مقدمة المؤسسة لكتاب موطأ الإمام مالك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- الموطأ
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- المحقق
- محمد مصطفى الأعظمي
- الناشر
- مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية - أبو ظبي - الإمارات
- الطبعة
- الأولى، 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 8 (منهم مجلد للمقدمة، و 3 للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي وملحق التراجم ضمن خدمة الرجال] __________نظام الترقيم: 1 - الرقم الأول هو رقم مسلسل، لكل فقرة في الكتاب سواء أكانت هذه الفقرة حديثا أم أثرا أم حتى عنوان كتاب أو باب، وهذا هو الرقم الذي تجده في خانة الرقم بنسخة الشاملة 2 - بعد العلامة (/) يظهر رقم الحديث النبوي المتسلسلمثال: 689/ 220، يعني رقم الفقرة 689، ورقم الحديث 2203 - رقم ط فؤاد عبد الباقي تجده بالهامش: الأحاديث يشار في الهامش لرقمها في ط عبد الباقي، وأقاويل مالك يشار لرقم الحديث في ط عبد الباقي الذي جاء بعده هذا القول، ويميز بحرف أب جـ .. .مثال: تجد بالهامش (القرآن: 5)، معناه أن الحديث في ط عبد الباقي في كتاب القرآن، حديث رقم 5وتجد بالهامش (القرآن: 16أ)، معناه أن هذا القول لمالك تجده في ط عبد الباقي في كتاب القرآن بعد حديث رقم 16
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد،
لقد جعلت "مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية" من أهدافها، الإسهام في التعريف بتعاليم الدين الإسلامي، وآدابه، وإسهامات علمائه في تطور الإنسانية، وذلك من خلال دعم جهود التأليف والترجمة والنشر لتحقيق هذا الهدف، فعملت منذ إنشائها على طباعة ونشر وتوزيع العديد من الكتب منها على سبيل المثال: تفسير ابن كثير، ومختصر تفسير الطبري، وصحيحي البخاري ومسلم، وغيرها من كتب التفسير والحديث والفقه والعلوم الإسلامية المختلفة، كما قامت بطباعة القرآن الكريم وترجمة معانيه بعدة لغات حية، تم توزيعها على مختلف قارات العالم.
واليوم تقوم مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية بإخراج وطباعة كتاب الموطأ للإمام مالك (رحمه الله) والذي يُعدّ من أشهر الكتب المؤلفة في الإسلام، فقد عكف العلماء على دراسته وتدريسه وروايته وتصحيحه وشرحه واستخراج كنوزه، وتحدثوا عما اشتمل عليه من فوائد فقهية، فهو من أقدم وأوثق مصادر السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، كما أنه المرجع الأساسي للفقه المالكي.
وقد قامت المؤسسة بتكليف فضيلة الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي بتحقيق الكتاب، وقد قام فضيلته بجهدٍ كبير لخدمته، ووضع له مقدمةً قيّمة اشتملت على ترجمة للإمام مالك (رحمه الله)، وحياته العلمية، وتلاميذه، وبعض أقواله، وكذلك الكلام على الموطأ وبواعث تأليفه ورواته والرد على ما أثير حوله قديماً وحديثاً، وختمه بفهارس شاملة ووضع له معجماً مفهرساً لألفاظه، فكان عملاً ضخماً وكنزاً عظيماً ينتفع منه المسلمون في كل مكان.
وإذا تتكفل مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية بطباعة هذا الكتاب بهذا التحقيق القيّم، فإنها ترجو أن تعم به الفائدة على جميع المسلمين، كما تدعو الله تعالى أن يجزل المثوبة لمنشئ المؤسسة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لعنايته المستمرة بنشر التراث المالكي.
سالم بن عبيد الظاهري المدير العام بالإنابة أبو ظبي في: 7 صفر 1425 هـ الموافق: 28 مارس 2004 م
كلمة فضيلة الشيخ السيد علي الهاشمي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: -
لقد تأملت مجمل كتاب موطأ الإمام مالك (رحمه الله) بتقديم وتحقيق الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، فوجدت أن المحقق الفاضل قد وفق كل التوفيق وقدم بتحقيقه هذا كنزاً عظيماً (لطلاب العلم) لا ينفذ.
أولاً: وتتبعت بالقراءة المقدمة الوافية بأبوابها المتعددة، ملاحظاً الجهد المشكور من الأستاذ المحقق ومقارنته ومراجعته لكافة المخطوطات للموطأ ونسخه المطبوعة.
وقد أجاد المحقق (رعاه الله) الدفاع ضد مزاعم من قال: (بأن الموطأ من الأمثلة الواضحة على رواية الحديث بالمعنى ... ).
ففند هذه المزاعم وغيرها في غير ما موضع وكلما جد موضوع يقتضي الإيضاح.
كما أوضح (المحقق) تلاعب بعض الرواة في قرائتهم للموطأ، مثبتاً ذلك بالنقول الصحيحة عن الثقاة.
ثانياً: تتبعت الكتاب وفهارسه، فوجدت أن الأستاذ الدكتور الأعظمي بعمله هذا قد تفوق على التقييم، ونغمطه حقه لو وزنا عمله بأي اعتبار أو رأي أو ميزان، فقد استوفى الشروط التي تعارف عليها أهل التحقيق من قبل ومن بعد.
ثم إن الطرح العلمي الذي اعتمده في أثناء تحقيقه للكتاب وأسلوب عرضه لأفكار الإمام مالك (رضي الله عنه) وروايته وتدريسه وفتاواه، لم يترك بعمله استزادة لمستزيد.
وإذ تتكفل مؤسسة الشيخ زايد للأعمال الخيرية والإنسانية بطباعة هذا الكتاب، ففي ذلك إضافة كبيرة لما تقوم به المؤسسة من أعمال جليلة خدمة للدين وللحياة والأحياء.
جعل الله هذا العمل وغيره من الأعمال الصالحة في ميزان حسنات حضرة صاحب السمو رئيس الدولة (حفظه الله) وولي عهده الأمين وإخوانه الميامين.
كما أسأله عز وجل أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير الدارين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله.،،،
السيد علي بن السيد عبد الرحمن الهاشمي مستشار الشؤون القضائية والدينية بديوان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
التمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اختاره لوحيه، وانتخبه لرسالته، وفضله على جميع خلقه، رفع ذكره مع ذكره في الأولى، وجعله الشافع والمشفع في الآخرة، أفضل خلقه نفساً، وخيرهم نسباً وداراً، فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى الله عليه في الأولين والآخرين أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه وزكانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحداً من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
أما بعد!
فكل إنسان عندما تتقوى مداركه، وتنضج أفكاره، ويستعمل عقله - وهو من أكبر نعم الله سبحانه وتعالى على عباده - يواجه مسألة وجوده وصلته بالكون.
الإنسان البدائي الذي كان يعيش في الكهوف، والإنسان المتحضر الذي يقطن ناطحات السحاب كلاهما يواجهان المشكلة نفسها، وعليهما أن يجيبا على السؤال ذاته.
من أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين المصير؟
يرى الإنسان.
كل إنسان سواء أكان عالماً أم جاهلاً، غنياً أم فقيراً، أنه وجد على الأرض بدون أن يكون له أدنى رأي في وجوده هنا أو عدمه.
ثم يواجه الإنسان موت أحبائه وأقربائه، وأصدقائه وأعدائه، حتى هو بنفسه يشرب من نفس الكأس، ولا يملك لنفسه - فضلاً عن غيره - قدرة التغيير والتبديل، فهو لم يخلق نفسه، ولا يملك أن يتغلب على الموت، فالموت حق شئنا أم أبينا.
إذن فوجود الإنسان على هذا الكوكب الأرضي بدون رغبة منه، ويدعى إلى مصيره بدون أن يستشار في ذلك، ويبقى السؤال الأبدي في محله: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين المصير؟ فلا بد للإنسان أن يجيب عن هذه الأسئلة، ويمكنه أن يتجاهلها، ولكن تجاهله لا يغير من الواقع شيئاً.
وعلى جواب هذه الأسئلة يتوقف تصور الحضارات ونشأتها، وتطورها، وازدهارها وسقوطها.
الفلاسفة في الشرق والغرب، والأديان كلها سماوية أو غير سماوية ترد على هذه التساؤلات، أما جواب الإسلام - بالاختصار - فهو الآتي: الله جل وعلا هو خالق كل شيء.
﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه﴾ [الأنعام: 102].
﴿وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾ [الأنعام: 101].
﴿وكان الله عليماً حكيماً﴾ [النساء: 92].
الهدف من خلق الإنسان
عبادة الله سبحانه وتعالى
والهدف من خلق الإنسان، هو عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: 56].
وقال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: 162] فلما كان الهدف من خلق البشر هو عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، فإن الله سبحانه وتعالى لم يترك الإِنسان ليقرر لنفسه طرق عبادة الله سبحانه وتعالى، بل تفضل الله على عباده فأرسل إلى البشر كافة مبشرين ومنذرين ليهدوهم إلى الصراط المستقيم، فقال جل وعلا: {وإن من أمة إلا خلا فيها
نذير} [فاطر: 24].
وقال: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: 15].
وكانت دعوة الرسل على مدار التاريخ البشري واحدة ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: 25].
طاعة الناس لله باتباعهم الأنبياء والرسل
وقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر، وأرسل إليهم الأنبياء والرسل ليعلموهم طريقة العبادة، ومن ثم أوجب على الأمم اتباع رسله وأنبيائه، ولذلك نرى الأنبياء والرسل يطلبون من الأمم إطاعتهم.
قال نوح عليه السلام: ﴿إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون﴾ [الشعراء: 107 - 108].
وقال هود عليه السلام: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ [الشعراء: 126].
وقال صالح عليه السلام: ﴿إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون﴾ [الشعراء: 143 - 144].
وقال شعيب عليه السلام: ﴿إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون﴾ [الشعراء: 178 - 179].
وقال لوط عليه السلام: ﴿إني لكم رسول أمين﴾ [الشعراء: 162].
وقال عيسى عليه السلام: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ [الزخرف: 63].
إطاعة محمد صلى الله عليه وسلم
وقد رأينا من قبل أنه من طبيعة الرسالة الاتباع والإطاعة إطاعة كاملة للأنبياء والرسل، ولقد أكد هذه الحقيقة القرآن الكريم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مراراً وتكراراً،
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ [آل عمران: 32].
وقال تعالى: ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ [الأنفال: 1].
وقال تبارك وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ [الأنفال: 20].
وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: 80].
وقال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: 69].
وقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: 13].
وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: 65].
وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7].
وهكذا اشترك محمد صلى الله عليه وسلم مع سائر الأنبياء في وجوب الإطاعة لهم، ولكنه امتاز عليهم بأمرين، أحدهما: أن رسالته كانت عامة وشاملة، فقد أرسله الله للعالمين، فقال عز من قائل: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: 107].
الأمر الآخر: إنْ كان هناك اتساعٌ للرسالة في البقعة الأرضية حتى شملت العالم كله، فإنّ هناك اتساعاً آخر في البعد الزمني، فكانت رسالته خاتمة الرسالات.
قال تعالى: ﴿وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: 4].
ولذا أصبحت رسالته خالدة إلى يوم القيامة، شاملة الإنس والجن، محيطة بالعالمين.
وقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول فترة رسالته بمكة المكرمة، يدعو الناس إلى الإسلام، ويلاقي كل العنت والأذى في سبيله، وكان يربي الجيل الذي كان
قد قُدّر له أن يغير مجرى التاريخ في العالم بإخلاصه لله، وباتباع كتاب ربه، وسنة نبيه.
وقد أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة المنورة، وتبعه أصحابه الميامين الذين هم منار الهدى، وبهم صان الله دينه ونشر رسالته.
المدينة المنورة إشعاع للعالم
وبهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحولت يثرب إلى (المدينة المنورة)، فقد نزلت على أرضها الطاهرة الشريعة الإسلامية، فتشرفت بتطبيقها جملة وتفصيلاً.
وهذه مكرمة لا تدانيها ولا تقاربها أية مدينة في العالم، فهي مهاجَرُ رسوله، ومظهر دعائه، ومأوى حبيبه، ومثوى خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم.
ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وُعِك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟
قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه، يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردَنْ يوماً مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومُدها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة».
وقد طلع لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبل أحد، فقال: «هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم ما بين لابتيها».
ودعا لأهل المدينة قائلاً: «اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم».
وقال: «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها».
وقد فتحت المدائن بالسيوف، وافتتحت المدينة بالقرآن.
«قال جعفر بن محمد، قيل لمالك: اخترت مقامك بالمدينة، وتركت الريف والخصب؟
فقال: وكيف لا أختاره، وما بالمدينة طريق إلا سلك عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجبريل عليه السلام ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة».
فهي دار الهجرة، ودار السنة، وفيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها روضة من رياض الجنة، وفيها منبره ومحرابه، وليس هذا في أية بقعة أخرى في العالم.
والمدينة المنورة هي أول بقعة شهدت تطبيق الأحكام الشرعية على كافة شؤون الحياة، سواء ما كان يتعلق بالعبادات أم المعاملات، أم بالأخلاق والآداب.
المدينة دار السنة ومركز تخريج الأئمة
ومن مدرسة المدينة تخرج الفقهاء والمجتهدون، والساسة والمفكرون، وملؤوا أرجاء العالم، وهاجروا إليها للتبليغ والإرشاد، وعلى الرغم من هجرة الصحابة إلى الآفاق إما للغزو أو لنشر الإسلام وتثقيف المسلمين، فقد بقي عدد كبير منهم في المدينة المنورة.
