مقدمة المؤسسة لكتاب موطأ الإمام مالك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مالك بن أنس
- الكتاب
- الموطأ
- المؤلف
- مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179هـ)
- المحقق
- محمد مصطفى الأعظمي
- الناشر
- مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية - أبو ظبي - الإمارات
- الطبعة
- الأولى، 1425 هـ - 2004 م
- عدد الأجزاء
- 8 (منهم مجلد للمقدمة، و 3 للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي وملحق التراجم ضمن خدمة الرجال] __________نظام الترقيم: 1 - الرقم الأول هو رقم مسلسل، لكل فقرة في الكتاب سواء أكانت هذه الفقرة حديثا أم أثرا أم حتى عنوان كتاب أو باب، وهذا هو الرقم الذي تجده في خانة الرقم بنسخة الشاملة 2 - بعد العلامة (/) يظهر رقم الحديث النبوي المتسلسلمثال: 689/ 220، يعني رقم الفقرة 689، ورقم الحديث 2203 - رقم ط فؤاد عبد الباقي تجده بالهامش: الأحاديث يشار في الهامش لرقمها في ط عبد الباقي، وأقاويل مالك يشار لرقم الحديث في ط عبد الباقي الذي جاء بعده هذا القول، ويميز بحرف أب جـ .. .مثال: تجد بالهامش (القرآن: 5)، معناه أن الحديث في ط عبد الباقي في كتاب القرآن، حديث رقم 5وتجد بالهامش (القرآن: 16أ)، معناه أن هذا القول لمالك تجده في ط عبد الباقي في كتاب القرآن بعد حديث رقم 16
92 - يحيى بن ثابت الجندي، من أهل اليمن.
ذكر القاضي عياض رحمه الله من الطبقة الأولى من أصحاب مالك،
ومن أهل اليمن: يحيى بن ثابت.
من قدماء أصحاب مالك، هو ظيني، جَنَدي،
قال أحمد بن خالد: قال لنا عبيد بن محمد الكشوري: يحيى بن ثابت من أقدم أصحاب مالك، وهو أول من وطَّأ له كتبه.
وحدثنا أحمد بن خالد عن ابن الكشوري عن عبد الله بن الصباح، قال: حدثنا يحيى بن ثابت عن مالك، قال: سمعت ربيعة يقول: لا يحل لأحد عنده موضع العلم إلا طلبه يريد العقل (هكذا).
قال غيره: كان كاتب مالك أولاً».
وقد ذكره القاضي في قائمة الرواة عن مالك، فقال في ضمن حرف الياء ... : «يحيى بن ثابت الجندي».
قال ابن حبان: «يحيى بن ثابت الجندي، من أهل اليمن يروي عن مالك بن أنس.
روى عنه أهل اليمن».
93 - أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، البصري (120 - 198هـ).
الإمام القدوة الحافظ المتقن.
روى عن الخلق، منهم مالك بن أنس، وشعبة.
قال ابن سعد: كان ثقة، مأموناً، رفيعاً، حجة.
روى له الجماعة.
ذكره الأكفاني ممن روى الموطأ عن الإمام مالك، وابن ناصر الدين.
94 - أبو صالح، يحيى بن صالح الوحاظي الشامي، الدمشقي (147 - 222هـ).
روى عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الملك الكلاعي، ومالك بن أنس وآخرين.
روى عنه البخاري، وروى له الباقون سوى النسائي.
ذكره ابن حبان في كتاب الثقات.
وثقه يحيى بن معين، وأبو زرعة الدمشقي وآخرون.
ذكره القاضي عياض ممن روى الموطأ عن مالك بن أنس.
وكذلك كل من الأكفاني.
وابن ناصر الدين.
95 - أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي، المخزومي مولاهم، المصري (154 - 231هـ).
روى عن عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن القارئ، ومالك بن أنس وآخرين.
روى عنه البخاري، وروى له مسلم وابن ماجة.
وروى عنه أبو حاتم الرازي، ويونس بن عبد الأعلى الصدفي وآخرون.
سمع من مالك الموطأ وغيره.
«وقد روى عنه من طريق بقي بن مخلد وغيره أنه سمعه من مالك بضع عشرة مرة».
وقال ابن معين: شر العرضات عرضة ابن بكير.
كان ابن حبيب يصفح له ورقتين في ورقة.
قال عياض: وقال الكندي: كان ابن بكير، فقيه الفقهاء بمصر في زمانه ... سمع من مالك موطأه وغير ذلك.
وفيه ردُّ من قال: شر عرض ابن بكير.
وقد أنكر هذا بعض أصحاب مالك الجلة.
وقال: إنما كانت عرضتنا على مالك ورقتين من الموطأ، فكيف صح هذا؟».
وقد ذكره القاضي عياض ممن روى الموطأ عن الإمام مالك.
وكذلك الأكفاني وابن ناصر الدين والسيوطي.
وقال الخليلي: ثقة روى الموطأ عن مالك.
وتوجد عدة مخطوطات قديمة ونفيسة من رواية ابن بكير.
منها نسخة في مكتبة جامعة استانبول، والمكتبة الظاهرية، وأماكن أخرى.
96 - يحيى بن قزعة القرشي المكي المؤذن.
روى عن إبراهيم بن سعد، وداود بن خالد الليثي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومالك بن أنس وآخرين.
روى عنه البخاري، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن مسلم بن وارة الرازي وآخرون.
ذكره ابن حبان في كتاب الثقات.
وقال ابن حجر: مقبول من العاشرة.
ذكره الأكفاني من ضمن من روى الموطأ عن الإمام مالك، وكذلك ذكره ابن ناصر الدين.
97 - يحيى بن مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي المدني.
قال ابن حبان: «يحيى بن مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي.
سكن اليمن،
وحدثهم بالموطأ.
مستقيم الحديث.
روى عنه همام بن مسلمة اليماني».
وذكره القاضي عياض ممن روى الموطأ عن مالك وكذلك ذكره ابن ناصر الدين.
وقال ابن ناصر الدين: وذكر القاضي عياض أيضاً عن أبي إسحاق بن شعبان أنه قال عن يحيى بن الإمام مالك: ورُوي الموطأ عنه باليمن.
98 - أبو زكريا، يحيى بن مضر القيسي، الشامي، القرطبي.
قال ابن ناصر الدين: شامي الأصل من كبار فقهاء قرطبة.
سمع من سفيان الثوري، ومالك بن أنس.
روى عنه يحيى بن يحيى الليثي قبل رحلته.
قبض عليه في المحنة بسبب خلع أمير الأندلس الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن مروان، فأمر الحكم بن هشام بصلبه في جملة اثنتين وسبعين رجلاً من الفقهاء وأهل الصلاح سنة تسع وثمانين ومائة.
وذكره القاضي عياض من ضمن رواة الموطأ.
99 - أبو زكريا يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميمي النيسابوري (142 - 226هـ).
روى عن إبراهيم بن إسماعيل الصائغ، وحفص بن غياث النخعي ومالك بن أنس وآخرين.
روى عنه البخاري، والذهلي، وروى له، مسلم، والترمذي، والنسائي.
قال النسائي: ثقة ثبت.
كان أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل فكان أحمد يحضر الجماعات في تلك الثياب.
ذكره القاضي عياض في من روى الموطأ عن الإمام مالك، وكذلك ذكره الأكفاني وابن ناصر الدين.
وقال: «روى عن مالك الموطأ، وقيل: إنه قرأه عليه، وهو الذي يدل عليه حديثه عنه في صحيح مسلم وغيره.
وقال أبو بكر بن إسحاق: لم يكن بخراسان أعقل من يحيى بن يحيى، وكان أخذ تلك الشمائل من مالك بن أنس، فأقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه».
100 - يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال بن منغايا، الإمام الكبير، فقيه الأندلس، أبو محمد الليثي البربري المصمودي الأندلسي القرطبي (152 - 234هـ).
مولده في سنة اثنتين وخمسين ومائة.
سمع أولاً من الفقيه زياد بن عبد الرحمن شبطون، ويحيى بن مضر، وطائفة.
ثم ارتحل إلى المشرق في أواخر أيام الإمام مالك، فسمع منه «الموطأ» سوى أبواب من الاعتكاف، شك في سماعها منه، فرواها عن زياد شبطون، عن مالك، وسمع من الليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب،
وعبد الرحمن بن القاسم العتقي، وحمل عن ابن القاسم عشرة كتب سؤالات، ومسائل، وسمع من القاسم بن عبد الله العمري، وأنس بن عياض الليثي.
ويقال: إنه لحق نافع بن أبي نعيم مقرئ المدينة، وأخذ عنه.
وهذا بعيد، فإن نافعاً مات قبل مالك بعشر سنين.
ولازم ابن وهب، وابن القاسم، ثم حج، ورجع إلى المدينة ليزداد من مالك، فوجده في مرض الموت، فأقام إلى أن توفاه الله، وشهد جنازته، ورجع إلى قرطبة بعلم جم، وتصدر للاشتغال، وازدحموا عليه، وبعد صيته، وانتفعوا بعلمه وهديه وسمته.
وكان كبير الشأن، وافر الجلالة، عظيم الهيبة، نال من الرئاسة والحرمة ما لم يبلغه أحد.
روى عنه: ولده أبو مروان عبيد الله، ومحمد بن العباس بن الوليد، ومحمد بن وضاح، وبقي بن مخلد، وصباح بن عبد الرحمن العتقي، وخلق سواهم.
كان أحمد بن خالد بن الحباب الحافظ يقول: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر، ما أعطيه يحيى بن يحيى.
وبلغنا أن يحيى بن يحيى الليثي كان عند مالك بن أنس رحمه الله، فمر على باب مالك الفيل، فخرج كل من كان في مجلسه لرؤية الفيل، سوى يحيى بن يحيى فلم يقم، فأعجب به مالك، وسأله من أنت؟ وأين بلدك؟ ثم لم يزل بعد مكرماً له.
وعن يحيى بن يحيى، قال: أخذت بركاب الليث، فأراد غلامه أن يمنعني، فقال الليث: دعه.
ثم قال لي: خدمك العلم.
قال: فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك.
وقيل: إن عبد الرحمن بن الحكم المرواني صاحب الأندلس نظر إلى
جارية له في رمضان نهاراً، فلم يملك نفسه أن واقعها، ثم ندم، وطلب الفقهاء، وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى: صم شهرين متتابعين، فسكت العلماء، فلما خرجوا، قالوا ليحيى: مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخير بين العتق والصوم والإطعام؟ قال: لو فتحنا له هذا الباب، لسهل عليه أن يطأ كل يوم، ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود.
قال أبو عمر بن عبد البر: قدم يحيى بن يحيى الأندلس بعلم كثير، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار الفقيه عليه، وانتهى السلطان والعامة إلى رأيه، وكان فقيهاً حسن الرأي، وكان لا يرى القنوت في الصبح، ولا في سائر الصلوات، ويقول: سمعت الليث بن سعد يقول: سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول: إنما قنت رسول الله
صلى الله عليه وسلم نحواً من أربعين يوماً يدعو على قوم، ويدعو لآخرين.
قال: وكان الليث لا يقنت.
ثم قال ابن عبد البر: وخالف يحيى بن يحيى مالكاً في اليمين مع الشاهد، فلم ير القضاء به ولا الحكم، وأخذ بقول الليث بن سعد.
قال: وكان يرى جواز كراء الأرض بجزء مما يخرج منها، على مذهب الليث، ويقول: هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر.
قال أبو عمر: وكان يحيى بن يحيى إمام أهل بلده، والمقتدى به منهم، والمنظور إليه، والمعول عليه، وكان ثقة عاقلاً، حسن الهدي والسمت، يُشَبَّه في سمته بسمت مالك.
قال: ولم يكن له بصر بالحديث.
قلت: نعم، ما كان من فرسان هذا الشأن، بل كان متوسطاً فيه رحمه الله.
قال ابن الفرضي: كان يفتي برأي مالك، وكان إمام وقته، وواحد بلده، وكان رجلاً عاقلاً.
قال محمد بن عمر بن لبابة: فقيه الأندلس: عيسى بن دينار، وعالمها: عبد الملك بن حبيب، وعاقلها: يحيى بن يحيى.
ثم قال ابن الفرضي في «تاريخه»: وكان يحيى بن يحيى ممن اتهم ببعض الأمر في الهيج - يعني: في القيام والإنكار على أمير الأندلس - قال: فهرب إلى طليطلة، ثم استأمن، فكتب له الحكم الأمير المعروف بالربضي أماناً، فرد إلى قرطبة.
قال عبد الله بن محمد بن جعفر: رأيت يحيى بن يحيى نازلاً عن دابته، ماشياً إلى الجامع يوم جمعة، وعليه عمامة ورداء متين، وأنا أحبس دابة أبي.
قال أبو القاسم بن بشكوال الحافظ: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة، قد أخذ نفسه في هيئته ومقعده هيئة مالك الإمام بالأندلس، فإنه عرض عليه قضاء الجماعة، فامتنع، فكان أمير الأندلس لا يولي أحد القضاء بمدائن إقليم الأندلس، إلا من يشير به يحيى بن يحيى، فكثر لذلك تلامذة يحيى بن يحيى، وأقبلوا على فقه مالك، ونبذوا ما سواه.
مات يحيى بن يحيى في شهر رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين.
وبعضهم قال: في سنة ثلاث.
والأول أصح.
بعض أقاويل مالك رحمه الله تعالى
لقد اعتادت الشعوب حفظ الجمل والعبارات من كلام العظماء للاستنارة بها في شئون حياتها، وللمسلمين في هذا المجال نصيب أوفر، لأن أئمتنا عاشوا في ظل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتووا من أحاديثه، واستقوا من سننه، فكانت أقاويلهم ثمرة تلك الصحبة والرعاية، وعلى هذا فقد فكرت في جمع بعض أقاويل الإمام مالك رحمه الله،
مراعياً الظروف التي نعيش بها، وإذا أخذنا بأقاويله فهي كفيلة لحلِّ عديد من المسائل في حياتنا.
وقد أضفت قولين أو ثلاثة لغير الإمام مالك للمناسبة، والله من وراء القصد.
وجوب الأخذ بسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
1 - قال الذهبي: ولكن هذا الإمام الذي هو النجم الهادي قد أنصف، وقال قولاً فصلاً، حيث يقول: كل أحد يؤخذ من قوله، ويُترك إلا صاحب هذا القبر، صلى الله عليه وسلم.
2 - قال مطرف بن عبد اللَّه: سمعت مالكاً يقول: «سنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب اللَّه، واستكمال بطاعة اللَّه، وقوة على دين اللَّه، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولّاه اللَّه ما تولّى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً».
عدم التأويل في آيات وأحاديث الصفات
3 - قال ابن وهب: «كنا عند مالك، فقال رجل: يا أبا عبد اللَّه، «الرحمن على العرش استوى» كيف استواؤه؟ فأطرق مالك، وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه، فقال: «الرحمن على العرش استوى» كما وصف نفسه، ولا يقال له: كيف، و «كيف» عنه مرفوع.
وأنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه».
4 - «وقال محمد بن عمرو قشمرد النيسابوري: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كنا عند مالك فجاءه رجل، فقال: «الرحمن على العرش استوى» فذكر نحوه، فقال: الاستواء غير مجهول».
قال الوليد بن مسلم: «سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن الأحاديث التي فيها الصفات، فكلهم قال أمروها كما جاءت بلا تفسير.
وقال أحمد بن حنبل: يسلم لها كما جاءت، فقد تلقاها العلماء بالقبول».
«وأما قول الله عز وجل: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: 106]. فمعناه بخير منها لنا لا في نفسها، والكلام في صفة الباري كلام يستبشعه أهل السنة، وقد سكت عنه الأئمة؛ فما أشكل علينا من مثل هذا الباب وشبهه، أمررنا كما جاء، وآمنا به؛ كما نصنع بمتشابه القرآن، ولم نناظر عليه، لأن المناظرة إنما تسوغ وتجوز فيما تحته عمل، ويصحبه قياس؛ والقياس غير جائز في صفات الباري تعالى، لأنه ليس كمثله شيء».
«قال مصعب الزبيري: سمعت مالك بن أنس يقول: أدركت أهل هذا البلد - يعني المدينة -، وهم يكرهون المناظرة والجدال إلا فيما تحته عمل.
يريد مالك - رحمه الله - الأحكام في الصلاة، والزكاة، والطهارة، والصيام، والبيوع ونحو ذلك؛ ولا يجوز عنده الجدال فيما تعتقده الأفئدة مما لا عمل تحته أكثر من الاعتقاد، وفي مثل هذا خاصة نهى السلف عن الجدال، وتناظروا في الفقه، وتقايسوا فيه؛ - قال ابن عبد البر -: وقد أوضحنا هذا المعنى في كتاب بيان العلم، فمن أراده تأمله هناك - وبالله التوفيق -».
5 - قال القاضي عياض، «قال أبو طالب المكي: كان مالك رحمه اللَّه أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشد نقضاً للعراقيين.
ثم قال القاضي عياض: قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكاً فقال: «الرحمن على العرش استوى» كيف استوى؟ فسكت مالك حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالاً.
أخرجوه.
فناداه الرجل: «يا أبا عبد اللَّه، واللَّه لقد سألت عنها أهل البصرة والكوفة والعراق، فلم أجد أحداً وُفق لما وُفقت له».
و «قال سليم بن منصور بن عمار، قال: كتب بشر المريسي إلى أبي - رحمه الله -: أخبرني عن القرآن، أخالق أم مخلوق؟ فكتب إليه أبي: بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإياك من كل فتنة، وجعلنا وإياك من أهل السنة، وممن لا يرغب بدينه عن الجماعة؛ فإنه إن يفعل، فأولى بها نعمة؛ وإلا يفعل، فهي الهلكة؛ وليس لأحد على الله بعد المرسلين حجة، ونحن نرى أن الكلام في القرآن بدعة تشارك فيها السائل والمجيب، تعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه؛ ولا أعلم خالقاً إلا الله، والقرآن كلام الله، فانته أنت والمختلفون فيه إلى ما سماه الله به، تكن من المهتدين، ولا تسم القرآن باسم من عندك، فتكون من الهالكين؛ جعلنا الله وإياك من الذين يخشونه بالغيب، وهم من الساعة مشفقون».
عدم الجدال في الدين
6 - قال مالك: «الجدال في الدين ينشئ المراء، ويذهب بنور العلم من القلب ويقسي، ويورث الضغن».
7 - قال مالك: «وليس هذا الجدل من الدين بشيء.
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه اللَّه: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل، والدين قد فرغ منه، وليس بأمر يتوقف النظر فيه.
قال عمر بن عبد العزيز لست بمبتدع ولكني متبع».
8 - قال مالك: «وكان يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنيك فإنك ما تدري ما يعلقك من ذلك.
ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئاً من بعض أهل القدر فعلق بقلبه فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم فإذا نهوه قال: فكيف بما علق في قلبي؟ لو علمت أن اللَّه رضي أن ألقي بنفسي من فوق هذه المنارة لفعلت».
منزلة الصحابة
9 - «قرأ مالك هذه الآية: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} فقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية».
10 - قال وكيع: «سمعت مالك بن أنس يقول: واعجبا يسأل جعفر وأبو جعفر عن أبي بكر وعمر رضي اللَّه عنهما».
مالك بن أنس: «كان صالح السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما يعلمون السورة أو السنة».
مالك: «من انتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له في الفيء شيء».
أهل الذنوب مؤمنون
11 - قال مالك: «أهل الذنوب مؤمنون مذنبون وقد سمى اللَّه تعالى العمل إيماناً، وقال: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ يريد صلاتكم إلى بيت المقدس».
في فضائل المدينة
12 - قال مالك: «اختار اللَّه سبحانه المدينة لرسوله صلى الله عليه وسلم لمحياه ومماته، وتبوئت بالإيمان والهجرة، وافتتحت القرى كلها بالسيف حتى مكة، وافتتحت المدينة بالقرآن».
13 - قال مالك: «ولما انصرف عمر من سرغ.
فلما نظر إلى المدينة قال: هذا المتبوأ».
14 - قال مالك: «وبها جَدَث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وآثاره ومنبره.
ومنها يحشر خيار الناس.
وقد بارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مدهم وصاعهم، ورغب في سكناها والصبر على لأوائها».
15 - قال مالك: «قال عمر بن الخطاب: إن المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
قال مالك وسمعت أن جبريل هو الذي أقام قبلته للنبي صلى الله عليه وسلم».
16 - قال مالك: «نهيت بعض الولاة أن يرقى منبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بخفين أو بنعلين، ولم أر ذلك.
وكذلك الكعبة، ولا بأس أن يجعل نعليه في حجزته إذا دخل الكعبة».
17 - قال مالك: «وكان بين منبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجدار القبلة قدر ممر الشاة، ثم قدم عمر جدار القبلة إلى حد المقصورة، ثم قدمه عثمان إلى حيث هو اليوم، وبقي المنبر في موضعه».
18 - «وحرم صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وهما حرتان.
قال مالك: لا يصاد الجراد بالمدينة، ولا بأس أن يطرد عن النخل».
السلام على النبي صلى الله عليه وسلم
19 - قال مالك: «ويسلم الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم حين يقدم، وحين يريد أن يخرج.
قيل: فالرجل يمر بالقبر هل يسلم؟ قال: ما شاء»
لا يبقين دينان في جزيرة العرب
20 - قال مالك: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبقين دينان في جزيرة العرب».
قال مالك: وهي مكة والمدينة واليمن وأرض العرب.
فأجلى عمر أهل نجران وفدك فصولحوا على النصف؛ فقوم النصف الذي لهم فأعطاهم به جمالاً وأقتاباً وذهباً؛ فابتاعه للمسلمين وأجلى يهود خيبر؛ ولم يأخذوا شيئاً لأنهم لم يكن لهم شيء».
واقعية الإمام مالك
وقد أراد أبو جعفر المنصور حمل الناس في الأمْصار على موطأ مالك بعد أن اطلع عليه وشهد له بالأحقية.
فأجابه الإمام مالك رحمه اللَّه جواباً يدل على سعة تفكيره ورجحان عقله:
«يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، وعملوا به ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
فقال: لَعَمْري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به».
أدب الإفتاء
21 - قال مالك: «لم يكن من فتيا الناس أن يقال: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول: أكره هذا ولم أكن لأصنعه.
فكان الناس يكتفون بذلك.
وفي موضع آخر: كانوا لا يقولون: حلال، ولا: حرام، إلا لما في كتاب اللَّه تعالى».
الأخذ بالأحوط
22 - قال مالك: «ربما مر بي زياد مولى ابن عياش فيضع يده بين كتفي ويقول: عليك بالجد فإن كان ما يقول أصحابك من الرخص حقاً لم يضرك.
وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالجد.
يريد ما يقول ربيعة وزيد بن أسلم».
23 - قال مالك: «إذا رأيت هذه الأمور التي فيها الشكوك فخذ في ذلك بالذي هو أوثق».
سعة علمه
24 - قال ابن وهب، قال مالك: «العلم نور يجعله اللَّه حيث يشاء، ليس بكثرة الرواية».
25 - قال ابن وهب، قال مالك: «إن عندي لأحاديث ما حدثت بها قط، ولا سُمعت مني، ولا أحدث بها حتى أموت».
26 - قال ابن وهب - وله مائة ألف حديث ومؤلفات عدة -: «لولا أني أدركت مالكاً والليث لضللت».
تواضعه
27 - قال ابن مهدي: «سأل رجل مالكاً عن مسألة، فقال: لا أحسنها.
فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها.
فقال له مالك: فإذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قد قلت لك إني لا أحسنها».
28 - قال ابن وهب، قال مالك: «لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم حتى يضرّ به الفقر، ويؤثره على كل حاجة».
أدب التدريس
29 - قال مالك: «ليس يسلم رجل حدث بكل ما يسمع ولا يكون إماماً.
ثم قال مالك: يلبسون الحق بالباطل».
30 - قال مالك: «ونهي عن الصياح في العلم وكثرة اللغط.
قال مالك: وكان ابن هرمز قليل الكلام والفتيا، وكان ممن أحب أن أقتدي به، وكان بصيراً بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء، وكان أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من ذلك».
31 - قال مالك: «قال محمد بن عجلان: ما هبت أحداً قط هيبتي زيد بن أسلم، وكان زيد يقول له: اذهب تعلم كيف تسأل ثم تعال.
ويقال: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول».
32 - قال مالك: «ولا أحب هذا الإكثار من المسائل والأحاديث، وأدركت أهل هذا البلد يكرهون الذي في الناس اليوم، ولم يكن أول هذه الأمة بأكثر الناس مسائل ولا هذا التعمق.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة المسائل.
وفي الحديث الآخر: نهى عن قيل وقال وكثرة السؤال.
قال مالك: فلا أدري أهو ما أنتم فيه من كثرة السؤال أم سؤال الاستسعاء».
33 - قال مالك: «من ذلالة العالم أن يجيب كل من سأله».
طلب الحديث من عند أهله
34 - «قال خالد بن خداش: ودعت مالك بن أنس فقلت: أوصني يا أبا عبد اللَّه: قال: تقوى اللَّه.
وطلب الحديث من عند أهله».
التسوية بين حدثنا، وأخبرنا، في تحمل العلم
35 - قال مالك: «ولا بأس أن يقول فيما قرأه على العالم: حدثني، كما يقول: أقرأني فلان، وإنما أنت تقرأ عليه القرآن.
36 - ابن وهب: «قال مالك: العلم نور يجعله اللَّه حيث يشاء ليس بكثرة الرواية».
التعفف عن المال الحرام والتعامل مع العصاة، وغير المسلمين
37 - قال مالك: «في من بيده مال حرام وحلال: فإن كان ما بيده من الحرام شيئاً يسيراً في كثرة حلاله فلا بأس بمعاملته.
وأما إن كان الحرام كثيراً فلا تنبغي معاملته».
38 - قال مالك: «ولا يعامل من يعمل بالربا من المسلمين.
وكره أن يصرف من النصراني ديناراً باع به خمراً أو عمل به ربا.
ولا بأس أن يأخذه منه في دين له قبله كما أذن اللَّه عزّ وجلّ في أخذ الجزية منهم وغير ذلك يرى أن ذلك أخف من النصراني لأنه لو أسلم حل له ما في يديه».
39 - قال مالك: «ولا بأس أن تكري دارك من نصراني أو يهودي إذا كان لا يبيع فيها الخمر والخنازير.
وهذا هو من نحو قول غيره».
التبشير برحمة اللَّه
40 - قال مالك: «كان يقال: من لقي اللَّه ولم يشرك في دم مسلم لقي اللَّه خفيف الظهر».
الأمر بالمعروف
41 - قال مالك: «ضُرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وضُرب ربيعة وحلق رأسه ولحيته في شيء غير هذا.
وضُرب ابن المسيب وأدخل في تبان من شعر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط رجلاً لم يصبه في هذا الأمر أذى».
42 - قال مالك: «دخل أبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة بن عبد الرحمن على ابن المسيب في السجن وقد ضُرب ضرباً شديداً، فقالا له: اتق اللَّه فإنا نخاف على دمك.
فقال: اخرجا عني أتراني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما».
43 - قال مالك: «لا ينبغي المقام بأرض يعمل فيها بغير الحق والسب للسلف.
وأرض اللَّه واسعة ولقد أنعم اللَّه على عبد أدرك حقاً فعمل به».
44 - قال مالك: «وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة اللَّه.
فإن عصوا كانوا شهوداً على من عصاه».
قيل له: «الرجل يعمل أعمالاً سيئة أيأمره الرجل بالمعروف وهو يظن أنه لا يطيعه وهو ممن لا يخافه كالجار والأخ».
قال: «ما بذلك بأس.
ومن الناس من يرفق به فيطيع».
قال اللَّه سبحانه: ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾.
قيل له: «أيأمر الرجل الوالي أو غيره بالمعروف وينهاه عن المنكر؟» قال: «إن رجا أن يطيعه فليفعل».
قيل: «فإن لم يرج هل هو من تركه في سعة؟» قال: «لا أدري».
قيل: «أفيأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟»
قال: «نعم ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة».
45 - قال مالك: «كان عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري رجلاً صالحاً يدخل على الوالي في الأمر ينصحه فيه فلا يرفق به ولا يكف عن شيء من الحق يكلمه به».
46 - قال مالك: «قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر.
قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء».
ذكر اللَّه سبحانه وتعالى
47 - قال مالك: «قال معاذ بن جبل: ما عمل امرؤ من عمل أنجى له من عذاب اللَّه من ذكر اللَّه».
بعض الأدعية
48 - قال مالك: «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من نزل منزلاً فليقل: أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق، فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل».
قال مالك: يستحب للرجل إذا دخل منزله أن يقول: ما شاء اللَّه لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وهو من كتاب اللَّه».
49 - قال مالك: «وقال عمر بن عبد العزيز لبعض من كان يخلو معه: ادع لي بالموت.
وكان عمر بن عبد العزيز يدعو: اللهم رضني بقضائك وأسعدني بقدرك حتى لا أحب تأخير شيء عجلته ولا تعجيل شيء أخرته».
رفع اليدين في الدعاء
50 - قال مالك: «وكان عامر بن عبد اللَّه يرفع يديه بعد الصلاة يدعو.
ولا بأس به إذا لم يرفع جداً».
احترام المسجد
51 - قال مالك: «وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد.
وأكره أن يبني مسجداً ويتخذ فوقه مسكناً ليسكن فيه بأهله.
ولا يقلم أظفاره في المسجد، ولا يقص فيه شاربه.
ولا يقتل برغوثاً، وإن أخذه في ثوبه.
وأكره أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من السواك من فيه يلقيه.
ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج لفعل ذلك».
المصحف المحلّى
52 - قال مالك: «ولا بأس بالحلية للمصحف.
وإن عندي مصحفاً كتبه جدي إذ كتب عثمان رضي اللَّه عنه المصاحف عليه فضة كثيرة».
حفظ اللسان
53 - قال مالك: «قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه ما يلقي لها بالاً، يهوي بها في نار جهنم.
وقال صلى الله عليه وسلم: من وقي شر اثنين ولج الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه.
وقال: أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل.
وقال: التَّقي ملجم لا يتكلم بكل ما يريد.
وقال عليه الصلاة والسلام: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
وقال عيسى بن مريم صلى اللَّه على نبينا وعليه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من اللَّه تعالى».
54 - قال مالك: «من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه».
ويقال: «ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه».
55 - قال مالك: «ولم يكونوا يهذرون الكلام هكذا.
ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة».
أو كما قال.
56 - قال مالك: «وكان الربيع بن خيثم أقل الناس كلاماً».
57 - قال مالك: «ويقال: إن البلاء موكل بالقول».
أدب التعامل واللطف به
58 - قال مالك: «والفظاظة مكروهة.
يقول اللَّه سبحانه: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران 3: 159] وقال عزّ وجلّ: ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ [طه 20: 44]».
59 - قال مالك: «قال ابن القاسم: من الرجال رجال لا تذكر عيوبهم».
60 - قال مالك: «ويقال: ومن تعظيم اللَّه عزّ وجلّ تعظيم ذي الشيبة المسلم».
تصديق العمل للقول
61 - قال ابن القاسم: «أدركت الناس وما يعجبون بالقول».
قال مالك: «يريد إنما ينظر إلى العمل».
التماثيل
62 - قال مالك: «وما كان من التماثيل والصور في الطست والإبريق والأسرة والقباب فإن كانت خرطت خرطاً فهي أشد.
وبلغني أن أول ما اتخذت الصور في موت نبي، فصور لهم ليأنسوا بصورته.
فما زال ذلك حتى صار إلى أن عبدت».
قال: «ونزع أبو طلحة الأنصاري نمطاً من تحته لتصاوير فيه لما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في التصاوير».
فقال له سهل بن حنيف: أو لم يقل: إلا ما كان رقماً في ثوب؟
قال: بلى ولكنه أطيب لنفسي.
وقال أبو سلمة: كل ما يوطأ ويمتهن فلا بأس به.
قال مالك: «وتركه أحب إلي.
ومن ترك ما فيه رخصة غير مُحَرِّم له فلا بأس عليه.
وأكره أن يشتري الرجل لابنته الصور وأن يجعل في فص خاتمه التماثيل».
قضايا تتعلق بالموطأ
تأليف الموطأ، وتاريخه
آراء المعاصرين حول تأليف الموطأ وتاريخ تصنيفه
الشيخ الكوثري وتاريخ تأليف الموطأ
ما كتبه المعاصرون في نصف قرن مضى على وجه التقريب متأثر بما كتبه الشيخ محمد زاهد الكوثري.
وأكاد أجزم بأنه في بحثه هذا لم يكن نزيهاً، بل كانت تتحكم فيه فكرة أخرى، وهي عدم استفادة الإمام أبي حنيفة رحمه الله من علم الإمام مالك رحمه الله.
وليقطع السبيل نهائياً عن استفادة أبي حنيفة من مالك، لذا فإنه عليه أن يؤخر تأليف الموطأ بعد وفاة الإمام أبي حنيفة.
وكتب في هذا الموضع الشيخ أبو زهرة رحمه الله فقال: وجدت الدواعي لتدوين الموطأ، وجاء طلب الخليفة متفقاً مع تلك الدواعي التي أثارها مالك، وأجاب نداءها من تلقاء نفسه.
ولكن لم يقدر أن يتم التدوين في عصر أبي جعفر المنصور، فقد تم تدوين الموطأ حوالي سنة 159 بعد أن توفي المنصور، وقيل في أواخر أيامه ...
ويظهر أن مالكاً أخذ وقتاً طويلاً في تدوينه وتمحيصه حتى استطاع أن ينشره على الناس.
فإن طلب أبي جعفر تدوينه كان حوالي سنة 148هـ، «ثم يشير بالهامش»: «راجع في هذا الانتقاء وهامشه ص40».
وفي هامش ص40 من الانتقاء نجد تعليقاً للشيخ الكوثري يقول: «والذي يستخلص من مختلف الروايات في ذلك أن المنصور تحادث مع مالك في تدوين علم أهل المدينة عام ثمانية وأربعين ومائة محادثة إجمالية، ولما حج قبل حجته الأخيرة أوصاه أن يتجنب فيما يدونه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود رضي الله عنهم، وأما إخراجه للناس ففي سنة تسع وخمسين ومائة في عهد المهدي فلا تثبت رواية عمن تقدم على ذلك».
وفعل ذات الشيء كل من تكلم في الموضوع مثل الأستاذ مصطفى الشكعة.
والمستشار عبد الحليم الجندي، والدكتور نذير حمدان كل هؤلاء لا يخرجون عما كتبه الأستاذ أبو زهرة رحمة الله عليه إلا في أسلوبهم الخاص لعرض المسألة.
وقد ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في تعليقه على الانتقاء، معلقاً على كلام الشيخ الكوثري، والذي نقلته من قبل حول تاريخ تدوين الموطأ، فقال: «قلت: وهذا الذي قاله شيخنا رحمه الله تعالى حول تاريخ تدوين الموطأ» فيه نظر، كما بينته في تقدمتي لكتاب «التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد للعلامة عبد الحي اللكنوي».
بعد قراءة هذا التعليق يفكر المرء أن الشيخ أبا غدة لا بد وقد خالف الشيخ وبحث في الموضوع بتجرد.
وأنقل هنا ما قاله الشيخ.
«وهذا الذي رجحه شيخنا من أن المنصور تحدث مع مالك في سنة 148هـ، بشأن تدوين علم أهل المدينة، وأوصاه قبل حجته الأخيرة أن يتجنب في التأليف شدائد ابن عمر .... ، غير ظاهر، فإن حَجّته الأخيرة التي توفي فيها كانت سنة 158، والحجة التي قبلها كانت سنة 152، والتي قبلها سنة 147، والتي قبلها سنة 144، والتي قبلها سنة 140، كما أسلفته عن تاريخ ابن جرير.
ولم يحج المنصور في سنة 148، وإنما حج بالناس ابنه جعفر كما في غير كتاب.
فتكون سنة 148 سبق قلم عن 147.
ثم قوله: إن المنصور تحدث مع مالك في تلك السنة، وأوصاه بتجنب ما أوصاه بتجنبه في الحجة التي قبل الأخيرة، كما عند ابن جرير - سنة 152، فيه بُعد أيضاً، فإن المتبادر أن يقع ذلك من المنصور في أول حجة له بعد توليه الخلافة سنة 140، أو في ثاني حجة سنة 144، ويمكن أن يكون ذلك في ثالث حجة سنة 147، أما في رابع حجة سنة 152، ففيه بعد شديد، لأنه يلزم أن يكون مالك ألف «الموطأ» بأقل من سبع سنوات، لأنه قد سمعه منه المهدي سنة 159، على ما ذكره شيخنا، في حين أن المهدي إنما حج بالناس سنة 160، وحج الهادي سنة 161، كما عند ابن جرير.
والمذكور أن مالكاً ألف «الموطأ» في سنين كثيرة، ذكر أنها أربعون، وذكر أنها دون ذلك، وعلى كل حال يستبعد أن تكون مدة التأليف نحو سبع سنوات، لما عرف من إتقان مالك وضبطه وانتقائه، وقلة تحديثه بالأحاديث في مجالسه، فلم يكن يحدث في مجلسه إلا ببضعة أحاديث معدودة.
فتأليفه «الموطأ» بعد سنة 140 جزماً أو سنة 147، وفراغه منه بعد سنة 158 جزماً، والله تعالى أعلم».
وإذن في نهاية المطاف فإن الشيخ أبا غدة لم يخرج عما رسمه شيخه، كل
ما هنالك أنه زحزح التاريخ لبدء التأليف بعد سنة 140 جزماً أو بعد سنة 147، وفراغه منه بعد سنة 158 جزماً.
والله تعالى أعلم.
إذن بهذا الجزم الذي لا أساس له وضع الفراغ من تأليف الموطأ بعد 158هـ أو بتعبير الكوثري سنة 159هـ.
سوف أناقش هذا الموضوع بشيء من التفصيل، ولكني أريد أن أوضح أولاً الدواعي لهذا التاريخ.
قال ابن عبد البر في «الانتقاء» وروى عن مالك «من الأئمة سوى هؤلاء أبو حنيفة ... ».
وقد علق عليه الشيخ الكوثري تعليقاً طويلاً، أنقله بكامله: قال الشيخ الكوثري:
«أخرج ابن شاهين والدارقطني في «غرائب مالك» عن محمد بن مخزوم عن جده محمد بن ضحاك، ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وصمتها إقرارها».
«وأخرج الخطيب البغدادي في «رواة مالك» عن محمد بن علي الصلحي الواسطي، ثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين، ثنا علي بن محمد بن مهرويه، ثنا المجبر بن الصلت، ثنا القاسم بن الحكم العرني، ثنا أبو حنيفة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتى كعب بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن راعية له كانت ترعى في غنمه، فتخوفت على شاة الموت فذبحتها بحجر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها».
«ولم يجد أصحاب الاستقراء التام في هذا الصدد غير هذين الحديثين من رواية أبي حنيفة عن مالك، وكلاهما غير ثابت بهذا الطريق، وإن أخرجهما السيوطي وعول عليهما، في «الأفانيد في حلاوة الأسانيد».
«بل الأولى عن حماد بن أبي حنيفة، عن مالك بدون توسط أبيه، كما أخرج أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار في جزئه الذي سماه «ما رواه الأكابر عن مالك» حيث قال: حدثنا أبو محمد القاسم بن هارون، ثنا عمران، ثنا بكار بن الحسن الأصبهاني، ثنا حماد بن أبي حنيفة، ثنا مالك بن أنس، الحديث».
«وفي هذا الجزء رواية الزهري، ويحيى بن سعيد، وابن جريج، والثوري، وشعبة، ويتيم عروة، والأوزاعي، وحماد بن أبي حنيفة، وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، وورقاء، وغيرهم، عن مالك، ولم يذكر فيه رواية أبي حنيفة عنه، كما رأيته في نسخة عليها طباق السماع في الخزانة الظاهرية بدمشق، فزيادة أبي حنيفة في السند وهم من الراوي».
والثاني إلى أبي حنيفة، عن عبد الملك، وهو ابن عمير، عن نافع، فتصحف على ابن الصلت: عبد الملك بمالك، وخالف بقية أصحاب العرني، كما يظهر من طرق الحديث.
ومن هنا قال الحافظ ابن حجر: لم تثبت رواية أبي حنيفة عن مالك، وإنما أوردها الدارقطني ثم الخطيب لروايتين وقعتا لهما بإسناد فيه فيهما مقال.
وقد توفي أبو حنيفة قبل مالك بنحو ثلاثين سنة.
نعم ثبت نظر مالك في كتب أبي حنيفة، وانتفاعه بها، كما رواه الدراوردي وغيره على ما أخرجه ابن أبي العوام حيث قال: حدثني يوسف بن أحمد المكي، ثنا محمد بن حازم الفقيه، ثنا محمد بن علي الصائغ بمكة، ثنا إبراهيم بن محمد، عن الشافعي، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: كان مالك بن أنس ينظر في كتب أبي حنيفة وينتفع بها.
كما ثبت اجتماع مالك مع أبي حنيفة كلما حج وزار النبي عليه السلام، حتى قال أبو حنيفة لما سئل عن علماء المدينة: إن ينجب منهم فالغلام الأشقر الأزرق.
وفي الرواية: رأيت بها علماً مبثوثاً، فإن يجمعه أحد فالغلام الأبيض المحمر، يريد مالكاً.
كما في «انتصار الفقير السالك للإمام الكبير مالك» لمحمد بن إسماعيل الغرناطي ثم القاهري المالكي، وقد طبع حديثاً سنة 1981 في بيروت.
وقد أخرج القاضي عياض قال الليث بن سعد: لقيت مالكاً في المدينة فقلت له: إني أراك تمسح العرق عن جبينك، قال: عرقت مع أبي حنيفة، إنه لفقيه يا مصري، ثم لقيت أبا حنيفة وقلت له: ما أحسن قول ذلك الرجل فيك، فقال أبو حنيفة: والله ما رأيت أسرع منه بجواب صادق، ونقد تام يعني مالكاً.
اهـ.
وأما ما يذكره الذهبي من أن سعيد بن أبي مريم روى عن أشهب أنه قال: رأيت أبا حنيفة بين يدي مالك كالصبي بين يدي أبيه.
قلت: فهذا يدل على حسن أدب أبي حنيفة وتواضعه، مع كونه أسن من مالك.
اهـ. فلا يكاد يصح إسناداً.
وكان أشهب لدة الشافعي، أو كان على أكبر تقدير ابن عشر عند وفاة أبي حنيفة، ولم يثبت اجتماعه مع مالك في أواخر سني وفاة أبي حنيفة، وما كان مالك مؤدب الأطفال، وإنما كان اجتماعهما قبل محنة مالك سنة ست وأربعين، وقبل أن يأخذ يعلو شأنه، ويمكن ذلك مع حماد دون أبيه.
وأما ما يرويه ابن أبي حاتم من أن أبا حنيفة كان يطلع على كتب مالك، ففيه خدشة من جهة أن تأليفه للموطأ كان في عهد المهدي، أو في أواخر عهد المنصور بعد وفاة أبي حنيفة على الصحيح، وإن لم يقصر أبو يوسف في سماعه عن تلميذه أسد بن الفرات الذي سمعه عن مالك - كما يروي ابن طولون (الموطأ) بطريقه في (الفهرس الأوسط)، ولا محمد بن الحسن حيث سافر إلى مالك ولازمه ثلاث سنين، وسمع منه (الموطأ) وبطريقه يروي أبو الوليد الباجي سماعاً عن أبي ذر الهروي رضي الله عنهم أجمعين».
فقد كانت المشكلة عند الكوثري أن يروي الإمام أبو حنيفة من الإمام مالك، أو يستفيد من كتابه فقد زحزح تأريخ نهاية التأليف للموطأ بعد وفاة أبي حنيفة بتسع سنوات حتى لا تبقى أية إمكانية لمعرفة أبي حنيفة لكتاب مالك.
بل أثبت الشيخ عكس ذلك قائلاً: نعم ثبت نظر مالك في كتب أبي حنيفة وانتفاعه بها كما رواه الدراوردي وغيره على ما أخرجه ابن أبي العوام.
ثم جاء فرد على ما جاء في تقدمة الجرح والتعديل، قائلاً: ففيه خدشة من جهة أن تأليفه للموطأ كانت في عهد المهدي، أو في أواخر عهد المنصور بعد وفاة أبي حنيفة على الصحيح.
مناقشة الكوثري
أما النص في الجرح والتعديل فهو .. «سمعت إبراهيم بن طهمان [المتوفى سنة 163هـ] يقول: أتيت المدينة فكتبت بها، ثم قدمت الكوفة فأتيت أبا حنيفة في بيته فسلمت عليه فقال لي: عمن كتبت هناك؟ فسميت له، فقال: هل كتبت عن مالك بن أنس شيئاً؟ فقلت: نعم.
فقال: جئني بما كتبت عنه، فأتيته به، فدعا بقرطاس ودواة فجعلت أملي عليه وهو يكتب.
قال أبو محمد: ما كتب أبو حنيفة عن إبراهيم بن طهمان عن مالك بن أنس، ومالك بن أنس حي إلا وقد رضيه ووثقه».
لقد أنكر الكوثري هذا النص - مع سكوته على سنده لأنه لا مجال للطعن فيه - بناء على «الحقائق التاريخية» عنده بأن الموطأ لم يؤلف إلا بعد وفاة أبي حنيفة.
ولكن ما المانع أن يكون نهاية تأليف الموطأ في بداية الأربعينيات، كما سنراه قريباً إن شاء الله تعالى؟.
ولو سلمنا جدلاً أن الكتاب لم ينته من تأليفه إلا في سنة 159هـ حتى في هذه الحالة ليس هناك ما يمنع من قبول النص الوارد في الجرح والتعديل.
لأن إبراهيم بن طهمان لم يقل إنه جاء بالموطأ، بل جاء بما كتبه عنه.
والإمام مالك كان يدرّس قبل وفاة أبي حنيفة بنحو ثلاثين سنة تقريباً، وفي هذه الفترة كان الطلاب يكتبون الأحاديث والفتاوى عن الإمام مالك، فأي مانع من أن يكون إبراهيم بن طهمان كتب عن مالك، وأبو حنيفة كتب عن إبراهيم بن طهمان عن مالك.
إذن فكل همّ الشيخ الكوثري كان إبعاد تاريخ التأليف حتى لا تصل رائحة الكتاب إلى أبي حنيفة.
فعلق ما علق، ثم سبّب الأخطاء عند كل من جاء بعده من الباحثين واعتمد على كلامه.
وأتمنى أن يكون الشيخ الكوثري أو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ذكر لنا بعض مؤلفات الإمام أبي حنيفة رحمه الله والتي كان يمكن أن يأخذ منها الإمام مالك رحمه الله، وكلنا يعلم أن أبا حنيفة رحمه الله لا تعرف له كتب إلا الكتب المنحولة غير ثابتة النسبة، مثل الفقه الأكبر أو كتاب في التصريف.
وكان الأمل في الشيخ أبي غدة أن يصحح الخطأ، لكنه لم يعلق على ما كتبه الشيخ الكوثري.
بل مشى خلفه وأثبت ما قاله.
متى تم تأليف الموطأ؟
لقد رأينا أن الشيخ الكوثري زعم أن تأليفه في سنة 159هـ، وقد اعتمد عليه كثير من الباحثين، وقد بينت الدوافع الخفية لاختيار هذا التاريخ من قبل الشيخ الكوثري.
وهذا التاريخ مرفوض لأسباب كثيرة منها:
أولاً: كان الإمام الشافعي رحمه الله المولود في سنة 150هـ قد حفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين، إذن في سنة 160هـ كان قد حفظ الموطأ، وهذا يتطلب أن يكون الكتاب عند بعض المشايخ قبل ذلك التاريخ.
فإذا تم تأليف الكتاب سنة 159هـ أو حتى سنة 158هـ يصعب وصول النسخة إلى أيدي القراء لأن الكتب في تلك الأيام لم تكن تطبع، وليحصل شخص ما على نسخة من هذا الكتاب الجديد كان من المفروض أن يقرأ الكتاب على الإمام مالك، ويبدو أنه كان متعذراً أن ينهي الكتاب قراءة على الإمام مالك في فترة قصيرة.
وعلى هذا الأساس قد يحتاج الطالب لعدة سنوات حتى يحصل على أول نسخة كاملة من الكتاب مع حق الرواية والتدريس.
إذن لا بد من أن يكون قد تم تأليف الكتاب قبل هذا التاريخ بمدة كافية.
ثانياً: من رواة الموطأ سعيد بن أبي هند الأندلسي، والذي توفي قبل الإمام
مالك بثلاثين سنة، إن كان الأمر كذلك فقد بلغ الموطأ إلى الأندلس قبل سنة 150هـ. ولا بد أنه أخذ وقتاً للقراءة على الإمام مالك.
ثالثاً: النصوص المتعلقة بطلب أبي جعفر المنصور تختلف، ففي البعض يطلب أبو جعفر المنصور تأليف كتاب، بينما الروايات الصحيحة القوية تدل على أنه اطلع على كتاب الموطأ، وطلب من الإمام مالك الموافقة على تعميمه على البلاد الإسلامية ليكون مصدراً للقضاة.
رابعاً: من رواة الموطأ عبد الرحيم بن خالد بن يزيد الإسكندراني مولى الجمحيين، المتوفى سنة 163هـ بالإسكندرية.
قال ابن ناصر الدين: عبد الرحيم بن خالد بن يزيد الجمحي مولاهم الإسكندراني وهو مع عثمان بن الحكم أول من قدم مصر بمسائل مالك، وعبد الرحيم تفقه به عبد الرحمن بن القاسم بمصر قبل رحلته إلى مالك.
وقال ابن حبان: «عثمان بن الحكم يروي عن ابن جريج، وهو الذي أقدم علم ابن جريج بمصر».
إذن كان عثمان بن الحكم وعبد الرحيم بن خالد أصحاباً في رحلتهما إلى الشرق، وأخذا عن ابن جريج المتوفى سنة 150هـ، وعبد الرحيم روى عن عقيل بن خالد الأيلي المتوفى سنة 144هـ، ولا نعلم أنه قام برحلات عديدة، وعلى الأغلب أنه رحل في طلب العلم مرة واحدة، وفي هذه السفرة قد التقى بخالد الأيلي المتوفى سنة 144هـ. إذن هذه الرحلة قد تمت في بداية الأربعينيات، وفي هذه الفترة درس على عقيل بن خالد الأيلي، وابن جريج، ومالك بن أنس.
وقد وجدت ورقة في المخطوطات البردية بجامعة شيكاغو وهي عبارة عن عدة أحاديث من الموطأ، نسخه طالب مغربي، وقرئ على عبد الرحيم لأنه يقول: حدثنا عبد الرحيم بن خالد، وقد قُدِّرت الورقة البردية بأنها من القرن الثاني.
إذن فقد وصل الموطأ إلى الإسكندرية وقام صاحبه بالتدريس وتوفي سنة 163هـ، وهذا يتطلب مدة كافية لتأليف الكتاب قبل سنة 163هـ لأن صاحب النسخة لا بد أنه درس على الإمام مالك الكتاب بكامله، وما كانت تتم دراسة الموطأ في يوم وليلة، بل كان الناس يأخذون في ذلك سنوات عديدة، وبعد إتمام القراءة سافر، ثم قام بالتدريس، ورحلته على الأغلب تمت قبل سنة 144هـ لأنه قابل في هذه الرحلة عقيل بن خالد الأيلي وابن جريج المتوفى سنة 150هـ والإمام مالكاً.
وعلى ضوء ما ذكرت مما سبق فإنني أميل بل أجزم على أن أول إصدار للموطأ كان في بداية الأربعينيات.
والله أعلم.
وكان الكتاب مشهوراً ومعروفاً في حياة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولا يهمنا أن نعرف هل اطلع الإمام أبو حنيفة على الموطأ أو لم يطلع عليه، استفاد منه أو لم يستفد منه، لأنه لو استفاد أبو حنيفة من كتاب مالك فإن ذلك لا يزيد مالكاً درجة، لأنه من تلاميذه أمثال الشافعي وابن المبارك ومحمد بن الحسن الشيباني ومئات آخرون.
وإن استفاد أبو حنيفة من كتاب مالك فهذا لا يقلل من شأنه، لأن العلماء دوماً يستفيد بعضهم من بعض.
وقد روى أبو حنيفة عن أناس لا يعدون شيئاً في جنب مالك رضي الله عنهم أجمعين.
رحم الله أبا حنيفة كان إماماً، ورحم الله الأوزاعي كان إماماً، ورحم الله مالكاً كان إماماً، ورحم الله الشافعي كان إماماً، ورحم الله ابن حنبل كان إماماً، اللهم ارحمهم جميعاً، وارحمنا معهم بلطفك وكرمك يا أكرم الأكرمين اللهم آمين.
ميكلوس موراني وإسماعيل بن أبي أويس
رواية إسماعيل بن أبي أويس في حاجة إلى المزيد من التعليق، نظراً لما أثير حول ابن أبي أويس من النقاش حديثاً وقديماً، ولحاله صلة قوية بمالك، ولاعتماد الإمام البخاري على روايته.
كاتب غربي الأستاذ ميكلوس موراني، له اطلاع واسع في المصادر المالكية، وقد أنفق وقتاً طويلاً في هذا المجال، ونشر كتباً وبحوثاً كثيرة.
يقول الأستاذ المستشرق ميكلوس موراني: «وهناك راو آخر أسهم في نقل المذاهب الفقهية لأهل المدينة، التي تعتمد في بعضها على إملاء مالك، ألا وهو إسماعيل بن أبي أويس (المتوفى 226 - 27/ 840 - 41) راوي الموطأ ومسائل مالك.
وهو أيضاً كتلاميذ مالك السابق ذكرهم، يعتبر بمثابة مرجع مباشر لابن حبيب في الواضحة.
وهناك حكاية عنه جديرة بالملاحظة رواها الدارقطني (305/ 918 - 385/ 995) وعلق عليها بإيجاز ابن حجر العسقلاني.
وهذه الحكاية من شأنها أن توضح ملامح التعليم، وإصدار الحكم عند علماء المدينة أيما توضيح.
ومن هنا ينبغي علينا أن نذكرها هنا لما لها من دوي.
وفي رواية المحدث المكي أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد (المتوفى 212هـ/827م) ذكر سلمة بن شبيب (المتوفى 247/ 861) وهو أيضاً محدث مكي، ذكر هذا المحدث العبارة التالية لإسماعيل بن أبي أويس: «ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم».
وإذا أخذنا في الاعتبار مدى الاجتهاد في وضع أحاديث للرد على مسائل فقهية، أو اجتهادهم في تطويع الأحاديث الصحيحة لتلائم حاجتهم، فسيكون
الاعتراف الذي مؤداه «أحاديث موضوعة لتسوية الآراء الفقهية المتناقضة في المدينة، هذا الاعتراف يكون بمثابة حجة أو سند له أهميته.
ومن خلال الرواية نفسها يمكننا أن نستشعر مدى النيل من سمعة علماء المدينة.
لم يوافق أبو عبد الرحمن على الاقتباس من سلمة بن شبيب، وهو من أهم الشهود إلا بعد تردد دام طويلاً، ثم ما لبث أن تولى تكراره العبارة السابقة لابن أبي أويس.
ويحدد كُتّاب نقد الحديث أخيراً مكانة ابن أبي أويس استناداً على عبارته التالية «وروى (يقصد النسائي) عن سلمة بن شبيب ما يجب طرح روايته» - جاء هذا في عبارة قصيرة في كتاب ابن حجر أصدره محب الدين الخطيب، القاهرة، وكان يحاول تبرير أحاديثه الموضوعة على أنها أخطاء شباب ويتردد كثيراً أن ابن أبي أويس نشر نقلاً عن عمه مالك بن أنس أحاديث غريبة، وتتكرر هذه المقولة التي لم تحظ بأي تأييد على أنها مقياس أو معيار لعدم صدقه وضعفه كمحدث، وكذلك نجد اسمه دائماً يذكر في قائمة الضعفاء: العقيلي، الورقة 17 - أ، النسائي كتاب الضعفاء والمتروكين، رقم 42 (حلب 1975). وكتب الطبقات المالكية هي الوحيدة التي تهتم وتسعى إلى الحد من المآخذ والنقائص التي أخذها عليه كتاب نقد الحديث أو تحاول السكوت عنها تماماً.
ومن المؤكد أن صلته الوثيقة بمالك، وشهرته راوياً لموطأ مالك كانت تلعب دوراً كبيراً في هذا».
ويمكننا أن نستخلص من كلام مورياني النقاط التالية:
1 - كان إسماعيل بن أبي أويس قد اعترف بوضع الأحاديث لحل
الاختلافات الفقهية حيث قال: «ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم».
2 - حاول المحدثون إخفاء هذا القول بذكر قول مختصر مبهم حيث قال ابن حجر: رُوي عن سلمة بن شبيب ما يجب طرح روايته، جاءت هذه العبارة القصيرة عند ابن حجر.
3 - وحاول ابن حجر تبرير فعله الشنيع على أنها أخطاء شباب.
4 - يتردد كثيراً أن ابن أبي أويس نقل عن عمه مالك بن أنس أحاديث غريبة، وتتكرر هذه المقولة عند النقاد والباحثين، لكنها لم تحظ بأي تأييد على أنها مقياس أو معيار لعدم صدقه وضعفه كمحدث.
5 - نجد اسمه دائماً في قائمة الضعفاء.
[انظر العقيلي، الضعفاء.
النسائي، الضعفاء والمتروكين].
6 - كتب الطبقات المالكية هي الوحيدة التي تهتم وتسعى إلى الحد من المآخذ والنقائص التي أخذها عليه نقاد الحديث، أو تحاول السكوت عنها تماماً.
وكان هذا كله بسبب صلته الوثيقة بمالك وشهرته راوياً للموطأ.
وقد نشر الأستاذ موراني مقالاً باللغة الألمانية بعنوان:
EIN ALTES DOKUMENT UBEN HADIT FABRIKATIONEN IN DER FRUHEN MEDINENSISCHEN JURISPRUDENZ by Miklos Muranyi JSAI 10.
(1987) pp 119-127.
يعني وثيقة قديمة لوضع الأحاديث في الوقت المبكر في المدرسة الفقهية المدنية.
وقدمت هذه المقالة كهدية تذكارية لكيستر لبلوغه سبعين عاماً.
ونشرت في إسرائيل.
وتحدث الأستاذ موراني في هذا المقال بشيء من التفصيل النقاط المذكورة من قبل.
وقبل أن أناقش موراني لا بد من التمهيد لفهم الموضوع فهماً صحيحاً، وسأبين أولاً مسلك المحدثين من النقاد في النقد والمؤاخذة.
وأبدأ فأذكر بالإجمال مكانة الإمام مالك عند المحدثين، ثم أبين انتقادات المحدثين لمالك، وبعد ذلك أستطرد الكلام إلى ابن أبي أويس.
كلام الأئمة في شأن مالك بن أنس
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة: فيفسره ابن عيينة وعبد الرازق وآخرون بأنه مالك بن أنس رحمه الله.
وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وذكر ابن أبي حاتم الرازي في كتابه الجرح والتعديل، فذكر مراتب الرواة، وأول مرتبة وأعلاها: هم الأئمة، ثم بدأ بذكر الأئمة، فكان مالك بن أنس أولهم.
ومالك بن أنس هو كما قال الشافعي «إذا جاء الأثر فمالك النجم».
ويقول عنه الذهبي: شيخ الإسلام، حجة الأمة إمام دار الهجرة، حتى قال