فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 95-134

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 95-134
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

فتعلم – رحمك الله – الصدق قبل أن تتعلم العلم، والصدق: إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة: (1) كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعاً فيصفه بالاستقامة.
(2) وكذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية.
(3) وكذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية.
فالزم الجادة (الصدق) فلا تضغط على عكد اللسان ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقا إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر، كالذي تدركه الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
فالصادق لا يقول:”أحببتك” وهو مبغض ولا يقول: سمعت وهو لم يسمع، وهكذا واحذر أن تحوم حولك الظنون فتخونك العزيمة في صدق اللهجة فتسجل في قائمة الكذابين.
وطريق الضمانة لهذا – إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه:- أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه وأن الكاذب عن قريب ينكشف.
واستعن بالله ولا تعجزن.
ولا تفتح لنفس سابلة المعاريض في غيرها ما حصره الشرع.
فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذا المروق (الكذب في العلم) لداء منافسة الأقران، وكيران السمعة في الآفاق.
ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالا يحملون بصائر نافذة وأقلاما ناقدة فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريك عن ثلاثة معان: (1) فقد الثقة من القلوب.
(2) ذهاب علمك وانحسار القبول.
(3) أن لا تصدق ولو صدقت.
وبالجملة فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى.
والله أعلم 11) جنة طالب العلم: جنة العالم (لا أدرى)، ويهتك حجابه الاستنكاف منها وقوله: يقال، وعليه، فإن نصف العلم (لا أدرى)، فنصف الجهل (يقال) و (أظن) 12) المحافظة على رأس مالك (ساعات عمرك):

الوقت الوقت للتحصيل، فكن حلف عمل لا حلف بطالة ويطر وحلس معمل لا حلس تله وسمر فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد وملازمة الطلب ومثافنة الأشياخ، والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ومطالعة وتدبراً وحفظا وبحثا، لا سيما في أوقات شرخ الشباب ومقتبل العمر، ومعدن العاقبة، فاغتنم هذه الفرصة الغالية، لتنال رتب العلم العالية، فإنها ”وقت جمع القلب، واجتماع الفكر”، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس، ولخفة الظهر والعيال.
ما للمعيل وللعوالي إنما... يسعى إليهم الفريد الفارد وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا... وهكذا بل البذار قبل أن يصدق عليك قول أبى الطحان القيني: حنتني حانيات الدهر حتى... كأني خاتل أدنوا لصيد قصير الخطر يحسب من رآني... ولست مقيداً أنى بقيد وقال أسامة بن منقذ: مع الثمانين عاث الضعف في جسدي... وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي إذا كتبت فخطى خط مضطرب... كخط مرتعش الكفين مرتعد فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما... من بعد حمل القنا في لبة الأسد فقل لمن يتمنى طول مدته... هذى عواقب طول العمر والمدد.
فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل ”كبر الهمة في العلم”.
13 (إجمام النفس: خذ من وقتك سويعات تجم بها نفسك في رياض العلم من كتب المحاضرات (الثقافة العامة)، فإن القلوب يروح عنها ساعة فساعة.
وفي المأثور عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال: ”أجموا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكمة النهى عن التطوع في مطلق الأوقات: “بل في النهى عنه بعض الأوقات مصالح أخر من إجمام النفوس بعض الأوقات، من ثقل العبادة، كما يجم بالنوم وغيره، ولهذا قال معاذ إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي... ” وقال:”بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهى عن التطوع المطلق في بعض الأوقات: إجمام النفوس في وقت النهى لتنشط للصلاة، فإنها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه، وتنشط للصلاة بعد الراحة.
والله أعلم” أ هـ. ولهذا كانت العطل الأسبوعية للطلاب منتشرة منذ أمد بعيد، وكان الأغلب فيها، يوم الجمعة، وعصر الخميس، وعند بعضهم يوم الثلاثاء، ويوم الاثنين، وفي عيدي الفطر والأضحى من يوم إلى ثلاثة أيام وهكذا.... ونجد ذلك في كتب آداب التعليم، وفي السير، ومنه على سبيل المثال:”آداب المعلمين” لسحنون (ص104)، و”الرسالة المفصلة” للقابسى (ص135 - 137)، و”الشقائق النعمانية”ص20)، وعنه في ”أبجد العلوم” (1/ 195 - 196) وكتاب ”أليس الصبح بقريب” للطاهر ابن عاشور، وفتاوى رشيد رضا”... (1212)، و معجم البلدان” (3/ 102) و”فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية” (25/ 318 - 320،329). 14) قراءة التصحيح والضبط: احرص على قراءة التصحيح والضبط على شيخ متقن، لتأمن من التحريف والتصحيف والغلط والوهم.
وإذا استقرأت تراجم العلماء – وبخاصة الحفاظ منهم – تجد عدداً غير قليل ممن جرد المطولات في مجالس أو أيام قراءة ضبط على شيخ متقن.
فهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قرأ ”صحيح البخاري” في عشرة مجالس، كل مجلس عشر ساعات و”صحيح مسلم” في أربعة مجالس في نحو يومين وشيء من بكرة النهار إلى الظهر، وانتهى ذلك في يوم عرفة، وكان يوم الجمعة سنة 813هـ وقرأ ”سنن ابن ماجة” في أربعة مجالس، ومعجم الطبراني الصغير” في مجلس واحد، بين صلاتي الظهر والعصر.
وشيخه الفيروز آبادي قرأ في دمشق ”صحيح مسلم” على شيخه ابن جهبل قراءة ضبط في ثلاثة أيام.
وللخطيب البغدادي والمؤتمن الساجي، وابن الأبار وغيرهم في ذلك عجائب وغرائب يطول ذكرها، وانظرها في: ”السير” للذهبي (18/ 277و 279، 19/ 310، 21/ 253)، و”طبقات الشافعية” للسبكي (4/ 30)، و الجواهر والدرر ”للسخاوي (1/ 103 - 105) و فتح المغيث” (2/ 46)، و”شذرات الذهب” (8/ 121، 206)، و”خلاصة الأثر” (1/ 72 - 73) و”فهرس الفهارس” للكتاني، و”تاتج العروس” (1/ 45 - 46). فلا تنس حظك من هذا.
15) جرد المطولات: الجرد للمطولات من أهم المهمات، لتعدد المعارف وتوسيع المدارك واستخراج مكنونها من الفوائد والفرائد والخبرة من مظان الأبحاث والمسائل ومعرفة طرائق المصنفين في تأليفهم واصطلاحهم فيها.
وقد كان السالفون يكتبون عند وقوفهم:”بلغ”، حتى لا يفوته شيء عند المعاودة، لا سيما مع طول الزمن.
16) حسن السؤال: التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع فصحة الفهم للجواب، وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلان قال لي كذا، أو قال كذا، فإن هذا وهن في الأدب، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا.
وإن كنت لا بد فاعلاً، فكن واضحا في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تسم أحداً.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

“وقيل: إذا جلست إلى عالم، فسل تفقها لا تعنتاً” أ هـ. وقال أيضاً: “وللعلم ست مراتب: أولها: حسن السؤال.
الثانية: حسن الإنصات والاستماع.
الثالثة: حسن الفهم.
الرابعة: الحفظ.
الخامسة: التعليم.
السادسة: وهى ثمرته، العمل به ومراعاة حدوده.
أ هـ. ثم أخذ في بيانها ببحث مهم.
17) المناظرة بلا مماراة: إياك والمماراة، فإنها نقمة، أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة، إذ المناظرة الحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح فهي مبنية على المناصحة، والحلم، ونشر العلم، أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجج ورياء ولغط وكبرياء ومغالبة ومراء، واختيال وشحناء، ومجاراة للسفهاء فاحذرها واحذر فاعلها، تسلم من المآثم وهتك المحارم، وأعرض تسلم وتكبت المأثم والغرم.
18) مذاكرة العلم: تمتع مع البصراء بالمذاكرة والمطارحة، فإنها في مواطن تفوق المطالعة وتشحذ الذهن وتقوى الذاكرة، ملتزماً الإنصاف والملاطفة، مبتعداً عن الحيف والشغب والمجازفة.
وكن على حذر، فإنها تكشف عوار من لا يصدق.
فإن كانت مع قاصر في العلم، بارد الذهن، فهي داء ومنافرة وأما مذاكرتك مع نفسك في تقليبك لمسائل العلم؛ فهذا ما لا يُسَوِّغُ أن تنفك عنه.
وقد قيل: إحياء العلم مذاكرته.
طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة وعلومها: فهما له كالجناحين للطائر، فاحذر أن تكون مهيض الجناح.
19) استكمال أدوات كل فن: لن تكون طالب علم متقناً متفنناً – حتى يلج الجمل في سم الخياط – ما لم تستكمل أدوات ذلك الفن، ففي الفقه بين الفقه وأصوله، وفي الحديث بين علمي الرواية والدراية... وهكذا، وإلا فلا تتعن.
قال الله تعالى:”الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته”.
فيستفاد منها أن الطالب لا يترك علما حتى يتقنه.
(خامساً: التحلي بالعمل:

من علامات العلم النافع: التحلي بالعمل (تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع، وهى: 1 - العمل به.
2 - كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق.
3 - تكاثر تواضعك كلما ازددت علماً.
4 - الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا.
5 - هجر دعوى العلم.
6 - إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس تنزها عن الوقوع بهم وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد: لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد (سادساً: تأدية زكاة العلم:

(زكاة العلم:

أد (زكاة العلم): صادعاً بالحق، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر موازنا بين المصالح والمضار، ناشراً للعلم، وحب النفع وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف.
وتدبر في (حديث أبى هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.
قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه فبذله صدقه ينتفع بها والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه.
فاحرص على هذه الحلية فهي رأس ثمرة علمك.
ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق وآفته الكتمان.
ولا تحملك دعوى فساد الزمان، وغلبة الفساق، وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت، فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة ورفع لواء الرذيلة.
(سابعاً: التحلي بعزةِ العلماء:

