المبدع في شرح المقنعصفحات 60-99

لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ

[المبدع في شرح المقنع]

ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204] . قَالَ أَحْمَدُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قِرَاءَتُهُ تَكْفِيكَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا.
رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ) الْفَاتِحَةَ (فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ) وَلَوْ لِتَنَفُّسٍ؛ نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ، وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَفَرَاغِ الْفَاتِحَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ قَدْرَهَا، وَفَرَاغَ الْقِرَاءَةِ.
وَقَالَ الْمَجْدُ: هُمَا سَكْتَتَانِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ إِحْدَاهُمَا: تَخْتَصُّ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَالثَّانِيَةُ: عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا؛ لِيَرُدَّ إِلَيْهِ نَفَسَهُ.
(وَمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَشْرُوعَةٌ فِيهَا؛ وَإِنَّمَا تُرِكَ لِأَجْلِ التَّشْوِيشِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ هُنَا، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَسُورَةً.
وَفِي " الشَّرْحِ ": يَقْرَأُ فِي الْجَهْرِ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي السِّرِّ يَقْرَأُ بِهَا، وَسُورَةٍ كَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَلِ الْأَفْضَلُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا أَمْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَعَهُمَا.
وَمُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ الثَّانِي، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَلَوْ قَرَأَ حَالَ جَهْرِ إِمَامِهِ كُرِهَ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ بِالْفَاتِحَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَرُوِيَ عَنْ تِسْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ) أَيْ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ سَمِعَ قِرَاءَتَهُ؛ فَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يُعِيدُ.
أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ؛ فَإِنْ سَمِعَ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَفْهَمْ قِرَاءَتَهُ، لَمْ يَقْرَأْ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ

فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ

وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

الْجَمَاعَةِ، وَعَنْهُ: بَلَى.
اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ وَهِيَ أَظْهَرُ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ "، وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ ". وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الْأُطْرُوشِ، هَلْ يَقْرَأُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
فَظَاهِرُهُ التَّوَقُّفُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بَعِيدًا قَرَأَ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِالْإِنْصَاتِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَشْغَلْ غَيْرَهُ عَنِ الِاسْتِمَاعِ، وَيُخَلِّطْ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَالثَّانِي: يُكْرَهُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ.
(وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُسْتَحَبُّ.
قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ قَامَتْ مَقَامَ قِرَاءَتِهِ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ إِمَامِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهَا هِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ؛ وَهِيَ أَهَمُّ.
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ التَّعَوُّذُ فَقَطْ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ التَّعَوُّذَ إِنَّمَا شُرِعَ مِنْ أَجْلِ الْقِرَاءَةِ، فَإِذَا سَقَطَتْ سَقَطَ التَّبَعُ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ عَنِ الْإِنْصَاتِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمَا يُسَنَّانِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ.
نَصَّ عَلَيْهِ.

يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِلَّا الْقَاضِي،

[المبدع في شرح المقنع]

فَرْعٌ: إِذَا جَهِلَ مَا قَرَأَ بِهِ إِمَامُهُ لَمْ يَضُرَّ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا وَحْدَهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ.
نَقَلَ ابْنُ أَصْرَمَ: يُعِيدُ.
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ هَلْ قَرَأَ الْحَمْدَ أَمْ لَا، وَلَا مَانِعَ مِنَ السَّمَاعِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: بَلْ لِتَرْكِهِ الْإِنْصَاتَ الْوَاجِبَ.

[حُكْمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ]

(وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ) الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» . وَقَالَ الْبَرَاءُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ كَبَّرَ مَعَهُ لِلْإِحْرَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَلَّمَ مَعَهُ كُرِهَ وَصَحَّ، وَقِيلَ: لَا، كَسَلَامِهِ قَبْلَهُ بِلَا عُذْرٍ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، يُعِيدُهُ بَعْدَهُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَإِنْ فَعَلَ الْبَاقِيَ مَعَهُ، كُرِهَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ.
ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ فِي (الْمُبْهِجِ) : تَبْطُلُ، وَبَعَّدَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَقِيلَ: إِنْ سَارَقَهُ بِالرُّكُوعِ بَطَلَتْ، لَا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَهُ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَمَا

فَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ، وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَإِنْ رَكَعَ

[المبدع في شرح المقنع]

يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا: تَبْطُلُ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.
فَعَلَى هَذَا، مَتَى سَبَقَهُ بِالرُّكُوعِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِيَرْكَعَ مَعَهُ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ.
(فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا) أَيْ: لَمْ يَعُدْ حَتَّى لَحِقَ الْإِمَامَ فِيهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) حَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا.
(إِلَّا الْقَاضِيَ) فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلْ عِنْدَهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ الْمَقْصُودِ، وَعَلَى هَذَا إِنْ عَادَ بَطَلَتْ فِي وَجْهٍ، وَبَعَّدَهُ ابْنُ حِمْدَانَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ (فَإِنْ) سَبَقَهُ بِرَكْنٍ مِثْلَ إِنْ (رَكَعَ، وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: تَبْطُلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ؛ وَهُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ، وَلِلنَّهْيِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ.
ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ، أَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا، فَعَلَى هَذِهِ: لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِتَلْكَ الرَّكْعَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرُّكُوعَ رُكْنٌ، وَعَنْهُ: كَاثْنَيْنِ (وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . (وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ) إِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ إِمَامِهِ؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) :

وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِلَّا الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا، وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ.

وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إِتْمَامِهَا،

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَبْطُلُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ مَعَ إِمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تُلْغَى، بَلْ يَعْتَدُّ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَمَا لَوْ كَانَ عَامِدًا، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ بِالسَّبْقِ بِرُكْنٍ غَيْرِ الرُّكُوعِ.
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَخَرَّجَ مِنْهَا الْأَصْحَابُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ عَامِدٌ، وَالْجَهْلُ بِالْحَظْرِ لَا يُبِيحُ الْمَحْظُورَ؛ فَإِنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ بِأَنْ (رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ) عَمْدًا (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ (إِلَّا الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِالصَّلَاةِ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي يُعْذَرَانِ فِيهِ لِلْخَبَرِ.
(وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِيهَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إِمَامِهِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حِمْدَانَ وَالْجَدُّ: وَأَمَّا السَّبْقُ بِالْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالسَّلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": إِذَا سَبَقَ إِمَامَهُ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ لَمْ يَضُرَّهُ إِلَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ؛ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَهُ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَخَّرَ بِمَا عَدَاهَا، وَحُكْمُ التَّخَلُّفِ عَنِ الْإِمَامِ بِرُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
فَرْعٌ: إِذَا تُرِكَتْ مُتَابَعَةُ إِمَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ؛ فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ لِعُذْرٍ تَابَعَهُ، وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ.

[اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ للْإِمَامِ مَعَ إِتْمَامِهَا]

(وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إِتْمَامِهَا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ،

وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ انْتِظَارُ دَاخِلٍ فِي الرُّكُوعِ

[المبدع في شرح المقنع]

فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَّةِ» ، وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ؛ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يُؤْثِرَ الْمَأْمُومُ التَّطْوِيلَ، وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ؛ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَيُكْرَهُ سُرْعَةٌ تَمْنَعُ الْمَأْمُومَ فِعْلَ مَا يُسَنُّ.
قَالَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ (أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ إِلَيْهَا؛ لِئَلَّا يَفُوتَهُ مِنَ الْجَمَاعَةِ شَيْءٌ؛ فَإِنْ طَوَّلَ الثَّانِيَةَ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا (كَالْغَاشِيَةِ) مَعَ (سَبِّحْ) فَلَا أَثَرَ لَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ طَوَّلَ قِرَاءَةَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى: يُجْزِئُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ،

فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ، كُرِهَ مَنْعُهَا.
وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا.

[المبدع في شرح المقنع]

فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، كَانَتِ الثَّانِيَةُ أَطْوَلَ (وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ انْتِظَارُ دَاخِلٍ فِي الرُّكُوعِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) بَلْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ تَشْرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يُشْرَعْ كَالرِّيَاءِ، وَيَتَخَرَّجُ بُطْلَانُهَا فِي تَشْرِيكِهِ فِي نِيَّةِ خُرُوجِهِ مِنْهَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ.
قَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ انْتِظَارٌ يَنْفَعُ وَلَا يَشُقُّ، فَشُرِعَ كَتَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ، وَكَالِانْتِظَارِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مُتَابِعِيهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ.
زَادَ الشَّيْخَانِ: أَوْ يَكْثُرُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، زَادَ جَمَاعَةٌ: أَوْ طَالَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُ، لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَجَمْعٌ: وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَاخِلٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ مَنْ كَانَ ذَا حُرْمَةٍ كَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، فَلَوْ أَحَسَّ بِدَاخِلٍ حَالَ الْقِيَامِ فَكَالرُّكُوعِ.
ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَفِي حَالِ تَشَهُّدِهِ وَجْهَانِ: وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " مُطْلَقًا، وَفِي " الْخِلَافِ ": لَا فِي السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَعْتَدُّ بِهِ.

[كَرَاهَةُ مَنْعِ الْمَرْأَةِ مِنَ الذَّهَابِ لِلْمَسْجِدِ]

(وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ كُرِهَ مَنْعُهَا) صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَتَخْرُجُ غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ، لِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَتُهُ كَامْرَأَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ لَهَا حُضُورَ صَلَاةِ الرِّجَالِ جَمَاعَةً لِلْخَبَرِ، وَعَنْهُ: الْفَرْضُ، وَكَرِهَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ لِلشَّابَّةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ لِلْمُسْتَحْسَنَةِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ بِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، لِظُهُورِ الْفَسَادِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الْجُمُعَةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي غَيْرِهَا مِثْلُهَا، وَإِنَّ مَجَالِسَ الْوَعْظِ كَذَلِكَ وَأَوْلَى، (وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا) أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَهُوَ مُرَادٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ لِلْأَخْبَارِ الْخَاصَّةِ فِي النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَارُونُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي، قَالَتْ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بَيْتِهَا، وَأَتَتْهُ، فَكَانَتْ تُصْلِي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَطْلَقَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَبِالْمَدِينَةِ بِخَمْسِينَ أَلْفًا، وَبِالْأَقْصَى نِصْفُهُ؛ لِخَبَرِ أَنَسٍ.
فَيَكُونُ الْمُرَادُ غَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا، فَلَا تَعَارُضَ، وَكَذَا مُضَاعَفَةُ النَّفْلِ عَلَى غَيْرِهَا، لَكِنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ أَنَّ النَّافِلَةَ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ لِلْأَخْبَارِ، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مُرَادٌ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَهَذَا أَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُمُ التَّفْضِيلُ الْمَذْكُورُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ إِلَى غَيْرِ الْبُيُوتِ، فَلَمْ تَدْخُلِ الْبُيُوتُ، فَلَا تَعَارُضَ.
1 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

مَسَائِلُ: الْجِنُّ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ؛ يَدْخُلُ كَافِرُهُمُ النَّارَ، وَمُؤْمِنُهُمُ الْجَنَّةَ، لَا أَنَّهُ تَصِيرُ تُرَابًا كَالْبَهَائِمِ، وَثَوَابُهُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَغَيْرِهِمْ بِقَدْرِ ثَوَابِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَأْكُلُونَ، وَلَا يَشْرَبُونَ فِيهَا، أَوْ أَنَّهُمْ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَ نَبِيِّنَا، وَلَيْسَ مِنْهُمْ رَسُولٌ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: بَلَى؛ وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هُمْ كَالْإِنْسِ فِي التَّكْلِيفِ، وَالْعِبَادَاتِ، وَفِي النَّوَادِرِ تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ بِالْمَلَائِكَةِ، وَبِمُسْلِمِي الْجِنِّ؛ وَهُوَ مَوْجُودٌ زَمَنَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُرَادُ فِي الْجُمُعَةِ مَنْ لَزِمَتْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَنْعَقِدُ بِآدَمِيٍّ لَا تَلْزَمُهُ، كَمُسَافِرٍ وَصَبِيٍّ.
فَهُنَا أَوْلَى.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُمْ كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، فَلَا يَكُونُ تَكْلِيفُهُمْ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ، لَكِنْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، بِلَا نِزَاعٍ؛ فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى مُنَاكَحَتِهِمْ، وَغَيْرِهَا، وَيَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِجِنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ كَالْهِبَةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنِ انْتِفَاءِ التَّمْلِيكِ مِنَّا مَنْعُ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، وَإِذَا صَحَّ نِكَاحُ جِنِّيَّةٍ، فَهِيَ فِي الْحُقُوقِ كَآدَمِيَّةٍ، لِظَاهِرِ الشَّرْعِ، إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ ذَلِكَ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَا بِيَدِهِمْ مِلْكُهُمْ مَعَ إِسْلَامِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ كَالْحَرْبِيِّ، وَيَجْرِي التَّوَارُثُ الشَّرْعِيُّ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمْ مَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْآدَمِيِّ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّهُمْ فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ كَذَلِكَ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الْإِنْسِ، وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَيَسْقُطُ فَرْضُ غُسْلِ مَيِّتٍ بِغُسْلِهِمْ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُ كُلُّ فَرْضِ كِفَايَةٍ إِلَّا الْأَذَانَ، وَكَذَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ

فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ السُّنَّةُ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ.
ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ،

[المبدع في شرح المقنع]

لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَعَدَمِ الْمَانِعِ، وَلِعَدَمِ اعْتِبَارِ التَّكْلِيفِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
خَصَّ الْأُذُنَ لِأَنَّهَا حَاسَّةُ الِانْتِبَاهِ.
قِيلَ: ظَهَرَ عَلَيْهِ وَسَخِرَ مِنْهُ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَقَيْئِهِ، فَيَكُونُ بَوْلُهُ وَقَيْؤُهُ طَاهِرًا؛ وَهُوَ غَرِيبٌ.

[فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا]

فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ (السُّنَّةُ أَنَّ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ) هَذَا ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ "، وَجَزَمَ بِهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» ، وَفِي لَفْظٍ: سلما: «وَلَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُقْعَدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» ، صَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْرَؤُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَعَلَّمُونَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَعَانِيَهُ، وَمَا يُرَادُ بِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا عَلِمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

مَعَانِيَهُنَّ، وَالْعَمَلَ بِهِنَّ.
لَكِنْ أَجَابَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فِي تَقْدِيمِهِ مَعَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ: «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ» أَرَادَ بِهِ الْخِلَافَةَ، وَمُرَادُهُ بِالْأَقْرَأِ: أَجْوَدُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ، فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حِرَفٍ حَسَنَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» ، وَعَلَيْهِمَا إِذَا عَرَفَ وَاجِبَ الصَّلَاةِ، وَمَا يَحْتَاجُهُ فِيهَا، وَقِيلَ: وَسُجُودُ السَّهْوِ، وَقِيلَ: وَجَاهِلٌ يَأْتِي بِهَا عَادَةً، وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، إِذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْفِي فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ فِيهِ إِلَّا بِالْفِقْهِ، فَقُدِّمَ كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْحُكْمِ، (ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ قَارِئَانِ، وَأَحَدُهُمَا أَفْقَهُ أَوْ أَقْرَأُ قُدِّمَ، فَإِنْ كَانَا قَارِئَيْنِ، قُدِّمَ أَجْوَدُهُمَا قِرَاءَةً، وَأَكْثَرُهُمَا، وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ لَا يَعْرِفُ أَحْكَامَ صَلَاتِهِ عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ، فَإِنِ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ قُدِّمَ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ أَسَنُّهُمُ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ أَشْهَرَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ (ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) لِلْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ هِجْرَةً مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، قِيلَ: بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: بِآبَائِهِ، وَقِيلَ: بِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فَقُدِّمَ بِهِ، وَسَبْقُ الْإِسْلَامِ كَالْهِجْرَةِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " (ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ

ثُمَّ الْأَتْقَى، ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقَرْعَةُ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ، وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ

[المبدع في شرح المقنع]

السَّلَامُ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، وَقَالَ: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلَا تُقَدِّمُوهَا» ، وَالنَّسَبُ يَكُونُ بِعُلُوِّ النَّسَبِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " فَعَلَيْهِ تُقَدَّمُ بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ قُرَيْشٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: يُقَدَّمُ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً ثُمَّ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَشْرَفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ ". وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُقَدَّمُ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً ثُمَّ الْأَسَنُّ، عَكْسُ مَا فِي الْمَتْنِ (ثُمَّ الْأَتْقَى) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، وَقَدْ وَرَدَ: إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ.
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: ثُمَّ الْأَتْقَى، وَالْأَوْرَعُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمَانِ عَلَى الْأَشْرَفِ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وَلِأَنَّ شَرَفَ الدِّينِ خَيْرٌ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا (ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقَرْعَةُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَقْرَعَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، فَالْإِمَامَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، ثُمَّ اخْتِيَارُ الْجَمَاعَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْجَمَاعَةُ عُمِلَ بِالْأَكْثَرِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا، قِيلَ: يُقْرَعُ، وَقِيلَ: يَخْتَارُ السُّلْطَانُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وِفَاقًا

بِالْإِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ.
وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ، وَالْحَاضِرُ أَوْلَى

[المبدع في شرح المقنع]

لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَقِيلَ: وَالْخِلْقَةُ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَزَادَ: بِحُسْنِ اللِّبَاسِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ.
(وَصَاحِبُ الْبَيْتِ) بِشَرْطِهِ (وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) مِنَ الْكُلِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَأَبَى، وَقَالَ: صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ، وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِهِ افْتِئَاتًا، وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى مَعَ التَّسَاوِي، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُمَا لِلْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَوْلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقَدَّمُ عَلَى عَبْدِهِ فِي بَيْتِ الْعَبْدِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ صَالِحٌ، وَلِعُمُومِ وِلَايَتِهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ) فَهُوَ أَوْلَى فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَمَّ عُتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا» ، وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَامَّةً، وَكَذَا الْوَالِي مِنْ قِبَلِهِ، زَادَ فِي " الْكَافِي ": وَنَائِبُهُمَا، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُقَدَّمٌ عَلَى خَلِيفَتِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا أَنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ» ، وَلِأَنَّ وِلَايَةَ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ خَاصَّةٌ، وَإِمَامَةُ السُّلْطَانِ عَامَّةٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَصَرَّفُ السُّلْطَانُ إِلَّا بِالْغِبْطَةِ، كَالْوَكِيلِ، بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَافْتَرَقَا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: صَاحِبُ الْبَيْتِ وَحْدَهُ أَحَقُّ بِهَا؛ وَهُوَ أَوْلَى.
فَرْعٌ: مُعِيرٌ وَمُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى فِي الْأَصَحِّ مِنْ مُسْتَعِيرٍ، وَمُؤَجِّرٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ ": وَسَاكِنُ الْبَيْتِ أَحَقُّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ

مِنَ الْمُسَافِرِ.
وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ

وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي أَحْكَامِهِ، وَأَشْرَفُ، وَيَصْلُحُ إِمَامًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، وَلَوْ تَبَعَّضَ، وَعَنْهُ: الْعَبْدُ أَوْلَى إِنْ كَانَ أَفْضَلَ أَوْ أَدْيَنَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةَ إِمَامَتِهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامٌ لَهَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَلِعُمُومِ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» وَصَلَّى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَأَبُو ذَرٍّ وَرَاءَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ عَبْدٌ، رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَذَانِ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا كَالْحُرِّ، فَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ (وَالْحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ الْمُسَافِرِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمَّ حَصَلَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ بِخِلَافِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ إِمَامًا فَهُوَ أَحَقُّ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عَامَ الْفَتْحِ، وَيَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ: صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَعَلَى هَذَا يُتِمُّهَا الْمُقِيمُ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ فَرِوَايَتَا مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَيْسَ بِمُتَنَفِّلٍ، وَصَحَّحَ فِي " الشَّرْحِ " الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ، فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ فَرْضًا، فَعَلَى هَذَا لَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ بِمُسَافِرٍ، كَعَكْسِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ ": إِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ لَزِمَهُ حُكْمًا (وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى تَوَقِّي النَّجَاسَاتِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادِهِ، وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ الْأَعْمَى؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ لِكَوْنِهِ لَا يَشْتَغِلُ فِي الصَّلَاةِ بِمَا يُلْهِيهِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَقَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْخُشُوعَ مَعَ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ يَتَقَابَلَانِ، فَيَتَسَاوَيَانِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَصِيرَ لَوْ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ كُرِهَ لَهُ

الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَفِي إِمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ

وَلَا تَصِحُّ

[المبدع في شرح المقنع]

ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فَضِيلَةً لَكَانَ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بِتَغْمِيضِهِ مَا يُحَصِّلُهُ الْأَعْمَى، فَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى أَصَمَّ، فَفِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ وَجْهَانِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ يُصَلِّي بِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِإِمَامَةِ الْبَدَوِيِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ، وَيُقَدَّمُ الْحَضَرِيُّ، وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ مَنْ يُصْرَعُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَمَنْ تُضْحِكُ صُورَتُهُ أَوْ رُؤْيَتُهُ، وَقِيلَ: وَالْأَمْرَدُ، وَفِي " الْمُذْهَبِ " وَغَيْرِهِ: وَإِمَامَةُ مَنِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُؤْخَذُ مِنْهُ: تُكْرَهُ إِمَامَةُ الْمُوَسْوَسِ؛ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ عَامِّيٌّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا.
قَالَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَالْمُتَوَضِّئُ أَوْلَى مِنَ الْمُتَيَمِّمِ.

[حُكْمُ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ وَأَقْطَعِ الْيَدَيْنِ]

(وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ مُطْلَقًا، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْأَشْهَرُ، قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَهِيَ اخْتِيَارُ الْمَشَايِخِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ سُلْطَانٌ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِخْبَارُهُ لِمَعْنًى فِي دِينِهِ، أَشْبَهَ الْكَافِرَ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى شَرَائِطِ الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ، فَمَتَى كَانَ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا، وَيُنَاظِرُ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُصَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً، أَيْ: يُظْهِرُهَا، وَيَدْعُو إِلَيْهَا، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْمُؤَلِّفُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ، وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ أَوْ بِسُكْرٍ أَعَادَ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ أَنَّ الْبُطْلَانَ مُخْتَصٌّ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ دُونَ خَفِيِّهِ.
قَالَ فِي " الْوَجِيزِ ": لَا يَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ الْمَشْهُورِ فِسْقُهُ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ؛ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - مُطْلَقًا.
فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ خَلْفَ عَدْلٍ اسْتَنَابَهُ، وَلَا إِعَادَةَ فِي الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ وَحْدَهُ عَدْلًا فَوَجْهَانِ، صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَخَالَفَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَؤُمُّ فَاسِقٌ فَاسِقًا، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ، وَالْفِسْقُ يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُعِيدُ فِي الْمَنْصُوصِ إِذَا عَلِمَ فِسْقَهُ، وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ الْجُمُعَةُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ، فَالْمَنْعُ مِنْهَا خَلْفَهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِهَا دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا عَدْلٌ فَعَلَهَا وَرَاءَهُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِعَادَةَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ كَغَيْرِهَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعَنْهُ: لَا إِعَادَةَ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": هِيَ الْأَشْهَرُ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا كَغَيْرِهَا، وَكَذَا إِنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ أَذًى صَلَّى خَلْفَهُ وَأَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَوَى الِانْفِرَادَ وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهَا، لَمْ يُعِدْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَلْحَقَ الْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " الْعِيدَ بِالْجُمُعَةِ، وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، ذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّهَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَوَاثِلَةُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: مَكْحُولٌ لَمْ يَلْقَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَنْ دُونَهُ ثِقَاتٌ، وَضَعَّفَ فِي " التَّحْقِيقِ " إِسْنَادَهُ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَكَمَا تَصِحُّ مَعَ فِسْقِ الْمَأْمُومِ، وَعَنْهُ: فِي نَفْلٍ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا إِمَامَةُ الْأَقْلَفِ فَعَنْهُ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ غَسَلَهَا، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْ إِزَالَتِهَا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لنَجَاسَةٍ ظَاهِرَةٍ يُمْكِنُهُ إِزَالَتُهَا، وَهَلْ ذَلِكَ لِتَرْكِ الْخِتَانِ الْوَاجِبِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَتْ إِمَامَتُهُ لَمْ تَصِحَّ، وَعَلَى الْمَنْعِ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ لَمْ يَجِبِ الْخِتَانُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَارِئٌ غَيْرَهُ.
فَرَوْعٌ: الْأَوَّلُ: تَصِحُّ خَلْفَ مَنْ خَالَفَ فِي فَرْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مَعَ شِدَّةِ الْخِلَافِ، مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رُكْنًا أَوْ شَرْطًا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ شَارِبِ نَبِيذٍ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ رِوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُولُ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَوْ يُجِيزُ رِبَا الْفَضْلِ.
الثَّانِي: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا عِنْدَ الْمَأْمُومِ، فَعَنْهُ يُعِيدُ الْمَأْمُومُ، اخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ صَلَاةِ إِمَامِهِ، كَمَا لَوِ اعْتَقَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَبَانَ خِلَافُهُ، وَعَنْهُ: لَا يُعِيدُ، اخْتَارَهُ المُؤَلِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالْإِمَامِ، وَكَعِلْمِ الْمَأْمُومِ لَمَّا سَلَّمَ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّالِثُ: إِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ عَمْدًا مَا يَعْتَقِدُهُ وَحْدَهُ وَاجِبًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا، وَقَالَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

