أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُنْفَرِدًا، وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ
[المبدع في شرح المقنع]
فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ (فِي عَامِهِ) اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: 196] فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، فَلَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَمَتِّعًا إِذَا لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ الْأَوْلَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لها غير ذَلِكَ، وَشَرَطَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَمَتِّعُ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ أَوْ أَثْنَائِهَا؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ هُوَ الرَّفَهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بِدُونِهَا.
(وَالْإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا) ثُمَّ يَعْتَمِرُ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: يُحْرِمُ بِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِهَا مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ زَادَ بَعْضُهُمْ وَعَنْهُ: بَلْ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " أَنْ لَا يَأْتِيَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِغَيْرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَجْوَدُ وَفِيهِ نَظَرٌ، (وَالْقران أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمِيقَاتِ (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ لِمَا «رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: أَهْلَلْنَا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلْنَا عَلَيْهَا الْحَجَّ» ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ شَرَعَ فِي طَوَافِهَا فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ، لَمْ يَصِحَّ الْإِدْخَالُ، كَمَا لَوْ سَعَى إِلَّا لِمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَيَصِحُّ وَيَصِيرُ قَارِنًا بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ إِدْخَالِهِ الْإِحْرَامَ بِهِ فِي أَشْهُرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ فَائِدَةً بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ قَارِنًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِحْرَامِ الثَّانِي شَيْءٌ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ عَمَلَ الْقَارِنِ كَالْمُفْرِدِ فِي الْإِجْزَاءِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَيسقط تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحَلَّاقُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِهِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ.
«وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَكَعُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ،
عَلَيْهَا الْحَجَّ.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا.
وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمُ نُسُكٍ إِذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَنْهُ: عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَانِ، وَسَعْيَانِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَرَى إِدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ.
فَعَلَيْهَا يُقَدِّمُ الْقَارِنُ فِعْلَ الْعُمْرَةِ عَلَى فِعْلِ الْحَجِّ، كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا ساق هَديا، فَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طَوَافِهِ، وَسَعْيِهِ لَهَا فَقِيلَ: تُنْقَضُ عُمْرَتُهُ وَيَصِيرُ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ يُتِمُّهُ، ثُمَّ يَعْتَمِرُ، وَقِيلَ: لَا يَنْتَقِضُ فَإِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ طَافَ لَهَا، ثُمَّ سَعَى، ثُمَّ طَافَ ثُمَّ سَعَى.
وَعَنْهُ: عَلَى الْقَارِنِ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَفْصٍ؛ لِعَدَمِ طَوَافِهَا، وَلِاعْتِمَارِ عَائِشَةَ.
[وُجُوبُ دَمِ نُسُكٍ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ]
(وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمُ نُسُكٍ) أَمَّا دَمُ التَّمَتُّعِ فَلَازِمُهُ إِجْمَاعًا، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَفْضَلِيَّتِهِ، وَأَمَّا دَمُ الْقِرَانِ، فَلَازِمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَنَقَلَ بَكْرٌ: عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَلَيْسَ كَالْمُتَمَتِّعِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ هَدْيًا فِي كِتَابِهِ، وَالْقَارِنِ إِنَّمَا يُرْوَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ لِقَوْلِ دَاوُدَ، وَتَبِعَ الْمُؤَلِّفُ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ فِي كَوْنِهِ دَمَ نُسُكٍ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " أَنَّهُ دَمُ جُبْرَانٍ.
وَظَاهِرُهُ وُجُوبُهُ: وَلَوْ أَفْسَدَ النُّسُكَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ كَالطَّوَافِ، وَعَنْهُ: يَسْقُطُ لِعَدَمِ تَرَفُّهِهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ دَمُهُمَا بِفَوَاتِهِ، فَلَوْ قَضَى الْقَارِنُ قَارِنًا لَزِمَهُ دَمَانِ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: دَمٌ لِقِرَانِهِ وَدَمٌ لِفَوَاتِهِ، وَلَوْ قَصَرَ مُفْرِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ كَالْأَدَاءِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِوَقْتِ لُزُومِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: 196] الْآيَةَ، وَعَنْهُ: بِإِحْرَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ غَايَةٌ فَكَفَى أَوَّلُهُ كَأَمْرِهِ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ إِلَى اللَّيْلِ، وَعَنْهُ: بِوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَعَنْهُ: بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ لِنِيَّتِهِ التَّمَتُّعَ إِذَنْ.
وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ إِذَا مَاتَ بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ، يُخْرَجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فَائِدَتُهُ، إِذَا تَعَذَّرَ الدَّمُ، وَأَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى الصَّوْمِ، فَمَتَى ثَبَتَ الْمُتَعَذِّرُ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، فَدَلَّ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا وَجَبَ،
وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ كَانَ مِنْهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَحْبَبْنَا لَهُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنَّمَا يَجِبُ بِشُرُوطٍ نَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى بَعْضِهَا فَقَالَ: إِذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] ثَبَتَ ذَلِكَ فِي التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانُ مِثْلُهُ لِتَرَفُّهِهِ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ.
(وَمَنْ كَانَ مِنْهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ حَلَّ فِيهِ أَوْ قَرُبَ مِنْهُ، وَجَاوَرَهُ بِدَلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُ دون مسافة قَصْر، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهَذَا الشَّرْطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِكَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّ مُتْعَةَ الْمَكِّيِّ صَحِيحَةٌ، وَالْخِلَافُ فِيهِ سَبَقَ.
، فَلَوْ دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بَعْدَ فَرَاغِ نُسُكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ وَإِنْ اسْتَوْطَنَ أُفُقِيٌّ مَكَّةَ فَحَاضِرٌ، وَإِنِ اسْتَوْطَنَ مَكِّيٌّ الشَّامَ، ثُمَّ عَادَ مُقِيمًا مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُصُولِ " خِلَافُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ قَرِيبٌ، وَبِعِيدٌ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ، وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْقَرِيبِ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُصُولِ " إِقَامَتَهُ أَكْثَرَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِمَالِهِ، ثُمَّ بِنِيَّتِهِ، ثُمَّ بِالَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ.
(الثَّانِي) : أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَسَبَقَ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ مُعْتَبَرٌ لِلْعُمْرَةِ، أَوْ فِي أَعْمَالِهَا، فَاعْتُبِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ.
(الثَّالِثُ) : أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لِمَا سَبَقَ.
(الرَّابِعُ) : أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنْ سَافَرَ مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنْ فَعَلَ فَأَحْرَمَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يَتَرَفَّهْ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ لِمَحَلِّ الْوَفَاةِ.
(الْخَامِسُ) : أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ تَحَلَّلَ أَوْ لَا، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ حِلِّهِ، صَارَ قَارِنًا.
أَنْ يَفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ
[المبدع في شرح المقنع]
(السَّادِسُ) : أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ ": إِنْ بَقِيَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بَلْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ إِذَا أَحْرَمَ مِنْهُ، لَزِمَهُ الدَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِمْ، وَلَمْ يَنْوِهَا بِهِ، وَلَيْسَ بِسَاكِنٍ.
(السَّابِعُ) : نِيَّةُ التَّمَتُّعِ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ، أَوْ أَثْنَائِهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ بِخِلَافِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ، وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تعتبر لِكَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " إِلَّا الشَّرْطَ السَّادِسَ فَإِنَّ الْمُتْعَةَ لِلْمَكِّيِّ كَغَيْرِهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُفْرِدَ لَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةَ قَصْرٍ، وَفِي " التَّرْغِيبِ ": إِنْ سَافَرَ إِلَيْهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَوَجْهَانِ.
1 -
(وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَحْبَبْنَا لَهُ) وَكَذَا جَزَمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِالِاسْتِحْبَابِ، وَعَبَّرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمَجْدُ بِالْجَوَازِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ كَالْعُمْرَةِ (أَنْ يُفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَقَرَنُوا أَنْ يُحِلُّوا كُلُّهُمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ إِلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ يُفْسَخُ الْحَجُّ قَالَ: كُنْتُ أَرَى أَنَّ لَكَ عَقْلًا! عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا كُلُّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؛! ، وَلِأَنَّهُ قَلْبٌ لِلْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَاسْتُحِبَّ لِمَنْ لَحِقَهُ الْفَوَاتُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ.
وَجَوَابُهُ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ
قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا، فَيَكُونَ عَلَى إِحْرَامِهِ.
وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» ، وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وَرَدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ: نَقْلُهُ إِلَى غَيْرِهِ لَا إِبْطَالُهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَمَحِلُّهُ إِذَا اعْتَقَدَ فِعْلَ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا بُدَّ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ لِيَسْتَفِيدَ فضيلة التَّمَتُّعَ، وَلِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُؤَخِّرُهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ فَكَيْفَ وَقَدْ أَحْرَمَ، وَشَرَطَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " إِذَا طَافَا وَسَعَيَا، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ: يَجْعَلُهَا عُمْرَةً إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَلَا يَجْعَلُهَا، وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ» فَعَلَى هَذَا يَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهَا ذَلِكَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَإِذَا فَرَغَا مِنْهَا، وَحَلَّا مِنْهَا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ لِيَصِيرَا مُتِمَّيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ قَبْلَهُ، وَاسْتَأْنَفَ عُمْرَةً لَعَرِيَ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ عَنْ نُسُكٍ، قَالَهُ الْقَاضِي.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجُوزُ فَيَنْوِي إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ عُمْرَةً، وَخَبَرُ أَبِي مُوسَى أَرَادَ أَنَّ الْحِلَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَلْبِ النِّيَّةِ، وَكَلَامُ ابْنِ الْمَنْجَا يُوَافِقُهُ؛ لِأَنَّ " إِذا " ظَرْفٌ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَحْبَبْنَا أَنْ يُفْسَخَ وَقْتَ طَوَافِهِ أَيْ: وَقْتَ جَوَازِهِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ يُعَضِّدُهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْعِبَادَةِ، وَأَمِنَ فَوْتَهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَتَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ وُضُوحه (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَيَكُونَ عَلَى إِحْرَامِهِ) لِلنَّصِّ وَلِلْأَخْبَارِ، وَكَامْتِنَاعِهِ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، (وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ) «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - – بالعمرة إِلَى الْحَجِّ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» فَعَلَى هَذَا: يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِذَا طَافَ، وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ بِالْحَلْقِ، فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، نَصَّ عَلَيْهِ، «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ فِي الْعَشْرِ، وَلَمْ يَحِلَّ» ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ يَعْتَمِرُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَمَعَهُ هَدْيٌ لَهُ أَنْ يَقُصَّ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ خَاصَّةً «لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ قَصَّرْتُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِقَصٍّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي
وَالْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَحَاضَتْ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً.
وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ وَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ، انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَنْ مَالِكٍ: لَهُ التَّحَلُّلُ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ كَالْقِرَانِ.
فَائِدَةٌ: حَيْثُ صَحَّ الْفَسْخُ، لَزِمَهُ دَمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي: لَا؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي ابْتِدَائِهَا أَوْ أَثْنَائِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
1 -
(وَالْمَرْأَةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ) قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ (فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ) أَوْ خَافَهُ غَيْرُهَا (أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهِلِّي بِالْحَجِّ» ، وَلِأَنَّ إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ من غير خَشْيَة الْفَوَاتِ، فَمَعَهَا أَوْلَى؛ لِكَوْنِهَا مَمْنُوعَةً مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ.
فَعَلَى هَذَا لَا تَقْضِي طَوَافَ الْقُدُومِ، لَكِنْ رَوَى عُرْوَةُ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ» .
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَثْبَاتَ رَوَوْهُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْضُ نُسُكٍ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ، وَيَحْتَمِلُ: دَعِي الْعُمْرَةَ، وَأَهِلِّي مَعَهَا بِالْحَجِّ، وَدَعِي أَفْعَالَهَا.
(وَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا) بِأَنْ نَوَى نَفْسَ الْإِحْرَامِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا (صَحَّ) نَصَّ عَلَيْهِ، كَإِحْرَامِهِ عِنْدَ إِحْرَامِ فُلَانٍ، وَحَيْثُ صَحَّ مَعَ الْإِبْهَامِ صَحَّ مَعَ الْإِطْلَاقِ، (وَلَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، بِالنِّيَّةِ لَا بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِأَيِّهَا شَاءَ فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إِلَى ذَلِكَ فَعَلَى عِلَّةِ تَعْيِينِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَإِنْ طَافَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِوُجُودِهِ لَا فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ في غير أَشْهُر الْحَجِّ فَهُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَالْعُمْرَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجْعَلُهَا عُمْرَةً كَإِحْرَامِهِ بِمِثْلِ إِحْرَامِ فُلَانٍ، (وَإِنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ)
وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ، جَعَلَهُ عُمْرَةً، وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْتَ؛ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا» . وَعَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوُهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ عَلِمَ انْعَقَدَ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَحُكْمُهُ سَبَقَ.
وَظَاهِرُهُ: لَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا يصرف إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى مَا كَانَ صَرَفَهُ إِلَيْهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا احْتِمَالَيْنِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ لَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ جَهِلَهُ فَكَالْمَنْسِيِّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ أَمْ لَا، وَالْأَشْهَرُ: كَمَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ فَيَكُونُ إِحْرَامُهُ مُطْلَقًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ إِحْرَامُهُ فَاسِدًا، فَيَتَوَجَّهُ لَنَا خِلَافٌ فِيمَا إِذَا نَذَرَ عِبَادَةً فَاسِدَةً هَلْ يَنْعَقِدُ بِصَحِيحَةٍ؛.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: إِنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ، فَأَنَا مُحْرِمٌ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَلَوْ قَالَ أَحْرَمْتُ يَوْمًا أَوْ بِنِصْفِ نُسُكٍ وَنَحْوِهِمَا فَيَتَوَجَّهُ خِلَافٌ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا) ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ يَصْلُحُ لِأَدَاءِ وَاحِدَةٍ، فَيَصِحُّ بِهِ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَدَلَّ عَلَى خِلَافٍ هُنَا كَأَصْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِهِمَا، وَكَنَذْرِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ تَجِبُ إِحْدَاهُمَا: دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا، وَكَنِيَّةِ صَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ، وَلَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهَا، (وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، وَنَسِيَهُ جَعَلَهُ عُمْرَةً) نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَلَهُ صَرْفُ الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ إِلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ بِمَنْعِ الْإِبْهَامِ أَوَّلًا، وَالْمُرَادُ: أَنَّ لَهُ جَعْلَهُ عُمْرَةً، لَا أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ، (وَقَالَ الْقَاضِي) وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ (لَهُ صَرْفُهُ إِلَى مَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ إِنْ صَادَفَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فَقَدْ أَصَابَ، وَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى عُمْرَةٍ، وَكَانَ إِحْرَامُهُ بِغَيْرِهَا جَازَ لِجَوَازِ الْفَسْخِ إِلَيْهَا، وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى قِرَانٍ، وَكَانَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا، فَقَدْ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ، وَهُوَ لَغْوٌ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ حَجِّهِ، وَإِنْ صَرَفَهُ
أَحْرَمَ عَنِ اثْنَيْنِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، لَبَّى تَلْبِيَةَ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَى الْإِفْرَادِ، وَكَانَ مُتَمَتِّعًا، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَصَارَ قَارِنًا، وَلَا تَبْطُلُ الْعُمْرَةُ بِتَرْكِ نِيَّتِهَا إِذِ الشَّرْطُ وُجُودُهَا ابْتِدَاءً لَا دَوَامًا، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَكَذَلِكَ هُنَا إِذَا كَانَ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ بَعْدَهُ، تَعَيَّنَ جَعْلُهُ عُمْرَةً لِامْتِنَاعِ إِدْخَالِ الْحَجِّ، إِذَنْ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، فَإِذَا سَعَى أَوْ حَلَقَ، فَمَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَيُتِمُّهُ وَيُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلْحَلْقِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، إِنْ كَانَ حَاجًّا، وَإِلَّا فَدَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ جَعْلَهُ حَجًّا أَوْ قِرَانًا، تَحَلَّلَ بِفِعْلِ الْحَجِّ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَنْسِيَّ عُمْرَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ طَوَافِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَجٌّ، فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُهَا عَلَيْهِ وَلَا دَمٌ وَلَا قَضَاءٌ؛ لِلشَّكِّ فِي سَبَبِهِمَا.
(وَإِنْ أَحْرَمَ عَنِ اثْنَيْنِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُجْزِئُ عَنِ اثْنَيْنِ كَالصَّلَاةِ، وَلَا أَوْلَوِيَّةَ، وَكَإِحْرَامِهِ عَنْ زَيْدٍ وَنَفْسِهِ، وَسَبَقَ إِحْرَامُهُ بِحَجِّهِ عَنْ أَبَوَيْهِ، (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَالْقَاضِي (لَهُ صَرْفُهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ) لِصِحَّتِهِ بِمَجْهُولٍ فَصَحَّ عَنْهُ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ الِاسْتِحْسَانُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ، وَسِيلَةٌ إِلَى مَقْصُودٍ، وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ، وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ، فَاكْتفي بِهِ شَرْطًا.
فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَافَ شَوْطًا أَوْ سَعَى أَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ جَعْلِهِ تَعَيَّنَ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ فَسْخٌ، وَلَا يَقَعُ عَنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَعَنْهُ: يَبْطُلُ إِحْرَامُهُ حَكَاهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ غَرِيبٌ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ فِي نُسُكٍ فِي عَامٍ، فَأَحْرَمَ عَنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ نَسِيَهُ وَتَعَذَّرَ مَعْرِفَتُهُ، فَإِنْ فَرَّطَ أَعَادَ الْحَجَّ عَنْهُمَا، وَإِنْ فَرَّطَ الْمُوصى إِلَيْهِ بِذَلِكَ، غُرِّمَ، وَإِلَّا فَمِنْ تَرِكَةِ الْمُوصِيَيْنِ إِنْ كَانَ النَّائِبُ غَيْرَ مُسْتَأْجَرٍ لِذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْسَهُ صَحَّ، فَلَوْ أَحْرَمَ لِلْآخَرِ بَعْدَهُ لَمْ يَصِحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيَضْمَنُ، وَيُؤَدَّبُ مَنْ أَخَذَ مِنَ اثْنَيْنِ حَجَّتَيْنِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فِي عَامٍ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا.
1 -
(وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلَفْظُ
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» .
وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا،
[المبدع في شرح المقنع]
الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ أَهَلَّ أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ قَوْلِهِمُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَاحَ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ عَقِبَ إِحْرَامِهِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ يُلَبِّي مَتَى شَاءَ سَاعَةَ يُسَلِّمُ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَ (تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا لَزِمَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ، وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ، وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ التَّلْبِيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّكْبِيرُ كَحَنَانَيْكَ، وَالْحَنَانُ: الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَكَسْرُ هَمْزَةِ " إِنَّ " أَوْلَى عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ عَنْ آخَرِينَ، قَالَ: ثَعْلَبٌ مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ يَعْنِي: حَمْدَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ أَيْ: لِأَنَّ الْحَمْدَ لَكَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَا تُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي " الْإِفْصَاحِ " تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ لَهُ: الزِّيَادَةُ بَعْدَهَا لَا فِيهَا فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ مَرِيضًا اسْتُحِبَّ أَنْ يُلَبَّى عَنْهُمَا نَقَلَهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيُلَبَّى عَنْ مَجْنُونٍ، وَمُغْمًى عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ، وَنَائِمٍ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ.
[حُكْمُ التَّلْبِيَةِ]
(وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّهَا ذِكْرٌ فِيهِ فَلَمْ تَجِبْ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ.
(وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا) لِخَبَرِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ مَرْفُوعًا: «أَتَانِي جِبْرِيلُ
وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا، وَيُلَبِّي إِذَا عَلَا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ
[المبدع في شرح المقنع]
يَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، وَالتَّلْبِيَةِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَرْبُوعٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَالْعَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ إِسَالَةُ الدِّمَاءِ بِالنَّحْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَاجِدُ الْحِلِّ وَأَمْصَارُهُ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ، فَلَا يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ حَتَّى يَبْرُزَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ أَنَّ إِخْفَاءَ التَّطَوُّعِ أَوْلَى خَوْفَ الرِّيَاءِ عَلَى مَنْ لَا يُشَارِكُهُ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ الْبَرَارِيِّ وَعَرَفَاتٍ، وَمَكَّةَ، وَالْحَرَمِ، (وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا) لِخَبَرِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْمَدَنِيِّينَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ لِلتِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَيُسَنُّ ذِكْرُ نُسُكِهِ فِيهَا، وَذِكْرُ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ لِلْقَارِنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُسَنُّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُسَنُّ تَكْرَارُهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ أَحْمَدُ، وَاسْتَحَبَّهُ فِي " الْخِلَافِ " لِتَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: حَسَنٌ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، (وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا) لِمَا رَوَى خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَيَسْتَعِيذُ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ إِجَابَة الدعاء، ويصلي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهَا لِقَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ " فِيهِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ قَوَّاهُ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ يُشْرَعُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ كَصَلَاةٍ، وَأَذَانٍ (وَيُلَبِّي) أَيْ: يَتَأَكَّدُ فِي مَوَاضِعَ (إِذَا عَلَا نَشَزًا) وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَسُكُونِهَا (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ
وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، وَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا.
بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، فَمَنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً، فَعَلَيْهِ دَمٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَكْتُوبَاتِ) أَيْ عند الفراغ مِنْهَا، (وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ) أَيْ: بِأَوَّلِهِمَا، (وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ عَلَا نَشَزًا، أَوْ لَقِيَ رَاكِبًا، أَوِ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
وَتُسْتَحَبُّ إِذَا أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا أَوْ رَكِبَ زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": أَوْ نَزَلَ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يُسْتَحَبُّ عِنْدَ تَنَقُّلِ الْأَحْوَالِ بِهِ، وَزَادَ: وَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ.
(وَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا) وَقَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا الرَّفْعُ إِلَّا بِمَا ذُكِرَ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمُزَامَلَةُ لَهَا، لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِهَا، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَيُكْرَهُ جَهْرُهَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ سَمَاعِ رَفِيقَتِهَا خَوْفَ الْفِتْنَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا تَقْتَصِرُ عَلَى إِسْمَاعِ نَفْسِهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
فَائِدَةٌ: لَا تُشْرَعُ التَّلْبِيَةُ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ إِنْ قَدَرَ كَأَذَانٍ، وَلَمْ يُجَوِّزْ أَبُو الْمَعَالِي الْأَذَانَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا لِنَفْسِهِ مَعَ الْعَجْزِ
[بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ]
[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي حَلْقُ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ]
بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ أَيِ: الْمَمْنُوعُ فِعْلُهُنَّ فِي الْإِحْرَامِ، (وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعْرِ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] نَصَّ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ، وَعُدِّيَ إِلَى سَائِرِ شَعْرِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، إِذْ حَلْقُهُ مُؤْذِنٌ بِالرَّفَاهِيَةِ، وَهُوَ يُنَافِي الْإِحْرَامَ لِكَوْنِ أَنَّ الْمُحْرِمَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ خَاصًّا بِالْحَلْقِ بَلْ قَطْعُهُ، وَنَتْفُهُ
وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا، وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَعَنْهُ: قَبْضَةٌ، وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ، وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِإِذْنِهِ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا،
[المبدع في شرح المقنع]
كَذَلِكَ، وَعَبَّرَ فِي " الْفُرُوعِ " بِتَرْكِهِ إِزَالَةَ الشَّعْرِ، وَهُوَ أَوْلَى، لَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ تَبِعَ النَّصَّ، وَلِكَوْنِهِ هُوَ الْأَغْلَبُ، (وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ) ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الرَّفَاهِيَةُ أَشْبَهَ الْحَلْقَ، فَمَنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً فَعَلَيْهِ دَمٌ، أَمَّا فِي حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: 196] الْآيَةَ، وَلِحَدِيثِ كَعْبٍ قَالَ: «حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى الْجُهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى تَجِدُ شَاةً؟ قَالَ: لَا قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَجِبُ فِي إِزَالَةِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، فَمَا فَوْقَهَا، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ جَمْعٌ، وَاعْتُبِرَتْ فِي مَوَاضِعَ كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ بِخِلَافِ رُبْعِ الرَّأْسِ، وَمَا يُمَاطُ بِهِ الْأَذَى.
وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدَّمِ عَيْنًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ كَمَا يَأْتِي، وَلَعَلَّهُ وَكَّلَ التَّفْصِيلَ إِلَى بَابِهِ، وَحُكْمُ الْأَظَافِرِ كَالشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِلتَّرَفُّهِ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ، فَغَيْرُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي جَوَازِ الْإِقْدَامِ، وَعَدَمِهِ، (وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا) نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ كَثِيرٌ، وَلِأَنَّ الثَّالِثَ آخِرُ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، وَآخِرُ الشَّيْءِ مِنْهُ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ كَالشَّعْرَتَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً فِي خَمْسٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّنْبِيهِ " قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ ": وَلَا وَجْهَ لَهَا، وَلَعَلَّهُ قَيَّدَ الْحُكْمَ بِأَطْرَافِ الْيَدِ كَامِلَةً، (وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ) أَيِ: الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى الْخِلَافِ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ) أَيْ: إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا، وَجَبَ شَرْعًا فِدْيَةٌ، (وَعَنْهُ: قَبْضَةٌ) وَقَالَهُ عَطَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا الْيَقِينُ، (وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فِي الشَّعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ إِيجَابُ جُزْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ،
أَوْ نَائِمًا، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ.
وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَقَطْعُ الشَّعْرِ، وَنَتْفُهُ كَحَلْقِهِ، وَشَعْرُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ.
[المبدع في شرح المقنع]
وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقِيمَةِ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي الْوَحْدَةِ، وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ أَوْ نِصْفُهُ، ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي مِنْ لَيَالِي مِنًى.
فَرْعٌ: إِزَالَةُ بَعْضِ الشَّعْرَةِ كَهِيَ، وَكَذَا فِي الظُّفْرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِسَاحَةٍ، وَهُوَ يَجِبُ فِيهِمَا سَوَاءٌ طَالَا أَوْ قَصُرَا بَلْ كَالْمُوَضِّحَةِ يَجِبُ فِي كَبِيرِهَا، وَصَغِيرِهَا.
وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا: يَجِبُ بِحِسَابِ الْمُتْلَفِ كَالْأُصْبُعِ فِي أُنْمُلَتِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا، (وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِإِذْنِهِ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأَسُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ، وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ يَحْلِقُهُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا، وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، كَشَعْرِ الصَّيْدِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، فَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ، فَقِيلَ عَلَى الْحَالِقِ كَإِتْلَافِهِ مَا لَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأَسُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ كَوَدِيعَةٍ (وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ مِنْ إِزَالَتِهِ، كَحَلْقِ مُحْرِمٍ رَأَسَ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأَسُهُ، وَفِي " الْإِرْشَادِ ": وَجْهُ الْقَرَارِ عَلَى الْحَالِقِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ لَا فِدْيَةَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ أَيْ: هَدْرٌ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُبَاحُ الْإِتْلَافِ فَلَمْ يَجِبْ بِإِتْلَافِهِ جُزْءًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لِلْآدَمِيِّ كَالْحَرَمِ لِلصَّيْدِ، (وَقَطْعُ الشَّعْرِ، وَنَتْفُهُ كَحَلْقِهِ) وَكَذَا الظُّفْرُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي حُصُولِ الرَّفَاهِيَةِ، (وَشَعْرُ الرَّأْسِ، وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ) عَلَى
وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنِهِ شَعْرٌ، فَقَلَعَهُ أَوْ نَزَلَ شَعْرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، فَقَصَّهُ أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ، فَقَصَّهُ أَوْ قَلَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعْرٌ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ إِلَّا مَوْضِعُهُ، وَكَلُبْسِهِ سَرَاوِيلَ، وَقَمِيصًا، (وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ) لِأَنَّهُمَا كَجِنْسَيْنِ لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِحَقِّ الرَّأْسِ فَقَطْ فَهُوَ كَحَلْقٍ، وَلُبْسٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ فَالرِّوَايَتَانِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وابن عقيل وَأبو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إِتْلَافٌ فَهُوَ آكَدُ، وَالنُّسُكُ يَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ فَعَلَى الْأُولَى لَوْ قَطَعَ مِنْ بَدَنِهِ شَعْرَتَيْنِ، وَفِي رَأْسِهِ وَاحِدَةٌ، وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنِهِ شَعْرٌ، فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعْرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فَقَصَّهُ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ آذَاهُ فَكَانَ لَهُ إِزَالَتُهُ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ كَقَتْلِ الصَّيْدِ الصَّائِلِ بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَقَ شَعْرَهُ لِقَمْلٍ أَوْ صُدَاعٍ، وَشِدَّةِ حَرٍّ فَإِنَّهَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ (أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ) فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ بَقَاؤُهُ، وَكَذَا إِنْ، وَقَعَ بِظُفْرِهِ مَرْضٌ، فَأَزَالَهُ لَهُ، أَوْ قَلَعَ أُصْبُعًا بِظُفْرٍ فَهَدَرٌ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَقَصَّهُ أَيْ: قَصَّ مَا احْتَاجَهُ فَقَطْ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ إِنِ انْكَسَرَ فَآذَاهُ قَطَعَهُ وَفَدَى.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مُدَاوَاةُ قُرْحِهِ إِلَّا بِقَصِّهِ قَصَّهُ، وَفَدَى (أَوْ قَلَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعْرٌ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ زَالَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، وَالتَّابِعُ لَا يُضْمَنُ كَمَا لَوْ قَلَعَ أَشْفَارَ عَيْنٍ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْهُدْبَ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " إِذَا زَالَ شَعْرُ الْأَنْفِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِعَدَمِ التَّرَفُّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ لَا فَرْقَ.
فَوَائِدُ: لِلْمُحْرِمِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ، وَلَا فِدْيَةَ بِقَطْعِهِ بِلَا تَعَمُّدٍ، وَالْمَذْهَبُ إِنْ شَعَرَ أَنَّهُ انْفَصَلَ مِنْ مُشْطٍ أَوْ تَخْلِيلٍ فَدَى.
قَالَ أَحْمَدُ إِنْ خَلَّلَهَا فَسَقَطَ إِنْ كَانَ شَعْرًا مَيِّتًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَفْيُ الضَّمَانِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَلَهُ غَسْلُ
فَصْل الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ عَصَبَهُ، أَوْ طَيَّنَهُ بِطِينٍ أَوْ حِنَّاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنِ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمَلِ،
[المبدع في شرح المقنع]
رَأْسِهِ، وَبَدَنِهِ بِرِفْقٍ نَصَّ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَقْطَعْهُ وَقِيلَ: غَيْرُ الْجُنُبِ، وَلَهُ غَسْلُهُ فِي حَمَّامٍ وَغَيْرِهِ بِلَا تَسْرِيحٍ فَإِنْ غَسَلَهُ بِسِدْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، جَازَ، قَالَهُ الْقَاضِي وَجَمَعَ، وَجَزَمَ آخَرُونَ بِالْكَرَاهَةِ لِتَعَرُّضِهِ لِقَطْعِ الشَّعْرِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ وَيَفْدِي، وَلَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ، وَكَرِهَ الْخِرَقِيُّ، لِلْخَبَرِ، زَادَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ: مَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِيمَنِ احْتَاجَ وَقَطَعَهُ لِحِجَامَةٍ أَوْ غُسْلٍ: لَمْ يَضُرَّ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ]
(الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ) إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ» ، وَقَوْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَرْفُوعًا، وَالْأُذُنَانِ مِنْهُ فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ، وَعَنْهُ: عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ: وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَدْخُلُ فِيهِ الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَهُمَا دُونَ الشَّعْرِ بِدَلِيلِ الْمُوَضِّحَةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي رَأْسٍ وَوَجْهٍ، وَلَيْسَ فِي الْوَجْهِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَقِيلَ: لَيْسَ مِنْهُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا ويدخل فِيهِ النَّزْعَتَانِ، وَالشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَفِي الصُّدْغِ، وَالتَّحْذِيفِ خِلَافٌ (فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ عَصَبَهُ، أَوْ طَيَّنَهُ بِطِينٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِهِ) جَمَعَ فِي ذِكْرِهَا بَيْنَ تَغْطِيَةٍ بِمُعْتَادٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَشَدِّ سَيْرٍ فِيهِ (فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا فِي الْإِحْرَامِ يَقْصِدُ بِهِ الرَّفَهَ أَشْبَهَ حَلْقَ الرَّأْسِ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَإِنِ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمَلِ) ضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيُّ كَالْمَجْلِسِ، وَعَكَسَ ابْنُ مَالِكٍ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَيَلْزَمُهُ الْفِدَاءُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مُحْرِمٍ عُودًا يَسْتُرُهُ مِنَ الشَّمْسِ
فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا، أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا أَوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ بَيْتٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ.
[المبدع في شرح المقنع]
فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَهُ بِمَا يَقْصِدُ بِهِ الرَّفَهَ كَتَغْطِيَتِهِ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ إِنْ طَالَ زَمَنُهُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَعَنِ الْأَوَّلِ لَوِ اسْتَظَلَّ بِثَوْبٍ رَاكِبًا وَنَازِلًا، لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ بِلَا فِدَاءٍ جَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا سَبَقَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ لَا يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بِثَوْبٍ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا) وَكَسَتْرِهِ بِيَدِهِ، وَلَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ، وَعَدَمِهِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ فَدَى كَجُلُوسِهِ عِنْدَ عَطَّارٍ لِقَصْدِ شَمِّ الطِّيبِ، فَلَوْ لَبَّدَهُ بِغُسْلٍ أَوْ صَمْغٍ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ غُبَارٌ، وَلَا دَبِيبٌ جَازَ لِلْخَبَرِ (أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ بِلَالًا، وَأُسَامَةَ وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ أَحْمَدُ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ - بِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُرَادُ لِلِاسْتِدَامَةِ بِخِلَافِ الِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمَلِ زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَوْ كَانَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بِهِ عُذْرٌ وَفَدَى أَوْ لَمْ يَعْمَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ (أَوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ بَيْتٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّفَهُ فِي الْبَدَنِ عَادَةً، بَلْ جَمْعُ الرَّحْلِ، وَحِفْظُهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، (وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: تَجُوزُ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ سُنَّةُ التَّقْصِيرِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُرْمَةُ التَّخْمِيرِ كَسَائِرِ بَدَنِهِ، وَالثَّانِيَةُ - وَنَقَلَهَا الْأَكْثَرُ - لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ كَالرَّأْسِ.
فَصْل الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ، وَالْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ، أَوْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعَهُمَا وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ وَالْخُفَّيْنِ]
فصل
(الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ) فِي بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمَا عَمِلَ عَلَى قَدْرِهِ إِجْمَاعًا (وَالْخُفَّيْنِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ، وَرْسٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْقَمِيصِ يُلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجُبَّةِ، وَالدُّرَّاعَةِ، وَالْعِمَامَةِ، يُلْحَقُ بِهَا كُلُّ سَاتِرٍ مُلَاصِقٍ أَوْ سَاتِرٍ مُعْتَادٍ، وَالسَّرَاوِيلُ يُلْحَقُ بِهِ التُّبَّانُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَخِيطًا أَوْ دِرْعًا مَنْسُوجًا، أَوْ لِبْدًا مَعْقُودًا.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّبْسِ وَكَثِيرِهِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، لَكِنْ مَنْ بِهِ شَيْءٌ لَا يَجِبُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْبَسُ وَيَفْدِي، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ أَوْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَاهُ الْأَثْبَاتُ، وَلَيْسَ فِيهِ بِعَرَفَاتٍ، وَقَالَ مُسْلِمٌ: انْفَرَدَ بِهَا شُعْبَةُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ، لَكِنْ مَتَى وُجِدَ الْإِزَارُ خَلَعَ السَّرَاوِيلَ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ لِلْعَوْرَةِ فَقَطْ، (وَلَا يَقْطَعَهُمَا) أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ خُفِّهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَالْمُخْتَارِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِمَا بِقَطْعٍ، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ.
يُؤَيِّدُهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ عَمِلُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَطْعُهُمَا فَسَادٌ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ بِالنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ أَشْبَهَ السَّرَاوِيلَ، وَلِأَنَّ قَطْعَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ، فَإِنَّ لُبْسَ الْمَقْطُوعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ، كَلُبْسِ الصَّحِيحِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَقْطَعْهُمَا دُونَ كَعْبَيْهِ فَدَى، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَهِيَ الْأَوْلَى عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَخُرُوجًا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَأَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ زِيَادَةَ الْقَطْعِ لَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ، وَرُوِيَ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّةُ رَفْعِهَا فَهِيَ بِالْمَدِينَةِ، وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ، وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَلَامَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي مَوْضِعِ الْبَيَانِ وَوَقْتِ الْحَاجَةِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْإِطْلَاقُ نَاسِخًا لِلتَّقْيِيدِ دَفْعًا لِمَحْذُورِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَحُكِيَ فِي " الْمُغْنِي " عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا أَيْ: فِي قَوْلِهِ بِعَدَمِ الْقَطْعِ قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَقَلَّ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُخَالِفِ السُّنَّةَ، وَلَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ، قَالَ: الْمَرْوَزِيُّ احْتَجَجْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقُلْتُ: هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ، وَذَاكَ حَدِيثٌ فَقَدْ اطلع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ نَظَرَ الْمُتَبَحِّرِينَ الَّذِينَ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِعَوْنِهِ مَعَ أَنَّ خَبَرَنَا فِيهِ زِيَادَةُ حُكْمٍ، وَهُوَ جَوَازُ اللُّبْسِ بِلَا قَطْعٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَمْ يُشْرَعْ بِالسُّنَّةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ، (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ.
فَرْعٌ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إِنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ، وَجَسَدَهُ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِنْ غَطَّى وَجْهَهُ، وَرَأْسَهُ أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ، وَلَبِسَ الْمَخِيطَ فَدَى، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: يُغَطِّي رَأْسَهُ وَيَفْدِي، وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ ".
(وَلَا يَعْقِدَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً، وَلَا رِدَاءً، وَلَا غَيْرَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِمُحْرِمٍ، وَلَا تَعْقِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَوَى هُوَ، وَمَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ يُكْرَهُ لُبْسُ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ، وَلِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ أَشْبَهَ اللِّبَاسَ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَبْطِهِ بِالْعَقْدِ أَوْ بِشَوْكَةٍ أَوْ إِبْرَةٍ أَوْ
رِدَاءً وَلَا غَيْرَهُ إِلَّا إِزَارَهُ وَهِمْيَانَهُ الَّذِي فِيهِ نَفَقَتُهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْعَقْدِ، وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ قِبَاءً، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ، أَثِمَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَفَدَى، وَكَذَا إِنْ كَانَ مَعَهَا كَوَجَعِ ظَهْرٍ وَنَحْوِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُهُ، فَحُكْمُهَا كَالْهِمْيَانِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا كَهِمْيَانٍ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُمَا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا النَّفَقَةُ، وَعَدَمُهَا، وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ.
فَرْعٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَّشِحَ بِالْقَمِيصِ، وَيَرْتَدِيَ بِهِ، وَبِرِدَاءٍ، وَلَا يَعْقِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْمَخِيطُ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ (إِلَّا إِزَارَهُ) فَيَجُوزُ لَهُ عَقْدُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُهُ لِسِتْرِ عَوْرَتِهِ فَأُبِيحَ كَاللِّبَاسِ لِلْمَرْأَةِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَوْ شَدَّ، وَسَطَهُ بِمِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ، مَا لَمْ يَعْقِدْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: فِي مُحْرِمٍ حَزَّمَ عِمَامَةً عَلَى وَسَطِهِ، لَا يَعْقِدُهَا ويدخل بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ.
قَالَ طَاوُسٌ: فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِشَدِّ، وَسَطِهِ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ لِحَاجَةٍ، وَلَا يُسَنُّ شَقُّ أَسْفَلِ إِزَارِهِ نِصْفَيْنِ بِعَقْدِ، كُلِّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ السَّرَاوِيلَ، (وَهِمْيَانَهُ الَّذِي فِيهِ نَفَقَتُهُ) فَيُبَاحُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجَازَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ (إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْعَقْدِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ أَوْثِقْ عَلَيْكَ نَفَقَتَكَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ مَعْنَاهُ بَلْ رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى عَقْدِهِ، فَجَازَ كَعَقْدِ الْإِزَارِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: كَانُوا يُرَخِّصُونَ فِي عَقْدِهِ، لَا فِي عَقْدِ غَيْرِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ بِغَيْرِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، لَمْ يَجُزْ عَقْدُهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَةٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لَا يَعْقِدُ سُيُورَهُ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ احْتِيَاطًا لِلنَّفَقَةِ.
مَسْأَلَةٌ: لَهُ حَمْلُ جِرَابِهِ، وَقِرْبَةِ الْمَاءِ، وَلَا يُدْخِلُهُ فِي صَدْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا (وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ لِلْمُحْرِمِ» ، وَرَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مَخِيطٌ، وَهُوَ عَادَةُ لُبْسِهِ كَالْقَمِيصِ، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي
فِي كُمَّيْهِ.
وَيَتَقَلَّدَ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
فَصْلٌ الْخَامِسُ: الطِّيبُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَطْيِيبُ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَشَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيَّبَةِ،
[المبدع في شرح المقنع]
كُمَّيْهِ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَاخْتَارَهَا فِي " التَّرْغِيبِ " وَرَجَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِيهِمَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ فَهُوَ كَالْقَمِيصِ إِذَا ارْتَدَى بِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَدْخَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " بَلَى، (وَيَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: «لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالِحَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ: الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إِبَاحَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، عِنْدَ عَدَمِهَا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى اللُّبْسُ كَمَا لَوْ حَمَلَ قِرْبَةً فِي عُنُقِهِ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَقَلَّدَ بِالسَّيْفِ بِلَا حَاجَةٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ حَمْلَ السِّلَاحِ بِهَا لَا يَجُوزُ إِلَّا لِحَاجَةٍ.
نَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يُتَقَلَّدُ بِمَكَّةَ إِلَّا لِخَوْفٍ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ» ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَحْمَدُ مِنْ تَقْلِيدِ السَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللُّبْسِ.
[الْخَامِسُ: الطِّيبُ]
فَصْلٌ (الْخَامِسُ: الطِّيبُ) فَيَحْرُمُ إِجْمَاعًا لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ بِغَسْلِهِ «وَقَالَ فِي " الْمُحْرِمِ " الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، " وَلَا تُحَنِّطُوهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلِمُسْلِمٍ، «وَلَا
وَالِادِّهَانُ بِهَا، وَشَمُّ الْمِسْكِ، وَالْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ، يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَإِنْ مَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ وَالْفَوَاكِهِ وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى، وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ وَالنَّرْجِسِ وَالْوَرْدِ
[المبدع في شرح المقنع]
تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» ، وَإِذَا مُنِعَ الْمُحْرِمُ الْمَيِّتُ مِنَ الطِّيبِ مَعَ اسْتِحْبَابِهِ لَهُ فَالْمُحْرِمُ الْحَيُّ أَوْلَى (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَطْيِيبُ بَدَنِهِ) أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَثِيَابِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ يُعَدُّ مُطَيِّبًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، (وَشَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيَّبَةِ) كَدُهْنِ الْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَنَحْوِهِمَا، (وَالِادِّهَانُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ رَائِحَتُهَا، وَتُتَّخَذُ لِلطِّيبِ أَشْبَهَ مَاءَ الْوَرْدِ، (وَشَمُّ الْمِسْكَ وَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ) ؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تُسْتَعْمَلُ، وَكَذَا التَّبَخُّرُ بِالْعُودِ، وَالنَّدِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، (وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ) كَمِسْكٍ، وَنَحْوِهِ (يَظْهَرُ طَعْمُهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّعْمَ يَسْتَلْزِمُ الرَّائِحَةَ.
وَقِيلَ: لَا فِدْيَةَ لِبَقَاءِ لَوْنِهِ، وَلَوْ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ (أَوْ رِيحُهُ) ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ طُبِخَ أَوْ مَسَّهُ نَارٌ لِبَقَاءِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْمَأْكُولِ بَلِ الْمَشْرُوبُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الطِّيبِ كَالِاكْتِحَالِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلطِّيبِ أَشْبَهَ شَمَّهُ، وَمَتَى فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ كَاللِّبَاسِ.
مَسْأَلَةٌ: لِلْمُشْتَرِي حَمْلُهُ وَتَقْلِيبُهُ إِنْ لَمْ يَمَسَّهُ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ لَوْ ظَهَرَ رِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لِلتَّطَيُّبِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ: وَلَوْ عَلِقَ بِيَدِهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَلِحَاجَةِ التِّجَارَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ حَمَلَهُ مَعَ ظُهُورِ رِيحِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ، (وَإِنْ مَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ) كَالْمِسْكِ غَيْرِ الْمَسْحُوقِ، وَقِطَعِ الْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ (فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لِلطِّيبِ، وَشَمُّهُ سَبَقَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِقَ بِيَدِهِ كَالْغَالِيَةِ، وَالْمِسْكِ، وَالْمَسْحُوقِ، عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلطِّيبِ (وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّبْخِيرُ (وَالْفَوَاكِهِ) كُلُّهَا كَالْأُتْرُجِّ، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَنَحْوِهِ، (وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى) مِنْ نَبَاتِ الصَّحْرَاءِ، وَكَذَا مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لِغَيْرِ قَصْدِ الطِّيبِ كَحِنَّاءٍ، وَعُصْفُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، وَلَا يُسَمَّى مُتَطَيِّبًا عَادَةً، وَكَذَا لَهُ شَمُّ
وَالْبَنَفْسَجِ وَالْبَرَمِ وَنَحْوِهَا، وَالِادِّهَانِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ جَلَسَ
[المبدع في شرح المقنع]
قَرَنْفُلٍ وَدَارَ صِينِيٍّ وَنَحْوِهِمَا، (وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ لِقَصْدِ شَمِّهِ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَرَيْحَانٍ فَارِسِيٍّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيهِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَرَبِ فَالرَّيْحَانُ هُوَ الْآسُ، وَلَا فِدْيَةَ فِي شَمِّهِ قَطْعًا، (وَالنَّرْجِسِ) وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَالْبَنَفْسِجِ) وَهُوَ مُعَرَّبٌ أَيْضًا، (وَالْوَرْدِ وَالْبَرَمِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ هُوَ الْعِضَاهُ، الْوَاحِدُ بَرَمَةٌ (وَنَحْوِهَا) كَنَمَامٍ، وَمَرْزُجَوْشَ، وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: يُبَاحُ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا يَبِسَ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ أَشْبَهَ نَبْتَ الْبَرَمَةِ.
فَعَلَيْهَا: لَا فِدْيَةَ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ لِقَوْلِ جَابِرٍ لَا يَشُمُّهُ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ كَالْوَرْدِ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَلَكِنْ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ تَارَةً يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَالْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالْيَاسَمِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الزِّئْبَقُ فَالْأَشْهَرُ: يَحْرُمُ وَيَفْدِي، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُمَا، كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَتَارَةً لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، كَالرَّيْحَانِ فَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ إِبَاحَتَهُ، وَمَاءُ الرَّيْحَانِ كَهُوَ.
وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ كَمَاءِ وَرْدٍ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ (وَالِادِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ) كَزَيْتٍ، وَشَيْرَجَ (فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ) أَنَصُّهُمَا: لَهُ فِعْلُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عندهم وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَالثَّانِيَةُ الْمَنْعُ، وَيَفْدِي، ذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، كَالْمُطَيَّبِ وَلِأَنَّهُمَا أَصْلُ الْأَدْهَانِ، وَلَمْ يَكْتَسِبِ الدُّهْنُ إِلَّا الرَّائِحَةَ، وَلَا أَثَرَ لَهَا مُنْفَرِدَةً، وَمَنَعَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ الشَّعَثَ، وَيُسْكِنُ الشَّعْرَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِادِّهَانِ بِهِ فِي بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ مَنْعًا، وَحَكَى ابْنُ
عِنْدَ الْعَطَّارِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ لِيَشَمَّ الطِّيبَ فَشَمَّهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا.
فصل السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ وَاصْطِيَادُهُ وَهُوَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا مَأْكُولًا، أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُنْذِرِ أَنَّ عَوَامَّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْهِنَ بَدَنَهُ بِشَحْمٍ وَزَيْتٍ وَسَمْنٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الرَّأْسَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّعْرِ بِالْوَجْهِ كَذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُمَا فِي دَهْنِ شَعْرِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْكَافِي " فِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي دَهْنِ بَدَنِهِ، كَرَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
تَنْبِيهٌ: يُقَدَّمُ غَسْلُ طِيبٍ عَلَى نَجَاسَةٍ يُتَيَمَّمُ لَهَا، وَلَا يَحْرُمُ دَلَالَةٌ عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ شِهَابٍ لِعَدَمِ ضَمَانِهِ بِالسَّبَبِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ، وَهُوَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَالْإِثْمُ (وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ) كَقَصْدِ الْكَعْبَةِ حَالَ تَجْمِيرِهَا أَوْ حَمَلَ مَعَهُ عُقْدَةً فِيهَا مِسْكٌ لِيَجِدَ رِيحَهَا (لِيَشُمَّ الطِّيبَ فَشَمَّهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَمَّهُ قَاصِدًا فَحَرُمَ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ لِحَاجَتِهِ أَوْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَإِذَا اشْتَرَاهُ كَمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ.
[السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ]
فَصْلٌ (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ) إِجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] (وَاصْطِيَادُهُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] (وَهُوَ) أَيِ: الصَّيْدُ الْمُحَرَّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ (مَا كَانَ وَحْشِيًّا) ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ لَا يَحْرُمُ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ وَالدَّجَاجِ إِجْمَاعًا، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلُ، فَلَوِ اسْتَأْنَسَ الْوَحْشِيُّ، وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، وَعَكَسُهُ لَوْ تَوَحَّشَ الْأَهْلِيُّ لَمْ يَجِبْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً؛ لَأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِنْسِيَّةُ، وَحَمَامٌ وَبَطٌّ وَحْشِيٌّ (مَأْكُولًا) ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالْمُسْتَخْبَثِ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَالطَّيْرِ يُبَاحُ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ
وَمِنْ غَيْرِهِ، فَمَنْ أَتْلَفَ أَوْ أُتْلِفَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَيَضْمَنُ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ: الْحَدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِهِ فَأَمَّا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ كَالثَّعْلَبِ، وَالسِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي الثَّعْلَبِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي السِّنَّوْرِ الْوَحْشِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيَّ فِي الْأَهْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ، وَلَا مَأْكُولٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَفْدِي أُمَّ حُبَيْنٍ بِجَدْيٍ، وَهِيَ دَابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ الْبَطْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ لَا تُؤْكَلُ، حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: كُلْ مَا دَبَّ وَدَرَجَ، إِلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ.
(أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ) كَالْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْوَحْشِيِّ، وَالْأَهْلِيِّ، وَالْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ كَالسَّمْعِ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ تَغْلِيبًا لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ كَمَا غَلَّبُوا التَّحْرِيمَ فِي أَكْلِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ فِيمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ صَيْدَ الْبَرِّ، وَهَذَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ (فَمَنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ) .
فِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: إِذَا أَتْلَفَهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] .
الثَّانِيَةُ: إِذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ، إِذِ الْوَاجِبُ إِمَّا إِرْسَالُهُ، أَوْ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ، فَيَضْمَنُ أَبْعَاضَهُ، كَالْآدَمِيِّ وَالْمَالِ، وَيَأْتِي حُكْمُ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ، لَكِنْ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً، ثُمَّ أَحْرَمَ، أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ، فَتَلَفَ بِهِ صَيْدٌ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِلَّا ضَمِنَ كَالْآدَمِيِّ فِيهِمَا، وَالْمُرَادُ: إِذَا لَمْ يَتَحَيَّلْ (وَيَضْمَنُ) مَعَ التَّحْرِيمِ (مَا دَلَّ عَلَيْهِ) نَقَلَهُ ابن منصور وأبُو الْحَارِثِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي " الْمُبْهِجِ " إِنْ كَانَتِ
مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ، أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَبْحِهِ أَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَبْحِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سِكِّينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا، فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ
[المبدع في شرح المقنع]
الدَّلَالَةُ مُلْجِئَةً لَزِمَ الْمُحْرِمَ الْجَزَاءُ، كَقَوْلِهِ: دَخَلَ فِي هَذِهِ الْمَغَارَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ، كَقَوْلِهِ: ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالسَّبَبِ مَعَ الْمُبَاشَرَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْجِئًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْقَاتِلِ، وَالدَّافِعُ دُونَ الْمُمْسِكِ وَالْحَافِرِ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْمُمْسِكَ غَيْرُ مُلْجِئٍ، وَيَضْمَنُ بِهَا الْمُودِعُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ دَلَّهُ فَكَذَبَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَلَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَكَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ مُحْرِمًا عَلَيْهِ (أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ) نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، لَكِنْ لَوْ رَأَى الصَّيْدَ قَبْلَ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى دَالٍّ وَمُشِيرٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سَبَبًا فِي تَلَفِهِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مِنَ الْمُحْرِمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ضَحِكٌ، أَوِ اسْتِشْرَافٌ فَفَطِنَ لَهُ غَيْرُهُ فَصَادَهُ (أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَبْحِهِ) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ بِمُنَاوَلَتِهِ سِلَاحَهُ أَوْ سَوْطَهُ أَوْ أَمَرَهُ بِاصْطِيَادِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَوْ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ فَرَسًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِهِ.
(أَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَبْحِهِ مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ سِكِّينًا) أَوْ نَحْوَهَا لِيَقْتُلَهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ أَوْ لَا، لِمَا «رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا لَا، وَفِيهِ أَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا فَلَمْ يُؤْذِنُونِي، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ: لَهُمْ نَاوِلُونِي، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إِنَّا مُحْرِمُونَ فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِمَارَ مِنْ وَرَائِهِ فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كُلُوهُ هُوَ حَلَالٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفَظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْحَرَامِ فَكَانَ حَرَامًا كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا) هَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّحْرِيمِ فَكَذَا فِي الْجَزَاءِ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، وَيُحْتَمَلُ التَّبْعِيضُ، فَكَانَ وَاحِدًا كَقَيِّمِ الْعَبِيدِ وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَعَنْهُ: جَزَاءٌ وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَوْمٌ تَامٌّ، وَمَنْ
مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَكْلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ
[المبدع في شرح المقنع]
أَهْدَى فَبِحِصَّتِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ صَوْمٌ تَامٌّ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ بَدَلٌ، لَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَطَفَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَالصَّوْمُ كَفَّارَتُهُ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَقِيلَ: لَا جَزَاءَ عَلَى مُحْرِمٍ مُمْسِكٍ مَعَ مَحْرَمٍ قَاتِلٍ، وَلَا يَلْزَمُ مُتَسَبِّبًا مَعَ مُبَاشِرٍ، وَقِيلَ: الْقَرَارُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ فِعْلَ الْمُمْسِكِ عِلَّةً.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حَلَالًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِحِلِّهِ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحَرَمِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَالْأَوَّلِ، فَلَوْ كَانَ الدَّالُّ وَالشَّرِيكُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْمُحِلِّ فِي الْحِلِّ فَالْجَزَاءُ جَمِيعُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْأَشْهَرِ وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ فَيَحْتَمِلُ مَا قُلْنَا، وَيَحْتَمِلُ يُلْزِمُهُ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُوجِبٌ، وَسَقَطٌ فَغَلَبَ الْإِيجَابُ كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْخِلَافُ إِنْ كَانَ الشَّرِيكُ سَبُعًا، فَإِنْ سَبَقَ حَلَالٌ وَسَبُعٌ بِجُرْحِهِ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ جُرْحِهِ، فَلَوْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ ضِمْنَ الْجَارِحُ نَقْصَهُ، وَالْقَاتِلُ تَتِمَّةَ الْجَزَاءِ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: كُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَكَلُ مَا ذَبَحَهُ، وَمَا صِيدَ لِأَجْلِهِ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ «أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «لَحْمُ الصَّيْدِ لِلْمَرْءِ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» فِيهِ الْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أَتَى بِلَحْمِ صَيْدٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
أَتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَفَسَدَ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا
[المبدع في شرح المقنع]
كُلُوا، فَقَالُوا: أَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ لِأَجْلِي.
رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " احْتِمَالٌ بِجَوَازِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ لِكَوْنِهِ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ، لَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ أَكْلُهُ، صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ الصَّعْبِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ آخَرَ فِي الْأَشْهَرِ، (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «كُلُوهُ هُوَ حَلَالٌ» ، وَأَفْتَى بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عُمَرُ لَهُ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِهِ لَأَوْجَعْتُكَ.
رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: يَحْرُمُ لِخَبَرِ الصَّعْبِ، وَكَمَا لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَمَا سَبَقَ أَخَصُّ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا تَرَكَ الْأَكْلَ مِنْ حَدِيثِ الصَّعْبِ؛ لِعِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ.
1 -
(وَإِنْ أَتْلَفْ بَيْضَ صَيْدٍ أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَفَسَدَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي بَيْضِ النَّعَامِ ثَمَنُهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إِلَى إِتْلَافِهِ بِالنَّقْلِ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالْمُبَاشِرَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ، وَخَرَجَ لَا ضَمَانَ فِيهِ، لَكِنْ لَوْ بَاضَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ فَفَسَدَ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْجَرَادِ إِذَا انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ.
وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الضَّمَانِ (بِقِيمَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ لَا مِثْلَ لَهُ فَتَجِبُ فِيهِ الْقَيِّمَةُ كَصِغَارِ الطَّيْرِ، وَإِطْلَاقُ الثَّمَنِ فِي الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ غَالِبُ الْأَشْيَاءِ تَعْدِلُ ثَمَنَهَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ، فَإِنْ كَانَ هَدْرًا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: إِلَّا بَيْضَ النَّعَامِ فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَوَانٌ حَالًا أَوْ مَآلًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَحْجَارِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ كَسَرَهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ، وَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ أَوْ خَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ حَيٌّ،
يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِغَيْرِ الْإِرْثِ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ أَيْضًا، وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ، ضَمِنَهُ، وَكَانَ مَيْتَةً.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَكْلُهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ، لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ،
[المبدع في شرح المقنع]
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنَهُ إِلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ إِلَى أَنْ يَنْهَضَ وَيَطِيرَ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ كَمَا لَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا أَعْرَجَ، ثُمَّ تَرَكَهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَفِيهِ مَا فِي صِغَارِ أَوْلَادِ الْمُتْلَفِ بَيْضُهُ، (وَلَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ) ابْتِدَاءً (بِغَيْرِ الْإِرْثِ) وِفَاقًا لِخَبَرِ الصَّعْبِ السَّابِقِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ، فَلَوْ قَبَضَهُ مُشْتَرٍ، ثُمَّ تَلِفَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَا شَيْءَ لِوَاهِبٍ، وَإِنْ قَبَضَهُ رِضًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ، ضَمِنَهُ لِمَالِكِهِ، وَلَا جَزَاءَ، وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ، وَقِيلَ: يُرْسِلُهُ لِئَلَّا يُثْبِتَ مُدَّةَ الْمُشَاهِدَةِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ مُتَّهِبُهُ، وَصَرِيحُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا فِعْلَ مِنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَيَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ، (وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ) أَيْضًا لِمَا قُلْنَاهُ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ فَيَمْلِكُهُ إِذَا حَلَّ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَمْلِكُهُ بِشِرَاءٍ، وَاتِّهَابٍ.
(وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي إِحْرَامِهِ فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ، فَمَاتَ بَعْدَ حِلِّهِ.
وَلَمْ يَتَكَرَّرِ الضَّمَانُ بِأَكْلِهِ إِذَا ذَبَحَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِقَتْلِهِ لَا لِأَكْلِهِ لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ، فَلَا يَتَكَرَّرُ كَإِتْلَافِهِ بِغَيْرِ أَكْلِهِ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، (وَكَانَ مَيْتَةً) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ يَلْزَمُهُ ضمانه فَلَمْ يَبُحْ بِذَبْحِهِ كَحَالَةِ الْإِحْرَامِ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَكَلُهُ) وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بَعْدَ حِلِّهِ فَأُبِيحَ لَهُ كَغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لَأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ ضمانه بِخِلَافِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، (وَإِنْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ) أَيْ: مِلْكِهِ (صَيْدٌ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ) كَمَا لَوْ كَانَ فِي رَحْلِهِ أَوْ خَيْمَتِهِ أَوْ قَفَصِهِ، وَيَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ؛ لَأَنَّ فِي عَدَمِ إِزَالَةِ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ إِمْسَاكًا لِلصَّيْدِ، فَلَمْ يَجُزْ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ الْيَمِينِ، وَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ فَرَدَّهُ مَنْ أَخَذَهُ، وَيَضْمَنُهُ مَنْ قَتَلَهُ، وَلَا يَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ (دُونَ الْحُكْمِيَّةِ) كَمَا
دُونَ الْحُكْمِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَتَلِفَ فَعَلَيْهِ ضمانه، وَإِنْ أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ.
وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلًا عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ
[المبدع في شرح المقنع]
لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي يَدِ نَائِبٍ لَهُ في غير مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إِمْسَاكُ الصَّيْدِ فَلَمْ يُلْزَمْ بِإِزَالَتِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُهُ، وَلَهُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ بِكُلِّ نَوْعٍ، وَمِنْ غَصَبَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: لَمْ يُزِلْ يَدَهُ الْمُشَاهَدَةُ (فَتَلِفَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَّةِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَمَالِ الْآدَمِيِّ، وَجَزَمَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُصُولِ " إِنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، (وَإِنْ أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِعْلُهُ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ خَاصَّةً كَالْمَغْصُوبِ، وَلِأَنَّ الْيَدَ قَدْ زَالَ حُكْمُهَا وَحُرْمَتُهَا، فَلَوْ أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ قَبْلَ إِرَاقَتِهِ، وَفِي " الْكَافِي " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " يُرْسِلُهُ بَعْدَ حِلِّهِ كَمَا لَوْ صَادَهُ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا مَلَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَأَدْخَلَهُ الْحَرَمَ لَزِمَهُ رَفْعُ يَدِهِ، وَإِرْسَالُهُ فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ كَصَيْدِ الْحِلِّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ، وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِ مَكَّةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِعْلَ هَذَا الْحُكْمِ الْخَفِيِّ مَعَ كَثْرَةِ، وُقُوعِهِ، وَالصَّحَابَةُ مُخْتَلِفُونَ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَكَذَا إِنْ أَمْسَكَ صَيْدَ حَرَمٍ، وَخَرَجَ بِهِ إِلَى الْحِلِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ، وَلَوْ تَلِفَ ضَمِنَهُ، كَالْمُحْرِمِ إِذَا أَمْسَكَهُ حَتَّى تَحَلَّلَ.
1 -
(وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلًا عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) لَمْ يَضْمَنْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَآدَمِيٍّ، وَكَجَمَلٍ صَائِلٍ مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ أَذِنَ فِي قَتْلِ الْفَوَاسِقِ لِدَفْعِ أَذًى مُتَوَهَّمٍ فَالْمُتَحَقَّقُ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ خَشِيَ مِنْهُ تَلَفًا أَوْ مَضَرَّةً أَوْ عَلَى بَعْضِ
بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَقِيلَ: يَضْمَنْهُ فِيهِمَا، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إِنْسِيٍّ، وَلَا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ إِلَّا الْقَمْلَ فِي رِوَايَةٍ، وَأَيُّ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ، وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى
[المبدع في شرح المقنع]
مَاله (أَوْ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ) أَوْ أَخَذَهُ لِيُخَلِّصَ مِنْ رِجْلِهِ خَيْطًا وَنَحْوِهِ (لِيُطْلِقَهُ) فَتَلِفَ قَبْلَ إِرْسَالِهِ (لَمْ يَضْمَنْهُ) عَلَى الْأَشْهَرِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ أُبِيحَ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْوَلِيِّ مُوَلِّيهِ، (وَقِيلَ: يَضْمَنْهُ فِيهِمَا) أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَقَتْلِهِ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ فِي الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِعُمُومِ الْآيَةِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ عُدِمَ فِيهِ الْقَصْدُ أَشْبَهَ قَتْلَ الْخَطَأِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَخَذَهُ لِيُدَاوِيَهِ، فَوَدِيعَةٌ، فَلَوْ تَأَكَّلَتْ يَدُهُ، فَلَهُ إِزَالَتُهَا، وَإِنْ أَزْمَنَهُ فَجَزَاؤُهُ، وَلِأَنَّهُ كَتَالِفٍ، وَكَجُرْحٍ تَيَقَّنَ بِهِ مَوْتَهُ، وَقِيلَ: مَا نَقَصَ (وَلَا تَأْثِيرَ لِلْمُحْرِمِ، وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إِنْسِيٍّ) أَيْ: أَهْلِيٍّ مُبَاحٍ إِجْمَاعًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَالْمُحَرَّمُ إِنَّمَا هُوَ الصَّيْدُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِذَبْحِ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: «أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ» (وَلَا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ) إِلَّا الْمُتَوَلِّدَ كَالْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ الَّتِي أَبَاحَ الشَّارِعُ قَتْلَهَا مُطْلَقًا، وَصَرَّحَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَتْلُ كُلُّ مُؤْذٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَطَيْرٍ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ أَبَاحَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ غُرَابُ الْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ، وَيَعْدُو عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا، فَإِنَّهُ مُثِّلَ بِالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ فَقَطْ لِلْخَبَرِ الْخَاصِّ فِيهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ غَيْرَهُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ وَيَدْخُلُ فِي الْإِبَاحَةِ الْبَازِي وَالصَّقْرُ وَالذُّبَابُ وَالْبَعُوضُ وَالْبَقُّ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، فَأَمَّا مَا لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ كَالرَّخَمِ، فَكَذَلِكَ، وَلِإِحْرَامِهِ وَيَجُوزُ قَتْلُهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي النَّمْلِ وَجْهَانِ نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الذَّرِّ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: يَقْتُلُ النَّمْلَةَ إِذَا عَضَّتْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهَا لُقْمَةٌ أَوْ تَمْرَةٌ إِذَا لَمْ تُؤْذِهِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيَتَخَرَّجُ فِي النَّحْلَةِ كَذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ فِي ضِفْدَعٍ، وَجَعَلَ فِيهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى حُكُومَةً، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَمَا أَنَّ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ مُبَاحٌ قَتْلُهُ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ (إِلَّا الْقَمْلَ) عَلَى الْمُحْرِمِ (فِي رِوَايَةٍ) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ فَحَرُمَ كَقَطْعِ الشَّعْرِ، (وَأَيُّ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ فِيهِ،
الْمُحْرِمِ، وَفِي إِبَاحَتِهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ.
وَيَضْمَنُ الْجَرَادَ بِقِيمَتِهِ، فَإِنِ انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ، فَقَتَلَهُ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ، فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَا ضَمَانَ فِي الْجَرَادِ.
[المبدع في شرح المقنع]
لِخَبَرِ كَعْبٍ، وَلِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ كَسَائِرِ الْمُحَرَّمِ الْمُؤْذِي.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَيُؤْذِي أَشْبَهُ الْبَرَاغِيثِ.
وَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يُبَاحُ فِي الْحَرَمِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ قَتْلُهُ، وَهُوَ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَفُّهِ فَأُبِيحَ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
تَكْمِلَةٌ: الصِّئْبَانُ كَالْقَمْلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْضُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِهِ، وَرَمْيِهِ لِحُصُولِ الرَّفَهِ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الرِّوَايَتَانِ فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ وَبَدَنِهِ، وَبَاطِنِ ثَوْبِهِ، وَيَجُوزُ فِي ظَاهِرِهِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُمَا فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْبَرَاغِيثَ كَالْقَمْلِ، وَلَهُ قَتْلُ الْقَرَادِ عَنْ بَعِيرِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كَسَائِرِ الْمُؤْذِي، (وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى الْمُحْرِمِ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] وَالْبَحْرُ الْمِلْحُ، وَالْعَذْبُ، وَالْأَنْهَارُ، وَالْعُيُونُ سَوَاءٌ، وَصَيْدُهُ مَا يَعِيشُ فِيهِ كَالسَّمَكِ فَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فِيهِمَا كَسُلَحْفَاةٍ، وَسَرَطَانٍ فَكَذَلِكَ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ فِيهِ الْجَزَاءَ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَهُ حُكْمُهُ، وَمَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ لَهُ حُكْمُهُ كَالْبَقَرِ أَهْلِيٌّ وَوَحْشِيٌّ، فَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ فَبَرِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُفْرِخُ، وَيَبِيضُ فِيهِ، (وَفِي إِبَاحَتِهِ فِي الْحَرَمِ) كَصَيْدِهِ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ (رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَمِيٌّ أَشَبَهَ صَيْدَ الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ لِلْمَكَانِ فَلَا فَرْقَ، وَالثَّانِيَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ ": يَحِلُّ لِإِطْلَاقِ حِلِّهِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُحَرِّمُهُ كَحَيَوَانٍ أَهْلِيٍ وَسَبُعٍ (وَيَضْمَنُ الْجَرَادَ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ طَيْرٌ فِي الْبَرِّ يُتْلِفُهُ الْمَاءُ كَالْعَصَافِيرِ (بِقِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتْلَفٌ غَيْرُ مِثْلِيٍّ، وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ عَنْ جَرَادَةٍ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (فَإِنِ انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ فَقَتَلَهُ) أَوْ أَتْلَفَ بَيْضَ طَيْرٍ (بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا: فِيهِ الْجَزَاءُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَتِهِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِهِ، وَالثَّانِي:
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ الصَّيْدِ، أَوِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ، فَلَهُ فِعْلُهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
فصل السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا.
[المبدع في شرح المقنع]
لَا؛ لِأَنَّهُ اضْطَرَّهُ إِلَى إِتْلَافِهِ كَصَائِلٍ، (وَعَنْهُ: لَا ضَمَانَ فِي الْجَرَادِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ لِأَنَّ كَعْبًا أَفْتَى بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا حَمَلَكَ أَنْ تُفْتِيَهُمْ بِهِ؛ قَالَ: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؛ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ هُوَ إِلَّا نَثْرَةُ حُوتٍ تُنْثَرُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ.
رَوَاهُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَقَالَ: الْحَدِيثَانِ وَهْمٌ.
(وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ الصَّيْدِ) أُبِيحَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] فَإِذَا ذَبَحَهُ كَانَ مَيْتَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: كَلُّ مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ قَتَلَهُ فَإِنَّمَا هُوَ قَتْلٌ قَتَلَهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ حِلُّهُ لِحِلِّ فِعْلِهِ (أَوِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ فَلَهُ فِعْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّ كَعْبًا لَمَّا احْتَاجَ إِلَى الْحَلْقِ أَبَاحَهُ الشَّارِعُ لَهُ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ أَكْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ.
[السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ]
فَصْلٌ (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ) فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ إِلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لَا يَصِحُّ مِنْهُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
كَانَ يَقُولُ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَفَعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يُزَوِّجَ مُحْرِمَةً أَوْ يَكُونَ وَكِيلًا أَوْ وَلِيًّا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَسَوَاءٌ تَعَمَّدَ أَوْ لَا، وَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِرِوَايَتِهِ أَنَّهُ - «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ: وَهُمَا مُحْرِمَانِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَ بِهِ الِاسْتِمْتَاعَ فَلَمْ يُحَرِّمْهُ الْإِحْرَامُ كَشِرَاءِ الْإِمَاءِ.
وَجَوَابُهُ: مَا رَوَى يَزِيدُ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَبَنَى بِهَا حَلَالًا، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ يَزِيدَ بن الأصم عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكَانَتْ خَالَتِي، وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ» . وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا، وَبَنَى بِهَا حَلَالًا، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: وَهَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَهِمَ، رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقِصَّةُ مَيْمُونَةَ مُخْتَلِفَةٌ، وَرِوَايَةُ الْحِلِّ أَكْثَرُ، وَفِيهَا صَاحِبُ الْقِصَّةِ، وَالسَّفِيرُ فِيهَا، وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا مَعَ مُوَافَقَتِهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ صِغَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَنْ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: وَهُوَ مُحْرِمٌ أَيْ: فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ كَقَوْلِهِمْ: قُتِلَ عُثْمَانُ مُحْرِمًا، أَوْ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَظَهَرَ تَزْوِيجُهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
ثُمَّ لَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَحَدِيثُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ فِعْلُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ يُخَالِفُ شِرَاءَ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِالْعِدَّةِ، وَالرِّدَّةِ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ، وَكَوْنِ الْمَنْكُوحَةِ أُخْتًا لَهُ مِنَ الرِّضَاعِ، وَالنِّكَاحُ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ غَالِبًا، بِخِلَافِ شِرَاءِ الْأَمَةِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[المبدع في شرح المقنع]
فَافْتَرَقَا، وَعَنْهُ: إِنْ زَوَّجَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِبَاحَةِ مَحْظُورٍ لِحَلَالٍ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ الْإِحْرَامُ كَحَلْقِهِ رَأْسَ حَلَالٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَفْسَخْهُ، [وَهُوَ] مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْعَقْدِ، فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا فِيهِ فَعَقَدَهُ بَعْدَ حِلِّهِ صَحَّ فِي الْأَشْهَرِ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ وَلَوْ وَكَّلَ، ثُمَّ أَحْرَمَ، لَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ عَقْدُهُ إِذَا حَلَّ، فَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ مِثْلَهُ فَعَقَدَهُ، فَأَحْرَمَ الْمُوَكَّلُ، وَاخْتَلَفَا، فَقَالَتْ: عَقَدَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ هُوَ: قَبْلَهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَكَذَا فِي عَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَ الْعَقْدِ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَيَصِحُّ مَعَ جَهْلِهِمَا وُقُوعَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهُ.
تَتِمَّةٌ: دَخَلَ فِي كَلَامِهِ مَا لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ التَّزْوِيجِ لِنَفْسِهِ، وَسَائِرِ أَقَارِبِهِ، وَهَلْ يُمْنَعُ أَنْ يُزَوِّجَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ لِحِلِّهِ حَالَ وِلَايَتِهِ، وَالِاسْتِدَامَةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَبْطُلُ بِفِسْقٍ طَرَأَ، وَفِي " التَّعْلِيقِ " لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَ وَيُزَوِّجَ خُلَفَاؤُهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِوِلَايَةِ الْحُكْمِ مَا لَا يَجُوزُ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ بِدَلِيلِ تَزْوِيجِ الْكَافِرَةِ، وَإِنْ أَحْرَمَ نَائِبُهُ فَكَهُوَ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
(وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ [إحداهما] " الْمَنْعُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ وَضْعٍ لِإِبَاحَةِ الْبُضْعِ، أَشْبَهَ النِّكَاحَ.
وَالثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهَا إِمْسَاكٌ، وَلِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَلَا إِحْلَالَ، وَلَوْ قُلْنَا بأنها محرمة لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ رَجَعَتْهَا، كَالتَّكْفِيرِ لِلْمَظَاهِرِ وَتَعَقَّبَهُ الْقَاضِي، (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ
فَصْلٌ الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا، وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِي
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَسَدَ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ كَشِرَاءِ الصَّيْدِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ، وَالْفَاسِدِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ الْخِطْبَةُ كَخِطْبَةِ الْعَقْدِ وَشُهُودِهِ، وَحَرَّمَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، كَتَحْرِيمِ دَوَاعِي الْجِمَاعِ، وَتُكْرَهُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، وَحَرَّمَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهَا الْقَاضِي، وَاحْتَجَّ بِنَقْلِ حَنْبَلٍ: لَا يَخْطُبُ.
قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ: " وَلَا تَشْهَدْ " فَلَا يَصِحُّ.
[الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ]
فَصْلٌ (الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْجِمَاعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] يَعْنِي الْجِمَاعَ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَفْسُدُ النُّسُكُ بِهِ، وَفِي " الْمُوَطَّأِ ": بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ: إِذَا كَانَ أَصْلِيًّا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْغُسْلِ، وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ: لَا يَفْسُدُ بِوَطْءِ بَهِيمَةٍ مِنْ عَدَمِ الْحَدِّ، أَشْبَهَ الْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ، وَأَطْلَقَ الْحُلْوَانِيُّ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَفْسُدُ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ (فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهُ) لِمَا قُلْنَا.
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مُطْلَقٌ، وَلِأَنَّهُ جِمَاعٌ صَادَفَ إِحْرَامًا تَامًّا كَقَبْلَ الْوُقُوفِ.
وَقَوْلُهُ «الْحَجُّ عَرَفَةُ» أَيْ: مُعْظَمُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْنِ الْفَوَاتِ أَمْنُ الْفَسَادِ، بِدَلِيلِ الْعُمْرَةِ، وَإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنَ الْجُمُعَةِ (عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ
فَاسِدِهِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلًا، وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَّحَابَةِ قَضَوْا بِفَسَادِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَوَجَبَ الْبَيَانُ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَاسْتَوَيَا كَالْفَوَاتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ رُكْنٍ فَأُفْسِدَ، وَالْوَطْءُ فِعْلٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالْجَاهِلُ بِالتَّحْرِيمِ، وَالْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي.
وَفِي " الْفُصُولِ " رِوَايَةٌ " لَا يُفْسِدُ " اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُطَاوِعَةَ كَالرَّجُلِ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ مِنْهُمَا، بِدَلِيلِ الْحَدِّ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وَطْءَ مِنْهَا، ذَكَرَ جَمَاعَةٌ كَالصَّوْمِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مُكْرَهَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالصَّوْمِ (وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُكْمُهُ كَإِحْرَامٍ صَحِيحٍ نَقَلَهُ الْجُمْهُورُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ أَمَرَ الْمُجَامِعَ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَعْنَى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْهُ كَالْفَوَاتِ، وَنَقَلَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَعْتَمِرُ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْحَجَّ عُمْرَةً، (وَ) يَلْزَمُهُمَا (الْقَضَاءُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمَا: أَتِمَّا حَجَّكُمَا ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى قَابِلَ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتَهَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا وَلَا يُؤَاكِلْ وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا وَأَهْدِيَا» وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ صَحِيحَةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَهَذَا مِنْهَا، وَرَوَى سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الَّذِي أَفْسَدَهَا أَنْ تَكُونَ فَرْضًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوِ النَّذْرِ أَوْ قَضَاءً، لَكِنْ إِذَا أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ يَقْضِي الْوَاجِبَ، لَا الْقَضَاءَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ النَّفْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَعَنْهُ: لَا قَضَاءَ فِيهِ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ هُوَ (عَلَى الْفَوْرِ) لِتَعَيُّنِهِ بِالدُّخُولِ فِيهِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلًا) أَيْ: يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَبْعَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْمِيقَاتِ أَوْ إِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمِيقَاتُ أَبْعَدَ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ إِحْرَامِهِ أَبْعَدَ لَزِمَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَإِلَّا لَزِمَهُمَا مِنَ الْمِيقَاتِ نصا، (وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ:
عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَعَلَى الزَّوْجِ، وَيَتَفَرَّقَانِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ إِلَى أَنْ يُحِلَّا.
وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَيَمْضِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ
[المبدع في شرح المقنع]
وَأَهْدِيَا هَدْيًا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِمَا، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَهْدِ نَاقَةً، وَلْتَهْدِ نَاقَةً.
وَلِأَنَّهَا بِمُطَاوَعَتِهَا أَفْسَدَتْ نُسُكَهَا فَكَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا كَالرَّجُلِ، (وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَعَلَى الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُفْسِدُ لِنُسُكِهَا فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا كَنَفَقَةِ نُسُكِهِ (وَيَتَفَرَّقَانِ) فِي الْقَضَاءِ (مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا سَلَفَ، وَعَنْهُ: مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَيَتَفَرَّقَانِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا (إِلَى أَنْ يُحِلَّا) ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ خَوْفُ الْمَحْظُورِ فَجَمِيعُ الْإِحْرَامِ سَوَاءٌ، وَمُرَادُهُ بِالتَّفْرِيقِ: أَنْ لَا يَرْكَبَ مَعَهَا فِي مَحْمَلٍ، وَلَا يَنْزِلُ مَعَهَا فِي فُسْطَاطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ يَكُونُ بِقُرْبِهَا يُرَاعِي حَالَهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمُهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَحْرَمُهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ غَيْرُهُ، (وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ عَلَى وَجْهَيْنِ) الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ إِذَا بَلَغَ الْمَوْضِعَ فَسَوَّقَ نَفْسَهُ فَوَاقَعَ الْمَحْذُورَ وَهَذَا وَهْمٌ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَمْ يَتَفَرَّقَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إِذَا أَفْسَدَاهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَبْلَغُ فِي مَنْعِ الدَّاعِي لِمَنْعِهِ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، وَالطِّيبِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ حُكْمًا لِلْمُجَامِعِ فَكَانَ، وَاجِبًا كَالْقَضَاءِ.
تَنْبِيهٌ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ كَالْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا، أَوْ مُجَاوِرًا بِهَا، أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنَ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتُهَا سَوَاءٌ أَحَرَمَ بِهَا مِنْهُ، أَوْ مِنَ الْحَرَمِ، وَإِنْ أَفَسَدَ الْمُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ، وَمَضَى فِيهَا فَأَتَمَّهَا قَالَ أَحْمَدُ: يَخْرُجُ مِنَ الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ، أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ؛ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ عُمْرَتِهِ.
(وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ) أَيْ: بَعْدَ زَمَنِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ) فِي
لِيَطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[المبدع في شرح المقنع]
قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ: يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ.
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ، فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ بَعْدَ أَوَّلِهِمَا لَا يُفْسِدُهَا، كَمَا بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَفْسُدُ كَالْأَوَّلِ إِنْ بَقِيَ إِحْرَامُهُ، وَفَسَدَ بِوَطْئِهِ، وَقَوْلِهِ فِي " التَّنْبِيهِ ": مَنْ وَطِئَ مِنَ الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَسَدَ حَجُّهُ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ، فَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ، وَلَمْ يَرْمِ، فَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهُ غَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ تَمَّتْ أَرْكَانُهُ كُلُّهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، لِوُجُودِهِ قَبْلَ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ، (وَيَمْضِي إِلَى التَّنْعِيمِ) وَهُوَ مِنَ الْحِلِّ بَيْنَ مَكَّةَ، وَسَرِفَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَسُمِّي بِهِ؛ لِأَنَّ جَبَلًا عَنْ يَمِينِهِ اسْمُهُ نُعَيْمٌ، وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ اسْمُهُ نَاعِمٌ، وَالْوَادِي نَعْمَانُ بِفَتْحِ النُّونِ (فَيُحْرِمَ لِيَطُوفَ) ؛ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ قَدْ فَسَدَ بِالْوَطْءِ فَلَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْحِلِّ؛ لِيَقَعَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ الْإِحْرَامُ مِنَ التَّنْعِيمِ شَرْطًا فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ، وَلَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ تَبِعَ الْخِرَقِيَّ، وَهُوَ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْحِلِّ إِلَى مَكَّةَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الطَّوَافِ إِذَا كَانَ قَدْ سَعَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعي طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَسَعَى وَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ إِنَّمَا وَجَبَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ مِنَ الْحَجِّ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الْخِرَقِيُّ فَقَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّهُ يَعْتَمِرُ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالُهَا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقةً فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَيُقَصِّرُ وَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ إِحْرَامٌ مُسْتَأْنَفٌ فَكَانَ فِيهِ طَوَافٌ، وَسَعْيٌ، وَتَقْصِيرٌ كَالْعُمْرَةِ تَجْرِي مَجْرَى الْحَجِّ، بِدَلِيلِ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَيْ: أَنَّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مُحْرِمٌ، وَذَكَرَهُ
فَصْلٌ التَّاسِعُ: الْمُبَاشِرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَأَنْزَلَ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ،
[المبدع في شرح المقنع]
الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا، لِبَقَاءِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُنَافِي وَجُودُهُ صِحَّةَ الْإِحْرَامِ، وَفِي " فُنُونِ " ابْنِ عَقِيلٍ: يَبْطُلُ إِحْرَامُهُ عَلَى احْتِمَالٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي مَسْأَلَةِ مَا يُبَاحُ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ يَنْفِي أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْإِحْرَامِ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَالْمَيْمُونِيُّ: مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ يَنْتَقِضُ إِحْرَامُهُ، وَيَعْتَمِرُ مِنَ التَّنْعِيمِ فَيَكُونُ إِحْرَامٌ مَكَانَ إِحْرَامٍ، فَهَذَا الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَسَادُ مَا بَقِيَ مِنْهُ لَا مَا مَضَى، إِذْ لَوْ فَسَدَ كُلُّهُ لَوَقَعَ الْوُقُوفُ في غير إِحْرَامٌ.
(وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ، أَوْ شَاةٌ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرِّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ شَاةً، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِعَدَمِ إِفْسَادِهِ لِلْحَجِّ، كَوَطْءٍ دُونَ الْفَرْجِ بِلَا إِنْزَالٍ، وَلِخِفَّةِ الْجَنَايَةُ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي الْحَجِّ فَأَوْجَبَهَا كَمَا قَبْلَ الرَّمْيِ.
فَرْعٌ: الْقَارِنُ كَالْمُفْرِدِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ لَا لِلْعُمْرَةِ، بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الْحَلْقِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ.
تَنْبِيهٌ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ وَطِئَ قبل الفراغ مِنَ الطَّوَافِ فَسَدَتْ، وَكَذَا قَبْلَ سَعْيِهَا، إِنْ قُلْنَا هُوَ رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " إِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ، خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي كَوْنِهِ رُكْنًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا تَفْسُدُ قَبْلَ الْحَلْقِ إِنْ لَمْ يَجِبْ، وَكَذَا إِنْ وَجَبَ، وَيُلْزِمُهُ دَمٌ، وَقَدَّمَ فِي " التَّرْغِيبِ " تَفْسُدُ، وَيَجِبُ بِإِفْسَادِهَا شَاةٌ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِنَقْصِهَا عَنِ الْحَجِّ، وَفِي " الْمُوجَزِ " لِلْحُلْوَانِيِّ الْأَشْبَهُ بَدَنَةٌ كَالْحَجِّ.
[التَّاسِعُ: الْمُبَاشِرَةُ]
فَصْلٌ (التَّاسِعُ: الْمُبَاشِرَةُ) أَيِ: الْوَطْءُ (فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ) وَكَذَا إِنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْوَطْءِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَكَانَ حَرَامًا (فَإِنْ
وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، لَمْ يَفْسُدْ.
فَصْلٌ
وَالْمَرْأَةُ إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ إِلَّا فِي
[المبدع في شرح المقنع]
فَعَلَ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ أُقْرِنَ بِهَا الْإِنْزَالُ فَأَوْجَبَتْهَا كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، وَعَنْهُ: شَاةٌ ذَكَرَهَا الْقَاضِي إِنْ لَمْ تَفْسُدْ وأطلقها الحلواني كَمَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَفِي الْقِيَاسَيْنِ نَظَرٌ.
(وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ ".
إِحْدَاهُمَا: يَفْسُدُ، نَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْوَطْءِ دُونَهُ (وَأَنْزَلَ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْإِنْزَالُ، فَأَفْسَدَهَا الْإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ كَالصَّوْمِ.
وَالثَّانِيَةُ لَا يَفْسُدُ صَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَمْ يَجِبْ بِنَوْعِهِ الْحَدُّ، فَلَمْ يُفْسِدْهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الصَّوْمَ يُفْسِدُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ، وَالْحَجُّ بِالْجِمَاعِ فَقَطْ، وَالرَّفَثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَمْ نَقُلْ بِجَمِيعِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْفُسُوقِ، وَالْجِدَالِ، وَعَنْهُ ثَالِثَةٌ: إِنْ أَمْنَى بِالْمُبَاشِرَةِ فَسَدَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ عَرِيَتْ عَنْ إِنْزَالٍ فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ كَاللَّمْسِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْحُلْوَانِيِّ أَنَّ لَنَا فِيهِ خِلَافًا، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِرَجُلٍ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ أَفْسَدْتَ حَجَّكَ، وَنَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنْزَالِ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ، فَأَمْنَى لَمْ يَفْسُدْ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَكَالْإِنْزَالِ بِالْفِكْرِ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ فِي الْمَنْصُوصِ، وَسَيَأْتِي.
1 -
فَصْلٌ (وَالْمَرْأَةُ إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا) فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَتُهُ بِبُرْقُعٍ أَوْ نِقَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِمَا