مقدمة المؤسسة لكتاب موطأ الإمام مالك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- الموطأ
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- المحقق
- محمد مصطفى الأعظمي
- الناشر
- مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية - أبو ظبي - الإمارات
- الطبعة
- الأولى، 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 8 (منهم مجلد للمقدمة، و 3 للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي وملحق التراجم ضمن خدمة الرجال] __________نظام الترقيم: 1 - الرقم الأول هو رقم مسلسل، لكل فقرة في الكتاب سواء أكانت هذه الفقرة حديثا أم أثرا أم حتى عنوان كتاب أو باب، وهذا هو الرقم الذي تجده في خانة الرقم بنسخة الشاملة 2 - بعد العلامة (/) يظهر رقم الحديث النبوي المتسلسلمثال: 689/ 220، يعني رقم الفقرة 689، ورقم الحديث 2203 - رقم ط فؤاد عبد الباقي تجده بالهامش: الأحاديث يشار في الهامش لرقمها في ط عبد الباقي، وأقاويل مالك يشار لرقم الحديث في ط عبد الباقي الذي جاء بعده هذا القول، ويميز بحرف أب جـ .. .مثال: تجد بالهامش (القرآن: 5)، معناه أن الحديث في ط عبد الباقي في كتاب القرآن، حديث رقم 5وتجد بالهامش (القرآن: 16أ)، معناه أن هذا القول لمالك تجده في ط عبد الباقي في كتاب القرآن بعد حديث رقم 16
البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، هذا هو مالك بن أنس رضي الله عنه وأرضاه.
فهو إمام، وناقد، ورأس المتقنين، وكبير المثبتين، وهو النجم في سماء العلم، بالرغم من هذا العلم له قدسيته ومكانته وجلالته، فإذن مالك صاحب كل هذه الأوسمة الرفيعة الحقيقية يناقش على كل صغيرة وكبيرة، فإذا قال مالك في درسه أو سجل في كتابه: عمر بن عثمان، واسمه الصحيح عمرو بن عثمان فهذا الوهم يسجل عليه على ملإ من الناس، ويكتب ويسجل لأبد الدهر.
وقد أورد الإمام مسلم عدة أحاديث منتقداً الإمام مالكاً رحمه الله.
ويمكن للرجل أن يقول إن هذه النقاط يسيرة ما كان مستحسناً أن يسجل على الإمام ولكنه حق العلم، ما كان يسع النقاد أن يسكتوا ولو على شيء يسير.
ملاحظات العلماء على مالك
1 - قال الإمام مسلم: «ذكر حديث منقول على خطأ في الإسناد والمتن.
حدثنا مسلم، حدثنا إسحاق، أخبرنا عبد الرازق، قال سمعت مالكاً يقول: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل العراق قرناً.
فقلت: من حدثك هذا يا أبا عبد الله؟
قال: أخبرنيه نافع، عن ابن عمر.
فحدثت به معمر، فقال: قد رأيت أيوب دار مرة إلى قرن فأحرم منها.
قال عبد الرازق: وأخبرني بعض أهل المدينة أن مالكاً بأخرة محاه من كتابه.
ثم قال مسلم: ذكر حديث آخر وهم مالك في إسناده:
حدثنا مسلم، حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عباد بن زيد، - وهو من ولد مغيرة بن شعبة - عن المغيرة أنه ذهب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته وساقه.
2 - قال مسلم: فالوهم من مالك في قوله: عباد بن زياد من ولد المغيرة، وإنما هو عباد بن زيد بن أبي سفيان، كما فسره أبو أويس في روايته.
3 - قال مسلم: «ذكر حديث وهم مالك بن أنس في إسناده:
حدثنا مسلم، حدثنا قتيبة، حدثنا مالك، عن هشام عن أبيه، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر بن الخطاب .. ».
قال مسلم: «خالف أصحاب هشام هلم جراً مالكاً في هذا الإسناد في هذا الحديث».
والوهم من مالك في قوله: هشام عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر، وصوابه بدون أبيه.
كما رواه عدة أصحاب هشام، وهم كلهم قد أجمعوا في هذا الإسناد على خلاف مالك.
4 - وقال الشافعي: صحف مالك في عمر بن عثمان، وإنما هو عمرو بن عثمان.
5 - وقال الشافعي وصحف مالك في «عبد الله بن قرير، وإنما هو عبد العزيز بن قرير».
6 - قال مالك: «عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق عن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أنه أخبره .. فذكره».
قال ابن وضاح قول مالك «وهو من بني عبد الدار» خطأ، طرحه ابن وضاح.
وأكتفي هنا بهذا القدر، لأنه يوضح لنا نقد المحدثين للإمام مالك حتى في أبسط حرف هل هو عمرو بن عثمان أو عمر بن عثمان؟ ويبين لنا بكل وضوح أن النقاد من المحدثين لم يتساهلوا مع أي شخص مهما كانت منزلته.
وعلى هذا علينا أن ندرس قضية إسماعيل بن أبي أويس في هذا السياق، لنقدر صرامة المحدثين، ودقة تعاملهم مع الرواة.
أقوال النقاد في إسماعيل بن أبي أويس
قال الذهبي: «مكثر فيه لين».
وقال الذهبي في موضع آخر: «الإمام الحافظ الصدوق».
وقال أيضاً: «وكان معلم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه على النقص في حفظه وإتقاته، ولولا أن الشيخين احتجا به، لزحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي».
قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: «لا بأس به.
ونقل أحمد بن زهير، عن ابن معين: صدوق، ضعيف العقل، ليس بذاك.
علق عليه الذهبي: يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو أنه يقرأ من غير كتابه» وفي تهذيب التهذيب أو يقرأ من غير كتابه.
قال ابن أبي حاتم الرازي: «سمعت أبي يقول: إسماعيل بن أبي أويس محله الصدق، وكان مغفلاً.
وذكر عثمان الدارمي عن ابن معين لا بأس به.
قال الدارقطني: «لا أختاره في الصحيح».
ونقل الخليلي في الإرشاد: أن أبا حاتم قال: كان ثبتاً في حاله.
وقال عبد الغني في الكمال: «إن أبا حاتم قال: كان من الثقات».
وقال إبراهيم بن جنيد عن يحيى: «مخلط، يكذب، ليس بشيء».
وقال النسائي: ضعيف.
وقال النسائي في موضع آخر: «غير ثقة».
وقال النسائي: «محرف».
وقال النضر بن سلمة المروزي: «ابن أبي أويس كذاب، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب».
ونقل العقيلي في الضعفاء عن ابن معين: «ابن أبي أويس يسوى فلسين».
ونقل العقيلي في الضعفاء عن ابن معين «ابن أبي أويس لا يسوى فلسين».
وذكر أحمد بن يحيى عن يحيى بن معين: «ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث».
مناقشة موراني في ادعائه
وقبل أن أناقش الأستاذ موراني أود أن أُذكِّر بما كتبته قبل قليل عن محاسبة المحدثين لإمام الأئمة مالك بن أنس نفسه، حيث لم يغفر له، لأنه كان قد أخطأ في عمرو بن عثمان، فقال: عمر بن عثمان.
في بيئة يصل تقديس العلم وحرية البحث، والتنقيب عن الصواب إلى هذه المنزلة الرفيعة، يكون من المستحيل أن يضع إسماعيل بن أبي أويس أحاديث موضوعة أو حديثاً واحداً موضوعاً لحل الاختلافات الفقهية ولا يجد الباحث دليلاً مادياً ملموساً واحداً على ذلك.
وكنت أتمنى من الأستاذ موراني، وهو ينتمي إلى المدارس الغربية المولعة بالتحليل، وضرب النصوص الصحيحة الواضحة عرض الحائط - وسأقدم دليلاً
على هذا في ردي على كتابات نورمان كلدر - كنت آمل أن يحلل النص، ليعرف هل هناك احتمال خطأ في نسبة هذا القول إلى إسماعيل بن أبي أويس؟
متى ولد إسماعيل بن أبي أويس
المصادر لا تذكر إلا تاريخ وفاته.
وقد مات والد إسماعيل، وهو أبو أويس عبد الله بن عبد الله المدني سنة سبع وستين ومائة وقد روى عنه ابنه، إذن في ضوء تاريخ وفاته.
يكون التاريخ التقريبي لولادة إسماعيل في حدود 145 - 150هـ، وبهذا يكون عمره عند وفاته ما يقارب ثمانين سنة.
إذن فهذا التاريخ التقريبي لولادته مقبول جداً.
وإسماعيل بن أبي أويس لم يكن من النوابغ مثل مالك بحيث يكون عنده حلقة في أيام مراهقته، بل كان عليه أن يتعلم أولاً، ثم يكسب المكانة في المجتمع المدني العلمي ثانياً، حيث يصغى لما يروي ويحدث، إذن ليصل إلى هذه المنزلة الرفيعة لا بد أن يكون في حدود الأربعين من عمره، فإن كان الأمر كذلك فهذا سيكون بعد وفاة مالك بن أنس رضي الله عنه.
كان في ذلك الوقت بالمدينة من كبار أتباع التابعين، فمن كان يصغي لإسماعيل بن أبي أويس إذا جاء بشيء لحل المشاكل فيما بينهم، وكأنهم ما كانوا يستطيعون كشف هذا التلاعب.
مما لا شك فيه أنه كانت تربطه صلات عائلية مع الإمام مالك، ولكنه إذا انفرد بشيء فماذا سيكون موقف المحدثين والنقاد منه؟.
فلو نظرنا إلى ابن وضاح الراوي عن يحيى بن يحيى الليثي للموطأ وآخرين، نجد أنهم يقارنون بين مختلف الروايات - ويكون ذلك واضحاً لمن يلقي النظرة بهامش هذه الطبعة من الموطأ، فإن كانت هناك زيادة أو تصحيف أو
تحريف، فلن تفوت الباحثين.
وكذلك فيما سجله الجوهري في مسند مالك دليل على مقارنة المحدثين لمختلف الروايات وتسجيل الفروقات بينها.
إضافة إلى أن المبدأ المشهور عند المحدثين والمنقول عن الإمام مالك نفسه أن من يكذب في كلامه ولو أنه كان لا يكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فلا تقبل روايته.
وهذا معروف لطلبة العلم قديماً وحديثاً.
قال مالك: « ... ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وسئل ابن حنبل: «عن محدث كذب في حديث واحد، ثم تاب ورجع، قال: توبته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يكتب حديثه أبداً».
وقال رافع بن أشرس: «كان يقال: إن من عقوبة الكذاب أن لا يقبل صدقه».
وقال سفيان الثوري: «من كذب في الحديث افتضح.
قال أبو نعيم وأنا أقول: من همّ أن يكذب افتضح».
فإذا افترضنا أن إسماعيل وضع أحاديث لعلها كانت في شبابه كما تأوّل له ابن حجر، فكيف يأتي إسماعيل بن أبي أويس نفسه ويكشف سره ويفضح نفسه بنفسه، فإذا اعترف أنه كان يضع الحديث فتصبح كل مروياته هدراً.
وهذا لا يعمله حتى الرجل الخبيث، بل من يعترف بهذا يكون مجنوناً.
في ضوء هذه الملاحظات يصعب على المرء أن يقبل ما ذكره سلمة بن شبيب في شأن إسماعيل، فأجزم أنه قد وقع خطأ ما، لأن الأمر غير طبيعي.
أما إعراض النسائي رحمه الله عنه، فعندما سمع شيئاً أراد أن يحتاط لنفسه، فترك الرواية عنه.
وقد روى عنه بقية الأئمة مباشرة أو بواسطة، وهؤلاء الجماعة ليسوا أقل تيقظاً من النسائي رحمهم الله جميعاً.
وعلى هذا أرى أن نسبة هذا القول إلى إسماعيل بن أبي أويس بأنه اعترف بوضع الحديث كلام غير مقبول.
2 - القول بأن المحدثين خففوا من وقع هذه التهمة، وذكروه في عبارة قصيرة مبهمة، بناء على ما ذكره ابن حجر في هدي الساري فهو كلام غير صحيح، لأن ابن حجر نفسه في كتابه تهذيب التهذيب يكتب مفصلاً في هذا الموضوع،
بل ينقل نصوصاً أخرى زيادة على ما جاء في محادثة النسائي.
فمثلاً يقول: قال الدولابي في الضعفاء: سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: ابن أبي أويس كذاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب.
وقال أبو الفتح الأزدي حدثني سيف بن محمد: ابن أبي أويس كان يضع الحديث ثم ذكر حكاية سلمة بن شبيب بالتفصيل.
إذن اتهام المحدثين بأنهم حاولوا الإخفاء والتستر في ظل عبارة قصيرة مبهمة كلام يخالفه الواقع.
أما المزي رحمه الله فلم يذكر في ترجمته في تهذيب الكمال هذه الواقعة، ومن المعلوم لطلبة العلم أن المزي لم يكن مالكياً حتى يتهم بالتستر، وقد أشار إلى الاتهام، ولم يذكره بالتفصيل، وربما لعدم صحته عنده.
وقد ذكر الذهبي قصة النسائي بالتفصيل، وبالرغم من ذلك لم يلتفت إليها، وأصدر حكمه قائلاً: وكان عالم أهل المدينة، ومحدثهم في زمانه، على النقص في حفظه، وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجا به لزحزح حديثه من درجة الصحيح إلى درجة الحسن هذا الذي عندي.
والذهبي ليس مالكياً، وبالرغم من ذلك لا يقبل الاتهام الموجه إلى ابن أبي أويس في قول سلمة بن شبيب.
3 - وهناك فرق بين الحديث الموضوع والغريب والفرد، ليس هذا محل البحث في هذه القضية.
ومن يكتب ويتهم المحدثين، عليه أن يفهم منهجهم، ودقة أسلوبهم ولغتهم، ومصطلحاتهم ثم يناقش.
4 - ليس اسم إسماعيل بن أبي أويس دائماً في قائمة الضعفاء، فالذين عدّلوه عملياً الإمام البخاري، والإمام مسلم عندما أخرجا أحاديثه في صحيحيهما.
وقد أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل.
وأثنى عليه ابن معين.
وأثنى عليه أبو حاتم الرازي.
وقد مرت نقول عن هؤلاء من قبل.
وأثنى عليه الدارقطني، لأن قوله: «لا أختاره في الصحيح» ليس نقداً لابن أبي أويس بقدر ما هو كلام موجه إلى الإمام البخاري رحمه الله.
وقد اعتمد الإمام البخاري على أصول ابن أبي أويس، والرجل نفسه لم يكن إلا واسطة لاتصال الإسناد، وإلا فالكتاب لمن هو قبله.
ومما لا شك فيه هؤلاء ليسوا من المالكية، ولا يدافعون عن وجهة نظرهم، ولكنهم يتصرفون حسبما
تملي عليهم ضمائرهم في ضوء المقاييس العلمية المعتبرة عند العلماء والباحثين.
بقيت هناك مسألة واحدة في حاجة إلى الإجابة، وهو قوله: «وهناك راو آخر أسهم في نقل المذاهب الفقهية لأهل المدينة التي تعتمد في بعضها على إملاء مالك (المتوفى 226 - 27 - 840 - 41) ألا وهو أيضاً كتلاميذ مالك السابق ذكرهم يعتبر بمثابة مرجع مباشر لابن حبيب في الواضحة».
من الضروري تحليل محتويات الواضحة وفصل المواد حسب المصادر لمعرفة المواد التي دخلت في الواضحة من طريق إسماعيل.
هل هي أحاديث وآثار فقط، أو آراء فقهية لمالك وحدها، أو مجموع الاثنين.
بعد تحليل مواد الواضحة وإرجاعها إلى المصادر الأولية يتبين ما هو الدور الذي لعبه ابن أبي أويس في تكوين الواضحة، ثم المواد التي دخلت في الواضحة عن طريق ابن أبي أويس هل لها شواهد ومتابعات، أو انفرد بها إسماعيل؟
وإن كان انفرد بها إسماعيل فهل هذه المواد تنسجم مع الأصول المالكية أو شاذة تتجه إلى طريق جديد.
وهذا الشكل الأخير هو الذي يتطلب التوقف في قبول مرويات ابن أبي أويس التي انفرد بها، وقد يقوي كلام سلمة بن شبيب، قبل أن يصل الباحث إلى نتيجة يؤيدها الواقع، وإن طرح الشكوك وزرع الارتياب بمجرد التخمين ليس من البحث العلمي في شيء.
بل يدل على الحالة النفسية للباحث.
وسأذكر بعض الأمثلة للتوضيح.
يذكر الأستاذ موراني أنه «دارت المناقشات الفقهية في حلقات الفقهاء في القيروان حول مسألتين: المسألة الأولى:
الحكم الشرعي الذي يحتج بوجهة نظر خاصة «رأي» أو الذي من الممكن أن نصفه بمصطلح «فقه».
أو الأحكام الشرعية التي مصدرها الأسوة عن أفعال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وهو ما وصف بأنه «أثر» أن لقمان بن يوسف (المتوفى 319هـ) وهو تلميذ ابن بسطام الذي مال إلى القول بالرأي في الفقه مثل ابن عبدوس أكثر مما مال إليه معارضه ابن سحنون، يروي لنا رواية صادقة في هذا الشأن، ويقول: إن ابن عبدوس يعتبر أن فهم مسألة فقهية هامة يعد ذا مرتبة أعلى من معرفة أسماء أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم مثل أبي سعيد الخدري أو أبي هريرة، حينما قال: افهم هذه المسألة، فإنها أنفع لك من معرفة اسم أبي هريرة، وفي رواية عن حمّاس: هذا أحب إليّ من معرفة اسم أبي سعيد الخدري».
لقد استنتج موراني من قول ابن عبدوس بأنه كان يذهب في الفقه إلى الأخذ بالرأي مع ترك الأثر ومخالفته حتى ولو كان الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.
فالأخذ بالرأي الشخصي مخالفة بذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون توجيه أو تأويل لا يقول به المسلم العادي فضلاً عن الفقهاء، وهذا من البدهيات عند المسلمين.
