وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ، ثُمَّ جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ.
وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَا إِذَا مَرِضَ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْأَعْرَابِيَّ بِالْكَفَّارَةِ.
وَلَمْ يَسْأَلْهُ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأِ الْعُذْرُ.
لَا يُقَالُ: تَبَيَّنَا أَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عِنْدَ الْجِمَاعِ لِأَنَّ الصَّادِقَ لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ لَمْ يَجُزِ الْفِطْرُ، وَالصَّوْمُ لَا تَتَحَرَّى صِحَّتُهُ، بَلْ لُزُومُهُ كَصَائِمٍ صَحَّ أَوْ أَقَامَ، وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ إِذَا حَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَجْهٌ يَسْقُطُ بِهِمَا لِمَنْعِهِمَا الصِّحَّةَ، وَمِثْلُهُمَا مَوْتٌ، وَكَذَا جُنُونٌ إِنْ مَنَعَ طَرَيَانَهُ الصِّحَّةُ، (وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) فَلَهُ الْفِطْرُ بِمَا شَاءَ لِفِطْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَهُ الْأَكْلُ لَهُ الْجِمَاعُ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ (ثُمَّ جَامَعَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِيهِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالتَّطَوُّعِ لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّتِهِ الْفِطْرَ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَهُ، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) جَزَمَ بِهَا بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ، فَلَزِمَتْهُ كَالْحَاضِرِ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى السَّفَرِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ، لَكِنْ لَهُ الْجِمَاعُ بَعْدَ فِطْرِهِ بِغَيْرِهِ كَفِطْرِهِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، وَنُقِلَ مِنْهَا فِي الْمَرِيضِ: يُفْطِرُ بِأَكْلٍ فَقُلْتُ: يُجَامِعُ؛ قَالَ: لَا أَدْرِي.
(وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ، وَحَكَى فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا فِي قَضَائِهِ إِذَا أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا كَالْحَجِّ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْكَفَّارَةِ، وَالْقَضَاءُ يُفَارِقُ الْأَدَاءَ؛
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ، وَعَنْهُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ، أَجْزَأَهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِزَمَانِ مُحْتَرَمٍ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا كَالْجِمَاعِ، وَعَنْهُ: فِي الْمُحْتَجِمِ - إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ - عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهَلْ هِيَ كَفَّارَةُ وَطْءٍ أَوْ مُرْضِعٍ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الْقُبْلَةِ، وَتَكْرَارِ النَّظَرِ إِذَا أَنْزَلَ رِوَايَةٌ أَنَّهَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَحُكْمُ الِاسْتِمْنَاءِ كَالْقُبْلَةِ قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَاللَّمْسُ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ.
[كَفَّارَةُ الجماع في رمضان]
(وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ) وَيَأْتِي سَلَامَتُهَا وَكَوْنُهَا مُؤْمِنَةً (فَمنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا أَهْلَكَكَ؛ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا، فَقَالَ: عَلَى أَفْقَرِ مِنَّا، فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّرْتِيبِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْتِقَالِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَكَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، لَكِنْ لَا يَحْرُمُ هُنَا الْوَطْءُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وَلَا فِي لَيَالِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَحَرَّمَهُ ابْنُ الْحَنْبَلِيِّ عُقُوبَةً، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ وَهُوَ فِي الصِّيَامِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَيْئًا (سَقَطَتِ) الْكَفَّارَةُ (عَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَأْمُرِ الْأَعْرَابِيَّ بِهَا أَخِيرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، زَادَ بَعْضُهُمْ بِالْمَالِ، وَقِيلَ: وَالصَّوْمُ (وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ) وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِهَا الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا جَاءَهُ الْعِرْقُ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُ بِعُسْرَتِهِ، وَلِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا
بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فِعْلُهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ وَحُكْمُ الْقَضَاءِ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ، وَأَنْ يَبْلَعَ النُّخَامَةَ، وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟
[المبدع في شرح المقنع]
كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَظْهَرُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَوْ كَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، وَقِيلَ: أَوْ دُونَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، أَمْ كَانَ خَاصًّا بِالْأَعْرَابِيِّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَخَصَّ لِلْأَعْرَابِيِّ لِحَاجَتِهِ، وَلَمْ تَكُنْ كَفَّارَةٌ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ، وَكَفَّارَاتِ الْحَجِّ لَا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهُ الْقِيَاسُ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلْأَخْبَارِ.
وَعَنْهُ: تَسْقُطُ كَرَمَضَانَ.
(وَعَنْهُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ) بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ (فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ) لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» . وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ، وَتَابَعَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَفِطْرُهُ كَانَ بِجِمَاعٍ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُخَالَفَةِ فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَالْأَوْزَاعِيُّ والليث وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمْ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا رَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، وَذَكَرَ سَائِرَهُ» ، وَهَذَا لَفْظُ التَّرْتِيبِ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنَ احْتِمَالِهِ فِي سَائِرِ أَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا لَفْظُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَحَدِيثُهُمْ لَفْظُ الرَّاوِي، فَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرَوَاهُ بِـ " أَوْ ".
[بَابُ مَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فِعْلُهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ وَحُكْمُ الْقَضَاءِ]
ِ. (يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْفِطْرِ بِهِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصْدًا، وَبِأَنَّهُ إِذَا ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ، (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَبْلَعَ النُّخَامَةَ) إِذَا حَصَلَتْ فِي فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْفِطْرِ بِهَا، (وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟) أَيْ: بِكُلٍّ مِنَ الرِّيقِ
عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ، وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَيُكْرَهُ مَضْغُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَجْمُوعِ، وَالنُّخَامَةِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي الرِّيقِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاصِلٍ مِنْ خَارِجٍ أَشْبَهَ إِذَا لَمْ يَجْمَعْهُ، وَالثَّانِي: يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الدَّقِيقِ، فَعَلَيْهَا: يَحْرُمُ فِعْلُهُ كَمَا لَوْ خَرَجَ إِلَى بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَوْ شَفَتَيْهِ، وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " ظَاهِرُ شَفَتَيْهِ ثُمَّ عَادَ فَابْتَلَعَهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ كَبَلْعِ رِيقِ غَيْرِهِ.
لَا يُقَالُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا» لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، بَلْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصُّهُ في غير حَالَة الصَّوْمِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيُحْمَلُ عَلَى عَدَمِ ابْتِلَاعِ مَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ فِيهِ حَصَاةً أَوْ دِرْهَمًا أَوْ خَيْطًا ثُمَّ أَعَادَهُ، فَإِنْ كَثُرَ مَا عَلَيْهِ، أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا، فِي الْأَصَحِّ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ انْفِصَالِهِ، وَدُخُولِهِ إِلَى حَلْقِهِ كَالْمَضْمَضَةِ، وَلَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ مَحَلِّهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ خِلَافَهُ، (وَأَمَّا النُّخَامَةُ) فَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَطْلَقَ الْخِلَافَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُفْطِرُ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جَوْفِهِ أَوْ صَدْرِهِ أَوْ دِمَاغِهِ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى فِيهِ، وَصَرَّحَ فِي " الْفُرُوعِ " بِالْفِطْرِ بِالَّتِي مِنْ جَوْفِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ كَالْقَيْءِ، وَالثَّانِيَةُ: لا يُفْطِرُ نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ لِاعْتِيَادِهَا فِي الْفَمِ كَالرِّيقِ، وَعَلَيْهِمَا يَنْبَنِي التَّحْرِيمُ.
فَرْعٌ: إِذَا تَنَجَّسَ فَمُهُ بِدَمٍ أَوْ قَيْءٍ وَنَحْوِهِ، فَبَلَعَهُ، أَفْطَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ؛ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ يَقْتَضِي حَصْرَ الْفِطْرِ بِكُلِّ وَاصِلٍ إِلَيْهِ، لَكِنْ عُفِيَ عَنِ الرِّيقِ لِلْمَشَقَّةِ، وَإِنْ بَصَقَهُ وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا، فَابْتَلَعَ رِيقَهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنَ النَّجَسِ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَلْقِهِ فَيُفْطِرَهُ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ
الْعِلْكِ الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ إِلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: أُحِبُّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا بَأْسَ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ، وَحَكَاهُ هُوَ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ) لِأَنَّ وُجُودَ طَعْمِهِ فِي حَلْقِهِ دَلِيلٌ عَلَى وُصُولِ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَعَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْصِيَ بِالْبَصْقِ.
ثُمَّ إِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، لَمْ يُفْطِرْ كَالْمَضْمَضَةِ، وَإِلَّا فَيُفْطِرُ لِتَفْرِيطِهِ.
(وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ) الْقَوِيِّ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغْتَهُ صَلُبَ، وَقَوِيَ (الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِبُ الْفَمَ، وَيَجْمَعُ الرِّيقَ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ، وَكَوَضْعِ الْحَصَاةِ فِي فِيهِ، وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُعْجِبُنِي.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الصَّائِمِ يَفْتِلُ الْخَيْطَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْزُقَ، (وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) مُطْلَقًا إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاصِدًا لِإِيصَالِ شَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ إِلَى جَوْفِهِ مَعَ الصَّوْمِ، وَهُوَ حَرَامٌ (إِلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إِدْخَالُ ذَلِكَ إِلَى جَوْفِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَى جَوْفِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ، وَهَذَا وَجْهٌ، وَالثَّانِي: لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمُجَرَّدُ الطَّعْمِ لَا يُفْطِرُ كَمَنْ لَطَّخَ بَاطِنَ قَدَمِهِ بِحَنْظَلٍ، بِخِلَافِ الْكُحْلِ، فَإِنَّ أَجْزَاءَهُ تَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ، وَقِيلَ فِي تَحْرِيمِ مَا لَا يَتَحَلَّلُ غَالِبًا، وَفِطْرِهِ بِوُصُولِهِ أَوْ طَعْمِهِ إِلَى حَلْقِهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ بِلَا حَاجَةٍ.
(وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ) لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ فَقَطْ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَإِذَا مُنِعَ الْوَطْءَ، مُنِعَ دَوَاعِيهِ كَالْإِحْرَامِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ
لَا تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ فَإِنْ شُتِمَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي صَائِمٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
ظَنَّ الْإِنْزَالَ مَعَهَا لِفَرْطِ شَهْوَتِهِ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " أَيْضًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَدْ سَبَقَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ إِجْمَاعًا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ) كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَشَبَهَتْ لَمْسَ الْيَدِ لِحَاجَةٍ، وَالثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ الشَّهْوَةِ، وَكَالْإِحْرَامِ، وَأَلْحَقَ فِي " الْكَافِي " بِالْقُبْلَةِ اللَّمْسَ، وَتَكْرَارَ النَّظَرِ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَظَاهِرُهُ إِنْ لَمَسَهَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يُكْرَهُ وِفَاقًا، كَمَا إِذَا لَمَسَ يَدَهَا لِيَعْرِفَ مَوْضِعَهَا وَنَحْوَهُ، وَكَحَالَةِ الْإِحْرَامِ أَشْبَهَ لَمْسَ ثَوْبِهَا.
فَرْعٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَدَعَ بَقِيَّةَ طَعَامٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، وَشَمُّ مَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْذِبَهُ نَفَسُهُ إِلَى حَلْقِهِ كَسَحِيقِ مِسْكٍ، وَكَافُورٍ، وَدُهْنٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِمَا لَا يُطَابِقُ الْمُخْبَرَ عَنْهُ، بِخِلَافِ الصِّدْقِ (وَالْغِيبَةِ) وَهُوَ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ بِمَا يَكْرَهُ، بِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالشَّتْمُ) وَهُوَ السَّبُّ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ النَّمِيمَةِ وَالْفُحْشِ إِجْمَاعًا، وَفِي رَمَضَانَ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ آكَدُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْنَاهُ الزَّجْرُ وَالتَّحْذِيرُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ كَانَتِ الْغِيبَةُ تُفْطِرُ مَا كَانَ لَنَا صَوْمٌ، وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: يُفْطِرُ بِغَيْبَةٍ وَنَمِيمَةٍ، وَنَحْوِهِمَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالٌ: يُفْطِرُ بِكُلِّ مُحَرَّمٍ، وَقَالَ أَنَسٌ إِذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ، أَفْطَرَ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: الْكَذِبُ يُفْطِرُ الصَّائِمَ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ: أَنَّ مَنْ شَاتَمَ فَسَدَ صَوْمُهُ لِظَاهِرِ النَّهْيِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا
فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ وَأَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
رِوَايَةً يُفْطِرُ بِسَمَاعِ الْغِيبَةِ، وَأَسْقَطَ أَبُو الْفَرَجِ ثَوَابَهُ بِالْغِيبَةِ، وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِالِاجْتِنَابِ عَمَّا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى إِبَاحَةِ الْكَذِبِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ فِي مَوَاضِعَ، وَعَلَى إِبَاحَةِ الْغِيبَةِ كَالتَّظَلُّمِ وَالِاسْتِفْتَاءِ، وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرٍ مُنْكَرٍ، وَالتَّحْذِيرِ، وَالتَّعْرِيفِ، وَالْجَرْحِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلَا يُمَارِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَالُوا نَحْفَظُ صَوْمَنَا، وَلَا نَغْتَابُ أَحَدًا، وَلَا نَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ بِهِ صَوْمَهُ.
قَالَهُ أَحْمَدُ.
وَيُسَنُّ لَهُ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَتْرُكُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُقْبِلُ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقْرَأُ سِتِّينَ خَتْمَةً.
وَالذِّكْرُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِيمَا سِوَاهُ.
وَالصَّدَقَةُ، لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا (فَإِنْ شُتِمَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي صَائِمٌ) لِمَا فِي " الصَّحِيحِ ": «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمُطْلَقَ بِاللِّسَانِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقُولُهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَلَا يَطَّلِعُ النَّاسُ عَلَيْهِ لِلرِّيَاءِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَإِلَّا جَهَرَ بِهِ؛ لِلْأَمْنِ مِنَ الرِّيَاءِ، وَفِيهِ زَجْرٌ عَنْ مُشَاتَمَتِهِ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْوَقْتِ.
[اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ وَالتَّتَابُعِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ]
فَصْلٌ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ: إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ إِجْمَاعًا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِأَنَّهُمْ أَفْطَرُوا فِي عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلِأَنَّ مَا عَلَيْهِ أَمَارَةٌ يَدْخُلُهُ الِاجْتِهَادُ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ كَالْقِبْلَةِ، خِلَافًا
يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ
[المبدع في شرح المقنع]
لِصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " فَلَمْ يُجَوِّزْهُ إِلَّا بِالْيَقِينِ بِخِلَافِ أَوَّلِهِ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ الْأَعْلَى أَفْطَرَ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يُطْعَمْ، وَفِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ شَرْعًا فَلَا يُثَابُ عَلَى الْوِصَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهُوَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، (وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ) مَا لَمْ يَخْشَ طُلُوعَ الْفَجْرِ الثَّانِي.
قَالَهُ الْأَصْحَابُ لِأَخْبَارٍ مِنْهَا مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ.
قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ، وَالتَّحَفُّظِ مِنَ الْخَطَأِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَأْكُلُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ الْآجُرِّيُّ لَوْ قَالَ لِعَالِمَيْنِ: ارْقُبَا الْفَجْرَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: طَلَعَ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا.
أَكَلَ حَتَّى يَتَّفِقَا، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَتَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَكَمَالُ فَضِيلَتِهِ بِالْأَكْلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَكْلَةُ السَّحَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِمْسَاكُ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَطَعَ آخَرُونَ بِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْجِمَاعِ وِفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَقَوَّى بِهِ بَلْ يُكْرَهُ مَعَ الشَّكِّ بِخِلَافِ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: السَّحُورُ بِفَتْحِ السِّينِ مَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ، وَبِالضَّمِّ اسْمُ الْفِعْلِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ، وَالْمُرَادُ فِي كَلَامِهِ: الْفِعْلُ فَيَكُونُ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ) لِمَا رَوَى سَلْمَانُ بْنُ
أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يَجِبُ.
[المبدع في شرح المقنع]
عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا الرُّطَبُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ ابْنُ الْمَنْجَا، فَقَالَ: إِنَّ الرُّطَبَ لَا يُوجَدُ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَفِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا تَقْدِيمٌ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، (وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِمَا: تَقَبَّلْ مِنَّا، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَوْلَى، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِذَا أَفْطَرَ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَحَسَّنَ إِسْنَادَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَالْعَمَلُ بِهَذَا الْخَبَرِ أَوْلَى.
وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «وَلِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ مَا تُرَدُّ» .
(وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ) وِفَاقًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يحاكِي الْأَدَاءَ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، وَأَنْجَزُ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَفْطَرَ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ أَوْ لَا، وَيَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهِ الْخِلَافُ كَالصَّلَاةِ، (وَلَا يَجِبُ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
قَالَ: الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرِّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «قَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ» . رَوَاهُ
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ سُفْيَانَ بْنِ بِشْرٍ.
قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا طَعَنَ فِيهِ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إِلَّا بِقَدْرِهِ فَيَتَعَيَّنُ، وَيَقْضِي مَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَدَدَ أَيَّامِهِ مُطْلَقًا فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ قَضَى شَهْرًا هِلَالِيًّا أَجْزَأَهُ مُطْلَقًا وَإِلَّا تَمَّمَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ كَالْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: مَنْ صَامَ مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ كَامِلٍ أَوْ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَ رَمَضَانُ الْفَائِتُ نَاقِصًا أَجْزَأَهُ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ، وَعَلَى الثَّانِي يَقْضِي يَوْمًا تَكْمِيلًا لِلشَّهْرِ بِالْهِلَالِ أَوِ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ.
[تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الْأُولَى إِلَى الثَّانِيَةِ، فَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ قَبْلَهُ، وَلَا يَصِحُّ، وَعَنْهُ: بَلَى إِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَخَّرَهُ بِلَا عُذْرٍ، حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ كَالصَّلَاةِ خُولِفَ فِي الْمَعْذُورِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَحِينَئِذٍ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ) مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ (لِكُلِّ يَوْمٍ) . رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ":
أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يَلْزَمُهُ إطعام لظاهر قَوْله - تَعَالَى - ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ، وَكَتَأْخِيرِ أَدَاءِ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ عَمْدًا، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ أَنَّهُ يُطْعِمُ بِلَا قَضَاءٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَجُوزُ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْمَجْدُ: الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُهُ مُسَارَعَةً إِلَى الْخَيْرِ، وَتَخَلُّصًا مِنْ آفَاتِ التَّأْخِيرِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ رَمَضَانُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يُزَادُ بِهَا الْوَاجِبُ كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ (وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيِ: الْقَضَاءَ (لِعُذْرٍ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَجَبَ بِالشَّرْعِ، فَسَقَطَ بِمَوْتِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إِمْكَانِ فِعْلِهِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ.
وَفِي " التَّلْخِيصِ " رِوَايَةٌ يُطْعَمُ عَنْهُ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَقَالَهُ طَاوُسٌ وَقَتَادَةُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ الصَّوْمُ عَنْهُ أَوِ التَّكْفِيرُ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا، (وَإِنْ مَاتَ) أَيْ: إِذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ، ثُمَّ مَاتَ كَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ، وَهُوَ حَيٌّ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لَكِنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالْحَيُّ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِإِمْكَانِهِ، فَلَوْ دَامَ عُذْرُهُ بَيْنَ الرَّمَضَانَيْنِ فَلَمْ يَقْضِ، ثُمَّ زَالَ صَامَ الشَّهْرَ الَّذِي أَدْرَكَهُ، ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْ غَيْرِ إِطْعَامٍ نَصَّ عَلَيْهِ، (وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ) قَالَهُ أَكْثَرُهُمْ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَيْهِ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ الْقَضَاءِ فَقَالَتْ: " لَا بَلْ يُطْعَمُ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ، (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ) فَأَكْثَرَ (فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ": أَنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ؛ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَاحِدَةٍ زَالَ تَفْرِيطُهُ بِالتَّأْخِيرِ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَالثَّانِي: وَهُوَ لِأَبِي الْخَطَّابِ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ لِاجْتِمَاعِ التَّأْخِيرِ، وَالْمَوْتِ بَعْدَ التَّفْرِيطِ.
تَنْبِيهٌ: الْإِطْعَامُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهِ أَولا، وَفِي الْقَضَاءِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَوْمٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يَقْضِي مُتَعَمِّدٌ بِلَا عُذْرٍ صَوْمًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يُخَالِفُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَإِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ كَفَّارَةً، أُطْعِمَ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ الْمُتْعَةِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الصَّوْمَ وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، فَلَوْ صَامَ عَنْ كَفَّارَةِ مَيِّتٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ أَوْصَى بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَقُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ أُطْعِمَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِينَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
[مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ]
(وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ) هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْكُلِّ، وَلَوْ قَالَ: بِنَذْر كَـ " الْوَجِيزِ " لَكَانَ أَظْهَرَ (فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) وَفِيهِ أُمُورٌ:
الْأُولَى: صَوْمُ النَّذْرِ عَنِ الْمَيِّتِ هُوَ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ» ، وَلِأَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ فِي الْعِبَادَةِ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا، وَهُوَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنَ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لِإِيجَابِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، فَإِنْ صَامَ غَيْرُهُ جَازَ مُطْلَقًا.
جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَقَدْ شَبَّهَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالدَّيْنِ.
وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى النَّصِّ، وَإِنْ صَامَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ فِي يَوْمٍ، فَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ يَصُومُ وَاحِدٌ، فَمَنَعَ الِاشْتِرَاكَ كَالْحَجَّةِ الْمَنْذُورَةِ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ جَوَازَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِثَلَاثِ حِجَجٍ، جَازَ صَرْفُهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ فِي عَامٍ يَحُجُّونَ عَنْهُ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِمَنْعِهِ؛ لِأَنَّ نَائِبَهُ مِثْلُهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ فِعْلُهُ لِتَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَالدَّيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً، وَيَفْعَلُهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ كَابْنِهِ، فَإِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً فَإِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ إِلَى مَنْ يَصُومُ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ صَوْمَ النَّذْرِ لَا إِطْعَامَ فِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ
وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
رَمَضَانَ، وَلَا كَفَّارَةَ مَعَ الصَّوْمِ عَنْهُ، أَوِ الْإِطْعَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أَمْكَنَهُ صَوْمُ نَذْرِهِ فَلَمْ يَصُمْهُ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ صَوْمُ بَعْضِهِ، قَضَى عَنْهُ مَا أَمْكَنَهُ صَوْمُهُ فَقَطْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِمْكَانُ الْأَدَاءِ، وَالنَّذْرُ يُحْمَلُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْفَرْضِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ مَنْذُورٌ فَعَلَ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ «إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ مَنْذُورٌ، فَكَانَ لِلْوَلِيِّ فِعْلُهُ كَالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنَهُ مِنْهُ قَبْلَ موته لظاهر الْخَبَرِ، وَكَنَذْرِ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَلْ لِغَيْرِهِ فِعْلُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ مُطْلَقًا؟ عَلَى الْخِلَافِ.
فَرْعٌ: الْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ فُعِلَ عَنْهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقْضِهِ عَنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَالصَّوْمِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ فِيهِمَا، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَيُخْرَجُ عَنْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ حَتَّى مَاتَ، فَالْخِلَافُ كَالصَّوْمِ قِيلَ: يَقْضِي، وَقِيلَ: لَا.
(وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَأَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ
[المبدع في شرح المقنع]
إِحْدَاهُمَا وَنَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمَنْجَا، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ لَا يَخْلُفُهَا مَالٌ، وَلَا تَجِبُ بِإِفْسَادِهِ، وَالثَّانِيَةُ نَقَلَهَا حَرْبٌ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ ": أَنَّهَا تُفْعَلُ عَنْهُ كَالصَّوْمِ، وَعَلَى هَذَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِهَا، وَحَيْثُ جَازَ فِعْلُ الصَّوْمِ فَلَا كَفَّارَةَ مَعَ فِعْلِهِ، لِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَإِلَّا أُخْرِجَ عَنْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِتَرْكِ النَّذْرِ.
قَالَ الْمَجْدُ: إِنْ كَانَ قَدْ فَرَّطَ، وَإِلَّا فَفِيهَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَصُمْهُ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ أَيَّامِ الْحَيَاةِ فِيمَا إِذَا أُطْلِقَ كَفَوَاتِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ إِذَا عُيِّنَ، فَلَوْ نَذَرَ الطَّوَافَ، فَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ لَا تُفْعَلُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعًا أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ فَائِتَةٌ.
[بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ]
ِ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ.
«وَأَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» «لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، قَالَ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يُضْعِفَ الْبَدَنَ حَتَّى يَعْجِزَ عَمَّا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحُقُوقِ عِبَادِهِ اللَّازِمَةِ، فَإِنْ أَضْعَفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ، وَلِهَذَا أَشَارَ الصَّادِقُ فِي حَقِّ دَاوُدَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -: «وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» فَمِنْ حَقِّ النَّفْسِ اللُّطْفُ بِهَا حَتَّى تُوصِلَ صَاحِبَهَا إِلَى الْمَنْزِلِ.
(وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَهَا
أَيَّامِ الْبِيضِ وَصَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ.
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ
[المبدع في شرح المقنع]
(أَيَّامَ الْبِيضِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ سُمِّيَتْ بِيضًا لِابْيِضَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - تَابَ عَلَى آدَمَ، وَبَيَّضَ فِيهَا صَحِيفَتَهُ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ: الثَّانِي عَشَرَ بَدَلَ الْخَامِسَ عَشَرَ، وَقِيلَ: هِيَ أَوَّلُ الشَّهْرِ وَعَاشِرُهُ وَعِشْرُونَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَصْحَابُنَا بِاسْتِحْبَابِ السُّودِ، وَهِيَ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَتَالِيَاهُ، وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِاسْتِحْبَابِهِ، (وَصَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِيهِمَا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَسُمِّيَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ثَانِي الْأُسْبُوعِ، وَالْآخَرَ خَامِسُهُ، (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِغَيْرِ تَاءٍ، وَالْمُرَادُ: الْأَيَّامُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُغَلِّبُ فِي التَّارِيخِ اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ (كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ آخَرُونَ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَحْمَدُ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَكَذَا مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَفِيهِ سِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَضْلَ حَصَلَ بِهِ بِخِلَافِ يَوْمِ الشَّكِّ.
