الفصل بين المتضايفين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السيرافي، أبو محمد
- الكتاب
- شرح أبيات سيبويه
- المؤلف
- يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان أبو محمد السيرافي (المتوفى: 385هـ)
- المحقق
- الدكتور محمد علي الريح هاشمراجعه: طه عبد الرءوف سعد
- الناشر
- مكتبة الكليات الأزهرية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة - مصرعام النشر: 1394 هـ - 1974 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال سيبويه: ومما جاء مفصولا به بينه وبين المجرور قول الأعشى: ولا نقاتلُ بالعِصِي ... ولا نرامي بالحِجارهْ إلا عُلالَةَ أو بُدا ... هَةَ قارحٍ نَهْدِ الجُزارَهْ هذا إنشاد الكتاب، والبيتان في شعره متفرقان، والترتيب على ما وجدته: وهناكَ يكذِبُ ظَنكُمْ ... أن لا اجتماعَ ولا زِيارَهْ ولا بَراَءةَ للبري ... ءِ ولا عطاَء ولا خُفارَهْ (ألا بُداهَةَ أَو عُلا ... لةَ قارحِ نَهْدِ الجُزارَهْ) ثم مضى الأعشى في قوله إلى أن قال: ولا نُقاتلُ بالعِصِي ... ولا نُرامي بالحجارَهْ ولا تكونُ مَطِينا ... عند المباهاةِ البِكارهْ يخاطب شيبان بن شهاب يقول: إذا غزوناكم علمتم أن ظنكم بأننا
لا نغزوكم كذب، وأنا لا نجتمع ولا نزوركم بالخيل والسلاح غازين لكم.
ولا براءة للبريء، يقول: من كان بريئا منكم لم تنفعه براءته، لأن الحرب إذا عظمت وتفاهمت لحق
شرها البريء؛ كما يلحق غيره.
وأراد أننا ننال جماعتكم بما تكرهون، ولا تقبل منكم عطاء ولا خفارة تفتدون بها منا حتى نترك قتالكم.
وأراد لا قبول عطاء لكم ولا خفارة، (إلا بداهة) استثناء منقطع.
يقول: نحن لا نقبل منكم عطاء ولا خفارة، لكن نزوركم بالخيل.
والبداهة: أول جري الفرس، والعلالة: جري بعد جريه الأول.
والقارح من الخيل: الذي قد بلغ أقصى أسنانه.
ويروى: سابح.
والسابح: الذي يدحو بيديه في العدو، والجزارة من الفرس: رأسه وقوائمه، والنهد: العظيم، ولم يرد أن على قوائمه لحما كثيرا؛ وإنما يريد أن عظامه غليظة.
والمطي: جمع مطية وهي الراحلة التي يركب مطاها: وهو ظهرها، والمباهاة: المفاخرة والمعاظمة.
يريد أنهم يركبون من الإبل إلا البزل والجلة، وكانوا يعيرون من ركب بكرا.
وقوله: لا نقاتل بالعصي، يريد أنهم ليسوا برعاء ولا من السفلة الذين لا سلاح معهم، فإذا تقابلوا تراموا بالحجارة وتضاربوا بالعصي.
ويروى:
ولا نُلاطِمُ بالأكف
والشاهد في البيت الثاني، على إنه فصل بين المضاف والمضاف اليه، وكذا مذهب سيبويه، وعنده أن (علاله) مضاف إلى (القارح) و (بداهة) مضاف إلى شيء محذوف.
كأنه قال: إلا علالة قارح أو بداهته.
ومذهب أبي العباس: أن (علالة) مضاف إلى شيء محذوف.
و (بداهة) مضاف إلى (قارح).
فعلى ما ذهب إليه أبو العباس لا يكون في البيت فصل
بين المضاف والمضاف إليه، وإنما يكون حذف المضاف إليه من الاسم الأول وهو يراد، كأنه قال: إلا علالة قارح أو بداهة قارح، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
ولقائل أن يقول: أن قول سيبويه جار على ما يوجبه نظم الكلام، وذلك أن الاسم
إذا احتيج إلى تكرير ذكره ذكر بلفظه الظاهر في أول الكلام، ثم أعيد بلفظ الضمير إلى أن تتم الجملة.
كقولك: هذا أخو زيد وصديقه وجاره، ولا تقول: هذا أخو زيد وصديق زيد وجار زيد.
فنحن إذا قدرنا مضافا إلى الظاهر، وقدرنا الثاني مضافا إلى ضمير الاسم المتقدم؛ فقد أتينا بالشيء على أصله.
قال: فإن قال قائل: مذهب أبي العباس أولى؛ لأن البيت على مذهب سيبويه فيه قبح من وجهين:
أحدهما إنه فصل بين المضاف والمضاف إليه في الاسم الأول، وحذف المضاف إليه في الثاني.
قيل له: قول أبي العباس فيه قبح من جهة إنه حذف المضاف إليه من الاسم الأول والاسم الثاني على ما توجبه العربية.
قيل له: أن المضاف إليه قد يحذف في الكلام ولا يكون حذفه ضرورة، نحو: يا رب اغفر لي، ويا غلام أقبل، يريد غلامي.
قال الله عز وجل: طلله الأمر من قبل ومن بعد يريد به من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء.
فحذف المضاف إليه.
فإن قال: هذا لا يشبه ما ذكرت؛ لأن المضاف إليه إذا حذف جرى المضاف في اللفظ مجرى الاسم الذي ليس بمضاف، وتغير عن اللفظ الذي كان عليه في حال الإضافة.
وقوله (أو بداهة) قد بقي مفتوحا على ما كان عليه في حال الاضافة، غير منون.
وهذا لا يكون إلا في الضرورة.
قيل له: إنه ولي (بداهة) اللفظ بـ (قارح) لم يغيروه، لأنه قد وليه ما كان يجوز أن يضاف اليه، فجعلوا اللفظ على لفظ إضافة البداهة إلى القارح.
والتقدير على خلاف ذلك.