وهذا النوع من الاختلاف قد وقع في عهد الصحابة نفسه.
وعلى سبيل المثال رضاعة الكبير.
عندما جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت مشكلة سالم مولى أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله: كنا نرى سالماً ولداً،
وكان يدخل عليّ وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرضعيه خمس رضاعات فيحرم بلبنها: وكانت تراه ابناً من الرضاعة.
فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحببن أن يدخل عليهن من الرجال.
وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس.
وقلن: لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلَّا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في رضاعة سالم وحده، لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد.
فعلى هذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في رضاعة الكبير».
هنا عندما تترك سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم العمل على هذا الحديث لم يقل واحد منهن: هذا رأيها، وأنها تخالف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان فهمهن أن هذه القضية خاصة كانت لسهلة بنت سهيل فقط، وليس حكماً عاماً لكافة المسلمين، بينما رأت أم المؤمنين عائشة أنها قاعدة عامة، وليست خاصة.
إذن في تطبيق الأحاديث النبوية والأوامر المصطفوية يختلف العلماء، وكل يجتهد أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم بأفضل طريق يمكن اتباعه، وقد يكون مسلم عادي يخالف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يخالف ما جاء في كتاب الله، ولكنه عندما يخالف يعترف بضعفه، وانسياقه وراء الشهوات، ويطمع في رحمة ربه، ويسأله العفو والغفران.
أما أن يأتي رجل أو عالم من العلماء الكبار ثم يزعم بأنه يخالف ما جاء في القرآن الكريم أو في السنة النبوية مخالفة صريحة مرجحاً رأيه فهذا هو الخذلان الأكبر، المخرج من ملة الإسلام، ولا يقول به مسلم عادي فضلاً عن الفقهاء.
ولا يمكن فهم هذا بمجرد معرفة اللغة العربية لأنه بعيد عن روح المجتمع الإسلامي، وجاهل بأحاسيسه.
لكنه يا ترى هل استدلال موراني بكلام ابن عبدوس: «أن فهم مسألة فقهية هامة يعد ذا مرتبة أعلى من معرفة أسماء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» ويدل على ترجيح الرأي على الأثر بالأحرى على الأحاديث النبوية؟.
مما لا شك فيه أن الأستاذ موراني قرأ ترتيب المدارك بكامله بالإمعان، ولا أدري لم غفل عن النص الآتي؟!
قال حمّاس: «كان ابن عبدوس يلقي علينا المسائل، فإذا أشكلت شَرَحها، فلا يزال يفسرها حتى نفقهها، فيسر بذلك، وإن لم يرنا فهمناها غمه.
قال لقمان: بلغ ابن عبدوس أن محمد بن سحنون قال يوماً، يتكلمون في الفقه، ولعل أحدهم لو سئل عن اسم أبي هريرة ما عرفه، فكان ابن عبدوس ربما قال للرجل من أصحابه: افهم هذه المسألة فإنها أنفع لك من معرفة اسم أبي هريرة.
وفي رواية عن حماس، هذا أحب إليّ من معرفة اسم أبي سعيد الخدري، تعريضاً بابن سحنون لعلمه بالرجال».
فالنص واضح وصريح.
ويوضح أن فيه تعريضاً بمحمد بن سحنون الذي كان قد هاجمه من قبل لتدريسه الفقه.
فالاستدلال من هذه الحادثة على معارضة ابن عبدوس الأثر، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هو نتيجة تفكير خصب سقيم للوصول إلى نتيجة مطلوبة.
وحتى لو لم يكن هناك تعريض بابن سحنون، فكلام ابن عبدوس في محله، لأن هناك عشرات الأقوال في اسم أبي هريرة، والأمة الإسلامية من عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى الآن تذكره باسم أبي هريرة، وما دام الناس اختلفوا في اسمه اختلافاً كبيراً فيتعذر الوصول إلى الحقيقة، ومنزلة أبي هريرة عند المسلمين هو في ذاته، وأنه من كبار الصحابة في مجال العلم، وراوٍ لأكبر عدد من الأحاديث النبوية، فأياً كان اسمه لا يؤثر في مروياته بشيء.
لذلك فإن معرفة اسمه أو عدم معرفته سيان.
المسألة الثانية:
ذكر موراني نقلاً عن أبي العرب أن ابن سحنون كان عالماً بالآثار، ثم وضح موراني كلام أبي العرب قائلاً: «أي أنه عارف بمرويات الصحابة، وقد أثنى عليه أيضاً بفضل ما نسب إليه من علم الرجال.
أما المناظرة حول الفقه والأثر التي دارت على الملأ في جامع القيروان الكبير لم تكن إلا نقاشاً من حيث مبادئ فقهية.
لأن الفقرات الفقهية التي يرويها ابن أبي زيد بتوسع في مؤلفه عن ابن سحنون ليست إلا تعاليم متركزةً على الرأي مهملاً في ذلك الحديث كمصدر أساسي في التشريع».
يمكننا أن نستخرج من هذا النص النقاط التالية للمناقشة:
1 - ابن سحنون كان عالماً بالآثار يعني بمرويات الصحابة، وكانت لديه معرفة بعلم الرجال.
2 - المناقشة أو بالأحرى المناظرة التي جرت بين الأخذ بالأثر أو الأخذ بالرأي، فقد مال ابن سحنون إلى الأخذ بالرأي.
3 - ومفهوم الأخذ بالرأي هو إنكار الأحاديث النبوية كمصدر أساسي للتشريع عند محمد بن سحنون، مستدلاً بفتاواه الفقهية أو بالفقرات الفقهية المنقولة عنه في كتاب ابن أبي زيد.
إذا كان محمد بن سحنون عالماً وحافظاً للآثار، وقد كان يتعرض لابن عبدوس على عدم معرفته بالآثار فيستغرب أن يكون هو الآخر يهمل الحديث كمصدر أساسي
للتشريع.
ولا يمكن لمسلم سواء أكان من أصحاب الرأي أم الأثر إنكار حجية السنة النبوية، لأن إنكار حجيتها مخرج من الإسلام.
والسبب في سوء الفهم عند الغربيين هو عدم فهمهم مغزى مصطلح «الرأي».
والرأي عند الفقهاء والأصوليين لا يأتي بمعنى إهمال الأحاديث النبوية.
والرأي في اصطلاح الأصوليين «ما يراه القلب بعد فكر وتأمل، وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات مما ليس من قبيل الدلالات اللفظية».
وكان الصحابة والتابعون وحتى من بعدهم «يسمون اجتهادهم رأياً، ويصرحون بذلك لمستفتيهم».
ومن أوليات الأمور للباحث أن يعرف مصطلحات القوم، أما الأستاذ موراني، وكذلك الكُتَّاب الغربيون فإنهم ينحتون معاني جديدة لمصطلحات علماء المسلمين.
وأكتفي بهذا القدر لئلا أخرج عن الموضوع، لكنه لا بد من الحذر من استنتاجات موراني.
وخاصة أنه بدأ يظهر كمتخصص في الفقه المالكي رغم جهله أو تجاهله لأبجديات البحث.
ولقد درسنا قضية إسماعيل بن أبي أويس وما أثير حوله من المشاكل من قبل موراني، وهناك شخصية أخرى، ألا، وهو:
حبيب بن أبي حبيب وتلاعبه في قراءة الموطأ
حبيب بن أبي حبيب، المصري كاتب مالك.
قد أثير حوله الجدل قديماً، وقد اتفقت المصادر على توهينه، وكان حبيب هذا في الأيام الأخيرة من أقرب الناس إلى مالك في قراءة الموطأ.
سأنقل ترجمته من تهذيب الكمال (5: 366 - 369) ثم أناقش الموضوع إن شاء الله تعالى.
«حبيب بن أبي حبيب، واسمه إبراهيم، ويقال رزيق، ويقال: مرزوق الحَنَفِيُّ أبو محمد المِصْريُّ، كاتب مالك بن أنس.
روى عن: إبراهيم بن الحُصَين الأَشهليِّ، وأبي الغُصْن ثابت بن قيس المَدَنيِّ، وجعفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر الجَعْفَرِيّ، والزُّبير بن سعيد الهاشميِّ، وشِبل بن عَبّاد المكيّ، وعبد الله بن عامر الأَسْلَمِيّ (ق)، ومالك بن أنس، ومحمد بن صدقة الفَدَكيِّ، ومحمد بن عبد الله بن مُسلم ابن أخي الزُّهْرِيِّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذِئْب، ومحمد بن مُسلم الطائفيِّ، وهِشام بن سَعْد.
روى عنه: إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسِيُّ، وأحمد بن الأَزْهر النَّيْسابورِيُّ، وأحمد بن سَعْد بن الحكم بن أبي مَرْيم المِصْريُّ، وأحمد بن الفضل بن عُبيد الله العَسْقَلَانِيُّ، وأبو هارون إسماعيل بن محمد بن يوسف الجِبْرينِيُّ، وحام بن نوح البَلْخِيُّ، والربيع بن سُلَيْمَانَ الجِيْزِيُّ، وزاهر بن خَلَف صاحب العَرَبية، وسعيد بن أسد بن موسى، وعبد الله بن محمد بن عَمرو الغَزِّي، وعبد الله بن الوليد بن هشام الحَرّانِيُّ، وعُبيد الله بن محمد بن سُلَيْمان بن إبراهيم بن موسى الأزْديُّ المِصْريُّ المعروف بابن أبي المُدَوّر، والفضل بن يعقوب الرُّخامِيُّ (ق)، ومالك بن عبد الله بن سيف التُّجِيبيُّ المِصْرِيُّ، ومحمد بن رزق الله الكِلوذانيُّ، وأبو شريح محمد بن زكريا الحَوْتَكيُّ، ومحمد بن مسعود ابن العَجَمِي، ومحمد بن يوسف بن أبي مَعْمَر، والمِقْدَام بن داود الرُّعَيْنيُّ، وهَمَّام بن داود المِصْرِيُّ.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعتُ أبي، وذكر حبيباً الذي كان يقرأ على مالك بن أنس، فقال: ليس بثقة، قَدِمَ علينا رجل أحسبه، قال: من خُراسان، كتب عن حبيب كتاباً عن ابن أخِي ابن شِهاب، عن عَمِّه، عن سالم، والقاسم فإذا هي أحاديث ابن لهِيعة، عن خالد بن أبي عِمران، عن القاسم، وسالم، قال أبي: أحالها على ابن أخي ابن شِهاب، قال أبي: حبيب كان يحيل الحديث، ويكذب، ولم يكن أبي يوثقه ولا يرضاه، وأثنى عليه شرّاً وسوءاً.
وقال عَبّاس الدوري، عن يحيى بن مَعِين: كان حبيب بمصر، كان يقرأ على مالك بن أنس، وكان يخطرف بالناس يصفح ورقتين ثلاثة، قال يحيى: سألوني عنه بمصر، فقلت: ليس بشيء.
قال يحيى: وكان ابن بُكَير قد سَمع من مالك بعَرْض حبيب وهو شر العَرْض.
وقال عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدَّورقِيُّ: قال يحيى بن مَعِين، أو أبي: أشر السماع من مالك عرض حبيب، كان يقرأ على مالك، وإذا انتهى إلى آخر القراءة صفح أوراقاً، وكتب «بلغ» وعامّة سماع المصريين عَرْض حبيب!
وقال أبو داود: كان من أكذب الناس.
وقال أبو حاتم الرازي: مَتْرُوك الحديث، روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة.
وقال النَّسائي، وأبو الفتح الأزْدِيُّ: متروك الحديث.
وقال أبو حاتم بن حِبّان: كان يدخل على الشيوخ الثِّقات ما ليس من حديثهم، ويقرأ بعض الجزء ويترك البعض، ويقول قد قرأت الكل.
وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه كلها موضوعة، عن مالك وغيره، وذكر له عدة أحاديث ثم قال: وهذه الأحاديث مع غيرها مما روى حبيب، عن هشام بن سَعْد كلها موضوعة، وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإِسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثِّقات، وأمره بيّن في الكذب، وإنما ذكرت طرفاً منه ليستدل به على ما سواه».
مناقشة الموضوع
لقد مر بنا من قبل وصف مجلس مالك، وتبين أن القراءة ما كانت تتجاوز الصفحتين أو الثلاث.
«قال مصعب الزبيري: كان حبيب يقرأ على مالك، وأنا على يمينه، وأخي عن شماله وهو أقرب إلى مالك، وكان أسنّ مني، وكان حبيب يقرأ لنا عشية من ورقتين إلى ورقتين ونصف، ولا يبلغ ثلاثاً، والناس ناحية، لا يدنون ولا ينظرون، فإذا خرجنا جاء الناس فعارضوا كتبهم بكتبنا.
قال: وجئنا يوماً إلى أبينا بالعرصة لنقيم عنده ونسير بالعشي إلى مالك فأصابتنا سماء يوماً فلم نأته تلك العشية ولم ينتظرنا، وعرض عليه الناس، فأتيناه بالغد، فقلنا له: يا أبا عبد الله أصابتنا أمس سماء ثقلتنا (كذا) عن حضور العرض فاردد علينا.
قال: لا.
من طلب هذا الأمر صبر عليه».
كلام مصعب الزبيري وهو من تلامذة مالك يصف قراءة حبيب بن أبي حبيب بأنها ما كانت تتجاوز ورقتين إلى ثلاث.
والكتب كانت موجودة حتى عند مصعب الزبيري، فكان الناس يأتون بعد القراءة، فيعارضون كتبهم بكتبنا.
والإمام عبد الرحمن بن مهدي معه كتابه، فيقول: أما كتاب الصلاة فأنا قرأته على مالك، و «سائر الكتب قرئت على مالك وأنا أنظر في كتابي».
إذن كان الناس أو على الأقل بعض الناس يحضرون كتبهم ويعارضون وقت التدريس، والإمام مالك يحفظ كتابه، فإذا وقع الخلل والخطأ كان يصحح، وهذا قلما كان يحصل.
إذن من المحتمل أن حبيباً قلب الصفحة في يوم ما، والتزقت بها ورقة أخرى فقلب ورقتين في آن واحد.
وبالتالي سجلت عليه هذه الحادثة، ثم تطورت فأصبحت كأن هكذا كان ديدنه.
وإن كان الأمر كذلك فيصبح الإمام
مالك مغفلاً، شارد الذهن، لا يدري ما يُقرأ عليه.
وهو أوحد عصره في الاهتمام والتركيز والحفظ، فإذا أخذنا حادثة حبيب كأنها العادة، وليست مصادفة فعلينا أن نعيد النظر في كل ما قيل في الإمام مالك في جلالة مكانته في العلم.
ثم كان هناك ناس آخرون لديهم نسخهم وكانوا يقارنون وقت القراءة، فهل كل هؤلاء كانوا يسكتون دوماً على تصرف حبيب الشنيع، وهم الذين حضروا من الآفاق للتعلم عند مالك، فيستبعد سكوت هؤلاء تماماً.
ولذلك ما قاله الإمام يحيى بن معين: «إن شر السماع من مالك عرض حبيب، كان يقرأ على مالك، وإذا انتهى إلى آخر القراءة صفح أوراقاً، وكتب «بلغ»، وعامة سماع المصريين عرض حبيب»، ربما هي حادثة فردية لا غير.
وقفة مع نورمان كلدر
مطبعة أوكسفورد الشهيرة أصدرت كتاباً في عام 1993م للدكتور نورمان كلدر بعنوان studies in early muslim Juriprudence في هذا الكتاب قام الدكتور كلدر بدراسة مدونة سحنون، وموطأ مالك، وكتاب للطحاوي، وكتاب للشافعي، والمختصر للمزني، وكتاب الخراج لأبي يوسف.
أما النتيجة التي توصل إليها الباحث فهي: كافة هذه الكتب نسبتها إلى مؤلفيها غير صحيحة، قد تكون هناك بعض المواد جاءت من الأشخاص الذين تنسب إليهم هذه الكتب، ولكنها كانت مجالاً خصباً للإضافات من قبل الأجيال اللاحقة، وينكر أن تكون هذه الكتب قد ألفها الأشخاص المسمون، بل هذه الكتب تنتمي إلى المدارس الفقهية، ومن ثم ميراث للمدرسة الفقهية وليس لشخص واحد، ولذلك كان من حق أصحاب المدارس الإضافة إليها من المواد التي يرغبون فيها، بناءً على هذا مدونة سحنون ليس من عمل سحنون لكن للجيل أو الأجيال القادمة، والمدونة الموجودة الآن في أيدينا ما وصلت إلى الشكل الذي نراه إلا في حدود سنة 250هـ، أي بعد وفاة المؤلف المزعوم بجيل.
أما موطأ مالك فقد أخذ وقتاً أطول، والموطأ الذي هو في أيدينا من رواية يحيى بن يحيى الليثي في الواقع ما وصل إلى الشكل النهائي الموجود في أيدينا إلا في حدود عام 270هـ، نعم، قد يكون فيه بعض المواد من أيام مالك بن أنس، ولكنه تراث مدرسي ملك للمدرسة الفقهية المالكية، وعلى هذا الأساس الأجيال التالية اشتركت في إضافة المواد الضرورية أو الأحاديث التي وضعت في تلك الفترة للدفاع عن الوجهة المالكية أو الرد على خصومها.
بعد هذا «الاكتشاف الخطير» تحدث الأستاذ كلدر عن المصادر اليهودية التي أثرت وأمدت المدارس الفقهية الإسلامية في نشأتها وتطورها.
نظراً لما لهذا الكلام مساس بالموطأ، وأن هذه الدراسة حول الموطأ فأرى لزاماً أن أتطرق إلى ما كتبه كلدر بخصوص ادعائه أن الموطأ الموجود حالياً في أيدينا ليس من تأليف الإمام مالك رحمه الله، أما إعارة المسلمين في فقههم الإسلامي من اليهود والمصادر اليهودية فلا أتطرق إليها الآن.
رفض الأستاذ كلدر منهج البحث الذي يستخدمه علماء المسلمين لصحة إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف، بل ادعى أنه يخضع بحثه هذا لمنهج تاريخي لا ديني أو علماني حسبما يترجم المصطلح للبحث عن القضايا التاريخية، والمسلمون مدعوون للمشاركة في هذا النوع من البحث والحوار.
لإثبات ما توصل إليه من النتائج، بحث كلدر عن الكلب وأثره في طهارة الماء، ولهذا الغرض اختار من المدونة باب «الوضوء بسؤر الدواب والدجاج والكلاب» ثم ترجم النص الآتي إلى اللغة الإنجليزية مع إضافة اسم ابن القاسم بين المعكوفتين:
«قال: وسألت مالكاً عن سؤر الحمار والبغل، فقال: لا بأس به.
قلت أرأيت إن أصاب غيره؟ قال: هو وغيره سواء.
وقال مالك: لا بأس بعرق البرذون والبغل والحمار.
قال، وقال مالك: في الإناء يكون فيه الماء يلغ فيه الكلب؟
قال مالك: إن توضأ به وصلى أجزأه.
قال: ولم يكن يرى الكلب كغيره.
قال، وقال مالك: إن شرب من الإناء ما يأكل الجيف من الطير والسباع لم يتوضأ به.
وقال مالك: إن ولغ الكلب في إناء فيه لبن، فلا بأس بأن يؤكل ذلك اللبن.
قلت: هل كان مالك يقول: يغسل الإناء سبع مرات، إذا ولغ الكلب في الإناء في اللبن وفي الماء؟
قال، قال مالك: قد جاء هذا الحديث وما أدري ما حقيقته؟
قال: وكأنه كان يرى أن الكلب كأنه من أهل البيت، وليس كغيره من السباع.
وكان يقول: إن كان يغسل ففي الماء وحده، وكان يضعفه، وقال: لا يغسل من سمن ولا لبن، ويؤكل ما ولغ فيه من ذلك، وأراه عظيماً أن يعمد إلى رزق من رزق الله فيلقى لكلب ولغ فيه.
قلت: فإن شرب من اللبن ما يأكل الجيف من الطير أو السباع أو الدجاج التي تأكل النتن، أيؤكل اللبن أم لا؟
قال: أما ما تيقنت أن في منقاره قذراً فلا يؤكل، وما لم تره في منقاره فلا بأس به.
وليس هو مثل الماء، لأن الماء يطرح ولا يتوضأ به.
ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد وبكير بن عبد الله أنهما كانا يقولان: لا بأس بأن يتوضأ الرجل بسؤر الحمير والبغال وغيرهما من الدواب.
وقال ابن شهاب في الحمار مثله.
ابن وهب، وقال عطاء بن أبي رباح، وربيعة، وأبو الزناد في الحمار والبغل مثله.
وتلا عطاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً﴾، وقاله مالك من حديث ابن وهب.
علي بن زياد عن مالك في الذي يتوضأ بماء قد ولغ فيه الكلب ثم صلى؟
قال: لا أرى عليه إعادة، وإن علم في الوقت.
قال علي وابن وهب عن مالك: ولا يعجبني الوضوء بفضل الكلب إذا كان الماء قليلاً.
ولا بأس به إذا كان الماء كثيراً كهيئة الحوض، يكون فيه ماء كثير، أو بعض ما يكون فيه من الماء الكثير.
ابن وهب عن ابن جريج: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد ومعه أبو بكر وعمر على حوض فخرج أهل ذلك الماء، فقالوا: يا رسول الله! إن السباع والكلاب تلغ في هذا الحوض؟ فقال: لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً.
وأخبرني عبد الرحمن بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال عمر: لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على السباع، وترد علينا.
فالكلب أيسر مؤنة من السباع، والهر أيسرهما لأنهما مما يتخذ الناس.
قال ابن القاسم، وقال مالك: لا بأس بلعاب الكلب يصيب ثوب الرجل، وقاله ربيعة.
وقال ابن شهاب، لا بأس إذا اضطررت إلى سؤر الكلب أن تتوضأ به.
وقال مالك: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه؟».
وسأنقل حديثين من الموطأ.
1 - مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن حميدة ابنة أبي عبيدة بن فروة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أنها أخبرتها أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت.
قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين! يا ابنة أخي؟
قالت، فقلت: نعم.
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات».
سنسمي هذا الحديث أثناء البحث «حديث الهرة».
2 - مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات».
وسنسمي هذا الحديث أثناء البحث «حديث الكلب».
هذه هي النصوص الرئيسية التي اختارها كلدر لدراسته في كتابه، ثم عمم نتيجة بحثه على التراث الإسلامي الديني لمدى ثلاثة قرون.
يلاحظ كلدر في هذه النصوص بأنها نمت كأي كائن حي ينشط وينمو ولم يتجمد، يقصد بذلك عندما يؤلف المؤلف كتاباً فقد تتجمد الألفاظ ولا تقبل الزيادة أو النقص إلا منه، وبعد وفاته تنتهي إمكانية الحذف والإضافة.
لكن إذا كان النص ينمو ككائن حي فمعناه أنه يغذى على الدوام بإضافة نصوص جديدة.
بدأ كلدر بالبحث عن التطور في التفكير الفقهي أو بالأحرى القانوني عند المسلمين أو المدرسة المالكية في ضوء النصوص المنقولة سابقاً، فلاحظ ظهور التفكير الفقهي بالأمور الفردية، مثل قول مالك: لا بأس بسؤر الحمار والبغل، ثم محاولة التعميم، مثل قوله: الحمار والبغل وغيره سواء.
لكنه عندما بدأ البحث عما يؤثر الماء في طهارته لأجل إيجاد قاعدة كلية، ظهر الكلب معضلة.
في بادئ الأمر بدأ انطلاق التفكير في أن الحيوانات الوحشية تؤثر في طهارة الماء للوضوء.
إلى هنا لم يسبب الكلب أية مشكلة لأن الكلب حيوان منزلي أليف.
ولذلك نرى في المدونة يصرح مالك بأن الكلب لا يؤثر في طهارة الماء.
لكنه بعد ذلك ظهر في التفكير الفقهي بأن الحيوانات التي تأكل الجيفة أو الحيوانات المفترسة تؤثر في طهارة الماء.
فإذا أخذ بعين الاعتبار هذه التطورات في الفكر الفقهي فيصبح الكلب مشكلة، وبما أن الكلب يأكل الجيفة فلماذا لا يكون له الأثر في طهارة الماء؟
ظهرت هذه المسألة عند ابن قاسم حيث صرح بأن مالكاً ما كان يعامل الكلب كبقية الحيوانات من نفس الفصيلة.
ويسأل سحنون عن حديث مروي عن النبي [صلى الله عليه وسلم، وهو حديث الكلب].
وجواب مالك لهذا السؤال يدل على أنه كان يعرف الحديث ولكنه قال: «وما أدري ما حقيقته؟».
يقول كلدر: إذا أمعنَّا في التعليقات العديدة في هذا الموضوع يتبين لنا بكل وضوح أن ظهور نظرية «القيمة التشريعية لحديث النبي» سببت في تمزيق النمو الطبيعي للفكر القانوني.
أولاً: اقترح مالك وجود صنف مميز للحيوانات الذي لا يسبب مشكلة في طهارة المياه.
وكان هذا كافياً لحل مشكلة سؤر الكلب في نمو وتطور الفكر القانوني.
ثم أعطى مالك بعض الأهمية للحديث المنسوب إلى النبي [إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم] ولكنه لم يقبله، وكان يناقش ضد هذا الحديث بناءً على الأسباب الأخلاقية والمشاكل العملية.
وحديث ولوغ الكلب لم يسجله سحنون في المدونة بل اكتفى بالإشارة إليه، وقد كانت هناك مقاومة شديدة لهذا الحديث.
ثم تحدث الأستاذ كلدر بأن مالكاً وقع أخيراً تحت تأثير اللوبي المعادي للكلب « anti-dog lobby» يعلق الأستاذ كلدر على حديث الهرة قائلاً: عندما ننظر في نصوص المدونة، نلاحظ أن هناك مشكلة نشأت عندما أريد التعميم في الحيوانات المفترسة التي تسبب في نجاسة المياه لأنه كان يشمل الكلب والهرة، وللتغلب على هذه المشكلة كان هناك جواب في بداية الأمر وهو نوع من التحايل، وإلقاء الضوء على الكلاب فقط، وذلك بإيجاد صنف مميز من الحيوانات، بأن الحيوانات المنزلية صنف مختلف عن الحيوانات المفترسة.
على كل كان هناك ارتباك بوجود حديث نبوي (يعني حديث ولوغ الكلب) والذي لم يسجل في المدونة إلا أنه قد أشير إليه.
وهذا الحديث يدين الكلب بالشدة على تنجيسه الماء.
وحديث الهرة الذي نقلناه آنفاً - هو في الواقع - جواب لهذه المشكلة.
حديث الهرة يبدو بكل بساطة كأنه قضية فردية ثانوية، لا يشير إلى الكلب
ذي الخصوم الكثيرة في نظر الفقهاء، ولكنه في الواقع يشير بكل حزم إلى الحقيقة بأن الهرة ينظر إليها كممثل لصنف من الحيوانات الأليفة التي تعيش مع الإنسان.