لَا يُقَالُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ عَلَى فَضِيلَتِهَا لِكَوْنِهِ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كُرِهَ صَوْمُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، وَالتَّشَبُّهِ بِالتَّبَتُّلِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ لِاسْتِغْرَاقِهِ الزَّمَنَ بِالْعِبَادَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ: التَّشْبِيهُ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ بِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، كَمَا فِي أَيَّامِ الْبِيضِ، وَتَحْصُلُ فَضِيلَتُهَا بِالتَّتَابُعِ وَالتَّفَرُّقِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " وَغَيْرِهِ اسْتِحْبَابُ تَتَابُعِهِمَا، وَبَعْضُهُمُ اسْتَحَبَّهَا عَقِبَ الْعِيدِ، وَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّهُ مُرَادُ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مُتَتَابِعَةً فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ» وَفِي " الْفُرُوعِ " احْتِمَالُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ تَحْصُلُ بِصَوْمِهَا فِي غَيْرِ شَوَّالٍ، وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ: لِأَنَّ فَضِيلَتَهَا كَوْنُ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَيَكُونُ تَقْيِيدُهُ بِشَوَّالٍ لِسُهُولَةِ الصَّوْمِ فِيهِ لِاعْتِيَادِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهَا إِلَّا لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ، لَكِنَ ذَكَرَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّ فَضِيلَتَهَا تَحْصُلُ لِمَنْ صَامَهَا وَقَضَاءَ رَمَضَانَ وَقَدْ أَفْطَرَه لِعُذْرٍ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
(وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) بِالْمَدِّ فِي الْأَشْهُرِ، وَهُوَ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ التَّاسِعُ (كَفَّارَةُ سَنَةٍ) مَاضِيَةٍ لِلْخَبَرِ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَهُ صَوْمُ التَّاسِعِ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ إِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَهُمَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِفْرَادُ الْعَاشِرِ بِالصَّوْمِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَعَنْهُ: وَجَبَ ثُمَّ نُسِخَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَالَ إِلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ.
فَائِدَةٌ: يَنْبَغِي فِيهِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَحْمَدَ عَنْهُ قَالَ: " نَعَمْ ".
سَنَتَيْنِ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ، وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَأَفْضَلُ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَنْ، وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إِلَّا خَيْرًا.
(وَيَوْمُ عَرَفَةَ) وَهُوَ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سُمِّيَ بِهِ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَتَعَارُفِهِمْ فِيهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَّ، وَقِيلَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا، وَقِيلَ: لِتَعَارُفِ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِهَا (كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «صِيَامُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبَلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» ، وَقَالَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ: «إِنِّي أحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَعَلَّ مُضَاعَفَةَ التَّكْفِيرِ عَلَى عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُعْطِيَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ: تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ.
حَكَاهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَغَائِرُ، رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، رُفِعَتْ لَهُ دَرَجَاتٌ، (وَلَا يُسْتَحَبُّ) صَوْمُهُ (لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ) لِمَا «رَوَتْ أُمُّ الْفَضْلِ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُ عَنِ الدُّعَاءِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِلَّا أَنْ يُضْعِفَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ إِمَامِنَا نَحْوَهُ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ، وَالْقَارِنِ إِذَا عَدِمَا الْهَدْيَ، وَسَيَأْتِي.
الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ.
وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، وَإِفْرَادُ يَوْمِ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ - لِأَيَّامِ الْعَشْرَةِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ: تِسْعَةٌ، وَإِطْلَاقُ الْعَشْرِ عَلَيْهَا تَغْلِيبًا، وَآكَدُهُ التَّاسِعُ، ثُمَّ الثَّامِنُ، وَوَهِمَ بَعْضُهُمْ فَعَكَسَ.
وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
«وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا كَنَاقَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُكْثِرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّوْمَ فِيهِ إِمَّا لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إِلَّا أَخِيرًا، وَالْمُرَادُ: أَفْضَلُ شَهْرٍ تَطَوَّعُ بِهِ كَامِلًا بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ التَّطَوُّعِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِهِ كَعَرَفَةَ، وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ الْمُحَرَّمُ، كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَآكَدُهُ عَاشُورَاءُ، ثُمَّ تَاسُوعَاءُ، ثُمَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ قَالَهُ الْحَسَنُ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ.
[مَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ مِنَ الْأَيَّامِ]
(وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِهِ، وَفِيهِ دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ، وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ، فَلَوْ أَفْطَرَ مِنْهُ أَوْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَالْمُرَادُ أَحْيَانًا، وَلَمْ يُدَاوِمْ كَامِلًا عَلَى غَيْرِ رَمَضَانَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ،
الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ السَّبْتِ وَيَوْمِ الشَّكِّ، وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَاسْتَحَبَّهُ فِي " الْإِرْشَادِ " (وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» . قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا الْحَدِيثُ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا تَعَارُضَ (وَيَوْمُ السَّبْتِ) ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
. . . فَذَكَرَهُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إِفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآجُرِّيِّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الشُّذُوذِ، أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، (وَيَوْمُ الشَّكِّ) لِقَوْلِ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، وَهُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَلَمْ يَتَرَاءَ النَّاسُ الْهِلَالَ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ: أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، قَالَ: أَوْ كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ، وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ صَوْمُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَلَا يَصِحُّ اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ: لِلنَّهْيِ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ لَا يُكْرَهُ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى صَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَا يُكْرَهُ مَعَ عَادَةٍ أَوْصَلَتْهُ بِمَا قَبْلَ النِّصْفِ وِفَاقًا، وَبَعْدَهُ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَلَا عَنْ وَاجِبٍ لِجَوَازِ النَّفْلِ الْمُعْتَادِ فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ صَوْمُهُ قَضَاءً، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، فَيَتَوَجَّهُ طَرْدُهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ لِلشَّكِّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
يَجُوزَ صَوْمُ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ، وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا كَانَ عَاصِيًا وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضٍ، وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا وَفِي صَوْمِهَا عَنْ فَرْضٍ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَ) يُكْرَهُ (يَوْمُ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ) هُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ قَالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ النَّيْرُوزُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ شَهْرِ الرَّبِيعِ، وَالْمِهْرَجَانُ: الْيَوْمُ التَّاسِعُ عَشَرَ مِنَ الْخَرِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ مِنْ تَعْظِيمِهِمَا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ عَدَمَهَا لِأَنَّهُمْ لَا يُعَظِّمُونَهُ بِالصَّوْمِ كَالْأَحَدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُكْرَهُ صَوْمُ كُلِّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ (إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً) هُوَ رَاجِعٌ إِلَى صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ الْوِصَالُ وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ أَوِ الْأَيَّامِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُبَاحٌ لَهُ، وَلَا يُكْرَهُ إِلَى السَّحَرِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى.
(وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ) إِجْمَاعًا لِلنَّهْيِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ) لِمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نهي عَنْهُ لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ، وَقَدْ دَعَاهُمْ، فَالصَّوْمُ تَرْكُ إِجَابَةِ الدَّاعِي، وَمِثْلُهُ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ بِخِلَافِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ الثَّوَابُ، فَنَافَتْهُ الْمَعْصِيَةُ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ النَّفْلُ فِي غَصْبٍ.
وَفِي " الْوَاضِحِ " رِوَايَةٌ يَصِحُّ عَنْ نَذْرِهِ الْمُعَيَّنِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا يَصْلُحُ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ» (وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا كَانَ عَاصِيًا) ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِعْلَ الْحَرَامِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْصِي حَيْثُ فَقَدَ الْقَصْدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْمُخَالَفَةَ فَلَمْ يُوصَفْ بِهِ، (وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضٍ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَهُوَ لَا يُجَامِعُ إِلَّا الْإِجْزَاءَ، وَحُكْمُ التَّطَوُّعِ كَذَلِكَ، (وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) تَطَوُّعًا لِمَا
رِوَايَتَانِ.
وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ وَلَمْ يَجِبْ وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ مَرْفُوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْر اللَّهِ» وَلِأَحْمَدَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ.
وَمَنْ صَامَهَا أَوْ رَخَّصَ فِيهِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ.
قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ تَأَوَّلَهُ عَلَى إِفْرَادِهَا كَيَوْمِ الشَّكِّ (وَفِي صَوْمِهَا عَنْ فَرْضٍ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْعُمُومِ، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ فَيُلْحَقُ بِهِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ خَاصٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ عَامٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ صَوْمُهَا عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ خَاصَّةً.
ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ وَ " الْعُمْدَةِ " وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ الصَّوْمِ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُهُ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَصُمْهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ» ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ جَازَ تَأْخِيرُهَا تَخْفِيفًا فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ لَزِمَهُ الْأَصْلُ، وَكَالْحَجِّ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْعُمُومِ، وَكَذَا يَخْرُجُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّيْخَانِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِوُجُوبِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِفَرْضِ الصَّوْمِ قَبْلَ نَذْرٍ لَا يَخَافُ فَوْتَهُ، وَعَنْهُ: بِالنَّذْرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُعَيَّنًا بِوَقْتٍ يَخَافُ فَوْتَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يُكْرَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَضَاهُ قَبْلَهُ، وَعَلَى الْجَوَازِ: يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَا يَصِحُّ لِيَنَالَ فَضِيلَتَهُمَا، وَلَا يُكْرَهُ فِي أُخْرَى رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لِلْآيَةِ، وَكَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ.
[مَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ]
(وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ) ؛ لِأَنَّ بِهِ تَكْمُلُ الْعِبَادَةُ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ، (وَلَمْ يَجِبْ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: أَرِينِيهِ
أَفْسَدَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ،
[المبدع في شرح المقنع]
فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَلَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْخَمْسَةُ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ التطَوِّعَاتِ كَهُوَ وَكَالْوُضُوءِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، وَاجِبًا لَمْ يَكُنِ الْقَضَاءُ وَاجِبًا بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَقَوْلُهُ: تَطَوُّعًا.
يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا إِذَا دَخَلَ فِي وَاجِبٍ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالْمَكْتُوبَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَكَنَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، إِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ عهْدة الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ، وَدَخَلَتِ التَّوْسِعَةُ فِي وَقْتِهِ رِفْقًا، وَمَظِنَّةً لِلْحَاجَةِ فَإِذَا شَرَعَ تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي إِتْمَامِهَا، وَعَنْهُ: يَجِبُ إِتْمَامُ الصَّوْمِ فَإِنْ أَفْسَدَهُ، وَجَبَ الْقَضَاءُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ وَقَدْ أَفْطَرَتَا: «لَا عَلَيْكُمَا، صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَالْحَجِّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ ضَعَّفُوهُ، ثُمَّ هُوَ لِلِاسْتِحْبَابِ لِقَوْلِهِ «لَا عَلَيْكُمَا» ، وَبِأَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ كَفَرْضِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَتَقْرِيرُ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ مَعَهُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إِنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ أَعَادَ قَالَ: الْقَاضِي أَيْ: نَذَرَهُ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يُكْرَهُ خُرُوجُهُ مِنْهُ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا كُرِهَ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ يُفْطِرُ لِضَيْفِهِ؛ يَتَوَجَّهُ كَصَائِمٍ دُعِيَ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَمَالَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ إِحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ كَالْحَجِّ، وَإِذَا شَرَعَ فِيهَا قَائِمًا، لَمْ يَلْزَمْهُ إِتْمَامُهَا قَائِمًا بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ على ذكرهما كَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: الِاعْتِكَافُ كَالصَّوْمِ عَلَى الْخِلَافِ يَعْنِي إِذَا دَخَلَ فِيهِ، وَقَدْ نَوَاهُ مُدَّةً لَزِمَتْهُ، وَيَقْضِيهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا لَا بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي " الْكَافِي " سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِمَا كَالصَّوْمِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ رَأَيْتُ سُفْيَانَ إِذَا كَثُرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ تَرَكَهُمْ، وَدَخَلَ فِي الطَّوَافِ، فَطَافَ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَيَدَعُهُمْ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّدَقَةُ وَالْقِرَاءَةُ، وَالْأَذْكَارُ بِالشُّرُوعِ وِفَاقًا.
وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَيَلْزَمُ إِتْمَامُهُمَا لِانْعِقَادِ الْإِحْرَامِ لَازِمًا فَإِنْ أَفْسَدَهُمَا أَوْ فَسَدَا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ، حَكَاهَا فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الِانْتِصَارِ " وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا أَحْسَبُهَا إِلَّا سَهْوًا.
فَرْعٌ: إِذَا قُطِعَ الصَّوْمُ وَنَحْوُهُ فَهَلِ انْعَقَدَ الْجُزْءُ الْمُؤَدَّى، وَحَصَلَ بِهِ قُرْبة أَمْ لَا؛ وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ يَبْطُلُ حُكْمًا أَوْ لَا يَبْطُلُ؛ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ بِبُطْلَانِهِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّ الْإِبْطَالَ فِي الْآيَةِ هُوَ بُطْلَانُ الثَّوَابِ قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ جَمِيعِهِ، بَلْ قَدْ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَمَلِهِ.
[الْتِمَاسُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ]
(وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ) لِشَرَفِهَا وَعِظَمِهَا وَبَرَكَتِهَا، وَسُورَتُهَا مَكِّيَّةٌ، نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، نَقَلَهُ الثَّعَالِبِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ
وَلَيَالِي الْوِتْرِ آكَدُهَا وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَيَدْعُو فِيهَا بِمَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ
[المبدع في شرح المقنع]
نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: - تَعَالَى - ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] أَيْ: قِيَامُهَا، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ خَالِيَةً مِنْهَا.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ زَادَ أَحْمَدُ وَمَا تَأَخَّرَ» وَسُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4] ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقْضِي اللَّهُ الْأَقْضِيَةَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى أَرْبَابِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ لِعَظَمِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقِيلَ: لِضِيقِ الْأَرْضِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَنْزِلُ فِيهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا، وَهِيَ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ إِجْمَاعًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا تُكَرَّرُ، وَبِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ التَّمِيمِيُّ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا أَمْثَالُهَا مِنْ لَيَالِي الْقَدْرِ فَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، وَأَنَّهَا لَمْ تُرْفَعْ لِلْأَخْبَارِ فِي طَلَبِهَا، وَقِيَامِهَا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي رَفْعِهَا (فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي ": تُطْلَبُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ، «وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ فِي كُلِّ السَّنَةِ، (وَلَيَالِي الْوِتْرِ آكَدُهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ -: اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» .
وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي اللَّهُمَّ
[المبدع في شرح المقنع]
وَاخْتَارَ الْمَجْدُ كُلُّ الْعَشْرِ سَوَاءٌ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بَلْ لَيَالِي الْوِتْرِ أَبْلَغُ مِنْ لَيَالِي الشَّفْعِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوِتْرُ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي فَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةَ إِحْدَى، وَثَلَاثٍ إِلَى آخِرِهِ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْبَاقِي، فَإِذَا كَانَ تَامًّا كَانَ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْإِشْفَاعِ، فَلَيْلَةُ الثَّانِيَةِ تَاسِعَةٌ تَبْقَى، وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةٌ تَبْقَى، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي كَالتَّارِيخِ بِالْمَاضِي، (وَأَرْجَاهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَثْنِي وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ.
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَّكِلُوا.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْهَا هِيَ.
وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرَّرَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي سُورَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحُرُوفُهَا تِسْعٌ، وَالنَّاشِئُ مِنْ ضَرْبِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُتَعَيَّنَةٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةِ الْعَشْرِ، وَقَعَ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَمَعَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْهُ تَقَعُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَيْلَةَ قَوْلِهِ فِيهَا.
وَحُكْمُ الْعِتْقِ، وَالْيَمِينِ كَالطَّلَاقِ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ تَخْرِيجًا.
وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَامَ الْعَشْرَ، وَنَذْرُهُ فِي أَثْنَائِهِ كَطَلَاقٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي إِخْفَائِهَا لِيَجْتَهِدُوا فِي طَلَبِهَا، وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَرِضَاهُ فِي الْحَسَنَاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَيَدْعُو فِيهَا) فَإِنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ فِيهَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (بِمَا «رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» .
[المبدع في شرح المقنع]
وَافَقْتُهَا فبمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ، وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ: التَّرْكُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى السَّتْرِ، وَالتَّغْطِيَةِ فَمَعْنَى اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي، أَيِ: اتْرُكْ مُؤَاخَذَتِي بِجُرْمِي، وَاسْتُرْ عَلَيَّ ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ عَنِّي عَذَابَكَ، وَاصْرِفْ عَنِّي عِقَابَكَ.
وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ» فَالشَّرُّ الْمَاضِي يَزُولُ بِالْعَفْوِ، وَالْحَاضِرُ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمُسْتَقْبَلُ بِالْمُعَافَاةِ لِتَضَمُّنِهَا دَوَامَ الْعَافِيَةِ
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ، هُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ سُنَّةٌ إِلَّا أَنْ يَنْذُرَهُ فَيَجِبُ وَيَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]
[تَعْرِيفُ الاعتكاف وَحُكْمُهُ]
ِ (هُوَ) لُغَةً لُزُومُ الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] يُقَالُ عَكَفَ يَعْكُفُ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا.
وَشَرْعًا (لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -) عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ - وَلَوْ مُمَيِّزًا - طَاهِرٍ مِمَّا يُوجِبُ غُسْلًا وَلَوْ سَاعَةً، فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَطِفْلٍ، كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا يَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قُرْبَةٌ، وَطَاعَةٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: 26] وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «فِي الْمُعْتَكِفِ، وَهُوَ يَعْكُفُ الذُّنُوبَ، وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ تَعْرِفُ فِي فَضْلِ الِاعْتِكَافِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنَّ شَيْئًا ضَعِيفًا.
(وَهُوَ سُنَّةٌ) كُلَّ وَقْتٍ إِجْمَاعًا لِمُدَاوَمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِعْلَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَصْحَابَهُ، بَلْ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ» ، وَآكَدُهُ فِي
بِغَيْرِ صَوْمٍ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا فِي بَعْضِ يَوْمٍ.
[المبدع في شرح المقنع]
رَمَضَانَ، وَالْعَشْرُ الْأَخِيرَةُ آكَدُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (إِلَّا أَنْ يَنْذُرَهُ فَيَجِبُ) الْوَفَاءُ بِهِ إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ، وَلِلْبُخَارِيِّ: فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً» . وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ.
فَإِنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، فَلَهُ شَرْطٌ نَحْوَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِنْ كُنْتُ مُقِيمًا أَوْ مُعَافًى فَصَادَفَهُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ أَوْ بِالنِّيَّةِ؟ وَقَالَهُ مَالِكٌ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ، فَإِنْ قَطَعَهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَمْ يَقَعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى لُزُومِ نَافِلَةٍ بِالشُّرُوعِ فِيهَا سِوَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَيَجِبُ تَعْيِينُ الْمَنْدُوبِ بِالنِّيَّةِ لِيَتَمَيَّزَ، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ فَقِيلَ يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ، وَقِيلَ: لَا لِتَعَلُّقِهُ بِمَكَانٍ كَالْحَجِّ.
(وَيَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصَّوْمُ كَالصَّلَاةِ.
فَعَلَى هَذَا، فَلَهُ مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا فَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةً، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ أَقَلَّهُ سَاعَةٌ، وَلَا يَكْفِي عُبُورُهُ، وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، وَلَوْ صَامَ، ثُمَّ أَفْطَرَ عَمْدًا، لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ، (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) بِغَيْرِ صَوْمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» ، وَلِأَنَّهُ لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ فَلَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَا مِنَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا،
[المبدع في شرح المقنع]
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهِمَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَيُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَصٌّ، وَلَا إِجْمَاعٌ، وَقِيَاسُهُمْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لُبْثٌ فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ (فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا فِي بَعْضِ يَوْمٍ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصَّوْمِ الْمُشْتَرَطِ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي اعْتَكَفَ بَعْضَهُ أَمْ لَا، وَقَطَعَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ بِصِحَّتِهِ لِوُجُودِ اللُّبْثِ بِشَرْطِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ، وَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَمْ يُقْصَدْ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَيَّامِ النَّهْيِ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا، وَاعْتِكَافُهَا نَذْرًا أَوْ نَفْلًا كَصَوْمِهَا نَذْرًا أَوْ نَفْلًا فَإِذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ مُتَتَابِعًا، فَأَتَى فِي أَثْنَائِهِ يَوْمُ عِيدٍ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ اعْتِكَافِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ، وَيَجُوزَ خُرُوجُهُ إِلَى الْعِيدِ، وَلَا يَفْسُدَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى إِنْ شَاءَ، وَإِلَى أَهْلِهِ، وَعَلَيْهِ حُرْمَةُ الْعُكُوفِ، ثُمَّ يَعُودُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي يَوْمِهِ لِتَمَامِ أَيَّامِهِ قَالَهُ الْمَجْدُ.
تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَصُومَ لِلِاعْتِكَافِ مَا لَمْ يَنْذُرْ لَهُ الصَّوْمَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْخَبَرِ، وَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي رَمَضَانَ تَطَوُّعًا أَوْ يَنْذُرَ عَنْهُ بِهِ، وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ بِصَوْمٍ لَزِمَاهُ مَعًا، فَلَوْ فَرَّقَهُمَا أَوِ اعْتَكَفَ، وَصَامَ فَرْضَ رَمَضَانَ، وَنَحْوَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيهِ كَالتَّتَابُعِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ لَا الْجَمْعُ فَلَهُ فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا فَالْخِلَافُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الزَّمَانِ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً، وَيَقْرَأَ فِيهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا لَزِمَهُ الْجَمْعُ، فَلَوْ قَرَأَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".
[اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا]
(وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) وِفَاقًا (وَلَا مِنَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ) لِتَفْوِيتِ مَنَافِعِهَا الْمَمْلُوكَةِ لِغَيْرِهِمَا (فَإِنْ شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ) وَإِنْ كَانَ فَرْضًا، قَالَهُ فِي
وَإِلَّا فَلَا، وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا
[المبدع في شرح المقنع]
" الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَنَّهُ شروع غير جَائِزٌ مُتَضَمِّنٌ لِفَوَاتِ حَقِّهِمَا، فَمَلَكَا تَحْلِيلَهُمَا مِنْهُ لِيَعُودَ حَقُّهُمَا إِلَى مَا كَانَ، وَخَرَّجَ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " لَا يَمْنَعَانِ مِنَ الْمَنْذُورِ كَرِوَايَةٍ فِي الْمَرْأَةِ فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْذُورَيْنِ، وَفِي ثَالِثٍ: مَنْعُهُمَا وَتَحْلِيلُهُمَا مِنْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَوَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا فِي صَوْمٍ وَحَجٍّ مَنْذُورَيْنِ، وَفِي رَابِعٍ مَنْعُهُمَا، وَتَحْلِيلُهُمَا إِلَّا مِنْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَالْمِلْكِ كَوَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا فِي سُقُوطِ نَفَقَتِهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ إِنْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فكَالْمَنْذُورِ فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يُحَلِّلَاهَا صَحَّ وَأَجْزَأَ، وَجَزَمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا: يَقَعُ بَاطِلًا كَصَلَاةٍ فِي مَغْصُوبٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعَبْدِ (وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا) ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَذِنَ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلْنَ فِيهِ» ، وَلِأَنَّ حَقَّهُمَا وَاجِبٌ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَلَهُمَا الْمَنْعُ ابْتِدَاءً فَكَذَا دَوَامًا كَالْعَارِيَةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ مَنْذُورًا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَيَجِبُ إِتْمَامُهُ كَالْحَجِّ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا أَوْ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ كَنَذْرِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ مُتَتَابِعَةٍ إِذَا اخْتَارَ فِعْلَهُ مُتَتَابِعًا، وَأَذِنَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ يَجُوزُ تَحْلِيلُهُمَا مِنْهُ عِنْدَ مُنْتَهَى كُلِّ يَوْمٍ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمُ الْمَنْعُ كَغَيْرِهِ.
فَرْعٌ: الْإِذْنُ فِي عَقْدِ النَّذْرِ إِذْنٌ فِي فِعْلِهِ إِنْ نَذَرَ زَمَنًا مُعَيَّنًا بِالْإِذْنِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ زَمَنَ الشُّرُوعِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ السَّابِقُ، وَقَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ: مَنْعَ تَحْلِيلِهِمَا أَيْضًا كَالْإِذْنِ فِي الشُّرُوعِ.
(وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَسْتَحِقُّ
مُهَايَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا.
وَالْأَفْضَلُ
[المبدع في شرح المقنع]
مَنَافِعَهُ، وَلَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ فَهُوَ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ كَحُرٍّ مَدِينٍ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ حَلَّ نَجْمٌ أَوْ لَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَهُ الْحَجُّ مِنَ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ مَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى إِذْنِهِ لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِذْنِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ: مَا لَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِنْ كَانَت بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ) وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ هُوَ، وَمَالِكُ بَعْضِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُدَّةٌ، وَلِمَالِكِ بَعْضِهِ أُخْرَى (فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ، وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِسَيِّدِهِ بَلْ هِيَ كَالْحُرِّ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ مُلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فَتَجْوِيزُهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِجَائِزٍ.
[الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ]
وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] ، فَلَوْ صَحَّ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَخْتَصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ إِذْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ «كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُدْخِلُ رَأْسَهُ إِلَى عَائِشَةَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَتُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ (يُجْمَعُ فِيهِ) أَيْ: تُقَامُ فِيهِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ مِنْ مُعْتَكِفِينَ حِذَارًا إِمَّا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ تَكَرُّرِ الْخُرُوجِ الْمُنَافِي لَهُ مَعَ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَإِذَا قِيلَ: بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، وَمَنِ اعْتِكَافُهُ فِي مدة غير وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنِ الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ (إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) لِلْآيَةِ، وَالْجَمَاعَةُ لَا تَلْزَمُهَا، وَفِي " الِانْتِصَارِ ": فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَالْخِرَقِيِّ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا فَقَالَ: بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الْبِدَعُ فَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ (إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا) وَهُوَ مَا اتَّخَذَتْهُ لِصَلَاتِهَا، وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ،
الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ.
وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَوْ مَرَّةً تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " صِحَّتُهُ فِيهِ قَالَ: وَإِنَّمَا كُرِهَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ حَيْثُ لَمْ يَحْتَفِظْ بِخِبَاءٍ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيَضْرِبْنَ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمَ.
قُلْتُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرَّجُلُ كَهِيَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ لَا إِلَّا لِبَرْدٍ شَدِيدٍ.
مَسْأَلَةٌ: رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَعَنْهُ: بَلَى جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي كَظَهْرِهِ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَبَابٌ فَهِيَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَمَنَارَتُهُ إِنْ كَانَتْ فِيهِ أَوْ بَابُهَا فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ، وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ قَرِيبَةٌ فَخَرَجَ لِلْأَذَانِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْبَنَّا وَالْمَجْدُ خِلَافَهُ.
(وَالْأَفْضَلُ الِاعْتِكَافُ فِي الْجَامِعِ إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ) لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهَا فَيَتْرُكَ الِاعْتِكَافَ، مَعَ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ خرج لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فكأنه استثنى الجمعة بِلَفْظِهِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَجْهٌ يَلْزَمُ فَإِنِ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ بَطَلَ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ لَكِنْ إِنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ تَعَيَّنَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ، فَلَوِ اعْتَكَفَ فِيمَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَقَطْ لَمْ يَصِحَّ إِنْ وَجَبَتِ الْجَمَاعَةُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ إِذَا لَمْ يَتَخَلَّلِ اعْتِكَافُهُ لَمْ يَكُنِ الْجَامِعُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَلَوِ اعْتَكَفَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فِي مَسْجِدٍ لَا يُصَلّي فِيهِ بَطَلَ خُرُوجُهُ إِلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ.
(وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَوْضِعًا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ، وَيَبْطُلْ بِبِقَاعِ الْحَجِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَوْ تَعَيَّنَ احْتَاجَ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ إِلَّا «مَسْجِدَ قُبَاءٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا ويُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَدِّ رِحَالٍ فَظَاهِرُ " الِانْتِصَارِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": يَلْزَمُ، وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ احْتِمَالًا فِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ قَالَ الْمَجْدُ: وَنَذْرُ الِاعْتِكَافِ مِثْلُهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ.
وَظَاهِرُهُ لَا كَفَّارَةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ". وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يُصَلِّي فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، وَإِنْ أَرَادَ الذَّهَابَ إِلَى مَا عَيَّنَهُ، وَاحْتَاجَ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ فَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْقَصْرِ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَخَيَّرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ فَالْمَذْهَبُ: يُخَيَّرُ، وَفِي " الْوَاضِحِ ": الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَظْهَرُ.
(إِلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ) فَإِنَّهَا تَتَعَيَّنُ لِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ»
[أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ]
(وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْخَطَّابِ الدِّمَشْقِيِّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي بِمِائَةِ صَلَاةٍ» ، (ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ) لِمَا «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ
ثُمَّ الْأَقْصَى فَإِذَا نَذَرَهُ فِي الْأَفْضَلِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ، وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ إِلَى انْقِضَائِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَجُمَعُ: الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ فَدَلَّ أَنَّ مَسْجِدَهَا أَفْضَلُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَشْهَبَ: إِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ الْأَلْفِ.
وَجَوَابُهُ: رِوَايَةُ أَحْمَدَ السَّابِقَةُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَوْضِعُ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، (ثُمَّ الْأَقْصَى) لِمَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْمُهَاجِرِ نَحْوُهُ فَإِذَا نَذَرَهُ فِي الْأَفْضَلِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي (غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ أَيْ: إِذَا نَذَرَهُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَوِ الْأَقْصَى فَلَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَفْضَلِيَّتِهِ، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهُ إِلَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَإِذَا عَيَّنَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ الْمَسْجِدَانِ فَقَطْ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَفْضَلِيَّتِهِمَا عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ فَدَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ انْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ فِيهِ، أَتَمَّهُ فِي غَيْرِهِ لُزُومًا، وَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
(وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ) تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَ (لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ) أَيْ: قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِذِ الشَّهْرُ يَدْخُلُ بِدُخُولِ اللَّيْلَةِ بِدَلِيلِ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ
وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ، وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً فَلَهُ تَفْرِيقُهَا إِلَّا عِنْدَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُعَلَّقَةِ بِهِ مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقِينَ بِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ، وَعَنْهُ: يَدْخُلُ قَبْلَ فَجْرِهَا الثَّانِي رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ «بِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِيهِ فَلَمْ يَجِبِ ابْتِدَاؤُهُ قَبْلَ شَرْطِهِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَدْخُلْ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ وَهُمْ يُوجِبُونَ الدُّخُولَ قَبْلَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ اعْتِكَافَهُ كَانَ تَطَوُّعًا، وَالتَّطَوُّعُ مَتَى شَاءَ شُرِعَ.
عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، والليث وَإِسْحَاقَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ تَطَوُّعًا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَحُمِلَ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ يَوْمَ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَظْهِرَ بِبَيَاضِ يَوْمٍ زِيَادَةً، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَدْخُلُ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الْأُولَى (إِلَى انْقِضَائِهِ) لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى نَذْرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى الشَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى نَذْرِهِ لَكِنْ إِذَا اعْتَكَفَ رَمَضَانَ، أَوِ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَصِلَ طَاعَةً بِطَاعَةٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَصِحُّ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِذَا أَطْلَقَهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَكَقَوْلِهِ: لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا شَهْرًا، وَكَمُدَّةِ الْعِدَّةِ وَالْإِيلَاءِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْكَفَّارَةِ تَأْكِيدًا، وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ لِصِحَّةِ إِطْلَاقِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ بِالتَّتَابُعِ بِخِلَافِ الْيَمِينِ وَيَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ أَيَّامِهِ، وَيَكْفِيهِ شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ بِلَيَالِيهِ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيهِنَّ، وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً فَإِنِ ابْتَدَأَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ تَمَّمَهُ إِلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ فِي الْيَوْمِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ، وَكَذَلِكَ إِنِ ابْتَدَأَهُ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ تَمَّمَهُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا إِنْ لَمْ يُعْتَبَرِ الصَّوْمُ، وَإِنِ اعْتَبَرَ فَثَلَاثِينَ لَيْلَةً صِحَاحًا بِأَيَّامِهَا الْكَامِلَةِ.
(وَمَنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً) كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ عِشْرِينَ يَوْمًا (فَلَهُ تَفْرِيقُهَا)
الْقَاضِي، وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا أَوْ لَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ الْمُطْلَقَةَ تُؤْخَذُ بِدُونِ التَّتَابُعِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَنَذْرِ صَوْمِهَا، وَاحْتِجَاجُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ (إِلَّا عِنْدَ الْقَاضِي) فَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ كَلَفْظِ الشَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُهُ اللَّيَالِي الدَّاخِلَةُ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّتَابُعَ أَوْ لِشَرْطِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إِلَّا فِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِلْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، (وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا أَوْ لَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً) بِشَرْطه أَوْ نِيَّتِهِ (لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ) إِذَا نَذَرَ الْأَيَّامَ (أَوْ نَهَارٍ) إِذَا نَذَرَ اللَّيَالِيَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ وَاللَّيْلَةُ اسْمٌ لِسَوَادِ اللَّيْلِ، وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارُ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَا تَخَلَّلَهُ لِلُزُومِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَلْزَمُهُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ، وَفِي ثَالِثٍ: لَا يَلْزَمُهُ اللَّيْلُ فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ، لَزِمَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَةٌ بَيْنَهُمَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مُعَيَّنًا أَوْ مُطْلَقًا دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ فَجْرِهِ الثَّانِي، وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْيَوْمِ، وَلَا تَلْزَمُهُ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْيَوْمِ، وَإِذَا نَذَرَ لَيْلَةً لَزِمَتْهُ فَقَطْ، فَيَدْخُلُ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَيَخْرُجُ بَعْدَ فَجْرِهَا الثَّانِي.
وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الصَّوْمَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ بِسَاعَاتٍ مِنْ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَيَّدَهُ بِهِ، وَإِذَا قَالَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي، تَعَيَّنَ مِنْهُ إِلَى مِثْلِهِ، وَفِي دُخُولِ اللَّيْلِ الْخِلَافُ، وَإِذَا نَذَرَ شَهْرًا مُتَفَرِّقًا فَلَهُ تَتَابُعُهُ قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، كَاعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذَا نَذَرَ غَيْرَهُ، وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ يَقْدَمُ زَيْدٌ فَقَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ الْبَاقِي، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ.
[لَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ]
فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ) فِيمَا إِذَا عَيَّنَ مُدَّةً أَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي عَدَدٍ (إِلَّا لِمَا لَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
بُدَّ مِنْهُ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) كَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ بَطَلَ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ وَكَنَّى بِهَا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِمَا، وَيُلْحَقُ بِهِمَا قَيْءٌ بَغْتَةً، وَغَسْلُ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ، وَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَصْدُ مَنْزِلِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا مِنْهُ كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا، وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلَا مُخَالَفَةَ لِعَادَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ، وَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَنْزِلَهُ الْقَرِيبَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِلْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ، فَلَوْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، حَرُمَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِفِعْلِ أَبِي وَائِلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لِكِبَرٍ وَمَرَضٍ، وَكَذَا يَخْرُجُ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ، وَفِيهِمَا احْتِمَالٌ يَجُوزُ فِي إِنَاءٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزَ إِلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ، وَقِيلَ: الْجَوَازُ لِضَرُورَةٍ فَإِنْ بَالَ خَارِجًا، وَجَسَدُهُ فِيهِ لَا ذَكَرُهُ كُرِهَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ.
تَنْبِيهٌ: الْحَاجَةُ إِلَى الْمَأْكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لَهُمَا فِي بَيْتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَتِهِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ: يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِمَا فِيهِ تَرْكُ الْمُرُوءَةِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ، وَيُرِيدَ أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوتِهِ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَامِدٍ الْيَسِيرَ كَلُقْمَةٍ وَلُقْمَتَيْنِ لَا كُلِّ أَكْلِهِ، وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِي إِنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرِ وَنَحْوِهِمَا، (وَالطَّهَارَةُ) كَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَوُضُوءٍ لِحَدَثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقُدِّمَا عَلَى الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ
وَالْجُمُعَةِ وَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيَّنِ وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ، وَالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ مَرَضٍ، وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً إِلَّا أَنْ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُكْرَهُ وَضَوْءُهُ فِيهِ فَعَلَهُ بِلَا ضَرَرٍ، وَكَذَا غُسْلُ جُمُعَةٍ إِنْ وَجَبَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، (وَالْجُمُعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ فَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَلَهُ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ " احْتِمَالٌ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَلَهُ إِطَالَةُ الْمَقَامِ بَعْدَهَا، وَلَا يُكْرَهُ لِصَلَاحِيَةِ الْمَوْضِعِ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ عَكْسُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: التَّبْكِيرُ أَرْجُو، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَهَا عَادَتَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ.
وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
قَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ، وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي النُّذُورِ، وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ إِنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا، (وَالنَّفِيرُ الْمُتَعَيِّنُ) ؛ لِأَنَّهُ، وَاجِبٌ كَالْجُمُعَةِ، وَكَذَا إِنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ أَوْ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ (وَالشَّهَادَةُ الْوَاجِبَةُ) لِظَاهِرِ الْآيَاتِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ التَّحَمُّلُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُهَا، وَأَدَاؤُهَا خَرَجَ لَهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ، (وَالْخَوْفُ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ (مِنْ فِتْنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ عُذِرَ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْجُمُعَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى (أَوْ مَرَضٍ) يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُقَامُ فِيهِ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةٍ وَفِرَاشٍ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا كَالصُّدَاعِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُبَاحَ بِهِ الْفِطْرُ فَيُفْطِرَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِنْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَلَا (وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ) ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْبَةٌ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ عَادَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ، فَعَلَتْ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا وَلِهَذَا قِيلَ مَعَ سَلَامَةِ الزَّمَانِ فَإِذَا طَهُرَتْ دَخَلَتْهُ فَأَتَتْ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ.
وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ يُسَنُّ جُلُوسُهَا فِي الرحبة غير المحوطة الْمُحَوَّطَةِ، وَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ فَأَيْنَ شَاءَتْ.
(وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ) فِي مَنْزِلِهَا، لِوُجُوبِهَا شَرْعًا كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَلِآدَمِيٍّ لَا يُسْتَدْرَكُ إِذَا تُرِكَ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ (وَنَحْوُهُ) كَمَا إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَةٍ، وَدَفْنُ مَيِّتٍ وَنَحْوُهُ، وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ، كَمَنْ خَافَ مِنْ سُلْطَانٍ أَنْ يَأْخُذَهُ ظُلْمًا، وَإِنْ أَخْرَجَهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ، بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ
يَشْتَرِطَهُ، فَيَجُوزُ، وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
لِوَاجِبٍ، وَإِنْ خَرَجَ نَاسِيًا، لَمْ يَبْطُلْ كَالصَّوْمِ، وَفِي " الْخِلَافِ " وَ " الْفُصُولِ " تَبْطُلُ لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ كَالْجِمَاعِ.
(فَرْعٌ) : إِذَا زَالَ العذر رَجَعَ وَقْتَ إِمْكَانِهِ فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ مَا مَضَى، وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ تَحْتَ سَقْفِ خِلَافًا لِقَوْمٍ.
(وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُعَرِّجُ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَرِيضِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي مَعْنَاهُمَا كُلُّ قُرْبَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ، كَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا.
وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْهُ بُدٌّ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ فَرِيضَةٍ لِفَضِيلَةٍ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) (فَيَجُوزُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ يُصَيِّرُهُ كَالْمُسْتَثْنى.
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعَ لِمَا سَبَقَ، وَلَا فَرْقَ فِي الِاشْتِرَاطِ بَيْنَ مَا كَانَ قُرْبَةً كَزِيَارَةِ أَهْلِهِ وَعَالِمٍ، وَبَيْنَ مَا كَانَ مُبَاحًا وَيَحْتَاجُهُ كَالْعَشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَالْمَبِيتِ فِيهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوَقْفِ، وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا، وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ؛ لِمُنَافَاتِهِ الِاعْتِكَافَ، كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنُّزْهَةِ وَالْفُرْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الِاعْتِكَافَ بِخِلَافِ الْقُرْبَةِ.
فَإِنْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّكَسُّبِ بِالصَّنْعَةِ لَمْ يَجُزْ.
فَلَوْ قَالَ: مَتَى مَرِضْتُ أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ، خَرَجْتُ، فَلَهُ شَرْطُهُ كَالْإِحْرَامِ، وَجَعَلَ الْمَجْدُ فَائِدَةَ الشَّرْطِ هُنَا سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ) نَقَلَهَا عَنْهُ الْأَثْرَمُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَالْجُمُعَةَ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ، وَهُوَ قَائِمٌ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْمَنْجَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إِسْنَادَهُ صَحِيحٌ قَالَ أَحْمَدُ: عَاصِمٌ عِنْدِي حُجَّةٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَلَهُ تَرْكُهُ رَأْسًا، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ مُقَامُهُ عَلَى اعْتِكَافِهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَلَهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَرِيضِ
مَا لَمْ يُعَرِّجْ للاعتكاف، وَالدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِي الْمُتَتَابِعِ وَتَطَاوَلَ، خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَإِتْمَامِهِ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُتَعَيِّنٍ،
[المبدع في شرح المقنع]
فِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يُعَرِّجْ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَّةِ، وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ لَهُ الْوُقُوفُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِلِاعْتِكَافِ، (وَ) لَهُ (الدُّخُولُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاعْتِكَافِ، وَالْمَكَانُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ وَالتَّعْيِينِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ، أَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا.
(فَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالطَّهَارَةِ) عَنْ حَدَثٍ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجُمُعَةِ وَكَذَا لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، (فَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ: لَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَهُ كَالْمُسْتَثْنِي لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا، وَلَا كَفَّارَةَ، إِذْ لَوْ وَجَبَ فِيهِ شَيْءٌ، لَامْتَنَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ مِنْهُ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ، وَلَمْ تَنْقَص بِهِ مُدَّتُهُ، (وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ) كَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِمَا فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا: الْخُرُوجُ (فِي) الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ (الْمُتَتَابِعِ) غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (وَتَطَاوَلَ) أَيْ: زَمَنُهُ (خُيِّرَ) إِذَا زَالَ عُذْرُهُ (بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ) وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَشَرَعَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ (وَإِتْمَامِهِ) أَيْ: يَبْنِي، وَيَقْضِي (مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَجْبُرُ مَا حَصَلَ مِنْ فَوَاتِ التَّتَابُعِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْخِرَقِيُّ عَلَى هَذَا فِي النَّذْرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ إِذ تَرَكَ الصِّيَامَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لَعُذْرٍ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ لِوَاجِبٍ كَشَهَادَةٍ وَجِهَادٍ مُتَعَيِّنَيْنِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا كَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهِ أَنَّهَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ خُرُوجًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَفِي " الْمُغْنِي " تَجِبُ الْكَفَّارَةَ إِلَّا لِعُذْرِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَضَعَّفَهُمَا الْمَجْدُ: