تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى حَاصِلٌ بِهِ فَجَازَ كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ، وَهَذَا إِذَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ، فَلَوْ قَالَ: قَبِلْتُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ قَالَ: بِعْتُكَ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ التَّأَخُّرُ وَكَنِكَاحٍ، نَصَّ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِ رِوَايَةً، وَعَلَى الْأُولَى فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ "، إِذَا تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الْمَاضِي كَابْتَعْتُ مِنْكَ، فَيَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ أَوِ الطَّلَبِ كَبِعْنِي بِكَذَا، فَيَقُولُ: بِعْتُكَ، فَالْأَشْهَرُ الصِّحَّةُ، وَعَنْهُ لَا يَنْعَقِدُ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وِفِاقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَبُولٍ وَلَا اسْتِدْعَاءٍ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَبُولًا.
(وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ، صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) عُرْفًا؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يكتفي بِالْقَبْضِ فِيهِ لِمَا يَشْتَرِطُ قَبْضَهُ (وَإِلَّا فَلَا) يَصِحُّ فِيمَا إِذَا تَرَاخَى عَنِ الْإِيجَابِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالْقَبُولِ، فَلَمْ يَتِمَّ مَعَ تَبَاعُدِهِ عَنْهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَا إِذَا تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، لِأَنَّهُمَا صَارَا مُعْرِضَيْنِ عَنِ الْبَيْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِالرَّدِّ.
(وَالثَّانِيَةُ الْمُعَاطَاةُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ لَفْظًا،
وَإِلَّا فَلَا.
. . . . وَالثَّانِيَةُ: الْمُعَاطَاةُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ فَيَأْخُذَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
[المبدع في شرح المقنع]
فَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَبَيَاعَاتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتِعْمَالُ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي بَيْعِهِمْ، وَلَوِ اسْتُعْمِلَ لَنُقِلَ نَقْلًا شَائِعًا وَلَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ، وَلَمْ يُخْفِ حُكْمَهُ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ، أَوْ يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ فَيَأْخُذَهُ) لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ إِنَّمَا يُرَادَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّرَاضِي، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُعَاطَاةِ قَامَ مَقَامَهُمَا، وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا لِعَدَمِ التَّعَبُّدِ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الرِّضَى أَمْرٌ خَفِيُّ، فَأُنِيطَ بِالصِّيغَةِ وَكَالنِّكَاحِ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْبَيْعُ الضَّمِينُ، كَمَا إِذَا قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ) أَيْ: فِي الْمُحَقَّرَاتِ خَاصَّةً، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ فِي الْيَسِيرِ يَشُقُّ، فَيَسْقُطُ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] هَلِ الْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الرِّضَى، فَلَا بُدَّ مِنْ صَرِيحِ الْقَوْلِ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فيكتفي بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَمِثْلُهُ وَضْعُ ثَمَنِهِ عَادَةً وَأَخْذُهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ حَاضِرًا.
أَصْلٌ: حُكْمُ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ كَذَلِكَ فَتَجْهِيزُ بِنْتِهِ بِجِهَازٍ إِلَى زَوْجٍ تَمْلِيكٌ فِي الْأَصَحِّ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ]
[الْأَوَّلُ التَّرَاضِي]
فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِذَوْقِهِ حَالَ الشِّرَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَقَالَ سُفْيَانُ: الْعِفَّةُ أَحَبُّ.
نَقَلَ حَرْبٌ: لَا أَدْرِي إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ.
1 -
فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا: التَّرَاضِي بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكْرَهًا؛ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ، كَالَّذِي يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ.
فَصْلٌ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ إِلَّا الصَّبِيَّ
[المبدع في شرح المقنع]
فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا: التَّرَاضِي بِهِ) لِلْآيَةِ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا) لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ، فَلَمْ يَجُزْ إِزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْعَ تَلْجِئَةٍ وَأَمَانَةٍ، أَوْ مِنْ هَازِلٍ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكْرَهًا لَمْ يَصِحَّ) لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (إِلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ كَالَّذِي يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ) فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حَمَلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَصَحَّ مِنْهُ كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ، وَالْمُشْتَرِي كَالْبَائِعِ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ مَالٍ فَبَاعَ مِلْكَهُ كُرِهَ الشِّرَاءُ، وَصَحَّ؛ نَصَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْإِكْرَاهِ فِيهِ، وَهُوَ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ تَمِيمٍ وَهُمَا لَا يُعْرَفَانِ، وَفَسَّرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ بِأَنْ يَجِيئَكَ مُحْتَاجٌ فَتَبِيعَهُ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِعِشْرِينَ.
[الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ]
فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ يُشْتَرَطُ لَهُ الرِّضَى فَاشْتُرِطَ فِي
الْمُمَيّزَ وَالسَّفِيهَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا، وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَاقِدِهِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ كَالْإِقْرَارِ (وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ) وَالْمُرَادُ بِهِ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الرَّشِيدُ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ طِفْلٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَكْرَانَ وَلَا نَائِمٍ وَلَا مُبَرْسَمٍ، وَلَا شِرَاؤُهُ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ أَمْ لَا (إِلَّا الصَّبِيَّ الْمُمَيَّزَ وَالسَّفِيهَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] أَيِ: اخْتَبِرُوهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَفْوِيضِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إِلَيْهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ، وَالسَّفِيهُ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ فِي الصَّبِيِّ بِمَا ذَكَرْنَا فَالسَّفِيهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ إِلَّا فِي عَدَمِ وَقْفِهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ جَوَازَ الْإِذْنِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ لِمَصْلَحَةٍ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُمَيَّزِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى فَضَبَطَهُ الشَّارِعُ بِحَدٍّ، وَهُوَ الْبُلُوغُ، وَالسَّفِيهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِسُوءِ تَصَرُّفِهِ وَتَبْذِيرِهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فَقَدْ أَذِنَ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ (وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا (إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ) لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِمَا خَوْفُ ضَيَاعِ مَا لَهُمَا بِتَصَرُّفِهِمَا وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْيَسِيرِ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ اشْتَرَى مِنْ صَبِيٍّ عُصْفُورًا وَأَطْلَقَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِ مُمَيَّزٍ وَنُفُوذِهِ بِلَا إِذْنِ وَلِيِّهِ وَإِبْرَائِهِ وَإِعْتَاقِهِ وَطَلَاقِهِ رِوَايَتَانِ، وَفِي قَبُولِهِمْ هِبَةً وَوَصِيَّةً بِلَا إِذْنٍ أَوْجُهٌ.
ثَالِثُهَا: يَجُوزُ مِنْ عَبْدٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ صِحَّةُ تَصَرُّفِ مُمَيَّزٍ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: إِنْ تَزَوَّجَ الصَّغِيرُ فَبَلَغَ أَبَاهُ فَأَجَازَهُ جَازَ، قَالَ جَمَاعَةٌ: ولو أجازه بَعْدَ رُشْدِهِ لَمْ يَجُزْ، وَعَنْهُ: لَا يَقِفُ، ذَكَرَهَا الْفَخْرُ.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا، وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَدُودِ الْقَزِّ وَبِزْره وَالنَّحْلِ مُنْفَرِدًا، وَفِي كِوَارَاتِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ
[المبدع في شرح المقنع]
[الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا]
فَصْلٌ (الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا) لِأَنَّهُ يُقَابِلُ بِالْمَالِ إِذْ هُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ (وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) أُخْرِجَ بِالْأَوَّلِ: مَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَالْحَشَرَاتِ، وَبِالثَّانِي: مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالْخَمْرِ، وَبِالثَّالِثِ: مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِلضَّرُورَةِ كَالْكَلْبِ، وَلَوْ عَبَّرَ: بِغَيْرِ حَاجَةٍ كَـ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اقْتِنَاءَ الْكَلْبِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا وَفِي " الشَّرْحِ " يَحْتَرِزُ بِقَوْلِهِ: لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي تُبَاحُ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ، وَالْخَمْرُ تُبَاحُ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا (فَيَجُوزُ بَيْعُ) الْعَقَارِ (وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ) لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ قَالَ فِي " الْهِدَايَةِ ": لَا إِنْ نَجِسَا، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ (وَدُودِ الْقَزِّ) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ لِغَرَضِ التَّمَلُّكِ لِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْبَهَائِمَ، وَحَرَّمَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " كَالْحَشَرَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ (وَبِزْره) لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْمَآلِ أَشْبَهَ وَلَدَ الْفَرَسِ وَفِيهِ وَجْهٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " كَبَيْضِ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا فَرْقَ فِي بَيْعِهِ مُفْرَدًا أَوْ مَعَ الدُّودِ (وَالنَّحْلِ مُنْفَرِدًا) لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهِ شَرَابٌ فِيهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ، فَجَازَ بَيْعُهُ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (وَفِي كِوَارَاتِهِ) لِإِمْكَانِ مُشَاهَدَتِهِ بِفَتْحِ رَأْسِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فِيهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَهُوَ أَمِيرُهَا، وَأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ عَسَلٍ يَكُونُ مَبِيعًا، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ خَفَاءَ الْبَعْضِ لَا يَمْنَعُ
الْهِرِّ وَالْفِيلِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا الْكَلْبَ،
[المبدع في شرح المقنع]
الصِّحَّةَ كَالصُّبْرَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي وِعَاءٍ لَا يُشَاهَدُ إِلَّا ظَاهِرُهُ، وَالْعَسَلُ يَدْخُلُ تَبَعًا كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ، فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ مُشَاهَدَةُ النَّحْلِ لِكَوْنِهِ مَسْتُورًا بِالْأَقْرَاصِ، وَلَمْ يَعْرِفْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِجَهَالَتِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ وَالْفِيلِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ) كَالْفَهْدِ وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهِمَا (فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا» وَالْأَصْلُ فِي اللَّامِ الْمِلْكُ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُبَاحٌ نَفْعُهُ وَاقْتِنَاؤُهُ مُطْلَقًا أَشْبَهَ الْبَغْلَ، وَالْبَاقِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَا وَعِيدَ فِي جِنْسِهِ فَجَازَ بَيْعُهُ، وَعَلَى هَذَا فِي جَوَازِ بَيْعِ فَرْخِهِ وَبَيْضِهِ وَجْهَانِ.