وهذه الفكرة تقدمت خطوة إلى الأمام على الوضع الذي كنا رأينا في المدونة من ناحيتين.
1 - أنه يؤشر على وجود صنف مميز من الحيوانات المفترسة بكل وضوح، الذي لا يؤثر في طهارة المياه، وبذلك يزيل بعض الارتباك الذي كان قد تسرب في المدونة.
2 - كان جواباً لحديث نبوي بحديث نبوي آخر كان هو الوحيد الذي يمكنه أن يقف في وجه حديث نبوي متعلق بالكلب.
ملخصات استنتاجات كلدر
«حديث الكلب» حديث نبوي، وكان قد بدأ الاعتراف بالسلطة للحديث النبوي متأخراً.
إذن لمحاربة حديث نبوي متعلق بالكلب لا بد أن يوجد حديث نبوي آخر الذي يقف في وجه حديث الكلب.
وحديث الهرة - لأنه حديث نبوي - يقوم بهذه المهمة أحسن قيام.
وكان المالكية في أشد حاجة لحديث يقاوم حديث الكلب.
وبما أن أصحاب المدونة كانوا في حاجة إلى أي حديث نبوي يمكنه أن يعارض حديث الكلب من ناحية، ورغبتهم في استقصاء المواد المتعلقة بالموضوع من ناحية أخرى، لأجل هذه الأسباب كلها كان لزاماً على أصحاب المدونة أن يذكروا هذا الحديث في كتابهم الذي وصل بشكله النهائي في حدود سنة 250هـ يعني في الجيل الذي يلي وفاة سحنون.
فخُلُوَّ المدونة المؤلفة في سنة 250هـ
تقريباً، من هذا الحديث دليل على عدم وجوده إلى تلك الفترة.
وبالتالي لا يمكن أن يكون هذا الحديث جزءاً من الموطأ إلى منتصف القرن الثالث الهجري.
إذن متى وأين وضع حديث الهرة الموجود في نسخة الموطأ المتداولة الآن في أيدينا؟.
في رأي كلدر: المناخ المناسب لهذا هو أسبانيا - لأن يحيى الليثي كان في أسبانيا - هذا من ناحية المكان.
أما من ناحية الزمان فيكون سنة 270هـ تقريباً وقتاً مناسباً لظهور حديث الهرة.
وذلك عندما تعاون ابن وضاح القرطبي المتوفى سنة 286هـ، وبقي بن مخلد المتوفى سنة 276هـ مع مساندة الدولة لإحلال الحديث النبوي وإعطائه السلطة التشريعية فوق «الرأي» الذي كان مهيمناً في المدارس الفقهية القديمة.
الملاحظات العامة على منهج نورمان كلدر
لا يفرق نورمان كلدر بين طبيعة كتابين، الموطأ، والمدونة.
المدونة كتاب فقهي للمالكية.
بينما الموطأ خليط بالأحاديث النبوية، وفتاوى فقهاء من الصحابة والتابعين، ثم آراء مالك، لذلك فالموطأ لكافة المسلمين ما عدا آراء الإمام مالك فقد يقبلها غير المالكية، وقد لا يقبلونها، وعامة المسلمين من غير الباحثين - من غير المالكيين - ليس لهم شأن يذكر بالنسبة للمدونة.
بينما المدونة هو مصدر حيوي لحل المشاكل اليومية في الحياة للمالكيين، وهدفه جمع آراء الفقهاء المالكيين لهذا الغرض، ويتبين من هذا أن طبيعة الكتابين مختلفة.
تعميم لا نهائي
لقد درس كلدر فصلاً واحداً من كتاب المدونة من جملة ثلاثة آلاف فصل على وجه التقريب، ثم يريد أن يعمم نتيجته الخيالية التي توصل إليها على كافة الإنتاج الفكري للمسلمين لمدى ثلاثة قرون.
وهذا التعميم باطل؛ لأن هناك فرقاً كبيراً بين أسلوب الكتب الفقهية المدرسية وبين كتب الأحاديث والآثار.
فإذا نظرنا - مثلاً - إلى كتابات: محمد الشيباني، كالموطأ، وكتاب: الآثار والردّ على أهل المدينة، فإننا نجد أنه يذكر في هذه الكتب أحاديث كثيرة، بينما إذا نظرنا إلى كتابه: الجامع الكبير فقد لا نجد حديثاً واحداً.
وهذه القضية من الأهمية بمكان؛ فعندما يبحث شخص في موضوع ما فإن عليه أن يختار المادة المناسبة للبحث ليحسن الحكم عليها، كمن يؤلف في قانون العقوبات أو تاريخ العقوبات، لا يأخذ مادته من كتب القصص البوليسية، وهذا العنصر الأساسي في منهج البحث مفقود عند كلدر تماماً.
ولا يكون المرء مغالياً إذا قال: إن هدفه ليس بحثاً ولكن لديه نتيجة مسبقة يريد أن يصل إليها بأية طريقة كانت، لأنه في خلال أربعين صفحة من الكتابة على المدونة أولاً، ثم على الموطأ ثانياً أكد على الأقل عشرين مرة بأن هذين الكتابين ليسا من الكتب المؤلفة من قبل الأشخاص المعنيين، ولكنهما كتابان ينتميان إلى المدرسة الفقهية، وعلى هذا فهما تراث للمدرسة الفقهية، ولذلك كان من حق كل جيل أن يضيف فيها ما رأى وما شاء بدون ذكر الاسم لأنه عمل جماعي، وقد قام به المجتمع المالكي.
المؤلف أو الباحث يصل إلى النتيجة عادة بعد البحث ويذكر خلاصة بحثه إما في المقدمة، أو في نهاية البحث، ولكن الأستاذ كلدر يبشر بنتائج بحثه باستمرار، أحياناً مرتين في صفحة واحدة، فالذي يرمي إليه الباحث هو إدخال فكرته في ذهن القراء بأية طريقة كانت، أما إثبات النتيجة نفسها فليس بمهم.
التنكر للمصادر
يجهل الأستاذ كلدر أو يتجاهل كثيراً من الكتب التي ظهرت في خلال نصف قرن على الموضوع نفسه، مثل كتاب الدارقطني في اختلاف الموطآت، والتي تبين الأحاديث الموجودة في كافة الموطآت التي درسها الدارقطني، أو الأحاديث الموجودة في بعضها، كذلك لم يستفد من شروح الموطأ التي اعتنت بهذا الموضوع، كما أنه تجاهل تماماً ما كتبه محمد مصطفى الأعظمي والآخرون في الدحض على شاخت.
علماً بأنه بنى بحثه على نظرية شاخت حول السنة النبوية.
على كل يمكننا أن نبحث القضية في حد ذاتها بدون الاعتبارات التي ذكرتها سابقاً.
الإمام مالك كان محظوظاً جداً في تاريخ الإسلام العلمي، لقد رزق بأكثر من ثلاثمائة وألف شخص الذين درسوا عليه، وقد يكون بعضهم عاش معه أياماً معدودات، بينما هناك مئات من الذين عاشوا معه سنين.
وتمتد مساكن طلابه من أفغانستان إلى البرتغال، ومن تركيا إلى اليمن، والبحر الأبيض المتوسط، والذين درسوا كتابه الموطأ ورووه عنه هم أزيد من مائة شخص.
وتوجد المؤلفات من القرن الرابع مثل كتابات الدارقطني، والقرن الخامس مثل كتابات ابن عبد البر، ومؤلفاتهما مطبوعة منذ ثلاثين وأربعين سنة، وهذه الكتابات تبين بكل وضوح الاختلافات الموجودة في أكثر من عشر روايات من روايات الموطأ، ويبينون أن هذا الحديث النبوي موجود في كافة الروايات، أو عند البعض مع تحديد أسمائهم، فإذا درس كلدر هذين الكتابين فقد كان يمكنه معرفة حديث الهرة، وهل هو موجود في رواية يحيى الليثي فقط أو في روايات آخرين، وإن كان هذا الحديث في أكثر من رواية من روايات الموطأ فكيف وضع الحديث في أسبانيا، وانتقلت إلى روايات أخرى إلى الشرق؟! ولكنه لم يفعل.
على كل إذا تركنا هذين الكتابين فلا يزال يوجد عدد من الروايات المختلفة للموطأ مثلاً.
1 - رواية يحيى الليثي المتوفى سنة 234هـ.
2 - رواية الشيباني المتوفى سنة 189هـ، والكتاب مطبوع في خلال مائة سنة عشرات الطبعات.
3 - جزء من رواية موطأ ابن زياد التونسي المتوفى سنة 183هـ، والمطبوع في تونس قبل 1400/ 1980
4 - جزء من رواية موطأ للقعنبي البصري المتوفى سنة 221هـ، وطبع في سنة 1392/ 1972
5 - رواية أبي مصعب الزهري المتوفى سنة 242هـ، وقد طبع في بيروت 1412/ 1992
6 - الموطأ في رواية عبد الرحمن بن القاسم المتوفى سنة 191هـ، وذلك في ترتيب جديد باسم تلخيص القابسي، المصري، في قطر 1400/ 1980
7 - الموطأ في رواية الحدثاني الأنباري، ونشر في بيروت سنة 1990م.
8 - مصنف عبد الرزاق المتوفى 211هـ، التلميذ المباشر لمالك، طبع في بيروت1390/ 1970
9 - الموطأ في رواية ابن بكير المصري المتوفى سنة 231هـ، طبع في الجزائر الملخص منه بعد حذف الأسانيد سنة 1907م، ولم أطلع عليه، وقد ذكره شاخت.
بمراجعة هذه الروايات المتعددة من الموطأ، علماً بأن بعض هذه الروايات ناقصة، ولم توجد كاملة، نجد حديث الهرة في الروايات الآتية:
1 - في موطأ يحيى الليثي المتوفى في أسبانيا سنة 234هـ المجلد الأول ص22 - 23
2 - موطأ الشيباني الحنفي الكوفي العراقي المتوفى سنة 189هـ، والحديث رقم 90 ص54
3 - موطأ ابن القاسم المصري المتوفى سنة 191هـ الحديث رقم 123، صفحة 176 (انظر القابسي).
4 - موطأ القعنبي البصري المتوفى سنة 221هـ، الصفحة 45 - 46
5 - موطأ أبي مصعب الزهري المتوفى بالمدينة سنة 242هـ المجلد الأوّل ص25
6 - موطأ الحدثاني، المتوفى في الأنبار سنة 240هـ، الصفحة 55، الحديث 28
7 - موطأ ابن بكير المتوفى بمصر سنة 231هـ، مخطوطة الأزهر 6ب.
8 - مصنف عبد الرزاق المتوفى باليمن سنة 211هـ، المجلد الأول ص101
إذا حللنا الروايات المذكورة أعلاها نجد أصحابها ينتمون إلى أفغانستان، والعراق، والجزيرة العربية، واليمن، ومصر، وأسبانيا.
من الناحية الأخرى: اثنان من هؤلاء من تلامذة مالك ماتا في حدود 10 إلى 12 سنة من وفاة مالك، والثالث منهم في خلال ثلاثين سنة تقريباً، والخمسة منهم ماتوا ما بين 220 - 240هـ، تقريباً فإذا كان هذا الحديث قد تم وضعه بعد وفاة مالك (المتوفى سنة 179هـ) بمائة سنة تقريباً، أي في حدود 270 من الهجرة، فإذاً علينا أن نجد حلاً معقولاً لاجتماع هؤلاء الموتى واتفاقهم على ضرورة إدخال هذا الحديث في كتبهم، أو توكيلهم لمن كان يملك حق النشر أن يتولوا هذا العمل!!
وإذا افترضنا أن الأستاذ كلدر لم يطلع على كل هذه الروايات المنشورة، فعلى الأقل موطأ محمد الشيباني كان في يده، وقد ذكره في مصادره ومراجعه، فمن الذي منعه أن يعيد النظر في القصر الموهوم الذي بناه في خياله في ضوء ما كان في يده! تكذيب علماء العالم الإسلامي كافة لمدة ثلاثمائة سنة، وأنهم كانوا يضعون الأحاديث، ثم يدخلونها في الكتب، والكتب كانت تنسب لأشخاص ماتوا منذ مائة سنة، كل هذه الاكتشافات المبنية على التوهمات ليست من البحث العلمي بشيء، إلا إذا كان الهدف هو القضاء على تاريخ التراث الإسلامي، وليس هذا آخر المطاف، لكنه خطوة أولى في سبيل هدف غير معلن، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
خدمتي للكتاب
اختيار نسخ الموطأ
لقد ذكر بروكلمان وفؤاد سزكين وآخرون نسخاً كثيرة للموطأ.
ولعل أوسع وأشمل تسجيل لهذا الكتاب هو ما جاء في الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط.
فقد سجل هذا الكتاب أكثر من مائتين وخمسين مخطوطة.
من منهج مؤلفي «الفهرس الشامل» أنهم يذكرون المخطوطات المؤرخة ثم المخطوطات التي غفل عنها التاريخ، وفي المخطوطات المؤرخة يبدؤون بأقدم مخطوطة.
على كل، كنت فرحاً بأن انتخاب المخطوطات يكون يسيراً، لأن العدد ضخم وكبير.
وقبل أن أسرد الكلام أود أن أذكر نقطة أساسية، وهي أن قيمة المخطوطات تتوقف على السماعات المذكورة في المخطوطة نفسها، فكلما زادت السماعات، وكلما كان فيها توقيعات كبار المحدثين كلما كانت المخطوطة أقيم.
قال أحمد شاكر رحمه الله في تقدمته لسنن الترمذي: «وعلى أنه لم يقع لي منه نسخ يصح أن تسمى أصلاً، بحق، كأن تكون قريبة من عهد المؤلف، أو تكون ثابتة القراءة والأسانيد على شيوخ ثقات معروفين.
ولكن مجموع الأصول التي في يدي يخرج منها نص أقرب إلى الصحة من أيّ واحد منها».
على كل، نظراً لمكانة الموطأ وانتشاره في العالم الإسلامي، ونظراً لكونه أساساً للفقه المالكي لما يتضمن من فتاوى الإمام مالك رحمه الله وفقهه، كنت أظن أني سأجد عشرات المخطوطات التي تملأ العين والقلب، وتلبي شروط البحث العلمي - الأكاديمي - وعلى هذا بدأت بالبحث في دار الكتب الوطنية بمصر، وراجعت مخطوطات كثيرة، وطلبت صور بعض الصفحات من البداية والنهاية فتبين أنها كلها حديثة العهد ولا تتضمن سماعات المحدثين.
ومن نظام دار الكتب المصرية الوطنية أن الباحث لا يُمكّن من المخطوطات الأصلية.
ويتاح له أن ينظر في خلال مايكروفيلم فقط، وإن كانت هناك مخطوطات لم تصور على المايكروفيلم فلا يمكن الاطلاع عليها، وبعد بحث مضن لم أحصل على مخطوطة واحدة بدار الكتب الوطنية تفي بالغرض.
لقد سجل الفهرس الشامل وجود مخطوطات للموطأ بالمكتبة الأزهرية، أقدمها من القرن السادس.
والمكتبة الأزهرية مقفولة للجمهور نظراً لنقلها إلى مبنى جديد.
وقد التجأت إلى الأستاذ الأخ الكريم الدكتور إسماعيل دفدار، وقد طلب لنفسه صورة من أقدم مخطوطة مسجلة بالأزهر من هذا الكتاب.
فقيل: إن المخطوطة مفقودة من سنين، فقد كلفت بعض الأساتذة بالبحث، والحمد لله وُجدت المخطوطة التي كانت غائبة، وقد فرحت كثيراً وبعد الاطلاع تبين أنها ليست من رواية يحيى بن يحيى الليثي كما هو مذكور في الفهرس، لكنها من رواية يحيى بن بكير، وهي ناقصة، ومشوشة الترتيب أيضاً.
بقي الأمل في المغرب العربي لأنها أمينة على التراث المالكي.
وقد زرت تونس لهذا الغرض، وزرت المكتبة الوطنية بتونس، فلم أجد نسخة واحدة من الموطأ ذات قيمة علمية بمعيار المواصفات المطلوبة في مجال البحث العلمي.
ولقد ذكر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه المغطى ص40 قائلاً: «أشهر نسخ الموطأ بالأندلس، نسخة محمد بن فرج مولى ابن الطلاع تلميذ ابن مغيث، وله رواية عن ابن وضاح.
ونسخة أبي مروان ابن أبي الخصال تلميذ أبي عمر بن عبد البر، وأبي عمر الطلمنكي المقابلة على كتابيهما بخط يده.
ونسخة أبي مروان بن مسرة بخط يده، وهو عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي من أهل شنتمرية الشرق، وسكن قرطبة.
سمع من محمد بن فرج الموطأ (أي مولى ابن الطلاع) وسمع من الصوفي وأبي بحر، توفي سنة 552هـ ترجمته في الصلة وفي المعجم.
ونسخة أبي محمد بن عتاب.
وهو من شيوخ ابن بشكوال.
ونسخة القاضي الوزير عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن فُطيس (بضم الفاء بصيغة التصغير)، وهو يروي عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله، عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، توفي سنة 402، وهو من شيوخ ابن بشكوال.
نسخة ابن بشكوال
قد جُمعت هذه النسخ كلها في نسخة خلف بن بشكوال الأندلسي التي عثرت على أربعة أجزاء منها من تجزئة اثني عشر جزءاً، وبالجزء الأخير منها خطه وإذنه برواية الموطأ عنه للشيخ الفقيه الزكي أبي العباس أحمد بن علي الذي قرأه كله بأسانيده، وعلى هذه النسخة تصحيحات ومقابلات على نسخة ابن بشكوال معزوة إلى أصولها من النسخ المذكورة.
ويوجد في مواضع قليلة نقل عن نسخة ابن المشاط، وهو أحمد بن مطرف بن المشاط، كذا سماه في طرة على باب ما جاء في الطاعون من الموطأ».
ولو أن هذه المخطوطة هي ثلث الكتاب، وكنت أتمنى أن أستفيد منها لكنه لم يكتب لي رؤيتها، وكان أيسر جواب في المكتبة الوطنية بتونس «المخطوطة تحت الترميم» ولا يمكن الاطلاع عليها.
في مكتبة القيروان أو بالأحرى مركز رقادة وجدت كل ترحيب من القائمين عليه وأخص بالذكر الأخ الدكتور مراد رماح، والأخ بلقاسم، فقدموا لي كافة التسهيلات، ويشتمل هذا المركز على أوراق وأجزاء من المخطوطات النادرة، لكنها لا تملك مخطوطة جيدة كاملة أو شبه كاملة من موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي.
ولقد زرت لهذا الغرض المملكة المغربية مرتين، ووجدت كل تعاون وترحيب من كل من معالي وزير الثقافة الدكتور السيد عبد الكبير العلوي المدغري والأخ الأستاذ الدكتور محمد بنشريفه - الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية، وكان محافظاً للخزانة الوطنية بالرباط.
فقد ساعدني شخصياً، وطلب من الباحثين المتخصصين البحث عن أحسن المخطوطات للموطأ.
كان اختيارهم للمخطوطتين، مخطوطة كتبها شريح بن محمد بن شريح الرعيني لابنه، وشريح هذا فقيه، مقرئ، محدث، نحوي، أديب، علم من أعلام البيان، كتب هذه المخطوطة لابنه في بداية القرن السادس، وقرئ عليه سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
هذه المخطوطة كانت مرتعاً خصباً للأرضة، فتحولت المخطوطة إلى شبكة من الأنهار، وخاصة الهوامش منها، ولا يخلو موضع من الكتاب من الاعتداء عليه.
وللمحافظة على هذه المخطوطة وضعت كل ورقة منها في ظرف بلاستيكي، مع تفريغ الهواء، ونظراً للحرارة تحول البلاستيك إلى مادة صفراء قائمة مع تقوسات، فليست هناك ورقة مستقيمة، وإلى الله المشتكى، ولهذا السبب لم أتمكن من الاستفادة منها كما كنت أتمنى.
أما المخطوطة الثانية فهي من أنفس المخطوطات، كتبت في سنة 613هـ على رق الغزال بخط دقيق، تمتاز هذه المخطوطة على أنها تذكر فروق الروايات لعشرات النسخ من أول الكتاب إلى آخره.
ومن الغريب أن الناسخ رحمه الله حرمنا من اسمه فلم يذكر إطلاقاً، ووضع في نهاية الكتاب بياناً للرموز المستعملة في الكتاب.
حسب علمي هذه نسخة فريدة، ولم أطلع على أية نسخة أخرى تشتمل على فروق الروايات بالتوسع كما في هذه المخطوطة، وهي تتفوّق على - الأغلب - على نسخة ابن بشكوال التي نوه بها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله.
وبالرغم من كل المحاسن ففيها عيب، لأنها خالية عن أية سماع، لا في البداية ولا في النهاية، ولا في داخل الكتاب في موضع ما، على كل اعتبرت هذه المخطوطة أصلاً للاعتماد عليها لتحقيق النص.
استمر البحث للحصول على نسخة ثالثة، فقد وجدت في مكتبة كوبريلي باستانبول، نسخة عادية من بداية القرن السادس، ولم أرغب فيها، وعندما أردتها لم أحصل عليها.
لقد ذكر الأستاذ فؤاذ سزكين نسخة قديمة من الموطأ في مكتبة صائب سنجر بأنقرة.
ونظام المكتبات يختلف في بلد واحد من مكتبة إلى أخرى، وقد طلبت تصوير المخطوطة بواسطة أستاذ تركي بأنقرة، وحالما عرف بأن مايكروفيلم سيرسل إلى خارج تركيا رفض التصوير، وقد بحثت عن واسطة؛ وتدخل في الأمر أحد الوزراء حتى تمكنت من الحصول على صورة منها، وكانت سيئة، جزى الله خيراً كل من ساعدني، في الحصول على صورتها.
ولقد ذكر في (الفهرس الشامل) وجود مخطوطة قديمة في جامعة استانبول، وبعد البحث تبين أنها من رواية ابن بكير، وليس من رواية يحيى بن يحيى الليثي.
أقدم مخطوطة لهذا الكتاب كانت قد سجلت في مكتبة جستربيتي - دبلن، وهي عبارة عن الثلث الثاني من الكتاب فقط، وتاريخ النسخ المذكور سنة
278هـ، وقد حصلت على صورة منها، وهذه في الواقع من مخطوطات القرن السادس، وسأوضح الموضوع بعد قليل.
ولقد اتصلت بمركز الوجيه الشيخ جمعة الماجد بدبي عن طريق الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم طالباً البيانات عن المخطوطات القديمة للموطأ، وكانوا قد صوروا مخطوطات من المغرب العربي من الأماكن النائية.
فتكرموا بالبيانات، ودفعت لهم المبالغ المطلوبة للتصوير، ثم وصلت نماذج من تصوير المخطوطات وبعد ذلك مايكروفيلم، وكان تصويرها غير واضح تماماً.
على كل تجمعت لدي صور عديدة للموطأ أذكر منها ثلاث نسخ كاملة وأخرى ناقصة:
1 - مخطوطة الأصل - كاملة.
2 - مخطوطة من أنقرة كاملة وقد قرأ فيها حمزة الحسيني، ومحمد بن سلامي بن رافع.
وابن حجر، وعدد من المحدثين.
ومن هذه الناحية تعتبر من المخطوطات القيمة لما تشتمل عليه من القراءات والسماعات.
3 - مخطوطة بخط شريح الرعيني - كاملة.
4 - صورة مخطوطة ناقصة من مركز الملك فيصل بالرياض، ومحل الأصل بباريس.
5 - مخطوطة ناقصة من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض.
6 - مخطوطة ناقصة من دبلن جستربيي.
اخترت الرقم الأول كأصل.
والرقم الثاني - المخطوطة الثانية لمقارنة الأصل.
أما الثالثة، ففي أماكن اعتمدت على مخطوطة شريح، وفي أماكن أخرى اعتمدت على الرابعة والخامسة أو السادسة، وقد بينت بالوضوح بأن الاعتماد هنا على أية مخطوطة.
والسبب في ذلك رداءة مخطوطة شريح الرعيني بسبب تآكلها كما شرحته من قبل.
والخامسة والسادسة أقدم من نسخة شريح فأردت أن أنظر هل هناك ثمة فروق كبيرة في النص بين المخطوطات القديمة والمتأخرة أم لا.
المخطوطة الأولى
وصف المخطوطات
المخطوطة الأولى، وصفها، محاسنها والمآخذ عليها، ورمزها: الأصل
تشتمل هذه المخطوطة على ست وخمسين وثلاثمائة صفحة، محلها الخزانة العامة بالرباط، رقمها 807. وفي كل صفحة سبعة وعشرون سطراً، الكتابة واضحة باهتة على وجه العموم، ولكن في أماكن باهتة جداً خاصة الهوامش ولا يمكن قراءتها.
وليس هذا العيب في التصوير فحسب ولكن في الأصل نفسه، والكتاب يكاد يكون مشكولاً تشكيلاً تاماً.
وأسلوب الكتابة مغربي، تحت الفاء نقطة واحدة، وفوق القاف كذلك نقطة واحدة.
المشكلات في المخطوطات القديمة عامة
نظراً لقدم المخطوطات كثيراً ما توضع الجلود أو الأوراق لترميم طرف أو جزء متآكل منها، وبالتالي هذا الترميم يأكل جزءاً من النص نفسه، أو الهامش.
وأمر آخر: في حالة التصوير لا يمكن الضغط على الجلد، ولذلك يختفي في التصوير الجزء الأخير من السطر أو بداية السطر أحياناً، ويقع الباحث في ضيق وحرج شديد.
محاسنها: رموز للروايات القديمة
لقد ذكر الناسخ رحمه الله في نهاية الكتاب، فقال: «كل ما فيه من العلامات هكذا ع بهذه الصورة فهو لعبيد الله.
وما فيه من هذه الصورة ح فهو لابن وضاح، إما رواية عن يحيى أو إصلاح عليه.
وما في هكذا ط فهو ابن فطيس.
وما فيه هكذا ش فهو ابن المشاط.
وهـ كذا أبو الوليد الوقشي.
وما فيه ك كذا فإنما هو تقييد عن البكري في أسماء المواضع.
وما فيه ع هكذا فهو ابن عبد البر.
وما فيه ع كذا فهو أبو علي الجياني.
وما فيه حـ هكذا فهو الباجي.
وقد أصرح فيه في بعض الروايات باسم الراوي: ابن سهل، وابن حمدين وغيره.
وش هكذا ابن سراج أبو مروان.
وإذا كتبت ق هكذا فإنما هو ما نقلته من كتاب شيخي أبي إسحاق بن قرقول رحمه الله.
وما فيه ص هكذا فهو الأصيلي.
وإذا كان ط في شرح لفظ فهو البطليوسي».