِقَالِ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ يَكُونُ وَلَدَ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَيْنِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا.
فصل وَإِنْ أَقَرَّ إِنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدَهُ أُلْحِقَ بِهِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، حَيًّا كَانَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ مَيِّتًا، وَلَا يَتْبَعُ الْكَافِرَ فِي دِينِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ أَنَّهُ وُلِدَ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصْرَانِيَّةٍ وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ: وَلَدُهَا مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا أُمُّهُ.
[فَصْلٌ: أَقَرَّ إِنْسَانٌ أَنَّ اللَّقِيطَ وَلَدَهُ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَقَرَّ إِنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ أُلْحِقَ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ مَحْضُ مَصْلَحَةِ الطِّفْلِ؛ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِدَعْوَتِهِ، وَأَنْ يُمْكِنَ كَوْنُهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ مُلْتَقِطُهُ أُقِرَّ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنَ الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَبُوهُ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، (مُسْلِمًا كَانَ) الْمُدَّعِي (أَوْ كَافِرًا) ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَثْبُتُ لَهُ النِّكَاحُ وَالْفِرَاشُ فَيُلْحَقُ بِهِ كَالْمُسْلِمِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً، فَيُلْحَقُ بِهِ كَالْحُرِّ، لَكِنْ لَا تَثْبُتُ لَهُ حَضَانَةٌ، وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا كَالْأَبِ، وَإِذَنْ يَلْحَقُهَا نَسَبُهُ دُونَ زَوْجِهَا، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَهُ لَمْ يُلْحَقْ بِزَوْجَتِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِدَعْوَتِهَا بِحَالٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، إِجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُهُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا تَدَّعِي حَقًّا لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى أَحَدٍ فَقُبِلَ كَدَعْوَى الْمَالِ (حَيًّا كَانَ الْمُلْتَقَطُ أَوْ مَيِّتًا) ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ مَعْنًى، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا حُكْمًا (وَلَا يَتْبَعُ الْكَافِرَ فِي دِينِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ بِظَاهِرِ الدَّارِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي كُفْرِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ كَمَا لَوْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى تَخَالُفِ الظَّاهِرَ فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا كَدَعْوَى الرِّقِّ، وَإِذَا قُبِلَ فِي النَّسَبِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ وَالْكُفْرِ بِخِلَافِهِ فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَظِيمًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ذُكِرَ لَحِقَهُ نَسَبًا وَدِينًا؛ لِتَحَقُّقِ الْوِلَادَةِ، وَالْوَلَدُ الْمُحَقَّقُ
عَلَى فِرَاشِهِ، وَعَنْهُ: لَا يُلْحَقُ بِامْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ لَهَا إِخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يُلْحَقْ بِهَا وَإِلَّا لَحِقَ، وَإِنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ قَدِمَ بِهَا، فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْبَيِّنَةِ أَوْ عَدِمَهَا عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ أَوْ مَعَ أَقَارِبِهِمَا إِنْ مَاتَا، فَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
يَتْبَعُ مُطْلَقًا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ فِي الدِّينِ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ وَلَدُ كَافِرَيْنِ حَيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ مَوْتِهِ، (وَعَنْهُ: لَا يُلْحَقُ بِامْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ) لِإِفْضَائِهِ إِلَى إِلْحَاقِ النَّسَبِ بِزَوْجِهَا بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ وَلَا رِضَاهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا لِعَدَمِ الضَّرَرِ (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ لَهَا إِخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يُلْحَقْ بِهَا) ، نَقَلَهَا الْكَوْسَجُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ لُحُوقِ النَّسَبِ بِهَا لُحُوقُ النَّسَبِ بِالْإِخْوَةِ وَالنَّسَبِ الْمَعْرُوفِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهَا أَهْلٌ وَنَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَمْ تَخْفَ وِلَادَتُهَا عَلَيْهِمْ، وَيَتَضَرَّرُونَ بِإِلْحَاقِ النَّسَبِ بِهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْيِيرِهِمْ بِوِلَادَتِهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا (وَإِلَّا) أَيْ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (لِحَقَ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ (وَإِنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ) سُمِعَتْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَوِ انْفَرَدَ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ، فَإِذَا تَنَازَعُوا تَسَاوَوْا فِي الدَّعْوَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
(لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ قَدِمَ بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتُثْبِتُهُ (فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْبَيِّنَةِ) أَيْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً - تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا هُنَا بِخِلَافِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَوْ بِالْقُرْعَةِ، وَالْقُرْعَةُ لَا تُثْبِتُ النَّسَبَ، لَا يُقَالُ: إِنَّمَا يَثْبُتُ هُنَا بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُرَجَّحَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِذَا اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونَ لُحُوقُهُ بِالْوَطْءِ لَا بِالْقُرْعَةِ (أَوْ عَدَمِهَا) ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ (عُرِضَ مَعَهُمَا) - أَيْ مَعَ الْمُدَّعِيَيْنِ (عَلَى الْقَافَةِ) ، وَهُمْ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْأَنْسَابَ بِالشَّبَهِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْإِصَابَةُ فَهُوَ قَائِفٌ؛ وَقِيلَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ، وَكَانَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَائِفًا، وَكَذَا شُرَيْحٌ (أَوْ مَعَ أَقَارِبِهِمَا) ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ ": عُصْبَتُهُمَا (إِنْ مَاتَا، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِأَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا حُكْمَ لِلْقَافَةِ، وَيُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِهَا
أَلْحَقَتْهُ بِأَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا، وَلَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ أُمٍّ
[المبدع في شرح المقنع]
مَبْنِيٌّ عَلَى الشَّبَهِ وَالظَّنِّ، فَإِنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَيَنْتَفِي بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَبِدَلِيلِ الرَّجُلِ الَّذِي وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ أَسْوَدُ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» وَلَوْ كَانَ الشَّبَهُ كَافِيًا لَاكْتَفَى بِهِ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، وَحُجَّتُنَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ، وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» . وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إِجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهُ يُرْجَعُ لِقَوْلِهَا كَالْبَيِّنَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» . فَحَكَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهِ لِلَّذِي أَشْبَهَهُ مِنْهُمَا، وَحِينَئِذٍ فَإِنِ انْتَفَى الْمَانِعُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ، (وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا) ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَرَ، فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ، فَقَالَ الْقَائِفُ: قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا، وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: وَعَلِيٌّ يَقُولُ: هُوَ ابْنُهُمَا، وَهُمَا أَبَوَاهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ.
وَرَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عُمَرَ، فَعَلَى هَذَا يَرِثُهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ، وَيَرِثَانِهِ جَمِيعًا مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ إِرْثُ أَبٍ كَامِلٍ، وَنَسَبُهُ مِنَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الْجَدَّةَ إِذَا انْفَرَدَتْ، أَخَذَتْ مَا تَأْخُذُهُ الْجَدَّاتُ، وَالزَّوْجَةُ كَالزَّوْجَاتِ.
فَرْعٌ: إِذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِكَافِرٍ أَوْ أَمَةٍ لَمْ يُحْكَمْ بِرِقِّهِ وَلَا كُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ وَحُرِّيَّتُهُ بِظَاهِرِ الدَّارِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِظَنٍّ وَلَا شُبْهَةٍ.
(وَلَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ) ، يَعْنِي إِذَا ادَّعَتِ امْرَأَتَانِ نَسَبَ اللَّقِيطِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَبُولِ الدَّعْوَى مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مِمَّنْ تُقْبَلُ دَعْوَاهَا دُونَ الْأُخْرَى فَهُوَ ابْنُهَا، كَالْمُنْفَرِدَةِ، وَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمَا فَوُجُودُهُمَا كَعَدَمِهِمَا، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِمَّنْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا فَهُمَا كَالرَّجُلَيْنِ، لَكِنْ لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِأُمَّيْنِ سَقَطَ قَوْلُهَا.
وَاحِدَةٍ، وَإِنِ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ فَأُلْحِقَ بِهِمْ - لَحِقَ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ، وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ - ضَاعَ نَسَبُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى نَسَبَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِإِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فَيُلْحَقُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَيَكُونُ ابْنُهُمَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمَا كَالِانْفِرَادِ (وَإِنِ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ فَأُلْحِقَ بِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ، وَإِنْ كَثُرُوا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَنَّهُ يُلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أُلْحِقَ بِاثْنَيْنِ مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ إِلْحَاقَهُ بِاثْنَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِي غَيْرِهِ، فَيَجِبُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ كَإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ، أُبِيحَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَالُ الْغَيْرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلَا عَدَّى الْحُكْمَ إِلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ) ؛ لِلْأَثَرِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَمَنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ وَلَا قَافَةَ، (وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ ضَاعَ نَسَبُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْمُغْنِي " أَنَّهُ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِأَحَدِهِمْ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُدَّعَ نَسَبُهُ، فَعَلَى هَذَا لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمْ بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى سِوَى الِالْتِقَاطِ فِي الْمَالِ، وَكَذَا إِذَا اخْتَلَفَ قَائِفَانِ أَوِ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ، وَإِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ وَخَالَفَا ثَالِثًا أُخِذَ بِقَوْلِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ بَيْطَارَانِ وَطَبِيبَانِ فِي عَيْبٍ، وَلَوْ رَجَعَا، (وَفِي الْآخَرِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ (يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبُ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَى قَرِيبِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ أَهْلُ الْإِقْرَارِ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ.
(أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ) ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْهُ فِي رَجُلَيْنِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى قَوْلِهِ لَوِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ عَادَ فَانْتَسَبَ إِلَى الْآخَرِ، أَوْ نَفَى نَسَبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْتَسِبْ إِلَى الْآخَرِ - لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ، فَلَوْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِغَيْرِ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ
فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنَ الْوَاطِئِ - أُرِيَ الْقَافَةُ مَعَهُمَا
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ.
[المبدع في شرح المقنع]
بَطَلَ انْتِسَابُهُ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى كَالْبَيِّنَةِ مَعَ الْقَافَةِ، (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ، أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنَ الْوَاطِئِ أُرِيَ الْقَافَةُ مَعَهُمَا) كَاللَّقِيطِ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ ادَّعَيَاهُ أَوْ جَحَدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَ الْفِرَاشُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَشَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي وَطْءِ الزَّوْجَةِ أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، فَعَلَى قَوْلِهِ إِنِ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ اخْتَصَّ بِهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ ". وَفِي ثَالِثٍ يَكُونُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ أَوْلَى بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَافَةِ؛ لِثُبُوتِ فِرَاشِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَاضِحِ "، وَكَذَلِكَ إِنْ تَزَوَّجَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ فَاسِدًا، أَوْ بَاعَ أَمَتَهُ فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، لَكِنْ مَتَى أُلْحِقَ بِالْقَافَةِ أَوْ الِانْتِسَابِ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، فَهَلْ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا بِشُرُوطٍ]
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ) ، كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ، فَاعْتُبِرَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ - وَهُوَ وَجْهُ، وَاعْتَبَرَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ - وَلَا الْإِسْلَامُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا اشْتَرَطَ إِسْلَامَ الْقَائِفِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ - نَصَّ عَلَيْهِ - كَحَاكِمٍ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ؛ لِقِصَّةِ مُجَزِّزٍ.
وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ اثْنَانِ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ مِنْهُمَا، اخْتَارَهُ جَمْعٌ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ جَاءَتْ أُخْرَى فَأَلْحَقَتْهُ بِآخِرٍ كَانَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِفِ جَرَى مَجْرَى الْحُكْمِ، فَلَمْ يُنْقَضْ بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ عَادَتْ فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ، حُكِمَ بِهِ وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ.
وَقَوْلُهُ: مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ، أَيْ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ، فَمَنْ عَرَّفَ مَوْلُودًا بَيْنَ نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثُمَّ وَهِيَ فِيهِنَّ فَأَصَابَ كُلَّ مَرَّةٍ، فَقَائِفٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُتْرَكُ الصَّبِيُّ بَيْنَ عَشَرَةِ رِجَالٍ غَيْرِ مُدَّعِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
سَقَطَ قَوْلُهُ، وَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُمْ تُرِكَ مَعَ عِشْرِينَ مِنْهُمْ مُدَّعِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ عُلِمَتْ إِصَابَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَضِيَّةُ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي وَلَدِ الشَّرِيفِ مِنْ جَارِيَةٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ.
مُلْحَقٌ: إِذَا كَانَ لِامْرَأَتَيْنِ ابْنٌ وَبِنْتٌ، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا أُمُّ الِابْنِ، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُعْرَضُ لَبَنُهُمَا عَلَى أَهْلِ الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الْأُنْثَى فِي طَبْعِهِ وَوَزْنِهِ، وَقِيلَ: لَبَنُهَا خَفِيفٌ دُونَ لَبَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَقِيلٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ اعْتُبِرَ بِاللَّبَنِ خَاصَّةً.
كِتَابُ الْوَقْفِ وَهُوَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَحْصُلُ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
[تَعْرِيفُ الْوَقْفِ]
وَهُوَ مَصْدَرُ وَقَفَ، يُقَالُ: وَقَفَ الشَّيْءُ، وَأَوْقَفَهُ، وَحَبَسَهُ، وَأَحْبَسَهُ، وَسَبَّلَهُ - كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لَكِنْ أَوْقَفَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ عَكْسُ أَحْبِسُهُ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنَ الْقُرَبِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وَفِي لَفْظٍ - غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ -» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُو مَقْدِرَةٍ إِلَّا وَقَفَ.
وَلَمْ يَرَهُ شُرَيْحٌ، وَقَالَ: لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَحْبِيسِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا.
بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا، وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً، وَيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أَوْ سِقَايَةً وَيَشْرَعُهَا لَهُمْ،
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ يَرُدُّ الْوَقْفِ إِنَّمَا يَرُدُّ السُّنَّةَ الَّتِي أَجَازَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهَا أَصْحَابُهُ، وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمَبْسُوطِ " أَنَّ لُزُومَ الْوَقْفِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - خَاصَّةً، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] .
(وَهُوَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ) كَذَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْوَجِيزِ "، وَمُرَادُهُمْ بِتَسْبِيلِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ أَوْ قُرْبَةٍ، وَأَحْسَنُهُ حَبْسُ مَالٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي عَيْنِهِ بِلَا عُذْرٍ، مَصْرُوفٌ مَنَافِعُهُ فِي الْبِرِّ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْوَاقِفُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ، وَسُمِّيَ وَقْفًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ، وَحَبْسًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَحْبُوسَةٌ (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ) عُرْفًا (مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا) ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَجَازَ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ كَالْقَوْلِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ أَذَّنَ فِيهِ وَأَقَامَ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَجَعْفَرٌ، وَلَوْ نَوَى خِلَافَهُ (أَوْ سِقَايَةً وَيَشْرَعُهَا لَهُمْ) ، أَيْ لِلنَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَيْتُ الْمَبْنِيُّ لِقَضَاءِ حَاجَةِ النَّاسِ، وَلَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا أَنَّ السِّقَايَةَ - بِكَسْرِ السِّينِ - الْمَوْضِعُ الَّذِي يُتَّخَذُ فِيهِ الشَّرَابُ فِي الْمَوَاسِمِ وَغَيْرِهَا (وَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ) ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي، اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَدْ سَأَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ رَجُلٍ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ لِيَجْعَلَهَا مَقْبَرَةً وَنَوَى بِقَلْبِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ الْعَوْدُ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ فَلَا يَرْجِعُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا تَحْبِيسٌ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَيَّنَ بِاللَّفْظِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذِهِ لَا تُنَافِي الْأُولَى، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ، أَيْ نَوَى بِتَحْوِيطِهَا جَعْلَهَا لِلَّهِ، فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأُولَى وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا، إِذْ مَنَعَهُ مِنَ الرُّجُوعِ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ مَعَ النِّيَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: جَعَلَهَا لِلَّهِ، أَيِ اقْتَرَنَتْ بِفِعْلِهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِذْنِهِ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ فِيهَا - فَهِيَ
وَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ، وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ وَحَرَّمْتُ وَأَبَّدْتُ، فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يَقْرِنَ بِهَا
[المبدع في شرح المقنع]
عَيْنُ الْأُولَى، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ وَقَفَهَا بِقَوْلِهِ، فَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ وَالنِّيَّةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ فِيهَا يَضُمُّ إِلَى فِعْلِهِ إِذْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا، فَانْتَفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِلِاحْتِمَالَاتِ، وَصَارَ الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدَّمَ إِلَى ضَيْفِهِ طَعَامًا كَانَ إِذْنًا فِي أَكْلِهِ، وَمَنْ مَلَأَ خَابِيَةً مَاءً كَانَ سَبِيلًا لَهُ، وَكَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ.
فَرْعٌ: الْأَخْرَسُ يَصِحُّ وَقْفُهُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ كَغَيْرِهِ.
(وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَكَلَفْظَةِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ (وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُمَا عِوَضٌ فِي الشَّرْعِ، فَمَتَى أَتَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا صَارَ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ أَمْرٍ زَائِدٍ، وَلَوْ عَبَّرَ بِـ " أَوْ " - كَـ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " - لَكَانَ أَوْلَى، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي " إِذَا جَعَلَ عُلُوَّ مَوْضِعٍ أَوْ سُفْلَهُ مَسْجِدًا صَحَّ، وَكَذَا وَسَطُهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْتِطْرَاقًا كَبَيْعِهِ فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَظْهَرُ عَلَى أَصْلِنَا، فَيَصِحُّ: جَعَلْتُ هَذَا لِلْمَسْجِدِ أَوْ فِيهِ، وَنَحْوُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ، فَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلْمَسْجِدِ، جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، أَيْ لِلْمُسْلِمِينَ لِنَفْعِهِمْ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لَا يَكُونُ تَمْلِيكًا؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي الْإِقْرَارِ لَهُ وَجْهَيْنِ كَالْحَمْلِ.
(وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عُرْفٌ لُغَوِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَالتَّحْرِيمُ يُسْتَعْمَلُ فِي الظِّهَارِ، وَالتَّأْبِيدُ يَحْتَمِلُ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ، أَوْ تَأْبِيدَ الْوَقْفِ (فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ) مُجَرَّدَةً، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنِ انْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إِلَيْهَا لِيَتَرَجَّحَ إِفَادَتُهَا لِلْوَقْفِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ) فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ عَلَى مَا نَوَى، إِلَّا أَنَّ النِّيَّةَ تَجْعَلُهُ وَقْفًا فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ (أَوْ يَقْرِنَ بِهَا أَحَدَ الْأَلْفَاظِ الْبَاقِيَةِ) مِنَ الصَّرَائِحِ وَالْكِنَايَةِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ، عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ تَمْثِيلِهِ؛ لِأَنَّ
أَحَدَ الْأَلْفَاظِ الْبَاقِيَةِ أَوْ حُكْمَ الْوَقْفِ، فَيَقُولُ: تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ مُحَبَّسَةً، أَوْ مُسَبَّلَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً، أَوْ مُؤَبَّدَةً، وَلَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا
[المبدع في شرح المقنع]
اللَّفْظَ يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ؛ لِإِرَادَةِ الْوَقْفِ (أَوْ) يَقْرِنَ بِهِ (حُكْمُ الْوَقْفِ فَيَقُولُ: تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ مُحَبَّسَةً، أَوْ مُسَبَّلَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً، أَوْ مُؤَبَّدَةً) ، هَذَا مِثَالٌ لِلْأَوَّلِ (وَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ) ، هَذَا مِثَالٌ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرِينَةَ تُزِيلُ الِاشْتِرَاكَ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ " أَبَّدْتُ " صَرِيحٌ، وَأَنَّ - صَدَقَةً مَوْقُوفَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً أَوْ لَا تُبَاعُ - كِنَايَةً.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْوَقْفِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا]
(وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ) لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْوَاقِفِ؛ لِظُهُورِهِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ فِي الصِّحَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَفِي مَرَضِ الْمَوْتِ، أَوْ مَا نَزَلْ مَنْزِلَتَهُ مِنَ الثُّلُثِ.
(أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا) ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: بَقَاءً مُتَطَاوِلًا أَدْنَاهُ عُمْرُ الْحَيَوَانِ (كَالْعَقَارِ) لِحَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إِنَّمَا الْوَقْفُ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ عَلَى مَا وَقَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَظَاهِرُ هَذَا حَصْرُهُ عَلَى الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَأَبَّدُ حَقِيقَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِ، (وَالْحَيَوَانِ) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، فَإِنَّ شِبَعَهُ، وَرَوْثَهُ، وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسَنَاتٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، فَصَحَّ وَقْفُهُ كَالْعَقَارِ (وَالْأَثَاثِ وَالسِّلَاحِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ " وَأَعْتُدَهُ ".
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأَعْتَادُ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ مَرْكُوبٍ، وَسِلَاحٍ، وَآلَةِ الْجِهَادِ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يَجُوزُ وَقْفُ سِلَاحٍ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ وَعَنْهُ: وَلَا مَنْقُولَ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ لَا تَبْقَى عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَمْ يَجُزْ وَقْفُهَا كَالطَّعَامِ،
مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، كَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأَثَاثِ وَالسِّلَاحِ، وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ، وَيَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَرُدَّ بِالْفَرْقِ.
قَوْلُهُ: " فِي عَيْنٍ " يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ مِنْ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: " يَجُوزُ بَيْعُهَا " يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْحُرِّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ نَفْسَهُ، وَأَرْضَ السَّوَادِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْقَطَائِعُ تَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ إِذَا جَعَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ وَقْفُهَا، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ وَقْفٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ وَقْفَهَا يُطَابِقُ الْأَصْلَ لَا أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِهَذَا الْقَوْلِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ وَقْفُ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، وَالْمَاءِ.
قَالَ الْفَضْلُ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ وَقْفِ الْمَاءِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ شَيْئًا اسْتَجَازُوهُ بَيْنَهُمْ جَازَ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى وَقْفِ مَكَانِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ وَقَفَ مَكَانِ الْمَاءِ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى اسْتِجَازَتِهِمْ لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ النَّصَّ شَاهِدٌ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لِنَفْسِ الْمَاءِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِثْبَاتُ الْوَقْفِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
[الشَّرْطُ الثَّانِي ذَهَابُ الْعَيْنِ بِالِانْتِفَاعِ]
وَالثَّانِي: ذَهَابُ الْعَيْنِ بِالِانْتِفَاعِ، وَالْوَقْفُ يَسْتَدْعِي بَقَاءَ أَصْلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: مَادَّةُ الْحُصُولِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ بِالِانْتِفَاعِ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ بَقَاءِ الْعَيْنِ مَعَ الِانْتِفَاعِ، وَتَأْتِي تَتِمَّةُ ذَلِكَ (وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّ الْمِائَةَ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ عَلَى بَعْضِ الْجُمْلَةِ مُفْرَزًا، فَجَازَ عَلَيْهِ مُشَاعًا كَالْبَيْعِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْما، قَالَهُ أَحْمَدُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": ثُمَّ يُتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُشَاعَ لَوْ وُقِفَ مَسْجِدًا أُثْبِتَ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الْحَالِ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ، ثُمَّ الْقِسْمَةُ مُتَعَيَّنَةٌ هُنَا كَتَعْيِينِهَا طَرِيقًا لِلِانْتِفَاعِ بِالْمَوْقُوفِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " لَوْ وَقَفَ نِصْفَ عَبْدِهِ صَحَّ وَلَمْ يَسِرْ إِلَى بَقِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ مَا وَقَفَهُ مِنْهُ أَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَسِرْ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاقِفُ
وَقْفُ الْحُلِيِّ عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ.
وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ كَعَبْدٍ وَدَارٍ، وَلَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ، وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْكَلْبِ وَلَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دَائِمًا كالأثمان والمطعوم والرياحين.
[المبدع في شرح المقنع]
بَقِيَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ مَا وَقَفَهُ مِنْهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَسِرْ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاقِفُ بَقِيَّتَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ فِيهِ عُتِقَ بَقِيَّتُهُ، وَلَمْ يَسِرْ إِلَى الْمَوْقُوفِ، وَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ ثُمَّ وَقَفَهُ قَبْلَهَا صَحَّ وَقْفُهُ.
(وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحُلِيِّ عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيَةِ) ؛ لِمَا رَوَى نَافِعٌ أَنَّ حَفْصَةَ ابْتَاعَتْ حُلِيًّا بِعِشْرِينَ أَلْفًا حَبْسَتْهُ عَلَى نِسَاءِ آلِ الْخَطَّابِ فَكَانَتْ لَا تُخْرِجُ زَكَاتَهُ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ؛ وَلِوُجُودِ الضَّابِطِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، وَصَحَّ وَقْفُهُ كَوَقْفِ السِّلَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) ، نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَحَنْبَلٌ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَأَنْكَرَ حَدِيثَ حَفْصَةَ؛ لِأَنَّ التَّحَلِّيَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْأَثْمَانِ، فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا كَالدَّنَانِيرِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهَا، وَهَذَا فِي الْحُلِيِّ مَعْدُومٌ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ وَقْفِ الْمَنْقُولِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " رِوَايَةَ الْأَثْرَمِ وَحَنْبَلٍ، وَلَفْظُهَا: لَا أَعْرِفُ الْوَقْفَ فِي الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ هَذَا فَفِي أَخْذِ الْمَنْعِ مِنْهُ نَظَرٌ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ كَعَبْدٍ وَدَارٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْهِبَةِ (وَلَا) وَقْفٍ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ) الْعَبْدَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ فِي الْعِتْقِ، فَيَخْرُجُ الْمُبْهَمُ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ، (وَلَا وَقَفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَيْعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ صَحَّ بَيْعُهَا (وَالْكَلْبُ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْكَلْبُ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِلضَّرُورَةِ، فَلَمْ يَجُزِ التَّوَسُّعُ فِيهَا، وَكَذَا لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْحَمْلِ مُنْفَرِدًا (وَلَا) يَصِحُّ وَقْفُ (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دَائِمًا، كَالْأَثْمَانِ) وَهِيَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، (وَالْمَطْعُومُ، وَالرَّيَاحِينُ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِالْإِتْلَافِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ كَالشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْأَثْمَانِ بِنَاءً عَلَى إِجَارَتِهَا، وَرُدَّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ، كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَقَارِبِ، مُسْلِمِينَ
[المبدع في شرح المقنع]
لَيْسَتِ الْمَقْصُودَةَ الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ الْأَثْمَانُ، فَلَمْ يَجُزِ الْوَقْفُ لَهُ كَوَقْفِ الشَّجَرِ عَلَى نَشْرِ الثِّيَابِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ لَوْ وَقَفَ فَرَسًا بِسَرْجٍ وَلِجَامٍ مُفَضَّضَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَدْخُلُ تَبَعًا، نَصَّ عَلَيْهِ، أَمَّا لَوْ وَقَفَهُمَا لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ، فَاخْتَارَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " الصِّحَّةَ كَإِجَارَتِهَا لِذَلِكَ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَعَ ضِدَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، فَإِنْ أُطْلِقَ بَطَلَ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ قِنْدِيلِ نَقْدٍ عَلَى مَسْجِدٍ، وَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فَيُكْسَرُ، وَيُصْرَفُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: تَمْثِيلُهُ بِالْمَطْعُومِ وَالرَّيَاحِينِ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمَا لَا يَبْقَيَانِ، فَيُحْذَفَانِ، وَيُقْتَصَرُ عَلَى التَّمْثِيلِ بِالْأَثْمَانِ، أَوْ يَبْقَيَانِ مَعَ حَذْفِ " مَعَ بَقَائِهِ " فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِمَا دَائِمًا؛ لِأَنَّ نَفْعَهُمَا يَحْصُلُ فِي بَعْضِ الزَّمَنِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ وَقْفَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى، نَعَمْ إِنْ وَقَفَهَا مُدَّةَ الْإِجَارَةِ إِذَا انْقَضَتْ صَحَّ إِنْ قِيلَ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَقْفِ عَلَى شَرْطِ.
(الثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ) وَمَعْرُوفٍ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بِرٍّ لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ (كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ) ، فَإِذَا قَالَ: جَعَلْتُ مِلْكِي لِلْمَسْجِدِ - صَارَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَبُولُ نَاظِرِهِ؛ لِتَعَذُّرِهِ بِالْقَبُولِ كَحَالَةِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْفِ (وَالْقَنَاطِرِ) وَالسِّقَايَاتِ، وَالْمَقَابِرِ، وَكُتُبِ الْعِلْمِ (وَالْأَقَارِبِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ الذِّمِّيَّ مَوْضِعُ الْقُرْبَةِ؛ بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ صَفِيَّةَ وَقَفَتْ عَلَى أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ، وَلِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مِلْكًا مُحْتَرَمًا، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ الذِّمِّيُّ جَازَ أَنْ يَقِفَ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ، وَصَحَّحَ الْحُلْوَانِيُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْوَاضِحِ " مِنْ ذَمِّيٍّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْمُحَرَّرِ "
كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ، وَبُيُوتِ النَّارِ، وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ،
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِ أَقَارِبِهِ، وَإِنْ وَقَفَ ذَمِّيٌّ عَلَى ذَمِّيٍّ شَيْئًا وَشَرَطَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مَا دَامَ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ - فَلَهُ أَخْذُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ عَيَّنَهُ لَهُ، وَيَلْغُو شَرْطُهُ، وَرَدَّهُ فِي " الْفُنُونِ ". وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْصِيَةً، فَيَصِحُّ فِي الْمُبَاحِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ.
وَقِيلَ: وَمَكْرُوهٌ.
فَائِدَةٌ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ، وَهُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَاتِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ، الْمُعْرِضُونَ عَنِ الدُّنْيَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ جَمَّاعًا لِلْمَالِ، أَوْ لَمْ يَتَخَلَّقْ بِالْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ، وَلَا تَأَدَّبَ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ غَالِبًا، أَوْ فَاسِقًا - لَمْ يَسْتَحِقَّ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَارِثِيُّ الْفَقْرَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يَصِحُّ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْتُ صُوفِيًّا إِلَّا سَلْمًا الْخَوَّاصَ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، إِذْ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُعْرَفُ بِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ وَبُيُوتِ النَّارِ) وَالْبِيَعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ؛ لِكَوْنِ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ بَيْتٌ لِلْكُفْرِ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى وَقَفُوا عَلَى الْبَيْعَةِ ضِيَاعًا وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ نَصَارَى فَأَسْلَمُوا، وَالضِّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى، فَلَهُمْ أَخْذُهَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَحُكْمُ الْوَقْفِ عَلَى قَنَادِيلِ الْبِيعَةِ وَمَنْ يَخْدِمُهَا وَيَعْمُرُهَا كَالْوَقْفِ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بِشَرْطِ أَنْ تَخْدِمَ الْكَنِيسَةَ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِي، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِهَا - عُتِقَ فِي الْحَالِ.
وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لِبَقِيَّةِ الْخِدْمَةِ.
وَعَنْهُ: لَا، وَهِيَ أَصَحُّ وَأَوْفَقُ لِأُصُولِهِ (وَكِتَابَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَقَدْ بُدِّلَ بَعْضُهَا، «غَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ شَيْئًا اسْتَكْتَبَهُ مِنْهَا، وَقَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؛، وَلَوْ كَانَ أَخِي
وَالْإِنْجِيلِ، وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى الْأَكْلَ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ صَحَّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ
[المبدع في شرح المقنع]
مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» . وَكُتُبُ الزَّنْدَقَةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، (وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ) ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمَا مُبَاحَةٌ فِي الْأَصْلِ، تَجُوزُ إِزَالَتُهَا فِيمَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ أَوْلَى، وَلِانْتِفَاءِ الدَّوَامِ لِأَنَّهُمَا مَقْتُولَانِ عَنْ قُرْبٍ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَلَا عَلَى الْمَغَانِي، وَلَا التَّنْوِيرِ عَلَى قَبْرٍ وَتَبْخِيرِهِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُقِيمُ عِنْدَهُ، أَوْ يَخْدِمُهُ، وَلَا وَقْفُ سُتُورٍ لِغَيْرِ الْكَعْبَةِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، فَيُصْرَفُ لِمَصْلَحَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ (وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا أَعْرِفُ الْوَقْفَ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ فَلَا أَعْرِفُهُ، فَعَلَيْهَا يَكُونُ بَاطِلًا، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ إِمَّا لِلرَّقَبَةِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُصْرَفُ لِمَنْ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ وَقْفًا فَيَنْتَفِعَ بِهِ، كَذَلِكَ إِذَا خَصَّ نَفْسَهُ بِانْتِفَاعِهِ، وَكَشَرْطِ غَلَّتِهِ لَهُ، وَمَتَى حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَهَلْ يُنَفَّذُ بَاطِنًا؟ فِيهِ خِلَافٌ.
(وَإِنْ وُقِفَ عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى) كُلَّ الْغَلَّةِ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ (الْأَكْلُ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ) أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً (صَحَّ) الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ «عَنْ حُجْرٍ الْمَدَرِيِّ أَنَّ فِي صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْكُلَ أَهْلُهُ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ» . وَشَرَطَ عُمَرُ أَكْلَ الْوَالِي عَلَيْهَا، وَكَانَ هُوَ الْوَالِي عَلَيْهَا، وَفَعَلَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ، فَلَمْ يَجُزِ اشْتِرَاطُ نَفْعِهِ لِنَفْسِهِ، كَالْبَيْعِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ شَرْطُهُ، فَإِنْ صَحَّ فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ كَانَ لِوَرَثَتِهِ، وَيَصِحُّ إِجَارَتُهَا.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ]
(الثَّالِثُ أَنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُمْلَكُ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ فَلَمْ يَصِحَّ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ
عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ، وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ كَالْعَبْدِ وَالْحَمْلِ وَالْمَلْكِ وَالْبَهِيمَةِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا، فَإِنْ عَلَّقَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْهِبَةِ (وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ، وَلَا عَلَى مَعْدُومٍ أَصْلًا كَوَقْفِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي أَوْ لِفُلَانٍ، وَصَحَّحَهُ فِيهِ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " هُوَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَارِثِيُّ أَنْ يَمْلِكَ؛ لِحُصُولِ مَعْنَاهُ، فَيَصِحُّ لِعَبْدٍ وَبَهِيمَةٍ يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمَا (وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ كَالْعَبْدِ) قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى مَمَالِيكِهِ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ حَتَّى يُعْتِقَهُمْ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَالْعَدَمِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِهِ، وَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ، فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لَا يُقَالُ: الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاجِدِ صَحِيحٌ، وَهِيَ لَا تَمْلِكُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ هُنَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا أَنَّهُ عُيِّنَ فِي نَفْعٍ خَاصٍّ لَهُمْ، فَيُرَدُّ أَنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ، وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْجِهَةَ الَّتِي عُيِّنَ صَرْفُ الْوَقْفِ فِيهَا لَيْسَتْ نَفْعًا، بَلْ هِيَ مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ يَزْدَادُونَ بِهَا عِقَابًا بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ، (وَالْحَمْلِ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْحَارِثِيُّ كَوَصِيَّةٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى حَمْلِ صِحَّةِ الْهِبَةِ لَهُ، وَأَوْلَى لِصِحَّتِهَا لِعَبْدٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَصِحُّ تَبَعًا، كَـ: عَلَيَّ وَأَوْلَادِي وَأَوْلَادِ فُلَانٍ، وَفِيهِمْ حَمْلٌ مُسْتَحِقٌّ هُوَ وَكُلُّ حَمْلٍ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ بِالْوَضْعِ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُشْتَرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْمَلْكِ وَالْبَهِيمَةِ) ؛ لِعَدَمِ مِلْكِهَا، وَالْجِنُّ وَالْمَيِّتُ كَذَلِكَ.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا]
(الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا) كَـ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى كَذَا، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ (فَإِنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيمَا لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ كَالْهِبَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَظَاهِرُهُ شَامِلٌ لِمَا إِذَا شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا كَخِيَارٍ فِيهِ، وَتَحْوِيلُهُ، وَتَغْيِيرِ شَرْطٍ، وَخَرَجَ مِنَ الْبَيْعِ صِحَّتُهُ.
وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ مَتَى شَاءَ، أَوْ يَهَبَهُ، أَوْ يَرْجِعَ فِيهِ - بَطَلَ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ، لَا نَعْلَمُ فِي بُطْلَانِ الشَّرْطِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
بِشَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي، فَيَصِحُّ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَصِحُّ.
فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا:
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يَصِحُّ الْوَقْفُ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ (إِلَّا أَنْ يَقُولَ: هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي، فَيَصِحُّ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) ، أَيْ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، وَنَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى، فَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثٌ أَنَّ " ثَمْنًا " صَدَقَةٌ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالسَّهْمَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ، فَصَحَّ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، فَعَلَى هَذَا يُنَفَّذُ مِنَ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ، وَيَقِفُ الْبَاقِي عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ كَالتَّدْبِيرِ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَالْقَاضِي وَابْنُ الْبَنَّا فِي " الْخِصَالِ " (لَا يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْوَقْفِ عَلَى شَرْطٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ: قِفُوا بَعْدَ مَوْتِي، هَذَا وَصِيَّةٌ بِالْوَقْفِ لَا إِيقَافٌ، وَفِي " الشَّرْحِ " سِوَى الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ تَعْلِيقِهِ بِالْمَوْتِ، وَبَيْنَ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَصِيَّةٌ، وَهِيَ أَوْسَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ جَوَازِهَا بِالْمَجْهُولِ، وَلِلْمَجْهُولِ وَالْحَمْلِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا مِتُّ فَدَارِي لِفُلَانٍ، أَوْ أَبْرَأْتُهُ مِنْ دَيْنِيَ الَّذِي عَلَيْهِ.
[وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ) إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ أَوْ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَبُولُ كَالْمَسْجِدِ وَالْقَنَاطِرِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ لَامْتَنَعَ صِحَّةَ الْوَقْفِ فِيهِ، وَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ احْتِمَالًا يَقْبَلُهُ نَائِبُ الْإِمَامِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ) ، صَحَّحَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ "؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبُولُ كَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ، وَلَوْ عَلَى التَّرَاخِي.
يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ أَوْ رَدَّهُ بَطَلَ فِي حَقِّهِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ، وَكَانَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ يَجُوزُ يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ إِنْ كَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يُعْرَفُ انْقِرَاضُهُ كَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ يُصْرَفُ إِلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ ثُمَّ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَآلًا أَوْ عَلَى مَنْ يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ أَوْ قَالَ:
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَخْذُ رَيْعِهِ قَبُولٌ، وَالثَّانِي - وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " - إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُولُ كَالْعِتْقِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْتَصُّ الْمُعَيَّنَ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْبُطُونِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ مُرَتَّبٌ، فَصَارَ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهَذَا الْفَرْقُ مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ فِي الْهِبَةِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى الْمِلْكِ هَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَعَلَى هَذَا لَا يَبْطُلُ بِالرَّدِّ كَالْعِتْقِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ أَوْ رَدَّهُ بَطَلَ فِي حَقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ أَشْبَهَ الْهِبَةَ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا رَدَّ ثُمَّ قَبِلَ هَلْ يَعُودُ أَمْ لَا؛ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (دُونَ مَنْ بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ وُجِدَ فِي الْأَوَّلِ فَاخْتَصَّ بِهِ، وَصَارَ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ، يَخْرُجُ فِي صِحَّتِهِ فِي حَقِّ مَنْ سِوَاهُ وَبُطْلَانِهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ لِتَعَذُّرِ اسْتِحْقَاقِهِ لِفَوْتِ وَصْفٍ فِيهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ) كَالْمَجْهُولِ (ثُمَّ عَلَى مَنْ يَجُوزُ) كَالْمَسَاكِينِ (يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ صَيْرُورَةَ الْوَقْفِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا حَالَةَ يُمْكِنُ انْتِظَارُهَا، فَوَجَبَ الصَّرْفُ إِلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ غَرَضُ الْوَاقِفِ، وَلِئَلَّا تَبْطُلَ فَائِدَةُ الصِّحَّةِ (وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ) ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ (إِنْ كَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يُعْرَفُ انْقِرَاضُهُ كَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ كَعَبْدِهِ، وَأُمِّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْوَقْفِ (يُصْرَفُ إِلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ) ؛ لِأَنَّهَا إِحْدَى حَالَتَيْ الِانْقِطَاعِ أَشْبَهَ الْأُخْرَى (ثُمَّ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ) ، أَيْ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ) كَأَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ يُمْكِنُ انْقِرَاضُهُمْ (وَلَمْ يَذْكُرْ مَآلًا) الْمَآلُ - بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ - الْمَرْجِعُ