قَوْلُهُ: يَصْلُحُ لِلصَّيْدِ يُحْتَمَلُ حَالًا أَيْ: تَكُونُ مُعَلَّمَةً، وَبِهِ صَرَّحَ الْخِرَقِيُّ فَظَاهِرُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ التَّعْلِيمِ، وَيَحْتَمِلُ مَآلًا؛ أَيْ: يَقْبَلُهُ كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْفِيلُ التَّعْلِيمَ لَمْ يَجُزْ كَأَسَدٍ وَذِئْبٍ وَدُبٍّ (إِلَّا الْكَلْبَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ - رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ - وَكَذَا آلَةُ لَهْوٍ وَخَمْرٍ، وَلَوْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ (اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " (وَالْأُخْرَى لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ) وَابْنُ أَبِي مُوسَى.
أَمَّا الْهِرُّ فَلِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ثَمَنِهِ فَقَالَ زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ مِنْهَا، أَوْ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، أَوْ عَلَى الْمُتَوَحِّشِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ لِمَا كَانَ مَحْكُومًا بِنَجَاسَتِهَا، ثُمَّ لَمَّا حَكَمَ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ حَلَّ ثَمَنُهُ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكُلُّهَا مَحَامِلُ وَدَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالْأُخْرَى لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَالْمَرِيضِ، وَفِي بَيْعِ الْجَانِي وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَجْهَانِ، وَفِي
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَمَّا الْفِيلُ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ فَلِأَنَّهَا نَجِسَةٌ كَالْكَلْبِ، وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْكَلْبِ، فَإِنَّ جَوَازَهُ مُخْتَصٌّ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ مَعَ أَنَّ اقْتِنَاءَهُ لِلْحَاجَةِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " كَـ " الْمُحَرَّرِ ".
1 -
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ) لِحُصُولِ النَّفْعِ بِهِ إِلَى وَقْتِ قَتْلِهِ وَرُبَّمَا رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيَحْصُلُ كَمَالُ النَّفْعِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إِزَالَةُ الْمَانِعِ بِخِلَافِ الْجَانِي (وَالْمَرِيضِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقِيلَ: غَيْرُ مَأْيُوسٍ، وَالْمُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ خَشْيَةَ الْهَلَاكِ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ كَالْمُرْتَدِّ (وَفِي بَيْعِ الْجَانِي وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَلَبَنِ الْآدِمِيَّاتِ وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْجَانِي، لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَى سَيِّدِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ بَيْعُهُ كَالدَّيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ فَمَنَعَ جَوَازَ بَيْعِهِ كَالرَّهْنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الْجَانِي يَمْلِكُ أَدَاءَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْبَيْعَ كَالزَّكَاةِ، وَفَارَقَ الرَّهْنَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ حَقٌّ مُتَعَيَّنٌ فِيهِ لَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إِبْدَالَهُ ثَبَتَ الْحَقُّ فِيهِ بِرِضَاهُ وَثِيقَةٌ لِلدَّيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيهِ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: الْقَاتِلُ فِي الْمُحَارَبَةِ فَإِنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْحَرْبِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ حَتَّى قُدِرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: وَفِي الْمُتَحَتِّمِ قَتْلُهُ؛ وَجْهَانِ كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "،
جَوَازِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ وَكَرَاهَةِ شِرَائِهِ وَإِبْدَالِهِ رِوَايَتَانِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَى حِينِ قَتْلِهِ وَيُعْتِقُهُ فَيَجْرِ وَلَاءُ وَلَدِهِ فَجَازَ كَالْمَرِيضِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي لَا لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُتَحَتِّمَ الْقَتْلِ أَشْبَهَ الْمَيْتَاتِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَصْلًا بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ زَوَالُ مَا ثَبَتَ مِنَ الرُّجُوعِ عَنِ الْإِقْرَارِ، أَوِ الرُّجُوعِ مِنَ الشُّهُودِ.
الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ الْمُنْفَصِلِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ كَلَبَنِ الشَّاةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي إِجَارَةِ الظِّئْرِ أَشْبَهَ الْمَنَافِعَ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُ مَائِعٌ خَرَجَ مِنْ آدَمِيَّةٍ كَالْعَرَقِ أَوْ لِأَنَّهُ مِنَ الْآدَمِيِّ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْعَرَقَ لَا نَفْعَ فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ عَرَقُ الشَّاةِ وَيُبَاعُ لَبَنُهَا، وَحَرُمَ بَيْعُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ، لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ وَقِيلَ يَجُوزُ مِنَ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا جَائِزٌ، فَكَذَا لَبَنُهَا كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا دُونَ الْحُرَّةِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ بَيْعُ لَبَنِهَا، وَاحْتَجَّ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَضَوْا فِيمَنْ غَرَّ بِأَمَةٍ بِضَمَانِ الْأَوْلَادِ، وَلَوْ كَانَ لِلَّبَنِ قِيمَةٌ لَذَكَرُوهُ.
فَرْعٌ: الْمَنْذُورُ عِتْقُهُ - قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: - نَذْرُ تَبَرُّرٍ - الْأَشْهَرُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَجَبَ بِالنَّذْرِ، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُهُ بِبَيْعِهِ كَالْهَدِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ.
1 -
(وَفِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ وَكَرَاهَةِ شِرَائِهِ وَإِبْدَالِهِ رِوَايَتَانِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَالَ أَحْمَدُ: لَا نَعْلَمُ فِي بَيْعِ الْمُصْحَفِ رُخْصَةً، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَدِدْتُ أَنَّ الْأَيْدِيَ تُقْطَعُ فِي بَيْعِهَا، وَلِأَنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ وَفِي بَيْعِهِ ابْتِذَالٌ لَهُ وَتَرْكٌ لِتَعْظِيمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَالْحَكَمِ، لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ.
أَشْبَهَ كُتُبَ الْعِلْمِ، وَفِي ثَالِثَةٍ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا مُوسَى كَرِهُوا بَيْعَهُ.
وَالْمَيْتَةِ وَلَا شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ وَلَا الْكَلْبِ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى الْأُولَى: يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، وَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنٍ، وَلَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ بَذْلُهُ لِحَاجَةٍ فِي الْأَشْهَرِ، وَيُكْرَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِبْدَالُهُ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْبَيْعِ الْمُتَضَمِّنِ إِذْلَالُ الْمُصْحَفِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي أُخْرَى قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْقَاذٌ لَهُ كَاسْتِنْقَاذِ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، وَفَارَقَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَفِي " النِّهَايَةِ " لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُصْحَفِ وَلَا شِرَاؤُهُ وَلَا إِبْدَالُهُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إِذْلَالٌ، وَالْمُصْحَفُ مُحْتَرَمٌ، فَتَنَافَيَا، وَفَارَقَ الشِّرَاءُ هُنَا شِرَاءَ الْأَسِيرِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ، وَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِكَافِرٍ، لِأَنَّهُ إِذَا نُهِيَ عَنِ الْمُسَافَرَةِ بِهِ إِلَى أَرْضِهِمْ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ فَهَذَا أَوْلَى، وَحُكْمُ إِجَارَتِهِ كَبَيْعِهِ، لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنْفَعَتِهِ وَيَجُوزُ وَقْفُهُ وَهِبَتُهُ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَاحْتَجَّ بِنُصُوصِ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ بَيْعِ كُتُبِ الْعِلْمِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا تُبَاعُ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَجُوزُ نَسْخُهُ بِأُجْرَةٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ لِمُحْدِثٍ بِلَا حَمْلٍ وَلَا مَسٍّ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا كَافِرٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْمَصَاحِفَ تَكْتُبُهَا النَّصَارَى عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ منْ كتبهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي " النِّهَايَةِ " يُمْنَعُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ شِرَاءُ كُتُبِ زَنْدَقَةٍ وَنَحْوِهَا لِيُتْلِفَهَا لَا خَمْرَ لِيُرِيقَهَا؛ لِأَنَّ فِي الْكُتُبِ مَالِيَّةَ الْوَرَقِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَبْطُلُ بِآلَةِ اللَّهْوِ، وَسَقَطَ حُكْمُ مَالِيَّةِ الْخَشَبِ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ بَيْعُ طَيْرٍ لِقَصْدِ صَوْتِهِ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ.
زَادَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِنْ جَازَ حَبْسُهُ، وَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَفِي " الْمُوجَزِ " لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ مَا قُصِدَ صَوْتُهُ كَدِيكٍ وَقُمْرِيٍّ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ) لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَقٌ لِمَصِّ دَمٍ وَدِيدَانٍ لِصَيْدِ سَمَكٍ، وَمَا يُصَادُ عَلَيْهِ كَبُومَةٍ شَبَاشَا فِي الْأَشْهَرِ (وَالْمَيْتَةِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «سَمِعْتُ
السِّرْجِينِ النَّجِسِ وَلَا الْأَدْهَانِ النَّجِسَةِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا.
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْأَصْنَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا الْحُوتُ وَالْجَرَادُ (وَلَا شَيْءٍ مِنْهَا) لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ كَالْخَمْرِ (وَلَا سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ) كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهَا كَالْحَشَرَاتِ (وَلَا الْكَلْبِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ» وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نُهِيَ عَنِ اقْتِنَائِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، أَوْ نَجَسُ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا، صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَجَازَ بَيْعَهُ وَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ " إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ وَأُجِيبَ " بِضَعْفِهِ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ (وَلَا السِّرْجِينِ النَّجِسِ) لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْمَيْتَةِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ مِنْ دُهْنٍ نَجِسٍ، قَالَ مِنْهَا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ السَّلَفِ فِي الْبَعْرِ وَالسِّرْجِينِ قَالَ: لَا بَأْسَ.
وَأَطْلَقَ ابْنُ رَزِينٍ فِي بَيْعِ نَجَاسَةٍ قَوْلَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الطَّاهِرِ مِنْهَا (وَلَا الْأَدْهَانِ النَّجِسَةِ) أَيِ: الْمُتَنَجِّسَةُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِلْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» وَلِأَنَّهَا نَجِسَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا كَشَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ يَجُوزُ بَيْعُ
وَفِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ، وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ بَيْعِهَا.