السَّامِرِيُّ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ إِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ بِحَالِ الْإِمَامِ.
الرَّابِعُ: إِذَا تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا أَوْ وَاجِبًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ، أَعَادَ، ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ إِجْمَاعًا لِتَرْكِهِ فَرْضَهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْإِعَادَةِ، وَعَنْهُ: لَا، لِخَفَاءِ الطُّرُقِ، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَ.
الْخَامِسُ: إِذَا فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَإِنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ فَسَقَ، وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ، فَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَفْسُقُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ عَامِّيٌّ بِلَا تَقْلِيدٍ لِعَالِمٍ فَسَقَ؛ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ لَا يَعْلَمُ جَوَازَهُ، وَيَفْسُقُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُقُ بِهِ.
(وَفِي إِمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ) أَوْ أَحَدِهِمَا (وَجْهَانِ) وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، حَكَاهُمَا الْآمِدِيُّ، إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ، كَقَطْعِ الْأَنْفِ، وَالثَّانِي: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِإِخْلَالِهِ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَتْ إِمَامَتُهُ، وَحُكْمُ أَقْطَعِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَذَلِكَ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ

الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ.
وَلَا أَخْرَسَ، وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ

[المبدع في شرح المقنع]

بِأَنَّهَا تُكْرَهُ إِمَامَةُ مَنْ قُطِعَ أَنْفُهُ

[مَنْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ]

(وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَالْوُضُوءِ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمَجْنُونٍ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَخْفَى غَالِبًا، فَالْجَاهِلُ بِهِ مُفَرِّطٌ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ يُسِرُّهُ، وَعَلَى هَذَا لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، كَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ.
وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ الْمُحْدِثَ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِهِ، وَالْكَافِرُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَصَلَّى خَلْفَهُ فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا؛ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ هُوَ كَافِرٌ تَهَزُّؤًا، فَنَصُّهُ: يُعِيدُ الْمَأْمُومُ، كَمَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ حَدَثَهُ فَبَانَ خِلَافُهُ، وَقِيلَ: لَا، كَمَنْ جَهِلَ حَالَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمُصَلِّينَ الْإِسْلَامُ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِمَامًا، وَإِنْ عُلِمَ لَهُ حَالَانِ أَوْ إِفَاقَةٌ وَجُنُونٌ لَمْ يُدْرَ فِي أَيِّهِمَا ائْتَمَّ، وَأَمَّ فِيهِمَا، فَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: إِنْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِسْلَامَهُ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ لَمْ يُعِدْ، وَإِلَّا أَعَادَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَا أَخْرَسَ) لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِفَرْضٍ الصَّلَاةِ، كَالْمُضْطَجِعِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَلَوْ بِمِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ نُطْقِهِ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ "، وَ " الْكَافِي " أَنَّهَا تَصِحُّ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّيِّ وَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ يَؤُمُّ مِثْلَهُ (وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ) لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ؛ لِكَوْنِهِ يُصَلِّي مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ يَعْلَمُ بِحَدَثِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ كَـ " الْوَجِيزِ "،

وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ.
وَلَا تَصْلُحُ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ، إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَالُ

[المبدع في شرح المقنع]

وَ " الْفُرُوعِ " لَكَانَ أَوْلَى، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَجْهَانِ.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَطَهِّرِ بِعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ، وَلَا الْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ، أَشْبَهَ ائْتِمَامَ الْمُعَافَى بِمَنْ حَدَثُهُ مُسْتَمِرٌّ (وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقُعُودِ) أَيْ: لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ عَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ بِالْقَادِرِ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ لَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، كَالْقَاعِدِ يَؤُمُّ الْقَائِمَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ إِمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَاسَ أَبُو الْخَطَّابِ الْمَنْعَ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمَرْبُوطِ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فَهُوَ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّافِلَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُصَلِّينَ خَلْفَ الْجَالِسِ بِالْجُلُوسِ» ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ» . (وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ (إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ) وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فِي الْمَسْجِدِ، لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ،

عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا.
فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ،

[المبدع في شرح المقنع]

فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ، وَلِأَنَّ إِمَامَ الْحَيِّ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيمِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَالْقِيَامُ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ (الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ) لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَكَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَعَ غَيْرِ إِمَامِ الْحَيِّ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ (وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا) لِمَا تَقَدَّمَ، قَالَ فِي الْخِلَافِ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ، بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا» وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا، وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ، لَكَانَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْفَهُ صَفٌّ، وَفَعَلَ مِثْلَ قَوْلِنَا أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ، وَجَابِرٌ، وَقَيْسُ بْنُ فِهْرٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ، مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ، وَكَمَالُهَا مَطْلُوبٌ (فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا هُوَ

وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا.

وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ وَلَا لِلْخَنَاثَى.

وَلَا

إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ

إِلَّا فِي النَّفْلِ عَلَى إِحْدَى

[المبدع في شرح المقنع]

الْمَشْهُورُ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى وَرَاءَهُ الْقَوْمُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ» ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ أَتَوْا بِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ مَعَ عِلْمِ وُجُوبِ الْجُلُوسِ دُونَ جَهْلِهِ، كَالرَّاكِعِ دُونَ الصَّفِّ.
فَرْعٌ: إِذَا قَدَرَ الْمُقْتَدِي وَالْمَرِيضُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ فَلَا بَأْسَ بِإِمَامَتِهِمَا (وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ) أَيْ: حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَنَ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ إِمَامَ الْحَيِّ

[إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ]

(وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ، وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا لِلْخَنَاثَى) لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَالتَّابِعُونَ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» ، وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ كَالْمَجْنُونِ، وَكَذَا لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهَا بِالْخُنْثَى لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَنَّهُ لَوْ صَلَّى خَلْفَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا تَصِحُّ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ: فِي التَّرَاوِيحِ، قَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَخَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْجَوَازَ بِذِي الرَّحِمِ، وَبَعْضُهُمْ بِكَوْنِهَا عَجُوزًا، وَبَعْضُهُمْ بِأَنْ تَكُونَ أَقْرَأَ مِنَ الرَّجُلِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ تَقِفُ خَلْفَهُمْ، وَيَقْتَدُونَ بِهَا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ «أُمَّ وَرَقَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي أَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّ أَهْلَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

بَيْتِي لَا يَحْفَظُونَهُ، فَقَالَ: قَدِّمِي الرِّجَالَ أَمَامَكِ، وَقُومِي فَصَلِّي مِنْ وَرَائِهِمْ» ذَكَرَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ "، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ أَحَدُهُمْ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَعَنْهُ: يَقْتَدُونَ بِهَا فِي الْقِرَاءَةِ، وَيُقْتَدَى بِهِمْ فِي غَيْرِهَا، فَيَنْوِي الْإِمَامَةَ أَحَدُهُمْ، وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ الصِّحَّةَ فِي الْجُمْلَةِ لِخَبَرِ أُمِّ وَرَقَةَ الْعَامِّ؛ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا» فَظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا، وَالْخَاصِّ؛ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا» . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": هَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا، لَكِنْ إِنْ صَحَّ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّفْلِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ لِلرَّجُلِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَلَا بِخُنْثَى مِثْلِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ امْرَأَةً وَالْمَأْمُومُ رَجُلًا، وَقِيلَ: اقْتِدَاءُ خُنْثَى بِمِثْلِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَؤُمُّ خُنْثَى نِسَاءً، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ، وَسَيَأْتِي، وَكَذَا إِمَامَةُ الخُنْثَى بِهِنَّ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِمَامَتُهَا بِهِنَّ صَحِيحَةٌ، وَإِذَا أَمَّهَا وَقَفَتْ خَلْفَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا أَمَّ الْخُنْثَى قَامَ وَسَطَهُنَّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ

[إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ]

(وَلَا إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ) فِي فَرْضٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» ، وَلِأَنَّهَا حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ بَلْ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ وَصِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الضُّمَّانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِشَرْطِ الْقِرَاءَةِ حَالَةَ السِّرِّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ فِيهِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ تَخْرِيجًا، وَبَنَاهُ جَمَاعَةٌ عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ إِمَامَتِهِ إِنْ لَزِمَتْهُ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ؛ وَهُوَ ابْنُ

الرِّوَايَتَيْنِ.

وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُحْدِثٍ، وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ.

وَلَا تَصِح

ُّ إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ،

وَهُوَ مَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ فِيهِ: وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَبْلُغِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ يُضَعِّفُ أَمْرَ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، وَقَالَ مَرَّةً: دَعْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: لَا أَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ هَذَا؛ وَعَلَى الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ يَعْقِلُهَا، لِقَوْلِهِمْ: وَتَصِحُّ مِنْهُ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ.
فَدَلَّ أَنَّ مَا دُونَهَا لَا يَصِحُّ، نَعَمْ تَصِحُّ بِمِثْلِهِ، وَجَزَمَ فِي " الْمُنْتَخَبِ " بِخِلَافِهِ (إِلَّا فِي النَّفْلِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِينَ؛ وَهِيَ أَخَفُّ، إِذِ الْجَمَاعَةُ تَنْعَقِدُ بِهِ فِيهَا إِذَا كَانَ مَأْمُومًا، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

[إِمَامَةُ الْمُحْدِثِ]

(وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُحْدِثٍ، وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، أَشْبَهَ الْمُتَلَاعِبَ، لِكَوْنِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ سَوَاءٌ جَهِلَ الْحَدَثَ أَوْ عَلِمَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُذْهَبِ " وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْإِشَارَةِ، وَبَنَاهُ فِي الْخِلَافِ عَلَى إِمَامَةِ الْفَاسِقِ لِفِسْقِهِ بِذَلِكَ، وَقِيلَ لِلْقَاضِي: هُوَ أَمِينٌ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا عَلِمْنَا بِقَوْلِهِ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَزُوِّجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ؛ قَالَ: فَتَجِبُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ دُخُولَهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ، فَلَمْ تُصَدَّقْ، وَهَذَا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَقِيلَ: كَقَبْلِ الصَّلَاةِ، وَعَلَّلَهُ فِي " الْفُصُولِ " بِأَنَّهُ فَاسِقٌ، وَإِمَامَتُهُ عِنْدَنَا لَا تَصِحُّ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ بِأَنَّ الْفَاسِقَ مُتَطَهِّرٌ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَتِ الصِّحَّةُ لِمَانِعٍ، بِخِلَافِهِ هُنَا (فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي " الْمُحَرِّرِ "، وَ " التَّلْخِيصِ " لِمَا رَوَى

لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ يُبَدِّلُ حَرْفًا، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا

[المبدع في شرح المقنع]

الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ وَهُوَ مَحَلُّ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، فَكَانَ الْمَأْمُومُ مَعْذُورًا، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ إِذَا كَانَ بِالْإِمَامِ أَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُحْدِثًا فِيهَا، وَعَنْهُ: يُعِيدُ كَالْإِمَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَثْبُتْ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مُحْدِثًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ، وَحُكْمُ النَّجَاسَةِ كَالْحَدَثِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهَارَةٌ لَهَا، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالْحَدَثِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ أَخَفُّ، وَخَفَاؤُهَا أَكْثَرُ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ مَعَ نِسْيَانِهَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ فِيهَا، اسْتَأْنَفَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوِ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ، وَعَنْهُ: يَبْنِي، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ صَحِيحٌ، فَكَانَ لَهُمُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، فَإِنْ عَلِمَ مَعَهُ وَاحِدٌ أَعَادَ الْكُلُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ: يُعِيدُ مَنْ عَلِمَ، وَإِنْ عَلِمَهُ اثْنَانِ، فَأَنْكَرَهُ هُوَ، أَعَادُوا، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: بَلْ هُمَا فَقَطْ.
فَائِدَةٌ: إِذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَى إِمَامِهِ فَائِتَةً، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي وَجْهٍ، فَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَجْهَانِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِيهَا سَهْوًا، أَوْ شَكَّ فِي إِخْلَالِ إِمَامِهِ بِشَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ السِّتَارَةَ أَوِ الِاسْتِقْبَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى غَالِبًا.

[إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ]

(وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ) مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، وَقِيلَ: أُمَّةِ الْعَرَبِ (وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ) أَيْ: لَا يَحْفَظُهَا، أَيْ: لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمَنْ يُحْسِنُهَا، مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ شَرْطٌ مَقْصُودٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ

يُحِيلُ الْمَعْنَى إِلَّا بِمِثْلِهِ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.

وَتُكْرَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

عَنْهُ، كَالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ؛ وَهُوَ يَتَحَمَّلُهَا عَنِ الْمَأْمُومِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ (أَوْ يُدْغِمُ) فِي الْفَاتِحَةِ (حَرْفًا لَا يُدْغَمُ) أَيْ: فِي غَيْرِ مِثْلِهِ، وَغَيْرِ مَا يُقَارِبُهُ فِي الْمَخْرَجِ؛ وَهُوَ الْأَرَتُّ، وَفِي " الْمُذْهَبِ ": هُوَ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عَجَلَةٌ تُسْقِطُ بَعْضَ الْحُرُوفِ (أَوْ يُبَدِّلُ حَرْفًا) بِغَيْرِهِ؛ وَهُوَ الْأَلْثَغُ، كَمَنْ يُبَدِّلُ الرَّاءَ غَيْنًا (أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى) كَكَسْرِ كَافِ (إِيَّاكَ) وَضَمِّ تَاءِ (أَنْعَمْتَ) وَفَتْحِ هَمْزَةِ (اهْدِنَا) فِي الْأَصَحِّ فِيهَا.
وَظَاهِرُهُ: إِذَا لَمْ يُحِلِ الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَالِ (نَعْبُدُ) وَنُونِ (نَسْتَعِينُ) لَا يَكُونُ أُمِّيًّا، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، حَكَاهَا الْآمِدِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكْثُرْ، وَقِيلَ: فِي نَفْلٍ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ بِحَالِهِ أَوْ جَهِلُوهُ، فَإِنْ عَلِمُوا كَوْنَهُ أُمِّيًّا لَمَّا سَلَّمَ، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ بَطَلَ فَرْضُ الْقَارِئِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ثُمَّ هَلْ تَبْقَى نَفْلًا فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْكُلِّ، أَوْ لَا تَبْقَى فَتَبْطُلُ، أَوِ الْإِمَامُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ (إِلَّا بِمِثْلِهِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِيهِ، فَصَحَّتْ إِمَامَتُهُ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ عَاجِزٍ عَنْ نِصْفِ الْفَاتِحَةِ الْأَوَّلِ بِعَاجِزٍ عَنْ نِصْفِهَا الْأَخِيرِ، وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا اقْتِدَاءُ قَادِرٍ عَلَى الْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا وَأَحْسَنَ بِقَدْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَجَوَّزَهُ الْمُؤَلِّفُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُحْسِنُ دُونَ السَّبْعِ فَوَجْهَانِ.
فَائِدَةٌ: إِذَا شَكَّ قَارِئٌ فِي صَلَاةِ سِرٍّ هَلْ إِمَامُهُ أُمِّيٌّ صَحَّتْ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، فَإِنْ أَسَرَّ فِي صَلَاةِ جَهْرٍ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَرَأَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ، وَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".

إِمَامَةُ اللَّحَّانِ وَالْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتِّمْتَامِ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ

[المبدع في شرح المقنع]

(وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) وَلَا صَلَاةُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ، أَشْبَهَ تَارِكَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

[مَنْ تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ]

(وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ) وَهُوَ كَثِيرُ اللَّحْنِ، وَتَصِحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، فَإِنْ أَحَالَهُ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إِمَامَتِهِ إِلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَهُ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ وَمُتَعَمِّدٌ.
وَنَقَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ (وَالْفَأْفَاءُ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتِّمْتَامِ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ) لِأَنَّ فِي قِرَاءَتِهِمْ نَقْصًا عَنْ حَالِ الْكَمَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِالْحَرْفِ الْوَاجِبِ، وَإِنَّمَا يَزِيدُونَ حَرَكَةً أَوْ فَاءً أَوْ تَاءً، وَذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ كَتَكْرِيرِ الْآيَةِ (وَ) تُكْرَهُ إِمَامَةُ (مَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ) كَالْقَافِ وَالضَّادِ فِي حَقِّ الْبَدَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِلنَّقْصِ، وَظَاهِرُهُ: صِحَّةُ إِمَامَتِهِ أَعْجَمِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا، وَقِيلَ: مَنْ قَرَأَ (وَلَا الضَّالِّينَ) بِظَاءٍ قَائِمَةٍ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُحِيلُ الْمَعْنَى، يُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ نَهَارًا، وَقَدْ سَبَقَ (وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ) كَذَا ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْوَسْوَاسِ، وَحُكْمُ الْوَاحِدَةِ كَالْجَمْعِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَمَّ مَحَارِمَهُ أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ، قِيلَ: نَسِيبًا لِإِحْدَاهُنَّ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقِيلَ: مَحْرَمًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي الْجَهْرِ مُطْلَقًا.