مشاهير الصحابة في المدينة
ولقد ذكر ابن حبان في كتابه اللطيف «مشاهير علماء الأمصار»: من مشاهير الصحابة بالمدينة المنورة 152 صحابياً مشهوراً، وبمكة المكرمة 61 صحابياً مشهوراً، وبالبصرة 51 صحابياً مشهوراً، وبالكوفة 54 صحابياً مشهوراً.
وإذا جمعنا مشاهيرهم من الشام ومصر واليمن وخراسان فيكون عددهم في هذه البلدان بالمجموع 98 صحابياً مشهوراً حسبما ذكره ابن حبان في كتابه «المشاهير».
وإذا نظرنا إلى التابعين الكبار المشهورين، نجد المشاهير من التابعين بالمدينة المنورة 170 تابعيّاً، وبمكة المكرمة 51 تابعياً، والبصرة 92 تابعياً، وبالكوفة 118 تابعياً، وبسائر الأمصار: الشام ومصر واليمن وخراسان 161 تابعياً.
وفي عصر أتباع التابعين نجد المشاهير من أتباع التابعين بالمدينة 133، وبالبصرة 107، وبالكوفة 104.
فهذه الإحصائية العلمية في ضوء كتابات ابن حبان رحمه الله تعطي للمدينة المنورة سهم الأسد في مجال العلم والعلماء من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنتصف الثاني من القرن الثاني.
ويستحسن بنا هنا أن نستفيد من المعلومات التي أوردها ابن حزم رحمه الله في «الإحكام في أصول الأحكام» حيث قال:
«المكثرون من الصحابة رضي الله عنهم فيما روي عنهم من الفتيا:
1 - عائشة أم المؤمنين [المدينة].
2 - عمر بن الخطاب [المدينة].
3 - ابنه عبد الله [المدينة].
4 - علي بن أبي طالب [المدينة، ما عدا الخمس سنوات الأخيرة تقريباً].
5 - عبد الله بن العباس [المدينة، مكة، الطائف].
6 - عبد الله بن مسعود [المدينة، الكوفة].
7 - زيد بن ثابت [المدينة].
فهم سبعة، يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر صخمٌ، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس في عشرين كتاباً، وأبو بكر المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث».
«والمتوسطون منهم فيما رُوِي عنهم من الفتيا رضي الله عنهم:
1 - أم سلمة أم المؤمنين.
2 - أنس بن مالك.
3 - أبو سعيد الخدري.
4 - أبو هريرة.
5 - عثمان بن عفان.
6 - عبد الله بن عمرو بن العاص.
7 - عبد الله بن الزبير.
8 - أبو موسى الأشعري.
9 - سعد بن أبي وقاص.
10 - سلمان الفارسي.
11 - جابر بن عبد الله.
12 - معاذ بن جبل.
13 - أبو بكر الصديق.
فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جداً، ويضاف إليهم:
14 - طلحة.
15 - الزبير.
16 - عبد الرحمن بن عوف.
17 - عمران بن الحصين.
18 - أبو بكرة.
19 - عبادة بن الصامت.
20 - معاوية بن أبي سفيان،
والباقون منهم رضي الله عنهم مقلون في الفتيا، لا يروي الواحد منهم إلا المسألة، والمسألتين، والزيادة اليسيرة على ذلك فقط.
يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث».
فإذا قرأنا ما كتبه ابن حبان في ضوء تفصيل ابن حزم نرى أنه رغم تفرّق الصحابة في الأمصار بقي أربعة من السبعة بالمدينة من المكثرين من أصحاب الفتيا، وهم: أم المؤمنين عائشة، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت.
وحتى أولئك الذين خرجوا من المدينة إلى أماكن أخرى قد أنفقوا جل أعمارهم بالمدينة مثل: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود.
وبما أن حظ المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كبيراً، فقد كان له أثر في إيجاد حركة علمية، وإخراج عدد كبير من التابعين الذين نشروا الشريعة وثبّتوا الدين.
مشاهير التابعين بالمدينة
وكان من أبرز التابعين الذين كانوا قد تتلمذوا على الصحابة بالمدينة المنورة: 1 - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (35 - 105هـ). 2 - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (23 - 94هـ).
3 - سليمان بن يسار الهلالي مولى أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها (24 - 100هـ).
4 - سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي (15 - 94هـ).
5 - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن غافل الهذلي (00 - 98هـ).
6 - عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي (00 - 94هـ).
7 - خارجة بن زيد بن ثابت (30 - 100هـ).
8 - أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة العدوي المدني.
9 - سالم بن عبد الله بن عمر (0 - 106هـ).
10 - عبيد الله بن عبد الله بن عمر (0 - 106هـ).
11 - عبد الله بن عمر بن ربيعة (10 - 89هـ تقريباً).
12 - أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (22 - 94هـ).
13 - قبيصة بن ذؤيب (1 - 87هـ).
هؤلاء بعض كبار التابعين من الفقهاء والمفتين بالمدينة المنورة في القرن الأول، والذين كانوا يشكلون مجالس علمية تسمى بالفقهاء الاثني عشر، أو العشرة، أو الفقهاء السبعة، وهذه التسمية الأخيرة أكثر شهرة.
وقد ألف أحد تلامذة هؤلاء السبعة أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي المدني (64 - 130هـ) ما سمي فيما بعد ذلك «كتاب السبعة»، وقد روى عنه ابنه عبد الرحمن بن أبي الزناد المتوفى سنة 174هـ هذا الكتاب.
قال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من الزهري ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير بن عبد الله الأشج.
وكان أبوالزناد كاتب بني أمية.
وكان فقيهاً صاحب كتاب.
وفي ضوء ما نقلنا من وفيات الفقهاء السبعة أو العشرة نجد نهاية القرن الأول تعتبر نهاية تلك النجوم اللامعة ووداعهم لهذه الأرض، رحمهم الله، ورضي الله عنهم أجمعين.
وفي نهاية القرن الأول، عندما بدأ يتوارى من السماء نجم تلو آخر، ولد في تلك الآونة نجم جديد، وهو مالك بن أنس، نهلَ من تراثهم، ومشى على دربهم، وسلك مسلكهم في سبيل نشر الشريعة، إذ هو عالم مجتهد من كبار مجتهدي الأمة، وهو تلميذ نجيب لتلاميذ هؤلاء السبعة أو العشرة، ناقل لتراثهم، وهو أيضاً امتداد في أصوله وفروعه لتلك الشجرة الباسقة اليانعة.
أما بعد: فهذه دراسة متواضعة جداً عن عملاق من عمالقة التاريخ الإسلامي، عن الإمام مالك وكتابه الموطأ.
أما ما كتب عن الإمام مالك،.
وعن كتابه الموطأ، وعن مذهبه الفقهي فيكوِّن مكتبة ضخمة، ولقد سجل القاضي عياض ما يقارب أربعين كتاباً قد أُلّف في مناقبه فقط، إذن هذه الدراسة هي جهد المقل، وآمل أن تكون لبنة في الصرح الجميل.
تشتمل هذه الدراسة على سبعة أبواب وملحق:
الباب الأول: الإمام مالك وسيرته وحياته العلمية.
الباب الثاني: الموطأ، بواعث تأليفه، وتاريخ تصنيفه.
الباب الثالث: تلاميذ الإمام مالك.
الباب الرابع: رواة موطأ الإمام مالك.
الباب الخامس: بعض أقاويل الإمام مالك.
الباب السادس: بعض القضايا المتعلقة بموطأ الإمام مالك، وما أثير حوله قديماً وحديثاً.
الباب السابع: خدمتي للكتاب: حول المنهج المتبع في تحقيق الموطأ.
الملحق: المقارنة بين نصوص الموطأ المرويَّة من قبل يحيى بن يحيى الليثي والأخرى المروية عن أبي مصعب الزهري، للنظر في ادعاء الدكتور بشار عواد بعدم التزام مالك باللفظ، وتغييره في الألفاظ أحياناً.
مالك بن أنس رحمه الله، سيرته ومنهجه في الدراسة والتدريس
هو حجة الأمة، إمام دار الهجرة، بل إمام الحرمين، المشهور في البلدين، الحجاز والعراقين، المستفيض مذهبه في المغربين والمشرقين، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث، ذو أصبح الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني رحمه الله.
أسرة مالك
أصله من اليمن، وقد نزحت أسرته إلى المدينة المنورة.
قال البخاري: «حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي أويس، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، قال: قال لي عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي: هل لك إلى ما دعانا إليه غيرك فأبينا عليه، أن يكون هدمنا هدمك، ودمنا دمك، ترثنا ونرثك، ما بل بحر صوفة».
وعلى هذا قد تم التحالف فيما بينهما.
وقال أبو مصعب الزهري: «مالك بن أنس من العرب صليبة، وحلفه في قريش في بني تيم بن مرة».
أما أصل الإمام مالك من اليمن فلا اختلاف فيه، لكن اختلف المؤرخون مَن مِن أجداد مالك نزح إلى المدينة من اليمن؟
ذكر القاضي بكر بن علاء القشيري: أن أبا عامر بن عمرو جد أبي مالك رحمه الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وشهد المغازي كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم خلا بدراً».
وهذا كلام ينقصه التوثيق التاريخي، ولم يذكره ابن عبد البر.
إذ لو كانت القصة ثابتة عنده لذكرها بالتأكيد.
جد مالك بن أنس
وقال عبد الله بن مصعب: «قدم مالك بن أبي عامر المدينة متظلماً من بعض ولاة اليمن فمال إلى بعض بني تيم بن مرة، فعاقده وصار معهم».
يقول القاضي عياض: «مالك جد مالك كنيته أبو أنس.
من كبار التابعين، ذكر ذلك غير واحد.
يروي عن عمر وطلحة وعائشة وأبي هريرة، وحسان بن ثابت، وكان من أفاضل الناس وعلمائهم، وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ليلاً إلى قبره، وغسلوه ودفنوه، وكان خدناً لطلحة.
يروي عنه بنوه: أنس، وأبو سهيل نافع، والربيع.
مات سنة ثنتي عشرة ومائة».
ومن المستغرب أن لا يروي عنه حفيده مالك، وقد كان عند وفاته في حدود العشرين من عمره.
وروى التستري محمد بن أحمد القاضي أن مالكاً - جد الإم
ام مالك
«كان ممن يكتب المصاحف حين جمع عثمان المصاحف» ويفهم منه أنه كان في اللجنة التي اختيرت لكتابة المصحف من قبل سيدنا عثمان رضي الله عنه.
وإن كان الهدف أنه كتب مصحفاً خاصاً به أو لغيره في تلك الأيام فهذا لا غبار عليه، لأن هذا المصحف كان عند الإمام مالك رضي الله عنه وكان مفضضاً.
عم مالك
وعم الإمام مالك وهو أبو سهيل بن مالك كان من العلماء الذين رُوي عنهم العلم حتى استشاره عمر بن عبد العزيز في مسألة القدرية.
والد مالك
والد الإمام مالك بن أنس هو: أنس بن مالك بن أبي عامر، من مواليد الحجاز، وكان عنده أربع إخوة.
قال الذهبي: أعمام مالك هم:
أبو سهيل نافع، وأويس، والربيع، والنضر، أولاد أبي عامر، وهي أسرة علمية.
أم مالك
قال الذهبي: أم مالك اسمها: «عالية بنت شريك الأزدية».
ولادة مالك
في هذه الأسرة الحميدة المثقفة ولد الإمام مالك رحمه الله في سنة ثلاث وتسعين من الهجرة بذي المروة وكان والده يشتغل نبالاً.
ولم يكن له انشغال بالعلم.
قال أبو مصعب «كان أبو مالك بن أنس مقعداً ... وكان يعيش من صنعة النبل».
وقد ذكر في بعض الكتب: روى مالك، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث يفرح لهن الجسد فيربو عليهن: الطيب، والثوب اللين، وشرب العسل .. وهذا هو الخبر - ولعله - الوحيد الذي نسب إلى مالك أنه رواه عن أبيه، وهو غير ثابت.
ثم انتقلت هذه الأسرة من ذي المروة إلى العقيق على مشارف المدينة.
متى خرج أنس، والد مالك من المدينة إلى ذي المروة؟ ومتى عاد إلى العقيق؟ وما الدوافع لهذا الترحال ثم العودة إلى قرب المدينة؟ لم أجد في المصادر المتوفرة جواباً على هذه الأسئلة.
ثم بعد ذلك تحول مالك إلى المدينة.
«قال ابن بكير: مولد مالك بذي المروة، وكان أخوه النضر يبيع البز، وكان مالك معه بزازاً، ثم طلب العلم، وكان ينزل أولاً بالعقيق، ثم نزل بالمدينة».
وكان منزله في المدينة في بيت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
أولاد مالك
قال القاضي عياض: «كان لمالك ابنان يحيى ومحمد، وابنة اسمها فاطمة.
ونقل القاضي عياض عن ابن شعبان: أن يحيى بن مالك يروي عن أبيه نسخة، وذكر أنه رُوي الموطأ عنه باليمن، روى عنه ابن سلمة، وابنه محمد، وقدم مصر، وكُتب عنه، حدث عنه الحارث بن مسكين وزيد بن بشر».
بينما قال ابن عبد البر: «كان لمالك رحمه الله أربعة من البنين يحيى، ومحمد، وحمادة، وأم ابنها.
فأما يحيى وأم ابنها فلم يوص بهما، إلى أحد، فكانا مالكين لأنفسهما.
وأما حمادة ومحمد فأوصى بهما إلى إبراهيم بن حبيب، رجل من أهل المدينة، كان مشاركاً لمحمد بن بشير».
أما ابنه محمد فلم يفلح في العلم، وأما ابنته فاطمة فكانت تحفظ الموطأ.