[المبدع في شرح المقنع]
مَا يَطْهُرُ مِنْهَا بِالْغَسْلِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الدُّهْنِ غَالِبًا هُوَ الْأَكْلُ، وَقَدْ زَالَ وَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ بِتَطْهِيرِهِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ النَّجِسِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَلَا تَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ بِتَطْهِيرِهِ، وَالْأَوْلَى أَنَّ فِيهِ نَهْيًا خَاصًّا فَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَرْعًا (وَعَنْهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلَّ ذَلِكَ وَيَسْتَبِيحُ أَكْلَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَاشْتَرَطَ الْكُفْرَ لِأَجْلِ الِاعْتِقَادِ الْمُجَوِّزِ، وَالْعِلْمُ بِنَجَاسَتِهَا الْمُرَادُ بِهِ اعْتِقَادُ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي بَيْعِ الثَّوْبِ النَّجِسِ، فَكَذَا هُنَا وَفِيهِ شَيْءٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " يَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ إِلَى كَافِرٍ فِي فِكَاكِ مُسْلِمٍ وَيُعْلَمُ بِنَجَاسَتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِنْقَاذُ الْمُسْلِمِ بِهِ (وَفِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: لَا؛ وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ قُرْبَانِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِصْبَاحُ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ دِهْنٌ نَجِسٌ، فَلَمْ يَجُزِ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ كَشَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ الِانْتِفَاعَ بِالْجِلْدِ الْيَابِسِ، فَعَلَى هَذَا يَنْتَفِعُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْجِيسِهَا لَا نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ (وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ بَيْعِهَا) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُنْتَفَعًا بِهِ كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ سُمٍّ قَاتِلٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَفَاعِي أَوِ النَّبَاتِ، وَقِيلَ يَقْتُلُ بِهِ مُسْلِمًا.
فَصْلٌ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي بَيْعِهِ، فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
[الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ]
فَصْلٌ (الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ) حَتَّى الْأَسِيرَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالتَّامِّ لِيَخْرُجَ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَسَيَأْتِي (أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي بَيْعِهِ) وَقْتَ إِيجَابِهِ وَقَبُولِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَبِيعِ مَمْلُوكًا لِبَائِعِهِ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْمَأْذُونِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ مَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ نَفْسِهِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْكِيلِ لِكَوْنِ الْمُوَكِّلِ غَائِبًا، أَوْ مَحْبُوسًا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ حُضُورُ الْمُشْتَرِي مَعَهُ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَوْ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ لَأَدَّى إِلَى الْحَرَجِ، وَالْمَشَقَّةِ وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ شَرْعًا.
لَا يُقَالُ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ جَوَابًا حِينَ سَأَلَهُ أَنَّهُ يَبِيعُ الشَّيْءَ وَيَمْضِي وَيَشْتَرِيهِ وَيُسَلِّمُهُ (فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ) أَوْ طَلَّقَ زَوْجَةَ غَيْرِهِ، أَوْ نَحْوَهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ (لَمْ يَصِحَّ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَالشَّيْءُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ شَرْطِهِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْملكِ) لِمَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الْجَعْدِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا: بِدِينَارٍ، ثُمَّ جَاءَهُ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ لَهُ مَجِيزٌ فِي حَالِ وُقُوعِهِ فَوَقَفَ عَلَى إِجَازَتِهِ كَالْوَصِيَّةِ لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ وَاشْتَرَطَتْ إِجَازَةُ الْمَالِكِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَجِيزٌ فِي الْحَالِ، وَعَنْهُ صِحَّةُ تَصَرُّفٍ غَاصِبٍ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عُرْوَةَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ مُطْلَقٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَلَّمَ وَتَسَلَّمَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ، وَالْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ بِاتِّفَاقٍ.
الْمَالِكِ.
وَإِنِ اشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، صَحَّ، فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ مَلِكَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ لِيَمْضِيَ وَيَشْتَرِيَهُ وَيُسَلِّمَهُ، وَلَا يَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا بِيعَ مِلْكُهُ، وَهُوَ سَاكِتٌ، فَهُوَ كَمَا بَاعَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى، لِأَنَّ سُكُوتَهُ إِقْرَارٌ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، كَالْبِكْرِ فِي النِّكَاحِ، وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ فَإِنَّ سُكُوتَهَا دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاءِ الْمَانِعِ مِنَ الْكَلَامِ فِي حَقِّهَا بِخِلَافِهِ هُنَا.
(وَإِنِ اشْتَرَى لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ صَحَّ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي ذِمَّتِهِ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ، أَوْ لَا، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ (فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ مَلِكَهُ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِأَجْلِهِ وَنَزَلَ الْمُشْتَرِي نَفْسُهُ مَنْزِلَةَ الْوَكِيلِ فَمَلَّكَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَقَبْلِ الْإِجَازَةِ (وَإِلَّا لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ) أَيْ: إِذَا لَمْ يُجِزْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ لِلْمُشْتَرِي، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ سَمَّاهُ فَأَجَازَهُ لَزِمَهُ، وَإِلَّا بَطَلَ وَيُحْتَمَلُ إِذْنٌ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " إِلْغَاءً لِلْإِضَافَةِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُهُ مِنْ زَيْدٍ، فَقَالَ اشْتَرَيْتُهُ لَهُ بَطَلَ، وَيُحْتَمَلُ: يَلْزَمُ إِنْ أَجَازَهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ بَعْدَ إِجَازَتِهِ، صَحَّ فِي الْحُكْمِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَيَتَوَجَّهُ كَالْإِجَازَةِ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
تَنْبِيهٌ: لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِعَيْنِ مَالِهِ مَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ وُقُوفَهُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَمِثْلُهُ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَإِنْ بَاعَ مَا يَظُنُّهُ لِغَيْرِهِ فَبَانَ وَارِثًا، أَوْ وَكِيلًا فَرِوَايَتَانِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَجْهَانِ.
وَبَنَاهُمَا فِي شَرْحِهِ عَلَى عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ.
1 -
(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (بَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ لِيَمْضِيَ وَيَشْتَرِيَهُ وَيُسَلِّمَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِحَدِيثِ حَكِيمٍ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَشْبَهَ الطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ، بَلْ مَوْصُوفٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بِشَرْطِ قَبْضِهِ أَوْ قَبْضِ ثَمَنِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ كَسَلَمٍ (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ يُقَسَّمْ كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ يَزَلْ أَئِمَّةُ
بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ يُقَسَّمْ كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا إِلَّا الْمَسَاكِنَ وَأَرْضًا مِنَ الْعِرَاقِ فُتِحَتْ صُلْحًا، وَهِيَ الْحِيرَةُ وَأُلَّيْسُ وَبَانِقْيَا وَأَرْضُ بَنِي صَلُوبَا؛
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ شِرَاءِ أَرْضِ الْجِزْيَةِ، وَيَكْرَهُهُ عُلَمَاؤُهُمْ قَالَ الشَّعْبِيُّ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ لِيَتَّخِذَ فِيهَا قَصَبًا.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَهَا قَالَ: مِنْ أَرْبَابِهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَرْبَابُهَا، قَالَ: ارْدُدْهَا عَلَى مَنِ اشْتَرَيْتَهَا مِنْهُ وَخُذْ مَالَكَ.
فَقَالَهُ بِمَحْضَرِ سَادَةِ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّتِهِمْ، وَلَمْ يُنْكَرْ.
فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى وُجُودِ إِجْمَاعٍ أَقْوَى مِنْهُ لِتَعَذُّرِهِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا، قُلْنَا لَا نَسْلَمُ الْمُخَالَفَةَ، وَاشْتَرَى بِمَعْنَى اكْتَرَى قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، بِدَلِيلٍ " عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا "، وَلَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا لَهَا وَجِزْيَتُهَا عَلَى غَيْرِهِ (إِلَّا الْمَسَاكِنَ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اقْتَطَعُوا الْخُطَطَ فِي الْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَبَنَوْهَا مَسَاكِنَ وَتَبَايَعُوهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ آلَتُهَا مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْفَتْحِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بِنَاءٍ لَيْسَ مِنْهَا وَغَرْسٍ مُحْدَثٍ فِيهَا.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ وَيَعْقُوبُ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ نَبْعٌ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ، وَجَوَّزَ ابْنُ عَقِيلٍ بَيْعَ الْغَرْسِ، وَفِي الْبِنَاءِ رِوَايَتَانِ (وَأَرْضًا مِنَ الْعِرَاقِ) سُمِّيَ عِرَاقًا لِامْتِدَادِ أَرْضِهِ وَخُلُوِّهَا مِنْ جِبَالٍ مُرْتَفِعَةٍ وَأَوْدِيَةٍ مُنْخَفِضَةٍ قَالَهُ السَّامِرِيُّ (فُتِحَتْ صُلْحًا وَهِيَ الْحِيرَةُ) مَدِينَةٌ بِقُرْبِ الْكُوفَةِ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا حِيرِيٌّ وَحَارَيٌّ على غير قياس، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، (وَأُلَّيْسَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَبَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ مَدِينَةٌ بِالْجَزِيرَةِ (وَبَانِقْيَا) بِزِيَادَةِ أَلِفٍ بَيْنَ الْبَاءِ وَالنُّونِ وَهِيَ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ تَلِيهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ: نَاحِيَةٌ بِالنَّجَفِ دُونَ الْكُوفَةِ.