كَارِهُونَ.

وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَالْجُنْدِيِّ إِذَا سَلِمَ دِينُهُمَا.

وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ نَسِيبًا، وَفِي " الْفُصُولِ " يُكْرَهُ لِلشَّوَابِّ، وَذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْخُرُوجُ، وَيُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ، فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ مَحْرَمٌ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَصَحَّتِ الصَّلَاةُ (أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ؛ وَهُوَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ لِينٌ، وَأَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُقْبَلُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِفْرِيقِيِّ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: دِيَانَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَرِهَهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ لَا يُكْرَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُهُمْ، قَالَ الْقَاضِي: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فَوَجْهَانِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إِزَالَةً لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهُوهُ لِذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ، بَلْ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ لِخَلَلٍ فِي دِينِهِ أَوْ فَضْلِهِ، قَالَهُ الْأَكْثَرُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ مُعَادَاةٌ مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَوِ الْمَذْهَبِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَؤُمَّهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً إِنَّمَا يَتِمُّ بِالِائْتِلَافِ، وَقَالَ جَدُّهُ: أَوْ لِدُنْيَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ السَّابِقِ.

[إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا وَالْجُنْدِيِّ]

(وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا، وَالْجُنْدِيِّ إِذَا سَلِمَ دَيْنُهُمَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» ، وَصَلَّى التَّابِعُونَ خَلْفَ ابْنِ زِيَادٍ؛ وَهُوَ مِمَّنْ فِي نَسَبِهِ نَظَرٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15]

يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا

وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ.

وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ

[المبدع في شرح المقنع]

وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُرٌّ مَرْضِيٌّ فِي دِينِهِ، فَصَلُحَ لَهَا كَغَيْرِهِ، وَكَذَا حُكْمُ الْخَصِيِّ وَاللَّقِيطِ، وَالْمَنْفِيِّ بِلِعَانٍ، وَالْأَعْرَابِيِّ إِذَا سَلِمَ دَيْنُهُمْ، وَصَلَحُوا لَهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ وَلَدِ الزِّنَا إِمَامًا رَاتِبًا، وَعَنْهُ: أُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْجُنْدِيِّ، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي إِمَامَةُ الْأَعْرَابِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْمُهَاجِرُ أَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ: لَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ إِمَامَةُ ابْنٍ بِأَبِيهِ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: لَا يَتَقَدَّمُهُ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ، وَإِنْ أَذِنَ الْأَفْضَلُ لِلْمَفْضُولِ لَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَنْصُوصِ، وَبِدُونِ إِذْنِهِ يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِلَّا خَوْفَ أَذًى، وَالْمُرَادُ: سِوَى إِمَامِ الْمَسْجِدِ، وَصَاحِبِ الْبَيْتِ، كَمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا سَبَقَ.

[ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا]

(وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْوَقْتُ، وَكَذَا عَكْسُهُ، لِمَا قُلْنَاهُ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا لِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ، وَفِي " الْمُذْهَبِ " إِذَا قَضَى الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُؤَدِّيهَا صَحَّ وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِي العَكْسِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قَضَى ظُهْرَ يَوْمٍ خَلْفَ ظُهْرِ يَوْمٍ آخَرَ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، هَذَا فِيمَا إِذَا اتَّحَدَتِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ فَسَيَأْتِي.

[ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ]

(وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ) فِي رِوَايَةٍ نَقَلَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " النَّصِيحَةِ " " وَالتَّبْصِرَةِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَاءَ الْآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَزَادَ «وَهِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ، وَهِيَ لَهُمْ مَكْتُوبَةٌ، وَصَلَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ

بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى لَا تَصِحُّ فِيهِمَا

[المبدع في شرح المقنع]

الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ اتَّفَقَتَا فِي الْأَفْعَالِ، أَشْبَهَ الْمُتَنَفِّلَ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا لِحَاجَةٍ نَحْوَ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَنَصَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ، أَشْبَهَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ؛ وَهُوَ يَنْتَقِضُ بِالْمَسْبُوقِ فِي الْجُمُعَةِ إِذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّيهَا.

[ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ]

(وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَمِثْلُهُ صَلَاةُ كُلِّ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرَضٍ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ وَقْتًا وَاسْمًا، وَسَيَأْتِي (وَالْأُخْرَى لَا تَصِحُّ فِيهِمَا) وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّفَةِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْوُضُوءِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصِّحَّةُ وَعَدَمُهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا صَلَّى فَرْضًا رُبَاعِيَّةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَقِيلَ: أَوِ الْمَغْرِبَ، فَإِذَا تَمَّ فَرْضُهُ قَبْلَ إِمَامِهِ، هَلْ يَنْتَظِرُهُ أَوْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ، أَوْ يُخَيَّرُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا تُخَالِفُ الْأُخْرَى كَصَلَاةِ كُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ، وَجِنَازَةٍ، وَعِيدٍ، مُنِعَ فَرْضًا، وَقِيلَ: نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْأَفْعَالِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا صَلَّى ظُهْرًا تَامَّةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إِنْ صَحَّ بِنَاءُ الظُّهْرِ عَلَى نِيَّةِ الْجُمُعَةِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ أَدْرَكَ مَا يُعْتَدُّ بِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَمُلَتِ الْجُمُعَةُ، كَمَنْ هُوَ فِي ظُهْرٍ، كَمَا لَوْ سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ فِي التَّشَهُّدِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ إِنْسَانٌ فِيهِ، فَالْخِلَافُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا صَلَّى مَرِيضٌ بِمِثْلِهِ ظُهْرًا قَبْلَ إِحْرَامِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَقُلْنَا: يَصِحُّ، ثُمَّ حَضَرَ الْإِمَامَ الْجُمُعَةُ، لَمْ يَنْقَلِبْ ظُهْرُهُ نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ فِي الْوَقْفِ، السُّنَّةُ: أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ وَقَفُوا

[المبدع في شرح المقنع]

[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوفِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ]

فَصْلٌ فِي الْمَوْقِفِ (السُّنَّةُ: أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ) رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً (خَلْفَ الْإِمَامِ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ جَابِرًا وَجَبَّارًا وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمَا حَتَّى أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَا يَنْقُلُهُمَا إِلَّا إِلَى الْأَكْمَلِ، وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُنَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنْ يَقِفَ الِاثْنَانِ عَنْ جَانِبَيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ ضَيِّقًا.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّ إِمَامَ الْعُرَاةِ يَقِفُ وَسَطًا وُجُوبًا، وَالْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ بِالنِّسَاءِ، (فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ لَمْ يَصِحَّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ، وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْأَفْعَالِ مُبْطِلَةٌ، لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إِلَى الِالْتِفَاتِ خَلْفَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ؛ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ بِإِحْرَامٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْقِفًا بِحَالٍ، وَالِاعْتِبَارُ بِمُؤَخَّرِ الْقَدَمِ، وَإِلَّا لَمْ يَضُرَّ كَطُولِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ بِرَأْسِهِ فِي السُّجُودِ.

عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ صَحَّ.
وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ وَقَفَ خَلْفَهُ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ.
وَإِنِ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ، تَقَدَّمَ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ الْعُرْفُ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَالِاعْتِبَارُ بِمَحَلِّ الْقُعُودِ؛ وَهُوَ الْأَلْيَةُ، حَتَّى لَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ وَقَدَّمَهَا عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ مُضْطَجِعًا فَبِالْجَنْبِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: يُكْرَهُ، وَيَصِحُّ، وَالْمُرَادُ: وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، أَشْبَهَ مَنْ خَلْفَهُ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ جُمْعَةٌ، وَعِيدٌ، وَجِنَازَةٌ لِعُذْرٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: مَنْ تَأَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ، فَلَمَّا أُذِّنَ جَاءَ فَصَلَّى قُدَّامَهُ؛ عُزِّرَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَجْهَانِ، هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ صَفٌّ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَرْأَةُ إِذَا أَمَّتْ رِجَالًا فِي تَرَاوِيحَ، وَدَاخِلَ الْكَعْبَةِ إِذَا تَقَابَلَا، أَوْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ إِمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ، فَإِنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى وَجْهِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَقَفُوا حَوْلَ الْكَعْبَةِ مُسْتَدِيرِينَ صَحَّتْ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَقْرَبَ مِنْ جِهَتِهِ مِنَ الْإِمَامِ فِي جِهَتِهِ جَازَ، فَإِنْ كَانَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَتْ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " لَا يَضُرُّ، وَفِي شِدَّةِ الْخَوْفِ إِذَا أَمْكَنَ الْمُتَابَعَةُ (وَإِنْ وَقَفُوا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: إِنْ وَقَفَ بَيْنَهُمَا، فَفِي الْكَرَاهَةِ احْتِمَالَانِ (وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ) «لِإِدَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا إِلَى يَمِينِهِ لَمَّا وَقَفَا عَنْ يَسَارِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ التَّقَدُّمِ، وَمُرَاعَاةً لِلْمَرْتَبَةِ.
فَإِنْ عُدِمَ صِحَّةُ مُصَافَّتِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَالْمُرَادُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ، فَيَجِيءُ الْوَجْهُ: تَصِحُّ مُنْفَرِدًا، وَكَصَلَاتِهِمْ قُدَّامَهُ، فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ (وَإِنْ وَقَفَ خَلْفَهُ) لِأَنَّهُ صَارَ فَذًّا (أَوْ عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَصِحَّ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَالْمُرَادُ: إِذَا صَلَّى رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، وَفِي " الشَّرْحِ " هِيَ الْقِيَاسُ، كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، بِدَلِيلِ رَدِّ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ إِلَى وَرَائِهِ مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمَا عَنْ جَانِبَيْهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ خَلْفَهُ صَفٌّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَّى وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ» ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْإِمَامُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَحُكْمُ الْجَمَاعَةِ كَالْوَاحِدِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَبَّرَ عَنْ يَسَارِهِ أَدَارَهُ مِنْ وَرَائَهُ إِلَى يَمِينِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ الْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ أَخْذَهُمَا بِيَدِهِ إِلَى وَرَائِهِ، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ، أَوْ تَعَذَّرَ، تَقَدَّمَ الْإِمَامُ فَصَلَّى بَيْنَهُمَا، أَوْ عَنْ يَسَارِهِمَا، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْأَيْمَنُ قَبْلَ إِحْرَامِ الدَّاخِلِ لِيُصَلِّيَا خَلْفَهُ، جَازَ، وَفِي النِّهَايَةِ وَ " الرِّعَايَةِ " بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ أَدْرَكَهُمَا الدَّاخِلُ جَالِسَيْنِ كَبَّرَ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ، أَوْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَلَا تَأَخَّرَ إِذَنْ لِلْمَشَقَّةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الزَّمْنَى لَا يَتَقَدَّمُونَ وَلَا يَتَأَخَّرُونَ لِلْعِلَّةِ.
(وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رِجَالٌ، وَلَا يَصِحُّ وُقُوفُ امْرَأَةٍ فَذًّا، فَإِنْ وَقَفَتْ وَحْدَهَا فَهِيَ فَذٌّ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْكَافِي "، وَإِنْ وَقَفَتْ مَعَ رَجُلٍ، فَكَذَا فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ، وَنَقَلَهُ الْمَجْدُ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْوَفَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ كُرِهَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَخَلْفَهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، كَمَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَنْ يَلِيهَا رِوَايَةً: تَبْطُلُ، وَفِي " الْفُصُولِ " أَنَّهُ الْأَشْبَهُ، وَأَنَّ أَحْمَدَ

الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى.
ثُمَّ النِّسَاءُ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهِمْ إِلَى

[المبدع في شرح المقنع]

تَوَقَّفَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ، وَقِيلَ: وَمَنْ خَلْفَهَا، وَقِيلَ: وَأَمَامَهَا، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا، وَذَهَبَ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْوَفَاءِ إِلَى خِلَافِهِ، لِلنَّهْيِ عَنْ وُقُوفِهَا، وَالْوُقُوفِ مَعَهَا، فَهُمَا سَوَاءٌ، فَإِنْ وَقَفَتْ عَنْ يَمِينِهِ، فَظَاهِرُهُ يَصِحُّ، وَعَنْ يَسَارِهِ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا، وَلَا مَنْ يَلِيهَا، فَكَرَجُلٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " إِذَا كَانَ الْإِمَامُ رَجُلًا، وَهُوَ عُرْيَانٌ، فَإِنَّهَا تَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ.
(وَإِنِ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ) أَحْرَارًا كَانُوا أَوْ عَبِيدًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ (ثُمَّ الصِّبْيَانُ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى، فَصَفَّ الرِّجَالَ، ثُمَّ صَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ: «وَالنِّسَاءُ خَلْفَ الْغِلْمَانِ» وَفِيهِ لِينٌ وَضَعْفٌ، وَفِي " الْمُذْهَبِ ": رِوَايَةُ تَأْخِيرِهِمْ عَنِ الْكُلِّ (ثُمَّ الْخَنَاثَى) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى صِحَّةِ وُقُوفِ الْخَنَاثَى صَفًّا.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ إِلَى جَانِبِ الرَّجُلِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَعَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ إِذَا وَقَفَ مَعَ امْرَأَةٍ لَا يَكُونُ فَذًّا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ صَفُّهُمْ، وَإِنْ أَمَّ رَجُلٌ خُنْثَى، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، فَيَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: خَلْفَهُ، وَإِنْ أَمَّ رَجُلًا وَخُنْثَى وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْخُنْثَى خَلْفَهُمَا، وَفِي " الشَّرْحِ " يَقِفُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ أَوْ يَمِينِ الرَّجُلِ، وَلَا يَقِفَانِ خَلْفَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً إِلَّا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ لِلرَّجُلِ مُصَافَّتَهَا، فَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَخُنْثَى، فَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ:

الْأَمَامِ إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ، فَهُوَ فَذٌّ.
وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ، إِلَّا فِي النَّافِلَةِ، وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً

[المبدع في شرح المقنع]

يَقِفَانِ خَلْفَهُ مُتَبَاعِدَيْنِ (ثُمَّ النِّسَاءُ) فَلَوِ انْفَرَدَتْ عَنْ صَفِّ النِّسَاءِ أَوْ صَلَتْ بِامْرَأَةٍ مِثْلِهَا، فَوَقَفَتْ خَلْفَهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَفِي " الْكَافِي " عَكْسُهُ، لِأَنَّهَا يَجُوزُ وُقُوفُهَا مُنْفَرِدَةً بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَسٍ (وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي تَقْدِيمِهِمْ إِلَى الْأَمَامِ) وَإِلَى الْقِبْلَةِ فِي قَبْرٍ لِضَرُورَةٍ (إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ) وَسَيَأْتِي (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إِلَّا كَافِرٌ) اتِّفَاقًا (أَوِ امْرَأَةٌ) أَوْ خُنْثَى فَهُوَ فَذٌّ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلُ الْوُقُوفِ مَعَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " عَنِ الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ مَعَهُ مُفْتَرِضٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، أَشْبَهَ الرَّجُلَ (أَوْ مُحْدِثٌ يَعْلَمُ حَدَثَهُ فَهُوَ فَذٌّ) أَيْ: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ وَجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَكَذَا إِذَا وَقَفَ مَعَهُ سَائِرُ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " فَدَلَّ أَنَّ صِحَّةَ صَلَاتِهِ صِحَّةُ مُصَافَّتِهِ، فَلَوْ جَهِلَ الْحَدَثَ حَتَّى سَلَّمَا، صَحَّتْ، وَلَمْ يَكُنْ فَذًّا، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: كَجَهْلِ مَأْمُومٍ حَدَثَ إِمَامِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنْ بَانَ مُبْتَدِعًا أَعَادَ، وَلِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا يَؤُمُّ، بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ، فَإِنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَؤُمُّ.
(وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ) إِذَا وُقِفَ مَعَهُ فِي فَرْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يُصَافَّهُمْ كَالْمَرْأَةِ، لَكِنْ رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ وُقُوفِ الصَّبِيِّ مَعَ الْفَرْضِ فَتَوَقَّفَ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي، فَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَالَ: ذَاكَ فِي التَّطَوُّعِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ فَذٌّ، وَانْعِقَادُ الْجَمَاعَةِ بِهِ وَمُصَافَّتُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَفَرْضُهُ نَفْلٌ، وَقِيلَ: تَصِحُّ مُصَافَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ إِمَامَتُهُ، لِأَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْإِمَامَةِ كَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ، وَالْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ الْمُنَجَّا فِي الْخُلَاصَةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَلِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ فِي صِحَّتِهَا صِحَّةُ الْإِمَامَةِ، لَمَا

وَقَفَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ، فَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا لَمْ يَصِحَّ.

وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ

[المبدع في شرح المقنع]

صَحَّتْ مُصَافَّةُ الْأَخْرَسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ صِحَّةُ إِمَامَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ مُصَافَّتِهِ، حَيْثُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا فِي النَّفْلِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَيَقِفُ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ خَلْفَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: عَنْ يَمِينِهِ أَوْ مِنْ جَانِبَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا فِي النَّافِلَةِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَعَنْهُ: لَا كَالْفَرْضِ.
فَرْعٌ: إِذَا وَقَفَ اثْنَانِ خَلْفَ الصَّفِّ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ دَخَلَ الْآخَرُ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ نَبَّهَ مَنْ يَخْرُجُ فَيَقِفُ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَأَتَمَّ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ الْحَدَثُ (وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ: هِيَ الْخَلَلُ فِي الصَّفِّ (وَقَفَ فِيهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» . قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ كَانَتْ بِحِذَائِهِ كُرِهَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْهَا عَرْضًا، وَإِنْ كَانَ الصَّفُّ غَيْرَ مَرْصُوصٍ دَخَلَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ مَوْقِفُ الْوَاحِدِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) بِنَحْنَحَةٍ أَوْ كَلَامٍ، وَجْهًا وَاحِدًا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُصُولِ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ وَيَتْبَعُهُ، وَظَاهِرُهُ: يُكْرَهُ جَذْبُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوِ ابْنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَالَ الْعِبَادَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَوَّزَ أَصْحَابُنَا جَذْبَ رَجُلٍ يَقُومُ مَعَهُ صَفًّا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِلْحَاجَةِ، فَجَازِ كَالسُّجُودِ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ، أَوْ قَدَمِهِ حَالَ الزِّحَامِ، وَفِي الْمُغْنِي، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُ، لَمْ يَكْرَهْهُ، وَصَلَّى وَحْدَهُ، أَوِ انْتَظَرَ جَمَاعَةً

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

أُخْرَى (فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً لَمْ يَصِحَّ) وَقَالَهُ النَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ؛ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ شَيْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَّتَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ خَالَفَ الْوُقُوفَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ قُدَّامَ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْعَالِمِ وَضِدِّهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فَذًّا أَنَّهَا تَصِحُّ، وَعَنْهُ: عَكْسُهَا، اخْتَارَهُ فِي " الرَّوْضَةِ "، وَعَنْهُ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَعَنْهُ: تَصِحُّ، حَكَاهَا الدَّيْنَوَرِيُّ؛ «لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ - وَاسْمُهُ نُفَيْعٌ - رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَاهُ عَنِ الْعَوْدِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَعَذَرَهُ فِيمَا فَعَلَهُ بِالْجَهْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: فِي النَّفْلِ، وَبَنَاهُ فِي " الْفُصُولِ " عَلَى مَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، وَفِي " النَّوَادِرِ " رِوَايَةٌ: يَصِحُّ لِخَوْفِهِ تَضْيِيقًا؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِعُذْرٍ، وَحَيْثُ صَحَّتْ، فَالْمُرَادُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ إِلَّا لِعُذْرٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا، وَقِيلَ: تَصِحُّ فَذًّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، قَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ أَفْضَلُ إِنْ تَعَيَّنَ صَفًّا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَانُوا سِتَّةً، فَجَعَلَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثَلَاثَةً، وَالثَّانِيَ اثْنَيْنِ، وَالثَّالِثَ وَاحِدًا» .

وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ رَفَعَ، وَلَمْ يَسْجُدْ، صَحَّتْ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ يَصِحَّ.

وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ

[المبدع في شرح المقنع]

قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": وَيُعَايَا بِهَا، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " لِعَدَمِ صِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ.
قَالَ: لِأَنَّ أَحْمَدَ لَوْ عَلِمَ فِيهِ حَدِيثًا لَمْ يُعَدِّهُ إِلَى غَيْرِهِ.

[حُكْمُ صَلَاةِ الْفَذِّ مَعَ الْإِمَامِ]

(وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ (وَإِنْ رَفَعَ) الْإِمَامُ مِنَ الرُّكُوعِ (وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَالشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ فَعَلَهُ، وَفَعَلَهُ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ رَكْعَةً، أَشْبَهَ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا، وَجَعَلَهَا فِي الْمُنْتَخَبِ، وَ " الْوَجِيزِ " فِيمَا إِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ يَصِحَّ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرْ أَبَا بَكْرَةَ بِالْإِعَادَةِ، وَنَهَاهُ عَنِ الْعَوْدِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؛ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ (وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي " الْفُرُوعِ " لِغَيْرِ غَرَضٍ، وَفِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَا خَشِيَ الْفَوَاتَ (لَمْ يَصِحَّ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْمَعْذُورِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " لِأَنَّ الْمَوْقِفَ لَا يَخْتَلِفُ بِخِيفَةِ الْفَوَاتِ وَعَدَمِهِ.

يَرَى مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ إِذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ، وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ لَمْ تَصِحَّ.
وَعَنْهُ: تَصِحُّ إِذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ.
وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنَ الْمَأْمُومِ،

[المبدع في شرح المقنع]

[أَحْكَامُ الِاقْتِدَاءِ]

(وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى) الْإِمَامَ أَوْ (مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إِذَا اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ) جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَ " نِهَايَةِ " أَبِي الْعَالِي؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامِهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، لِانْتِفَاءِ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَعَدَمِ الِاتِّصَالِ الْمُفْسِدَيْنِ لَهَا، وَكَمَا لَوْ صَلَّى فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " أَوْ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِالدُّنُوِّ مِنَ الْإِمَامِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَفَسَّرَهُ فِي " الْمُغْنِي " بِبُعْدٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَلَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَمَعْنَاهُ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُذْهَبِ " عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ خَارِجِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ الِاتِّصَالَ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ لَمْ تَصِحَّ) قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِنِسَاءٍ كُنْ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا: لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ.
فَعَلَّلَتِ النَّهْيَ بِالْحِجَابِ؛ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ فِي الْغَالِبِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْمَعِ التَّكْبِيرَ (وَعَنْهُ: تَصِحُّ إِذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: إِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ فِيهِ، وَلَمْ يَرَ إِمَامَهُ، وَلَا بَعْضَ مَنْ مَعَهُ، صَحَّ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَفِي " الْكَافِي "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْجَمَاعَةِ، وَيُمْكِنُهُمُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ، أَشْبَهَ الْمُشَاهَدَةَ، وَعَنْهُ: فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ: وَالْفَرْضِ مُطْلَقًا لِظُلْمَةٍ وَضَرَرٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجُمُعَةُ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ فِيهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[المبدع في شرح المقنع]

تَتِمَّاتٌ: إِذَا اقْتَدَى بِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَرَاهُ، أَوْ مَنْ خَلْفَهُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ صَحَّ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ الصَّحِيحَ فِي " الْمَذْهَبِ "، وَلَوْ جَاوَزَ ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، أَوْ كَانَتْ جُمُعَةً فِي دَارٍ وَدُكَّانٍ، وَاعْتَبَرَ جَمَاعَةٌ اتِّصَالَ الصُّفُوفِ عُرْفًا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ أَوْ طَرِيقٌ، وَلَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ، إِنْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِيهِ، لَمْ يَمْنَعِ الِاقْتِدَاءَ فِي رِوَايَةٍ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُ، لِعَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعِ.
وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": هُوَ الْقِيَاسُ تُرِكَ لِلْآثَارِ.
قَالَ فِي " الْكَافِي ": إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرِيضًا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ، وَعَنْهُ: يَمْنَعُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِلْآثَارِ، وَمِثْلُهُ: إِذَا كَانَ بِسَفِينَةٍ، وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ، وَلَيْسَتِ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً، وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَأَلْحَقَ الْآمِدِيُّ بِالنَّهْيِ النَّارَ وَالْبِئْرَ، وَقِيلَ: وَالسَّبُعَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، لَكِنْ يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ، فَالْخِلَافُ.
(وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنَ الْمَأْمُومِ) وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ،.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ثِقَاتٍ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ تَعْلِيمَهُمْ أَمْ لَا، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: إِنْ أَرَادَ التَّعْلِيمَ لِحَدِيثِ سَهْلٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ عُلُوٌّ يَسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى،

جارٍ التحميل