قال الزبير: «كان لمالك ابنة تحفظ علمه يعني الموطأ، وكانت تقف خلف الباب، فإذا غلط القارئ نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه.
وكان ابنه محمد يجيء وهو يحدث وعلى يده باشق، ونعل كتب فيه، وقد أرخى سراويله، فيلتفت مالك إلى أصحابه، ويقول: إنما الأدب مع الله، هذا ابني وهذه ابنتي».
وقال الفروي: «كنا نجلس عنده وابنه يدخل ويخرج ولا يجلس، فيقبل علينا ويقول: إن مما يهون عليّ أن هذا الشأن لا يورث».
مالك وبداية تحصيله للعلم
أوّل ما وجهته أمه إلى كتَّاب بني تيم فحفظ القرآن، وعندما رغب مالك في تحصيل العلم أخبر أمه، فقالت: «تعال فالبس ثياب العلم، فألبستني ثياباً مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن».
ويبدو أنه في صغره كان يشتغل في التجارة مع أخيه النضر ليساعده في تحمل نفقات البيت.
قال الذهبي: نشأ «مالك في صون ورفاهية وتجمل».
قال ابن بكير: «كان أخوه النضر يبيع البز، وكان مالك معه بزازاً، ثم طلب العلم».
قال ابن القاسم: «أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا بعد».
«وقال أحمد بن صالح: كان مالك قليل المشي، يظهر التجمل، ضيق الأمر، لم يكن له منزل، كان يسكن بكراء إلى أن مات، وسأله المهدي ألك دار؟ فقال: لا».
السبب في جدية طلب العلم عند مالك ومناقشته
بعد حفظه للقرآن اتجه مالك إلى دراسة الشريعة والتي تشمل السنة والآثار، وفي بداية الأمر اتصل بعبد الرحمن بن أبي ربيعة، ثم بدأ يحضر حلقات الآخرين.
قال القاضي عياض: «قال مالك: كان لي أخ في سن ابن شهاب، فألقى أبي يوماً علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم.
فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين، وفي رواية ثمان سنين لم أخلط بغيره».
لقد قبل هذا الخبر الأستاذ أبو زهرة - رحمه الله - فاستنتج منه أن «هذا لا يكون دون العاشرة».
إني لا أتعرض لانقطاع الإمام مالك إلى ابن هرمز، هذا لا غبار عليه، ولكن الاعتراض عندي على السبب.
جاء في النص «كان لي أخ في سن ابن شهاب».
والفرق بين ابن شهاب ومالك هو أربعون سنة فقط.
فإذا كان مالك عمره عشر سنوات، سيكون عمر أخيه خمسين سنة.
أيكون معقولاً من والد يوجه سؤالاً إلى رجل كهل عمره خمسون عاماً، والآخر في طفولته وعمره عشر
سنين، فإذا أخطأ الطفل الجواب فيوبخه.
أو كان مستوى السؤال يناسب الطفل في العاشرة، والسؤال نفسه يوجه إلى رجل في كهولته؟
وهذا الشيء كثير في كتب مناقب الأئمة، وما كتب في مناقب أبي حنيفة والشافعي أدهى وأمر.
على كلٍّ كان الإمام مالك محظوظاً جداً، إذ استفاد من نافع مولى ابن عمر، حين فاته سالم بن عبد الله بن عمر (المتوفى 106هـ) ونافع هو الآخر توفي في (117هـ) ولكنه استفاد منه استفادة تامة.
«قال مصعب: كان مالك يقود نافعاً من منزله إلى المسجد، وكان قد كف بصره، فيسأله فيحدثه، وكان منزل نافع بناحية البقيع».
و «قال مالك: كنت آتي نافعاً مولى ابن عمر، وأنا يومئذ غلام، ومعي غلام لي، وينزل إليّ من درجة له فيقعدني معه فيحدثني».
وقال: «كنت آتي نافعاً نصف النهار وما تظلني الشجر من الشمس إلى خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده، ثم أتعرض له فأسلم عليه، وأدعه حتى إذا دخل البلاط، أقول له: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني، ثم أجلس عنده، وكان فيه حدة».
منهج مالك في تحمل العلم (صفات مشايخه)
ثقة، متقن، يقظ
قال الذهبي: قال: «إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن وغيره، عن مالك، قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس.
وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث،
وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به».
قال ابن أبي أويس: سمعت مالك بن أنس يقول: «إن هذا العلم هو لحمك ودمك، وعنه تسأل يوم القيامة، فانظر عمن تأخذه»
وقال ابن أبي أويس: «سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إنّ هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ... ».
قال مطرف بن عبد الله: إني أشهد مالكاً يقول: «أدركت ببلدنا هذا - يعني المدينة - مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، فما كتبت عن أحد منهم حديثاً قط.
قلت: لِمَ يا أبا عبد الله؟
قال: لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون.
قال: وقال مالك: كنا نزدحم على باب ابن شهاب».
«قال ابن وهب: نظر مالك إلى العطاف بن خالد، فقال: بلغني أنكم تأخذون من هذا.
فقلت: بلى.
فقال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء».
وقال بشر بن عمر: «سألت مالكاً عن رجل.
فقال: رأيته في كتبي؟
قلت: لا.
فقال: لو كان ثقة رأيته في كتبي».
ومالك، له قدوة فيمن مضى.
روى ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: «أدركت بالمدينة مائة أو قريباً من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات، يقال: ليس من أهله».
في ضوء النصوص التي نقلتها يمكننا أن نقول: إنه كان يدقق في اختيار مشايخه أي تدقيق، وكان لا بد من وجود صفات الصدق والعدالة والإتقان والحفظ والتيقظ فيهم، ويكاد ينحصر مشايخه في أهل المدينة، وذلك أنه يكون أقدر على الفحص والتمحيص، ومن ناحية أخرى لشرف المدينة.
مشايخ مالك
لقد ادَّعى بعض كُتّاب المناقب أن مشايخ الإمام مالك يقربون ألفاً.
نقل إبراهيم بن الصديق عن الرسالة المصنفة في بيان سبل السنة المشرفة لمؤلفه ضياء الدين أبي القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الدولعي المتوفى سنة 589 هـ قوله:
«أخذ مالك على تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين، وستمائة من تابعيهم ممن اختاره وارتضى دينه، وفقهه، وقيامه بحق الرواية وشروطها، وخلصت الثقة به، وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية».
وهذا كلام لا يمت إلى العلم بصلة، لم يسافر الإمام مالك رحمه الله خارج المدينة إلا إلى مكة في موسم الحج، وإذا جمعنا مشاهير العلماء في ذلك الوقت في هذين البلدين لا يصل الرقم إلى هذا العدد، وعلينا أن لا نغفل شروط الإمام مالك، وتحريه في الرواية عن الأشخاص.
ومن قديم ذكر الدارقطني، وابن عبد البر، والقاضي عياض، والذهبي والمزي وغيرهم رحمهم الله جميعاً مشايخ مالك، وأنقل هنا قائمة مشايخ مالك من كتب الدارقطني، وابن عبد البر، والذهبي، مع ترتيبهم ترتيباً هجائياً.
شيوخ مالك
اسم الشيخ /المصادر
إبراهيم بن أبي عبلة /ابن عبد البر إبراهيم بن عقبة /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي أبو بكر بن عمر العمري /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
أبو بكر بن نافع /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
أبو عبيد الله مولى ابن أزهر/ الدارقطني
أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك / ابن عبد البر
أبو ليلى الأنصاري /ابن عبد البر
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة /ابن عبد البر- الدارقطني- الذهبي
إسماعيل بن أبي حكيم/ ابن عبد البر- الدارقطني- الذهبي
إسماعيل بن محمد بن ثابت /الدارقطني
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص/ ابن عبد البر- الدارقطني -الذهبي
أيوب بن أبي تميمة السختياني /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
أيوب بن حبيب الجهني /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
ثور بن زيد الديلي /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
جعفر بن محمد /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
حميد بن قيس الأعرج /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
حميد الطويل /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
خبيب بن عبد الرحمن /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
داود بن الحصين /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
داود بن عبد الله /الدارقطني - الذهبي
ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
زياد بن أبي زياد / ابن عبد البر
زياد بن سعد /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
زيد بن أبي أنيسة /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
زيد بن أسلم /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
زيد بن رباح /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
السائب بن يزيد / الدارقطني
سالم أبو النضر /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
سعد بن إسحاق /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
سعيد بن أبي سعيد المقبري /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
سعيد بن عمرو بن شرحبيل الأنصاري ابن عبد البر - الذهبي
سلمة بن دينار الأعرج /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
سلمة بن صفوان الزرقي /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
سمي مولى أبي بكر /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
سهيل بن أبي صالح /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
شريك بن أبي نمر /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
صالح بن كيسان /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
صدقة بن يسار /ابن عبد البر
صفوان بن سليم /ابن عبد البر - الذهبي
صيفي مولى ابن أفلح /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
ضمرة بن سعيد /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
طلحة بن عبد الملك /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
عامر بن عبد الله بن الزبير /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
عبد الله بن أبي بكر بن حزم /ابن عبد البر - الدارقطني - الذهبي
النتيجة
وبمقارنة قائمة مشايخ مالك في الموطأ بقائمة الدارقطني وابن عبد البر والذهبي يتبين أن تعداد مشايخ مالك لا يتجاوز عن عشرة ومائة شخصٍ، إلا أن هؤلاء يذكرون مشايخ مالك في الموطأ فقط،
ومما لا ريب فيه، أن هذه القائمة لا تستوعب كافة مشايخ مالك، لأن مالكاً رحمه الله تحمل علماً كثيراً، وقد روى منه شيئاً يسيراً.
فمن تركهم من مشايخه ولم يرو عنهم لا نعرف عنهم شيئاً، على كل يستبعد أن من تركهم من مشايخه من المدينة يصل عددهم تسعة أضعاف.
مالك وحفظه للعلم
قال مالك بن أنس: «قدم علينا الزهري، فأتيناه ومعنا ربيعة، فحدثنا نيفاً وأربعين حديثاً، ثم أتيناه الغد، فقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدّثتكم به أمس، أي شيء في أيديكم منه؟
قال: فقال ربيعة: ها هنا من يردّ عليك ما حدثت به أمس.
قال: ومن هو؟
قال: ابن أبي عامر.
قال: هات.
قال: فحدثته بأربعين حديثاً منها،
فقال الزهري: ما كنت أُرى أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري».
مالك وكتابته للعلم
هل كان يحفظ الإمام مالك أحاديثه ويكتفي بذلك أو يكتبها ويدونها؟
«قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟
فقالت: تعال.
فالبس ثياب العلم.
فألبستني ثياباً مشمّرةً، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن».
وقال القاضي عياض: «قال ابن أبي زنبر سمعت مالكاً يقول: كتبت بيدي مائة ألف حديث».
وابن أبي زنبر ضعيف.
وقال القاضي عياض: «وروى بعضهم أنه قال: كتبت بيدي مائة ألف حديث».
وقال أحمد بن صالح: «نظرت في أصول كتب مالك فإذا شبيه باثني عشر ألف حديث».
وروى عنه ابن إسحاق قال: ما كتبت عن أحد كتاباً على وجهه إلا عن العلاء.
وقال عبد الله بن عمر: «عامة ما سمعت من ابن شهاب أنا ومالك عرضاً، كان مالك يقرأ لنا وكان حسن القراءة» وهذا يدل على استعمال مالك الكتاب في الدراسة.
وقال «عبد العزيز بن عبد الله: سئل مالك أسمع من عمرو بن دينار؟
فقال: رأيته يحدث والناس قيام يكتبون، فكرهت أن أكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم».
وقال مالك: «رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين، فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعداً في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأيت ذلك كتبت عنه».
وقال معن بن عيسى: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، كيف لم تكتب عن الناس وقد أدركتهم متوافرين؟.
فقال: أدركتهم متوافرين ولكن لا أكتب إلا عن رجل يعرف ما يخرج من رأسه».
وقال ابن عيينة: «إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ إن كتب عنه وإلا تركناه».
والنص التالي يوضح أكثر.
قال ابن معين: قال ابن عيينة: ما نحن عند مالك، إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر الشيخ، إن كان كتب عنه مالك، كتبنا عنه وإلا تركناه».
في ضوء هذه النصوص نستطيع أن نقول بكل طمأنينة أن الإمام مالك كان يكتب عن مشايخه، وما كان يكتفي بالحفظ.
لأن ابن عيينة عبّر بقوله: كنا ننظر إلى الشيخ، إن كان كتب عنه مالك، كتبنا عنه.
ونقول أخرى ذكرتها من قبل أيضاً تدل على كتابة مالك رحمه الله.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: «ما كتبت في هذه الألواح قط».
وهذا القول يحتاج إلى تأويل، إذ ثبتت كتابته للأحاديث، وقراءته من الكتاب.
مالك وحصيلته العلمية
لقد نهل مالك من الينابيع الصافية من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان جل مشايخهم من المدينة.
وقد وصف علمه أمير المؤمنين في الحديث علي بن المديني فقال: «نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة: فلأهل المدينة:
- ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، ويكنى أبا بكر، مات سنة أربع وعشرين ومائة.
ولأهل مكة: - عمرو بن دينار: مولى جمح، ويكنى أبا محمد، مات سنة ست وعشرين ومائة.
ولأهل البصرة: - قتادة بن دعامة السدوسي، وكنيته أبو الخطاب، مات سنة سبع عشرة ومائة.
- ويحيى بن أبي كثير، ويكنى أبا نصر، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة باليمامة.
ولأهل الكوفة: - أبو إسحاق: واسمه عمرو بن عبد الله بن عبيد، ومات سنة تسع وعشرين ومائة.
- وسليمان بن مهران، مولى بني كاهل، من بني أسد، ويكنى أبا محمد، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان حميلاً.
ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنف.
فلأهل المدينة: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، عداده في بني تيم الله، مات سنة تسع وسبعين ومائة.
وسمع من ابن شهاب».
فبناء على شهادة ابن المديني تجمع لدى مالك بن أنس من العلم ما كان بالمدينة، وما كان بالآفاق حيث قال: ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنّف.
ومنهم: الإمام مالك رحمه الله.
الإمام مالك أمين على التراث العلمي المدني
لقد رأينا أن المدينة شرفها الله تعالى كان لها نصيب الأسد من الصحابة المشهورين في مجال العلم والفتاوى، وتراثهم انتقل إلى كبار التابعين.
مثل سعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وآخرين من المسمين بالفقهاء السبعة، أو العشرة أو غير ذلك ..
ولقد ودّع هؤلاء تقريباً في نهاية القرن الأول، وكانت ولادة مالك في العقد الأخير من القرن الأول.
وكبار التابعين هؤلاء - وخاصة الفقهاء السبعة أو العشرة - أثروا في الحياة العلمية بما ورثوه من الصحابة، وقد سلّم جيل التابعين الكبار المسؤولية لجيل التابعين الصغار، فهم تحملوا هذا العبء، وكانوا واسطة خير في نقل التراث، وكانوا مشعلاً للأجيال القادمة، إذ ساهموا في حل المشكلات التي تجددت في المجتمع بحكم النمو والتطور.
التراث المدني من القرن الأول ووصوله إلى مالك عن طريق تلاميذ الفقهاء السبعة
1 - القاسم بن محمد (24 - 105هـ)
يحيى بن سعيد ربيعة بن أبي عبد الرحمن الفضيل بن عبد الله عبد الرحمن بن القاسم
مالك بن أنس
2 - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (23 تقريباً - 94هـ)
سُمَيّ مولى أبي بكر ابن شهاب الزهري
مالك بن أنس
3 - سليمان بن يسار (24 - 100هـ)
أبو الزناد الصلت بن بريد يزيد بن خصيفة يحيى بن سعيد مالك بن أنس
4 - سعيد بن المسيب (15 - 94هـ)
إبراهيم بن عتبة سمَي مولى أبي بكر داود بن حصين صدقة بن يسار عبد الرحمن بن حرملة عبد الله بن أبي حبيبة عبد الله بن دينار أبو الزناد عطاء الخراساني عمارة بن صياد ابن أبي مريم الزهري موسى بن ميسرة يزيد بن عبد الله يحيى بن سعيد
مالك بن أنس
5 - عروة (21 - 93هـ)
إبراهيم بن عتبة ربيعة بن أبي عبد الرحمن هشام بن عروة يحيى بن سعيد
الزهري مالك بن أنس
6 - خارجة بن زيد
ربيعة بن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أبي بكر يحيى بن سعيد مالك بن أنس
7 - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (20 تقريباً - 98هـ)
الزهري أبو الزناد سعيد بن أبي هند
مالك بن أنس
الفقهاء السبعة: الأحاديث والآثار المروية عن طريقهم في الموطأ
اسم أعضاء السبعة /عدد الأحاديث المروية في الموطأ /الآثار المروية في الموطأ /الأراء الفقهية القاسم/ 11/ 30 /34 أبو بكر/ 7/ 1/ 6 سليمان /13/ 24 /27 ابن المسيب /27/ 30/ 77 عبيد الله /14/ 6 / - عروة/ 65/ 36 /48 خارجة/ -/ 2/ -
ولقد درس الأستاذ الدكتور عبد الله الرسيني في رسالته للماجستير: «فقه الفقهاء السبعة وأثره في فقه مالك»، في تسعين مسألة من أبواب الفقه كافة، وهي حصيلة آراء الفقهاء السبعة بالمدينة التي جمعها من مختلف الكتب، فكانت النتيجة كالتالي:
عدد المسائل المدروسة: 90 (تسعون)
اتفاق مالك مع هؤلاء 81
عدد مسائل اختلاف 9
النتيجة: أن الإمام مالك وافق السبعة في 90 في فتاواهم الجماعية.
يقول د. الرسيني: لا شك أن هذه النسبة عالية جداً، الأمر الذي يعتبر تعبيراً صادقاً عن مدى تأثر مالك بالسبعة.
غير أنه ربما ورد التساؤل: ألا يمكن أن تكون هذه المسائل مما يتفق فيها العلماء ولا يختلفون؟
ولكي نتأكد من صحة هذا الاستنتاج علينا أن نقارن آراء الفقهاء السبعة برأي فقيه معاصر لمالك أو متقدم عليه قليلاً، لكنه من بيئة فقهية أخرى ولم يكن له صلة بعلم هؤلاء كصلة مالك بهم، ولذلك اخترنا أبا حنيفة رحمه الله لمعرفة رأيه في تلك المسائل.
ولقد درس الدكتور الرسيني خمساً وأربعين مسألة فقهية من فقه الفقهاء السبعة مع موقف أبي حنيفة في تلك المسائل، وكانت النتيجة أن أبا حنيفة خالف الفقهاء السبعة في 23 مسألة من 45 مسألة أي نسبة المخالفة 53 بالمائة بينما نسبة المخالفة عند مالك 10 % فقط.
ثم يقول الدكتور عبد الله الرسيني: وبعد مقارنة آراء السبعة بآراء مالك وآراء أبي حنيفة وبعدما أظهرت لنا تلك المقارنة من اتفاق وخلاف يمكن القول - بكل طمأنينة - أن الإمام مالك كان ينهج نهج الفقهاء السبعة في التفكير الفقهي، ولذلك كثر وفاقه للسبعة حتى أصبح الخلاف في حكم النادر، بينما نرى الأمر عند أبي حنيفة كان على عكس ذلك، وهذا يؤيد نتيجتنا - السالفة - وهي تأثر الإمام مالك بفقه هؤلاء، وبمنهج تفكيرهم الفقهي.
ثم درس الأستاذ الرسيني موقف مالك من آراء فقهاء السبعة كأفراد - دون الفقهي الجماعي للسبعة - فكانت النتيجة كالتالي:
عدد المسائل المدروسة: 362
عدد مسائل الاتفاق دون خلاف: 229
مسائل وافق فيها البعض وخالف آخرين 26
مخالفة البعض دون الموافقة لأي منهم 107
مجموع الخلاف: 133
نسبة الاتفاق: 63
وهذه النسبة في اتفاق مالك مع السبعة تؤكد ما أنتجته مقارنة فقه مالك بفقه جماعة السبعة ومن تأثره بهم تأثراً بالغاً وعلى أساس هذه الدراسة الجادة يمكن القول بكل طمأنينة أن الإمام مالكاً رحمه الله كان أميناً على تراث المدينة المنورة التي تمتد جذوره إلى العهد النبوي، وكان منهج تفكيره الأصولي يوافق تماماً منهج أسلافه، وليست هذه الدراسة فقط كشفت هذه الحقيقة، ولكن الموطأ نفسه خير شاهد على هذا.
لأنه نفسه يستعمل التعبيرات في الموطأ بما يدل على الأخذ بأقوال من سبق فمثلاً يقول:
«وأحسن ما سمعت في ذلك».
وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة 108.
وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة 118.
وهو أحب ما سمعت إليّ في ذلك، الموطأ الفقرة 204.
وعلى هذا أدركت من أرضي من أهل العلم، الموطأ الفقرة 920.
وهذا أحسن ما سمعت، الموطأ الفقرة 1086.
وقد سمعت من يقول ذلك، الموطأ الفقرة 944.
والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، الموطأ الفقرة 1096.
«وأدركت أهل العلم ببلدنا».
«لم يبلغني في النداء، إلا ما أدركت الناس عليه».
فهذا دليل قاطع على أن مالكاً امتداد لغرس المدينة المنورة الذي سقاه الصحابة والتابعون، ثم تسلمها مالك فامتدت جذورها وأوْرقت، وأثمرت حتى شملت القارات الثلاث بداية من خراسان شرقاً والبرتغال غرباً، ومن أوربا وتركيا شمالاً إلى اليمن وحضرموت جنوباً.
وهو سر من أسرار الله تعالى.
إن رجلاً انقطع عن الجمعة والجماعات، وزيارة الناس، وحضور الجنائز لسنين، على الرغم من ذلك، كما يقول ابن المبارك: «ما رأيت رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة».
وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة».
وقد فسره ابن عيينة أنه: مالك بن أنس.
ولا أعرف محدثاً رزق في حياته وبعد مماته القبول، وانتشار كتابه، وتلقي الأمة له بالقبول مثل ما حصل لموطأ مالك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.
مما لا شك فيه أن صحيح البخاري أعلى درجة عند المسلمين من كل كتاب ألفه المسلمون في تاريخهم الثقافي، لكن الإمام البخاري رحمه الله لم يعط حظوة في حياته مثل الإِمام مالك.
مالك وبداية تدريسه
وقد بدأ الإمام مالك نشاطه التدريسي في وقت مبكر.
قال النسائي: أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ
غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكَ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ بعَدَ مَوْتِ نَافِعٍ بِسَنَةٍ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَلْقَةٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله
بْنُ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الأيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا والْيتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
وقد مات نافع في سنة 117هـ.
وقال أيوب السختياني: قدمت المدينة في حياة نافع ولمالك حلقة.
وكان مالك يقول: «ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس.
وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل
العلم أني لموضع لذلك.
وكان يصعب عليه في مقتبل عمره أن يجلس للتدريس ككبار المشايخ، لكنه تدرج وشهد له الأفاضل من المدينة، والجلة من الآفاق.
«وقال مصعب: كان لمالك حلقة في حياة نافع أكبر من نافع».
«قال ابن وهب: جاء رجل يسأل مالكاً عن مسألة، فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقفل عليه مالك كالمغضب، وقال له: جسرت على أن تفتي يا عبد الرحمن؟ يكررها فلما سكن غضبه، قيل له: من سألت؟
قال: الزهري وربيعة الرأي».
مالك ومجلسه العلمي
إن المتتبع لسيرة الإمام مالك رحمه الله يجد أنه كان يحترم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أي احترام، كان يسأل الطلبة عن حاجتهم، هل يريدون معرفة المسائل الفقهية أم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت الرغبة في الأحاديث فلها ترتيب خاص من غسل وتعطر وملابس جديدة، ولها اهتمام ما بعده اهتمام.
أما إن كانت الرغبة في المسائل الفقهية فله اهتمام دون ذلك.
وحين يأتي الحجاج من الآفاق في موسم الحج، فإن هناك ترتيباً خاصاً لأيام المواسم، وترتيب آخر في غير موسم الحج.
ثم كانت هناك مجالس خاصة للفقهاء، لا يشاركهم غيرهم.
وكان له حاجب ينادي كل طبقة على حدة للدخول في المجلس.
ثم ليس هناك لغط أو رفع صوت بل سكوت تام وإصغاء كامل، فيقرأ القارئ بحيث لا يتجاوز الورقتين أو الثلاث.
وحين القراءة هناك من كان يكتب في المجلس ما يسمع، أو يكتب قبل الدرس أو بعده ثم يصحح كراسته بكراسة الشيخ أو القارئ.
وكان مالك دقيقاً جداً في تعليمه.
صارماً في دروسه، محدوداً في المادة التي يلقيها.
من استزاد عوقب أو سجن.
وإذا طلب معاملة خاصة رفض سواءً كان خليفة أم أميراً أم فقيراً.
وكان مالك مرهف الحس، وكان يتأثر بحسن الطلب، وإذا استثقل القارئ استبدله بغيره.
هذه صورة عامة لمجلس الإمام مالك حين تدريسه وإملائه، والنصوص الآتية تدلل على ذلك.
مالك وتفريقه بين مجلس الحديث ومجلس الفقه
1 - «قال مطرف: وكان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟
فإن قالوا: المسائل.
خرج إليهم، فأتاهم، وإن قالوا: الحديث، قال لهم: اجلسوا، ودخل مغتسله، فاغتسل، وتطيب، ولبس ثياباً جدداً، ولبس ساجه، وتعمم، ووضع على رأسه طويلة، وتلقى له المنصة، فيخرج إليهم وقد لبس وتطيّب، وعليه الخشوع، ويوضع عود فلا يزال يُبَخّر حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم».
2 - ويصف مجلسه تلميذ آخر من كبار تلامذته:
ألا وهو معن بن عيسى وهو يقول: «كان مالك بن أنس رحمة الله عليه إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل، وتبخر، وتطيب ... ».
4 - وقال ابن بكير: «كان مالك بن أنس رحمه الله إذا عُرض عليه الموطأ تهيأ ولبس ثيابه، وعمامته، ثم أطرق ولا يتنحنح، ولا يعبث بشيء من لحيته حتى يفرغ من القراءة إعظاماً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم».
5 - وقال أبو مصعب: «كان مالك لا يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على الطهارة إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم».
6 - قال ابن أبي أويس: «كان مالك إذا جلس للحديث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً ...
ولم يكن يجلس على المنصة إلا إذا حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على احترامه الشديد لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان اهتمامه فوق اهتمامه لتدريس المسائل الفقهية.
وفي تدريسه كان يراعي الزمان، إذ كان يكثر الطلاب في موسم الحج ممن يأتون لزيارة المدينة ويقصدون مالكاً للعلم.
قال يحيى: «إذا قدم الحاج جعل بواباً على بابه يأذن أولاً لأهل المدينة، فإذا دخلوا قال للبواب: تنح، وكان آذنه يخص أولاً أصحابه، فإذا فرغ منهم أذن للعامة».