التحلي بعزةِ العلماء: صيانة العلم وتعظيمه، حماية جناب عزة وشرفه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء، أو يمتطيك السفهاء، فتلاين في فتوى، أو قضاء، أو بحث، أو خطاب.... ولا تسع به إلى أهل الدنيا ولا تقف به على أعتابهم ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره.
ومتع بصرك وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا، تر فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مثلا في هذا، مثل كتاب ”من أخلاق العلماء” لمحمد سليمان رحمه الله تعالى، وكتاب ”الإسلام بين العلماء والحكام” لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، وكتاب ”مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر” لفاروق السامرائى وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب ”عزة العلماء” يسر الله إتمامه وطبعه.
وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني على بن عبد العزيز م سنة 392هـ) رحمه الله تعالى كما نجدها عند عدد من مترجميه ومطلعها: يقولون لي فيك انقباض وإنما... رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم... ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولا أن أهل العلم صانوه صانهم... ولو عظموه في النفوس لعظما (لعظما) بفتح الظاء المعجمة المشالة.
(ثامناً: صيانة العلم:

إن بلغت منصباً، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء.... وهكذا فأعط العلم قدره وحظه من العمل به وإنزاله منزلته.
واحذر مسلك من لا يرجون لله وقارا، الذين جعلوا الأساس (حفظ المنصب) فيطوون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة.
فالزم – رحمك الله – المحافظة على قيمتك بحفظ دينك وعلمك، وشرف نفسك، بحكمة ودراية وحسن سياسة:”احفظ الله يحفظك ”“احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة”.
وإن أصبحت عاطلاً من قلادة الولاية وهذا سبيلك ولو بعد حين فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمة ومنقصة.
ومن العجيب أن بعض من حرم قصدا كبيرا من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد (التقاعد) فهذا وإن كانت توبته شرعية، لكن دينه ودين العجائز سواء إذ لا يتعدى نفعه، أما وقت ولايته، حال الحاجة إلى تعدى نفعه، فتجده من أعظم الناس فجوراً وضرراً، أو بارد القلب أخرس اللسان عن الحق.
فنعوذ بالله من الخذلان.
(تاسعاً: التحلي بالمدارة وليس المداهنة:

التحلي بالمدارة وليس المداهنة: المداهنة خلق منحط، أما المداراة فلا، لكن لا تخلط بينهما، فتحملك المداهنة إلى حضار النفاق مجاهرة، والمداهنة هي التي تمس دينك ن فكلاهما ملاينة إلا أن فصل الخطاب بينهما أن [المدارة ملاينة للتوصل إلى حق، والمداهنة ملاينة للتوصل إلى باطل].

(عاشراً: التحلي بالغرام بالكتب:

شرف العلم معلوم، لعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه كحاجة البدن إلى الأنفاس، وظهور النقص بقدر نقصه، وحصول اللذة والسرور بقدر تحصيله ولهذا اشتد غرام الطلاب بالطلب والغرام بجمع الكتب مع الانتقاء ولهم أخبار في هذا تطول وفيه مقيدات في خبر الكتاب يسر الله إتمامه وطبعه.
وعليه فاحذر الأصول من الكتب واعلم أنه لا يغنى منها كتاب عن كتاب، ولا تحشر مكتبتك وتشوش على فكرك بالكتب الغثائية، لا سيما كتب المبتدعة، فإنها سم ناقع.
(قوام مكتبتك: عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال والتفقه على علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، ومن أجلها كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.
وعلى الجادة في ذلك من قبل ومن بعد كتب: 1 - الحافظ ابن عبد البر (م سنة 463هـ) رحمه الله تعالى وأجل كتبه”التمهيد”.

2 - الحافظ ابن قدامه (م سنة 620هـ) رحمه الله تعالى، وأرأس كتبه المغنى”.
3 - الحافظ ابن الذهبي (م سنة 748هـ) رحمه الله تعالى.
4 - الحافظ ابن كثير (م سنة 774هـ) رحمه الله تعالى.
5 - الحافظ ابن رجب (م سنة 795هـ) رحمه الله تعالى.
6 - الحافظ ابن حجر (م سنة 852هـ) رحمه الله تعالى.
7 - الحافظ الشوكاني (م سنة 1250هـ) رحمه الله تعالى.
8 - الإمام محمد بن عبد الوهاب (م سنة 1206هـ) رحمه الله تعالى.
9 - كتب علماء الدعوة ومن أجمعها ”الدرر السنية”.
10 - العلامة الصنعاني (م سنة 1182هـ) رحمه الله تعالى، لا سيما كتابة النافع ”سبل السلام”.
11 - العلامة صديق حسن خان القنوجي (م سنة 1307هـ) رحمه الله تعالى.
12 - العلامة محمد الأمين الشنقيطي (م سنة 1393هـ) رحمه الله تعالى لا سيما كتابة:”أضواء البيان”.
التعامل مع الكتاب: لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفة فيه، وكثيراً ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته.
ومنه: إذا حزت كتاباً؛ فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جرداً، أو قراءة لمقدمته، وفهرسه، ومواضع منه، أما إن جعلته مع فنه في المكتبة، فربما مر زمان وفات العمر دون النظر فيه، وهذا مجرب والله الموفق.
إعجام الكتابة: إذا كتبت فأعجم الكتابة بإزالة عجمتها، وذلك بأمور: 1 - وضوح الخط.
2 - رسمه على ضوء قواعد الرسم (الإملاء).
وفي هذا مؤلفات كثيرة من أهمها: كتاب الإملاء ”لحسين وإلى.
“قواعد الإملاء” لعبد السلام محمد هارون “المفرد العلم ”للهاشمي، رحمهم الله تعالى.
3 - النقط للمعجم والإهمال للمهمل.
4 - الشكل لما يشكل.
5 - تثبيت علامات الترقيم في غير آية أو حديث.
(الحادي عشر: التخلي عن المحاذير التي لا تجعل العلم نافعاً:

وهذه المحاذير هي ما يلي: [1] حلم اليقظة: إياك و (حلم اليقظة)، ومنه بأن تدعي العلم لما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن، فإن فعلت، فهو حجاب كثيف عن العلم.
احذر أن تكون ”أبا شبر”.
فقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول، تكبر ومن دخل في الشبر الثاني، تواضع ومن دخل في الشبر الثالث، علم أنه ما يعلم.
[2] التصدر قبل التأهل: احذر التصدر قبل التأهل، هو آفة في العلم والعمل.
وقد قيل: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه.
[3] التنمر بالعلم:

احذر ما يتسلى به المفلسون من العلم، يراجع مسألة أو مسألتين، فإذا كان في مجلس فيه من يشار إليه، أثار البحث فيهما، ليظهر علمه! وكم في هذا من سوءة، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته.
وقد بينت هذه مع أخوات لها في كتاب ”التعالم”، والحمد لله رب العالمين.
[4] تحبير الكاغد: كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية، والذي نهايته ”تحبير الكاغد" فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته، واكتمال أهليتك، والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عاراً وتبدى به شناراً.
أما الاشتغال بالتأليف النافع لمن قامت أهليته، واستكمل أدواته، وتعددت معارفه، وتمرس به بحثا ومراجعة ومطالعة وجرداً لمطولاته، وحفظاً لمختصراته، واستذكاراً لمسائله، فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء.
ولا تنس قول الخطيب: “من صنف، فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس”.
[5] موقفك من وهم من سبقك: إذا ظفرت بوهم لعالم، فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام لا سيما المكثرين منهم.
وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص، إلا متعالم ”يريد أن يطب زكاما فيحدث به جذاما".
نعم، يبنه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه والحط عليه فيغتر به من هو مثله.
[6] دفع الشبهات: لا تجعل قلبك كالسفنجه تتلقى ما يرد عليها، فاجتنب إثارة الشبه وإيرادها على نفسك أو غيرك، فالشبه خطافة، والقلوب ضعيفة، وأكثر م يلقيها حمالة الحطب – المبتدعة – فتوقهم.
[7] احذر اللحن: ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة، وصفاء ذوق ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني: فعن عمر رضي الله عنه أنه قال: "تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة".
وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن.
وأسند الخطيب عن الرحبي قال: "سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحان، فكتب عن اللحان لحان آخر؛ صار الحديث بالفارسية “! وأنشد المبرد: النحو يبسط من لسان الألكن والمرء تكرمه إذا لم يلحن فإذا أردت من العلوم أجلها فأجلها منها مقيم الألسن وعليه؛ فلا تحفل بقول القاسم بن مخيمرة رحمه الله تعالى: “تعلم النحو: أوله شغل، وآخره بغي".
ولا بقول بشر الحافي رحمه الله تعالى: "لما قيل له: تعلم النحو قال: أضل، قال: قل ضرب زيد عمراً.

قال بشر: يا أخي! لم ضربه؟ قال: يا أبا نصر! ما ضربه وإنما هذا أصل وضع.
فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه".
رواهما الخطيب في”اقتضاء العلم العمل".
[8] احذر (الإجهاض الفكري)؛ بإخراج الفكرة قبل نضوجها.
الإسرائيليات الجديدة: [9] احذر الإسرائيليات الجديدة في نفثات المستشرقين؛ من يهود ونصارى؛ فهي أشد نكاية وأعظم خطراً من الإسرائيليات القديمة؛ فإن هذه قد وضح أمرها ببيان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الموقف منها، ونشر العلماء القول فيها، أما الجديدة المتسربة إلى الفكر الإسلامي في أعقاب الثورة الحضارية واتصال العالم بعضه ببعض، وكبح المد الإسلامي؛ فهي شر محض، وبلاء متدفق، وقد أخذت بعض المسلمين عنها سنة، وخفض الجناح لها آخرون، فاحذر أن تقع فيها.
وفي الله المسلمين شرها.
[10] احذر الجدل البيزنطي: أي الجدل العقيم، أو الضئيل، فقد كان البيزنطيون يتحاورون في جنس الملائكة والعدو على أبواب بلدتهم حتى داهمهم.
وهكذا الجدل الضئيل يصد عن السبيل.
وهدي السلف: الكف عن كثرة الخصام والجدال، وأن التوسع فيه من قلة الورع؛ كما قال الحسن إذ سمع قوماً يتجادلون: "هؤلاء ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم، فتكلموا".
رواه أحمد ”الزهد"، وأبو نعيم في ”الحلية".
لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء والبراء عليها: أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام والسلام: فيا طالب العلم! بارك الله فيك وفي علمك؛ اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف.
ولا تكن خراجاً ولاجاً في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجاً، والمسلمون جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام.
وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهاباً بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغلية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها.
فكن طالب علم على الجادة؛ تقفو الأثر، وتتبع السنن، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفاً لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم.
وإن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغواشي.

فاحذر رحمك الله أحزاباً وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب؛ تجمع الماء كدراً، وتفرقه هدراً؛ إلا من رحمه ربك، فصار على مثل ما كان عليه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه رضي الله عنهم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة أهل العبودية في: "العلامة الثانية: قوله:”ولم ينسبوا إلى اسم"؛ أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاماً لأهل الطريق.
وأيضاً؛ فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيعرفون به دون غيره من الأعمال؛ فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة.
وأما العبودية المطلقة؛ فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها؛ فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال: الرسول.
وعن طريقه؟ قال: الاتباع.
وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى.
وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة.
وعن مقصده ومطلبه؟ قال: (يريدون وجهه).
وعن رباطه وعن خانكاه؟ قال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).
وعن نسبه؟ قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه... إذا افتخروا بقيس أو تميم وعن مأكله ومشربه؟ قال:”مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها".
واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل ثم قال:”قوله”"أولئك ذخائر الله حيث كانوا”؛ ذخائر الملك: ما يخبأ عنده، ويذخره لمهماته، ولا يبذله لكل أحد؛ وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته.
وهؤلاء؛ لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي؛ كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة.
وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات؛ فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة.
هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.
والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله، وهم – إلا الواحد بعد الواحد – المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود.

وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى ”السنة".
يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها.
فمن الناس من يتقيد بلباس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشى غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه.
فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصددون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأضحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعاً له عن الطريق فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عد ذلك فضولاً وشراً وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غيراً عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة.

(

آداب العالم:

مسألة: ما هي الآداب التي يجب على العالم أن يتحلى بها؟ (الآداب التي يجب على العالم أن يتحلى بها ما يلي: (1) الشفقة على المتعلمين، وأن يعاملهم كما يعامل الأب أبنائه، ولا يرى لنقسه فضلاً عليهم فإنما الفضلُ لله تعالى، بل يرى الفضل لهم لأنهم هيأوا قلوبهم لزراعة العلم فيها فكانوا كحال من أعار أرضه لمن يزرع فيها (2) أن يعلمهم العلم ولا يكتمه عنهم فقد ورد النكير الشديد لمن يكتم العلم (حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.
(3) أن يرحب بهم لوصية النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهم: (حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا بوصية رسول الله و أقنوهم.
معنى أقنوهم: أي علموهم (4) أن يصبر عليهم في تعليم العلم وأن يغرس في قلوبهم شجرة الصبر على تعلم العلم، وأن يذكرهم مراراً وتكراراً بهذه العبارة ﴿لابد من الصبر وطول النفس في تعلم العلم وإنما يُؤخذ العلم حديثاً وحديثين وباباً بعد باب، وأنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه﴾ (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوَقَّه.

(5) أن يكرر كلامه ويبينه أثناء التعليم حتى يفهم الجميع فإن العقول تتفاوت، كما تكرار الكلام ليفهم من سنة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه و إذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا.
(6) أن يجعل كلامه فصلاً بين المعنى يفهمه كل من يسمعه تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (حديث عائشة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت كان كلام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلا يفهمه كل من سمعه.
معنى فصلاً: أي بين المعنى لا يلتبس على أحد بل يفهمه كل من يسمعه (7) أن يكون في كلامه ترتيل وتمهل ليتمكن السامع من سماعه تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (حديث جابر في صحيح أبي داود) قال كان في كلام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترتيل أو ترسيل.
معنى ترتيل: أي تأني وتمهل حتى يتمكن السامع من سماعه وفهمه (8) أن لا يكثر الكلام في الموضوع الواحد لأن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً وليكن مبدأه في الكلام أن ما قل وكفى خيرٌ مما كثر وألهى تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما قل و كفى خير مما كثر وألهى.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحدِّث بحديثٍ لو عاده العادُّ لأحصاه.
(9) أن ينظر إلى فهم المتعلم ومقدار عقله فيحدثه بما يفهم، فإنه إن حدثه بما هو فوق طاقته العقلية فإما أن يصيبه بإحباط فيملَّ وينقطع أو يكون سبباً في فتنته ويفهم الكلام على وجهٍ غير المقصود منه قال عليُّ رضي الله تعالى عنه: حدِّثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله.
وقال ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلُغُه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
(10) أن يضرب لهم الأمثال أثناء شرحه لهم ليقرِّب المعنى لهم تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يومٍ خمساً، ما تقولُ ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً، قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا.
(11) أن لا يتسرع في الفتوى ولا يكن همُّه خلاص السائل وليكن همُّه خلاص نفسه فإن السلامة لا يعدلها شيء:

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه.
قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى: أدركت في هذا المسجد مائةً وعشرين من أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ما أحدٌ يُسأل عن حديثٍ أو فتوى إلا ودَّ أن أخاه كفاه ذلك، ثم قد آل الأمر إلى إقدام أقوامٍ يدَّعون العلم اليوم يقدمون على الجواب في مسائل لو عَرَضت لعمرَ رضي الله تعالى عنه لجمع أهل بدرٍ واستشارهم (12) أن يطبق العلم حتى ينجو من مقت الله تعالى، والله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ﴿الصف/3،2﴾ (حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يُؤتى بالعالم يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلقُ أقتا به فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ويحك، مالك كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه.
(حديث جندب ابن عبد الله في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مثل العالم الذي يعلم الناس الخير و ينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس و يحرق نفسه.
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون و يقرءون كتاب الله و لا يعملون به.
معنى كلما قُرضت وفت: أي كلما قرضت رجعت كما كانت (13) أن يجعل يوماً لموعظة النساء تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (حديث أبي سعيد في الصحيحين) قال قالت النساء للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك فوعدهنَّ يوماً لقيهنَّ فيه فوعظهنَّ وأمرهنَّ فكان فيما قال لهن: ما منكنَّ امرأةٌ تقدم ثلاثةً من ولدها إلا كان لها حجابٌ من النار فقالت امرأةٌ واثنين قال واثنين.

﴿تنبيه﴾: (ينبغي للعالم أن يعظ النساء إذا لم يوجد من النساء من تكفيه مؤنة ذلك فإن وجد من النساء من تكفيه مؤنة ذلك فهو أفضل لأنه بذلك يكون قد حصل المقصود وهو الوعظ للنساء ويكون قد جنب نفسه الفتنة بالنساء التي هي أضر فتنةٍ على الرجال (حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء.
(14) ينبغي للعالم كذلك أن لا يدخل على الأمراء حتى يسلم منهم ويسلموا منه وقد حذر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذلك.
(حديث ابن عباس في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من سكن البادية جفا و من اتبع الصيد غفل و من أتى السلطان افتتن.
معنى ومن أتى السلطان افتتن: وذلك لأنه إن وافقه في مرامه فقد خاطر بدينه وإن خالفه فقد خاطر بروحه.
(حديث رجلٍ من سليم في صحيح لجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إياكم و أبواب السلطان فإنه قد أصبح صعبا هبوطا.
معنى إياكم وأبواب السلطان: أي اجتنبوها ولا تقتربوا منها معنى صعباً هبوطاً: صعباً أي شديداً، هبوطاً أي منزلاً لدرحة من لا زمه مذلاً له في الدنيا والآخرة أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: إذا رأيت القارئ يلوذ بباب السلطان فاعلم أنه لص، فإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مرائي.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: إذا لم يكن لله في العبد حاجة نبذه إليهم، يعني السلطان.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: إذا دعوك لتقرأ عليهم قل هو الله أحد فلا تأتهم، قلت لأبي شهاب: يعني السلاطين؟، قال: نعم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: لأن يدنو الرجل من جيفة منتنة خير له من أن يدنو إلى هؤلاء ـ يعني السلطان ـ وسمعته يقول: رجل لا يخالط هؤلاء ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا من رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويحج ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن محمد بن زيد قال كنت مع ابن المبارك ببغداد فرأى إسماعيل ابن عليه راكبا بغله على باب السلطان فأنشأ يقول: يا جاعل الدين له بازيا... يصطادأموال السلاطين لا تبع الدين بدنيا كما... بفعل ضلال الرهابين احتلت للدنيا ولذاتها... بحيلة تذهب بالدين وصرت مجنونا بها بعدما... كنت دواء للمجانين

ففكر الناس جميعا بأن... زل حمار العلم في الطين

(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أحمد بن عبد الله التسترى قال لما ولى ابن عليه صدقات الإبل والغنم بالبصرة كتب إليه ابن المبارك كتابا وكتب في أسفله: يا جاعل الدين له بازيا... يصطاد أموال المساكين احتلت للدنيا ولذاتها... بحيلة تذهب بالدين يا فاضح العلم ومن كان ذا... لب ومن عاب السلاطين أين رواياتك في سردها... عن ابن عون وابن سيرين إن قلت أكرهت فماذا كذا... زل حمار العلم في الطين

فلما قرأ ابن علية الكتاب بكى ثم كتب جوابه وكتب في أسفله: أف لدنيا أبت تواتيني... إلا بنقضي لها عرى ديني عيني لحيني تدير مقلتها... تطلب ما سرها لترديني

﴿تنبيه﴾: (قال السيوطي رحمه الله تعالى في ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين: ذهب جمهور العلماء من السلف، وصلحاء الخلف إلى أن هذه الأحاديث والآثار جارية على إطلاقها سواء دعوه إلى المجيء إليهم أم لا، وسواء دعوه لمصلحة دينية أم لغيرها.
قال سفيان الثوري: «إن دعوك لتقرأ عليهم: قل هو الله أحد، فلا تأتهم» رواه البيهقي، كما تقدم.
(وروى أبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران: أن عبد الله بن عبد الملك بن مروان قدم المدينة، فبعث حاجبه إلى سعيد بن المسيب فقال له: أجب أمير المؤمنين! قال: وما حاجته؟ قال: لتتحدث معه.
فقال: لست من حداثه.
فرجع الحاجب إليه فأخبره، قال: دعه.
(قال البخاري في تاريخه: «سمعت آدم بن أبي إياس يقول: شهدت حماد بن سلمة ودعاه السلطان فقال: اذهب إلى هؤلاء! لا والله لا فعلت».
(وروى الخطيب، عن حماد بن سلمة: أن بعض الخلفاء أرسل إليه رسولا يقول له: إنه قد عرضت مسألة، فأتنا نسألك.
فقال للرسول: قل له: «إنا أدركنا أقواما لا يأتونا أحدا لما بلغهم من الحديث فإن كانت لك مسألة فاكتبها في رقعة نكتب لك جوابها».
(وأخرج أبو الحسن بن فهر في كتاب «فضائل مالك»، عن عبد الله بن رافع وغيره قال: قدم هارون الرشيد المدينة، فوجه البرمكي إلى مالك، وقال له: احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك».
فقال للبرمكي: «أقرئه السلام وقل له: إن العلم يزار ولا يزور» فرجع البرمكي إلى هارون الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين! يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك في أمر فخالفك! أعزم عليه حتى يأتيك.
فأرسل إليه فقال: قل له يا أمير المؤمنين لا تكن أول من وضع العلم فيضيعك الله.

(وروى غنجار في تاريخه عن ابن منير: أن سلطان بخاري، بعث إلى محمد بن إسماعيل البخاري يقول: احمل إليّ كتاب «الجامع» و «التاريخ» لأسمع منك.
فقال البخاري لرسوله: «قل له أنا لا أذل العلم، ولا آتي أبواب السلاطين فإن كانت لك حاجة إلى شيء منه، فلتحضرني في مسجدي أو في داري».
(وقال نعيم بن الهيصم في جزئه المشهور: «أخبرنا خلف بن تميم عن أبي همام الكلاعي، عن الحسن أنه مر ببعض القراء على بعض أبواب السلاطين، فقال: أقرحتم جباهكم، وفلطحتم نعالكم، وجئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم؟! أما إنكم، لو جلستم في بيوتكم لكان خيرا لكم، تفرقوا فرق الله بين أعضائكم».
(وقال الزجاجي في أماليه: «أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسن، أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه قال: مر الحسن البصري بباب عمر بن هبيرة وعليه القراء فسلم، ثم قال: «ما لكم جلوسا قد أحفيتم شواربكم وحلقتم رؤوسكم، وقصرتم أكمامكم، وفلطحتم نعالكم! أما والله! لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم فضحتم القراء فضحكم الله».
(وأخرج ابن النجار، عن الحسن أنه قال: «إن سركم أن تسلموا ويسلم لكم دينكم، فكفوا أيديكم عن دماء المسلمين، وكفوا بطونكم عن أموالهم، وكفوا ألسنتكم عن أعراضهم ولا تجالسوا أهل البدع، ولا تأتوا الملوك فيلبسوا عليكم دينكم».
(وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهيب بن الورد قال: «بلغنا أن العلماء ثلاث، فعالم يتعلمه للسلاطين، وعالم يتعلمه لينفذ به عند التجار، وعالم يتعلمه لنفسه، لا يريد به إلا أنه يخاف أن يعمل بغير علم، فيكون ما يفسد أكثر مما يصلح».
(وأخرج أبو نعيم، عن أبي صالح الأنطاكي قال: سمعت ابن المبارك يقول: «من بخل بالعلم ابتلى بثلاث: إما بموت فيذهب علمه، وإما ينسى وإما يلزم السلطان فيذهب علمه».
(وقال الخطيب البغدادي في كتاب رواه مالك: «كتب إلىّ القاضي أبو القاسم الحسن بن محمد بن الأنباري، من مصر، أنبأنا محمد بن أحمد بن المسور، نبأنا المقدام بن داود الرعيني، نبأنا علي ابن معبد، نبأنا إسحاق بن يحيى، عن مالك بن أنس رحمه الله، قال: «أدركت بضعة عشر رجلا من التابعين يقولون لا تأتوهم، ولا تأمروهم، يعني السلطان».

(وقال ابن باكويه الشيرازي في «أخبار الصوفية»: «حدثنا سلامة بن أحمد التكريني أنبأنا يعقوب ابن اسحاق، نبأنا عبيد الله بن محمد القرشي، قال: كنا مع سفيان الثوري بمكة، فجاءه كتاب من عياله من الكوفة: بلغت بنا الحاجة أنا نقلي النوى فنأكله فبكى سفيان.
فقال له بعض أصحابه: يا أبا عبد الله! لو مررت إلى السلطان، صرت إلى ما تريد! فقال سفيان: «والله لا أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها».
حدثنا عبد الواحد، نبأنا أحمد بن محمد بن حمدون، نبأنا أبو عيسى الأنباري، نبأنا، فتح بن شخرف، نبأنا عبد الله بن حسين، عن سفيان الثوري: إنه كان يقول: «تعززوا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم».
حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نبأنا ابن حسان، نبأنا أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان تخالف العلماء؟ فغضب وقال: «أرأيت عالماً يأتي باب السلطان فيأخذ دراهمهم».
سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت محمد بن داود الدينوري يقول: سمعت أحمد بن الصلت يقول: «جاء رجل إلى بشر بن الحارث، فقال له: يا سيدي! السلطان يطلب الصالحين، فترى لي أن أختبئ؟ فقال له بشر: «جز من بين يدي، لا يجوز حمار الشوك فيطرحك علينا».
أخبرنا أبو العلاء، سمعت أحمد بن محمد التستري، سمعت زياد بن علي الدمشقي يقول: سمعت صالح بن خليفة الكوفي، يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: «إن فجار القراء اتخذوا سلّماً إلى الدنيا فقالوا: ندخل على الأمراء نفرج عن مكروب ونكلم في محبوس».
(وقال أبو علي الآمدي في تعليقه: «حدثني أبو محمد جعفر بن مصعب ابن الزبير، عن جدة الزبير بن بكار، قال: حدثني أبو المكرم عقبة بن مكرم بن عقبة الضبي عن بريد بن كميت، عن عمار بن سيف، أنه سمع سفيان الثوري يقول: «النظر إلى السلطان خطيئة».
(وأخرج ابن باكويه، عن الفضيل بن عياض، قال: «لو أن أهل العلم أكرموا على أنفسهم وشحوا على دينهم، وأعزوا العلم وصانوه، وأنزلوه حيث أنزله الله، لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس، واشتغلوا بما يعنيهم، وعز الإسلام وأهله لكنهم استذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم، إذا سلمت لهم دنياهم وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا ما في أيديهم، فذلوا وهانوا على الناس».
(قال الآمدي: حدثني أبو العباس، قال: سمعت: قدم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان في حياة أبيه يريد الحج: فنزل في دار إسحاق بن إبراهيم فوجه إسحاق إلى العلماء، فأحضرهم ليراهم طاهر، ويقرأ عليهم فحضر أصحاب الحديث والفقه وأحضر ابن الأعرابي، وأبا نصر صاحب الأصمعي ووجه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام في الحضور، فأبى أن يحضر وقال: العلم يُقصد فغضب إسحاق من قوله ورسالته، وكان عبد الله بن طاهر جرى له في الشهر ألفي درهم فلم يوجه إليه إسحاق، وقطع الرزق عنه، وكتب إلى عبد الله بالخبر فكتب إليه: قد صدق أبو عبيد في قوله، وقد أضعفت الرزق له من أجل فعله فأعطاه فأته ورد عليه بعد ذلك ما يستحقه.
(وأخرج ابن عساكر، من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حدثنا أبو حازم أن سليمان بن هشام بن عبد الملك قدم المدينة فأرسل إلى أبي حازم فدخل عليه فقال: فسلمت وأنا متكئ على عصاي فقيل ألا تتكلم!؟ قلت: وما أتكلم به!؟ ليست لي حاجة فأتكلم فيها، وإنما جئت لحاجتكم التي أرسلتم إليّ فيها، وما كل من يرسل إلى آتيه، ولولا الخوف من شركم ما جئتكم.
إني أدركت أهل الدنيا تبعا لأهل العلم حيث كانوا، يقضي أهل العلم لأهل الدنيا حوائج دنياهم وأخراهم، ولا يستغني أهل الدنيا عن أهل العلم لنصيبهم من العلم ثم حال الزمان، فصار أهل العلم تبعا لأهل الدنيا حيث كانوا، فدخل البلاء على الفريقين جميعا.
ترك أهل الدنيا النصيب الذي كانوا يتمسكون به من العلم حيث رأوا أهل العلم قد جاؤوهم، وضيّع أهل العلم جسيم ما قسم لهم باتباعهم أهل الدنيا».
(وأخرج ابن أبي الدنيا، والخرائطي، وابن عساكر، عن زمعة بن صالح، قال: كتب بعض بني أمية إلى أبي حازم أن يرفع إليه حوائجه، فكتب إليه: «أما بعد فقد جاءني كتابك بعزم أن ترفع حوائجي إليك وهيهات! رفعت حوائجي إلى مولاي فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني منها رضيت».

(وأخرج ابن عساكر، عن عبد الجبار بن عبد العزيز أبي حازم عن أبيه، عن جده: أن سليمان بن عبد الملك دخل المدينة، فأقام بها ثلاثا.
فقال: ههنا رجل ممن أدرك أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويحدثنا؟ فقيل له: بلى ههنا رجل يقال له أبو حازم فبعث إليه، فجاءه، فقال له سليمان: يا أبا حازم! ما هذا الجفاء أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتني!؟ قال أبو حازم: إن الناس لما كانوا على الصواب، كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية فسقطوا أو تعسوا أو تنسكوا ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لم تزل الأمراء تهابهم».
(وأخرج البيهقي، وابن عساكر، عن زمعة بن صالح قال: قال الزهري لسليمان أو هشام: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء؟ قال يا أبا حازم: ما قلت في العلماء؟ قال: «وما عسيت أن أقول في العلماء إلا خيرا، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعملهم عن أهل الدنيا، ولم تستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم فلما رأى ذلك هذا وأصحابه تعلموا العلم فلم يستغنوا به واستغنى أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم.. فلما رأوا ذلك، قذفوا بعلمهم إلى أهل الدنيا ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئا، إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة».
(وأخرج أبو نعيم، وابن عساكر، عن يوسف بن أسباط قال: أخبرنا نجم: أن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم فأتاه، وعنده الإفريقي، والزهري وغيرهما فقال له: تكلم يا أبا حازم فقال أبو حازم: «إن خير الأمراء من أحب العلماء، وأن شر العلماء من أحب الأمراء.
وكانوا فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء.
فلما رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء! وطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم فرخصوا لهم فخربت العلماء على الأمراء، وخربت، الأمراء على العلماء.

(وأخرج البيهقي في «الزهد»، وابن عساكر، عن سفيان: قال: قال بعض الأمراء لأبي حازم: ارفع إلي حاجتك قال: هيهات! هيهات! رفعتها إلى من لا تختزن الحوائج دونه، فما أعطاني منها قنعت، وما زوى عني منها رضيت، كان العلماء فيما مضى يطلبهم السلطان وهم يفرون منه، وأن العلماء اليوم طلبوا العلم حتى إذا جمعوه بحذافيره، أتوا به أبواب السلاطين، والسلاطين يفرون منهم، وهم يطلبونهم».
(وأخرج ابن عساكر، عن محمد بن عجلان المدني، قال: أرسل سليمان بن هشام إلى أبي حازم، فقال له: تكلم! قال: «ما لي من حاجة أتكلم بها، ولولا اتقاء شركم ما جئتكم لقد أتى علينا زمان وإنما الأمراء تطلب العلماء فتأخذ مما في أيديهم فتنتفع به، فكان في ذلك صلاح للفريقين جميعا، فطلبت اليوم العلماء الأمراء وركنوا إليهم واشتهوا ما في أيديهم، فقالت الأمراء ما طلب هؤلاء ما في أيدينا حتى كان ما في أيدينا خيرا مما في أيديهم، فكان في ذلك فساد للفريقين كليهما» فقال سليمان بن هشام: صدقت.
(وأخرج ابن عساكر، من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي قال: حدثنا أبو سعيد الأصمعي، عن أبي الزناد، عن أبيه، قال: «كان الفقهاء كلهم بالمدينة يأتون عمر بن عبد العزيز، خلا سعيد بن المسيب، فإن عمر كان يرضى أن يكون بينهما رسول، وكنت الرسول بينهما.
(وأخرج ابن عساكر، عن الأوزاعي، قال: قدم عطاء الخراساني على هشام بن عبد الملك فنزل على مكحول، فقال عطاء لمكحول: ههنا أحد يحركنا؟ ـ يعني يعظنا ـ قال: «نعم، يزيد بن ميسرة فأتوه، فقال له عطاء: حركنا رحمك الله، قال: نعم، كانت العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا» قال: أعد علي، فأعاد عليه.
فرجع ولم يلق هشاما.

(وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن مقاتل بن صالح الخراساني قال: دخلت على حماد بن سلمة، فبينا أنا عنده جالس، إذ دق داق الباب فقال: «يا صبية أخرجي فانظري من هذا! فقالت: هذا رسول محمد بن سليمان الهاشمي ـ وهو أمير البصرة والكوفة ـ قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وسلم فناوله كتابه، فقال: اقرأه فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان إلى حماد بن سلمة.
أما بعد: فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته.
وقعت مسألة فأتينا نسألك عنها» فقال: «يا صبية هلمي الدواة!» ثم قال: لي: «اقلب الكتاب وكتب: أما بعد فقد صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدا، فإن وقعت مسألة فأتنا فاسألنا عما بدا لك! وإن أتيتني، فلا تأتني إلا وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي، والسلام» فبينما أنا عنده، إذ دق داق الباب فقال: «يا صبية أخرجي فانظري من هذا!» قالت: «هذا محمد بن سليمان، قال: «قولي له يدخل وحده» فدخل، فسلم ثم جلس بن يديه، ثم ابتدأ، فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت رعبا!؟ فقال حماد: «سمعت ثابت البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد به أن يكثر به الكنوز، هاب من كل شيء» وذكر بقية القصة.
(وأخرج ابن النجار في تاريخه عن مفلح بن الأسود، قال: قال المأمون ليحيى بن أكثم: إني أشتهي أن أرى بشر بن الحارث.
قال: إذا اشتهيت يا أمير المؤمنين، فإلى الليلة ولا يكون معنا بشر.
فركبا، فدق يحيى الباب فقال بشر: من هذا؟ قال: من تجب عليك طاعته.
قال: وأي شيء تريد؟ قال: أحب لقاك فقال بشر: طائعا أو مكرها قال: ففهم المأمون، فقال ليحيى: اركب فمر على رجل يقيم الصلاة صلاة العشاء الآخرة فدخلا يصليان فإذا الإمام حسن القراءة فلما أصبح المأمون وجه إليه، فجاء به فجعل يناظره في الفقه، وجعل الرجل يخالفه، ويقول: القول في هذه المسألة خلاف هذا فغضب المأمون.
فلما كثر خلافه قال: «عهدي بك، كأنك تذهب إلى أصحابك فتقول: خطأت أمير المؤمنين.
فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لأستحي من أصحابي أن يعلموا أني جئتك! فقال المأمون: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من يستحي أن يجيئني، ثم سجد لله شكرا.
والرجل إبراهيم بن إسحاق الحربي.
(وأخرج ابن النجار في تاريخه عن سفيان الثوري قال: «ما زال العلم عزيزا، حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه أجرا، فنزع الله الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العلم به».
(وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن بشر الحافي قال: «ما أقبح أن يطلب العالم، فيقال: هو بباب الأمير».
وأخرج أيضا عن الفضيل بن عياض، قال: إن آفة القراء العجب، واحذروا أبواب الملوك فإنها تزيل النعم فقيل: كيف؟ قال: الرجل يكون عليه من الله نعمة ليست له إلى خلق حاجة فإذا دخل إلى هؤلاء فرأى ما بسط لهم في الدور والخدم استصغر ما هو فيه من خير ثم تزول النعم».
(عقد الغزالي في «الإحياء» بابا في مخالطة السلاطين، وحكم غشيان مجالستهم، والدخول عليهم، قال فيه: «اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة، ثلاثة أحوال: الحال الأولى: وهي شرها، أن تدخل عليهم.
والثانية: وهي دونها أن يدخلوا عليك.
والثالثة: - وهي الأسلم -: أن تعتزل عنهم، ولا تراهم ولا يروك.
أما الحالة الأولى: وهي الدخول عليهم، فهي مذمومة جدا في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار فننقلها لتعرف ذم الشرع له.
ثم نتعرض لما يحرم منه، وما يباح وما يكره، على، ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم» ثم سرد كثيرا من الأحاديث والآثار التي سبق ذكرها.
ومما أورده مما لم يسبق له ذكر: (قال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك».
(وقال الأوزاعي: «ما شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا».
وقال إسحاق: «ما أسمج بالعالم يؤتى مجلسه ولا يوجد فيسأل عنه فيقال: إنه عند الأمير.
وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يزور السلطان فاتهموه على دينكم.
أنا ما دخلت قط على هذا إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرمي عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم».
وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول: «إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين».
(وقال وهب: «هؤلاء الذين يدخلون على الملوك، لهم أضر على الأمة من المقامرين».
(وقال محمد ابن مسلمة: «الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء»

(ولما خالط الزهري السلطان كتب له أخ في الدين: «عافانا الله وإياك يا أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن يعرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء.
واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك أنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذك قطبا تدور عليك رحايا ظلمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويغتالون بك قلوب الجهال، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعوا الصَلواةَ وَاِتَبَعوا الشَهَواتِ﴾، وإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم وهيء زادك فقد حضره سفر بعيد، وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء والسلام».
قال: «فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ولكنا نفصل ذلك تفصيلا فقهيا، نميز فيه المحظور عن المكروه والمباح.
فنقول: الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله إما بفعله، وإما بسكوته، وإما بقوله، وإما باعتقاده ولا ينفك عن أحد هذه الأمور.
(أما الفعل: فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دار مغصوبة، وتخطيها والدخول فيها بغير إذن المالك حرام والتواضع للظالم لا يباح إلا بمجرد السلام.
فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فمعصية.
وقد بالغ بعض السلف، حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام.
والإعراض عنهم استحقارا لهم من محاسن القربات.
والجلوس على بساطهم، إذا كان أغلب أموالهم حراما، لا يجوز.

(وأما السكوت فإنه يرى في مجلسهم من الفرش الحرير، وأواني الفضة والحرير والملبوس عليهم، وعلى غلمانهم ما هو حرام.
وكل من رأى سيئة وسكت عليها، فهو شريك في تلك السيئة.
بل يسمع من كلامهم ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام.
فإن ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام.
فإن قلت: إنه يخاف على نفسه، وهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر، فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة، حتى يسقط عنه بالعذر.
ومن علم فسادا في موضع، وعلم أنه لا يقدر على إزالته لا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه، وهو يشاهده ويسكت بل يحتزر عن مشاهدته.
(وأما القول: فإنه يدعو للظالم، أو يثني عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب والموالاة، والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول عمره وبقائه.
فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذا الإمام.

(وأما دعاؤه: فلا يحل له إلا أن يقول: «أصلحك، أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته» أو ما يجري في هذا المجرى.
فأما الدعاء له بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة، مع الخطاب بالمولى وما في معناه، فغير جائز، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من دعى لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه».
فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فيذكر ما ليس فيه، فيكون كاذبا أو منافقا أو مكرما لظالم.
وهذه ثلاث معاص، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق».
وفي خبر آخر: «من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول، والتزكية على ما يعمل، كان عاصيا بالتصديق وبالإعانة.
فإن التزكية، والثناء إعانة على المعصية وتحريك للرغبة فيها كما أن التكذيب والمذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه.
والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة.
وقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية: هل يسقى شربة ماء؟ فقال: «لا، دعه يموت فإن ذلك إعانة له».
وأيضا فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدري نعمة الله عليه ويكون مقتحما نهي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: «يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق».
وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره في الدخول، ومن تكثير سواد الظلمة بنفسه وتحميله إياهم إن كان ممن به وكل ذلك إما مكروهات أو محظورات فلا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين.
أحدهما: أن يكون من جهتهم أمر إلزام، لا إكرام، وعلم أنه لو امتنع أوذي.
والثاني: أن يدخل عليهم في دفع الظلم عن مسلم، فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا».
ثم قال: «فإن قلت: فلقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول: نعم تعلم الدخول منهم، ثم أدخل عليهم! فقد حكي: أن هشام بن عبد الملك، قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة» فقيل: يا أمير المؤمنين! فقد تفانوا قال: من التابعين.
فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه، خلع نعليه بحاشية البساط، ولم يسلم بإمرة المؤمنين، ولكن قال: «السلام عليك يا هشام!» ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: «كيف أنت يا هشام!» فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله وقال له: «ما حملك على ما صنعت؟!» قال: «وما الذي صنعت؟!».

فازداد غضبا وغيظا، فقال: «خلعت نعلك بحاشية بساطي، وما قبلت يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني وجلست بإزاي بغير إذن، وقلت: «كيف أنت يا هشام؟» (فقال: أما قولك: «خلعت نعلي، بحاشية بساطك، فأنا أخلعها بين يدي رب العالمين كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي.
وأما قولك: «لم تقبل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب قال: «لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد، إلا امرأته بشهوة أو ولده برحمة».
وأما قولك: لم تسلم بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راض بإمرتك، فكرهت أن أكذب.
وأما قولك: «لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه وقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى وكني أعداءه فقال:» تَبَّت يَداَ أَبي لَهَبٍ «وأما قولك: جلست بإزائي فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: «إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، انظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام» فقال هشام: عظني؟.
قال: «سمعت علي بن أبي طالب يقول: «إن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته» ثم قام وخرج.
(وعن سفيان الثوري قال: «دخلت على أبي جعفر بمنى، فقال لي: ارفع حاجتك؟ فقلت له: «اتق الله! فإنك قد ملأت الأرض جورا وظلما».
قال: فطأطأ رأسه، ثم رفع وقال: ارفع لنا حاجتك؟ فقلت: «إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعا، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم».
قال: فطأطأ رأسه ثم رفع وقال: ارفع إلينا حاجتك؟ قلت: «حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهما، وأرى هاهنا أمورا لا تطيق الجمال حملها».
(فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا فكانوا يفرون بأرواحهم في الله أعني علماء الآخرة، فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم، فيدلونهم على الرخص، ويستنبطون بدقائق الحيل السعة فيما يوافق أغراضهم» انتهى كلام الغزالي ملخصا.

(وفي «أمالي» الشيخ عز الدين بن عبد السلام التي علقها عنه تلميذه الشيخ شهاب الدين القرافي أحد أئمة المالكية، ما نصه: «ومن جملة كلامه ـ يعني الشيخ عز الدين رضي الله عنه ـ وقد كتب إليه بعض أرباب الدولة يحضه على الاجتماع بملك وقتهم، والتردد إليه ليكون ذلك مقيما لجاهه وكاتبا لعدوه.
فقال رضي الله عنه: «قرأت العلم لأكون سفيراً بين الله وبين خلقه، وأتردد إلى أبواب هؤلاء!» قال القرافي: «فأشار رضي الله تعالى عنه إلى من حمل العلم، فقد صار ينقل عن الله إلى عباده، فهو في مقام الرسالة ومن كان له هذا الشرف لا يحسن منه ذلك».

(وقال ابن الحاج في «المدخل»: «ينبغي للعالم، بل يتعين عليه أن لا يتردد لأحد من أبناء الدنيا، لأن العالم ينبغي أن يكون الناس على بابه، لا عكس الحال أن يكون هو على بابهم ولا حجة له في كونه يخاف من عدو أو حاسد وما أشبههما بمن يخشى أن يشوش عليه، أو يرجو أحد منهم دفع شيء مما يخشاه أو يرجو أن يكون ذلك شيئا لقضاء حوائج المسلمين من جلب مصلحة لهم أو دفع مضرة عنهم فهذا ليس فيه عذر ينفعه.
أما الأول: فلأنه إذا أخذ ذلك بإشراف نفس لم يبارك فيه.
وإذا كان خائفا مما ذكر، فذلك أعظم من إشراف النفس، وقد يسلط عليه من يتردد إليه في مصلحة عقوبة له معجلة.
وأما الثاني: فهو يرتكب أمرا محظورا محققا لأجل محذور مظنون توقعه في المستقبل.
وقد يكون، وقد لا يكون وهو مطلوب في الوقت بعدم ارتكاب ذلك الفعل المذموم شرعا، بل الإعانة على قضاء حوائجه وحوائج المسلمين إنما هو بالانقطاع عن أبواب هؤلاء، والتعويل على الله سبحانه والرجوع إليه فإنه سبحانه هو القاضي للحوائج، والدافع للمخاوف، والمسخر لقلوب الخلق، والمقبل بها على ما شاء، كيف شاء.
قال تعالى خطابا لسيد الخلق:» لَو أَنفَقتَ ما في الأَرضِ جَميعاً مّا أَلَّفتَ بَينَ قُلوبِهِم وَلَكِنَّ اللَهَ أَلَّفَ بَينَهُم «. فذكر سبحانه هذا في معرض الامتنان على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والعالم إذا كان متبعا له عليه أفضل الصلاة والسلام سيما في التعويل على ربه سبحانه والسكون إليه دون مخلوقاته فإنه سبحانه يعامله بهذه المعاملة اللطيفة التي عامل نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولبركة الاتباع له صلى الله عليه ويسلم بذلك من التردد إلى أبواب هؤلاء كالذي يفعله بعض الناس، وهو سم قاتل.
ويا ليتهم لو اقتصروا على ما ذكر لا غير.
بل يضمون إلى ذلك ما هو أشد وأشنع، وهو أنهم يقولون أن ترددهم إلى أبوابهم من باب التواضع، أو من باب إرشادهم إلى الخير إلى غير ذلك مما يخطر لهم، وهو كثير قد عمت به البلوى، وإذا اعتقدوا ذلك فقد قل الرجاء من توبتهم ورجوعهم.
وقد نقل بعض علمائنا أن العدل إذا تردد إلى باب القاضي يكون ذلك حرجة في حقه وترد به شهادته.
فإذا كان هذا في التردد إلى باب القاضي وهو عالم من علماء المسلمين، سالم مجلسه مما يجري من مجالس هؤلاء، فكيف التردد إلى غير القاضي، فمن باب أولى وأوجب المنع من ذلك».

وقال في موضع آخر: «ينبغي للعالم أنه إذا قطع عنه معلوم المدرسة لا يترك ما كان منه من الاجتهاد ولا يتبرم، ولا يضجر لأنه قد يكون المعلوم قد قطع عنه اختبارا من الله تعالى لكي يرى صدقه في علمه وعمله، فإن رزقه مضمون له لا ينحصر في جهة غير أخرى.
قال عليه الصلاة والسلام: «من طلب العلم تكفل الله برزقه» ومعناه يسره له من غير تعب ولا مشقة، وإن كان الله تعالى تكلف برزق الخلق أجمعين، لكن حكمة تخصيص العالم بالذكر أن ذلك ييسر له بلا تعب، ولا مشقة، فجعل نصيبه من التعب والمشقة في الدرس والمطالعة والتفهم للمسائل وإلقائها وذلك من الله تعالى على سبيل اللطف به والإحسان إليه وهذا من كرامات العلماء، أعني فهم المسائل وحسن إلقائها، والمعرفة بسياسة الناس في تعلمها، كما أن كرامات الأولياء فيها أشياء أخرى يطول تعدادها مثل المشي على الماء والطيران في الهواء.
وينبغي له أن يصون هذا المنصب الشريف من التردد لمن يرجى أن يعين على إطلاق المعلوم، أو التحدث فيه أو إنشاء معلوم عوضه.
وقد حدثني من أثق به أنه رأى بعض العلماء، وكان يدرس في مدرسة وانقطع المعلوم عنه وعن طلبته فقالوا للمدرس: لعلك أن تمشي إلى فلان! وكان من أبناء الدنيا لتجتمع به عسى أن يأمر بإطلاق المعلوم فقال: «والله إني لأستحي من ربي عز وجل أن تكذب هذه الشيبة عنده» فقالوا له: وكيف ذلك!؟ فقال: «إني أصبح كل يوم، أقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت» فأقول هذا وأقف بين يدي مخلوق أسأله في ذلك والله لا فعلته» والعالم أولى من يثق بربه عز وجل في المنع والعطاء، ولا عذر له في الطلب لأجل العائلة لأنه إن ترك ذلك تقية على هذا المنصب الشريف لم يضيع الله الكريم قصده وأتاه به أو فتح له من غيبه ما هو أحسن له من ذلك وأعانه وسد خلته على ما شاء، كيف شاء، وليس رزقه بمخصوص في جهة بعينها، وعادة الله أبدا المستمرة على أنه سبحانه وتعالى يرزق من هذا حاله من غير باب يقصده، أو يؤمله، لأن مراد الله تعالى من العلماء انقطاعهم إليه، وتعويلهم في كل أمورهم عليه، ولا ينظرون إلى الأسباب وإلى مسبب الأسباب ومدبرها، والقادر عليها، وكيف لا يكون العالم كذلك وهو المرشد للخلق والموضح الطريق المستقيم للسلوك إليه سبحانه، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه من حيث لا يحتسب» انتهى.

(وفي «طبقات الحنفية» في ترجمة علي بن الحسن الصندلي: «أن السلطان ملك شاة قال له: «لم لا يجيء إلي؟ قال: أردت أن تكون من خير الملوك، حيث تزور العلماء، ولا أكون من شر العلماء حيث أزور الملوك».
(وقال ابن عدي في «الكامل»: «سمعت أبا الحسين محمد بن المظفر يقول: سمعت مشائخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم والإمامة ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل، ومواظبته على الاجتهاد، وأنه خرج إلى الغزو مع والي مصر فوصف من شهامته، وإقامته السنن المأثورة، واحترازه عن مجالسة السلطان الذي خرج معه ولم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد رضي الله عنه».
(وفي «تهذيب الكمال» للمزي في ترجمة أبي يحيى أحمد بن عبد الملك الحراني شيخ البخاري، ما نصه: «قال أبو الحسن الميموني: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: «قد كان عندنا ورأيته كيسا، وما رأيت به بأسا، رأيته حافظا لحديثه، وما رأيت إلا خيرا فقلت: رأيت جماعة يسيئون الثناء عليه.
قال: هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له».
(وفي «تهذيب الكمال» أيضا بسنده عن رشدين بن سعد قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: سمعت «أعز الأشياء في آخر الزمان ثلاثة: أخ في الله يؤتسى وكسب درهم من حلال، وكلمة حق عند سلطان».
(وعن خلف بن تميم قال: سمعت إبراهيم بن أدهم ينشد: أَرى أُناساً بِأَدنى الدينِ قَد قَنَعوا... وَلا أَراهُم رَضوا في العَيشِ بِالدونِ فَاِستَغنِ بِاللَهِ عَن دُنيا المُلوكِ... كَما اِستَغنى المُلوكُ بِدُنياهُم عَنِ الدينِ (وقال القالي في أماليه: «حدثنا أبو بكر ابن الأنباري، حدثني أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخيل بن أحمد بمائة ألف درهم، وسأله في صحبته فرد عليه المائة ألف وكتب إليه بأبيات: أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّي عَنهُ في سَعَةٍ... وَفي غِنى غَيرَ أَنّي لَستُ ذا مالِ سَخِيٌّ بِنَفسي أَنّي لا أَرى أَحَداً... يَموتُ هُزلاً وَلا يَبقى عَلى حالِ فَالرِزقُ عَن قَدرٍ لا العَجزِ يُنقِصُهُ... وَلا يَزيدَكَ فيهِ حَولَ مُحتالِ وَالفَقرُ في النَفسِ لا في المالِ تَعرِفُهُ... وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ (وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن محمد بن وهيب بن هشام قال: أنشدني بعض أصحابي لابن المبارك رحمه الله تعالى: كُلِ الجاوُرسَ وَالأَرُزَ بِالخُبزِ الشَعيرِ... وَاِجعَلَن ذلِكَ طَعاماً تَنجُ مِن حَرِّ السَعيرِ وانأى ما استطعت هداك الله عن باب الأمير

(وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق البيهقي، عن الحاكم قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، نبأنا علي بن الحسن بن حبيب الدمشقي، قال: سمعت الناقوسي، وكان من أهل القرآن والعلم، قال سمعت محمد بن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: «كان لي صديق يقال له حصين، وكان يبرني ويصلني فولاه أمير المؤمنين السيبن، قال فكتب إليه: خُذها إِلَيكَ فَإِنَّ وُدَّكَ طالِقٌ... مِنّي وَلَيسَ طَلاقُ ذاتِ البَينِ فَإِنِ اِرعَوَيتَ فَإِنَّها تَطليقَةٌ... وَيَدومُ وُدُّكَ عَلى ثِنتَينِ وَإِنِ اِلتَوَيتَ شَفَعتَها بِمِثالِها... وَتَكونُ تَطليقَتَينِ في حَيضَينِ فَإِذا الثَلاثُ أَتَتكَ مِنّي طائِعاً... لَم تُغنِ عَنكَ وِلايَةَ البَحرَينِ لَم أَرضَ أَن أَهجُرَ حَصيناً وَحدَهُ... حَتّى اِسوَدَّ وَجهُ كُلِّ حَصينِ

(وقال الجمال اللغوي في كتاب «المعجب» ومن خطه نقلت: أخبرني بعض الفضلاء: أن الأمير عز الدين حرسك بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه للحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه هذه الأبيات وهي قوله: قُل لِلأَميرِ مَقالَةً... مِن ناصِحٍ فَطنٍ نَبيهِ إِنَّ الفَقيهَ إِذا أَتى... أَبوابَكُم لا خَيرَ فيهِ

(وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن زيد بن أسلم قال: كنت مع أبي حازم فأرسل إليه عبد الرحمن بن خالد الأمير أن ائتنا حتى نسألك وتحدثنا.
فقال أبو حازم: «معاذ الله أدركت أهل العلم لا يحملون العلم لأهل الدنيا فلن أكون أول من فعل ذلك فإن كان لك حاجة، فأبلغنا» فأرسل إليه عبد الرحمن قد ازددت عندنا بهذا كرامة.
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:

كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَأْتِي الْخُلَفَاءَ وَلَا الْوُلَاةَ وَالْأُمَرَاءَ وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْكِتَابَةِ إلَيْهِمْ, وَيَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا نَقَلَهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ, وَكَلَامُهُ فِيهِ مَشْهُورٌ وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْهَرَوِيِّ فَقَالَ: رَجُلٌ وَسِخٌ, فَقُلْت مَا قَوْلُك إنَّهُ وَسِخٌ قَالَ: مَنْ يَتْبَعُ الْوُلَاةَ وَالْقُضَاةَ فَهُوَ وَسِخٌ وَكَانَ هَذَا رَأْيَ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ, وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ مِنْهُمْ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَدَاوُد الطَّائِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿مَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ اُفْتُتِنَ﴾.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: وَمِنْ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ أَنْ يَكُونُوا مُنْقَبِضِينَ عَنْ السَّلَاطِينِ, مُحْتَرِزِينَ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ قَالَ حُذَيْفَةُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إيَّاكُمْ وَمَوَاقِفَ الْفِتَنِ قِيلَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَبْوَابُ الْأُمَرَاءِ يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْأَمِيرِ فَيُصَدِّقُهُ بِالْكَذِبِ وَيَقُولُ: مَا لَيْسَ فِيهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إذَا رَأَيْتُمْ الْعَالِمَ يَغْشَى الْأُمَرَاءَ فَاحْذَرُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ لِصٌّ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّك لَنْ تُصِيبَ مِنْ دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إلَّا أَصَابُوا مِنْ دِينِك أَفْضَلَ مِنْهُ, انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ يُقَالُ: شَرُّ الْأُمَرَاءِ أَبْعَدُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَشَرُّ الْعُلَمَاءِ أَقْرَبُهُمْ مِنْ الْأُمَرَاءِ.
(نشاط الشيخ في درسه: يكون على قدر مدارك الطالب في استماعه، وجمع نفسه، وتفاعل أحاسيسه مع شيخه في درسه، ولهذا فاحذر أن تكون وسيلة قطع لعلمه، بالكسل، والفتور والاتكاء، وانصراف الذهن وفتوره.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:

“حق الفائدة أن لا تساق إلا إلى مبتغيها، ولا تعرض إلا على الراغب فيها، فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع، فليسكت، فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع”.
ثم ساق بسنده عن زيد بن وهب، قال: “قال عبد الله: حدث القوم ما رمقوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة، فانزع” ا هـ. (الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة: وهى تختلف من شيخ إلى آخر، فافهم.
ولهذا أدب وشرط: أما الأدب، فينبغي لك أن تعلم شيخك أنك ستكتب، أو كتبت ما سمعته مذاكرة.
وأما الشرط، فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من درسه.

(

فضل بعض العلوم التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها:

(أولاً فضل علم التوحيد

(ثانياً فضل علم القرآن

(ثالثاً فضل علم السنة (رابعاً فضل علم الفقه (خامساً فضل علم الهدْي والآداب (وإليك تفصيل ذلك: (أولاً فضل علم التوحيد إن لعلم التوحيد فضلٌ عظيم لأن التوحيد هو أول ما يجب على العبد أن يتعلمه من دينه لأن التوحيد مقدمٌ على العمل والأصل الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشرك عمل قال تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) ﴿محمد/19﴾ (حديث ابن عباس في الصحيحين) قال.
قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك و كرائم أموالهم و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب.
الشاهد: قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة) فجعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إخبارهم بالصلاة معلقٌ على قبول التوحيد أي إذا لم يقبلوا التوحيد فلا تخبرهم إذ لا ينفع مع الشرك عمل

  • ثانياً: فضلُ علم القرآن:

إن من المعلوم شرعاً أن القرآن الكريم أكبر منةٍ امتن الله تعالى بها على هذه الأمة، ففيه حياةُ القلوب ويحصل بالتمسك به سعادة الدارين ولا يُتَصوَّر طلب العلم على جادةِ الاستقامة إلا بعد حفظ كتاب الله تعالى كاملاً ومن فرَّط فيه فرَّط في غيره ولا شك، وليس معنى ذلك أنه يشترط في طلب العلم حفظ كتاب الله تعالى كاملاً غير أنه لا يستقيم علمه ولا يكون له وزناً في العلم إلا إذا حفظ كتاب الله تعال كاملاً وذلك لأن كل العلم تخدم كتاب الله تعالى، ولذا كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحث أمته دائماً على حفظ كتاب الله تعالى وأن يُقبلوا علته إقبالَ الظامئِ على المورد العذب، والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يدل على ذلك وهاك بعضٌ منها: (1) مثَّل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة ريحها طيب وطعمها طيب وكذا المؤمن الذي يقرأ القرآن مرضيٌ حاله قلباً وقالباً _ وهذا إن كان عاملاً بكتاب الله تعالى _ وإلا انقلب علمه من نورٍ إلى نار.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب و طعمها طيب و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها و طعمها حلو و مثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب و طعمها مر و مثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح و طعمها مر.
(2) وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يترتب الأجر الوفير على قراءة القرآن الكريم: (حديث عقبة ابن عامر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم و لا قطع رحم فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين و ثلاث خير له من ثلاث و أربع خير له من أربع و من أعدادهن من الإبل.
(حديث ابن مسعودٍ في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ﴿ألم﴾ حرف و لكن: ألف حرف و لام حرف و ميم حرف.
(حديث ابن عباس في صحيحي الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
قال الشيخ الألباني: صحيح دون فضل زلزلت

﴿تنبيه﴾: (ومن مظاهر سعة رحمة الله تعالى لعباده وكذا من مظاهر يسر الإسلام أن الله تعالى رتب الأجر الوفير على قراءة القرآن الكريم سواء كان القارئ يجيد القراءة أم يتتعتع في القراءة.
(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السفرةِ الكرامِ البررة والذي يقرأ القرآن ويتعاهده وهو عليه شديد فله أجران.
(حديث جابر في صحيح أبي داود) قال: خرج علينا رسول الله ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والأعجمي فقال: اقرؤا فكلٌ حسن وسيجئُ أقوامٌ يقيمونه كما يُقام القدحُ يتعجلونه ولا يتأجلونه.
الشاهد: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل أمر قراءة القرآن على التساهل حيث قال في قراءة الأعرابي والأعجمي (اقرأوا فكلٌ حسن) وهما غالباً لا يحسنان القراءة لأن الأعرابي غالباً بعيدٌ عن العلم والأعجمي ليس عربياً أصلاً، ثم بين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن المهم في القراءة الاحتساب وإخلاص النية ثم نبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه سيجئُ أقوامٌ يقرؤون القرآن قراءةً صحيحةً ويقيمون الألفاظ كما يُقام القدح (أي السهم) ولكنهم مع ذلك يتعجلون ثوابه في الدنيا ولا يؤجلون ثوابه في الآخرة.
(3) بين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الله تعالى يرفع صاحب القرآن في الدنيا والآخرة (حديث عمر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضعُ به آخرين.
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يقال لصاحب القرآن: اقرأ و ارق و رتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها.
(4) القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة وتقبل شفاعته: (حديث أبي أمامة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه.
(حديث عبد اله بن عمرو في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام و الشهوات بالنهار فشفعني فيه يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيُشَفَّعان.
معنى فيشفَّعان: أي فتقبل شفاعتهما (5) رفع منزلة حافظ القرآن عند اله تعالى: (حديث عثمان في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه.

(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل و آناء النهار فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل و رجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل. ﴿تنبيه﴾: (المقصود بالحسد هنا: الغبطة لأن الحسد مذموم على كل أحواله فلا يحل في اثنتين ولا ثلاث. (حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السفرةِ الكرامِ البررة والذي يقرأ القرآن ويتعاهده وهو عليه شديد فله أجران. (حديث أنس في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أهل القرآن أهل الله وخاصته. (6) إكرام أهل القرآن أحياءاً وأمواتاً (إكرامهم أحياءاً (حديث أبي مسعودٍ الأنصاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا و لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله و لا في سلطانه و لا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه. (حديث ابن عباس في صحيح البخاري موقوفاً) قال: كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله تعالى عنه كهولاً كانوا أم شباناً. (حديث أبي موسى في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم و حامل القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرام ذي السلطان المقسط. معنى ﴿من إجلال الله﴾: أي من تعظيم الله تعالى معنى ﴿غير الغالي فيه﴾: أي غير متجاوز الحد فيه في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه وغير الغالي فيه من حيث قراءته ومخارج حروفه ﴿والجافي عنه﴾ أي وغير الجافي عنه أي غير التارك له البعيد عن تلاوته والعمل به. (إكرامهم أمواتاً (حديث جابر في صحيح البخاري) قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحدٍ في الثوب الواحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن فإذا أُشير إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسَّلوا ولم يُصلى عليهم.

آداب قراءة القرآن:

مسألة: ما هي آداب قراءة القرآن؟

(بيَّن الإمام النووي رحمه الله تعالى آداب قراءة القرآن في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن فقال: (1) ينبغي له أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإنه يراه فعليه أن يطرد الشواغل عن نفسه أثناء هذه المناجاة (2) ينظف فاه بالسواك فإنه مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب: (حديث عائشة في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: السواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب.
(3) يستحب له أن يقرأ القرآن على طهارة فإن قرأ محدثاً جاز بإجماع المسلمين (4) يستحب أن تكون القراءة في موضعٍ نظيف ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة ومحصلاً لفضيلةٍ أخرى هي فضيلة الاعتكاف فإنه ينبغي لكلِ جالس في المسجد أن ينويه سواء كثر جلوسه أو قل، وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به ويشاع ذكره ويعرفه الصغير والكبير فإنه مما يغفل عنه.
(5) يستحب للقارئ أن يقرأ وهو جالس مستحضراً عظمةَ من يناجيه خاشعاً متذللاً بين يدي الله تعالى، ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً في فراشه أو غير ذلك من الأحوال جاز: قال تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض ربنا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿آل عمران/191،190﴾ (حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكر الله على كل أحواله.
(6) ويجب على القارئ إذا أراد الشروع في القراءة أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم لقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ﴿النحل/98﴾ وكان جماعة من السلف يقولون: أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم (7) ينبغي له أن يحافظ على قراءة البسملة في أولِ كل سورة سوى سورة براءة.
(8) إذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر وطرد الشواغل عن ذهنه: قال تعالى أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لوجدوا فيه اخْتِلاَفًا كَثِيراً ﴿النساء/82﴾ وقال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ﴿محمد /24﴾ وقال تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُوْلُو الألْبَابِ) ﴿ص/29﴾ ﴿تنبيه﴾: (كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يهتم اهتماماً بالغاً بتدبر القرآن وكان أحياناً لا يزال يردد آيةً حتى يصبح (حديث أبي ذر في صحيحي النسائي وابن ماجة) قال قام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بآيةٍ يرددها حتى أصبح، والآية قال تعالى: (إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة / 118] وقد تأسى أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به في ذلك فردد تميم بن أوس آيةً حتى أصبح والآية هي (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) ﴿الجاثية/21) (9) البكاء عند قراءة القرآن فإن ذلك سمة عباد الله الصالحين: قال تعالى (وَيَخِرّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) {الإسراء /109﴾ وقال تعالى (إِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمََنِ خَرّواْ سُجّداً وَبُكِيّاً) ﴿مريم/58﴾ وصلى عمر بن الخطاب بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته.
وعن أبي الرجاء قال رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وتحت عينيه مثلُ الشراك البالي من الدموع.
وقدم أناسٌ من اليمن على أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه فجعلوا يقرؤن القرآن ويبكون فقال أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه: هكذا كنا.
(10) استحباب ترتيل القرآن: امتثالاً لقوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) ﴿المزمل /4﴾ (حديث عبد الله بن المغفل في الصحيحين) قال رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورةَ الفتح فرجَّع في قراءته) (حديث أم سلمة في صحيح الترمذي) قالت كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقطع قراءته آية آية: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف: ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف.
11) يكره الإفراط في السرعة في قراءة القرآن لأنها لا تسمح بالتدبر: (حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن رجلاً قال له لقد قرأت المفصل في ركعة فقال هذا كهزِ الشعر إن قوماً يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع.
المقصود بقوله (كهز الشعر): كانت عادتهم في إنشاد الشعر السرعة المفرطة.

((حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن) أي يسلقونه بألسنتهم من غير تدبر لمعانيه ولا تأمل في أحكامه بل يمر على ألسنتهم كما يمر اللبن المشروب عليها بسرعة.
(12) يستحب له أن لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا استجار: (حديث حذيفة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، لا يمر بآيةِ رحمةٍ إلا سأل ولا بآيةِ عذاب إلا استجار.
(13) احترام القرآن: إن احترام القرآن من الأمور التي قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين، فيجب اجتناب الضحك واللغط (اختلاط الأصوات) والحديث خلال القراءة إلا كلاماً يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ) ﴿الأعراف/204﴾ وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأه.
ويجب كذلك اجتناب العبث بين يديه فإنه يناجي الله تعالى، وكذا يجب اجتناب النظر إلى ما يلهي القلب (14) يستحب له أن يقرأ القرآن على ترتيب المصحف لأن الله تعالى جعل هذا الترتيب لحكمةٍ بالغةٍ قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها، فينبغي له أن يحافظ على هذه الحكمة إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الفجر يوم الجمعة فإنه يقرأ في الركعة الأولى سورة السجدة وفي الثانية سورة الإنسان وكذلك سنة الفجر فإنه يقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص قيل لابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه إن فلاناً يقرأ القرآن منكوساً قال: ذلك منكس القلب.
(15) استحباب قراءة القرآن مجتمعين: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله فيمن عنده.
(16) كراهية الاختلاف في كتاب الله تعالى: (حديث جندب ابن عبد الله في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا

(حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) قال سمعت رجلاً قرأ آيةً سمعت من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
(17) استحباب الجهر بالقراءة والإسرار بها على التفصيل الآتي: (إذا خاف على نفسه الرياء أو العجب والعياذ بالله كان الإسرار في حقه أفضل وعيه يحمل الحديث (حديث عقبة بن عامر في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة و المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة.
معنى الحديث: أن المسرَّ بالقرآن أفضل لكي يأمن من العجب المحبط للعمل والعياذ بالله، وهذا محمول على من خاف على نفسه ذلك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: بلغني أن العبد يعمل العمل سراً فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه فيكتب في العلانية، ثم لا يزال الشيطان به حتى يحب أن يحمد عليه فينسخ من العلانية فيثبت في الرياء.
(أما إذا لم يخف على نفسه الرياء والعجب فالجهر في حقه أفضل لأن نفعه متعدي، والمنفعة المتعدية أفضل من المنفعة اللازمة لأنه برفع صوته يوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه وعليه الأحاديث الآتية (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به (18) استحباب تحسين الصوت بالقرآن: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: لقد أُتيت مزماراً من مزامير آل داود.
(حديث البراء في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال زينوا القرآن.
(حديث البراء في الصحيحين) قال سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ في العشاء (والتين والزيتون) فما سمعت أحداً أحسن صوتً منه.
﴿تنبيه﴾: (بينت السنة الصحيحة أن أحسن الناس صوتاً بالقرآن هو الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله.

جارٍ التحميل