قَالَ ثَعْلَبٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطًا نَزَلَاهَا وَكَانَتْ تُزَلْزِلُ، فَلَمْ تُزَلْزِلْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَاشْتَرَاهَا بِغُنَيْمَاتٍ يُقَالُ لَهَا نَقِيَا، وَكَانَ شِرَاؤُهَا مِنْ أَهْلِ بَانِقْيَا (وَأَرْضُ بَنِي صَلُوبَا) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ اللَّامِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ تَلِيهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، فَهَذِهِ الْأَمَاكِنُ فُتِحَتْ صُلْحًا لَا عَنْوَةً فَجَازَ بَيْعُهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَرْضُ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهَا مِلْكُ أَرْبَابِهَا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الْمَنْعِ فَقَالَ: (لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَّفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ، وَلَمْ تُقَدَّرْ مُدَّتُهَا لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا وَتَجُوزُ
[المبدع في شرح المقنع]
عَنْهُ وَقَّفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لِتَكُونَ مَادَّةً لَهُمْ لِقِتَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشُهْرَةُ ذَلِكَ تُغْنِي عَنْ نَقْلِهِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ قُسِّمَتْ لَكَانَتْ لِلَّذِينِ افْتَتَحُوهَا، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ، أَوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ عَنْهُمْ، وَلَمْ تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ جَازَ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا، لَكَانَ مَنِ افْتَتَحَهَا أَحَقَّ بِهَا (وَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ) عَنِ الْأَرْضِ (وَلَمْ تُقَدَّرْ مُدَّتُهَا لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا) هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: إِنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ أُجْرَةٌ، فَيَجِبُ تَقْدِيرُ مُدَّتِهَا كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، فَأَجَابَ بِالْفَرْقِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ عُمُومَ الْمَصْلَحَةِ مَوْجُودٌ هُنَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أُجِّرَ مِلْكُهُ لِإِنْسَانٍ، أَوْ يُقَالُ: إِنَّهَا لَا تَصِحُّ، مَجْهُولَةٌ فِي أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا فِي أَمْلَاكِ الْكُفَّارِ أَوْ فِي حُكْمِ أَمْلَاكِهِمْ فَجَائِزٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمِيرَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى الْقَلْعَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ صَحَّ، وَإِنْ كَانَتْ بِجَعْلٍ مَجْهُولٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمْ تُؤْخَذْ عَنِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ لِعَدَمِ صِحَّةِ إِجَارَةِ ذَلِكَ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَأْخُوذَ هُنَاكَ عَنِ الْأَرْضِ إِلَّا أَنَّ الْأُجْرَةَ اخْتَلَفَتْ لِاخْتِلَافِ الْمَنْفَعَةِ، فَالْمَنْفَعَةُ بِالْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا النَّخْلُ أَكْثَرُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ الدُّخُولَ فِيهَا لِمَا شَاهَدَهُ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ كَانَ يَأْخُذُ زِيَادَةً عَلَى مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ وَيَضْرِبُ وَيَحْبِسُ وَيَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: جَوَّزَ أَحْمَدُ إِصْدَاقَهَا، وَقَالَهُ جَدُّهُ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى نَفْعِهَا (وَتَجُوزُ إِجَارَتُهَا) لِأَنَّهَا مُؤَجَّرَةٌ فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا، وَإِجَارَةُ الْمُؤَجَّرِ جَائِزَةٌ، وَعَنْهُ: لَا، ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ كَالْبَيْعِ (وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَهَا) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: يَبِيعُ مِنْهُ وَيَحُجُّ؛ قَالَ: لَا أَدْرِي فَدَلَّ عَلَى التَّوَقُّفِ (وَأَجَازَ شِرَاءَهَا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِنْقَاذِ.
وَعَنْهُ: لِحَاجَتِهِ وَعِيَالِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَمْقُتُ السَّوَادَ، وَالْمَقَامُ فِيهِ كَالْمُضْطَرِّ يَأْكُلُ مِنَ الْمَيْتَةِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ يُؤَدِّي خَرَاجَهَا.
إِجَارَتُهَا، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَهَا، وَأَجَازَ شِرَاءَهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَكُونُ الشِّرَاءُ بِمَعْنَى نَقْلِ الْعَيْنِ مِنْ يَدٍ إِلَى أُخْرَى بِعِوَضٍ إِلَّا مَا كَانَ قَبْلَ سَنَةِ مِائَةٍ، أَوْ مِنْ إِقْطَاعِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
أَصْلٌ: إِذَا أَعْطَى الْإِمَامُ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ وَقَفَهَا فَقِيلَ: يَصِحُّ، وَفِي " النَّوَادِرِ " لَا، وَاحْتَجَّ بِنَقْلِ حَنْبَلٍ مثل السواد.
كَمَنْ وَقَفَ أَرْضًا عَلَى رَجُلٍ، أَوْ عَلَى وَلَدِهِ لَا يَحِلُّ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا عَلَى مَا وَقَفَ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ حَاكِمٌ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ كَبَقِيَّةِ الْمُخْتَلِفَاتِ مَعَ أَنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّ لِلْإِمَامِ الْبَيْعَ لِمَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رِبْعٍ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ وَدَارُ الْإِقَامَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّحِيحِ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (وَلَا إِجَارَتُهَا) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا «مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُهَا حَرَامٌ إِجَارَتُهَا» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: «مَكَّةُ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ فَقَتَلَ مِنْهُمُ ابْنَ خَطَلٍ وَمَقِيسَ بْنَ صَبَابَةَ، وَلَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ أَهْلِهَا، وَلَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَصَارَتْ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِ فَيُحْرِمَانِ كَبِقَاعِ الْمَنَاسِكِ.
إِجَارَتُهَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءِ عِدٍّ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
(وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ» وَإِذَا فُتِحَتْ صُلْحًا كَانَتْ مِلْكًا لِأَهْلِهَا فَجَازَ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْبَيْعِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " فِيهِ، لِأَنَّ عُمَرَ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاشْتَرَى مُعَاوِيَةُ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ دَارَيْنِ بِمَكَّةَ إِحْدَاهُمَا: بِسِتِّينَ أَلْفًا، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِنْقَاذِ مَعَ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَى ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ وَجَعَلَهُ سِجْنًا.
يُؤَيِّدُهُ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ، وَعَلَى الْمَنْعِ إِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا يَأْثَمُ بِدَفْعِهَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَعَنْهُ: بَلَى قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ سَاقِطَةٌ يَحْرُمُ بَذْلُهَا، وروى أَنَّ سُفْيَانَ سَكَنَ بَعْضَ رِبَاعِ مَكَّةَ وَهَرَبَ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ أُجْرَةً فَأَدْرَكُوهُ فَأَخَذُوهَا مِنْهُ، وَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ فَتَبَسَّمَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَعْجَبَهُ.
مَسْأَلَةٌ: الْحُرُمُ كَمَكَّةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَزَارِعِهَا؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةُ الْأَرْضِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءِ عِدٍّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِّ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ (كَمِيَاهِ الْعُيُونِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ» ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا
مَا فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ، وَلَا مَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا مَلَكَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ وَلَا الشَّارِدِ
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْتَأْجِرِ إِتْلَافُهُ إِذِ الْإِجَارَةُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا إِتْلَافُ الْأَعْيَانِ، بَلْ مُشْتَرٍ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ، وَعَنْهُ: يَمْلِكُهُ وَيَجُوزُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ أَرْضِهِ كَالنِّتَاجِ، قَوْلُهُ: وَنَقْعِ الْبِئْرِ؛ أَيِ: الْمَاءِ الْمُنْتَقِعِ فِيهَا (وَلَا مَا فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ وَالنِّفْطِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْمَاءِ (وَلَا مَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَإِ وَالشَّوْكِ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا مَلِكَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُبَاحِ فَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ عَدَمَهُ وَخَرَّجَهُ رِوَايَةً مِنْ أَنَّ النَّهْيَ يَمْنَعُ التَّمْلِيكَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ تَعَدِّيَهُ لَا يَمْنَعُ تَمَلُّكَهُ، كَمَا لَوْ عَشَّشَ فِي أَرْضِهِ طَائِرٌ، أَوْ دَخَلَ فِيهَا صَيْدٌ، أَوْ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ سَمَكٍ فَدَخَلَ إِلَيْهِ وَأَخَذَهُ.
(إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَهُ الدُّخُولُ لِرَعْيِ كَلَأٍ وَأَخْذِهِ وَنَحْوِهِ مَا لَمْ يَحُطَّ عَلَيْهَا بِلَا ضَرَرٍ.
قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَكَرِهَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الْوَسِيلَةِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ كَسَائِرِ الْخَارِجِ مِنْهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: الْمَنْعُ مِنْهُ قَبْلَ حِيَازَتِهِ فَأَمَّا بَعْدُهَا فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إِلَّا مَا حَمَلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتِ الْعَادَةُ فِي الْأَمْصَارِ بِبَيْعِ الْمَاءِ فِي الرَّوَايَا وَالْحَطَبِ وَالْكَلَإِ الْمُحَازَّيْنِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ.
[الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ]
فَصْلٌ (الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ) لِأَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَبِيهٌ
وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ إِلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْمَعْدُومِ، وَالْمَعْدُومُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَظْهَرَ، وَالْآبِقُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحُصُولِ وَعَدَمِهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ نَهْيًا خَاصًّا، رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ» وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ خَبَرَهُ أَمْ لَا (وَلَا الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ) لِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ يُأْلَفُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْفُنُونِ "، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ، وَأَنْكَرَهُ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ وَبَابُهُ مُغْلَقٌ جَازَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنَاطَةٌ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَشَرَطَ الْقَاضِي مَعَ ذَلِكَ أَخْذَهُ بِسُهُولَةٍ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ لَمْ يَجُزْ لِعَجْزِهِ فِي الْحَالِ، وَالْجَهْلِ بِوَقْتِ تَسْلِيمِهِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْغَائِبُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي إِحْضَارِهِ بِالْعَادَةِ، وَتَأْخِيرُ تَسْلِيمِهِ مُدَّتُهُ مَعْلُومَةٌ (وَلَا السَّمَكِ فِي الْمَاءِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ انْقِطَاعٌ.
فَصْلٌ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ.
فَإِنِ اشْتَرَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمُرَادُ بِهِ إِذَا كَانَ فِي الْآجَامِ فَلَوْ كَانَ فِي بِرْكَةٍ مُعِدًّا لِلصَّيْدِ وَعُرِفَ بِرُؤْيَةٍ لِصَفَاءِ الْمَاءِ فِيهَا وَأَمْكَنَ اصْطِيَادُهُ، صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مُمْكِنٌ تَسْلِيمُهُ، أَشْبَهَ الْمَوْضُوعَ فِي طَسْتٍ، نَعَمْ؛ إِنْ كَانَ فِي أَخْذِهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ خَرَجَ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الْبِرْكَةَ إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً وَتَطَاوَلَتِ الْمُدَّةُ فِي أَخْذِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلْجَهْلِ بِوَقْتِ إِمْكَانِ التَّسْلِيمِ (وَلَا الْمَغْصُوبِ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ (إِلَّا مِنْ غاصِبِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ مَعْدُومٌ هُنَا، وَعَلَى الْأَصَحِّ (أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ) لِعَدَمِ الْغَرَرِ وَلِإِمْكَانِ قَبْضِهِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ بَيْعُ آبِقٍ لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ، وَالْأَشْهَرُ الْمَنْعُ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِنْقَاذِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَحَّ لِظَنِّ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّحْصِيلِ.
[السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ]
[جَهَالَةُ الْمَبِيعِ غَرَرٌ]
فَصْلٌ (السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَبِيعِ غَرَرٌ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَلَا يَصِحُّ لِذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ تَحْصُلُ (بِرُؤْيَةٍ) مُقَارِنَةٍ لَهُ، أَوْ لِبَعْضِهِ إِنْ دَلَّتْ عَلَى بَقِيَّتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَرُؤْيَةُ أَحَدِ وَجْهَيْ ثَوْبٍ خَامٍ يَكْفِي لَا مَنْقُوشٍ، وَلِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تُحَصِّلُ الْعِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْمَبِيعِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا عُرِفَ بِلَمْسِهِ أَوْ شَمِّهِ أَوْ ذَوْقِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: وَيَعْرِفُ صِفَةَ الْمَبِيعِ تَقْرِيبًا، فَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ غَيْرِ جَوْهَرِيٍّ جَوْهَرَةً (أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ كَالصِّفَةِ الَّتِي تَكْفِي فِي السَّلَمِ، لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، وَالْبَيْعُ يَتَمَيَّزُ بِمَا يَصِفُهُ الْعَاقِدُ، وَالشَّرْعُ قَاضٍ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ، بِدَلِيلِ قَبُولِ قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِلْكُهُ، وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَعْلُومٌ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَصَحَّ كَالْحَاضِرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيْعَ بِالصِّفَةِ مَخْصُوصٌ بِمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ لَا غَيْرُهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "،
مَا لَمْ يَرَهْ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْوَجِيزِ " فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ بَيْعُ أَعْمًى وَشِرَاؤُهُ كَتَوْكِيلِهِ.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْأُنْمُوذَجِ بِأَنْ يُرِيَهُ صَاعًا، وَيَبِيعَهُ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِهِ، وَقِيلَ: ضَبْطُ الْأُنْمُوذَجِ كَذِكْرِ الصِّفَاتِ، نَقَلَ جَعْفَرٌ فِيمَنْ يَفْتَحُ جِرَابًا، وَيَقُولُ: الْبَاقِي بِصِفَتِهِ إِذَا جَاءَهُ عَلَى صِفَتِهِ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ.
[حُكْمُ شِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهْ]
(فَإِنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَلِأَنَّ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ تَبَايَعَا دَارَيْهِمَا بِالْكُوفَةِ وَالْمَدِينَةِ فَتَحَاكَمَا إِلَى جُبَيْرٍ فَجَعَلَ الْخِيَارَ لِطَلْحَةَ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَصِحُّ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ كَالنِّكَاحِ، وَهَذَا إِذَا ذُكِرَ جِنْسُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهَا (لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ» وَالْخِيَارُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي بَيْعٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ لِلْخَبَرِ، وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ كَخِيَارِهِ وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْعَقْدِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا، كَمَا لَوِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْعَقْدِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا اشْتَرَاهُ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ النَّوَى فِي التَّمْرِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَرْعٌ: لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ.
(وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ) صَحَّ الْبَيْعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا قُلْنَا.
ذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا، صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ إِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تُحَصِّلُ الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهَا كَالدَّيْنِ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا، صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ شَاهَدَاهُ حَالَ الْعَقْدِ، إِذِ الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالْمُقَارَنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ، إِذِ الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالْمُقَارَنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ، رُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا اعْتُبِرَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْعَقْدِ كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهَا تُرَادُ لِتَحَمُّلِ الْعَقْدِ، وَالِاسْتِيثَاقِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَقَفَا فِي بَيْتٍ مِنَ الدَّارِ، أَوْ طَرَفِ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ مَعَ عَدَمِ مُشَاهَدَةِ الْكُلِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الزَّمَنُ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُهُمَا وَلَيْسَ الظَّاهِرُ تَغَيُّرَهُ صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامُ (ثُمَّ إِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَا خِيَارَ لَهُ) وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ تَسَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ كَالسَّلَمِ (وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَلَهُ الْفَسْخُ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي إِلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى مِنْ سَوْمٍ وَنَحْوِهِ لَا بِرُكُوبِهِ الدَّابَّةَ فِي طَرِيقِ الرَّدِّ، وَعَنْهُ: عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الرَّدِّ، فَلَا أَرْشَ فِي الْأَصَحِّ (وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي التَّغَيُّرِ، وَالصِّفَةِ (قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الثَّمَنِ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْمَجْدُ: قَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ بِعُمُومِ كَلَامِهِ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ هَلْ يَتَحَالَفَانِ، أَوْ قَوْلُ الْبَائِعِ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
1 -
تَنْبِيهٌ: الْبَيْعُ بِالصِّفَةِ نَوْعَانِ: بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، كَبِعْتُكَ عَبْدِي التُّرْكِيَّ، وَيَذْكُرُ صِفَاتِهِ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ وَتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا، وَبَيْعُ مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَبِعْتُكَ عَبْدًا تُرْكِيًّا وَيَسْتَقْصِي صِفَاتَ السَّلَمِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي وَجْهٍ اعْتِبَارًا بِلَفْظِهِ، وَفِي
وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَلَهُ الْفَسْخُ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُشْتَرِينَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمَلِ فِي الْبَطْنِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالْمِسْكِ فِي الْفَأْرِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ،
[المبدع في شرح المقنع]
آخَرَ: لَا، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ أَحْمَدَ كَالسَّلَمِ الْحَالِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ مِلْكَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ حُكْمُهُ حُكْمُ السَّلَمِ يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ، أَوْ ثَمَنُهُ فِي الْمَجْلِسِ فِي وَجْهٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ حَالٍ أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُعَيَّنِ، فَظَاهِرُهُ لَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ ثَمَنِهِ وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ يُعْتَبَرُ، وَهُوَ أَوْلَى لِيَخْرُجَ عَنْ بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بَيْعَ الصِّفَةِ وَالسَّلَمِ حَالًا إِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمَلِ فِي الْبَطْنِ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ» . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَضَامِينُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي الْبُطُونِ وَهِيَ الْأَجِنَّةُ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا تُعْلَمُ صِفَتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْمَعْدُومِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِخِلَافِ الْغَائِبِ، فَإِنْ بِيعَ مَعَ أُمِّهِ دَخَلَ تَبِعًا كَأَسِّ الْحَائِطِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ بَيْعَ حَبَلِ الْحَبَلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُبَاعَ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ أَشْبَهَ الْحَمَلَ، وَلِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَمْ تُخْلَقْ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ مَا تَحْمِلُ هَذِهِ النَّاقَةُ، وَالْعَادَةُ فِيهِ تَخْتَلِفُ، وَأَمَّا لَبَنُ الظِّئْرِ فَإِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ بَاعَهُ لَبَنًا مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ وَاشْتَرَطَ كَوْنَهُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ أَوِ الْبَقَرَةِ جَازَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ فِي عشرة أوسق منْ تمر هَذَا الْحَائِطَ (وَالْمِسْكِ فِي الْفَأْرِ) وَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ مَسْتُورًا كَالدُّرِّ فِي الصُّدَفِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وِعَاءٌ لَهُ يَصُونُهُ وَيَحْفَظُهُ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْهَدْيِ "، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ فَتَحَ وَشَاهَدَ مَا فِيهِ جَازَ
وَلَا الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ جَزِّهِ فِي الْحَالِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي هَذَا عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ فَهُوَ عَلَيْكَ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيْعُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ) لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَمِثْلُهُ الْبَيْضُ فِي الدَّجَاجِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ " لَا نَعْلَمُ فِيهِمَا اخْتِلَافًا لِلْجَهَالَةِ وَكَالْفِجْلِ قَبْلَ الْقَلْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ «نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ سَمْنٍ فِي لَبَنٍ» وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ، فَلَمْ يَجُزْ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ كَأَعْضَائِهِ (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ جُزْءٍ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ أَشْبَهَ الرَّطْبَةَ فِي الْأَرْضِ، وَفَارَقَ الْأَعْضَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْحَيَوَانِ فَعَلَيْهَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْجَزِّ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى طَالَ فَحُكْمُ الرَّطْبَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ ضِرَابُهُ وَكَذَا إِجَارَتُهُ وَلِابْنِ عَقِيلٍ احْتِمَالٌ بِجَوَازِهَا، لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَالْغَالِبُ حُصُولُ النَّزْوِ فَيَكُونُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، وَمَنَعَ أَحْمَدُ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ وَحَمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَلَى الْوَرَعِ، وَجَوَّزَ دَفْعَ الْأُجْرَةِ دُونَ أَخْذِهَا، وَكَذَا الدَّفْعُ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ.
[الْبُيُوعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا]
(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي هَذَا عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ فَهُوَ عَلَيْكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا) كَذَا فَسَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ، وَلَا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ لِلْخَبَرِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ أَيْ: طَرَحْتَهُ إِلَيَّ فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ» وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ، وَلَا يُقَلِّبُهُ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَقْلِيبٍ، فَتَفْسِيرُ أَبِي سَعِيدٍ لِلْمُنَابَذَةِ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ،
بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، وَلَا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدٍ، وَلَا شَاةً مِنْ قَطِيعٍ، وَلَا شَجَرَةً مِنْ بُسْتَانٍ، وَلَا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلَّا وَاحِدًا غَيْرَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِذَلِكَ جَعَلَ النَّبْذَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى الْمُنَابَذَةُ: طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ، وَفِي بَعْضِهَا يَجْتَمِعُ مُفْسِدَانِ: الْجَهَالَةُ، وَالتَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مَا قُلْتَهُ، أَوْ مَا أَنْبِذُهُ إِلَيْكَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ (وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ» وَهَلْ هُوَ فِي الْأَرْضِ، أَوِ الثِّيَابِ؟ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُؤَلِّفُ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا) وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَعْدِنِ وَحِجَارَتِهِ، وَالسَّلَفُ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ وَلِلْجَهَالَةِ، وَلَا عَبْدًا (مِنْ عَبِيدٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ وَسَوَاءٌ قَلُّوا، أَوْ كَثُرُوا وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ يَصِحُّ إِنْ تَسَاوَتِ الْقِيمَةُ، وَفِي مُفْرَدَاتِ أَبِي الْوَفَاءِ يَصِحُّ عَبْدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (وَلَا شَاةً مِنْ قَطِيعٍ، وَلَا شَجَرَةً مِنْ بُسْتَانٍ) لِلْجَهَالَةِ (وَلَا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلَّا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا هَذَا الْقَطِيعَ إِلَّا شَاةً) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ وَيُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ شَاةً مِنَ الْقَطِيعِ تَخْتَارُهَا وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ بَيْعُ السَّوَاقِطِ لِلْأَثَرِ (وَإِنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ) كَقَوْلِهِ: إِلَّا هَذَا الْعَبْدَ، أَوْ إِلَّا فُلَانًا وَهُمَا
مُعَيَّنٍ، وَلَا هَذَا الْقَطِيعَ إِلَّا شَاةً، إِنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ جَازَ، إِنْ بَاعَهُ قَفِيزًا
[المبدع في شرح المقنع]
يَعْرِفَانِهِ (جَازَ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ لِكَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا فَيَنْتَفِي الْمُفْسِدُ (وَإِنْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، صَحَّ) وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " وَزَادَ إِنْ عَلِمَا زِيَادَتَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُرَادٌ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِنْ جُمْلَةٍ، فَصَحَّ بَيْعُهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ مِنْهَا جُزْءًا مُشَاعًا، وَشَرَطَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ يَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ صُبْرَةِ بَقَّالِ الْقَرْيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهَا مُخْتَلِفَةً، وَقِيلَ: بَلَى فَلَوْ تَلِفَتِ الصُّبْرَةُ إِلَّا قَفِيزًا فَهُوَ الْمَبِيعُ، وَلَوْ فَرَّقَ الْقَفْزَانِ فَبَاعَهُ أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا؛ فَاحْتِمَالَانِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الصُّبْرَةُ الْكَوْمَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنَ الطَّعَامِ سُمِّيَتْ صُبْرَةً لِإِفْرَاغِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّحَابِ فَوْقَ السَّحَابِ: صَبِيرٌ وَيُقَالُ: صَبَّرْتُ الْمَتَاعَ إِذَا جَمَعْتَهُ وَضَمَمْتَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
(وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلَّا قَفِيزًا، أَوْ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاعًا) أَوْ ثَمَرَةَ الْبُسْتَانِ إِلَّا صَاعًا (لَمْ يَصِحَّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَدَلِيلُهُ الْخَبَرُ (وَعَنْهُ: يَصِحُّ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ» وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْوَفَاءِ الْمَذْهَبَ فِي رَطْلٍ مِنَ اللَّحْمِ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي آصُعٍ مِنْ بُسْتَانٍ كَاسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مُشَاعٍ، وَلَوْ فَوْقَ ثُلُثِهَا وَكَمَبِيعِ صُبْرَةٍ بِأَلْفٍ إِلَّا بِقَدْرِ رُبْعِهِ لَا مَا يُسَاوِيهِ لِجَهَالَتِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَثْنَى مِنَ الْحَائِطِ شَجَرَةً مُعَيَّنَةً، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ (وَإِنْ
مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، صَحَّ.
وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلَّا قَفِيزًا، أَوْ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاعًا لَمْ يَصِحَّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَإِنْ بَاعَهُ أَرْضًا إِلَّا جَرِيبًا، أَوْ جَرِيبًا مِنْ أَرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانها، صَحَّ وَكَانَ مُشَاعًا فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ بَاعَهُ حَيَوَانًا مَأْكُولًا إِلَّا
[المبدع في شرح المقنع]
بَاعَهُ أَرْضًا إِلَّا جَرِيبًا، أَوْ) بَاعَهُ (جَرِيبًا مِنْ أَرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانَهَا، صَحَّ) فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إِذَا كَانَتْ عَشَرَةَ أَجْرِبَةٍ فَفِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ عُشْرَهَا (وَكَانَ مُشَاعًا فِيهَا) لِإِشَاعَةِ الْجُزْءِ الْمُبَاعِ (وَإِلَّا) إِذَا لَمْ يَعْلَمَا جُرْبَانَ الْأَرْضِ (لَمْ يَصِحَّ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْأَرْضِ تَخْتَلِفُ، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَتِهِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمُ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَيَّنًا، وَلَا مُشَاعًا، وَفِي بَيْعِ خَشَبَةٍ مِنْ سَقْفٍ وَفَصٍّ مِنْ خَاتَمٍ، الْخِلَافُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ الثَّوْبِ كَالْأَرْضِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ نَقَصَهُ الْقَطْعُ فَلَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَّا بِضَرَرٍ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعَ الرِّضَى بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْهَا، وَعَيَّنَ الِابْتِدَاءَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الِانْتِهَاءَ لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ بِعْتُكَ نِصْفَ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي تَلِينِي قَالَهُ الْمَجْدُ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ نَصِيبِي أَوْ سَهْمِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِنْ بَاعَهُ حَيَوَانًا مَأْكُولًا إِلَّا رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ، صَحَّ) فِي الْمَنْصُوصِ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ فَاشْتَرَيَا مِنْهُ شَاةً، وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا» رَوَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْلُومَانِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَةً مُعَيَّنَةً، وَكَوْنُهُ لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ اسْتِثْنَائِهِ كَالثَّمَرَةِ قَبْلَ تَأْبِيرِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ ذَبْحِهَا لَمْ
رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ، صَحَّ.
وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهُ أَوْ شَحْمَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا
[المبدع في شرح المقنع]
يُجْبَرْ وَيَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ عَلَى التَّقْرِيبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الذَّبْحَ، فَإِنِ اشْتَرَطَهُ لَزِمَهُ وَدَفَعَ الْمُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَيْهِ مُسْتَحَقٌّ وَلِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ بِعَيْبٍ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمُسْتَثْنَى، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَيَتَوَجَّهُ لَا فسخ له، وَأنَّهُ إِنْ لَمْ يَذْبَحْهُ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ.
[اسْتِثْنَاءُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الصَّفْقَةِ]
(وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهُ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أُمِّهِ، أَوْ حَيَوَانٍ (أَوْ شَحْمَهُ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ وَقَدْ نُهِيَ عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَيَدِهَا، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ صِحَّتَهُ فِي الْحَمْلِ لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بَاعَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعِتْقِ، فَكَذَا هُنَا، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى حَمْلَهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ فِي الْعِتْقِ الصِّحَّةَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَمْنَعُهُ الْجَهَالَةُ وَلَا الْعَجْزُ عَنِ التَّسْلِيمِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ أَمَةً حَامِلَةً بِحُرٍّ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مُسْتَثْنًى، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ، وَجَهَالَةُ الْحَمْلِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَثْنَى بِالشَّرْعِ مَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِاللَّفْظِ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَمَةً مُزَوَّجَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَمَنْفَعَةُ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ.
مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ بَيْعُ حَيَوَانٍ مَذْبُوحٍ أَوْ لَحْمِهِ أَوْ جِلْدِهِ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " لَا يَصِحُّ بَيْعُ لَحْمٍ فِي جِلْدٍ، أَوْ مَعَهُ اكْتِفَاءً بِرُؤْيَةِ الْجِلْدِ بَلْ مَعَ رُءُوسٍ وَسُمُوطٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي حَيَوَانٍ مَذْبُوحٍ: يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ جِلْدِهِ، كَمَا قَبْلَ الذَّبْحِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَجَوَّزَ بَيْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا.
مَسْأَلَةٌ: بَاعَ سِمْسِمًا وَاسْتَثْنَى الْكَسْبَ، أَوِ الشَّيْرَجَ لَمْ يَصِحَّ (وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ) كَالرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ وَلِكَوْنِهِ مِنْ
مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ وَبَيْعُ الْبَاقِلَاءِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرَتِهِ، وَالْحَبُّ الْمُشْتَدُّ فِي سُنْبُلِهِ.
فَصْلٌ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، فَإِنْ بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا، أَوْ بِأَلْفٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً، أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ، أَوْ بِدِينَارٍ
[المبدع في شرح المقنع]
مَصْلَحَتِهِ وَيَفْسُدُ بِإِزَالَتِهِ (وَبَيْعُ الْبَاقِلَاءِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ) وَالْفُسْتُقِ (فِي قِشْرَتِهِ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» . فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَسْتُورَةً بِغَيْرِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُبَاعُ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِحَائِلٍ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ أَشْبَهَ الرُّمَّانَ (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (الْحَبِّ الْمُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ) «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الِاشْتِدَادَ غَايَةً لِلْبَيْعِ» وَمَا بَعْدَه الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، فَوَجَبَ زَوَالُ الْمَنْعِ.
[السَّابِعُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا]
فَصْلٌ (السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِهِ كَالْمَبِيعِ وَكَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ يُحْتَمَلُ رَدُّهُ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَعْلُومًا لَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ بِهِ (فَإِنْ بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا) هُوَ بِمَعْنَى الْمَرْقُومِ؛ أَيِ: الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا وَهُمَا يَجْهَلَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً) لِأَنَّ مِقْدَارَ كَلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَلْفِ مَجْهُولٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِمِائَةٍ بَعْضُهَا ذَهَبٌ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى إِسْلَامِ ثَمَنٍ فِي جِنْسَيْنِ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ إِقْرَارَهُ بِذَلِكَ مُنَاصَفَةً، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مِثْلُهُ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمِائَةٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا (أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ) أَيْ: بِمَا يَقِفُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ) هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ الْمُحَدِّثِ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِيهِنَّ، وَقِيلَ: يَصِحُّ،
مُطْلَقٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ، لَمْ يَصِحَّ.
. . فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدٌ وَاحِدٌ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً، أَوْ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ كَنِكَاحٍ (أَوْ بِدِينَارٍ مُطْلَقٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ حَالَ الْعَقْدِ، وَالْعِلْمُ بِهِ شَرْطٌ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَقْدٌ غَالِبٌ، فَإِنْ كَانَ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَصَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مُطْلَقًا وَلَهُ الْوَسَطُ، وَعَنْهُ: الْأَدْنَى (فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدٌ وَاحِدٌ انْصَرَفَ إِلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ بِانْفِرَادِهِ وَعَدَمِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ كَالْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ بِوَزْنِ صَنْجَةٍ لَا يَعْلَمَانِ وَزْنَهَا وَبِصُبْرَةٍ ثَمَنًا فِي الْأَصَحِّ، وَمِثْلُهُ مَا يَسَعُ هَذَا الْكَيْلَ وَنَصُّهُ: يَصِحُّ بِمَوْضِعٍ فِيهِ كَيْلٌ مَعْرُوفٌ وَبِنَفَقَةِ عَبْدِهِ شَهْرًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَلَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ عِنْدَ تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ (وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ صِحَاحًا، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ مُكَسَّرَةً، أَوْ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ عِشْرِينَ نَسِيئَةً لَمْ يَصِحَّ) فِي الْمَنْصُوصِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَمَا فَسَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا عَلَى أَحَدِهِمَا، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) هَذَا تَخْرِيجٌ لِأَبِي الْخَطَّابِ مِنْ رِوَايَةِ: إِنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ، فَيَلْحَقُ بِهِ الْبَيْعُ فَيَكُونُ وَجْهًا فِي الصِّحَّةِ وَتَرَدَّدَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْعَقْدَ، ثُمَّ يُمْكِنُ صِحَّتُهُ لِكَوْنِهِ جَعَالَةً يُحْتَمَلُ فِيهَا الْجَهَالَةُ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأُجْرَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقَعَ عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ عِوَضًا لَهُ فلا يفضي إِلَى التَّنَازُعِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِوَضِ فِي
عِشْرِينَ نَسِيئَةً، لَمْ يَصِحَّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، إِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ، كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَالْقَطِيعَ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، وَالثَّوْبَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ؛ صَحَّ، وإِنْ بَاعَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَعَالَةِ شَرْطٌ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ، وَالْقَبُولَ أَيْضًا فِي الْبَيْعِ إِلَّا عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ فَيُعَيَّنُ مَا سُمِّيَ لَهَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، إِذِ الْعِلْمُ بِهِ فِي الْجَعَالَةِ لَيْسَ شَرْطًا مُطْلَقًا بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةِ كَذَا فَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ (وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَالْقَطِيعَ كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمِ، وَالثَّوْبَ كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَالثَّمَنَ مَعْلُومٌ لِإِشَارَتِهِ إِلَى مَا يُعْرَفُ مَبْلَغُهُ بِجِهَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْعَدَدُ وَالذرعُ، وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا قَدْرَ الصُّبْرَةِ وَالْقَطِيعِ وَالثَّوْبِ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَا رَأْسُ مَالِهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مُرَابَحَةً لِكُلِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمٌ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْحِسَابِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ فِي الْحَالِ (وَإِنْ بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ) وَكَذَا مَعْطُوفَيْهِ (لَمْ يَصِحَّ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ " وَكَلَّ " لِلْعَدَدِ فَيَكُونُ مَجْهُولًا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ الْكُلُّ لَا الْبَعْضُ فَانْتَفَتِ الْجَهَالَةُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ، كَمَا إِذَا أَجَّرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ: " إِذَا بَاعَهُ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا، بِخِلَافِ مِنَ الدَّارِ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ كُلَّهَا، وَلَا قَدْرًا مَعْلُومًا بِخِلَافِ: أَجَّرْتُكَ دَارِي كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فَقَطْ لِلْعِلْمِ بِهِ وَبِقِسْطِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ قَفِيزًا أَوْ أَنْقُصَكَهُ لَمْ يَصِحَّ فَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ أَزِيدَكَ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ وَوَصَفَهُ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ بِهَا، صَحَّ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ وَقَفِيزًا مِنَ الْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ، فَإِنْ عَلِمَا جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ؛
مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ؛ لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا؛ لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
صَحَّ فَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنْ أَنْقُصَكَ مِنْهَا قَفِيزًا صَحَّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا مَعَ جَهْلِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِقَدْرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ رُؤْيَةِ بَاطِنِهَا بِخِلَافِ الثَّوْبِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ بَيْعُهَا إِذَا تَسَاوَى مَوْضِعُهَا، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ بَلْ إِنْ ظَهَرَ تَحْتَهَا رَبْوَةٌ، أَوْ فِيهَا حَجَرٌ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَاطِنَهَا رَدِيئًا؛ نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِابْنِ عَقِيلٍ: احْتِمَالٌ يَرْجِعُ بِمِثْلِ مَا فَاتَ إِذَا أَمْكَنَ، فَإِنْ بَانَ بَاطِنُهَا خَيْرًا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْبَائِعِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَإِذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا جُزَافًا عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: يَصِحُّ بَيْعُ دُهْنٍ وَنَحْوِهِ فِي ظَرْفٍ مَعَهُ مُوَازَنَةُ كُلِّ رِطْلٍ بِكَذَا مَعَ عِلْمِهَا بِمَبْلَغِهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ إِنْ عَلِمَا زِنَةَ الظَّرْفِ، وَإِنْ بَاعَهُ كُلَّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَزِنَ الظَّرْفَ فَيَحْسِبُ بِوَزْنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ مَبِيعًا، فَيَصِحُّ إِنْ عَلِمَا مَبْلَغَهُ، وَإِلَّا فَلَا لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ، وَإِنْ بَاعَهُ جُزَافًا بِظَرْفِهِ، أَوْ دُونَهُ صَحَّ، أَوْ بَاعَهُ فِي ظَرْفِهِ كُلَّ رِطْلٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَطْرَحَ مِنْهُ وَزْنَ الظَّرْفِ، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَرْعٌ: اشْتَرَى سَمْنًا أَوْ زَيْتًا فِي ظَرْفٍ فَوَجَدَ فِيهِ رُبًّا، صَحَّ فِي الْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَلَهُ الْخِيَارُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُ الرُّبِّ، وَأَلْزَمَهُ شُرَيْحٌ بِقَدْرِهِ سَمْنًا، وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) وَمِثْلَهُ بِدِينَارٍ إِلَّا دِرْهَمًا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولَةٌ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْجَهْلِ بِهَا الْجَهْلُ بِالثَّمَنِ، وَالْعِلْمُ بِهِ شَرْطٌ (وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) مِنَ الْإِقْرَارِ إِذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرَقٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ (أَنَّهُ يَصِحُّ) فِي الْبَيْعِ
يَصِحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ.
فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ:
أَحَدُهَا: بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا؛ فَلَا يَصِحُّ.
الثَّانِيَةُ: بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا،
[المبدع في شرح المقنع]
كَسَائِرِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَعَلَى هَذَا تُحْذَفُ قِيمَةُ الْمُسْتَثْنَى، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كُلَّهُ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاء من غير الجنس الْجِنْسِ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْمُنَجَّا تَخْرِيجَ صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنَ الْإِقْرَارِ قَالَ: لِأَنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ فَقِيلَ: بِاتِّحَادِ النَّقْدَيْنِ وَكَوْنِهِمَا قِيَمَ الْأَشْيَاءِ وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ قِيمَةَ الذَّهَبِ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا اسْتُثْنِيَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ لَمْ يُؤَدِّ الْجَهَالَةَ غَالِبًا، وَعَلَى كِلَيْهِمَا لَا يَجِيءُ صِحَّةُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لَهُ الْجَهْلُ فِي حَالِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ حَالَ الْعَقْدِ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَهُ بِالثَّمَنِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ وَفِيهِ شَيْءٌ.
فَرْعٌ: إِذَا أَسَرَّا ثَمَنًا بِلَا عَقْدٍ، ثُمَّ عَقَدَاهُ بِآخَرَ فَالْأَوَّلُ هُوَ الثَّمَنُ، وَلَوْ عَقَدَاهُ سِرًّا بِثَمَنٍ وَعَلَانِيَةً بِأَكْثَرَ فَكَنِكَاحٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
[فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ]
ِ الصَّفْقَةُ: الْمَرَّةُ مِنْ صَفَقَ لَهُ بِالْبَيْعَةِ، وَالْبَيْعُ: ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ وَهِيَ عَقْدُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ، وَمَعْنَى تَفْرِيقِهَا أَيْ: تَفْرِيقُ مَا اشْتَرَاهُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ؛ أَحَدُهَا: بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا) يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ (فَلَا يَصِحُّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْضُهُ مَجْهُولًا يَكُونُ كُلُّهُ كَذَلِكَ، إِذِ الثَّمَنُ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَبِيعِ بِالْقِيمَةِ، وَالْمَجْهُولُ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ، فَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ ثَمَنِ الْمَعْلُومِ، فَلَوْ قَالَ: كُلٌّ مِنْهُمَا بِكَذَا فَوَجْهَانِ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ اتِّحَادُ
أَوْ مَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ بِقِسْطِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إذا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
الثَّالِثَةُ: بَاعَ عَبْدَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّفْقَةِ، أَوْ جَهَالَةُ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ قُلْتُ: وَكَذَا إِذَا بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَرِطْلِ خَمْرٍ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي حَقِّنَا اتِّفَاقًا، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ بَلْ يَبْقَى الْعَقْدُ بِالْمِائَةِ وَيَبْقَى الرِّطْلُ شَرْطًا فَاسِدًا، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَتَخَرَّجُ صِحَّةُ الْعَقْدِ فَقَطْ عَلَى رِوَايَةِ (الثَّانِيَةِ: بَاعَ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَعَبْدٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ كَقَفِيزَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَهُمَا، فَيَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ بِقِسْطِهِ) مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَهَالَةً فِي الثَّمَنِ لِانْقِسَامِهِ هُنَا عَلَى الْأَجْزَاءِ (فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِكَوْنِ الثَّمَنِ مَعْلُومًا وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّورَةِ الْأُولَى.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَرَامًا وَحَلَالًا فَغَلَبَ الْحَرَامُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهُمَا فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ بَطَلَتْ فِي الْكُلِّ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَفِي " الشَّرْحِ: " هُمَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ هَلْ يَفْسُدُ فِيهِمَا، أَوْ يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ؛؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ هُنَا، كَمَا نَقَلَهُ الْمُعَظِّمُ (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ) بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْسَاكِ (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ وَلِهَذَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَهُ الْأَرْشُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا وَأَمْسَكَ فِيمَا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَيْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَى، وَلَا لِلْبَائِعِ أَيْضًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِقِسْطِهِ (الثَّالِثَةُ: بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) وَكَذَا فِي " الْكَافِي " (أُولَاهُمَا لَا تَصِحُّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ
وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ خَلًّا وَخَمْرًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
أُولَاهُمَا: لَا يَصِحُّ.
وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ فِي عَبْدِهِ وَفِي الْخَلِّ بِقِسْطِهِ، وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، إِنْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ وَصَرْفٍ؛
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا فَغَلَبَ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ لِكَوْنِهِ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالتَّقْسِيطِ عَلَى الْقِيمَةِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ فِي الْحَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالرَّقْمِ الْمَجْهُولِ (وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ فِي عَبْدِهِ، وَفِي الْخَلِّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمٌ مُفْرَدٌ، فَإِذَا اجْتَمَعَا بَقِيَا عَلَى حُكْمِهِمَا، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا (بِقِسْطِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُقَابِلُهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ بِالثَّمَنِ، وَالْأَشْهَرُ الْأَوَّلُ، وَالْخَمْرُ قِيلَ: تُقَدَّرُ خَلًّا كَالْحُرِّ عَبْدًا، وَقِيلَ: تعتبر قِيمَتُهَا عِنْدَ مَنْ لَهَا قِيمَةٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ صَاحِبِ " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: إِنْ عَلِمَا بِالْخَمْرِ لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لِمُشْتَرِ الْخِيَارِ (وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ جُمْلَةَ الْمَبِيعِ تُقَابِلُ جُمْلَةَ الثَّمَنِ من غير تَقْسِيط، وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرِكُ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ فَلَا جَهَالَةَ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَا لِوَاحِدٍ فَعَلَيْهِ يُقَسِّطُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ، وَمِثْلُهُ بَيْعُ عَبْدَيْهِ لِاثْنَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدًا وَاشْتَرَاهُمَا مِنْهُمَا، وَفِيهَا فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَجْهٌ عَلَى عَدَدِهِمَا فَيَتَوَجَّهُ فِي غَيْرِهَا، وَمِثْلُهَا فِي الْإِجَارَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ جَمَعَ)
صَحَّ فِيهِمَا وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَفِي الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
بِعِوَضٍ وَاحِدٍ (بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ وَصَرْفٍ، صَحَّ فِيهِمَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ، فَجَازَ أَخْذُهُ عَنْهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ كَالْعَبْدَيْنِ، وَاخْتِلَافُ حُكْمِهِمَا لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ، وَمَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ (وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَيَبْطُلُ فِيهِمَا، فَإِنَّ الْمَبِيعَ فِيهِ خِيَارٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْبَيْعِ، وَالصَّرْفُ بِخِلَافِهِ، فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَخُلْعٍ؛ صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ.
وَفِي الْبَيْعِ وَجْهَانِ (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ، فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً بَطَلَ الْبَيْعُ) فِي الْأَصَحِّ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَهُ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ من غير كتابة (وَفِي الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ بَطَلَ فِي بَعْضِهِ فَبَطَلَ فِي كُلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ وُجِدَ فِي الْبَيْعِ فَاخْتُصَّ بِهِ، وَقِيلَ: نَصُّهُ صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَالْكِتَابَةُ وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَى قِيمَتِهِمَا.
فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِهَا، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
[الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بَعْدَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
فَصْلٌ (وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ) وَالشِّرَاءُ (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ) وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ وُجِدَ الْقَبُولُ (بَعْدَ نِدَائِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] فَنَهَى عَنِ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى فَوَاتِهَا، أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا وَكِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ نُهِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ عِبَادَةٍ، فَكَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ كَالنِّكَاحِ الْمُحَرَّمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، وَعَنْهُ: بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي زَادَهُ عُثْمَانُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَعَنْهُ: أَوِ الْوَقْتِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَ " التَّرْغِيبِ " بِالْوَقْتِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ أَنْوَاعِهِ حَتَّى الْإِقَالَةِ إِنْ قِيلَ: هِيَ بَيْعٌ، وَكَذَا الْإِجَارَةُ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ حَتَّى شُرْبَ الْمَاءِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ كَمُضْطَرٍّ إِلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ وَعُرْيَانٍ يَجِدُ سُتْرَةً، وَكَفَنِ مَيِّتٍ وَتَجْهِيزِهِ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ، وَشِرَاءِ أَبِيهِ لِيُعْتِقَ عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ، وَمَرْكُوبٍ لِعَاجِزٍ أَوْ ضَرِيرٍ لَا يَجِدُ قَائِدًا عَلَى احْتِمَالٍ لِابْنِ عَقِيلٍ فِيهِ وَقَوْلُهُ: مِمَّنْ تَلْزَمُهُ يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ فِي قَرْيَةٍ لَا جُمْعَةَ عَلَيْهِمُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ بِالسَّعْيِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً: (بَلَى) لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ نِدَاءِ غَيْرِهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَا كَهِيَ، وَإِنْ تَضَيَّقَ وَقْتُهَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ لَا فِيهِ، وَيَحْرُمُ ارْتِكَابُهُ كَمُسَاوَمَةٍ وَمُفَادَاةٍ بَعْدَ نِدَائِهَا.
(وَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ) كَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَاخْتِيَارِ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ (فِي أَصَحِّ
أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَلَا بَيْعُ سلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ، وَلَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِلُّ وُقُوعُهُ، فَلَا تَكُونُ إِبَاحَتُهُ ذَرِيعَةً إِلَى مَا ذَكَرَ فِي الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ لَا يُسَاوِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ.
[بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا]
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا) قَطْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وَهَذَا مَعُونَةٌ عَلَى الْإِثْمِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا؛ وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعْصِيَةُ أَشَبَهَ إِجَارَةَ الْأَمَةِ لِلزِّنَى أَوْ لِلْغِنَاءِ، وَالْمَذْهَبُ إِذَا عُلِمَ؛ أَيْ: تَحَقَّقَ، وَقِيلَ: أَوْ ظَنَّ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ وَشِرَاءَهُ بَاطِلٌ إِجْمَاعًا، وَلَوْ مِنْ وَكِيلٍ لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَلَا بَيْعَ سِلَاحٍ فِي الْفِتْنَةِ) أَيْ: بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْهُ قَالَهُ أَحْمَدُ قَالَ: وَقَدْ يَقْتُلُ بِهِ وَلَا يَقْتُلُ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ ذَرِيعَةٌ لَهُ (وَلَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ) أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ) فِي الْجَمِيعِ (مَعَ التَّحْرِيمِ) كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْعَيْبَ وَقَاسَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَلَى الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إِذْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا.
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ مَأْكُولٍ وَمَشْمُومٍ لِمَنْ يَشْرَبُ عَلَيْهِمَا الْمُسْكِرَ، وَأَقْدَاحٍ لِمَنْ يَشْرَبُ بِهَا، وَجَوْزٍ وَبَيْضٍ لِقِمَارٍ وَأَمَةٍ وَأَمْرَدَ لِوَطْءِ دُبُرٍ أَوْ غِنَاءٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ جَارِيَةً مُغَنِّيَةً وَصَغِيرًا وَقَدِ احْتَاجَ إِلَى بَيْعِهَا فَقَالَ: يَبِيعُهَا عَلَى أَنَّهَا سَاذِجَةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِنَقْصِ قِيمَتِهَا.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا، فَمَنَعَ ابْتِدَاؤُهُ كَالنِّكَاحِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَعَنْهُ: يُؤْمَرُ بِبَيْعِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ وَكِلَهُ مُسْلِمٌ فَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ، وَهُوَ وَجْهٌ، وَالْآخَرُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وَاسِطَةٌ، وَفِي
لِكَافِرٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ.
. . وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.
وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
ثَالِثٍ: إِنْ سمى الْمُوَكِّل فِي الْعَقْدِ صَحَّ، وَفِي الْوَاضِحِ إِنْ كَفَرَ بِعِتْقٍ وُكِلَ مَنْ يَشْتَرِيهِ لَهُ وَيُعْتِقُهُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ) بِالشِّرَاءِ (فَيَصِحُّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ حُرِّيَّةِ الْمُسْلِمِ، وَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ ثُبُوتُ مِلْكٍ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَعِبَارَتُهُ شَامِلَةٌ لِمَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشِرَائِهِ، وَفِي شُمُولِهَا لِمَنِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ نَظَرٌ (وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ) سَوَاءٌ كَانَ بِيَدِهِ، أَوْ بِيَدِ مُشْتَرِيهِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ (أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] وَلِأَنَّ فِي إِبْقَائِهِ فِي مِلْكِهِ صَغَارًا لِلْمُسْلِمِ (وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تُزِيلُ مِلْكَ السَّيِّدِ عَنْهُ بَلْ يَبْقَى إِلَى الْأَدَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (وَقَالَ الْقَاضِي) : وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِعِتْقِهِ، وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ يَدَهُ عَنْهُ أَشْبَهَ إِعْتَاقَهُ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ لِآخَرَ اشْتَرِنِي مِنْ فُلَانٍ فَإِنِّي عَبْدُهُ فَاشْتَرَاهُ فَبَانَ حُرًّا، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعُهْدَةُ حَضَرَ الْبَائِعُ أَوْ غَابَ، كَقَوْلِهِ: اشْتَرِ مِنْهُ عَبْدَهُ هَذَا وَيُؤَدَّبُ هُوَ وَبَائِعُهُ، لَكِنْ مَا أَخَذَهُ الْمُقِرُّ غَرِمَهُ؛ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَسَأَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ عَنْ رَجُلٍ يُقِرُّ بِالْعُبُودِيَّةِ حَتَّى يُبَاعَ قَالَ: يُؤْخَذُ الْبَائِعُ وَالْمُقِرُّ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ غَابَ أَخَذَ الْآخَرُ بِالثَّمَنِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَإِنْ كَانَ الْغَارُ أُنْثَى حُدَّتْ وَلَا مَهْرَ؛ نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَرَهِنَهُ فَيَتَوَجَّهُ كَبَيْعٍ.
يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سلعة بِعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ، وَلَا شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سلعة بِتِسْعَةٍ: عِنْدِي فِيهَا عَشَرَةٌ؛ لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
[بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ]
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ وَإِفْسَادِ بَيْعِهِ، فَحَرُمَ كَشَتْمِهِ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِمَنِ اشْتَرَى سلعة بِعَشَرَةٍ أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ (وَلَا) يَجُوزُ (شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْخَاطِبِ، وَالْبَيْعُ يَقَعُ عَلَى الشِّرَاءِ وَيُسَمَّى الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بَيِّعَيْنِ (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سلعة بِتِسْعَةٍ عِنْدِي فِيهَا عَشَرَةٌ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلشِّرَاءِ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ (لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ) وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ؛ أَيْ: فِي مُدَّةِ الْخِيَارَيْنِ، فَإِذَا انْبَرَمَ، فَلَا (فَإِنْ فَعَلَ) مَا نُهِيَ عَنْهُ (فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ) الثَّانِي؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَفِي " الْبُلْغَةِ " رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى سَمُرَةُ مَرْفُوعًا قَالَ: «أَيَّمَا رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهُوَ عَامٌ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَبَعْدَهُ، وَالْآخَرُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ أَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ، وَإِنْ رَدَّهُ أَوْ بَذَلَ لِمُشْتَرٍ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا فَوَجْهَانِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِلْمُشْتَرِي