فَصْلٌ فِي الْكَفَالَةِ وَهِيَ الْتِزَامُ إِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ، وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ، وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ،
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الْكَفَالَةِ]
[حُكْمُ الكفالة]
فصل
فِي الْكَفَالَةِ
وَهِيَ صَحِيحَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الِاسْتِيثَاقِ بِضَمَانِ الْمَالِ، أَوِ الْبَدَنِ، وَضَمَانُ الْمَالِ يَمْتَنِعُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَوْ لَمْ تَجُزِ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَأَدَّى إِلَى الْحَرَجِ وَعَدَمِ الْمُعَامَلَاتِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا.
(وَهِيَ الْتِزَامُ) الرَّشِيدِ (إِحْضَارَ الْمَكْفُولِ بِهِ) ، لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْكَفَالَةِ وَاقِعٌ عَلَى بَدَنِ الْمَكْفُولِ بِهِ فَكَانَ إِحْضَارُهُ هُوَ الْمُلْتَزَمَ بِهِ كَالضَّمَانِ وَيُعْتَبَرُ رِضَا الْكَفِيلِ وَتَعْيِينُ الْمَكْفُولِ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُهُ وَتَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظِ ضَمَانٍ.
(وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) ، لِأَنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ مَالِيٌّ، فَصَحَّتِ الْكَفَالَةُ بِهِ كَالضَّمَانِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا، أَوْ مَجْهُولًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدَيْنٍ لَازِمٍ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ إِحْضَارُهُمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ دَيْنُ الْكِتَابَةِ وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْكَفِيلِ، فَإِنْ بَرِئَ الْأَوَّلُ بَرِئَ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ (وَبِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ) لِصِحَّةِ ضَمَانِهَا فَيَرُدُّ أَعْيَانَهَا، أَوْ قِيمَتَهَا إِنْ تَلَفَتْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْأَمَانَاتِ.
لَكِنْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَإِحْضَارُ وَدِيعَةٍ وَكَفَالَةٍ بِزَكَاةٍ وَأَمَانَةٍ لِنَصِّهِ فِيمَنْ قَالَ: ادْفَعْ ثَوْبَكَ إِلَى هَذَا الرَّفَّاءِ، فَأَنَا ضَامِنُهُ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يُثْبِتَ أَنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِ (وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ "، وَلِأَنَّهَا اسْتِيثَاقٌ يُلْزِمُ الْكَفِيلَ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إِحْضَارِهِ، وَالْحَدُّ
وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إِنْسَانٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِرِضَى
[المبدع في شرح المقنع]
مَبْنَاهُ عَلَى الْإِسْقَاطِ، وَالدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِيثَاقُ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ الْجَانِي، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلَّهِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ الْقَذْفِ (أَوْ قِصَاصٍ) ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ.
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إِلَّا لِأَخْذِ مَالٍ كَالدِّيَةِ وَغَرِمَ مَالِيَّةَ السَّرِقَةِ فَتَصِحُّ (وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالزَّوْجَةِ، أَوِ الشَّاهِدِ.
(وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إِنْسَانٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: إِذَا كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إِنْسَانٍ كَثُلُثِهِ، أَوْ رُبُعِهُ فَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِحْضَارِ الْكُلِّ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَفَلَ عُضْوًا مُعَيَّنًا مِنْهُ كَيَدِهِ، أَوْ رِجْلِهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِحْضَارُهُ عَلَى صِفَتِهِ إِلَّا بِإِحْضَارِ الْكُلِّ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا، لِأَنَّ تَسْلِيمَ ذَلِكَ وَحْدَهُ مُتَعَذِّرٌ، وَالسِّرَايَةُ مُمْتَنِعَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ بِحَالٍ، لِأَنَّ مَا لَا يُشْرَى لَا يَصِحُّ إِذَا خَصَّ بِهِ عُضْوًا كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّعْلِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، لِأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ وَإِجَارَتَهُ جَائِزَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُمَا خَصَّاهُ بِالْعُضْوِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي الْعُضْوِ بَيْنَ الْوَجْهِ، وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَا يَبْقَى الْبَدَنُ بِدُونِهِ كَالرَّأْسِ أَوْ لَا كَالْيَدِ، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا تَصِحُّ بِالْوَجْهِ، لِأَنَّهُ يُكَنَّى بِهِ عَنِ الْكُلِّ، فَصَحَّ كَبَدَنِهِ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهَا تَصِحُّ فِيمَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ لَا الْعَكْسِ.
الْكَفِيلِ، وَفِي رِضَى الْمَكْفُولِ بِهِ وَجْهَانِ، وَمَتَى أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ وَسَلَّمَهُ بَرِئَ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّالِثَةُ: إِذَا كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّهُ كَفَالَةٌ، أَوْ ضَمَانٌ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَضَمَانِ الْعُهْدَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ عَقْدٍ عَلَى آخَرَ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا إِذَا عَلَّقَهُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُؤَقَّتِ كَالْمُعَلَّقِ بِشَرْطِهِ، فَلَوْ كَفَلَهُ شَهْرًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَلَمْ يَجُزْ تَوْقِيتُهُ كَالْهِبَةِ، وَفِي " التَّنْبِيهِ " إِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إِذَا لَمْ يُطَالِبْهُ بِإِحْضَارِهِ فِيهَا.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: كَفَلْتُ بَدَنَ فُلَانٍ عَلَى أَنْ يَبْرَأَ الْكَفِيلُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ فَيَفْسُدُ عَقْدُ الْكَفَالَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقِيلَ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، لِأَنَّهُ شَرَطَ تَحْوِيلَ الْوَثِيقَةِ فَعَلَيْهِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ إِلَّا أَنْ يَبْرَأَ الْكَفِيلُ مِنْهَا.
[عَدَمُ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ إِلَّا بِرِضَا الْكَفِيلِ]
(وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِرِضَا الْكَفِيلِ) ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً إِلَّا بِرِضَاهُ (وَفِي رِضَا الْمَكْفُولِ بِهِ وَجْهَانِ) أَشْهَرُهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ كَالضَّمَانِ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِحْضَارُهُ، فَإِذَا كُفِلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ مَعَهُ بِخِلَافِ الضَّمَانِ، فَإِنَّ الضَّامِنَ يَقْضِي الْحَقَّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمَكْفُولِ لَهُ، لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَا قَبْضَ فِيهَا، فَصَحَّتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَالشَّهَادَةِ (وَمَتَى أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ) مَكَانَ الْعَقْدِ بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ (وَسَلَّمَهُ بَرِئَ) مُطْلَقًا إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَعَنْهُ: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بَرِئْتُ لَكَ مِنْهُ، أَوْ قَدْ سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ،
إِلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أَوْ تَلَفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ بَرِئَ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ فَبَرِئَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْإِجَارَةِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ بَرِئَ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنِ امْتَنَعَ أَشْهَدَ عَلَى امْتِنَاعِهِ رَجُلَيْنِ وَبَرِئَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْفَعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُسَلِّمُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَشْهَدَ (إِلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ) مِثْلَ أَنْ تَكُونَ حُجَّةُ الْغَرِيمِ غَائِبَةً، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، أَوِ الدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ، أَوْ هُنَاكَ ظَالِمٌ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُهُ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْكَفَالَةَ تَصِحُّ مُؤَجَّلَةً، لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ جَعَلَهُ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ جَعَلَهُ إِلَى الْحَصَادِ وَنَحْوِهِ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ هُنَا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ عِوَضٍ، فَصَحَّ كَالنَّذْرِ، ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانًا لِتَسْلِيمِهِ تَعَيَّنَ، وَلَمْ يَبْرَأْ بِإِحْضَارِهِ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ تَعَيَّنَ مَكَانُ الْعَقْدِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْرَأُ بِإِحْضَارِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْبَلَدِ، وَعَنْهُ: وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ سُلْطَانٌ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي إِحْضَارِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ لَمْ يَبْرَأْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ فِيهِ بَرِئَ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِحْضَارُهُ مِنْهُ إِلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَيُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ من إخراجه لِيُحَاكِمَ غَرِيمَهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ، وَإِنْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ أَخَذَ بِهِ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَالشَّيْخَانِ كَالْكَفِيلِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أَوْ تَلَفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى) قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ (أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: إِذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَتَسْقُطُ الْكَفَالَةُ فِي الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ الْحُضُورَ سَقَطَ عَنْهُ فَبَرِئَ كَفِيلُهُ، كَمَا لَوْ أُبْرِئَ مِنَ الدَّيْنِ، وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ وَيُطَالَبُ بِمَا عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُشْرَطْ فِيهَا عَدَمُ ضَمَانِهِ، لِأَنَّ الْكَفِيلَ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ
الْكَفِيلُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عَوَّضَ الْعَيْنَ وَإِنْ غَابَ أُمْهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدْرِ مَا يَمْضِي فَيُحْضِرُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ وَإِذَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَقُّ اسْتُوْفِيَ مِنَ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، لِأَنَّ الرَّهْنَ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَالُ فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ بَقَاؤُهَا بِمَوْتِ الْكَفِيلِ فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا كُفِّلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا فَوَثِقَ وَرَثَتُهُ، وَإِلَّا حَلَّ فِي الْأَقْيَسِ، أَوِ الْمَكْفُولُ لَهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا تَلِفَتِ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ، لِأَنَّ تَلَفَهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ الْمَكْفُولِ بِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا تَلِفَتْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ بَدَلُهَا.
الثَّالِثَةُ: إِذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ بِشَرْطِهِ بَرِئَ كَفِيلُهُ، كَمَا لَوْ قَضَى الْمَدْيُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَفَلَ إِنْسَانًا، أَوْ ضَمِنَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ قَدَّمَ قَوْلَ خَصْمِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ، أَوْ بَقَاءُ الدَّيْنِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ وَإِذَا قَالَ: بَرِئْتُ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلْتُهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِقَبْضِ الْحَقِّ وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَحْدَهُ وَإِذَا مَاتَ الْمَدْيُونُ فَأَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ، فَلَمْ تَقْبَلْ وَرَثَتُهُ بَرِئَ مَعَ كَفِيلِهِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عَوَّضَ الْعَيْنَ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . وَلِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيِ الْكَفَالَةِ، فَوَجَبَ الْغُرْمُ بِهَا كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَكَفِيلُ الْوَجْهِ ضَامِنٌ لِلْمَالِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ لَا مَالَ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَوْلًا.
وَالثَّانِي: فَسَادُهَا لِإِضَافَتِهَا إِلَى عُضْوٍ.
قَالَهُ الْمَجْدُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَلْزَمُهُ إِنِ امْتَنَعَ بِسُلْطَانٍ، وَأُلْحِقَّ بِهِ مُعْسِرٌ وَمَحْبُوسٌ وَنَحْوُهُمَا لِاسْتِوَاءِ الْمَعْنَى (وَإِنْ غَابَ) فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ (أُمْهِلَ الْكَفِيلُ) ، وَلَمْ يُطَالِبْهُ (بِقَدْرِ مَا يَمْضِي فَيُحْضِرُهُ) لَهُ لِيَتَحَقَّقَ إِمْكَانَ التَّسْلِيمِ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَسَافَةُ
طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا وَإِذَا كُفِلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
قَرِيبَةً، أَوْ بَعِيدَةً، فَلَوِ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُؤْخَذِ الْكَفِيلُ بِالْحَقِّ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُهُ رَدُّهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ) ، أَوْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ (ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ) وَأُخِذَ بِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَجُهِلَ مَحَلُّهُ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ انْتَهَى، فَلَوْ أَدَّى مَا لَزِمَهُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ كَضَامِنٍ، وَأَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمَكْفُولِ لَهُ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ لِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ (وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ) لِيُسَلِّمَهُ إِلَى الْمَكْفُولِ لَهُ (لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ) ، لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ بِإِذْنِهِ فَلَزِمَهُ تَخْلِيصُهَا، كَمَا لَوِ اسْتَعَارَ عَبْدَهُ فَرَهَنَهُ بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيصَهُ إِذَا طَلَبَهُ سَيِّدُهُ (أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ) أَيْ: لَزِمَهُ الْحُضُورُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّ حُضُورَهُ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ، وَقَدِ اسْتَنَابَ الْكَفِيلَ فِي ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ لَهُ بِالْوَكَالَةِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ، لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ لَمْ يَشْغَلْ ذِمَّتَهُ، وَإِنَّمَا شَغَلَهَا الْكَفِيلُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يُوَكِّلْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ لِآخَرَ: اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ، أَوِ اكْفُلْ بِفُلَانٍ فَفَعَلَ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لِمُبَاشِرِ لَا الْآمِرِ فَلَوْ قَالَ: أَعْطِ فُلَانًا كَذَا فَفَعَلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَعْطِهِ عَنِّي.
(وَإِذَا كُفِلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَبْرَأِ الْآخَرُ) ، لِأَنَّ إِحْدَى الْوَثِيقَتَيْنِ انْحَلَّتِ من غير اسْتِيفَاءً، فَلَمْ تَنْحَلَّ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ أَبْرَأَ أَحَدُهُمَا، أَوِ انْفَكَّ أَحَدُ الرَّهْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ بِخِلَافِ الْمَكْفُولِ بِهِ إِذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ فَيَبْرَآنِ بِبَرَاءَتِهِ، لِأَنَّهُمَا فَرْعَاهُ، وَقِيلَ: يَبْرَأُ، اخْتَارَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ "، كَمَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ أَحَدُ الضَّامِنَيْنِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْآخَرُ.
أَجَابَ فِي " الْفُصُولِ " بِأَنَّ الْوَثِيقَةَ بَرِئَتْ بِقَبْضِ مَا فِيهَا فَلِهَذَا بَرِئَتِ الْأُخْرَى بِخِلَافِ هَذَا، وَقِيلَ: إِنْ كَفَلَاهُ مَعًا، أَوْ وَكَّلَ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِي تَسْلِيمِهِ بَرِئَ، وَإِلَّا فَلَا.
يَبْرَأِ الْآخَرُ، وَإِنْ كُفِلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الْآخَرِ.
بَابُ الْحَوَالَةِ وَالْحَوَالَةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ كُفِلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الْآخَرِ) ، لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ، فَقَدِ الْتُزِمَ إِحْضَارُهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ وَكَمَا لَوْ ضَمِنَ دَيْنًا لِاثْنَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا حَقَّهُ.
خَاتِمَةٌ: إِذَا أَحَالَ رَبُّ الْحَقِّ، أَوْ أُحِيلَ بِهِ، أَوْ زَالَ الْعَقْدُ بَرِئَ الْكَفِيلُ وَبَطَلَ الرَّهْنُ وَيَثْبُتُ لِوَارِثِهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " فِي الصُّورَةِ الْأُولَى احْتِمَالُ وَجْهَيْنِ فِي بَقَاءِ الضَّمَانِ.
وَنَقَلَ " مُهَنَّا " فِيهَا يَبْرَأُ، وَأَنَّهُ إِنْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ رَقَّ وَسَقَطَ الضَّمَانُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي لَوْ أَقَالَهُ فِي سَلَمٍ بِهِ رَهْنٌ، حَبَسَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَلَوْ ضَمِنَهُ اثْنَانِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَا ضَامِنٌ لَكَ الدَّيْنَ فَهُوَ ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ فِي انْفِرَادٍ فَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالدَّيْنِ كُلِّهِ، وَإِنْ قَالَا: ضَمِنَّا لَكَ الدَّيْنَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ، وَفِي " الْقَوَاعِدِ ": إنَّهُ إِذَا ضَمِنَ اثْنَانِ دَيْنَ رَجُلٍ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ الدَّيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِالْحِصَّةِ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحُوا بِمَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولُوا: ضَمِنَّا لَكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ الدَّيْنَ، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَصَاحِبِ " الْمُغْنِي " وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الضَّامِنِينَ فَيَصِيرُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا عَلَيْهِمَا.
- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
[بَابُ الْحَوَالَةِ]
[حَقِيقَة الحوالة وَحُكْمُهَا]
بَابُ الْحَوَالَةِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْأَصَمِّ، وَسَنَدُهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَمِنْهَا مَا خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ.
وَفِي لَفْظٍ " مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى.
الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِحَالٍ.
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوِ السَّلَمِ، أَوِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: إِنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بَدَيْنٍ، فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا عَقْدُ إِرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ، وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ فَعَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ.
وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُحِيلٍ وَمُحْتَالٍ وَمُحَالٍ عَلَيْهِ وَتَصِحُّ بِلَفْظِهَا، أَوْ مَعْنَاهَا الْخَاصِّ.
(وَالْحَوَالَةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّحْوِيلِ وَحَيْثُ صَحَّتِ الْحَوَالَةُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ، وَانْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُحِيلِ (بِحَالٍ) ، لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ، فَلَا يَعُودُ بَعْدَ انْتِقَالِهِ هَذَا إِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا وَرَضِيَ بِهَا الْمُحْتَالُ، وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْيَسَارُ سَوَاءٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ، أَوْ تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ، أَوْ فَلَسٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ جَحْدِ الْحَقِّ، وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ وَحَلَفَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، وَعَنْهُ: إِذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُحْتَالُ بِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، إِذِ الْفَلَسُ عَيْبٌ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا كَانَ لَهُ عَلَى عَلِيٍّ دَيْنٌ فَأَحَالَهُ بِهِ فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: اخْتَرْتَ عَلَيْنَا أَبْعَدَكَ اللَّهُ فَأَبْعَدَهُ بِمُجَرَّدِ احْتِيَالِهِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ، لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ.
[شُرُوطُ الْحَوَالَةِ]
[الْأَوَّلُ أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ]
(وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ بِعَرْضِيَّةِ السُّقُوطِ، إِذْ مُقْتَضَاهَا الْتِزَامُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ مُطْلَقًا، وَلَا يَثْبُتُ فِيمَا هَذَا صِفَتُهُ (فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوِ السَّلَمِ، أَوِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَصِحَّ) وَهُنَا صُوَرٌ.
يَصِحَّ وَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَوِ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ صَحَّ.
وَالثَّانِي: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ، وَالتَّأْجِيلِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا
[المبدع في شرح المقنع]
الْأُولَى: إِذَا أَحَالَ عَلَى مَال الكتابة غير صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ، وَيَسْقُطَ بِعَجْزِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَلَّ فِي الْمَنْصُوصِ وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ آخَرَ، إِذْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ فِي الْمُدَايَنَاتِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَحَالَ عَلَى مَالِ السَّلَمِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلْفَسْخِ بِانْقِطَاعِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي السَّلَمِ لِقَوْلِهِ: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» ، لَكِنْ فِي صِحَّتِهَا فِي رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَحَالَتْ بِصَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ بِرِدَّتِهَا، أَوْ نِصْفِهِ بِطَلَاقِهَا.
وَمِثْلُهُ إِذَا أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا أَحَالَتْ بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ (وَإِنْ أَحَالَ الْمَكَاتَبُ سَيِّدَهُ) بِنَجْمٍ قَدْ حَلَّ (أَوِ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ، صَحَّ) ، لِأَنَّ لَهُ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهَا، وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ، وَكَذَا إِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُ الْمُحَالِ بِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَجَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ: يُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُهُ كَالْمُحَالِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ لَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ.
[الثَّانِي اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ]
(وَالثَّانِي: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ) أَيْ: تَمَاثُلُ الْحَقَّيْنِ (فِي الْجِنْسِ) كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ، أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، فَإِنْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ، أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يَصِحَّ (وَالصِّفَةِ) كَصِحَاحٍ بِصِحَاحٍ، أَوْ مُضْرَبَةٍ بِمِثْلِهَا، فَلَوِ اخْتَلَفَا لَمْ يَصِحَّ (وَالْحُلُولِ) أَيْ: بِأَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ (وَالتَّأْجِيلِ) أَيْ: بِأَنْ يَكُونَا مُؤَجَّلَيْنِ وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الْأَجَلِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَحِلُّ بَعْدَ شَهْرٍ، وَالْآخَرُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهَا إِرْفَاقٌ كَالْقَرْضِ، فَلَوْ
الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا وَإِنْ ظَنَّهُ مليئا فبان
[المبدع في شرح المقنع]
جُوِّزَتْ مَعَ الِاخْتِلَافِ لَصَارَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا الْفَضْلَ فَتَخْرُجُ عَنْ مَوْضُوعِهَا وَاكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ ذِكْرِ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ، لِأَنَّ الْأَجَلَ إِذَا مُنِعَ لِكَوْنِهِ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ تَقْدِيرًا فَالزِّيَادَةُ الْمُحَقَّقَةُ أَوْلَى.
فَرْعٌ: إِذَا صَحَّتِ الْحَوَالَةُ فَتَرَاضَيَا بِأَنْ يَدْفَعَ خَيْرًا مِنْ حَقِّهِ، أَوْ بِدُونِهِ فِي الصِّفَةِ، أَوْ تَعْجِيلِهِ، أَوْ تَأْجِيلِهِ، أَوْ عِوَضِهِ جَازَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ فِي " التَّرْغِيبِ " الْأَوَّلَةَ فَظَاهِرُهُ مَنْعُ عِوَضِهِ.
وَنَقَلَ سِنْدِيٌّ فِيمَنْ أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِدِينَارٍ فَأَعْطَاهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا: لَا يَنْبَغِي إِلَّا مَا أَعْطَاهُ.
[الثَّالِثُ أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ]
(وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْمُقَاصَّةِ، وَعِلْمِ الْمَالِ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بَيْعًا، فَلَا تَصِحُّ فِي مَجْهُولٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُحَوِّلُ الْحَقَّ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّسْلِيمُ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْهُ فَتَصِحُّ فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ فِي الذِّمَّةِ بِالِائْتِلَافِ مِنَ الْأَثْمَانِ، وَالْحُبُوبِ، وَالْأَدْهَانِ، فَلَا تَصِحُّ بِمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَالْجَوْهَرِ، وَفِيمَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ غَيْرَ الْمِثْلِيِّ كَالْمَذْرُوعِ، وَالْمَعْدُودِ وَجْهَانِ، وَفِي الْحَوَالَةِ بِإِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهَا وَجْهَانِ، فَإِنْ أَحَالَ بِإِبِلِ الدِّيَةِ عَلَى إِبِلِ الْقَرْضِ، صَحَّ إِنْ قِيلَ: يَرُدُّ فِيهِ الْمِثْلَ، وَإِنْ قُلْنَا بِرَدِّ الْقِيمَةِ، فَلَا لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ لَمْ تَصِحَّ مُطْلَقًا (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ، وَقَدْ أَقَامَ الْمُحْتَالَ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي الْقَبْضِ فَلَزِمَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ كَالْوَكِيلِ (وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا) بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَفُسِّرَ الْمَلِيءُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْعِجْلِيِّ أَنْ يَكُونَ مَلِيئًا بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ، فَمَالُهُ: الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَفَاءِ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُمَاطِلًا، وَبَدَنُهُ: إِمْكَانُ حُضُورِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ " مَالُهُ:
مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِهِ، فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا فَالْحَوَالَةُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَفَاءِ، وَقَوْلُهُ: إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ، وَبَدَنُهُ: الْحَيَاةُ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْقَبُولِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ قَبْلَ أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: نَعَمْ نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ وَهِيَ الْمَذْهَبُ، فَلَوْ هَلَكَ الْمُحَالُ مُعْسِرًا، أَوْ مَاتَ، أَوْ جَحَدَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ، لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ وَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ مَنْ بَذَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ فَامْتَنَعَ رَبُّهُ مِنْ قَبْضِهِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْقَبْضِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ قَبْلَ ذَلِكَ (وَإِنْ ظَنَّهُ مليئا فبان مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ رَجَعَ عَلَيْهِ) ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْفَلَسَ عَيْبٌ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَعَ الرِّضَا يَزُولُ شَغْلُ الذِّمَّةِ، فَلَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ) هَذَا رِوَايَةٌ كَشَرْطِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالَانِ، وَفِي " الْكَافِي " رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ الْمُحْتَالُ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِفَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِرِضَاهُ بِدُونِ حَقِّهِ كَالْمَعِيبِ.
(وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِهِ فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا) ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَظَهَرَ حُرًّا، أَوْ مُسْتَحِقًّا (فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ) ، لِأَنَّهُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ تَبَيَّنَّا أَنْ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَالْحَوَالَةُ فَرْعٌ عَلَى الثَّمَنِ، فَإِذًا يَبْطُلُ الْفَرْعُ لِبُطْلَانِ أَصْلِهِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي مَسْأَلَةِ حَوَالَتِهِ، وَعَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَمَّا بَطَلَتْ وَجَبَ بَقَاءُ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ وَيُعْتَبَرُ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِبَيِّنَةً، أَوِ اتِّفَاقُهُمْ، فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ وَكَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ حَقَّهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اعْتَرَفَ هُوَ وَبَائِعُهُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً لَمْ تُسْمَعْ، لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِدُخُولِهِمَا فِي التَّبَايُعِ، لَكِنْ إِنْ أَقَامَهَا الْعَبْدُ قُبِلَتْ وَبَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمُحْتَالُ وَادَّعَى أَنَّهَا بِغَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنِ اتَّفَقَ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ وَكَذَّبَهُمَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ
بَاطِلَةٌ، وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ إِقَالَةٍ لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالَ الْمُشْتَرِيَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا وَإِذَا
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِمَا وَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ، وَلَوِ اعْتَرَفَ الْمُحْتَالُ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَتَقَ لِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بَحْرِيَّتِهِ وَبَطَلَتِ الْحَوَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ، لِأَنَّ دُخُولَهُ مَعَهُ فِي الْحَوَالَةِ اعْتِرَافٌ بِبَرَاءَتِهِ.
(وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ إِقَالَةٍ) ، أَوْ خِيَارٍ، أَوِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَنَحْوُهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ (لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ) ، لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَرْتَفِعْ هُنَا، فَلَمْ يَسْقُطِ الثَّمَنُ، فَلَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ لِانْتِفَاءِ الْمُبْطِلِ وَكَمَا لَوْ أَخَذَ الْبَائِعُ بِحَقِّهِ عِوَضًا، وَحِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّ الْعِوَضَ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِالْعِوَضِ، وَالرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مُتَعَذِّرٌ لِلُزُومِ الْحَوَالَةِ، فَوَجَبَ فِي بَدَلِهِ وَإِذَا لَزِمَ الْبَدَلُ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي انْتَفَعَ بِمُبْدَلِهِ.
(وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالَ الْمُشْتَرِيَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الثَّانِيَةِ) ، لِأَنَّ دَيْنَ الْبَائِعِ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، وَدَيْنُ الْمُشْتَرِي ثَابِتٌ عَلَى الْبَائِعِ ثُبُوتًا مُسْتَقِرًّا، فَصَحَّتِ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُسْتَقِرَّةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا) حَكَاهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " قَوْلًا، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ تَسْقُطُ بِالْفَسْخِ، فَوَجَبَ بُطْلَانُ الْحَوَالَةِ لِذَهَابِ حَقِّهِ مِنَ الْمَالِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فَعَلَى هَذَا فِي بُطْلَانِ إِذْنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ وَجْهَانِ، وَأَبْطَلَ الْقَاضِي الْحَوَالَةَ بِهِ لَا عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ الْمُحْتَالُ قَبَضَهَا وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ بِإِذْنِهِ (وَإِذَا) أَمَرَ رَجُلًا بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ غَرِيمُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا (قَالَ: أَحَلْتُكَ قَالَ: بَلْ وَكَّلْتَنِي) فِي قَبْضِهِ وَدَيْنِي بَاقٍ فِي ذِمَّتِكَ (أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ) بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ (قَالَ: بَلْ أَحَلْتَنِي) بِلَفْظِ
قَالَ: أَحَلْتُكَ قَالَ: بَلْ وَكَّلْتَنِي، أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ قَالَ: بَلْ أَحَلْتَنِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، وإن اتفقا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُكَ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَوَالَةِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ) مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَقَاءَ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ وَيُنْكِرُ انْتِقَالَهُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا، لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ (وإن اتفقا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُكَ) ، أَوْ أَحَلْتُكَ بِدَيْنِي (وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَذْهَبُ يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَقِّ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَالْمُحْتَالُ يَدَّعِي نَقْلَهُ، وَالْمُحِيلُ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَالثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ لِمُوَافَقَةِ دَعْوَاهُ الْحَقِيقَةَ وَدَعْوَى خَصْمِهِ الْمَجَازَ فَعَلَيْهِ يَحْلِفُ الْمُحْتَالُ وَيَثْبُتُ حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ وَيَسْقُطُ عَنِ الْمُحِيلِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْلِفُ الْمُحِيلُ وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمَا إِنْ كَانَ الْمُحْتَالُ قَبَضَ الْحَوَالَةَ مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَتَلَفَ فِي يَدِهِ، فَقَدْ بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ فَوَجْهَانِ (وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ) بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَجْهًا وَاحِدًا) ، وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مُدَّعِيهَا.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ مِنَ الدُّيُونِ إِذْنٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ وَلِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ وَمُطَالَبَةُ مُحِيلِهِ، وَإِحَالَةُ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ دَيْنُهُ عَلَيْهِ وَكَالَةٌ، وَمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِهِ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ، وَكَذَا مَدِينٌ عَلَى بَرِيءٍ، فَلَا يُصَارِفُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " الْوجيزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " إِنْ رَضِيَ الْبَرِيءُ بِالْحَوَالَةِ صَارَ ضَامِنًا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَجْهًا وَاحِدًا.
بَابُ الصُّلْحِ
الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِي: مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً تَسَاقَطَا، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ سَقَطَ الْأَقَلُّ.
وَمِثْلُهُ مِنَ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: بِرِضَاهُمَا، وَعَنْهُ: أَوْ أَحَدِهِمَا، وَعَنْهُ: لَا يَتَقَاصُّ الدَّيْنَانِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَيْنَ سَلَمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ "، أَوْ كَانَا مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ.
الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَطَالَبَهُ فَقَالَ أَحَلْتُ بِهِ فُلَانًا الْغَائِبَ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيُعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ.
الرَّابِعُ: إِذَا نَوَى الْمَدْيُونُ وَفَاءَ دَيْنِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ وَفَّاهُ حَاكِمٌ قَهْرًا كَفَتْ نِيَّتُهُ إِنْ قَضَاهُ مِنْ مَدْيُونٍ، وَفِي لُزُومِ رَبِّ الدَّيْنِ بِنِيَّةِ قَبْضِ دَيْنِهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ رَدَّ بَدَلَ عَيْنٍ نَوَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
[بَابُ الصُّلْحِ]
[تَعْرِيفُ الصلح وَحُكْمُهُ]
بَابُ الصُّلْحِ
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ فَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَهُوَ أَنْوَاعٌ: صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَالْبَغْيِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا وَصُلْحٌ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا.
وَمَعْنَاهُ لُغَةً: قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ.
وَشَرْعًا: مُعَاقَدَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ، صَحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ، أَوْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمَأْذُونِ لَهُ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إِلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ صَالَحَ عَن
[المبدع في شرح المقنع]
[أَقْسَامُ الصُّلْحِ]
[صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ]
[الْأَوَّلُ الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ]
(الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ) كَدَارٍ (فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ، فَيَصِحُّ) ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ، كَمَا لَا يُمْنَعُ مِنِ اسْتِيفَائِهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَلَّمَ غُرَمَاءَ جَابِرٍ لِيَضَعُوا عَنْهُ، وَقَضِيَّةُ كَعْبٍ مَعَ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ لَيْسَ عِنْدَهُ وَفَاءٌ، فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ حَقِّهِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْبَاقِيَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُمَا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهِيَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ صَالَحَ عَنْ بَعْضِ مَالِهِ بِبَعْضٍ فَهُوَ هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ ظَاهِرُ " الْمُوجَزِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ " وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَصِحُّ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ مَنَعَ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى الصُّلْحَ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَأَبَاهُ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ وَفَّاهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَهُوَ وَفَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مُعَاوَضَةً، وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِهِ فَهُوَ إِبْرَاءٌ، وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ فَهُوَ هِبَةٌ، وَلَا يُسَمَّى صُلْحًا فَالْخِلَافُ إِذَنْ فِي التَّسْمِيَةِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَشَرْطُهُ (إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ أَكْلٌ لِمَالِ الْغَيْرِ بِالْبَاطِلِ وَهَضْمٌ لِلْحَقِّ (أَوْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ) أَيْ: بِدُونِ الصُّلْحِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمَأْذُونِ لَهُ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ) ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَهَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُونَهُ (إِلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ) ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
وَمِثْلُهُ نَاظِرُ الْوَقْفِ.
وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي شَرْحِهِ عَلَى " الْمُحَرَّرِ "، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْبَعْضِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعَ الْإِقْرَارِ، أَوْ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ لَا
الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْمَالِ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ دُونَ التَّأْجِيلِ، وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ،
[المبدع في شرح المقنع]
يَمْلِكُونَهُ لِمَا قُلْنَا وَيَصِحُّ عَمَّا ادَّعَى عَلَى مُوَلِّيهِ وَبِهِ بَيِّنَةٌ، وَقِيلَ: أَوْ لَا.
(وَلَوْ صَالَحَ عَنِ الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا لَمْ يَصِحَّ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِأَنَّهُ يَبْذُلُ الْقَدْرَ الَّذِي يَحُطُّهُ عِوَضًا عَنْ تَعْجِيلِ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَمَعَ الْحُلُولِ، وَالتَّأْجِيلِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ عَشَرَةً حَالَّةً بِعِشْرِينَ مُؤَجَّلَةٍ، وَفِي الْإِرْشَادِ، وَ " الْمُبْهِجِ " رِوَايَةٌ بِالصِّحَّةِ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ هُنَا، وَكَدَيْنِ الْكِتَابَةِ جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ.
وَقَالَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا، فَدَلَّ أَنَّهُ إِنَّمَا جَوَّزَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَالْأَشْهُرُ عَكْسُهُ.
(وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ) ، كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةٍ حَالَّةٍ بِخَمْسِينَ مُؤَجَّلَةٍ (صَحَّ الْإِسْقَاطُ) ، لِأَنَّهُ أَسْقَطَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مُقَابِلِهِ تَأْجِيلٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، وَصَحَّحَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (دُونَ التَّأْجِيلِ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْحَالَّ لَا يَتَأَجَّلُ، وَلِأَنَّهُ وَعْدٌ، وَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةٍ صِحَاحٍ بِخَمْسِينَ مُكَسَّرَةٍ هَلْ هُوَ إِبْرَاءٌ مِنَ الْخَمْسِينَ وَوَعْدٌ فِي الْأُخْرَى؛ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأِ، أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا لَمْ يَصِحَّ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، لِأَنَّ الدِّيَةَ وَالْقِيمَةَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِقَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا كَالثَّابِتَةِ عَنْ قَرْضٍ، إِذِ الزَّائِدُ لَا مُقَابِلَ لَهُ فَيَكُونَ حَرَامًا، لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَكَالْمِثْلِيِّ، وَقَيَّدَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَغَيْرِهِ الْمُتْلَفَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مِثْلِيٍّ وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ تَأْجِيلُ الْقِيمَةِ.
قَالَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْمِائَةِ الثَّابِتَةِ بِالتَّلَفِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، لِأَنَّهُ عَاوَضَ عَنِ الْمُتْلَفِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ إِيَّاهُ.
أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ صَالَحَهُ بِعِوَضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، صَحَّ فِيهِمَا، وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ بَيْتٍ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيكَ مِنْهُ مِائَةً فَفَعَلَ، صَحَّ الْإِقْرَارُ، وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، فَإِنْ صَالَحَ إِنْسَانًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَوِ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ إِلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً بِتَأْجِيلِ الْحَالِّ فِي الْمُعَاوَضَةِ لَا التَّبَرُّعِ (وَإِنْ صَالَحَهُ بِعِوَضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، صَحَّ فِيهِمَا) ، لِأَنَّهُ لَا رِبَا بَيْنَ الْعِوَضِ، وَالْمُعَوَّضِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مَا يُسَاوِي خَمْسَةً بِدِرْهَمٍ.
(وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ بَيْتٍ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بَيْتًا فَصَالَحَهُ (عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً) ، أَوْ صَالَحَهُ عَلَى بَعْضِهِ (لَمْ يَصِحَّ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ يُصَالِحُهُ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى مِلْكِهِ، أَوْ مَنْفَعَتِهِ فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ تَبَرُّعًا مَتَى شَاءَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُصَالَحَةِ مُعْتَقِدًا إِيجَابَهُ عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ مَا سَكَنَ وَأَخَذَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنَ الدَّارِ، لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (وَإِنْ قَالَه لَهُ: أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيكَ) ، أَوْ خُذْ (مِنْهُ مِائَةً فَفَعَلَ، صَحَّ الْإِقْرَارُ) ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِنْكَارُهُ (وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ بِإِقْرَارِهِ، وَأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ (وَإِنْ صَالَحَ إِنْسَانًا) مُكَلَّفًا (لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ) أَيْ: بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ (أَوِ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ صُلْحٌ يُحِلُّ حَرَامًا، لِأَنَّ إِرْقَاقَ النَّفْسِ وَبَذْلَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا بِعِوَضٍ لَا يَجُوزُ.
(وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ إِلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ بَعِوَضٍ وَيُشْرَعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الدَّافِعِ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَيَدْفَعُ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا دَفَعَتْ إِلَيْهِ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي " الْمُغْنِي "، وَهُوَ
صَحَّ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ، فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ فَهُوَ صَرْفٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ فَهُوَ بَيْعٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ
[المبدع في شرح المقنع]
ظَاهِرُ " الْبُلْغَةِ "، لِأَنَّ الدَّفْعَ فِي الْإِنْكَارِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا أُجِيزَ الْخُلْعُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إِلَى افْتِدَاءِ نَفْسِهَا، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي النِّكَاحِ فَجَازَ كَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالْمَرْأَةُ تَبْذُلُهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَإِزَالَةِ الشُّرُورِ بِمَا تَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا لِكَوْنِ الْحَاكِمِ يَرَى ذَلِكَ، فَلَوْ صَالَحَتْهُ، ثُمَّ ثَبَتَتِ الزَّوْجِيَّةُ، فَإِنْ قُلْنَا: الصُّلْحُ بَاطِلٌ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ الزَّوْجِ طَلَاقٌ، وَلَا خُلْعٌ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ صَحِيحٌ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، وَالثَّانِي: تَبِينُ مِنْهُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ، لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ عَمَّا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِكَاحِهَا فَكَانَ خُلْعًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ فَخَالَعَهَا، وَلَوِ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ لِتَتْرُكَ دَعْوَاهَا لَمْ يَصِحَّ.
وَقِيلَ: بَلَى، كَمَا لَوْ بَذَلَتْ لَهُ عِوَضًا لِيُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا.
[النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ]
(النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ صُلْحِ الْإِقْرَارِ (أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ) ، كَمَا لَوِ اعْتَرَفَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ، أَوْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ يُعَوِّضُهُ عَنْهُ بِمَا يَجُوزُ تَعْوِيضُهُ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ نَبَّهَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ فَهُوَ صَرْفٌ) ، لِأَنَّهُ بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ فَيُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ فَهُوَ بَيْعٌ) ، لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَفِيهِ شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ: " بِعَرَضٍ فَبَيْعٌ " لَكَانَ أَوْلَى، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ بِهِ كَالْمَبِيعِ وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
فَرْعٌ: إِذَا صَالَحَ عَنْ دَيْنٍ فَيَجُوزُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا وَيَحْرُمُ بِجِنْسِهِ بِأَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ يَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ كَسُكْنَى دَارٍ) ، أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ، أَوْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلًا مَعْلُومًا (فَهُوَ إِجَارَةٌ) ، لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ (تَبْطُلُ بِتَلَفِ
كَسُكْنَى دَارٍ فَهُوَ إِجَارَةٌ تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَإِنْ صَالَحَتِ الْمَرْأَةُ بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا، صَحَّ، فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ
[المبدع في شرح المقنع]
الدَّارِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ) ، فَإِنْ تَلَفَتْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ انْفَسَخَتْ وَرَجَعَ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ وَبَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِهَا يَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا وَيَرْجِعُ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَقِيلَ: إِنْ صَالَحَ عَنْ دَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ بِخِدْمَةٍ، أَوْ سُكْنَى، صَحَّ، فَإِنْ تَلَفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَرَجَعَ بِمُقَابِلِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ رَجَعَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِقْرَارٍ رَجَعَ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَوْفَى الْبَعْضَ رَجَعَ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ.
مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ، صَحَّ بِشَرْطِهِ وَكَانَ الْمَصَالِحُ عَنْهَا صَدَاقَهَا، فَإِنِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأَمْرٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ رَجَعَ الزَّوْجُ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ بِنِصْفِهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا صَالَحَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً، صَحَّ وَكَانَتْ إِجَارَةً، فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، صَحَّ عِتْقُهُ وَلِلْمُصَالِحِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ نَفْعَهُ فِي الْمُدَّةِ، وَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ مَا أَزَالَ مِلْكَهُ بِالْعِتْقِ إِلَّا عَنِ الرَّقَبَةِ، وَالْمَنَافِعُ حِينَئِذٍ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ زَمِنًا، أَوْ أَمَةً مُزَوَّجَةً، وَقِيلَ: يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ.
(وَإِنْ صَالَحَتِ الْمَرْأَةُ) أَيْ: بَعْدَ اعْتِرَافِهَا لَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ عَيْنٍ (بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا، صَحَّ) ، وَيَكُونُ صَدَاقًا لَهَا، لِأَنَّ عَقْدَ التَّزْوِيجِ يَقْتَضِي عِوَضًا، فَإِذَا جَعَلَتْ ذَلِكَ عِوَضًا عَنِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهَا، صَحَّ كَغَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ) كَبَيَاضٍ فِي عَيْنِ الرَّقِيقِ ظَنَّهُ عَمًى، وَانْتِفَاخِ بَطْنِ الْأَمَةِ يَظُنُّهَا حَامِلًا (رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ) أَيْ: بِأَرْشِ الْعَيْبِ، لِأَنَّهُ صَدَاقُهَا (لَا بِمَهْرِهَا) أَيْ: مَهْرِ مَثْلِهَا، وَحِينَئِذٍ مَهْرُهَا أَرْشُهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، ثُمَّ زَالَ كَمَبِيعٍ كَانَ مَرِيضًا
رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا، وَإِنْ صَالَحَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ بِيعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ لِلْحَاجَةِ.
[المبدع في شرح المقنع]
فَعُوفِيَ لَا شَيْءَ لَهَا، لِأَنَّ زَوَالَ الْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ حَالَ الْعَقْدِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَرْشِ لَا يُقَالُ: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهُ إِذَا صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً وَطُلِّقَتِ الْمُزَوَّجَةُ يَمْتَنِعُ الرَّدُّ، فَإِذَا زَالَ الْعَيْبُ تَعَيَّنَ أَنْ لَا أَرْشَ، لِأَنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ لِلْمِلْكِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فَيَسْتَدْعِي مَرْدُودًا بِخِلَافِ الْأَرْشِ، فَإِنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا فَاتَ مِنَ الْعَيْبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ وَقْتَ الْعَقْدِ بِزَوَالِهِ بَعْدَهُ (وَإِنْ صَالَحَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ بِيعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ) ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ دَيْنًا، لِأَنَّ مَحَلَّهُ الذِّمَّةُ (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهُولِ) عَيْنًا كَانَ، أَوْ دَيْنًا سَوَاءٌ جَهِلَاهُ، أَوْ جَهِلَهُ مِنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ (بِمَعْلُومٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ بِشَرْطٍ (إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ) أَيْ: يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُصَالِحُ عَنِ الشَّيْءِ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُوقِفَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا لَا يدري «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ بَيْنَهُمَا: اسْتَهِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْعِتَاقِ، وَالطَّلَاقِ (لِلْحَاجَةِ) ، وَلِأَنَّهُ إِذَا صَالَحَ مَعَ الْعِلْمِ وَإِمْكَانِ أَدَاءِ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ فَلَأَنْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ أَوْلَى، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ لَأَفْضَى إِلَى ضَيَاعِ الْحَقِّ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فَرْعُ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَأَسَاسَاتِ الْحَائِطِ وَطَيِّ الْبِئْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصُّلْحُ بِمَجْهُولٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ، وَالْجَهَالَةَ تَمْنَعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ فَكَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ، وَظَاهِرُ نُصُوصِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَ " الشَّرْحِ " لِعَدَمِ الْحَاجَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إِنْ صُولِحَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ثَمَنِهَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ، وَلِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلصُّلْحِ الْحَاجَةُ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ وَخَرَّجَ فِي " التَّعْلِيقِ "، وَ " الِانْتِصَارِ " فِي صُلْحِ الْمَجْهُولِ، وَالْإِنْكَارِ مِنَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَجْهُولِ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَخَرَّجَهُ
فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا فَيُنْكِرَهُ، ثُمَّ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ، فَيَصِحُّ وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي حَتَّى إِنْ وَجَدَ بِمَا أَخَذَ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " التَّبْصِرَةِ " مِنَ الْإِبْرَاءِ مِنْ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمَا بِهِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَعْيَانٍ مَجْهُولَةٍ لِكَوْنِهِ إِبْرَاءً وَهِيَ لَا تُقْبَلُ.
[الثَّانِي الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ]
فَصْلٌ (الْقِسْمُ الثَّانِي) : صُلْحٌ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَهُوَ (أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا فَيُنْكِرَهُ) ، أَوْ يَسْكُتَ (ثُمَّ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ، فَيَصِحُّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا» ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَحَلَّ بِالصُّلْحِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يُوَحَّدُ فِي الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْهِبَةِ، فَإِنَّهُ يُحِلُّ لِلْمَوْهُوبِ مَا كَانَ حَرَامًا.
والثَّانِي: لَوْ حَلَّ بِهِ الْمُحَرَّمُ لَكَانَ الصُّلْحُ صَحِيحًا، فَإِنَّ الصُّلْحَ الْفَاسِدَ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ مَعَ بَقَائِهِ على تحريمه، كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى اسْتِرْقَاقِ حُرٍّ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، فَصَحَّ مَعَ الْخَصْمِ كَالصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَشَرْطُ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يَعْتَقِدُ حَقِّيَّةَ مَا ادَّعَاهُ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَكْسَهُ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمُدَّعِي شَيْئًا افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ وَصِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنِ التَّبَذُّلِ وَحُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ ذَوِي الْأَنْفُسِ الشَّرِيفَةِ يَصْعُبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الشَّرِيعَةَ وَرَدَتْ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَهَذَا كَذَلِكَ، إِذِ الْمُدَّعِي يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكِنْ إِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَجُزْ بِأَكْثَرَ، لِأَنَّ الزَّائِدَ لَا مُقَابِلَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً، أَوْ تَفْرِيطًا فِيهَا، أَوْ قِرَاضًا، فَأَنْكَرَ وَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ فَهُوَ جَائِزٌ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِ (وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي) ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ اعْتِقَادِهِ (حَتَّى إِنْ وَجَدَ بِمَا أَخَذَ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ) ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا (وَإِنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ) ، لِأَنَّهُ بِيعَ لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ عِوَضًا، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ صَالَحَ بِبَعْضِ عَيْنِ الْمُدَّعي فَهُوَ فِيهِ كَمُنْكِرٍ، وَفِيهِ
الصُّلْحِ، وَإِنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَيَكُونُ إِبْرَاءً فِي حَقِّ الْآخَرِ، فَلَا يُرَدُّ مَا صَالَحَ عَنْهُ بِعَيْبٍ، وَلَا تُؤْخَذُ بِهِ شُفْعَةٌ، وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ، وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ صَحَّ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
خِلَافٌ (وَيَكُونُ إِبْرَاءً فِي حَقِّ الْآخَرِ) أَيِ: الْمُنْكِرِ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ لَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ (فَلَا يُرَدُّ مَا صَالَحَ عَنْهُ بِعَيْبٍ، وَلَا تُؤْخَذُ بِهِ شُفْعَةٌ) لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ.
أَصْلٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِحُلُولِ الْمَأْخُوذِ، وَلَا تَأْجِيلِهِ.
وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُلْجَأٌ إِلَى التَّأْخِيرِ بِتَأْخِيرِ خَصْمِهِ.
قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": وَظَاهِرُهُ لَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ إِلَّا فِيمَا يَخْتَصُّ الْبَائِعَ مِنْ شُفْعَةٍ عَلَيْهِ وَأَخْذِ زِيَادَةٍ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ.
وَاقْتَصَرَ الْمَجْدُ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ إِذَا صَالَحَهُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ بِتَأْخِيرٍ جَازَ.
(وَمَتَّى كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ) ، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِالْحَقِّ قَادِرٌ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَى مستحقه غير مُعْتَقِدٍ أَنَّهُ مُحِقٌّ (وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ أَكْلٌ لِلْمَالِ بِدَعْوَاهُ الْبَاطِلَةِ الْكَاذِبَةِ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ إِنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ (وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، صَحَّ) ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ، اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِي بِصِحَّةٍ دَعَوَاهُ، أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعي دَيْنًا، أَوْ عَيْنًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ، لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ جَائِزٌ مُطْلَقًا لِقَضِيَّةِ أَبِي قَتَادَةَ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَفِي الْعَيْنِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُنْكِرَ وَكَّلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ، وَ " الْوَجِيزِ " افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ إِذْنِهِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَكَيْلُهُ.
فَلَوْ قَالَ: صَالِحْنِي عَنِ الْمِلْكِ الَّذِي تَدَّعِيهِ فَفِي كَوْنِهِ مُقِرًّا لَهُ وَجْهَانِ (وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) ، لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا لَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ، وَالثَّانِي: يَرْجِعُ كَالضَّمَانِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، وَهُمَا إِذَا نَوَى الرُّجُوعَ، وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذَا قَضَى دَيْنَهُ الثَّابِتَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَفِي هَذَا التَّخْرِيجِ نَظَرٌ،
لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِنْقَاذِهَا، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ صَحَّ، ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فَسْخِ الصُّلْحِ وَإِمْضَائِهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ هَذَا لَا يُثْبِتُ وَجُوبَهَ عَلَى الْمُنْكِرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمُدَّعِي فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إِلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ غَيْرَ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى) فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ، وَلَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ خُصُومَةٌ يَفْتَدِي مِنْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَى مِلْكَ غَيْرِهِ (أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِنْقَاذِهَا لَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَا يَقْدِرُ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَشِرَاءِ الْآبِقِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَالِحُ عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ عَيْنًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، فَصَحَّحَاهُ فِي الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ مِلْكَهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهِ وَمَنَعَاهُ فِي الدَّيْنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَحَكَيَا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ صِحَّتَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ الْمُقِرِّ بِهِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ لَا يَصِحُّ فَفِي ذِمَّةِ مُنْكِرٍ مَعْجُوزٍ عَنْ قَبْضِهِ أَوْلَى، فَإِنِ اشْتَرَاهُ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ قَبْضِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَبْضَهُ مُمْكِنٌ، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ (وَإِنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، صَحَّ) أَيْ: مَعَ الِاعْتِرَافِ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ مِلْكَهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ (ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فَسْخِ الصُّلْحِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى بَدَلِهِ (وَإِمْضَائِهِ) ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " احْتِمَالُ أَنَّهُ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الصُّلْحَ كَانَ فَاسِدًا، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى قَبْضِهِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ حَالَ الْعَقْدِ فَهُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ آبِقًا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ أَجْنَبِيٌّ: أَنَا وَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مُصَالَحَتِكَ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَكَ فِي الْبَاطِنِ، فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ وَمَتَى صَدَّقَهُ الْمُنْكِرُ مَلَكَ الْعَيْنَ وَلَزِمَهُ مَا أَدَّى عَنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ حَلَّفَهُ وَبَرِئَ وَحَكَمَ مِلْكَهَا فِي الْبَاطِنِ إِنْ كَانَ وَكَّلَهُ، فَلَا يَقْدَحُ إِنْكَارُهُ،
فَصْلٌ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ بِدِيَاتٍ وَبِكُلِّ مَا يُثْبِتُ مَهْرًا وَلَوْ صَالَحَ سَارِقًا
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي: قَدْ عَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صِحَّةَ دَعَوَاكَ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ أَنْ تُصَالِحَهُ عَنْهُ، وَقَدْ وَكَّلَنِي فِي الْمُصَالَحَةِ عَنْهُ صَحَّ، وَإِنْ صَالَحَ عَنِ الْمُنْكِرِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُنْكِرَ أَقَرَّ قَبْلَ الصُّلْحِ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي لَمْ يُسْمَعْ، وَلَمْ يُنْقَضِ الصُّلْحُ، وَلَوْ شَهِدَتْ بِأَصْلِ الْمِلْكِ.
[الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ]
فَصْلٌ هَذَا شُرُوعٌ فِي الصُّلْحِ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ (يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ) ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إِقْرَارٍ، وَإِنْكَارٍ.
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَ " الْمُغْنِي " يَجُوزُ عَنْ قَوَدٍ وَسُكْنَى دَارٍ وَعَيْبٍ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ.
وَقَالَ فِي " الْفُصُولِ ": وَإِنَّ الْقَوَدَ لَهُ بَدَلٌ، وَهُوَ الدِّيَةُ كَالْمَالِ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَقَالَ: إِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا مِنَ الْغَيْرِ، صَحَّ، وَمِنْهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الصُّلْحِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ فِيهِ كَالْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا بِصِحَّةِ الصُّلْحِ عَنِ الْمَجْهُولِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي صُبْرَةٍ أَتْلَفَهَا جَهْلًا كَيْلَهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (بِدِيَاتٍ) ، لِأَنَّ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاص بَذَلُوا لِلَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ سَبْعَ دِيَاتٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَلِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَلَا يَقَعُ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ (وَبِكُلِّ مَا يُثْبِتُ مَهْرًا) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ إِسْقَاطُهُ فَلَأَنْ يَصِحَّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَإِنْ جَاوَزَ الدِّيَةَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بِدُونِ دِيَتِهِ وَأَكْثَرَ إِنْ وَجَبَ الْقَوَدُ عَيْنًا، أَوْ طَلَبَ الْوَلِيُّ وَقُلْنَا: يَجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " لَا يَصِحُّ عَلَى جِنْسِ الدِّيَةِ إِنْ قِيلَ: مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَرِ الْوَلِيُّ شَيْئًا إِلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْجِنْسِ مِنْ إِبِلٍ، أَوْ غَنَمٍ حِذَارًا مِنَ الرِّبَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
فَرْعٌ: إِذَا صَالَحَ عَنْهُ بِعَبْدٍ فَخَرَجَ مُسْتَحِقًّا رَجَعَ بِقِيمَتِهِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَكَذَا إِنْ
لِيُطْلِقَهُ، أَوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أَوْ شَفِيعًا عَنْ شُفَعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، وَفِي الْحَدِّ وَجْهَانِ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُجْرِيَ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
خَرَجَ حُرًّا، وَمَعَ جَهَالَتِهِ، كَدَارٍ، وَشَجَرَةٍ تَجِبُ دِيَتُهُ، أَوْ أَرْشُ الْجُرْحِ، فَإِنْ عَلِمَا بِحُرِّيَّتِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا رَجَعَ بِالدِّيَةِ لِبُطْلَانِ الصُّلْحِ بِعِلْمِهِمَا، وَإِنْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ، فَبَانَ عِوَضُهُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ بِهَا، وَقِيلَ: بِقِيمَتِهِ مَعَ الْإِنْكَارِ، لِأَنَّ الصُّلْحَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ عِوَضًا عَنِ الْقِصَاصِ.
(وَلَوْ صَالَحَ سَارِقًا لِيُطْلِقَهُ، أَوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أَوْ شَفِيعًا عَنْ شُفْعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ) ، وَفِيهِ أُمُورٌ:
الْأَوَّلُ: إِذَا صَالَحَ سَارِقَهُ لِيُطْلِقَهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الرَّفْعَ إِلَى السُّلْطَانِ لَيْسَ حَقًّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ كَسَائِرِ مَا لَا حَقَّ فِيهِ، وَكَذَا حُكْمُ الزَّانِي، وَالشَّارِبِ.
الثَّانِي: إِذَا صَالَحَ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ كِتْمَانَهَا حَرَامٌ لَمْ يَصْحَّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ وَيَشْمَلُ صُوَرًا مِنْهَا أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ تَلْزَمُهُ الشَّهَادَةُ بِهِ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالزَّكَاةِ وَمِنْهَا أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ فَهُوَ حَرَامٌ، كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ، وَلَا يَغْصِبَ مَالَهُ وَمِنْهَا أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَلَّا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ فِي الْكُلِّ.
الثَّالِثُ: إِذَا صَالَحَ الشَّفِيعَ عَنْ شُفْعَتِهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، فَإِذَا رَضِيَ بِالْعِوَضِ تَبَيَّنَّا أَنْ لَا ضَرَرَ، فَلَا اسْتِحْقَاقَ فَيَبْطُلُ الْعِوَضُ لِبُطْلَانِ مُعَوَّضِهِ.
نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: الشُّفْعَةُ لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ (وَ) حِينَئِذٍ (تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا قُلْنَاهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا تَسْقُطُ، لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ ".
الرَّابِعُ: إِذَا صَالَحَ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَحَدِّ الزِّنَا، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ، الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يَؤُولُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ الْقَصَّاصِ
أَرْضِهِ أَوْ سَطْحِهِ مَاءً مَعْلُومًا، صَحَّ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا فِي دَارٍ وَمَوْضِعًا في
[المبدع في شرح المقنع]
(وَفِي) سُقُوطِ (الْحَدِّ) بِهِ (وَجْهَانِ) مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَسْقُطُ، أَوْ لَهُ فَيَسْقُطُ بِصُلْحِهِ وَإِسْقَاطِهِ كَالْقِصَاصِ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ".
فَرْعٌ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ بِعِوَضٍ عَنْ خِيَارٍ (وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُجْرِيَ عَلَى أَرْضِهِ، أَوْ سَطْحِهِ مَاءً مَعْلُومًا، صَحَّ) ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ وَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِهِ، لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ ضَرَرُهُ بِكَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ، وَطَرِيقُ الْعِلْمِ إِمَّا بِمُشَاهَدَةٍ، وَإِمَّا بِمَعْرِفَةِ مِسَاحَتِهِ فَيُقَدَّرُ فِي الْأَرْضِ بِالْفَدَّانِ، وَفِي السَّطْحِ صِغَرِهِ، أَوْ كِبَرِهِ وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى السَّطْحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَإِنْ كَانَ بِعِوَضٍ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ فَإِجَارَةٌ، وَإِلَّا فَبَيْعٌ، وَلَا يُعْتَبَرُ بَيَانُ عُمْقِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ الْمَوْضِعَ كَانَ لَهُ إِلَى تُخُومِهِ، وَلَا تَعْيِينُ الْمُدَّةِ، إِذِ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ جَائِزٌ كَالنِّكَاحِ، وَفِي " الْقَوَاعِدِ " لَيْسَ بِإِجَارَةٍ مَحْضَةٍ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بِالْبَيْعِ.
وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْدِثُ سَاقِيَةً فِي وَقْفٍ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا كَالْمُؤَجَّرَةِ، وَجَوَّزَهُ فِي " الْمُغْنِي "، لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ مَا لَمْ يَنْقُلِ الْمِلْكَ، فَدَلَّ أَنَّ الْبَابَ، وَالْخَوْخَةَ وَنَحْوَهُمَا لَا يَجُوزُ فِي مُؤَجَّرَةٍ، وَفِي مَوْقُوفَةٍ الْخِلَافُ، أَوْ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَوْلَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ وَإِذْنُ الْحَاكِمِ، بَلْ عَدَمُ الضَّرَرِ.
تَنْبِيهٌ: يَحْرُمُ إِجْرَاءُ مَائِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ لِتَضَرُّرِهِ، أَوْ أَرْضِهِ وَكَزَرْعِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، وَعَنْهُ: لَا لِقَوْلِ عُمَرَ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ، وَقَوْلُ عُمَرَ خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَعَلَى الثَّانِيَةِ تُعْتَبَرُ الضَّرُورَةُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ".
وَقِيلَ: مَعَ الْحَاجَةِ، وَلَوْ مَعَ حَفْرٍ.
وَنَقَلَ أَبُو الصَّقْرِ إِذَا أَسَاحَ عَيْنًا تَحْتَ أَرْضٍ، فَانْتَهَى حَفْرُهُ إِلَى أَرْضٍ لِرَجُلٍ، أَوْ دَارٍ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ظَهْرِ الْأَرْضِ ولا بطنها إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ، وَفِيهِ حَدِيثُ الْخَشَبَةِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرًّا فِي دَارٍ وَمَوْضِعًا في حائط يَفْتَحُهُ بَابًا وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا
حائط يَفْتَحُهُ بَابًا وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا، وَعُلُوَّ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا، فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ، لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَجُوزُ إِذَا وَصَفَ الْعُلُوَّ، وَالسُّفْلَ، وَإِنْ حَصَلَ فِي هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ، فَطَالَبَهُ بِإِزَالَتِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ،
[المبدع في شرح المقنع]
بِئْرًا) ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا فَجَازَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا بِالصُّلْحِ كَالدَّرْبِ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالدَّارِ، بَلِ الْأَمْلَاكُ كُلُّهَا كَذَلِكَ، وَلَوْ غَبَّرَ مَمَرًّا فِي مِلْكِهِ لَكَانَ أَوْلَى وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا (وَ) يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ (عُلُوَّ بَيْتٍ يَبْنِي عَلَيْهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا) ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ فَجَازَ بَيْعُهُ كَالْأَرْضِ وَمَعْنَى " مَوْصُوفًا " أَيْ: مَعْلُومًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ ذَلِكَ عَلَى الْوَقْفِ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْوَقْفِ مَا يَضُرُّ بِهِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ لَمْ يَجُزْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ بَيْعُ الْعُلُوِّ دُونَ الْقَرَارِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْمَعْدُومِ (وَفِي الْآخَرِ يَجُوزُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُصَالِحِ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقَرَارِ، وَشَرْطُهُ (إِذَا وَصَفَ الْعُلُوَّ، وَالسُّفْلَ) لِيَكُونَ مَعْلُومًا وَيَصِحَّ فِعْلُ ذَلِكَ صُلْحًا أَبَدًا وَإِجَارَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً أَيْضًا (وَإِنْ حَصَلَ فِي هَوَائِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ فَطَالَبَهُ بِإِزَالَتِهَا) أَيْ: بِإِزَالَةِ أَغْصَانِهَا (لَزِمَهُ ذَلِكَ) ، لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، فَوَجَبَ إِزَالَةُ مَا يَشْغَلُهُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ كَالدَّابَّةِ إِذَا دَخَلَتْ مِلْكَهُ، وَطَرِيقُهُ إِمَّا الْقَطْعُ أَوْ لَيُّهُ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ أَوْ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ (فَإِنْ أَبَى فَلَهُ) أَيْ: مَالِكِ الْهَوَاءِ (قَطْعُهَا) ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْإِزَالَةِ كَغَيْرِهِ لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْلَاءُ مِلْكِهِ الْوَاجِبِ إِخْلَاؤُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمٍ بِذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ إِزَالَتُهَا بِلَا إِتْلَافٍ، وَلَا قَطْعٍ مِنْ غَيْرِ سَفَهٍ، وَلَا غَرَامَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إِتْلَافُهَا كَالْبَهِيمَةِ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ غَرِمَهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إِزَالَتُهَا إِلَّا بِالْإِتْلَافِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَكِنْ قِيلَ لِأَحْمَدَ: يَقْطَعُهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَقْطَعَ، وَلَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَى الْإِزَالَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ
فَإِنْ أَبَى فَلَهُ قَطْعُهَا فَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ، لَمْ يَجُزْ وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ، أَوْ بَيْنَهُمَا جَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرِ فِعْلِهِ، فَإِنْ تَلِفَ بِهَا شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْهُ، قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ احْتِمَالًا، وَهُوَ وَجْهٌ: ضِدَّهُ (فَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ لَمْ يَجُزْ) . قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، سَوَاءٌ كَانَ الْغُصْنُ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا، لِأَنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ وَيَتَغَيَّرُ، وَالْيَابِسَ يَنْقُصُ وَرُبَّمَا ذَهَبَ كُلُّهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " إِنْ كَانَت الْأَغْصَانُ رَطْبَةً لَمْ يَجُزِ الصُّلْحُ عَنْهَا لِزِيَادَتِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ بِخِلَافِ الْيَابِسَةِ وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي فِي الْيَابِسِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى نَفْسِ الْحَائِطِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْهَوَاءِ فَلَا، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْهَوَاءِ الْمُجَرَّدِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمُصَالَحِ عَنْهُ لَا تَمْنَعُ الْجَوَازَ لِكَوْنِهَا لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ بِخِلَافِ الْعِوَضِ، فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ لِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ وَأَيَّدَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
وَقَالَ: هُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ لِكَثْرَتِهَا فِي الْأَمْلَاكِ الْمُتَجَاوِرَةِ، وَفِي الْقَطْعِ إِتْلَافٌ وَضَرَرٌ، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ يُعْفَى عَنْهَا كَالسِّمَنِ الْحَادِثِ فِي الْمُسْتَأْجَرِ لِلرُّكُوبِ (وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ) أَيْ: لِمَالِكِ الْهَوَاءِ (أَوْ بَيْنَهُمَا جَازَ) ، لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الثَّمَرَةِ، أَوْ بَعْضِهَا أَسْهَلُ مِنَ الْقَطْعِ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ وَاسْتَحَقَّ أَنْ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ لِمَا روى مكحول مَرْفُوعًا: أَيُّمَا شَجَرَةٍ ظَلَّلَتْ عَلَى قَوْمٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَطْعِ مَا ظَلَّلَ، أَوْ أَكْلِ ثَمَرِهَا وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهَا، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ وَجَوَّهَا مَجْهُولَانِ وَمِنْ شَرْطِ الصُّلْحِ الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ (وَلَمْ يَلْزَمْ) ، إِذْ لُزُومُهُ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرِ مَالِكِ الشَّجَرَةِ لِتَأَبُّدِ اسْتِحْقَاقِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهِ، أَوْ إِلَى ضَرَرِ مَالِكِ الْهَوَاءِ لِتَأَبُّدِ بَقَاءِ الْأَغْصَانِ فِي مِلْكِهِ.
سَابَاطًا، وَلَا دُكَّانًا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ، وَلَا دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ، فَإِنْ صَالَحَ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ جَازَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَإِذَا كَانَ ظَهْرُ دَارِهِ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: ثَمَرَةُ غُصْنٍ فِي هَوَاءِ طَرِيقٍ عَامٍّ لِلْمُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْهِجِ ". آخَرُ: حُكْمُ عُرُوقِ الشَّجَرَةِ إِذَا امْتَدَّتْ إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ كَالْغُصْنِ، سَوَاءٌ أَثَّرَتْ ضَرَرًا لِتَأْثِيرِهَا فِي الْمَصَانِعِ وَطَيِّ الْآبَارِ وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ أَوْ لَا، وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ مَعَ الضَّرَرِ.
[عَدَمُ جَوَازِ إِشْرَاعِ جَنَاحٍ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ]
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا) ، وَهُوَ الرَّوْشَنُ عَلَى أَطْرَافِ خَشَبٍ مَدْفُونَةٍ فِي الْحَائِطِ (وَلَا سَابَاطًا) وَهُوَ الْمُسْتَوْفِي لِلطَّرِيقِ كُلِّهِ عَلَى جِدَارَيْنِ (وَلَا دُكَّانًا) ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَغَيْرِ النَّافِذِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ، أَوْ لَا، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَضُرَّ حَالًا، فَقَدْ يَضُرُّ مَآلًا أَذِنَ الْإِمَامُ فِيهِ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي مَا لَا مَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ لَا سِيَّمَا إِذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضِرَارًا عَلَيْهِمْ فِي الْمَآلِ، فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ الدُّكَّانُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ بِلَا ضَرَرٍ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فَجَرَى إِذْنُهُ مَجْرَى إِذْنِهِمْ، وَفِي " الْفُرُوعِ " جَوَّزَهُ الْأَكْثَرُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": وَأَمْكَنَ عُبُورُ مِحْمَلٍ.
وَقِيلَ: وَرُمْحٍ قَائِمًا بِيَدِ فَارِسٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ أَكْثَرُهُمْ بَلْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالْعِمَارَاتِ وَالْمَحَامِلِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ الْمَيَازِيبِ، وَالدَّكَّةِ كَالْجَنَاحِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ اجْتَازَ عَلَى دَارِ الْعَبَّاسِ، وَقَدْ نَصَبَ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ فَقَلَعَهُ فَقَالَ تَقْلَعُهُ، وَقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ؛ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا عَلَى ظَهْرِي، فَانْحَنَى حَتَّى صَعِدَ عَلَى ظَهْرِهِ فَنَصَبَهُ» ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، وَفِي سُقُوطِ نِصْفِ الضَّمَانِ بِتَآكُلِ أَصْلِهِ وَجْهَانِ (وَلَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ، وَلَا دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ) ، لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِمْ، فَإِذَا رَضُوا بِإِسْقَاطِهِ جَازَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمَلِ الْأَخِيرَةِ، لِأَنَّ أَهْلَ الطَّرِيقِ النَّافِذِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ فَالْإِذْنُ مِنْ جَمِيعِهِمْ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْجَوَازِ (فَإِنْ صَالَحَ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ جَازَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي
دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ فَفَتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيْرِ الِاسْتِطْرَاقِ جَازَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَإِنْ فَتَحَهُ لِلِاسْتِطْرَاقِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ صَالَحَهُمْ جَازَ، وَلَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، لِأَنَّهُ يَجُوزُ الصُّلْحُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَجَازَ أَخْذُ عِوَضِهِ كَالْقَرَارِ، وَشَرْطُهُ أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ مِنَ الْخُرُوجِ، وَالْعُلُوِّ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ.
قَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْهَوَاءِ، وَظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ، وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي " الْكَافِي " بِأَنَّ الْمَنْعَ فِي الْجَنَاحِ، وَالسَّابَاطِ، وَأَمَّا الدُّكَّانُ، فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْعِلَّةُ لِكَوْنِهَا تُبْنَى عَلَى الْقَرَارِ لَا عَلَى هَوَائِهِ.
(وَإِذَا كَانَ ظَهْرُ دَارِهِ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ فَفَتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيْرِ الِاسْتِطْرَاقِ جَازَ) ، لِأَنَّ لَهُ رَفْعَ جَمِيعِ حَائِطِهِ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ) حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ شَكْلَ الْبَابِ مَعَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ رُبَّمَا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حَقِّ الِاسْتِطْرَاقِ فَيَضُرُّ بِأَهْلِ الدَّرْبِ بِخِلَافِ رَفْعِ الْحَائِطِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ (وَإِنْ فَتَحَهُ لِلِاسْتِطْرَاقِ لَمْ يَجُزْ) ، إِذْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الدَّرْبِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ غَيْرِهِ (إِلَّا بِإِذْنِهِمْ) ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَقَدْ رَضُوا بِإِسْقَاطِهِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَجُزْ لَا الْمُسْتَثْنَى، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَفْعَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ حَقَّ الِاسْتِطْرَاقِ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ فَتْحُهُ فِي دَرْبٍ نَافِذٍ لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ بِمِلْكِ أَحَدٍ عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: فِيهِ إِضْرَارٌ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ لِجَعْلِهِ نَافِذًا يُسْتَطْرَقُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّارِعِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ الطَّرِيقُ نَافِذًا، وَإِنَّمَا تَصِيرُ دَارُهُ نَافِذَةً، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ اسْتِطْرَاقُهَا (وَإِنْ صَالَحَهُمْ جَازَ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُمْ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَلَوْ أَنَّ بَابَهُ فِي آخِرِ الدَّرْبِ) أي: غير النَّافِذِ (مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أَوَّلِهِ) أَيْ: بِلَا ضَرَرٍ، لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ حَقِّهِ، لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِطْرَاقَ إِلَى آخِرِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ "، وَقِيلَ: لَا مُحَاذِيًا لِبَابِ غَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ أَرَادَ نَقْلَهُ
أَنَّ بَابَهُ فِي آخِرِ الدَّرْبِ؛ مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أَوَّلِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِلٍ مِنْهُ فِي أَحَدِ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَى مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ (وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِلٍ مِنْهُ) ، وَهُوَ تِلْقَاءَ صَدْرِ الزُّقَاقِ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ بَابَهُ إِلَى مَوْضِعِ الِاسْتِطْرَاقِ لَهُ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ مَنْ فَوْقَهُ، وَقِيلَ: وَأَسْفَلَ مِنْهُ، وَيَكُونُ إِعَارَةً فِي الْأَشْبَهِ وَظَاهِرُ نَقْلِ يَعْقُوبَ يَجُوزُ إِنْ سَدَّ الْأَوَّلَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، لِأَنَّ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ جَعْلَ بَابِهِ حَيْثُ شَاءَ فَتَرْكُهُ لَهُ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْهُ.
فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَ فِي الدَّرْبِ بَابَانِ لِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِ الدَّرْبِ، وَالْآخَرُ فِي دَاخِلِهِ فَلِصَاحِبِ الدَّاخِلِ تَحْوِيلُهُ حَيْثُ شَاءَ، لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيمَا يُجَاوِزُ الْبَابَ الْأَوَّلَ إِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لِلْقَرِيبِ أَنْ يُقَدِّمَهُ إِلَى دَاخِلٍ، وَعَلَى الثَّانِي: لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَقْدِيمُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي دَاخِلِ الدَّرْبِ بَابٌ لِثَالِثٍ فَحُكْمُ الْأَوْسَطِ كَالْأَوَّلِ.
الثَّانِي: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ دَارَانِ مُتَلَاصِقَتَانِ ظَهْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى بَابُهُمَا فِي دَرْبَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ غَيْرِ نَافِذٍ جَازَ لَهُ رَفْعُ الْحَاجِبِ بَيْنَهُمَا وَجَعْلُهُمَا دَارًا وَاحِدَةً، فَإِنْ فَتَحَ بَابًا بَيْنَهُمَا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّطَرُّقِ إِلَى كِلَا الدَّرْبَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الِاسْتِطْرَاقِ فِي دَرْبٍ لَا يَنْفُذُ مِنْ دَارٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا طَرِيقٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " الْأَشْبَهُ الْجَوَازُ، لِأَنَّ لَهُ رَفْعَ الْحَاجِزِ فَبَعْضُهُ أَوْلَى.
الثَّالِثُ: يَحْرُمُ إِحْدَاثُهُ فِي مِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ كَحَمَّامٍ وَتَنُّورٍ وَكَنِيفٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَهُ مَنْعُهُ كَابْتِدَاءِ إِحْيَائِهِ وَكَدَقٍّ وَسَقْيٍ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ بِخِلَافِ طَبْخِهِ وَخَبْزِهِ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ فِي مِلْكِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ وَكَتَعْلِيَةِ دَارِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى سَدِّ الْفَضَاءِ عَنْ جَارِهِ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَدِ احْتَجَّ
الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِي حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً، وَلَا طَاقًا إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبَةٍ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِأَنْ لَا يُمْكِنُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ.» فَيَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ (أَنْ يَفْتَحَ فِي حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً، وَلَا طَاقًا) ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ غَيْرِهِ وَتَصَرُّفٌ فِيهِ بما يضره، وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرِزَ فِيهِ وَتَدًا، أَوْ يُحْدِثَ حَائِطًا، وَكَذَا يُمْنَعُ مِنْ بِنَاءِ سُتْرَةٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَحَمَلَ الْقَاضِي نَصَّهُ: يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ مَعَ شَرِيكِهِ عَلَى السُّتْرَةِ عَلَى سُتْرَةٍ قَدِيمَةٍ انْهَدَمَتْ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وُجُوبَهَا مُطْلَقًا عَلَى نَصِّهِ وَيُبَاحُ اسْتِنَادُهُ إِلَيْهِ وَإِسْنَادُ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْهُ يَشُقُّ، وَفِي " النِّهَايَةِ " فِي مَنْعِهِ احْتِمَالَانِ وَلَهُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّهِ وَنَظَرُهُ فِي ضَوْءِ سِرَاجِهِ.
نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يَسْتَأْذِنُهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ، فَإِنْ مَنَعَهُ، حَاكَمَهُ.
وَنَقَلَ جَعْفَرٌ: لَا يَسْتَأْذِنُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَيْنُ، وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا عَادَةً لَا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهَا عَقْدُ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ اتِّفَاقًا (إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ) ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بَعِوَضٍ جَازَ.
[حُكْمُ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ]
(وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبَةٍ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) فَيَجُوزُ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَمْنَعَنْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ.
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؛ وَاللَّهِ لِأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ لَأَضَعَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ وَلِأَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَأَضَعَنَّ
التَّسْقِيفُ إِلَّا بِهِ.
وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ: عَلَى أَنَّهُ
[المبدع في شرح المقنع]
جُذُوعَ الْجِيرَانِ عَلَى أَكْتَافِكُمْ مُبَالَغَةً، وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِحَائِطِ جَارِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهِ، أَشْبَهَ الِاسْتِنَادَ إِلَيْهِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إنَّهُ يَجُوزُ لِحَاجَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْحَائِطِ، فَإِنْ أَضَرَّ بِهِ لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ وَضْعُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: لَا يَجُوزُ، وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ إِلَى جَوَازِهِ لِلْخَبَرِ (بِأَنْ لَا يُمْكِنَهُ التَّسْقِيفُ إِلَّا بِهِ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلضَّرُورَةِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَائِطٌ وَاحِدٌ، أَوْ حَائِطَانِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ لِجَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَائِطٌ وَاحِدٌ وَلِجَارِهِ ثَلَاثَةٌ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَإِنَّمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: لَا يمنعه إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ وَكَانَ الْحَائِطُ يَبْقَى، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ عَلَى حَائِطَيْنِ إِذَا كَانَا غَيْرَ مُتَقَارِبَيْنِ، أَوْ كَانَ الْبَيْتُ وَاسِعًا يَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ جِسْرًا، ثُمَّ يَضَعَ الْخَشَبَ عَلَى ذَلِكَ الْجِسْرِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُهُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِبَالِغٍ، أَوْ يَتِيمٍ عَاقِلٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، لَا يُقَالُ: قِيَاسُهُ يَجُوزُ فَتْحُ الطَّاقِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ وَضْعَ الْخَشَبِ يَنْفَعُ الْحَائِطَ وَيُمْكِنُهُ بِخِلَافِ فَتْحِ الطَّاقِ، فإنه يضره (وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، تُرِكَ فِي حَقِّ الْجَارِ لِلْخَبَرِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ (وَهَذَا تَنْبِيهٌ) أَيْ: خَرَّجَ مِنْهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا (عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ) ، لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ وَضْعِهِ عَلَى الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْمِلْكِ الْمُخْتَصِّ بِغَيْرِهِ أَوْلَى وَيَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّهُولَةِ، وَالْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ، وَالضِّيقِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا مَلَكَ وَضْعَ خَشَبَةٍ عَلَى حَائِطٍ فَزَالَ بِسُقُوطِهِ، أَوْ قَلْعِهِ، أَوْ
لَا يَضَعُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ فَانْهَدَمَ فَطَالَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُجْبَرُ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ، فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
سُقُوطِ الْحَائِطِ، ثُمَّ أُعِيدَ فَلَهُ إِعَادَةُ خَشَبَةٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُجَوِّزَ لِوَضْعِهِ مُسْتَمِرٌّ فَاسْتَمَرَّ الِاسْتِحْقَاقُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا مَلَكَ وَضْعَ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِ غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ إِجَارَتَهُ، وَلَا إِعَارَتَهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا مَلَكَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ هُنَا، فَلَوْ أَرَادَ مَالِكُ الْجِدَارِ إِجَارَتَهُ، أَوْ إِعَارَتَهُ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ هَذَا الْمُسْتَحِقَّ لَمْ يَمْلِكْهُ، كَمَا لَوْ أَرَادَ هَدْمَ الْحَائِطِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ فِي وَضْعِ خَشَبَةٍ، أَوِ الْبِنَاءِ عَلَى جِدَارِهِ بِعِوَضٍ جَازَ سَوَاءٌ كَانَ إِجَارَةً فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ صُلْحًا عَلَى وَضْعِهِ عَلَى التَّأْيِيدِ وَمَتَى زَالَ فَلَهُ إِعَادَتُهُ وَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ مَعْلُومَ الْعَرْضِ، وَالطُّولِ، وَالسُّمْكِ، وَالْآلَاتِ مِنَ الطِّينِ، وَاللَّبِنِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضًا، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا وَجَدَ خَشَبَهُ، أَوْ بِنَاءَهُ، أَوْ مَسِيلَ مَائِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ وَضْعُهُ بِحَقٍّ فَمَتَى زَالَ فَلَهُ إِعَادَتُهُ، لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ لَا يَزُولُ حَتَّى يُعْلَمَ مَا يُخَالِفُهُ.
(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ) مُشْتَرَكٌ (فَانْهَدَمَ فَطَالَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ» . وَكَنَقْصِهِ عِنْدَ خَوْفِ سُقُوطِهِ وَكَالْقِسْمَةِ (وَعَنْهُ: لَا يُجْبَرُ) ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ: هُوَ أَقْوَى فِي النَّظَرِ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ مَالِكُهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوِ انْفَرَدَ، وَفَارَقَ الْقِسْمَةَ لِأَنَّهَا لَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَالْبِنَاءُ فِيهِ ضَرَرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَامَةِ، وَالضَّرَرُ لَا يَزُولُ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُمْتَنِعُ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْحَائِطِ، أَوْ يَكُونُ
فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ خُيِّرَ الْبَانِي بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ آلَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
الضَّرَرُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ النَّفْعِ، أَوْ يَكُونُ مُعْسِرًا، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ عَدَمَ حُرْمَةِ الْمِلْكِ إِنْ لَمْ يُوجِبْ فَحُرْمَةُ شَرِيكِهِ الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ الْبِنَاءِ مُوجِبٌ، وَفَارَقَ الْبِنَاءَ الْمُفْرَدَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَفُوتُ بِهِ حَقٌّ، وَلَا يُتَضَرَّرُ بِهِ وَقَوْلُهُمُ: الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ مَدْفُوعٌ بِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مِنْ حَقِّ الْجَارِ أَنْ لَا يَرْفَعَ الْبُنْيَانَ عَلَى جَارِهِ لِيَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ» ، وَقَوْلُهُمْ: قَدْ يَكُونُ الْمُمْتَنِعُ إِلَى آخِرِهِ يَنْتَقِضُ بِوَضْعِ خَشَبِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُعْسِرُ، فَلَا قَائِلَ بِإِلْزَامِهِ مَعَهَا (لَكِنْ) عَلَيْهَا (لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ) ، لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْحَمْلِ وَرَسْمًا فِي الْحَائِطِ، فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنْهُ (فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) عَلَى الشَّرِكَةِ، كَمَا كَانَ، لِأَنَّ الثَّانِيَ إِنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى التَّأْلِيفِ وَذَلِكَ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ فَمَلَكَهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ شَرِيكِهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَخْذِ نِصْفِ تَأْلِيفِهِ فِي الْأَشْهَرِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " النِّهَايَةِ "، وَقِيلَ: يَمْلِكُ مَنْعَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا يَخُصُّهُ مِنَ الْغَرَامَةِ، وَأَبْدَاهُ ابْنُ الْمُنَجَّا بَحْثًا مِنْ عِنْدِهِ، وَحَكَى الْأَوَّلَ عَنِ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى آخِرِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَأَدَّى إِلَى ضَيَاعِ حَقِّ الشَّرِيكِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا أُجْبِرَ عَلَى الْعَمَلِ، فَكَذَا يُجْبَرُ عَلَى وَزْنِ أُجْرَةِ الْبِنَّاءِ، كَمَا يُجْبِرُهُ عَلَى وَزْنِ الْآلَاتِ (وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ لَهُ) ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ (وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِانْتِفَاعُ بِهِ) قَبْلَ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَّهُ مَنْعُهُ مِنْ رَسْمِ طَرْحِ خَشَبٍ حَتَّى يَدْفَعَ نِصْفَ قِيمَةِ حَقِّهِ، وَعَنْهُ: مَا يَخُصُّهُ مِنْ غَرَامَةٍ، لِأَنَّهُ نَائِبُهُ مَعْنًى وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهَا، فَإِنْ أَرَادَ نَقْضَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا بَنَاهُ بِآلَةٍ فَقَطْ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرُ الْبَانِي نَقْضَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ مُطْلَقًا وَلَهُ طَلَبُ نَفَقَتِهِ مَعَ الْإِذْنِ، وَفِيهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ عَلَى الْأُولَى الْخِلَافُ (فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ) أَيْ: الِانْتِفَاعَ (خُيِّرَ الْبَانِي بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ) ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ (وَبَيْنَ أَخْذِ آلَتِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ.
فَرْعٌ: لَوْ بَنَيَا جِدَارًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالنَّفَقَةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ ثُلُثَهُ لِوَاحِدٍ وَبَاقِيَهُ لِلْآخَرِ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحَمِّلُهُ مَا احْتَاجَ لَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ وَصَفَا الْحِمْلَ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ
أَوْ بِئْرٌ، أَوْ دُولَابٌ، أَوْ نَاعُورَةٌ، أَوْ قَنَاةٌ وَاحْتَاجَ إِلَى عِمَارَةٍ فَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ رِوَايَتَانِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِذَا عَمَّرَهُ فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مِلْكِهِمَا حَائِطٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ بِنَاءَ حَاجِزٍ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ عَلَيْهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ أَرَادَ الْبِنَاءَ وَحْدَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ خَاصَّةً.
[حُكْمُ الْأَشْيَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ]
(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ بِئْرٌ، أَوْ دُولَابٌ، أَوْ نَاعُورَةٌ، أَوْ قَنَاةٌ وَاحْتَاجَ إِلَى عِمَارَةٍ فَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ رِوَايَتَانِ) أَشْهَرُهُمَا: الْإِجْبَارُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " بِنَاءً عَلَى الْحَائِطِ الْمُنْهَدِمِ (وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ) كَالْحَائِطِ (وَإِذَا عَمَّرَهُ فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ) ، لِأَنَّ الْعَامِرَ لَيْسَ فِيهِ عَيْنٌ بَلْ أَثَرٌ فَيَجِبُ أَنْ يَعُودَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا كَانَ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الْآخَرِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ مِلْكِهِمَا، وَإِنَّمَا أَثَرُ أَحَدِهِمَا فِي نَقْلِ الطِّينِ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ سَطْحُ أَحَدِهِمَا أَعْلَى فَلَيْسَ لَهُ الصُّعُودُ عَلَى سَطْحِهِ عَلَى وَجْهٍ يُشْرِفُ عَلَى جَارِهِ وَيَلْزَمُهُ بِنَاءُ سُتْرَةٍ تَمْنَعُ مُشَارَفَةَ الْأَسْفَلِ، نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقِيلَ: وَيُشَارِكُهُ كَاسْتِوَائِهِمَا، وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ حَائِطِ بُسْتَانٍ فَبَنَاهُ أَحَدُهُمَا فَمَا تَلِفَ مِنَ الثَّمَرَةِ بِسَبَبِ إِهْمَالِ الْآخَرِ ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ لِبِنَاءِ السُّفْلِ بِطَلَبِ الْآخَرِ رِوَايَاتٌ، الثَّالِثَةُ وَهِيَ أَشْهَرُ: يَنْفَرِدُ صَاحِبُهُ بِهِ، وَعَنْهُ: يُشَارِكُهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ فَيُجْبَرُ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ، وَالْبِنَاءِ مَعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ لِأَنَّهُ حَائِطٌ يَشْتَرِكَانِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، أَشْبَهَ الْحَائِطَ بَيْنَ مِلْكِهِمَا وَمَنْ لَهُ طَبَقَةٌ ثَالِثَةٌ فِي اشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ، ثُمَّ الِاثْنَانِ فِي الْوَسَطِ الرِّوَايَتَانِ، فَإِنْ بَنَاهُ الْأَعْلَى فَفِي مَنْعِهِ الْأَسْفَلَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْعَرْصَةِ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ احْتِمَالَانِ.
كِتَابُ الْحَجْرِ
وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ، نَذْكُرُ مِنْهُ هَاهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْحَجْرِ]
[تَعْرِيفُ الحجر وَحُكْمُهُ]
هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ وَالتَّضْيِيقُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَرَامُ حِجْرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: 22] أَيْ: حَرَامًا مُحَرَّمًا وَسُمِّيَ الْعَقْلُ حِجْرًا، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ ارْتِكَابِ مَا يَقْبُحُ وَتَضُرُّ عَاقِبَتُهُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ مَنْعٌ خَاصٌّ أَيْ: مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] أَيْ: أَمْوَالَهُمْ، لَكِنْ أُضِيفَتْ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ عَلَيْهَا مُدَبِّرُونَ لَهَا وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] وَإِذَا ثَبَتَ الْحَجْرُ عَلَى هَذَيْنِ ثَبَتَ عَلَى الْمَجْنُونِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
[أَنْوَاعُ الْحَجْرِ]
[النَّوْعُ الْأَوَّلُ حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ]
[الْحَجْرُ عَلَى الْمُفْلِسِ]
(وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ) أَيْ: لِغَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَالْمُفْلِسِ، وَالْمَرِيضِ، وَالزَّوْجَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ تَبَرُّعٍ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالْعَبْدِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُشْتَرِي مَالُهُ فِي الْبَلَدِ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ الْمَبِيعَ، وَالرَّاهِنِ، وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ طَلَبِ شَفِيعٍ.
وَضُرِبَ لِحَقِّهِ، كَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ (نَذْكُرُ مِنْهُ هَاهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ) أَيْ: لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَالْمُفْلِسُ: الْمُعْدِمُ وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ: «مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ وَيَأْتِي، وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا وَأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ.
فَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُفْلِسِ، لِأَنَّهُ عُرْفُهُمْ وَلُغَتُهُمْ.
وَمَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ، فَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ إِلَّا أَنْ يُوثِقَهُ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيلٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ كَانَ حَالًّا وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، يَجُوزُ: لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ بَلْ أَرَادَ فَلَسَ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ حَتَّى إِنَّ فَلَسَ الدُّنْيَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْغِنَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أَفْلَسَ بِالْحُجَّةِ إِذَا عَدِمَهَا، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَمَرٌ مُفْلِسٌ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ نَوَاهُ فَهُوَ خُرُوجُ الْإِنْسَانِ مِنْ مَالِهِ.
فَحَجْرُ الْفَلَسِ مَنْعُ حَاكِمٍ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ يَعْجِزُ عَنْهُ مَالُهُ الْمَوْجُودُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالْمُفْلِسُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ.
(وَمَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ) حُلُولِ (أَجَلِهِ) ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُطَالَبَةِ لُزُومُ الْأَدَاءِ (وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ) ، لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ لَا تُسْتَحَقُّ، فَكَذَا الْحَجْرُ (فَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ) أَيْ: قَبْلَ قُدُومِهِ (فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ) ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَأْخِيرِ حَقِّهِ عَنْ مَحَلِّهِ (إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ) يَجُوزُ (أَوْ كَفِيلٍ) مَلِيءٍ لِزَوَالِ الضَّرَرِ إِذَنْ (وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: لَهُ مَنْعُهُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، لِأَنَّ قُدُومَهُ عِنْدَ الْمَحَلِّ غَيْرَ مُتَيَقَّنٍ وَلَا ظَاهِرٍ، فَمَلَكَ مَنْعَهُ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَمْلِكُ مَنْعَهُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِأَمَارَةٍ عَلَى مَنْعِ الْحَقِّ فِي مَحَلِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْهُ كَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَالْمُذَهَبُ أَنَّهُمَا فِي غَيْرِ جِهَادٍ مُتَعَيِّنٍ، زَادَ فِي " الْفُرُوعِ " وَأَمْرٍ مَخُوفٍ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْرِيضًا لِفَوَاتِ النَّفْسِ، فَلَا يَأْمَنُ مِنْ فَوَاتِ الْحَقِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَهُ مَنْعُ عَاجِزٍ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا بِبَدَنِهِ وَوَجْهِهِ فِي " الْفُرُوعِ " (وَإِنْ كَانَ حَالًّا) ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ وَفَاءِ بَعْضِهِ حَرُمَ مُطَالَبَتُهُ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ
وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ بَاعَ مَالَهُ وَقَضَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَمُلَازَمَتُهُ (وَ) إِنْ كَانَ (لَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ) أَيْ: بِدَيْنِهِ الْحَالِّ (لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ يُمْكِنُهُمُ الْمُطَالَبَةُ بِحُقُوقِهِمْ فِي الْحَالِّ (وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ) أَيْ: بَعْدَ الطَّلَبِ، لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ مِنْهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَصْلِ الْقَضَاءِ الْمُنْتَصِبِ لَهُ، وَالْمُذَهَبُ يَجِبُ إِذَنْ عَلَى الْفَوْرِ وَيُمْهَلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، لَكِنْ إِنْ خَافَ غَرِيمُهُ مِنْهُ احْتَاطَ بِمُلَازَمَتِهِ، أَوْ كَفِيلٍ، أَوْ تَرْسِيمٍ عَلَيْهِ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ وَكِيعٌ: عِرْضُهُ: شَكْوَاهُ، وَعُقُوبَتُهُ: حَبْسُهُ، وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ إِخْرَاجُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ، أَوْ يُبَرِّئَهُ غَرِيمُهُ، فَإِذَا صَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ عُسْرَتُهُ أَخْرَجَهُ، وَلَمْ يَسَعْهُ حَبْسُهُ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ ضُرِبَ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ "، وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي " الْفُصُولِ "، وَغَيْرِهِ: يَحْبِسُهُ، فَإِنْ أَبَى عَزَّرَهُ قَالَ: وَيُكَرِّرُ حَبْسَهُ وَتَعْزِيرَهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا، لَكِنْ لَا يُزَادُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى أَكْثَرِ التَّعْزِيرِ إِنْ قِيلَ: يَتَقَدَّرُ فَائِدَةٌ: رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْحَبْسُ عَلَى الدَّيْنِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ وَأَوَّلُ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ شُرَيْحٌ وَكَانَ الْخَصْمَانِ يَتَلَازَمَانِ.
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: فَأَمَّا الْحَبْسُ الْآنَ عَلَى الدَّيْنِ، فَلَا أَعْرِفُ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا عَلَى إِزَالَتِهِ حَرِيصٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَبْسَ عَلَيْهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ،
دَيْنَهُ، وَإِنِ ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَكَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ كَالْبَيْعِ وَأَعْرَضَ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ حُبِسَ إِلَى أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى نَفَاذِ مَالِهِ أَوْ إِعْسَارِهِ وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا؟ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
وَالنُّعْمَانِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمْ (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى الْحَبْسِ، وَلَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ (بَاعَ) الْحَاكِمُ (مَالَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ) لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ ضُعِّفَ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَظَاهِرُهُ يَجِبُ، نَقَلَ حَرْبٌ: إِذَا تَقَاعَدَ بِحُقُوقِ النَّاسِ يُبَاعُ عَلَيْهِ وَيُقْضَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
فَرْعٌ: إِذَا مَطَلَهُ بِحَقِّهِ أَحْوَجَهُ إِلَى الشِّكَايَةِ فَمَا غَرِمَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَعَلَى الْمُمَاطِلِ (وَإِنِ ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَكَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ كَالْبَيْعِ، وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ) ، زَادَ جَمَاعَةٌ: وَالْغَالِبُ بَقَاؤُهُ (حُبِسَ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَالِهِ، وَحَبْسُهُ وَسِيلَةٌ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ كَالْمُقِرِّ بِيَسَارِهِ، وَكَذَا إِذَا لَزِمَهُ عَنْ غَيْرِ مَالٍ كَالضَّمَانِ وَأَقَرَّ بِالْمَلَاءَةِ فَيَقْبَلُ قَوْلَ غَرِيمِهِ: إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ بِدَيْنِهِ (إِلَى أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى نَفَادِ مَالِهِ) أَيْ: تَلَفِهِ، وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ التَّلَفَ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ (أَوْ إِعْسَارِهِ) ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُظْهِرُ عُسْرَتَهُ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ وَيَجِبُ إِنْظَارُهُ، وَلَا تَحِلُّ مُلَازَمَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وَتُعْتَبَرُ الْبَيِّنَةُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " (وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ شَهِدَتْ بِتَلَفِ الْمَالِ، أَوِ الْإِعْسَارِ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ مَعَهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِأَنَّ هَذَا عَبْدُهُ، وَالثَّانِي: بَلَى، وَذَكَرُهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَصْحَابِنَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ بَاطِنٌ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَطَعَ بِهِ