شرح أبيات سيبويهالنصب بإضمار فعل، أو نصبه بما فعله -

النصب بإضمار فعل، أو نصبه بما فعله -

عن هذه الطبعة
عَلَم
السيرافي، أبو محمد
الكتاب
شرح أبيات سيبويه
المؤلف
يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان أبو محمد السيرافي (المتوفى: 385هـ)
المحقق
الدكتور محمد علي الريح هاشمراجعه: طه عبد الرءوف سعد
الناشر
مكتبة الكليات الأزهرية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة - مصرعام النشر: 1394 هـ - 1974 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

المعنى

قال سيبويه في المنصوبات: قال العجاج: ينضو الهماليجَ وينضو الزُّفَّفَا ناجٍ طَواهُ الأيْنُ مما وَجَفَا طيَّ الليالي زُلقاً فزُلفا (سماوَةَ الهلالِ حتى احْقَوقَفَا) الشاهد في نصب (سماوة) بإضمار فعل، كأنه قال: جعل الأين الجمل مثل سماوة الهلال.
وصف جملا.
وقوله: ينضو الهكاليج، يريد إنه يسرع حتى يقدمها ويكون أمامها، والهماليج: التي تسير هماجة، وهو سير سريع مع وطاء

وترفيه للراكب.
والزفف: جمع زاف، وهو من زف يزف زفيفا إذا أسرع.
والناجي: الذي ينجو أي يسرع، والأين: الإعياء والتعب، ووجف: أسرع أيضا، والوجيف: ضرب من العدو فيه إسراع، والزلف جمع زلفة وهو أن يفعل الفعل شيئا بعد شيء.
يريد أن الليالي طوت القمر، أي أخذت من استدارته شيئا بعد شيء؛ تأخذ في كل ليلة جزءا، وسماوة الهلال: اعلاه، واحقوا قف: اعوج.
وكان ينبغي أن يقول: طي الليالي سماوة القمر، وعبر عنه بالحال التي يصير إليها إذا طوي.
ومثله: والسَّبُّ تَخْريقُ الأديمِ الألْخَنِ وإنما يلخن بالسب.
ومثله: والشَّوْقُ شاجٍ للعيون الحُذَّلِ وإنما تحذل من البكاء للشوق.
وذكر النحويون أن سيبويه ينصب (سماوة الهلال) بإضمار فعل وأنه أتى بالبيت شاهدا على هذا.
ورده عليه أبو عثمان، وأبو العباس، وأبو إسحاق، وليس يدل كلام سيبويه على إنه أراد أن (سماوة الهلال) ينتصب بإضمار فعل.
والذي يوجه ظاهر كلامه أن (طي الليالي) منصوب على المصدر وأنه لا ينتصب على الحال لأنه مضاف إلى الليالي وهي معرفة.
كأنه قال: ومثله - وهو يريد: ومثل تضميرك السابق - في إنه مصدر مصاف إلى معرفة ولا يكون حالا.
وإذا تأملت كلامه لم تجده يدل على أكثر من هذا.

قال سيبويه: وقد يكون على غير الحال أي: وقد يكون المصدر ينتصب على غير الحال: فمها لا يكون حالا ويكون على الفعل المضمر، قول رؤبة: لوَّحَ منه بعد بُدْنٍ وسَنَقْ من بعدِ تَعْداءِ الرّبيعِ في الأنَقْ (تلويحَك الضّامرَ يُطوى للسبَقْ) قودٌ ثَمانٍ مثل امراسِ الأبَقْ الشاهد فيه أن (تلويحك) مصدر مضاف إلى معرفة، لا يصلح أن يكون حالا.
ذكر رؤبة عير وحش، ولوح منه: غيره وهزله، بعد بدن: أي بعد سمن، والسنق: الإكثار من الأكل، من بعد تعداء الربيع: من بعد تعدائه، يريد تعداء الحمار في الربيع أي في وقت الربيع، في الانق: أي في مرعى يعجبه لكثرته وحسنه، تلويحك الضامر: أي مثل تلويحك الفرس الضامر؛ وتلويحه إضماره، يطوى: أي يضمر ليسابق به.
قود ثمان:

قود: جمع قوداء وهي الأتان الطويلة على الأرض، والامراس: الحبال والأبق: القنب.
و (قود) رفع لأنها فاعلة.
يريد أن اتنه لوحن منه أي غيرته؛ لغيرته عليهن واهتمامه بحفظهن وسوقهن إلى الماء وطلب المرعى لهن.
قال سيبويه: وقد يجوز أن تضمر فعلا آخر كما أضمرت بعد: له صوت.
يريد إنه قد يجوز أن ينصب (طي الليالي) بفعل آخر غير (طواه).
كأنه قال بعد: طواه الاين مما وجفا: طواه طي الليالي.
وقوله: كما أضمرت بعد (له صوت)؛ يريد أن (صوت حمار) بعد قولك (له صوت) منصوب بإضمار فعل، لأنه لا فعل قبله، فأمره في الإضمار واضح.
وجعل سيبويه المصادر التي قبلها أفعالها المأخوذة منها نحو: ضربت زيدا ضربا، بمنزلة المصادر التي لا أفعال قبلها في أنها يجوز أن تنصب بإضمار فعل غير الفعل المتقدم لها، فتقول: ضربت زيدا ضربك.
يجوز في (ضربك) النصب بالفعل الذي قبله، ويجوز نصبه بإضمار فعل مثل الفعل الذي قبله.
ثم قال: يدلك على ذاك أي على جواز إضمار فعل بعد الفعل الذي المصدر الملفوظ به مصدره: أنك إذا أظهرت فعلا، وجئت بمصدر لا يكون مصدرا لذلك الفعل؛ صار بمنزلة: له صوت في احتياجه إلى فعل يضمر له، لأنه ليس بمصدر الفعل المتقدم.
يقول: إذا جاز أن تأتي بمصدر ليس

بمصدر الفعل المتقدم، وتنصبه بإضمار فعل مثل الفعل المتقدم.
فإن قال لنا قائل: إنما احتجتم إلى إضمار فعل في المصدر المخالف لما قبله، لأنه ليس من لفظ الفعل المتقدم فينتصب به، وإذا كان قبل الفعل نقل هذا المصدر مصدره، لم يجز أن تضمر فعلا.
قيل له: إذا جاز أن تأتي بمصدر يخالف الفعل الذي قبله في اللفظ، ويقاربه في المعنى، وتنصبه بإضمار فعل يدل عليه الفعل المتقدم، وساغ هذا لأجل موافقة الفعل للمصدر من طريق المعنى؛ جاز أن تضمر فعلا للمصدر الموافق للفعل الذي قبله لأنه يدل على هذا المصدر من طريق اللفظ، ومن طريق المعنى، فما كان دلالته من وجهين أولى.
فإن قال: لسنا ننكر أن يكون الفعل الموافق للمصدر يدل عليه من طريق الفظ ومن طريق المعنى، ولكنا نقول: إنه لا يحتاج إلى إضمار فعل معه، لأنه يجوز أن يعمل في المصدر.
وفي المصدر المخالف نحن محتاجون إلى إضمار فعل ينتصب المصدر عنه، لأن الفعل الذي قبله ليس منه.
قيل ما: نحن لم نقل إنه واجب أن يضمر للمصدر الموافق فعلا، وإنما قلنا هو جائز: ينتصب بالأول، وأن يضمر له فعل، كما جاز أن يضمر للمخاف، ولا يكون أسوأ حالا من المصدر الذي قبله ما يخالف لفظه.
قال سيبويه وذلك قوله: وهو لأبي كبير.

(ما أن يَمسُّ الأرضَ إلا جانبٌ ... منه وحرفُ طِيّض المِحْمَلِ) الشاهد فيه أن (طي المحمل) ينتصب بإضمار فعل، كأنه قال: طوي طيا مثل طي المحمل.
ولا ينتصب (طي المحمل) بـ (يمس).
والمحمل: أراد به حمالة السيف.
وصف صاحبا كان هو في سفر، ويقال أن ذلك الصاحب هو تأبط شرا، وصفه بالتفاف الجسم والضمر، لاشتغاله عن الأكل بالغزو والأسفار.
يقول: إذا نام على جنبه لم يمس الأرض إلا منكبه وجانب ساقه.
وجعله مثل حمالة السيف في ضمره ودقته.

جارٍ التحميل