يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ، وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا جَازَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أَمِينٍ أمانة، أَوْ بِأُجْرَةٍ، وَيَجُوزُ رَهْنُ المبيع غير الْمَكِيلِ،
[المبدع في شرح المقنع]
الِاسْتِحْقَاقِ (وَيُبَاعُ) عَلَى الْأَصَحِّ (وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلُ الْعَيْنِ وَبَدَلُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ، فَإِنَّهُ يقضي الدَّيْن مِنْ ثَمَنِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ". وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ رَهَنَ وَغَابَ فَخَافَ الْمُرْتَهِنُ فَسَادَهُ، أَوْ ذَهَابَهُ فَلْيَأْتِ السُّلْطَانَ حَتَّى يَبِيعَهُ، كَمَا أَرْسَلَ ابْنُ سِيرِينَ إِلَى إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعِهِ، فَإِذَا بَاعَهُ حفظه حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِ بِأَمْرِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ يَقْضِيهِ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ، أَوْ لَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ أَشْبَهَ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ هُنَا عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَعَلَى هَذَا إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ يَبِيعُهُ، أَوْ غَيْرُهُ، بَاعَهُ وَإِلَّا بَاعَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَطْلَقَا فَالْخِلَافُ.
[صِحَّةُ رَهْنِ الْمُشَاعِ]
(وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي مَحَلِّ الْحَقِّ أَشْبَهَ الْمُفْرَزَ وَاقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةَ رَهْنِ بَعْضِ نَصِيبِهِ مِنَ الْمُشَاعِ، لَكِنْ فِي رَهْنِ حِصَّتِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فِيهِ وَجْهَانِ كَبَيْعِهِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ الْقَاضِي الْمَنْعَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْتَسِمَ الشَّرِيكَانِ فَيَحْصُلُ الرَّهْنُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ (ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ، وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَتَجَاوَزُهُمَا (وَإِنِ اخْتَلَفَا جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أَمِينٍ) ، وَقِيلَ: مَنْ جَازَ تَوْكِيلُهُ جَازَ جَعْلُ الرَّهْنِ عِنْدَهُ مُطْلَقًا، وَفِيهِ نَظَرٌ (أَمَانَةً، أَوْ بِأُجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهَنِ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ
وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَعْدُودِ، وَالْمَذْرُوعِ قَبْلَ قَبْضِهِ إِلَّا عَلَى ثَمَنِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ إِلَّا الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي أَحَدِ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ مُنْفَرِدًا لِكَوْنِهِ مُشَاعًا فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى الْقَبْضِ الْوَاجِبِ، وَفِي إِيجَارِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِمَا وَجْهَانِ وَيُعْتَبَرُ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُ مَنْعُ الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَكَوْنُهُ مُسْلِمًا إِذَا كَانَ الْمَرْهُونُ مُسْلِمًا كَالْمُصْحَفِ.
(وَيَجُوزُ رَهْنُ المبيع غير الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَعْدُودِ، وَالْمَذْرُوعِ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ: على غير ثَمَنه؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَسَوَاءٌ رَهَنَهُ عِنْدَ بَائِعِهِ، أَوْ غَيْرِهِ (إِلَّا عَلَى ثَمَنِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَحْبُوسٌ بِالثَّمَنِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي صَيْرُورَتِهِ رَهْنًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ الرَّهْنِ، وَالْبَيْعِ تَنَافِيًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ أَنْ يُبَاعَ فِي الدَّيْنِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَحُكْمُ الْبَيْعِ إِيفَاءُ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ صَارَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَالْمَبِيعُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي فَجَازَ رَهْنُهُ بِالثَّمَنِ كَغَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَكِيلَ، وَالْمَوْزُونَ، وَالْمَعْدُودَ، وَالْمَذْرُوعَ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْبَيْعِ (وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِصُوَرِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْوَقْفِ، وَالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ، فَإِنْ قَالَ لِلْمُرْتَهِنِ: زِدْنِي مَالًا يَكُونُ الَّذِي عِنْدَكَ رَهْنًا بِهِ وَبِالدَّيْنِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا رَهْنُ الْمُصْحَفِ.
نَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُرَخِّصُ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ، وَالْمَجْهُولِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَسَوَادِ الْعِرَاقِ وَحُكْمُ بِنَائِهَا كَحُكْمِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا، أَوِ الشَّجَرِ الْمُجَدَّدِ فِيهَا.
فَالْمُذْهَبُ صِحَّتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَالْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إِلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي فَالْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ، فَيَصِحُّ وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَمَالَ غَيْرُهُ، وَخَرَّجَ: بَلَى إِنْ أَجَازَهُ رَبُّهُ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَذِنَ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ لَهُ فَوَجْهَانِ (إِلَّا الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) ، وَالزَّرْعَ
الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَخْضَرَ (مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنَ الْعَاهَةِ وَلِهَذَا أُمِرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا وَبِتَقْدِيرِ تَلَفِهَا لَا يَفُوتُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الدَّيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ فَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ بِيعَ، وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بَيْعِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ كَالْبَيْعِ فَعَلَيْهِ إِنْ رَهَنَهَا مَعَ الْأَصْلِ فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
مُلْحَقٌ: تُسْتَثْنَى الْجَارِيَةُ دُونَ وَلَدِهَا وَبِالْعَكْسِ وَيُبَاعَانِ، فَلَوْ رُهِنَتِ الْأُمُّ بِمُفْرَدِهَا قُوِّمَتْ دُونَهُ، ثُمَّ مَعَهُ فَمَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا فَهُوَ قِيمَتُهُ.
وَقِيلَ: تُقَوَّمُ ذَاتَ وَلَدٍ وَيُقَوَّمُ هُوَ مَعَهَا إِذَا عَلِمَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الرَّهْنِ، أَوْ حَمَلَتْ بِهِ فَهُوَ رَهْنٌ، وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ، أَوْ بَاعَهَا، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، صَحَّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَإِنْ رَهَنَ ثَمَرَةً إِلَى مَحِلٍّ يَحْدُثُ فِيهِ أُخْرَى لَا تَتَمَيَّزُ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ حِينَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَإِنْ رَهَنَهَا بِدَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ شَرَطَ قَطْعَهَا عِنْدَ خَوْفِ اخْتِلَاطِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهَا حَتَّى اخْتَلَطَتْ لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، لَكِنْ إِنْ سَمَحَ الرَّاهِنُ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ عَلَى قَدْرِ ثَمَنِهِ جَازَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا وَتَشَاحَّا قُدِّمَ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ، وَلَوْ شَرَطَاهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ إِذَا أَسْلَمَ (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ) عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فَجَازَ رَهْنُهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إِذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَأَطْلَقَ
فِي يَدِ مُسْلِمٍ.
وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إِلَّا بِالْقَبْضِ وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ وَهُمَا فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ لِكَافِرٍ إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ، وَأُلْحِقَتْ بِهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ.
فَرْعٌ: لَا يَقْرَأُ فِيهِ أَحَدٌ بِلَا إِذْنِ رَبِّهِ.
وَقِيلَ: بَلَى إِنْ لَمْ يَضُرَّ مَالِيَّتَهُ، وَإِنْ طَلَبَ أَحَدٌ لِيَقْرَأَ فِيهِ لَمْ يَجِبْ بَدلهُ، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ
[لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إِلَّا بِالْقَبْضِ]
(وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ) فِي حَقِّ الرَّاهِنِ (إِلَّا بِالْقَبْضِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ فَافْتَقَرَ إِلَى الْقَبْضِ كَالْقَرْضِ وَسَوَاءٌ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ مَنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَغَيْرِهِمَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَلْزَمُ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا رِوَايَتَانِ كَالْبَيْعِ، وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي غَيْرِهِمَا لَا يَلْزَمُ فِي رِوَايَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ فَسْخُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِكُلِّ نَوْعٍ، فَإِنْ كَانَ بِبَيْعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا بَطَلَ حُكْمُ الرَّهْنِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَإِنْ كَانَ بِتَدْبِيرٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ تَزْوِيجٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ " تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ وَصِفَةُ قَبْضِهِ كَمَبِيعٍ، فَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلِلرَّاهِنِ فِيهَا قُمَاشٌ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهَا بِمِلْكِ الرَّاهِنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ كَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْقَبْضِ إِذْنُ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي الْأَشْهَرِ، وَيَبْطُلُ إِذْنُهُ بِنَحْوِ إِغْمَاءٍ وَخَرَسٍ، فَلَوْ رَهَنَهُ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ غَصْبًا فَكَبَتَهُ إِيَّاهُ، وَيَزُولُ ضَمَانُهُ (وَاسْتِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ) ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَلِأَنَّهَا إِحْدَى حَالَتَيِ الرَّهْنِ فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهِ شَرْطًا كَالِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، فَإِنَّ الْقَبْضَ فِي ابْتِدَائِهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ، فَإِذَا ثَبَتَ اسْتَغْنَى عَنِ الْقَبْضِ، وَالرَّهْنُ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ زَالَ ذَلِكَ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَبْضِ شَرْطٌ فِي
الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِنِ زَالَ لُزُومُهُ، فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ عَادَ اللُّزُومُ، وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَتُخَمَّرَ زَالَ لُزُومُهُ، فَإِنْ تَخَلَّلَ عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، وَعَنْهُ:
[المبدع في شرح المقنع]
اللُّزُومِ، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ فَفِي الِاسْتِدَامَةِ كَذَلِكَ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لَكِنْ لَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ أَعَارَهُ لِمُرْتَهِنٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَلُزُومُهُ بَاقٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَزُولُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ فَعَلَيْهَا يَعُودُ بِمُضِيِّ إِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ مِنْ مُرْتَهِنٍ (فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِنِ زَالَ لُزُومُهُ) ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ، وَقَدْ زَالَتْ، إِذِ الْمَشْرُوطُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ نِيَابَةً عَنْهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَبَقِيَ الْعَقْدُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَبْضٌ سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِإِجَارَةٍ، أَوْ إِعَارَةٍ، أَوْ إِيدَاعٍ وَنَحْوِهِ وَقَوْلُهُ: بِاخْتِيَارِهِ يَحْتَرِزُ بِهِ عَمَّا لَوْ أَخْرَجَهُ لَا بِاخْتِيَارِهِ كَالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ اللُّزُومَ، لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا (فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى الْمُرْتَهِنِ (عَادَ اللُّزُومُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْبَضَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَزِمَ بِهِ كَالْأَوَّلِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ السَّابِقَ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَاخَى الْقَبْضُ عَنِ الْعَقْدِ (وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا فَتُخَمَّرَ زَالَ لُزُومُهُ) ، لِأَنَّ تَخْمِيرَهُ بمنزلة إخراجه مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يدل لِمُسْلِمٍ عَلَى خَمْرٍ؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ خَمْرًا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَلَأَنْ يُخْرِجَهُ عَنِ اللُّزُومِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَتَجِبُ إِرَاقَتُهُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ أُرِيقَ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ تَخَلَّلَ عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ) ، كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ، فَلَوِ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَمْ يَعُدْ بِعُودِهِ خَلًّا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ أَشْبَهَ إِسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إِذَا اسْتَحَالَ خَمْرًا بَعْدَ الْقَبْضِ أَنَّهُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيهِ، ثُمَّ إِذَا عَادَ خَلًّا عَادَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ مَرْهُونًا بِالْعَقْدِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ مِلْكًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، فَيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْيَدَ لَمْ تَزَلْ عَنْهُ حُكْمًا بِدَلِيلِ مَا لَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
أَنَّ الْقَبْضَ وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيَّنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَمَتَى امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ أُجْبِرَ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَمْ تَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَوْدِهِ رَهْنًا بِاسْتِحَالَتِهِ خَلًّا وَأَرَى الْقَوْلَ بِبَقَائِهِ رَهْنًا أَقْرَبَ إِلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ بَطَلَ لَمَا عَادَ صَحِيحًا من غير ابْتِدَاءُ عَقْدٍ (وَعَنْهُ: أَنَّ الْقَبْضَ وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيَّنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ) حَكَاهُ فِي " التَّعْلِيقِ " عَنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ (فَمَتَى) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ) كَالْبَيْعِ، فَإِنْ رَدَّهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِعَارِيَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ طَلَبَهُ أُجْبِرَ الرَّاهِنُ عَلَى رَدِّهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ صَحِيحٌ، وَالْقَبْضَ وَاجِبٌ لَهُ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ كَبَيْعِهِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ جَازَ إِجْمَاعًا وَسَوَاءٌ بُيِّنَ الدَّيْنُ أَوْ لَا، لَكِنْ لَوْ عُيِّنَ الْمُرْتِهَنُ، أَوِ الْقَدْرُ الَّذِي يَرْهَنُهُ عَلَيْهِ فَخَالَفَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ إِقْبَاضِهِ كَقَبْلِ الْعَقْدِ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ " لَا كَبَعْدَهُ خِلَافًا " لِلِانْتِصَارِ " فِيهِ وَلَهُ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِهِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا فِي مَحَلِّ الْحَقِّ وَقَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَةَ لَا تَلْزَمُ فَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ، وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ وَاسْتِيفَاءُ دَيْنِهِ مِنْهُ وَيَرْجِعُ الْمُعَيِّرُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِمِثْلِهِ لَا بِمَا بِيعَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَاخْتَارَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " بِأَكْثَرِهِمَا، فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ الرَّاهِنُ، وَهُوَ الْمُسْتَعِيرُ بِقِيمَتِهِ سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيُتَوَجَّهُ فِي مُسْتَأْجِرٍ مِنْ مُسْتَعِيرٍ، وَإِنْ فَكَّ الْمُعِيرُ الرَّهْنَ بِإِذْنَ الرَّاهِنِ رَجَعَ، وَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا فَلَا، وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ فَرِوَايَتَانِ.
1
(وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ) اللَّازِمِ بِالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ (لَا يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهُ
عَلَيْهِ، وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ إِلَّا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
تَصَرَّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَلَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَى السِّرَايَةِ، وَالتَّغْلِيبِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ كَفَسْخِ الرَّهْنِ، فَأَمَّا انْتِفَاعُهُ بِهِ كَاسْتِخْدَامٍ وَنَحْوِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَالْمَبِيعِ الْمَحْبُوسِ عِنْدَ الْبَائِعِ عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهِ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ مِنْ سَقْيِ شَجَرٍ وَتَلْقِيحٍ وَإِنْزَاءِ فَحْلٍ عَلَى إِنَاثٍ مَرْهُونَةٍ وَمُدَاوَاةٍ وَفَصْدٍ بَلْ مِنْ قَطْعِ سِلْعَةٍ فِيهَا خَطَرٌ وَحِينَئِذٍ إِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الْمَنَافِعِ لَمْ يَجُزِ الِانْتِفَاعُ وَكَانَتْ مُعَطَّلَةً وإن اتفقا عَلَى الْإِجَارَةِ، أَوِ الْإِعَارَةِ جَازَ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَالْأُجْرَةُ رَهْنٌ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي " الْخِلَافِ " أَنَّهَا تُعَطَّلُ مُطْلَقًا وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لِلرَّاهِنِ الِانْتِفَاعُ بِمَا لَا يُنْقِصُ قِيمَتَهُ ولا يضره كَرُكُوبٍ وَسُكْنَى، فَإِنْ أَرَادَ غَرْسَ الْأَرْضِ - وَالدَّيْنُ حَالٌّ - مُنِعَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَاحْتِمَالَانِ (إِلَّا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ) يَحْرُمُ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ وَ (يَنْفُذُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ شَرِيكٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، لِأَنَّهُ إِعْتَاقٌ مِنْ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ فَنُفِّذَ كَعِتْقِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ فَنَفَذَ فِيهَا عِتْقُ الْمَالِكِ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ بَائِعِهِ، وَالْعِتْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ، وَالتَّغْلِيبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَفِي مِلْكِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا (تُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ وَيُعْتَبَرُ حَالُ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِتْلَافِ فَجُعِلَتْ (رَهْنًا مَكَانَهُ) ؛ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنِ الْعَيْنِ، أَوْ بَدَلٌ عَنْهَا، وَكَذَا حُكْمُ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِقَصَاصٍ اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَحْبَلَ الْأَمَةَ بِلَا إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ وَكَذَّبَهُ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ تَكُونُ رَهْنًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَيْسَرَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ أُخِذَتْ مِنْهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ تَعْجِيلَ الْحَقِّ فَيَقْضِيَهُ، وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ طُولِبَ بِالدَّيْنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ
رَهْنًا مَكَانَهُ، وَيُحْتَمَلُ وعنه: لَّا يَنْفُذَ عِتْقُ الْمُعْسِرِ.
وليس عليه تزويج الأمة المرهونة فإن فعل لم يصح.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ وَيُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا، وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَأَوْلَدَهَا خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ،
[المبدع في شرح المقنع]
تَبْرَأُ بِهِ مِنَ الْحَقَّيْنِ مَعًا (وَعَنْهُ: لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ) ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ " احْتِمَالًا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " تَخْرِيجًا؛ لِأَنَّ نُفُوذَ عِتْقِهِ يُسْقِطُ الْوَثِيقَةَ وَبَدَلَهَا، فَلَمْ يَنْفُذْ لِمَا فِيهِ مِنِ الْإِضْرَارِ بِالْمُرْتَهِنِ وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَهُوَ مُعْسِرٍ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَسْتَسْعِي الْعَبْدَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ تُجْعَلُ رَهْنًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِيجَابَ الْكَسْبِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا صُنْعَ، وَلَا جِنَايَةَ مِنْهُ فَكَانَ إِلْزَامُ الْغُرْمِ لِلْمُتْلِفِ أَوْلَى وَقِيلَ: وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ غَيْرِهِ، وَذَكَرَهَ فِي " الْمُبْهِجِ " رِوَايَةً وَإِذَا لَمْ نَقْلُ بِالنُّفُوذِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَعْدَ زَوَالِ الرَّهْنِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَأْذَنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ، صَحَّ الْعِتْقُ وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَعَلِمَ الرَّاهِنُ بِهِ بَطَلَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَكَذَا يَصِحُّ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ أُذِنَ فِيهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا قُدِّمَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَوَارِثِهِ فِي نَفْيِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ إِلَّا أَنَّ الْوَارِثَ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَمَنْ نكل قُضِيَ عَلَيْهِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْوَقْفَ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى.
1
(وَقَالَ الْقَاضِي) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ رِوَايَةً (لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ) الْمَرْهُونَةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ غَيْرَ مَحَلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ رَهْنِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَمْ يَمْنَعِ التَّزْوِيجَ كَالْإِجَارَةِ (وَيَمْنَعُ) الْمُرْتَهِنُ (الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا) ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بُقُولِهِ: دُونَ تَسْلِيمِهَا لِئَلَّا تَحْبَلَ فَتَنْقُصَ قِيمَتُهَا وَتَقِلَّ الرَّغْبَةُ فِيهَا وَرُبَّمَا تَلِفَتْ بِسَبَبِ الْحَمْلِ (وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ الرَّهْنِ فَكَانَ رَهْنًا (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ يُذْهِبُ رَغَبَاتِ الْمُشْتَرِينَ فِيهَا فَيُوجِبُ نُقْصَانَ قِيمَتِهَا، فَلَمْ يَمْلِكْهُ الرَّاهِنُ كَفَسْخِ الْعَقْدِ، وَلَا نُسَلِّمُ تَغَايُرَ الْمَحَلَّيْنِ بَلْ مَحَلُّهُمَا وَاحِدٌ وَتَتَنَاوَلُ الْجُمْلَةَ، وَإِنَّمَا صَحَّ رَهْنُ الْمُزَوَّجَةِ لِبَقَاءِ مُعْظَمِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا وَبَقَائِهَا مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، كَمَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَالرَّهْنُ يُفَارِقُ الْإِجَارَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ التَّزْوِيجَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الْإِجَارَةِ، وَلَا يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ لَهُ،
وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا فَجُعِلَتْ رَهْنًا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ هِبَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَفَعَلَ، صَحَّ وَبَطَلَ الرَّهْنُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَيُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الرَّهْنِ، هُوَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا إِنَّمَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ، أَوْ يُنْقِصُ الثَّمَنَ فَيَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ كَامِلًا (وَإِنْ وَطئ) الرَّاهِنُ (الْجَارِيَةَ) الْمَرْهُونَةَ، فَقَدْ رَكِبَ مُحَرَّمًا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ مَنْ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْآيِسَةِ، وَالصَّغِيرَةِ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَحْبَلُ فِيهِ يَخْتَلِفُ فَمُنِعَ مِنْهُ جُمْلَةً، لَكِنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَالِاسْتِخْدَامِ، فَإِنْ تَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا، أَوْ نَقَصَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا تَلِفَ كَالْجِنَايَةِ تُجْعَلُ رَهْنًا مَعَهَا، وَإِلَّا قَضَاهُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ، وَجَزَمَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَقَالَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَالشِّيرَازِيُّ فِي " الْمُنْتَخَبِ ": إِنَّهُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَى رَاهِنٍ إِلَّا بِشَرْطٍ، وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَأَرْشُ الْبَكَارَةِ فَقَطْ كَجِنَايَةٍ (فَأَوْلَدَهَا خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ لَهُ، وَعِبَارَةُ الْأَكْثَرِ كَالْمُؤَلِّفِ، وَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلِ الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْإِحْبَالِ (وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا) حِينَ إِحْبَالِهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بَدَلُهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا (فَجُعِلَتْ رَهْنًا) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ، وَالْبَدَلُ يُعْطَى حُكْمُ مُبْدِلِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا إِذَا صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ مِنْ وَطْئِهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ.
قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبٍ يُنَافِي حَقَّهُ لَا يُقَالُ إِنَّمَا أَذِنَ بِالْوَطْءِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِحْبَالِ لِإِفْضَائِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ فَالْإِذْنُ فِي سَبَبِهِ إِذْنٌ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَقَرَّ بِالْوَطْءِ حَالَ الْعَقْدِ، أَوْ قَبْلَ لُزُومِهِ فَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ وَيَصِحُّ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ لُزُومِهِ فَيُقْبَلُ فِي حَقِّهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُقْبَلُ وَيُحْتَمَلُ قَبُولُهُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي مِلْكِهِ بِمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ.
(وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ هِبَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَوَقْفِهِ (فَفَعَلَ،
رَهْنًا، أَوْ يُعَجِّلَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَنَمَاءُ الرَّهْنِ وَكَسْبِهِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنَ الرَّهْنِ وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ وَكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخْزُونًا، وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
صَحَّ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَذِنَ زَالَ (وَبَطَلَ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ يُنَافِي الرَّهْنَ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ مَا يُنَافِيهِ (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا) مَكَانَهُ (أَوْ يُعَجِّلَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ) ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ طَاعَةً وَيَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ جَازَ، فَكَذَا قَبْلَهُ، وَحَاصِلُهُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَخَذَهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا بَقِيَ رَهْنًا، وَإِنْ شَرَطَ تَعْجِيلَ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، صَحَّ الْبَيْعُ وَلَغَا الشَّرْطَ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَإِنْ بَاعَهُ بِإِذْنٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَيْنَهُ الْمُؤَجَّلَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَفِي كَوْنِ الثَّمَنِ رَهْنًا وَجْهَانِ وَيَلْغُو شَرْطَ التَّعْجِيلِ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَرْعٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ قَبْلَ قَوْلِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ، فلو اتفقا عليه وَاخْتَلَفَا فِي الشَّرْطِ قَبْلَ قَوْلِ الرَّاهِنِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَنَمَاءُ الرَّهْنِ وَكَسْبُهُ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِنَ الرَّهْنِ) أَيْ: يَكُونُ فِي يَدِهِ كَالْأَصْلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى بَيْعِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ بِيعَ مَعَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ عَلَى الْعَيْنِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا ذَكَرَ كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ جُزْءٍ فَكَانَتْ مِنَ الرَّهْنِ كَقِيمَتِهِ إِذَا أَتْلَفَهُ إِنْسَانٌ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّمَاءِ بَيْنَ الْمُتَّصِلِ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، وَالْمُنْفَصِلِ كَالْكَسْبِ، وَالْأُجْرَةِ، وَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ، وَالصُّوفِ (وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ) لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غَنَمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ كَالطَّعَامِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى مُدَاوَاةٍ لِمَرَضٍ، أَوْ جُرْحٍ وَأُجْرَةِ مَنْ يَرُدُّهُ إِذَا أَبَقَ وَمُؤْنَةِ جِنَايَةٍ وَأُجْرَةِ تَسْوِيَةٍ وَجِدَادٍ وَتَجْفِيفٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ مَاشِيَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى إِطْرَاقٍ فَحْلٍ لَمْ يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ
يَدِ الْمُرْتَهِنِ إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ،
[المبدع في شرح المقنع]
مَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِبَقَائِهَا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ (وَكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ) كبقية مؤنة تَجْهِيزُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لِمُؤْنَتِهِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ غُرْمِهِ (وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخْزُونًا) كَأُجْرَةِ حَافِظِهِ (وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ فِعْلِهِ خَوْفًا مِنَ الضَّمَانِ وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَعْطِيلِ الْمُدَايَنَاتِ، وَالْقُرُوضِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَا يُضْمَنُ كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ.
نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، كَبَعْدِ الْوَفَاءِ (إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) . قَالَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي تَلَفِهِ شَيْءٌ كَالْوَدِيعَةِ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ، أَوْ مَلَّكَهُ، أَوِ اسْتَعْمَلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْمُتَعَدِّي وَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ فَأَجْرَاهَا عَلَى ظَاهِرِهَا لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا فَنَفَقَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: " ذَهَبَ حَقُّكَ» ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ لِلِاسْتِيفَاءِ، فَيَضْمَنُهَا مَنْ قَبَضَهَا لِذَلِكَ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدٍ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ فَكَانَ جَمِيعُهُ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ وَحَدِيثُ عَطَاءٍ بِخِلَافِهِ مَعَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ: يَرْوِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَكَانَ كَذَّابًا، وَقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ سَلِمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ حَقُّكَ مِنَ الْوَثِيقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ قَدْرِ الدَّيْنِ، أَوْ قِيمَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا تَعَدَّى، أَوْ فَرَّطَ أَنَّهُ يَضْمَنُ كَالْوَدِيعَةِ، وَفِي بَقَاءِ الرَّهِينَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَمَانَةً وَاسْتِيثَاقًا فَبَقِيَ أَحَدُهُمَا وَجْهَانِ (وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قَبْلَ التَّلَفِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ فَبَقِيَ بِحَالِهِ وَكَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَبْدًا يَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَكَحَبْسِ عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ بَعْدَ الْفَسْخِ عَلَى الْأُجْرَةِ بِخِلَافِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِيَ عَلَى ثَمَنِهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي رِوَايَةٍ بِتَلَفِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بَعِوَضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَسْقُطُ بِتَفَاسُخِهِمَا ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا، انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ رَهَنَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الرَّهْنِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ فَوَجَدَهُ مُسْتَحَقًّا لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَالرَّهْنُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ مَعَ عَمَلِهِ حَتَّى تَلِفَ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمِنَ الرَّاهِنُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ حَتَّى تَلِفَ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ فَثَالِثُهَا لِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ (وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الرَّهْنِ فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الْحَقِّ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، أَوْ لَا وَكَالضَّمَانِ، وَالشَّهَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي التَّلَفِ، وَقِيلَ: وَالرَّدُّ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِي مُرْتِهِنٍ ادَّعَى ضَيَاعَهُ: إِنِ اتَّهَمَهُ أَحْلَفَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُحَلِّفْهُ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَاهُ بِحَادِثٍ ظَاهِرٍ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحَادِثِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِيهِ، وَكَذَا وَكَيْلٌ وَسَيَأْتِي.
1
(وَإِنْ رَهْنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا: انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ فَكَأَنَّهُ رَهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ مُنْفَرِدًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ الْآخَرِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ مُقَاسَمَةُ الْمُرْتَهِنِ لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ فَصَارَ جَمِيعُهُ رَهْنًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ طَلَبَ الْمُقَاسَمَةَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَنْقُصُهُ الْقِسْمَةُ كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ أُجِيبُ إِلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَيَبْقَى فِي يَدِهِ بَعْضُهُ رَهْنٌ وَبَعْضُهُ وَدِيعَةٌ (وَإِنْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا
رَجُلَانِ شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا، انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَامْتَنَعَ مِنْ وَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَو للْعَدْلِ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ وَوَفَّى الدَّيْنَ وَإِلَّا رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُجْبِرُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ، أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَقَضَى دَيْنَهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مُتَعَدِّدٌ فَتَعَلَّقَ مَا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِنَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا خِلَافَهُ، فَلَوْ رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدًا لَهُمَا عِنْدَ اثْنَيْنِ بِأَلْفٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ، وَيَصِيرُ كُلُّ رُبْعٍ مِنْهُ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَمَتَى قَضَى فِي شَيْءٍ انْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
فَرْعٌ: إِذَا قَضَى بَعْضَ دَيْنِهِ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ وَبِبَعْضِهِ رَهْنٌ، أَوْ كَفِيلٌ فَعَمَّا نَوَاهُ، فَإِنْ أَطْلَقَ، وَلَمْ يَنْوِ فَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ (وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ) لَزِمَ الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ فَلَزِمَ إِبْقَاؤُهُ كَالَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ (وَامْتَنَعَ مِنْ وَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ، أَوْ لِلْعَدْلِ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، وَفِي بَيْعِهِ بِقِيمَتِهِ وَجْهَانِ بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِحَقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ إِذْنٍ مِنَ الرَّاهِنِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: بَلَى حَكَاهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي قَضَاءِ الْحَقِّ منْ غَيْرِهِ (وَوَفَّى الدَّيْنَ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ لِمَالِكِهِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَعَلَى الرَّاهِنِ (وَإِلَّا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَأْذِنْ فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يُوفِّ (رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُجْبِرُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ، أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْحَاكِمِ، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ، أَوْ عَزَّرَهُ حَتَّى يَفْعَلَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: أَصَرَّ عَلَى الْمَنْعِ، أَوْ كَانَ غَائِبًا، أَوْ تَغَيَّبَ.
قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " (بَاعَهُ الْحَاكِمُ) عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ أَدَاؤُهُ (وَقَضَى دَيْنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالْإِيفَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهِ، أَوْ إِذْنِ حَاكِمٍ، وَقِيلَ: بَلَى، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِهِ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: ائْذَنْ فِيهِ وَخُذْ دَيْنَكَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ أَبْرِئْهُ مِنْهُ.
فَرْعٌ: إِذَا جَهِلَ رَبُّ الرَّهْنِ وَأَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطٍ،
فَصْلٌ وَإِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ شَرَطَ جَعْلَهُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ، وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا، وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِ الْعَدْلِ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
ضمانه، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي إِذَنْ حَاكِمٍ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَأَخْذِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ عَدَمِهِ رِوَايَتَانِ كَشِرَاءِ وَكَيْلٍ.
[إِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ صَحَّ]
فَصْلٌ (وَإِذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ فِي عَقْدٍ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَقَبْضِ الْمَوْهُوبِ (وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْحَكَمُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ فَتَعَلَّقَ بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ وَبِأَنَّهُ وَكِيلٌ وَقَبْضُهُ كَقَبْضِ الْمُوَكَّلِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ وُكِّلَ فِي الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ صَحَّ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ جَعْلِ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ مَنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ، وَهُوَ الْجَائِزُ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا، وَلَا عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِسَيِّدِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُهَا فِي الْحِفْظِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا مُكَاتَبًا بِغَيْرِ جَعْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَنَافِعِهِ (وَإِنْ شَرَطَ جَعْلَهُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ لَمْ يَرْضَيَا إِلَّا بِحِفْظِهِمَا مَعًا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ كَالْوَصِيَّيْنِ، فَعَلَى هَذَا يُجْعَلُ فِي مَخْزَنٍ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُفْلٌ، وَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ.
(وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ، وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِ الْعَدْلِ) ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ مَا دَامَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنِ الْأَمَانَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِ: وَلَا حَدَثَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ نَقْلُهُ عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلِأَنَّهُمَا إِذَا لَمْ يَمْلِكَاهُ فَالْحَاكِمُ أَوْلَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِهِ جَازَ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا
وَلَهُ رَدُّهُ إِلَيْهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ رَدُّهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ، وإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ، فَإِنْ أَذِنَا لَهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَبِعْ إِلَّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ
[المبدع في شرح المقنع]
يَعِدُوهُمَا (إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ) بِفِسْقٍ، أَوْ ضَعْفِهِ عَنِ الْحِفْظِ، أَوْ عَدَاوَةٍ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ نَقَلُهُ عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ فِي مَقَامِهِ فِي يَدِهِ ضَرَرًا عَلَى الطَّالِبِ فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى شَخْصٍ بِصِفَاتِهِ جَازَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي تَغَيُّرِ حَالِهِ بَحَثَ الْحَاكِمُ وَعَمَلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَتَغَيَّرَ حَالُهُ فَلِلرَّاهِنِ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَضَعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ، فَإِنْ مَاتَ هُوَ، أَوِ الْعَدْلُ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِمَا إِمْسَاكُهُ إِلَّا بِرِضَاهُمَا (وَلَهُ) أَيْ: لِلْعَدْلِ (رَدُّهُ إِلَيْهِمَا) ، وَعَلَيْهِمَا قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَقْطُوعٌ بِالْحِفْظِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْمَقَامُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، فَإِنِ امْتَنَعَا أَجْبَرَهُمَا الْحَاكِمُ وَيُنَصِّبُ أَمِينًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا إِذَا تَغَيَّبَا؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنَ الْحَقِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَفَعَهُ إِلَى أَمِينٍ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعِهِمَا أَنَّهُ يَضْمَنُ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ الْعَدْلُ عِنْدَ آخَرَ مَعَ وُجُودِهِمَا، فَإِنِ امْتَنَعَا، وَلَمْ يَجِدْ حَاكِمًا فَتَرَكَهُ عِنْدَ عَدْلٍ لَمْ يَضْمَنْ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُهُ إِلَى الْآخَرِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَدْلَ يُمْسِكُهُ لَهُمَا، وَأَحَدُهُمَا يُمْسِكُهُ لِنَفْسِهِ هَذَا إِذَا كَانَا حَاضِرَيْنِ، فَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَدْلِ عُذْرٌ رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ يَقْبِضُهُ مِنْهُ، أَوْ نَصَّبَ عَدْلًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَوْدَعَهُ ثِقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَالْغَيْبَةُ بَعِيدَةٌ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَثِقَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً فَكَالْحَاضِرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا فَكَالْغَائِبَيْنِ (وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ إِلَى أَحَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّ لِلْآخَرِ حَظًّا فِي إِمْسَاكِهِ فِي يَدِهِ، وَفِي رَدِّهِ إِلَى أَحَدِهِمَا تَضْيِيعٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا، وَالْآخَرُ مُسَافِرًا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِ (فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ) أَيْ: إِلَى يَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ عَوْدًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ مَا اسْتَحَقَّهُ بِعَقْدِ الرَّهْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ (فَإِنْ أَذِنَا لَهُ) أَيْ: لِلْعَدْلِ (فِي الْبَيْعِ لَمْ يَبِعْ إِلَّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لِلرَّوَاجِ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقُودٌ بَاعَ بِجِنْسِ
نُقُودٌ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جِنْسُ الدَّيْنِ بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلَحُ وَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَتَلَفَ فِي يَدِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ رَجَعَ
[المبدع في شرح المقنع]
الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى وَفَاءِ الْحَقِّ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جِنْسُ الدَّيْنِ بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلَحُ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ فِيمَا هُوَ مُتَوَلِّيهِ كَالْحَاكِمِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبِيعُ بِأَغْلَبِ نُقُودِهِ إِذَا تَعَدَّدَتْ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَبِجِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنْ عُدِمَ فَبِمَا ظَنَّهُ أَصْلَحَ، فَإِنْ تَسَاوَتْ عُيِّنَ حَاكِمٌ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْأَحَظِّ، وَأَبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ، فَإِنْ عَيَّنَا نَقْدًا تَعَيَّنَ، وَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَإِنَّ اخْتَلَفَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَعَلَى هَذَا يُرْفَعُ إِلَى الْحَاكِمِ وَيَأْمُرُ بِبَيْعِهِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَافَقَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا، أَوْ لَمْ يُوَافِقْ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ.
(وَإِنْ) بَاعَ بِإِذْنِهِمَا، ثُمَّ (قَبَضَ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ) مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ (فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَمَانَةٌ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِهِ مِنَ الْمُشْتَرِي فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَإِنِ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْعَدْلِ وَمَحَلُّهُ إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، لَا يُقَالُ: يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَدْلِ لِكَوْنِهِ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ فِي قَبْضِهِ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُفْلِسًا، أَوْ مَيِّتًا فَالْمُرْتَهِنُ، وَالْمُشْتَرِي أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي الذِّمَّةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ لَوْ بَانَ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَانِ رجوعه عَلَيْهِ،
الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنِ ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوِ الْعَدْلُ صَحَّ، وَإِنْ عَزَلَهُمَا، صَحَّ عَزْلُهُ
[المبدع في شرح المقنع]
كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ، فَلَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ، أَوِ الْوَكِيلُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلٌ.
(وَإِنِ ادَّعَى) أَيْ: الْعَدْلُ (دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ بِالْإِشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدْلَ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، وَأَنْكَرَ، وَلَا بَيِّنَةَ لِلْعَدْلِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ، وَلَمْ يُشْهِدْ فَيَضْمَنَ لِتَفْرِيطِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِ مُوَكِّلِهِ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.
والثَّانِي: مُطْلَقٌ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ حَيْثُ لَمْ يُشْهِدْ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ مُبَرِئٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى رَاهَنِهِ، ثُمَّ هُوَ عَلَى الْعَدْلِ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ قَائِمَةً، أَوْ مَعْدُومَةً، وَشَرْطُهُ عَدَالَتُهُمْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.
صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَضْمَنُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
وَفِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرُهُ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ عَلَى الرَّاهِنِ لَا الْمُرْتَهِنِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ وَكِيلُ الرَّاهِنِ فِي دَفْعِ الثَّمَنِ وَوَكِيلُ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحِفْظِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّهِ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي إِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ عَنْ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَعَلَيْهِ إِذَا حَلَفَ الْعَدْلُ سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ قَبَضَهُ (وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ) فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
(وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوِ الْعَدْلُ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَهْلٌ لِلْوِكَالَةِ، فَصَحَّ كَالْأَجْنَبِيِّ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، فَصَحَّ
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ، وإِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوَايَتَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
كَمَا لَوْ شَرَطَ صِفَةً فِيهِ (وَإِنْ عَزَلَهُمَا، صَحَّ عَزْلُهُ) فِي الْمَنْصُوصِ كَسَائِرِ الْوِكَالَاتِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُتَوَجَّهُ لَنَا أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ مَنَعَ الْحِيلَةَ، وَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ لِلرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ يَشْرُطُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ فَيُجِيبُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَعْزِلُهُ، وَلِأَنَّ وِكَالَتَهُ صَارَتْ مِنْ حُقُوقِ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إِسْقَاطُهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ لَازِمًا.
(وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ) أَيْ: حُلُولُ الْحَقِّ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
وَمِثْلُهُ إِذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُسْتَوْفَي الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ لَا يُبَاعَ مَا خِيفَ تَلَفُهُ، أَوْ يَبِيعُ الرَّهْنَ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، أَوْ لَا يَبِيعُهُ إِلَّا بِمَا يُرْضِيهِ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلرَّاهِنِ، أَوْ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَقْدُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ، أَوْ بِوَقْتِ الرَّهْنِ (وَإِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ) أَيْ: بِالدَّيْنِ، أَوْ فَهُوَ مَبِيعٌ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَحْمَدَ مَا مَعْنَى: لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ؛ قَالَ: لَا يَدْفَعُ رَهْنًا إِلَى رَجُلٍ، وَيَقُولُ: إِنْ جِئْتُكَ بِالدَّرَاهِمِ إِلَى كَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مَبِيعًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ فِي مَحَلِّهِ، وَالْبَيْعُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لَا يَصِحُّ (وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوَايَتَانِ) مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْبَيْعِ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَغَيْرِهِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَنَصَرَهُ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ فَأَفْسَدَهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ تَوْفِيتَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا، نَصَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُؤُوسِ الْمَسَائِلِ " وَاسْتَدَلَّ بِالْخَبَرِ فَنَفَى غَلْقَ الرَّهْنِ دُونَ أَصْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا، وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسَادِهِ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ بِفَسَادِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ يُبْطِلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَمَا لَا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ شَرَطَ رَهْنًا مُوَقَّتًا، أَوْ شَرَطَهُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، فَسَدَ الرَّهْنُ وَهَلْ يَفْسُدُ بِسَائِرِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، وَحَكَى فِي " الْمُغْنِي ".
فَصْلٌ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، أَوِ الرَّهْنِ، أَوْ رَدَّهُ أَوْ قَالَ: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا قَالَ: بَلْ
[المبدع في شرح المقنع]
عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ فَسَادُ الرَّهْنِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ إِنَّمَا بَذَلَ مِلْكَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ أَفْضَى إِلَى أَخْذِ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، لَكِنْ تُرِكَ فِيهِ لِلْأَثَرِ، ثُمَّ إِذَا بَطَلَ وَكَانَ فِي بَيْعٍ فَفِي بُطْلَانِهِ لِأَخْذِهِ حَظًّا مِنَ الثَّمَنِ أَمْ لِانْفِرَادِهِ عَنْهُ كَمَهْرٍ فِي نِكَاحٍ احْتِمَالَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ رَهْنًا عَلَى ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ.
قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَ شَرَطَ رَهْنَهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهُ يَقْبِضُهُ، ثُمَّ يَرْهَنُهُ، أَوْ شَرَطَ رَهْنَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَعَنْهُ: إِذَا حَبَسَ الْمَبِيعَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَهُوَ غَاصِبٌ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا غَيْرَ الْمَبِيعِ فَيَكُونُ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الرَّهْنَ، فَإِنْ لَمْ يَفِ لَهُ، وَإِلَّا فَسَخَ الْبَيْعَ.
[إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ أَوِ الرَّهْنِ]
فَصْلٌ (إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ) بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ رَهَنْتَنِي عَلَيْهَا عَبْدَكَ فُلَانًا فَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ هِيَ مِائَةٌ (أَوِ الرَّهْنِ) بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: هَذَا الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ فَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ أَحَدُهُمَا.
قُدِّمَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، فَكَذَا فِي صِفَتِهِ (أَوْ رَدَّهُ) بِأَنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: رَدَدْتُهُ إِلَيْكَ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ أَقْبِضْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَالْمُرْتَهِنُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَتِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَأْجِرِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَفِي " التَّذْكِرَةِ " أنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ فِي الرَّدِّ لَمْ يَحْلِفْ، فَلَوْ طَلَبَ مِنْهُ الرَّدَّ وَقَبِلَ قَوْلَهُ فَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُهُ لِيُشْهِدَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا فَلَا (أَوْ قَالَ: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا قَالَ) الْمُرْتَهِنُ: (بَلْ خَمْرًا) فِي عَقْدٍ مَشْرُوطٍ فِيهِ الرَّهْنُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِيمَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ فَقُبِلَ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُعْتَرِفٌ بِعَقْدٍ وَقَبْضٍ، وَيَدَّعِي فَسَادَهُ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ.
خَمْرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ، عَتَقَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ جَنَى، أَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ قُبِلَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إِلَّا أَنْ يَصَدِّقَهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَرْسَلْتَ وَكِيلَكَ فَرَهَنَنِي عَبْدَكَ هَذَا عَلَى عِشْرِينَ قَبَضَهَا قَالَ: مَا أَمَرْتُهُ إِلَّا بِعَشَرَةٍ وَصَارَتْ إِلَيَّ سُئِلَ الرَّسُولُ، فَإِنْ صَدَّقَ الرَّاهِنَ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ دُونَ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيلُ بَرِئَا مَعًا، وَإِنْ نَكَّلَ فَعَلَيْهِ الْعَشَرَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ صَدَّقَ الْمُرْتَهِنَ وَادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَ الْعِشْرِينَ إِلَى الرَّاهِنِ قُبِلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْعَشَرَةِ وَيَدْفَعُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَعَلَى الْوَكِيلِ غَرَامَةُ الْعِشَرَةِ لِلْمُرْتَهِنِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ عَتَقَ) ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي الْإِقْرَارِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ ذَلِكَ عَتَقَ، فَكَذَا إِذَا أَخْبَرَ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ إِنْشَاءُ عَقْدٍ، صَحَّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا) مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْوَثِيقَةَ بِالْعِتْقِ فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ تُجْعَلُ رَهْنًا جَبْرًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ هَذَا إِذَا كَانَ مُوسِرًا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعَلَى مَا سَبَقَ، وَشَرْطُهُ أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ جَنَى، أَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ قُبِلَ عَلَى نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ (وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) أَيْ: مَعَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ وَقَوْلُ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ لَزِمَهُ أَرْشُهَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَبَيْنَ رَقَبَةِ الْجَانِي بِفِعْلِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا تَعَلَّقَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِرَقَبَتِهِ إِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ.
وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي، وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ الرَّهْنَ إِذَا انْفَكَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ حَالًّا وَمَآلًا خُولِفَ فِي الْحَالِ لِأَجْلِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَمَتَى زَالَ عَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلَهُ.
وَفِي " الشَّرْحِ " يُلْزِمُهُ قِيمَتُهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِرَهْنِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، لَكِنْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ) ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ
فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا، أَوْ مَحْلُوبًا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلِبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ
[المبدع في شرح المقنع]
لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنِ الْمَعَارِضِ، وَقِيلَ: إِنْ أَقَرَّ بِبَيْعِهِ، أَوْ غَصْبِهِ، أَوْ جِنَايَتِهِ، وَهُوَ مُوسِرٌ كَإِقْرَارِهِ بِنَسَبٍ مُطْلَقًا، صَحَّ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ رَهْنًا كَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ إِقْرَارُهُ مَجَّانًا، وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ.
[الرَّهْنُ الْمَرْكُوبُ وَالْمَحْلُوبُ]
فَصْلٌ (وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا، أَوْ مَحْلُوبًا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلِبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ إِلَى حَيَوَانٍ، وَغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: إِذَا كَانَ مَرْكُوبًا، أَوْ مَحْلُوبًا.
فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ وَأَحْمَدِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلِبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ (مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةٌ وَلِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقٌّ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ فَجَازَ، كَمَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَخْذُ مُؤْنَتِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، لَا يُقَالُ: مِنْ مَنَافِعِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يُنْفِقُ وَيَنْتَفِعُ؛ لِأَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِمَا رُوِيَ: إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا.
فَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الْمُنْفِقَ فَيَكُونُ هُوَ الْمُنْتَفِعَ، وَقَوْلُهُ: بِنَفَقَتِهِ أَيْ: بِسَبَبِهَا، إِذِ الِانْتِفَاعُ عِوَضُ النَّفَقَةِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى مِنَ الْمُرْتَهِنِ أَمَّا الرَّاهِنُ فَإِنْفَاقُهُ، وَانْتِفَاعُهُ لَيْسَا بِسَبَبِ الرُّكُوبِ، وَلَوْ تُرِكَتْ لَذَهَبَتْ مَجَّانًا، وَكَذَا اللَّبَنُ لَوْ تُرِكَ لَفَسَدَ وَبَيْعُهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا مُتَعَذِّرٌ، وَالْحَيَوَانُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ، فَقَدْ يَتَعَذَّرُ مِنَ الْمَالِكِ وَبَيْعُ بَعْضِ الرَّهْنِ فِيهَا قَدْ يُفَوِّتُ الْحَقَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا أَنْفَقَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ، فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَنْتَفِعْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ إِنْ فَضَلَ مِنَ اللَّبَنِ شَيْءٌ، وَلَمْ يُمْكِنْ بَقَاؤُهُ إِلَى حُلُولِ الدَّيْنِ فَلَهُ بَيْعُهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَإِلَّا بَاعَهُ الْحَاكِمُ، وَعَنْهُ: لَا يَحْتَسِبُ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، وَلَا يَنْتَفِعُ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ لَهُ غُنْمُهُ،
مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ فَهُوَ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَ إِسْنَادَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَغَيْرِ الرَّهْنِ، وَالْأُولَى أَصَحُّ ويدخل فِي الْمَحْلُوبِ مَا إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ مُرْضِعَةً، فَلَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَهَا بقدر نفقتها، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَمْدَانَ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنَ الرَّاهِنِ لِغَيْبَةٍ، أَوِ امْتِنَاعٍ، أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ، أَوِ اسْتِئْذَانِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: مَعَ غَيْبَةِ رَبِّهِ، زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ، أَوِ امْتِنَاعِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْمَرْكُوبِ، وَالْمَحْلُوبِ كَالْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيَسْتَخْدِمَهُ بِقَدْرِهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَصْرًا لِلنَّصِّ عَلَى مَوْرِدِهِ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى لِفَهْمِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ ذَهَابُ الْمَنْفَعَةِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُسْتَخْدَمُ الْعَبْدُ، وَفِي " الْكَافِي " إِنَّهُ قَدْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ قَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ قَرْضًا لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ حِذَارًا مِنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً.
الْقِسْمُ الثَّانِي: غير ذلك وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُؤْنَةٍ كَالدَّارِ، وَالْمَتَاعِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَهُ، نَعَمْ إِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ، وَلَمْ يَكُنِ الدَّيْنُ عَنْ قَرْضٍ جَازَ لِوُجُودِ طِيبِ النَّفْسِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ) أَيِ الْحَيَوَانِ (بِغَيْرِ إِذَنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ) أَيْ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ.
صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِعِوَضِهِ كَالصَّدَقَةِ عَلَى مِسْكِينٍ، أَوْ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَسْتَأْذِنِ الْمَالِكَ، إِذِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَافْتَقَرَ
مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَفِي نَفَقَةِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْمُكْتَرِي، وَإِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ فَعَمَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
فَصْلٌ وَإِذَا جَنَى الرَّهْنُ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ وَلِسَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ بِالْأَقَلِّ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَى الْإِذْنِ، وَالرِّضَى كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَاقْتَضَى أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِيهِ (وَإِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَرْجِعُ، جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِحِرَاسَةِ حَقِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُعَاوَضَةٌ فَافْتَقَرَتْ إِلَى رِضَى الْمَالِكِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ وَاسْتَأْذَنَ الْحَاكِمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَالِكِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " إِذَا تَعَذَّرَ رَجَعَ إِنْ أَشْهَدَ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَ، أَوْ نَفَقَةِ مِثْلِهِ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَفِي نَفَقَةِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْمُكْتَرِي) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ أَشْبَهَتِ الرَّهْنَ، وَذَكَرَ الْجَمَّالَ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ حَيَوَانٍ مُؤَجَّرٍ كَذَلِكَ (وَإِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ فَعَمَّرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إِذَنِ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ عِمَارَتَهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الرَّاهِنِ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ لِحُرْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِقَدْرِ عِمَارَتِهَا وَلَهُ الرُّجُوعُ بِآلَتِهِ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَبِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالِيَّةَ الدَّارِ وَأَطْلَقَ فِي " النَّوَادِرِ " أَنَّهُ يَرْجِعُ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ عَمَّرَ وَقْفًا بِالْمَعْرُوفِ لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ أَخَذَهُ مِنْ مُغِلِّهِ.
[حُكْمُ الرَّهْنِ إِذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ]
فَصْلٌ (وَإِذَا جَنَى الرَّهْنُ) كَالْعَبْدِ (جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى إِنْسَانٍ، أَوْ مَالِهِ
مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ، وَعَنْهُ: إِنِ اخْتَارَ فَدَاءَهُ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ، فَإِنْ فَدَاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ سَلَّمَهُ بَطَلَ الرَّهْنُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ وَبَاقِيهِ
[المبدع في شرح المقنع]
(تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ) أَيْ: بِرَقَبَةِ الْجَانِي، وَقُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ، وَالْمِلْكُ أَقْوَى مِنَ الرَّهْنِ فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الرَّهْنِ.
لَا يُقَالُ: حَقُّ الْمُرْتَهِنِ يُقَدَّمُ أَيْضًا عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ بِعَقْدِهِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّهِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا ثَبَتَ بِعَقْدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْجِنَايَةِ يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْعَيْنِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا فَكَانَ تَعَلُّقُهُ بِهَا أَخَفَّ وَأَدْنَى (وَلِسَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ) عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلَّ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ، فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ عِوَضٌ عَنِ الْعَبْدِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ (أَوْ يَبِيعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكُهُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قِيمَتِهِ لَا فِي عَيْنِهِ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ (وَعَنْهُ: إِنِ اخْتَارَ فَدَاءَهُ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ) بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ فَيَشْتَرِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ (فَإِنْ فَدَاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ قَائِمٌ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ (وَإِنْ سَلَّمَهُ) فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ بَاعَهُ (بَطَلَ الرَّهْنُ) ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ وَبِالتَّسْلِيمِ اسْتَقَرَّ كَوْنُهُ عِوَضًا عَنْهَا، فَبَطَلَ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلرَّهْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ، أَوْ ظَهَرَ مُسْتَحِقًّا لِغَيْرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الْعَبْدِ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ إِنَّمَا جَازَ ضَرُورَةً، فَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَقِّ (وَبَاقِيهِ رَهْنٌ) لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ، لَكِنْ إِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ لِلضَّرُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِبَيْعِهِ، وَيَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " (وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْبَعْضِ تَشْقِيصٌ لَهُ، وَهُوَ عَيْبٌ يَنْقُصُ بِهِ الثَّمَنُ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمَالِكِ، وَالْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ لِقَوْلِهِ
رَهْنٌ، وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ، وَيَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ فَفَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقَصَاصِ فَإِنِ اقْتَصَّ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا قِيمَةً تُجْعَلُ
[المبدع في شرح المقنع]
- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ» . (وَ) حِينَئِذٍ (يَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ) بَعْدَ دَفْعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (رَهْنًا) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الرَّهْنِ، وَعِوَضٌ عَنْهُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمُبْدَلِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْبُلْغَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ " الْوَجْهَيْنِ كَأَبِي الْخَطَّابِ، فَإِنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُرْتَهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ.
(وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ) فِي كَمْ يَفْدِيهِ (فَفَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ رَجَعَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بِإِذْنِ مَالِكِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَيْهِ كَقَضَاءِ دِينِهِ بِإِذْنِهِ (وَإِنْ فَدَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ مَا إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ وَتَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ لِظُهُورِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ لَا رُجُوعَ لَهُ، لَكِنْ لَوْ زَادَ فِي الْفِدَاءِ عَلَى الْوَاجِبِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، فَلَوْ بَذَلَ الْمُرْتَهِنُ الْفِدَاءَ لِتَكُونَ الْعَيْنُ رَهْنًا عَلَيْهِ، وَعَلَى الدَّيْنِ الْأَوَّلِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ يَمْلِكُ بَيْعَ الرَّهْنِ، وَإِبْطَالَهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ قَبْلَ لُزُومِهِ جَائِزَةٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ رَهْنٌ بِدَيْنٍ، فَلَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ بِدَيْنٍ آخَرَ كَغَيْرِهِ.
[حُكْمُ الرَّهْنِ إِذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقَصَاصِ]
(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقَصَاصِ) فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ، وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ أَشْبَهَ الْعَبْدَ الْمُسْتَأْجَرَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَيْسَ لَهُ الْقَصَاصُ بِغَيْرِ رِضَى الْمُرْتَهِنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَجَوَابُهُ بِإِيجَابِ الْقِيمَةِ تُجْعَلُ رَهْنًا، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ تَرَكَ السَّيِّدُ الْمُطَالِبَةَ، أَوْ أَخَّرَهَا لِغَيْبَةٍ، أَوْ لَهُ عُذْرٌ مِنْهَا فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُوجِبِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَانِي سَيِّدَهُ (فَإِنِ اقْتَصَّ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا قِيمَةً تُجْعَلُ مَكَانَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا اسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إِتْلَافِ الرَّهْنِ، فَغَرِمَ
مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ، أَوْ وَرَثَتُهُ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ مَكَانَهُ، وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ رُدَّ إِلَى الْجَانِي، وَقَالَ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيمَتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَإِنَّمَا وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مِنَ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي عَشَرَةً، وَالْجَانِي خَمْسَةً، أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا الْخَمْسَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إِلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَفِي الثَّانِيَةِ: لَمْ يَكُنْ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقًا إِلَّا بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " إِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ أُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ جَمِيعُ قِيمَةِ الْجَانِي.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الرَّهْنِ فَكَانَ كُلُّهُ رَهْنًا، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ صُرِّحَ بِخِلَافِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ شَيْءٌ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ مَالٌ، وَلَا اسْتُحِقَّ بِحَالٍ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَصَاصُ قَتْلًا، فَإِنْ كَانَ جُرْحًا، أَوْ قَلْعَ سِنٍّ وَنَحْوِهِ فَالْوَاجِبُ بِالْعَفْوِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحِ، أَوْ قِيمَةُ الْجَانِي، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا انْبَنَى عَلَى مُوجَبِ الْعَمْدِ (وَكَذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ، أَوْ وَرَثَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحُكْمِ كَمَا إِذَا جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَاقْتَصَّ الرَّاهِنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ مَعْنًى، فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا حُكْمًا.
(وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ) ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ، وَيَجِبُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا، أَوْ يَأْخُذَ عَنْهَا عَرَضًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا (فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ مَكَانَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ فَيُعْطَى حُكْمَهُ (وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ) فَيَسْقُطُ حَقُّهُ.
قَالَهُ الْقَاضِي (وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ صَادَفَ حَقًّا لَهُ وَحَقًّا لِغَيْرِهِ، فَصَحَّ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ مِنَ الْجَانِي تَكُونُ رَهْنًا (فَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ رُدَّ إِلَى الْجَانِي) لِزَوَالِ
أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ من غير شُبْهَةً فَعَلَيْهِ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَانِعِ وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ، أَوْ جَانٍ، فَإِنِ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنَ الْأَرْشِ.
فَفِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ الْجَانِي عَلَى الْعَافِي؛ لِأَنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ، كَمَا لَوِ اسْتَعَارَهُ فَرَهَنَهُ، وَالثَّانِي: لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْجَانِي مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ، فَإِنَّمَا اسْتَوْفَى بِسَبَبٍ مِنْهُ حَالَ مُلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى عَبْدِهِ، ثُمَّ رَهَنَهُ لِغَيْرِهِ فَتَلِفَ بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ الْعَفْوُ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ دَيْنَهُ عَنْ غَرِيمِهِ، فَصَحَّ كَسَائِرِ دُيُونِهِ (وَ) تَجِبُ (عَلَيْهِ قِيمَتُهُ) تَكُونُ رَهْنًا لِيَنْجَبِرَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ كَالرَّهْنِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ الرَّاهِنَ ولا يضره، وَإِنْ قَالَ: أَسْقَطْتُ الْأَرْشَ، أَوْ أَبْرَأْتُ مِنْهُ لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الرَّاهِنِ وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ وَكَذَّبَاهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلِلرَّاهِنِ الْأَرْشُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ وَحْدَهُ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالْأَرْشِ وَلَهُ قَبْضُهُ، فَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ حَقَّهُ، أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ رَجَعَ الْأَرْشُ إِلَى الْجَانِي، فَإِنِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنَ الْأَرْشِ لَمْ يَمْلِكِ الْجَانِي مُطَالَبَةَ الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ.
(وَإِنْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ من غير شُبْهَةً) فَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي إِبَاحَةِ الْوَطْءِ مَعَ أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مُلْكِهِ لِمَنَافِعِهَا، فَهَذَا أَوْلَى، وَعَنْهُ: لَا حَدَّ.
الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا مَهْرَ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهَا (وَالْمَهْرُ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمَمْلُوكَةَ لِسَيِّدِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا، وَظَاهِرُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ اعْتَقَدَ الْحِلَّ أَوْ لَا، أَوِ ادَّعَى شُبْهَةً، أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ آدَمِيٌّ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبَهَاتِ (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
(وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ) بِالتَّحْرِيمِ (وَكَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ) كَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، أَوْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا (وَلَا مَهْرَ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِسَبَبِ الْوَطْءِ، وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا بِإِذْنِهِ، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجِبْ عِوَضُهَا كَالْحُرَّةِ الْمُطَاوِعَةِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقَدًا إِبَاحَةَ وَطْئِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا أَمَتَهُ (لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) بِخِلَافِ الْمَغْرُورِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ عَنْ وَطْءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ كَالْمَهْرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَسْقُطُ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَبَيْنَ مَالِكِهِ بِاعْتِقَادِهِ فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَالْمَغْرُورِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْوَلَدِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْإِذْنَ صَرِيحٌ فِي الْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلْمَهْرِ فَأَسْقَطَهُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْإِحْبَالِ، فَلَمْ يُسْقِطْهُ.
قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ إِذْنٌ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ كَالْمَهْرِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَعَ الْإِذْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ كَالنَّاشِئِ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ فَدَعْوَاهُ الْجَهْلَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَيَكُونُ وَلَدُهُ رَقِيقًا.
مَسْأَلَةٌ: لَهُ بَيْعُ مَا جَهِلَ رَبَّهُ إِنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَرَفَهُمْ خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْأَجْرِ وَيُغْرَمُ لَهُمْ، وَفِي إِذْنِ حَاكِمٍ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَأَخْذِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ عَدَمِهِ رِوَايَتَانِ، كَشِرَاءِ وَكِيلٍ.
بَابُ الضَّمَانِ وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ.
وَلِصَاحِبِ
[المبدع في شرح المقنع]
[بَابُ الضَّمَانِ]
[تَعْرِيفُ الضمان وَحُكْمُهُ]
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ، وَالزَّعِيمُ الْكَفِيلُ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: ضَمِينٌ وَكَفِيلٌ وَقَبِيلٌ وَحَمِيلٌ وَصَبِيرٌ وَهِيَ بِمَعْنًى.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ) ، فَعَلَى هَذَا الضَّمَانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّمِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الضَّمِّ مِيمٌ، وَفِي الضَّمَانِ نُونٌ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الِاشْتِقَاقِ تَوَافُقُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْحُرُوفِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنَ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّضَمُّنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الْحَقَّ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الضِّمْنِ، فَذِمَّةُ الضَّامِنِ فِي ضِمْنِ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاشْتِقَاقِ وَعَرَّفَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ الْتِزَامُ الْإِنْسَانِ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنَ الْمَدْيُونِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ كُلِّ مَنْ لَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ فِيهِ، وَلَا جَامِعَ لِخُرُوجِ ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ، وَالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ وَدَيْنِ الْمَيِّتِ إِنْ بَرِئَ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَفِي " الْوَجِيزِ " الْتِزَامُ الرَّشِيدِ مَضْمُونًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، أَوْ ذِمَّتِهِ حَالًّا، أَوْ مَآلًا عَلَى وَجْهٍ يَؤُولُ إِلَى اللُّزُومِ، وَهُوَ أَشْمَلُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَهُوَ الْتِزَامُ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ بَقَائِهِ، وَقَدْ لَا يَبْقَى، وَهُوَ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَمَا قَدْ يَجِبُ.
تَنْبِيهٌ: لَا بُدَّ فِي الضَّمَانِ مِنْ ضَامِنٍ، وَمَضْمُونٍ عَنْهُ، وَلَهُ وَيَصِحُّ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ لَا بِقَوْلِهِ: أُؤَدِّي إِلَيْكَ، أَوْ أُحْضِرُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": بَلْ بِالْتِزَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ، فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَ الضَّامِنُ، وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ لَمْ يَبْرَأِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَلَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يصح بِكُلِّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ الضَّمَانُ عُرْفًا.
[لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ]
(وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ) أَيْ: لَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ، كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ، بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِمَا لِمَنْعِهِ الزَّكَاةَ عَلَيْهِمَا، وَصِحَّةِ هِبَتِهِ لَهُمَا، وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ قَالَ: الْتَزَمْتُ وَتَكَفَّلْتُ بِالْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ وِفَاقًا.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا ذِمَّةَ ضَامِنٍ؛ لِأَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا لَا يَشْغَلُ مَحَلَّيْنِ وَرَدَ بِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِمَحَلَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيثَاقِ كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ كَذَا هُنَا، فَعَلَى هَذَا لِرَبِّهِ مُطَالَبَتُهُمَا مَعًا وَأَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ، وَالْمَذْهَبُ حَيَاةً وَمَوْتًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «الْآنَ قَدْ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ» .
قَالَ أَحْمَدُ: يَأْخُذُ مَنْ شَاءَ بِحَقِّهِ.
(فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ) بِإِبْرَاءٍ، أَوْ قَضَاءٍ، أَوْ حَوَالَةٍ (بَرِئَ الضَّامِنُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالضَّمَانُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتِ الْوَثِيقَةُ كَالرَّهْنِ (وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أَوْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ لَمْ يَبْرَأِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ التَّبَعِ، وَهَذَا إِذَا انْفَرَدَ الضَّامِنُ، فَلَوْ تَعَدَّدَ، صَحَّ، سَوَاءٌ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ الدَّيْنِ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِإِبْرَاءِ الْآخَرِ، لَكِنْ لَوْ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْجَمِيعَ بَرِئَ الْكُلُّ بِأَدَاءِ أَحَدِهِمْ، وَبَرِئُوا بِإِبْرَاءِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُ الضَّامِنِينَ الْآخَرَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِهِ الْأَصْلَ فَهُوَ أَصْلٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهَا بِبَدَنِهِ لَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ وَبَرِئَ كَفِيلُهُ بِهِ لَا مِنْ إِحْضَارِ مَكْفُولٍ بِهِ (وَلَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ، أَوِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا) إِذَا أَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ بَرِئَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لِأَنَّ
ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذَمِّيٍّ خَمْرًا فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونَ لَهُ أَوِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا.
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ، وَلَا يَصِحُّ
[المبدع في شرح المقنع]
مَالِيَّةَ الْخَمْرِ بَطَلَتْ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ والضَّامِنَ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ وَيَبْرَآنِ بِإِسْلَامِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا، وَلَا يَجُوزُ وُجُوبُ خَمْرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَالضَّامِنُ فَرْعُهُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا أَنَّهُمَا لَا يَبْرَآنِ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ يَمْلِكُ الْخَمْرَ، فَلَا يَسْقُطُ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ عَبْدًا فَرَهَنَهُ عَلَى خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُسْتَعِيرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وَحِينَئِذٍ لَهُ قِيمَتُهَا، وَقِيلَ: أَوْ يُوَكِّلُ ذِمِّيًّا يَشْتَرِيهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِإِسْلَامِ الضَّامِنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَبْرَأُ وَحْدَهُ.
[لَا يَصِحُّ الضَّمَانُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ]
(وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) أَيْ: مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إِيجَابُ مَالٍ بِعَقْدٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا مَخُوفًا فَمِنْ ثُلْثِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَالْأَخْرَسِ إِنْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ، صَحَّ ضَمَانُهُ (وَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ) غَيْرِ مُمَيِّزٍ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا الْمُمَيِّزُ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا صِحَّتَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ إِقْرَارِهِ وَتَصَرُّفِهِ بِإِذْنِ وَلَيِّهِ (وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا سَفِيهٍ) لِعَدَمِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِمَا.
وَقِيلَ: يَصِحُّ مِنْ سَفِيهٍ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ صَحِيحٌ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ كَذَا ضمانه، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِفَلْسٍ يَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَهُ مِنْ مَالِهِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ، ذَكَرَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ ".
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُتَوَجَّهُ عَلَيْهَا عَدَمُ تَصَرُّفِهِ فِي ذِمَّتِهِ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ، وَأَنْكَرَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ قُدِّمَ قَوْلُهُ.
مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا سَفِيهٍ، وَلَا مِنْ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذَنْ سَيِّدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُتْبَعَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ، وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِرِضَى الضَّامِنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي قِيَاسَ قَوْلِ أَحْمَدَ، لِأَنَّ مَعَهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَالْحُكْمُ فِيمَنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَلَا مِنْ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عقد تضمن إِيجَابُ مَالٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ كَالنِّكَاحِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ لَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْتِزَامِ مَالٍ، أَشْبَهَ نَذْرَ الصَّدَقَةِ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ) هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ، فَصَحَّ مِنْهُ، وَلَزِمَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ كَالْإِقْرَارِ بِالْإِتْلَافِ (وَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ لَصَحَّ، فَكَذَا هُنَا، لَكِنْ فِي الْمُكَاتَبِ وَجْهٌ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَفْوِيتِ الْحُرِّيَّةِ (وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ كَاسْتِدَانَتِهِ بِإِذْنِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَعَلُّقُ الْمَالِ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ بِفِعْلِهِ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الضَّمَانِ، لِيَكُونَ الْقَضَاءُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ، صَحَّ، وَيَكُونُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ كَتَعَلُّقٍ حَقِّ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي، كَمَا لَوْ قَالَ لِحُرٍّ: ضَمِنْتُ لَكَ هَذَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِي هَذَا، صَحَّ.
(وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِرِضَى الضَّامِنِ) ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فَاعْتُبِرَ رِضَاهُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي يَلْزَمُ الْعَاقِدَ مِنْهَا حُقٌّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُكْرَهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "
الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا، وَلَا كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا، وَلَا وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَآلُهُ إِلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ، أَوْ مَا تُدَايِنُهُ بِهِ، صَحَّ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَالٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ رِضَى الْمُلْتَزِمِ كَالنَّذْرِ (وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ وَأَقَرَّهُ الشَّارِعُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَبْضٌ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ، أَشْبَهَ ضَمَانَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ دَيْنَ الْمَيِّتِ (وَلَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَضَى الدَّيْنَ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَرِضَاهُ، صَحَّ، فَكَذَا إِذَا ضَمِنَ عَنْهُ (وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا، فَكَذَا مَعْرِفَتُهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُمَا لِيُعْلَمَ هَلِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَهْلٌ لِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَيْهِ أَمْ لَا؛ وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ يُتَبَرَّعُ عَنْهُ، وَالْمَضْمُونُ لَهُ فَيُؤَدَّى إِلَيْهِ، وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ فَقَطْ، وَجَوَابُهُ الْخَبَرُ (وَلَا) يُعْتَبَرُ (كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَعَ أَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ من غير مُعَاوَضَةً، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِقْرَارِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِغَرَرٍ وَخَطَرٍ، وَهُوَ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ وَإِذَا قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، فَيَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْعَتَاقِ، وَالطَّلَاقِ، وَفِيَّ ضَمَانِ بَعْضِ الدَّيْنِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ (وَلَا وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَآلُهُ إِلَى الْوُجُوبِ) بَلْ يَصِحُّ ضَمَانٌ مَا لَمْ يَجِبْ، إِذِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَلَّتْ عَلَى ضَمَانِ حِمْلِ بَعِيرٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ.
لَا يُقَالُ الضَّمَانُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَا ضَمَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمَّ ذِمَّتَهُ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَثْبُتُ فِيهَا، وَهَذَا كَافٍ وَلَهُ إِبْطَالُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَلَا مَآلُهُ إِلَى الْوُجُوبِ لَا يُوجَدُ فِيهِ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ مُطْلَقًا (وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ) مِثَالُ الْمَجْهُولِ.
وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَا ضَامِنٌ لَكَ مَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ مَا يُقِرُّ بِهِ لَكَ، أَوْ مَا يقضى بِهِ عَلَيْهِ (أَوْ مَا تُدَايِنُهُ بِهِ، صَحَّ) أَيْ: مَا تُعْطِيهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الضَّامِنِ وَدَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ، وَغَيْرِهِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنْ قَالَ: أَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ وَأَطْلَقَ، ضَمِنَ وَحْدَهُ بِالْحِصَّةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَجْهَانِ بِهَا، أَوِ الْجَمِيعُ، وَإِنْ رَضُوا لَزِمَهُمْ، وَيُتَوَجَّهُ الْوَجْهَانِ، وَإِنْ قَالُوا: ضَمِنَّاهُ لَكَ فَبِالْحِصَّةِ، وَإِنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنُهُ لَكَ فَالْجَمِيعُ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ السُّوقِ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ مَا يَلْزَمُ التَّاجِرَ مِنْ دَيْنٍ، وَمَا يَقْبِضُهُ مِنْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ، وَالشَّهَادَةُ بِهِ لِمَنْ يَرَى جَوَازَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ: وَيَصِحُّ ضَمَانُ حَارِسٍ وَنَحْوِهِ وَتُجَّارِ حَرْبٍ مَا يَذْهَبُ مِنَ الْبَلد، أَوِ الْبَحْرِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ.
[صِحَّةُ ضَمَانِ دَيْنِ الضَّامِنِ]
(وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الضَّامِنِ) نَحْوُ أَنْ يَضْمَنَ ضَامِنٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ، فَصَحَّ ضمانه كَسَائِرِ الدُّيُونِ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَيُّهُمْ قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَمُهُمْ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، فَإِذَا سَقَطَ لَمْ يَجِبْ مَرَّةً أُخْرَى فَيَبْرَأُ الثَّانِي بِإِبْرَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَا عَكْسَ، وَإِنْ قَضَى الدَّيْنَ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ وَاحِدٌ أَذِنَ، وَإِلَّا فَفِي الرُّجُوعِ لَهُ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ ضَمِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَقْتَضِي الْتِزَامَهُ الْحَقَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْحَقُّ لَازِمٌ لَهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْتِزَامُهُ ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَصِيرُ فَرْعًا، لَكِنْ لَوْ ضَمِنَهُ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ جَازَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ بِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهُ (وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ، وَغَيْرِهِ) ، فَصَحَّ الضَّمَانُ عَنْ كُلِّ غَرِيمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ حَيًّا كَانَ، أَوْ مَيِّتًا، مَلِيئًا أَوْ مُفْلِسًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَقَيَّدَ الْمَيِّتَ بِالْمُفْلِسِ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ يَمْنَعُ صِحَّةَ ذَلِكَ (وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ) أَيْ: ذِمَّةُ الْمَيِّتِ (قَبْلَ الْقَضَاءِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . «وَلَمَّا أَخْبَرَ أَبُو قَتَادَةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَفَاءِ الدِّينَارَيْنِ فَقَالَ: الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بَدَيْنٍ، فَلَمْ يَسْقُطْ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَالرَّهْنِ، وَالثَّانِيَةُ: وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ
فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَعَنِ الْمُشْتَرِي
[المبدع في شرح المقنع]
الضَّمَانِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وضعت، قَالَ: " هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ "؟ قَالُوا: دِرْهَمَانِ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، وَفَكَّ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
(وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي) ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ شَخْصٌ عَنِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ (وَعَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ) ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ الْوَاجِبَ بِالْبَيْعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، أَوْ إِنْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ، أَوِ اسْتُحِقَّ فَضَمَانُ الْعُهْدَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ضَمَانُ الثَّمَنِ، أَوْ بَعْضُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ الْجَمَاهِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْوَثِيقَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالضَّمَانُ، فَالْأُولَى لَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْحَقُّ، وَالثَّانِيَةُ يَبْقَى مَرْهُونًا إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَامْتَنَعَتِ الْمُعَامَلَاتُ مَعَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ رَافِعٌ لِأَصْلِ الْحِكْمَةِ الَّتِي شُرِعَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِهَا وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ عَنِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ قَبْلَ الْقَبْضِ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ إِذَا كَانَ مُفْضِيًا إِلَى الْوُجُوبِ كَالْجَعَالَةِ، وَأَلْفَاظُهُ: ضَمِنْتُ عُهْدَتَهُ، أَوْ ثَمَنَهُ، أَوْ دَرْكَهُ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: ضَمِنْتُ خَلَاصَكَ مِنْهُ، أَوْ ثَمَنَهُ، فَلَوْ ضَمِنَ لَهُ خَلَاصَ الْمَبِيعِ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَحِلُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ حُرًّا، أَوْ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَسْتَطِعْ خَلَاصَهُ، وَفِي دُخُولِ نَقْضِ بِنَاءِ الْمُشْتَرِي فِي ضَمَانِهَا وَرُجُوعِهِ بِالدَّرَكِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بِبُطْلَانِهِ -وَجْهَانِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ ضَمَانِ دَرَكِهِ إِلَّا مِنْ زَيْدٍ، ثُمَّ ضَمِنَ دَرَكَهُ مِنْهُ أَيْضًا لَمْ يَعُدْ صَحِيحًا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".
لِلْبَائِعِ، وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا، فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ كَالْغُصُوبِ،
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ نَقْصِ صَنْجَةٍ وَيَرْجِعُ بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَلَا مَآلُهُ إِلَى اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ، وَالِامْتِنَاعُ مِنَ الْأَدَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمِ الْأَصْلَ فَالْفَرْعُ أَوْلَى، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَصَحَّ ضمانه كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَعَلَى الْأُولَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، وَخَصَّهَا الْقَاضِي بِالْحُرِّ لِسِعَةِ تَصَرُّفِهِ.
[عَدَمُ صِحَّةِ ضَمَانِ الْأَمَانَاتِ]
(وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا) كَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَالشَّرِكَةِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ، فَكَذَا عَلَى ضَامِنِهِ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِحْضَارُهَا، وَإِنَّمَا عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَقْصِدَ الْمَوْضِعَ فَيَقْبِضَهَا (إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا) ، فَيَصِحَّ ضَمَانُهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ أَشْبَهَتِ الْغُصُوبَ، وَعَنْهُ: صِحَّةُ ضَمَانِهَا مُطْلَقًا وَحَمَلَهَا الْأَصْحَابُ عَلَى تَعَدِّيهِ لِتَصْرِيحِهِ بِهِ (وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ كَالْغُصُوبِ، وَالْعُوَارِي، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ) مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ كَالْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ، وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَالضَّمَانُ لَمَّا يَثْبُتْ فِيهَا، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا عِنْدَ التَّلَفِ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ ضَمَانُ اسْتِنْقَاذِهَا، وَرَدِّهَا أَوْ قِيمَتِهَا عِنْدَ تَلَفِهَا فَهِيَ كَعُهْدَةِ الْمَبِيعِ، فَالْمَقْبُوضُ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ بِأَنْ سَاوَمَهُ وَقَطَعَ ثَمَنَهُ، أَوْ سَاوَمَهُ فَقَطْ لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ إِنْ رَضُوهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ.
فُرُوعٌ: يَصِحُّ ضَمَانُ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، وَالْمُسَابَقَةِ، وَالْمُفَاضَلَةِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ نَقْدًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، أَوْ حَيَوَانًا كَالدِّيَاتِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجِ سَوَاءٌ كَانَتْ يَوْمَهَا، أَوْ مُسْتَقْبَلَةً؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْيَوْمِ وَاجِبَةٌ، وَالْمُسْتَقْبَلَةَ مَآلُهَا إِلَى اللُّزُومِ وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا ضَمِنَ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَزِمَهُ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ
وَالْعَوَارِي وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ وَكَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَقَلِّ
[المبدع في شرح المقنع]
تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، فَأَمَّا الْمَاضِيَةُ، فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً، صَحَّ ضَمَانُهَا، وَإِلَّا فَلَا.
مَسْأَلَةٌ: لِلضَّامِنِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِتَخْلِيصِهِ فِي الْأَصَحِّ إِذَا طُولِبَ، وَقِيلَ: أَوْلَى إِذَا ضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ) ، أَوْ أَحَالَ بِهِ (مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) ، لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ وَسَوَاءٌ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، أَوْ لَا (وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ) ، وَقِيلَ: أَوْ أَطْلَقَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ مَنْصُورٍ (وَكَانَ الضَّمَانُ، وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَذْهَبُ يَرْجِعُ بِهِ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ مُبَرِّئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ كَالْحَاكِمِ إِذَا قَضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا رُجُوعَ، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ لَاسْتَحَقَّهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَلَوِ اسْتَحَقَّهُ صَارَ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ وَكَمَا لَوْ عَلَفَ دَابَّتَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ قَصْدًا لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ لِيُصَلِّيَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا ضَمِنَ بِأَمْرِهِ وَقَضَى بِأَمْرِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": سَوَاءٌ قَالَ اضْمَنْ عَنِّي وَأَدِّ عَنِّي، أَوْ أَطْلَقَ، لِأَنَّهُ ضَمِنَ وَدَفَعَ بِأَمْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُخَالِطًا لَهُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا وَاجِبًا كَذَلِكَ فِي الرُّجُوعِ إِلَّا فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا (وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا) وَهِيَ صُورَتَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضْمَنَ بِأَمْرِهِ وَيَقْضِيَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ بِإِذْنِهِ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْقَضَاءَ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ صَرِيحًا، وَالثَّانِيَةُ: عَكْسُهَا، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَيُؤَدِّيَ
الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى، أَوْ قُدِّرَ الدَّيْنُ وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ وَحَلِفَ لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْقَضَاءِ،
[المبدع في شرح المقنع]
بِأَمْرِهِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَدَّى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، وَعَنْهُ: لَا رُجُوعَ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَظْهَرُ فِيهَا كَذَبْحِ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنِهِ فِي مَنْعِ الضَّمَانِ وَالرُّجُوعِ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا إِبْرَاءٌ لِتَحْصِيلِهِ الْإِجْزَاءَ بِالذَّبْحِ وَحَيْثُ قِيلَ بِهِ (فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ) ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدَّيْنَ لِزَائِدٍ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ أَقَلَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، فَإِنْ دَفَعَ عَنِ الدَّيْنِ عَرَضًا رَجَعَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ.
فَرْعٌ: لَوْ تَغَيَّبَ مَضْمُونٌ عَنْهُ قَادِرٌ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَأَطْلَقَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَأُمْسِكَ الضَّامِنُ وَغَرِمَ شَيْئًا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَأَنْفَقَهُ فِي حَبْسٍ، رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِائَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا وَهُمَا مُتَضَامِنَانِ، فَضَمِنَ آخَرُ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ وَقَضَاهَا سَقَطَ الْحَقُّ عَنِ الْجَمِيعِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ عَنْهُ، وَلَا أُذِنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِهَا إِنْ كَانَ ضَمِنَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا عَنْهُ بِإِذْنِهِ وَقَضَاهَا ضَامِنُهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخَرِ بِالْمِائَةِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لَهُ عَلَى مَنْ أَدَّاهَا عَنْهُ فَمَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَيْهِ كَالْأَصِيلِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ".
(وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ) أَيْ: إِذَا ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ (وَحَلَفَ، لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ) ، لِأَنَّهُ مَا أَذِنَ لِلضَّامِنِ إِلَّا فِي قَضَاءٍ مُبَرِّئٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَحِينَئِذٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَلَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ، وَالْأَصِيلِ (سَوَاءٌ صَدَّقَهُ) الْمَضْمُونُ عَنْهُ (أَوْ كَذَّبَهُ) ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الرُّجُوعِ تَفْرِيطُ الضَّامِنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّصْدِيقِ، وَالتَّكْذِيبِ، ثُمَّ
وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لَمْ يُسْمَعْ إِنْكَارُهُ، وَإِنْ قَضَى الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ لَمْ يَرْجِعْ
[المبدع في شرح المقنع]
اعْلَمْ: إِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ حَاضِرَةٍ فَوَاضِحٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً، أَوْ غَائِبَةً وَصَدَّقَهُ، لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ مَا قَضَى، وَلَا فَرَّطَ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْدُودَةً بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَالْكُفْرِ، وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ مُطْلَقًا لِتَفْرِيطِهِ، فَإِنْ رُدَّتْ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كَالْفِسْقِ الْبَاطِنِ، أَوْ لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ مُخْتَلَفًا فِيهَا كَشَهَادَةِ الْعَبِيدِ فَاحْتِمَالَانِ، وَكَذَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَدَعْوَاهُ مَوْتُهُمْ، وَأَنْكَرَ الْإِشْهَادَ، وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ بِحَضْرَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَرِّطُ، وَالثَّانِي: لَا كَغَيْبَتِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا رَجَعَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الضَّامِنِ فَاسْتَوْفَى مِنْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ ثَانِيًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِهِ ظَاهِرًا.
وَرَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ "، قال القاضي: وَفِيهِ احْتِمَالٌ: يَرْجِعُ بِالْأَوَّلِ لِلْبَرَاءَةِ مِنْهُ بَاطِنًا.
(وَإِنِ اعْتَرَفَ) الْمَضْمُونُ لَهُ (بِالْقَضَاءِ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لَمْ يُسْمَعْ إِنْكَارُهُ) ، لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ لِلْمَضْمُونِ لَهُ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْقَبْضِ مِنَ الضَّامِنِ، فَقَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَهُ صَارَ لِلضَّامِنِ، فَيَجِبُ أَنْ يَقْبَلَ إِقْرَارَهُ لِكَوْنِهِ إِقْرَارًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا، لِأَنَّ الضَّامِنَ مُدَّعٍ لِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَدْيُونِ، وَقَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ، وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ لِلضَّامِنِ: بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، وَقِيلَ: أَوْ لَمْ يَقُلْ إِلَيَّ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ لَا أَبْرَأْتُكَ، فَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ الْحَقَّ تَمْلِيكٌ لَهُ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَدْيُونِ، وَقِيلَ: إِبْرَاءٌ، فَلَا.
(وَإِنْ قَضَى) الضَّامِنُ الدَّيْنَ (الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَحِلَّ) ، لِأَنَّهُ لَا
حَتَّى يَحِلَّ، وَإِنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوِ الضَّامِنُ فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ عَلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَيُّهُمَا حَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ أَجَلِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
يَجِبُ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لِلْغَرِيمِ، وَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالتَّعْجِيلِ، فَلَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ أَكْثَرَ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْحَوَالَةِ بِهِ لِيَقْبِضَهُ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْغَرِيمُ مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ (وَإِنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوِ الضَّامِنُ فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهُرُهُمَا لَا يَحِلُّ، لِأَنَّ التَّأْجِيلَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَيِّتِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ بِشَرْطِهِ.
قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَالثَّانِيَةُ: يَحِلُّ، لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ خَرِبَتْ بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَحِلَّ لَأَدَّى إِلَى ضَيَاعِ حَقِّهِ (وَأَيُّهُمَا حَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ) أَيْ: إِذَا مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَقُلْنَا: يَحِلُّ بِمَوْتِهِ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الضَّامِنِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحِلُّ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِمَوْتِ غَيْرِهِ بَلْ يَبْقَى حَالًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَصْلِ مُؤَجَّلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرْعِ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ الضَّامِنُ، لَكِنْ إِذَا اسْتَوْفَى الْغَرِيمُ مِنْ تَرِكَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ، لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ قَبْلَ أَجْلِهِ.
[صِحَّةُ ضَمَانِ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا]
(وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا) ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ ضَمِنَ مَالًا بِعَقْدٍ مُؤَجَّلٍ فَكَانَ مُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ حَالًّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ لَهُ مُطَالَبَتُهُ مَتَى شَاءَ مُؤَجَّلًا عَلَى الضَّامِنِ لَا يُقَالُ: الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ وَكَيْفَ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتَيْهِمَا مُخْتَلِفًا، لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَأَجَّلُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ بِعَقْدٍ، وهنا كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثابتا عَلَيْهِ حَالًّا وَيَجُوزُ تَخَالُفُ مَا فِي الذِّمَّتَيْنِ بِدَلِيلِ لَوْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ، فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ رَجَعَ فِي الْحَالِّ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَا يَرْجِعُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ (وَإِنْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا) لَمْ يَصِرْ حَالًّا وَ (لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ أَجَلِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) ، لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ دُونَ أَصْلِهِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى صِحَّةِ الضَّمَانِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الضَّمَانُ لِلْمُخَالَفَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ، لِأَنَّ الضَّمَانَ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَنْ تَأْجِيلِهِ.