كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
والتقصير عند السلف من أصحاب النفوس العالية ليس ترك واجب أو فعل محرم، لكن تقصير في واجب و مستحب، أي فوات طاعة مثلاً أو أذكار وأوراد، والمعاقبة بأن يضاعف الأذكار والأوراد.
والنفس لا تستقيم إلا أن تُجَاهد وتُحَاسَب و تُعَاقَب..، ومما يعين على معاقبة النفس أو إرغام النفس على استدراك النقص؛ التأمُّل في أخبار المجتهدين.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين و من قام بمائة آية كتب من القانتين و من قام بألف آية كتب من المقنطرين.
ومن تأمل في حال السلف وماذا كانوا يفعلون مع ندرة النماذج هذه في هذا الزمان لعله يقود إلى معاقبة النفس بإلزامها بمزيد من العبادات والمستحبات إذا قصّرت..
قالت امرأة مسروق: ما كان يوجد مسروق إلا وساقاه منتفختان من طول الصلاة، والله إن كنت لأجلس خلفه فأبكي رحمة له.
وقال أبو الدرداء: لولا ثلاث ما أحببت العيش يوماً واحداً، الظمأ لله بالهواجر، والسجود لله في جوف الليل، ومجالسة قوم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.
وأم الربيع كانت تشفق على ولدها من كثرة بكائه وسهره في العبادة فنادته (يا بني لعلك قتلت قتيلاً) قال (نعم يا أماه) قال (فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك، فو الله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك) قال (يا أماه.. هي نفسي!!).
قال القاسم بن محمد: غدوت يوماً وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها، فغدوت يوماً إليها فإذا هي تصلّي الضحى وهي تقرأ (فمن ّ الله علينا ووقانا عذاب السموم) وتبكي وتدعو وتردد الآية وقمت حتى مللت وهي كما هي فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فلما فرغت من حاجتي رجعت إليها فوجدتها كما هي ففرغت ورجعت وهي تردد الآية وتبكي وتدعو!
هذه القلوب، سريعة الذنوب، لابد من قرعها ومطالعة ما فيها،
(ومن قواعد المحاسبة توبيخ النفس: لأنها مادامت أمارة بالسوء فتحتاج إلى شدة وتوبيخ والله أمر بتزكيتها وتقويمها، فهي تحتاج إلى سلاسل ولا تنقاد إلا بسلاسل القهر إلى العبادة ولا تمتنع عن الشهوات إلا بهذه السلاسل ولا تنفطم عن اللذات إلا بهذا الحزم معها، فإن أهملت نفسك جمحت وشردت وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والملامة كانت هي النفس اللوامة ويُرجى أن ترتقي بعد ذلك إلى النفس المطمئنة.
كيف يحاسب الإنسان نفسه؟ بماذا يذكر نفسه؟ بنقصها.. بخستها ودناءتها وما تدعو إليه من الحرام وترك الواجب والتفريط في حق الله..
(
الأدلة على مشروعية المحاسبة:
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 19] تنظر أي تفكر وتتفكر.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله -: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه سراً وعلانية في جميع الأحوال وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وحدوده وينظروا مالهم وما عليهم وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم يوم القيامة فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم واهتموا للمقام بها اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقف عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أن الله خبير بما يعملون لا تخفى عليه أعمالهم ولا تضيع لديه ولا يهملها أوجب لهم الجد والاجتهاد.
(وقال الشيخ عن هذه الآية: وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه وأنه ينبغي له أن يتفقدها فإن رأى زللاً تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه وإن رأى نفسه مقصراً في أمر من أوامر الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة، والحرمان كل الحرمان أن يغفل العبد عن هذا الأمر ويشابه قوماً نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها فلم ينجحوا ولم يحصلوا على طائل بل أنساهم الله مصالح أنفسهم وأغفلهم عن منافعها وفوائدها فصار أمرهم فرطاً فرجعوا بخسارة الدارين وغبنوا غبناً لا يمكن تداركه ولا يجبر كسره لأنهم هم الفاسقون.
وقد قال تعالى في كتابه العزيز: (وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]، فإذاً ينبغي على العبد أن ينظر في حاله ويحاسبها ويتوب من التقصير فالمحاسبة تقود إلى التوبة قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ اتّقَواْ إِذَا مَسّهُمْ طَائِفٌ مّنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُواْ فَإِذَا هُم مّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201]
ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه ((والشريكان يتحاسبان عند نهاية العمل))، ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لها عند الموت: [ماأحد من الناس أحب إليّ من عمر]، ثم قال: كيف قلت؟ فأعادت عليه كلامه، فقال: [لا أحد أعزّ عليّ من عمر].
فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبرها وأبدلها بكلمة أخرى لأنه رآها أنسب وأحسن وأدق وأصدق..
قال الحسن البصري رحمه الله: [المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله وإنما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة] ثم قال: [المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول والله إنك تعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات! حيلي بيني وبينك!]، هذا نموذج من الحساب لشيء يعرض للإنسان مزيّن ويعجبه وتميل إليه نفسه ولكنه يتركه لأنه ليس من مصلحته في الآخرة، [ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردتِ بهذا؟!!]، يفرط أي يسبق ويحصل ويقع.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول بيني وبينه جدار [يا أمير المؤمنين! بخٍ! بخٍ! والله لتتقين الله أو ليعذبنّك!]، فهو يذكر نفسه بأن هذا اللقب أمير المؤمنين لا يغني عنه من الله شيئاً..
قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)): [لا يلقى المؤمن إلا وهو يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه].
وقال مالك بن دينار رحمه الله: رحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً.
وهذا من حساب النفس.
وقال ميمون بن مهران: [التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح].
وقال إبراهيم التميمي: [مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال: فأنتِ في الأمنية فاعملي إذاً لتكوني في الجنة في ذلك النعيم].
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: [إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبّ ثم تنبعث منها إلى الأعضاء وأول ما تنال القلب].
وقد كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في خطبة الحاجة: ((الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا)) كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح السنن الأربعة) علمنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطبة الحاجة (الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يقرأ ثلاث آيات
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون >!! <
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا >!! <
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون >!! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما >!
وقد استعاذ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شرها عموماً ومن شر ما يتولد منها من الأعمال ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات وجمع الاستعاذة من سيئات النفس وسيئات الأعمال فهذا معناه أن هناك أمرين:
(1) أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال.
(2) المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها.
فاستعاذ من صفة النفس وعملها أو استعاذ من العقوبات وأسبابها ويدخل العمل السيء في شر النفس لأن النفس الشريرة تولد سيء العمل فاستعاذ منهما جميعاً..
وهذا العمل الذي يسوء صاحبه يوم القيامة وهذه النفس الشريرة التي تأمر بسيء العمل؛ لابد من محاسبتها وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب وأن لا يُدخل على الله سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد الظفر بالنفس وكفها عن الشر فإن الناس قسمين:
القسم الأول: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعاً لنفسه الشريرة الأمّارة بالسوء تحت أوامرها ويعمل على هواها.
القسم الثاني: قسم ظفروا بأنفسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم منقادة لأمرهم.
قال بعض أهل الإيمان والحكمة: ((انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم فمن ظفر بنفسه؛ أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسِر وهلك)).
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: الآية: 37 - 41).
ومن لم يحاسب نفسه فاته من الخير بقدر ما فاته من المحاسبة ولذلك على المسلم أن يصون نفسه عن المحرمات ويبتعد عن الشبهات ولا سيما أهل العلم فمن لم يصن نفسه بهذا لم ينفعه علمه لأن العلم للعمل كالسلاح للمجاهد فإذا لم يستعمله ماذا يفيده؟ !، وكالأطعمة المدخرة للجائع إذا لم يأكل منها فبماذا تنفعه؟!
يحاول نيل المجد والسيف مغمدٌ: ويأمل إدراك العُلا وهو نائم!
والحاصل: أنه بدون محاسبة لا يمكن الوصول والذي لا يصون نفسه عن ما يخرم المروءة وعن ما يُكره بعد ما يصونها عن الحرام فهذا إنسان هالك، فصيانة النفس أصل الفضائل لأن من أهمل نفسه إتكالاً على العلم الذي عنده (وهذه آفة ينزلق إليها بعض طلبة العلم) ربما لا يحاسبون أنفسهم إتكالاً إلى العلم الذي عندهم فربما يكون هنا الجاهل أو العامي أفضل من هذه الجهة لأنهم يحسون أن أنفسهم قاصرة فيحاسبون ويفتشون، أما بعض الناس الذي يطغيهم العلم فلا يحاسبون أنفسهم ويتكلون على العلم الذي معهم لأنه يرون به رفعة درجة فلماذا يحاسبون فيتركون الحساب والمحاسبة فتظهر القبائح والعورات فيكون الحسد منهم واتباع الهوى والتنازلات في الفتاوى والأخطاء.
فلذلك محاسبة العلماء لأنفسهم وطلبة العلم ينبغي أن تكون أشد ما تكون لأنه إن حاسب نفسه انتفع ونفع الناس وإذا ترك محاسبة نفسه ضلّ وأضلّ، الجاهل لا يقتدي به أحد، لكن هذا الذي ينصب نفسه قدوة في الدعوة والعلم ثم لا يحاسب نفسه يُهلك.. ! أيها العالم إياك الزلل... واحذر الهفوةَ والخطبَ الجلل هفوة العالم مستعظمة... إذ بها أصبح في الخلق مثل! وعلى زلّته عمدتهم... فبها يحتج بها من أخطأ وزلّ لاتقل يستر عليّ العلم زلّتي... بل بها يحصل في العلم خلل إن تكن عندك مستحقرة... فهي عند الله والناس جبل ليس من يتبعه العلم في... كل ما دقّ من الأمر وجلّ مثل من يدفع عنه جهله... إن أتى فاحشة قيل قد جهل انظر الأنجم مهما سقطت... من رآها وهي تهوي لم يُبل فإذا الشمس بدت كاسفة... وَجِل الخلق لها كل الوجل وتراءت نحوها أبصارهم... في انزعاجٍ واضطرابٍ ووجل وسرى النقص لهم من نقصها... فغدت مظلمة منها السُبُل وكذا العالِم في زلّته... يفتن العالم طُرّاً و يُضِلّ!
فنحن نرى الآن نماذج كثيرة من إضلال بعض هؤلاء في الفتاوى المتساهلة لأنهم لا يحاسبون أنفسهم وبالتالي يقعون في المزالق وما استقطبهم أهل الشر إليه من الأفخاخ التي نصبوها لهم فقعوا فيها وجاملوا على حساب الدين.. فينبغي على كل الناس أن يحاسبوا أنفسهم الذين عندهم علم والذين ليس لديهم علم، فالذي لديه علم يحاسب نفسه هل عمل به؟ وهل هو يقوم به لله؟ وهل يبلغه؟ أم يكتمه؟ وهل هو مقصّر فيه؟ وهل عبد ربه به؟ وهل بذله للناس صحيحاً أم راعة أهواء بعض القوم فسهّل لهم أشياء بزعمه؟، أما صاحب الجهل فيحاسب نفسه، كيف يعبد الله على جهل؟ متى يزيل الجهل؟ كيف يزيله؟ إلى متى يبقى؟ كيف يتعلم؟ وبماذا يبدأ.... وهكذا.. والنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو العبد إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع الابتلاء والمحنة.. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلاماً مشهوراً محذراً من الإهمال في محاسبة النفس وأنه يقود إلى الهلاك يوم القيامة: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم (أعمالكم) قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم]، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من نوقش الحساب عُذِّب))، فكيف يتلافى المرء مناقشة الحساب غداً؟!!، بمحاسبة النفس اليوم.
والحساب اليسير صاحبه ناجٍ وسينقلب إلى أهلها مسروراً، أما حاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً فهذا الحساب الشديد نتيجة عدم المحاسبة الآن..
وتزينوا للعرض الأكبر ((يومئذٍِ تعرضون لا تخفى منكم خافية))، فقال الحسن رحمه الله: ((لا تلقى المؤمن إلا ويحاسب نفسه، ماذا أردتِ تعملين؟ ماذا أردتِ تشربين؟ ماذا أردتِ تأكلين؟))، وقال قتادة في قوله (وكان أمره فرطاً): [أضاع نفسه وغُبِن]، يحفظ ماله ويضيع دينه!
قال الحسن: [إن العبد لايزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته].
ويوجد واعظ في قلب كل مسلم إذا أراد أن يدخل في باب حرام قال: ويلك لا تفتحه، إنك إن تفتحه تلجه!، لا تزح الستار عن باب الحرام، إنك لو نظرت انجذبت، ويلك لا تفتحه، إنك إن تفتحه تلجه!..
قال ميمون بن مهران: [النفس كالشّريك الخوّان إن لم تحاسبه؛ ذهب بمالك!].
المحاسبة وقت الرخاء سهلة بالنسبة للمحاسبة في وقت الشدة، فرحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا وكذا؟! هذا نوع من الحساب على المعاصي، وحساب على النوايا كقولك ماذا أردتِ بالعمل والأكلة والشربة..
(
أهمية محاسبة النفس:
المحاسبة قضية مهمة للغاية، تدور عليها السعادة ولا يحصل الصلاح إلا بها.. محاسبة النفس أمر عظيم جداً، المحاسبة لا تصلح النفس إلا بها، المحاسبة من قام بها اليوم أمِن غداً، المحاسبة أن تنظر في نفسك وتتأمل فيها وتعرف عيوبها، المحاسبة لا نجاة إلا بها قال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة: 6] (والمحاسبة تصدر من التأمل في هذه النصوص: قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتَاتاً لّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ) [الزلزلة 6: 7] والمحاسبة انطلاقاً من آثار قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 30]
والمحاسبة تنطلق من الإيمان باليوم الآخر وأن الله يحاسب فيه الخلائق وقد حذرنا الله ذلك اليوم فقال تعالى: (وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [البقرة: 281] والمحاسبة تنطلق من الإيمان بأسماء الله وصفاته وأنه تعالى الرقيب المهيمن المطّلع على ما تعمل كل نفس وأنه شهيد على أعمالنا فهو الشهيد على أعمال عباده، جعل علينا كراماً كاتبين يحصون أعمالنا قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا مَا لِهََذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبّكَ أَحَداً) [سورة: الكهف - الأية: 49] والمحاسبة تنطلق من إيمان الإنسان بالهدف، بالغرض، أن يعلم أنه لأي شيء خُلِق قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115] قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة: 36] (ومحاسبة النفس طريقة المؤمنين وسمة الموحدين وعنوان الخاشعين، فالمؤمن متق لربه محاسب لنفسه مستغفر لذنبه، يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير وشرها مستطير، فهي أمارة بالسوء ميالة إلى الهوى، داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك، توّاقة إلى اللهو إلا من رحم الله، فلا تُترك لهواها لأنها داعية إلى الطغيان، من أطاعها قادته إلى القبائح، ودعته إلى الرذائل، وخاضت به المكاره، تطلعاتها غريبة، وغوائلها عجيبة، ونزعاتها مخيفة، وشرورها كثيرة، فمن ترك سلطان النفس حتى طغى فإن له يوم القيامة مأوىً من جحيم قال تعالى: (فَأَمّا مَن طَغَىَ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا فَإِنّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىَ وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ) [النازعات 37: 41] (فوائد محاسبة النفس:
ولمحاسبة النفس فوائد عظيمة ومزايا جسيمة منها ما يلي:
(1) الاطلاع على عيوب نفسه: ومن لم يطلع على عيوب نفسه لم يمكنه إزالتها، والمرء حين يطّلع على عيوب نفسه يكتشف أشياء تدهشك ولا يفقه الرجل حتى يمقت نفسه ويحتقرها في جنب الله.
قال أبو الدرداء: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً ".
وكان بعض السلف يقول في دعائه في عرفة (اللهم لا ترد الناس لأجلي)!،
وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريحٌ ما قدر أحد أن يجلس إلىّ.
مع أنه من كبار العباد في هذه الأمة.
قال يونس بن عبيد: " إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسى منها واحدة ".
دخل حمّاد بن سلمة على سفيان الثوري وهو يحتضر فقال: (يا أبا عبد الله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين؟!) قال: (يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار) قال: (إي والله إني لأرجو لك ذلك).
وقال جعفر بن زيد: (خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمس غفلة الناس فانسلّ وثبا فدخل غيظة (مجموعة أشجار ملتفة) قريب منا، فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي فجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت إليه أو عدّه جرو! فلما سجد قلت الآن يفترسه فجلس ثم سلّم ثم قال: (أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر)، فولّى وإن له زئيراً، فمازال كذلك يصلي حتى كان الصبح فجلس يحمد الله وقال: (اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يستحي أن يسألك الجنة)! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشاياً، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت!
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري)، فقال قائل: (يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما الكفر؟) قال: (إن الإنسان لظلوم كفّار)، فإذا تمعّن الإنسان حال السلف عرف حاله والبعد الشديد مابينه وبينهم.
(رحم الله رجلاً له واعظٌ من نفسه يبكي على خطيئته ويقول: ويحي، بأي شيء لم أعص ربي، ويحي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها، عندي كتاب كتبه كتاب لم يغيبوا عني، واسوأتاه لم أستحيهم ولم أراقب ربي.
ويحي نسيت ما لم ينسوا مني.
ويحي غفلت ولم يغفلوا عني، ولم أستحيهم ولم أراقب.
وأسوأتاه ويحي حفظوا ما ضيعت مني، ويحي طاوعت نفسي وهي لم تطاوعني، ويحي طاوعتها فيما يضرني ويضرها، ويحي إلا تطاوعني نفسي وهي لم تطاوعني، ويحي طاوعتها فيما يضرني ويضرها، ويحي ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني، أريد إصلاحها وتريد أن تفسدني، ويحها إني لأنصفها وما تنصفني، أدعوها لرشدها وتدعوني لتغويني، ويحها إنها لعدو لو أنزلته تلك المنزلة مني.
ويحها تريد اليوم أن تردني وغداً تخاصمني.
رب لا تسلطها علي ذلك مني، رب إن نفسي لم ترحمني فارحمني، رب إني أعذرها ولا تعذرني، إنه إن يك خيراً أخذلها وتخذلني، وإن يك شراً أحبها وتحبني، رب فعافني منها وأعفها مني، حتى لا أظلمها ولا تظلمني، وأصلحني لها وأصلحها لي، فلا أهلكها ولا تهلكني، ولا تكلني إليها ولا تكلها إلي.
ويحي كيف أنساه ولا ينساني، ويحي إنه يقص أثري فإن فررت لقيني، وإن أقمت أدركني.
ويحي هل عسى أن يكون قد أظلني فمساني؟ وصبحني أو طرقني فبغتني؟ ويحي أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي، ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني ولا تسهر لي.
ويحي كيف أنام على مثلها ليلي، ويحي هل ينام على مثلها مثلي، ويحي لقد خشيت أن لا يكون هذا الصدق مني؟ بل ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي كيف لا تهون قوتي ولا تعطش هامتي، بل ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي كيف لا أنشط فيما يطفئها عني؟ بل ويلي إن ل يرحمني ربي.
ويحي كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي، ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كي تنكأ قرحتي ما تكسب يدي، ويح نفسي بل ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة، ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى، فويلي ثم ويلي إن لم يتم عفو ربي، ويحي لقد كان لي فيما استوعبت من لساني وسمعي وقلبي وبصري اشتغال، فويل لي إن لم يرحمني ربي، ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي لم يزكني ولم ينظر إلي ولم يكلمني، فأعوذ بنور وجه ربي من خطيئتي، وأعوذ بك أن أُعطى كتابي بشمالي أو من وراء ظهري، فيسود به وجهي، وتزرق به مع العمى عيني.
بل ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي بأي شيء استقبل ربي؟ بلساني أم بيدي أم بسمعي أم بقلبي أم ببصري.
ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي، ويل لي إن لم يرحمني ربي، كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما لا يعنيني؟ ويحك يا نفس مالك لا تنسين مالا ينسى؟ وقد أتيت مالا يؤتى، وكل ذلك عند ربك يحصى، كتاب لا يبيد ولا يبلى، ويحك لا تخافين أن أجزي فيمن يجزي يوم تجزى كل نفس بما تسعى وقد آثرت ما يفني على ما يبقى.
يا نفس ويحك إلا تستفيقين مما أنت فيه؟ إن سقمت تندمين، وإن صححت تأثمين، مالك إن افتقرت تحزنين، وإن استغنيت تفتنين.
مالك إن نشطت تزهدين، فلم إن دعيت تكسلين؟ أراك ترغبين قبل أن تنصبي، ولم لا تنصبين فيما ترغبين.
يا نفس ويحك لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين وتعملين فيها عمل الراغبين.
ويحك لم تكرهين الموت؟ لم لا تذعنين وتحبين الحياة، لم لا تصنعين.
يا نفس ويحك أترجين أن ترضى ولا ترضين، وتجانبين وتعصين، مالك إن سألت تكثرين، فلم إن أنفقت تقترين؟ أتريدين الحياة؟ ولم تحذرين بتغير الزيادة، ولم تشكرين، تعظمين في الرهبة حين تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين، تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل.
لا تكوني كمن يقال هو في القول مدل، ويستصعب عليه الفعل، بعض بني آدم إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن افتقر حزن، وأن استغنى فتن، وإن نشط زهد، وإن رغب كسل، يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب، يقول قول الزاهد، ولا يعمل عمل الراغب، يكره الموت ما لا يدع، ويحب الحياة لما لا يصنع.
إن سأل أكثر، وإن أنفق قتر، يرجو الحياة ولم يحذر، ويبغي الزيادة ولم يشكر، يبلغ الرغبة حين يسأل، ويقصر في الرغبة حين يعمل، يرجو الأجر بغير عمل.
ويح لنا ما أغرنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا، ويح لنا لأي شيء خلقنا؟ للجنة أم للنار، ويح لنا أي خطر خطرنا، ويح لنا من أعمال قد أخطرتنا، ويح لنا مما يراد بنا، ويح لنا كأنما يعني غيرنا، ويح لنا إن ختم على أفواهنا، وتكلمت أيدينا، وشهدت أرجلنا.
ويح لنا حين تفتش سرائرنا، ويح لنا حين تشهد أجسادنا، ويح لنا مما قصرنا، لا براءة لنا، ولا عذر عندنا، ويح لنا ما أطول أملنا، ويح لنا حيث نمضي إلى خالقنا.
ويح لنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ربنا، فارحمنا يا ربنا.
رب ما أحكمك، وأمجدك، وأجودك، وأرأفك، وأرحمك، وأعلاك، وأقربك، وأقدرك، وأقهرك، وأوسعك، وأقضاك، وأبينك، وأنورك، وألطفك، وأخبرك، وأعلمك، وأشكرك، وأرحلمك، وأحكمك، وأعطفك، وأكرمك.
رب ما أرفع حجتك، وأكثر مدحتك، رب ما أبين كتابك، وأشد عقابك، رب ما أكرم مآبك، وأحسن ثوابك، رب ما أجزل عطاءك، وأجل ثناءك، رب ما أحسن بلاءك، وأسبغ نعماءك، رب ما أعلى مكانك، وأعظم سلطانك، رب ما أعظم عرشك، وأشد بطشك، رب ما أوسع كرسيك، وأهدى مهديك، رب ما أوسع رحمتك، وأعرض جنتك، رب ما أعز نصرك، واقرب فتحك، رب ما أعمر بلادك، وأكثر عبادك، رب ما أوسع رزقك، وأزيد شكرك، رب ما أسرع فرجك، وأحكم صنعك، رب ما ألطف خيرك، وأقوى أمرك، رب ما أنور عفوط، وأجل ذكرك، رب ما أعدل حكمك، وأصدق قولك، رب ما أوفى عهدك، وانجز وعدك، رب ما أحضر نفعك، وأتقن صنعك.
ويحي؟ كيف أغل ولا يغل عني، أم كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورائي، أم كي لا يطول حزني ولا أدري ما يفعل بي؟ أم كيف تهنئني الحياة ولا أدري ما أجلي؟ أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل فيها يكفيني، أم كيف آمن ولا يدوم بها حالي؟ أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟ أم كي أجمع لها وفي غيرها قراري؟ أم كيف يشتد عليها حرصي ولا ينفعني ما تركت فيها بعدي، أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي، أم كي لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي، أم كيف يشتد إعجابي بما يزايلني وينقطع عني، أم كيف أغفل عن أمر حسابي وقد أظلني واقترب مني، أم كيف أجعل شغلي بما قد تكفل به لي، أم كيف اعاود ذنوبي وأنا معروض على عملي، أم كيف لا أعمل بطاعة ربي وفيها النجاة مما أحذر على نفسي، أم كيف لا يكثر بكائي ولا أدري ما يراد ربي؟ أم كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني، أم كيف أعرض نفسي لما لا يقوى له هوائي، أم كيف لا يشتد هولي مما يشتد منه جزعي، أم كيف تطيب نفسي مع ذكرها ما هو أمامي، أم كيف يطول أملي والموت أثري، أم كيف لا أراقب ربي وقد أحسن طلبي.
ويحي فهل ضرت غفلتي أحدا سوائى، أم هل يعمل لي غيري إن ضيعت حظي، أم هل يكون عملي إلا لنفسي، فبم ادخر عن نفسي ما يكون نفعه لي؟ ويحي كأنه قد تصرم أجلي ثم أعاد ربي خلقي كما بدأني، ثم أوقفني وسألني وسأل عني وهو أعلم بي ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني عن أحبابي وأهلي، وشغلت بنفسي عن غيري، وبدلت السموات والأرض وكانتا تطيعان وكنت أعصي؛ وسيرت الجبال وليس لها مثل خطيئتي، وجمع الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابي؛ وانكدرت النجوم وليست تطلب بما عندي، وحشرت الوحوش ولم تعمل بمثل عملي، وشاب الوليد وهو أقل ذنباً مني.
ويحي ما أشد حالي وأعظم خطري، فاغفر لي واجعل طاعتك همي، وقو عليها جسدي، وسخ نفسي عن الدنيا واشغلني فيما يعنيني، وبارك لي في قواها حتى ينقضي مني حالي، وامتن علي وارحمني حين تعيد بعد اللقاء خلقي، ومن سوء الحساب فعافني يوم تبعثني فتحاسبني، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي، وآمني يوم الفزع الأكبر يوم لا تهمني إلا نفسي، وارزقني نفع عملي يوم لا ينفعني عمل غيري.
إلهي أنت الذي خلقتني، وفي الرحم صورتني، ومن أصلاب المشركين نقلتني، قرنا فقرنا حتى أخرجتني في الأمة المرحومة، إلهي فارحمني إلهي فكما مننت علي بالإسلام فامنن علي بطاعتك، وبترك معاصيك أبداً ما أبقيتني ولا تفضحني بسرائري، ولا تخذلني بكثرة فضائحي.
سبحانك خالقي أنا الذي لم أزل لك عاصيا فمن أجل خطيئتي لا تقر عيني، وهلكت إن لم تعف عني، سبحانك خالقي بأي وجه ألقاك؟ وبأي قدم أقف بين يديك? وبأي لسان أناطقك؟ وبأي عين أنظر إليك؟ وأنت قد علمت سرائر أمري، وكيف أعتذر إليك إذا ختمت على لساني، ونطقت جوارحي بكل الذي قد كان مني.
سبحانك خالقي فأنا تائب إليك متبصبص، فاقبل توبتي، واستجب دعائي وارحم شبابي، وأقلني عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني.
سبحانك خالقي أنت غياث المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين، فإليك مستغاثي ومنقطعي، فارحم شبابي، واقبل توبتي، واستجب دعوتي، ولا تخذلني بالمعاصي إلى كانت مني.
إلهي علمتني كتابك الذي أنزلته على رسولك محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم وقعت على معاصيك وأنت تراني، فمن أشقى مني إذا عصيتك وأنت تراني، وفي كتابك المنزل قد نهيتني، إلهي أنا إذا ذكرت ذنوبي ومعاصيي لم تقر عيني للذي كان مني، فأنا تائب إليك فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودا بعد توحيدي، وإيماني بك.
فاغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين برحمتك آمين رب العالمين.
(2) مقارنة حال بحال فينكشف التقصير العظيم.
(3) ومن التفكر في العيوب أن الإنسان ينظر في عمله ما دخل عليه فيه من العُجب والغرور فيرى نفس كاد أن يهلك ومهما عمل فهو مقصِّر.
(4) أن يخاف الله عز وجل.
(5) ومما يعين على المحاسبة استشعار رقابة الله على العبد وإطلاعه على خفاياه وأنه لا تخفى عليه خافية قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: 16]
و قال تعالى: (وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة: 235]
(6) ومن فوائد المحاسبة التفكر في الأسئلة يوم القيامة وأن تعلم أنك مسئول يوم القيامة، ليس سؤال المذنبين فقط، قال تعالى: (لّيَسْأَلَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً) [الأحزاب: 8]
وإذا كان الصادقين سيسألهم الله عن صدقهم فما بالك بغيرهم؟! قال تعالى: (فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: 6] وحتى الرسل يُسألون.. !!! (7) ومن فوائد المحاسبة أن يعرف حق الله تعالى عليه، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدى ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر.
(5) الإكثار من الطاعات والقربات:
من تقرب إلى الله بما افترض عليه فقد نجح، ومن زاد في تقربه إلى ربه بالنوافل فقد أحبه ربه.
استكثر من الأعمال الصالحة مبتدئاً بالفرائض فكملها على أحسن وجه تستطيع، ثم النوافل فالإكثار منها مرقق للقلب، أكثر من ذكر الله تبرأ من النفاق، أكثر من الصيام يباعد الله وجهك عن النار، أكثر من قيام الليل فاستغفار الأسحار ودموع المناجاة سيماء يحتكرها المؤمنون، لابد من اغتنام مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القربات التي وجهنا إليها كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن ذلك الحرص على النوافل والأذكار، وأعمال الخير وبذل المعروف فإن كل معروفٍ صدقة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهمالثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك.
وقد حثنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الاستزداة من الأعمال الصالحة كما في الأحاديث الآتية:
(حديث أبي موسى الأشعري الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (على كلِ مسلمٍ صدقة فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدَّق قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعملْ بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة)
(الملهوف) المستغيث سواء أكان مظلوماً أم عاجزا ً.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (كلُ ُسلامى من الناس عليه صدقة، كل يومٍ تطلع فيه الشمس، َيعِدلُ بين الاثنين صدقة، ويعين الرجلُ على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُ خطوةٍ يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميطُ الأذى عن الطريق صدقة)
(سُلامى) أي المفاصل
ومن أفضل الأعمال الصالحة التخلق بالخلق الحسن مع الناس، فإنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من الخلق الحسن بنص السنة الصحيحة كما في الأحاديث الآتية:
(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) قال لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق.
(حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء.
(حديث عائشة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم.
(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: سئل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال الفم والفرج.
(حديث جابر في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون.
معنى الثرثارون: كثيري الكلام
معنى المتشدقون: الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم
(حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
(ولله درُ من قال:
فاغنم العمر وبادر... بالتقى قبل الممات
وأنب وارجع وأقلع... من عظيم السيئات واطلب والغفران ممن... ترتجى منه الهبات ثم نادي في الدياجي... يا مجيب الدعوات اعف عنا يا رحيماً... وأقلنا العثرات
باب استحضار حسن الخاتمة وسوء الخاتمة:
(عناصر الباب:
(
أثر استحضار حسن الخاتمة وسوء الخاتمة في رقة القلب:
(
معنى حسن الخاتمة:
(أسباب حسن الخاتمة: (علامات حسن الخاتمة: (صور من حسن الخاتمة: (علامات سوء الخاتمة: (صور من سوء الخاتمة: (الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (أثر استحضار حسن الخاتمة وسوء الخاتمة في رقة القلب:
إن نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن استغلاله فيما ينفعه في دار القرار ربحت تجارته، وإن أساء استغلاله في المعاصي والسيئات حتى لقي الله على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، وكم حسرة تحت التراب والعاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله، وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سبباًً في هلاكه،
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري موقوفاً) إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال له هكذا.
وقال بعض السلف: لا تنظر الى صغر المعصية ولكن انظر الى من عصيت.
(قال ابن حجر رحمه الله تعالى في قوله: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه: قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب المؤمن مُنَوَّر؛ فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه.
والحكمة من التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة.
وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان؛ فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيىء (1).
(وقال ابن حجر في قوله: وإن الفاجر، يرى ذنوبه كذباب..: أي ذنبه سهل عنده، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه (2).
(وقال في قوله: فقال به هكذا: أي نحَّاه بيده أو دفعه: هو من إطلاق القول على الفعل، قالوا: وهو أبلغ 1.
(وقال في قوله: بيده على أنفه: هو تفسير منه لقوله فقال به.
(قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة.
(وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم؛ فوقوع الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول: هذا سهل.
(وقال: ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه، وخفته عليه يدل على فجوره.
(وقال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير، وأحقره، وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء.
(وقال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده؛ لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالباً العين.
(وقال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضاً لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره 1.
(قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال ابن بطال: يؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنب صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن الله_تعالى_قد يعذب على القليل؛ فإنه لا يُسأل عما يفعل سبحانه وتعالى 2.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: إنكم لتعملون أعمالاً، هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الموبقات.
والحاصل أنه لا يجوز للمؤمن أن يستهين بذنب مهما صغُر؛ فإن امرأة دخلت النار في هرة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض.
وقد نبه الله في كتابه جميع المؤمنين إلى أهمية حسن الخاتمة، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102]. وقال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]
فالأمر بالتقوى والعبادة مستمر حتى الموت: لتحصل الخاتمة الحسنة.
وقد بين أن بعض الناس يجتهد في الطاعات ويبتعد عن المعاصي مدة طويلة من عمره، ولكن قبيل وفاته يقترف السيئات والمعاصي مما يكون سبباً في أن يختم له بخاتمة السوء وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: نظر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم، فقال: (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا).
فتبعه رجل، فلم يزل على ذلك حتى جرح، فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن العبد ليعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها).
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حدثنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةَ مثل ذلك، ثم يُرسل الله المَلَك فينفُخُ فيه الروح ويُؤْمَرُ بأربعِ كلمات: بكتب رزقه وأجله وعملهِ وشقي أو سعيد، فوالله إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
إذا كان العبد يرجو حسن الخاتمة ويخشى من سوئها واستحضر ذلك دفعه ذلك إلى ما يبعده عن سوء الخاتمة ويقربه إلى حسنها بإذن الله مما يجعل قلبه وجلاً خائفا من سوء الخاتمة راجياً حسنها، وإذا تفكر في هذا كله رق قلبه ورجع إلى ربه امتثل أمره وانتهى عن نهيه.
(
معنى حسن الخاتمة:
حسن الخاتمة هو: أن يوفق العبد قبل موته للتقاصي عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة، ومما يدل على هذا المعنى الحديث الآتي:
(حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله إذا أحب عبداً استعمله، قالوا كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت.
(
أسباب حسن الخاتمة:
(1) أن يلزم الإنسان طاعة الله وتقواه، ورأس ذلك وأساسه تحقيق
التوحيد، والحذر من ارتكاب المحرمات، والمبادرة إلى التوبة مما تلطخ به
المرء منها، وأعظم ذلك الشرك كبيره وصغيره.
ومنها: أن يلح المرء في دعاء الله تعالى أن يتوفاه على الإيمان
والتقوى.
(2) أن يعمل الإنسان جهده وطاقته في إصلاح ظاهره وباطنه، وأن تكون
نيته وقصده متوجهة لتحقيق ذلك، فقد جرت سنة الكريم سبحانه أن يوفق طالب الحق إليه، وان يثبته عليهن وأن يختم له به.
(3) الاستقامة: قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30]
(4) حسن الظن بالله:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً.
(5) التقوى:
قال تعالى: (وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) [الطلاق: 4]
(6) الصدق:
قال تعالى: (يََأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ) [التوبة: 119]
(7) التوبة:
قال تعالى: (وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]
(8) المداومة على الطاعات:
(9) ذكر الموت وقصر الأمل:
(10) الخوف من أسباب سوء الخاتمة كالإصرار على المعاصي وتسويف التوبة وحب الدنيا:
(
علامات حسن الخاتمة:
(أخي الحبيب: إعلم أن حسن الخاتمة لا تكون إلا لمن استقام ظاهرة وصلح باطنه، أما سوء الخاتمة فإنها تكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب عليه ذلك حتى ينزل به الموت قبل التوبة، أو يكون مستقيماً ثم يتغير عن حاله، ويخرج عن سننه، ويقبل على معصية ربه، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمته، والعياذ بالله.
ولحسن الخاتمة علامات، «منها ما يعرفه العبد المحتضر عند احتضاره»، «ومنها ما يظهر للناس».
(أما العلامة التي يظهر بها للعبد حسن خاتمته فهي ما يبشر به عند موته من
رضا الله تعالى واستحقاق كرامته تفضلا منه تعالى، كما قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30]، وهذه البشارة تكون للمؤمنين
عند احتضارهم، وفي قبورهم، وعند بعثهم من قبورهم.
ومما يدل على هذا أيضا الحديث الآتي:
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه.
وفي معنى هذا الحديث قال الإمام أبو عبيد القاسم ابن سلام: (ليس وجهه
عندي كراهة الموت وشدته، لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة)، وقال:
ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال تعالى: (إَنّ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدّنْيَا وَاطْمَأَنّواْ بِهَا وَالّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) [يونس: 7]
وقال الخطابي: (معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا،
فلا يحب استمرار الإقامة فيها، بل يستعد للارتحال عنها، والكراهية بضد ذلك.
وقال الإمام النووي رحمه الله: معنى الحديث أن المحبة والكراهية التي
تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة، حيث
ينكشف الحال للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه،
(أما عن علامات حسن الخاتمة فهي كثيرة، وقد تتبعها العلماء رحمهم الله
باستقراء النصوص الواردة في ذلك، ونحن نورد هنا بعضا منها، فمن ذلك ما يلي:
الأولى: نطقه بالشهادة عند الموت:
(حديث معاوية الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة.
الثانية: الموت برشح الجبين:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المؤمن يموت بعرق الجبين.
الثالثة: الموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة:
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر.
الرابعة: الإستشهاد في ساحة القتال، قال الله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169 - 171]
(حديث المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «للشّهِيدِ عندَ الله سِتّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ في أَوّلِ دُفْعَةٍ ويرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنّةِ، ويُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ منها خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ويُزَوّجُ اثْنَتَيْنِ وسْبعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ (الْعِينِ)، وَيُشَفّعُ في سَبْعِينَ مِنْ أقَارِبِهِ».
الخامسة: الموت غازياً في سبيل الله:
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة.
﴿تنبيه﴾: المطعون من مات بالطاعون والعياذ بالله تعالى، و ذات الجنب قروح تصيب الإنسان داخل جنبه، والمبطون من مات بمرض البطن، والمرأة تموت بجمع أي التي تموت عند الولادة.
السادسة: الموت بالطاعون:
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الطاعون شهادة لكل مسلم.
السابعة: الموت بداء البطن:
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة.
الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم:
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة.
العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها:
والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة.
(حديث راشد بن حبيش رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: القتل في سبيل الله شهادة و الطاعون شهادة و الغرق شهادة و البطن شهادة و الحرق شهادة و السل و النفساء يجرها ولدها بسررها إلى الجنة.
الحادية عشرة، والثانية عشرة: من مات بداء البطن، وصاحب الحريق.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة.
الثالثة عشرة: الموت بداء السِّل والعياذ بالله:
(حديث راشد بن حبيش رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: القتل في سبيل الله شهادة و الطاعون شهادة و الغرق شهادة و البطن شهادة و الحرق شهادة و السل و النفساء يجرها ولدها بسررها إلى الجنة.
الرابعة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «لا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار»، قال: وإن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد».
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قتل دون ماله فهو شهيد.
(حديث سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ رضي الله عنه الثابت في في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَينهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دمهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومن قتل دون أهله فهو شَهِيدٌ.
الخامسة عشرة والسادسة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس: (حديث سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ رضي الله عنه الثابت في في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَينهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دمهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومن قتل دون أهله فهو شَهِيدٌ.
السابعة عشرة: الموت مرابطاً في سبيل الله:
(حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن رسول الله قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها).
(حديث فضالة بن عبيد الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة و يُؤمَّن من فُتَّاِن القبر.
الثامنة عشرة: الموت على عمل صالح (استعمال الله للعبد): (حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال: لا إله إلا الله ابتغاءَ وجه الله خُتم له بها، دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها، دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها، دخل الجنة.
(حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله بِعَبْدٍ إذا أحب عبداً اسْتَعْمَلَهُ، َقِيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يا رسولَ الله؟ قال: يُوَفّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ المَوْتِ».
التاسعة عشرة: من قتله الإمام الجائر لأنه قام إليه فنصحه:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.
(وأيضاً ثناء الناس بالخير على الميت من جمع من المسلمين الصادقين أقلهم اثنان، من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة، وعلامة من علامات حسن الخاتمة:
والمقصود: أن من كان مشغولاً بالله، وبذكره، ومحبته في حال حياته، وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله - تبارك وتعالى - ومن كان مشغولاً بغيره في حال حياته وصحته، فيعسر عليه إشتغاله بالله وحضوره معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه.
ولأجل هذا، كان جديراً بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله وطاعته حيثما كان لأجل تلك اللحظة التي إن فاتت، شقي شقاوة الأبد.
اللهم أصلح نفوسنا بذكرك، ومحبتك، ومعرفتك، وزكها فأنت خير من زكاها.
﴿تنبيه﴾: (واعلم أخي الكريم أن ظهور شيء من هذه العلامات أو وقوعها للميت، لا
يلزم منه الجزم بأن صاحبها من أهل الجنة، ولكن يستبشر له بذلك، كما أن عدم وقوع شيء منها للميت لا يلزم منه الحكم بأنه غير صالح أو نحو ذلك.
فهذا كله من
الغيب.
(
صور من حسن الخاتمة:
(دخل صفوان بن سليم على محمد بن المنكدر وهو في الموت فقال له: يا أبا عبد الله! كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه ويتجلى عن وجه محمد، حتى لكأن وجهه المصابيح، ثم قال له: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك، ثم مات.
(وقال محمد بن ثابت البناني: ذهبت ألقن أبي وهو في الموت فقلت: يا أبت! قل لا إله إلا الله.
فقال: يا بني، خل عني، فإني في وردي السادس أو السابع!!
(ولما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى، فقيل له: مم البكاء؟ فقال: أسفاً على الصلاة والصوم، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات.
(وسمع عامر بن عبد الله المؤذن وهو في مرض الموت فقال: خذوا بيدي إلى المسجد، فدخل مع الإمام في صلاة المغرب، فركع ركعة ثم مات رحمة الله.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن حسين من أهل الفضل، والفقه، والمشورة في الأمور، والعبادة.
وكانت القضاة تستشيره.
قال مالك: ولقد أخبرني من حضره عند الموت، فسمعه يقول: «(لِمِثْلِ هََذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات: 61]، فقلت لمالك: أتراه قال هذا لشيء عاينه؟ قال: نعم»
(
علامات سوء الخاتمة:
وسوء الخاتمة لها أسباب يجب على المؤمن أن يحترز منها، أعظمها الإقبال على الدنيا، ومنها العدول عن الإستقامة، أو ضعف الإيمان، أو فساد الإعتقاد، أو الإصرار على المعاصي، فإن من أصر على المعاصي وطال عمره في الجاهلية، حصل في قلبه إلفها، وجميع ما ألفه الإنسان وأحبه في مدة عمره يعود ذكره عند موته، فإن كان حبه وميله إلى الطاعات أكثر، يكون ما يحضره عند الموت ذكر الطاعات، وإن كان حبه وميله إلى المعاصي أكثر ويكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر المعاصي.
فالقلب يشتد خوفه من فوات ما أحبه واعتاد عليه، وخاصة عند الشدائد والمصائب، فإذا تيقن القلب فوات ذلك المحبوب، ذكر ذلك المحبوب الذي يفوت بفوات حياته،
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولهذا - والله أعلم - كثيراً ما يعرض للعبد عند موته لهجة بما يحبه وكثرة ذكره له، وربما خرجت روحه وهو يلهج به.
وكثير ما سمع من بعض المحتضرين عند الموت إذا كان مشغولاً بلعب الشطرنج (شاه مات) وسمع من آخر بيت شعر لم يزل يغني به حتى مات، وكان مغنياً.
وأخبرني رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت - وكان تاجر يبيع القماش - قال: فجعل يقول، هذه قطعة جيدة، هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص يساوي كذا وكذا حتى مات.
قال مجاهد: ما من ميت إلا تعرض عليه أهل مجالسته الذين كان يجالس، إن كان أهل لهو فأهل لهو، وإن كان أهل ذكر فأهل ذكر.
واحتضر رجل ممن كان يلعب بالشطرنج، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: شاهك، ثم مات.
فغفل على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب، فقال عوضاً لكلمة التوحيد: (شاهك).
(
صور من سوء الخاتمة:
(وقيل لرجل عند الموت: قل لا إله إلا الله، وكان سمساراً، فأخذ يقول: ثلاثة ونصف.. أربعة ونصف.. غلبت عليه السمسرة.
(وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدارالفلانية أصلحوا فيها كذا وكذا، والبستان الفلاني أعملوا فيه كذا، حتى مات.
(وقيل لأحدهم وهو في سياق الموت: قل لا إله إلا الله، فجعل يغني، لأنه كان مفتوناً بالغناء، والعياذ بالله.
(وقيل لشارب خمر عند الموت: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: اشرب واسقني نسأل الله العافية.
ثم مات.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهكذا مَنْ كَبُرَ سنه، وعظم معه شره، وصار في كبره شراً منه في صغره، عادةً، تتعذر توبته، ولا يوفق لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم وأوساخهم، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا.
وهذا من خذلان الشيطان للإنسان عند الموت، فإنها معركته الأخيرة.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن خزيمة أبي محمد العابد قال: «مر مالك بن دينار على رجل، فرآه على بعض ما يكره، فقال: يا هذا اتق الله.
قال: يا مالك دعنا ندق العيش دقا.
فلما حضرت الرجل الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله.
قال: إني أجد على رأسي ملكا يقول: والله لأدقنك دقا»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: حضرت رجلا في النزع، فجعلت أقول له: لا إله إلا الله.
فكان يقول.
فلما كان في آخر ذلك قلت له: قل لا إله إلا الله.
قال: كم تقول؟ إني كافر بما تقول.
وقبض على ذلك فسألت امرأته عن أمره فقالت: كان مدمن خمر فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنما هي أوقعته.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن داود بن بكر: أن رجلا مرض، فلما حضرته الوفاة قال: هذه الملائكة يضربون وجهه ودبره، يقول ذلك لأهله.
فقلت لداود: ما هو؟ قال: كان رجلا يقول بالتكذيب بالقدر.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(
(حديث سعيد ابن المسيَّب عن أبيه الثابت في الصحيحين) قال لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة جاءه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية بن المغيرة فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا عم قل لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن ملةِ عبد المطلب؟، فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعيدُ له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملةِ عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [سورة: التوبة - الآية: 113]
وقد ورد أن الشيطان يحضر ابن آدم عند احتضاره وخروج روحه، ويعرض عليه كل ملة غير الإسلام، ويتمثل له بصورة الناصح الأمين كالأب، والأم، والأخ، والصديق الحميم فيقولون له: مت يهودياً فهو الدين المقبول عند الله تعالى.
أو يقولون له: مت نصرانياً فإنه دين المسيح المقبول عند الله تعالى.
ويذكرون له عقائد كل ملة حتى يموت على غير ملة الإسلام.
وهذا غرضه لعنه الله.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت أبي الوفاة لجلست عنده وبيدي الخرقة وهو في النزع لأشد لحييه، فكان يغرف حتى نظن أن قد قضي، ثم يفيق ويقول: لا بعد لا بعد بيده، ففعل ها مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبت إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ فقال لي: يا بني ما تدرس؟ فقلت: لا فقال: إبليس لعنه الله، قام بحذائي عاضاً علي أنامله يقول: يا أحمد فُتَّنِّي وأنا أقول: لا بعد.
حتى أموت.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن خالد بن أبي الهيثم قال: حدثني رجل من أهل الشام يقال له البراء قال: «شهدت فتى يموت، فجعل يظهر بجسده مثل ضرب السياط، فيتوجع ويقول: دعوني أقل، هو ذا أقول.
ادعوا لي أبي.
فإذا دعي أبوه يقول: واسوأتاه.
ثم يكف.
يمكث هكذا يومين أو يليه.
فلما انقضى أجله قال: هو ذا أقول، ادعوا لي أبي.
فلما دعوه قال: يا أبتاه، اعلم أني كنت أخالفك إلى امرأتك ثم مات»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي إسحاق الفزاري أنه قال لعبد الله بن المبارك: «يا أبا عبد الرحمن، كان رجل من أصحابنا جمع من العلم أكثر مما جمعت وجمعت، فاحتضر، فشهدته، فقال له: قل لا إله إلا الله.
فيقول: لا أستطيع أن أقولها.
ثم تكلم، فيتكلم.
قال ذلك مرتين.
فلم يزل على ذلك حتى مات قال: فسألت عنه، فقيل: كان عاقا بوالديه.
فظننت أن الذي حرم كلمة الإخلاص لعقوقه بوالديه»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن قال الربيع بن برة: «رأيت بالأهواز رجلا يقال له وهو في الموت: يا فلان، قل لا إله إلا الله.
قال: ده دوازده، ده شازده، ده جهارده قال: ورأيت بالشام رجلا يقال له وهو في الموت: قل لا إله إلا الله.
فقال: اشرب واسقه وقد قيل لرجل ها هنا بالمعرة: قل لا إله إلا الله، فقال: يا رب قائلة يوما وقد لغبت كيف الطريق إلى حمام منجاب»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن أبي رواد، أو غيره قال: «قيل لرجل عند موته: قل لا إله إلا الله.
قال: هو كافر بما تقول»
قال القرطبي: وقد سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي يقول: (حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا.
فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان.
والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان.
فكنت أقول لهما لا، لا.
إليّ تقولان هذا؟.
وقال ابن الجوزي: ورأيت بعض من تعبد مدة ثم فتر، فبلغني أنه قال: (قد عبدته عبادة ما عبده بها أحداً).
قال ابن الجوزي: ما أخوفني أن تكون كلمته هذه سبباً لرد الكل.
قال ابن كثير: والمقصود.. أن الذنوب والمعاصي والشهوات، تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال الله تعالى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً [[لفرقان:29] وسوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فإن هذا لم يسمع به، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقداً، وظاهره عملاً، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة.
(
الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة:
(1) التسويف بالتوبة:
(2) طول الأمل:
(3) حب المعصية وأُلفها واعتيادها:
(4) الانتحار: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (1) التسويف بالتوبة:
والتوبة إلى الله من جميع الذنوب واجبة على كل مكلف كل لحظة كما يدل عليه قوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]
وكان ـ وهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- يتوب إلى الله كل يوم مائة مرة كما في الحديث الآتي:
(حديث الأغرِّ المُزني في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة.
ومن أخبث حيل إبليس التي يحتال بها على الناس التسويف في التوبة، فيوسوس للعاصي بأن يتمهل في التوبة، فإن أمامه زمناً طويلاً، ولو تاب الآن ثم رجع لا يمكن أن تقبل توبته بعد ذلك، فيكون من أصحاب النار، أو يوسوس له بأنه إذا بلغ الخمسين أو الستين مثلاً عليه أن يتوب توبة نصوحاً، ويلزم المسجد ويكثر القربات، أما الآن فإنه في شبابه وزهرة عمره فليمتع نفسه ولا يشق عليها بالتزام الطاعات من الآن.
هذه بعض مكائد إبليس في التسويف في التوبة.
قال بعض السلف الصالح: أنذركم سوف، فإنها أكبر جنود إبليس، ومثل المؤمن الحازم الذي يتوب إلى الله من كل ذنب وفي كل وقت خوفاً من سوء الخاتمة ومحبة لله، والمفرط المسوف الذي يؤخر توبته، كمثل قوم في سفر دخلوا قرية، فاما الحازم فاشترى ما يصلح لتمام سفره وجلس متأهباً للرحيل، أما المفرط فإنه يقول كل يوم: سأهب غداً، حتى أعلن أمير القافلة الرحيل ولا زاد معه، وهذا مثل للناس في الدنيا، فإن المؤمن الحازم متى ما جاء الموت لم يندم، أما العاصي المفرط فإنه يقول رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100،99]
(2) طول الأمل:
وهو سبب شقاء كثير من الناس حين يخدع الشيطان أحدهم فيصور له أن أمامه عمرا طويلا وسنين متعاقبة، يبني فيها آمالا شامخة، فيجمع همته لمواجهة هذه السنين ولبناء هذه الامال، وينسى الآخرة ولا يتذكر الموت، وإذا ذكره يوما برم منه، لأنه ينغص عليه لذاته، ويكدر عليه صفو عيشه، وقد حذرنا منه الرسول أشد تحذير فقال:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لا يزالُ قلب الكبير شاباً في اثنين: في حُبِ الدنيا وطولِ الأمل)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:
لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين في حب الدنيا وطول الأمل: المراد بالأمل هنا محبة طول العمر فسره حديث أنس الذي بعده في آخر الباب وسماه شابا إشارة الى قوة استحكام حبه المال.
(حديث أنس الثابت الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حبُّ المال وطول العمر.
وقال أيضاً: وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش ولا طابت نفسه ان يشرع في عمل من أعمال الدنيا وانما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته وقوله في اثر علي فان اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل جعل اليوم نفس العمل والمحاسبة مبالغة وهو كقولهم نهاره صائم والتقدير في الموضعين ولا حساب فيه ولا عمل فيه وقوله ولا حساب بالفتح بغير تنوين ويجوز الرفع منونا وكذا قوله ولا عمل.
فإذا أحب الإنسان الدنيا أكثر من الآخرة آثرها عليها، واشتغل بزينتها وزخرفها وملذاتها عن بناء مسكنه في الآخرة في جوار الله في جنته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
مسألة: كيف يظهر أثر قصر الأمل:
الجواب: يظهر أثر قصر الأمل في المبادرة إلى الأعمال الصالحة واغتنام أوقات العمر، فإن الأنفاس معدودة والأيام مقدرة، وما فات لن يعود، وعلى الطريق عوائق كثيرة بينها.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(حديث ابن عباس الثابت في صحيحي أبي داوود و ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة.
وقد أرشد رسول الله المؤمنين إلى ما يبعد عنهم طول الأمل ويبصرهم بحقيقة الدنيا، فأمر بتذكر الموت وبزيارة القبور وبتغسيل الموتى وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وزيارة الصالحين، فإن كل هذه الأمور توقظ القلب من غفلته، وتبصره بما سيقدم عليه فيستعد له، وسنتكلم عن ذلك بإيجاز:
أ) أما ذكر الموت دائما فإنه يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، فيحمل على الاجتهاد في العمل الصالح وعدم الركون إلى الشهوات المحرمة في الدنيا الفانية.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
ثم يفكر الإنسان في الموتى، ألم يكونوا أقوياء الأبدان يملكون الأموال ويأمرون وينهون، واليوم قد تسلط الدود على أجسادهم فنخرها، وعلى عظامهم فبددها؟ ثم يفكر هل له أن يسلم من الموت أم أنه سيصل إلى ما وصل إليه أولئك فيستعد لتلك الدار، ويتأهب بالأعمال الصالحة، فإنها العملة النافقة في الآخرة...
ب) أما زيارة المقابر فإنها عظة بليغة للقلوب، فإذا رأى الإنسان المساكن المظلمة المحفورة، ورأى هذه النهاية التي يحثو فيها أحياء الميت عليه التراب بعد إدخاله في لحد ضيق، وإغلاقه عليه بلبنات من طين، ثم يرجعون عنه ويقتسمون أمواله، ويتملكون مخصصاته، وتزوجت نساؤه، وينسى بعد أن كان صاحب الكلمة في البيت، يأمر فيطاع، وينهى فلا يعصى، فإذا زار المؤمن المقبرة وتفكر في ذلك أدرك فائدة أمر النبي بزيارة القبور.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال زار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.
(حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
(حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
ج) أما تغسيل الموتى وتشييع الجنائز فإن في تقليب الجسد على خشبة المغسلة عظة بليغة، وربما كان شديد البطش والهيبة، وقد صار بالموت جسداً خامداً لا حراك به، يقلبه الغاسل كيف يشاء.
وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال: اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة وغفلة سريعة، يذهب الأول، والآخر لا عقل له.
وكان عثمان - رضي الله عنه -: إذا شيع الجنازة ووقف على القبر بكى، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفت على القبر؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: {إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد.
د) أما زيارة الصالحين فلأنها توقظ القلب وتبعث الهمة، فإن الزائر يرى الصالحين وقد اجتهدوا في العبادة وتنافسوا في الطاعات، لا غاية لهم إلا رضا الله، ولا هدف لهم إلا الفوز بجنته، معرضين عن التفاني على الدنيا والاشتغال بها، لأنها معوقة عن السير في ذلك الطريق الشريف.
وقد أرشد الله نبيه أن يصبر نفسه مع هؤلاء: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28]
وقيل للحسن: يا أبا سعيد، كيف نصنع؟ أنجالس أقواما يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله إنك إن تخالط أقواماً يخوفونك حتى يدركك أمن خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك خوف.
(3) حب المعصية وأُلفها واعتيادها:
فإذا ألف الإنسان معصية من المعاصي ولم يتب منها فإن الشيطان يستولي بها على تفكيره حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، فإذا أراد أقرباؤه أن يلقنوه الشهادة ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله، طغت هذه المعصية على تفكيره فتكلم بما يفيد انشغاله بها وإليك بعض قصص هؤلاء: رجل كان يعمل دلالاً في السوق ولما حضرته الوفاة لقنه أولاده الشهادة، فكانوا يقولون له: قل لا إله إلا الله، فيقول: أربعة ونصف أربعة ونصف.
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال:
يارب قائلة يوماً وقد تعبت... كيف الطريق إلى حمام منجاب
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يغني، وربما أدركه الموت في المعصية نفسها، فيلقى الله على تلك الحال التي تغضبه، فإن من مات على شيء بعثه الله عليه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من مات على شيء بعثه الله عليه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(من مات على شيء بعثه اللّه عليه) أي يموت على ما عاش عليه ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه لأن نظر الحق إلى القلوب دون ظواهر الحركات فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ولا ينجو فيها إلا من أتى اللّه بقلب سليم كذا قرره حجة الإسلام.
(4) الانتحار:
فإذا أصاب المسلم مصيبة فصبر واحتسب كانت له أجراً، وإن جزع وتضايق من الحياة ورأى أن أحسن طريق له يتخلص به من هذه الأمراض والمشاكل هو الانتحار فقد اختار المعصيه، وأسرع إلى غضب الله، وقتل نفسه بدون حق.
(حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة).
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردَّى فيه خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن تحسَّى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً).
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: نظر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم، فقال: (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا).
فتبعه رجل، فلم يزل على ذلك حتى جرح، فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن العبد ليعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها).
﴿تنبيه﴾: (قاتل نفسه لا يخلد في النار إلا إذا استحل قتل نفسه:
لقوله تعالى: (إن اللَّهَ لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية48).
(حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال وحوله عُصابة من أصحابه (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه).فبايعناه على ذلك.
باب ساعة الاحتضار:
(عناصر الباب:
(
أحوال الناس عند الاحتضار:
(
لحظات المحتضرين:
(من دُرَرِ أقوال المحتضرين لحظة الاحتضار: (تعزية النفس عند الاحتضار بالصبر والاحتساب: (البكاء عند الموت مخافة سوء المرد: (سكرات الموت: (الثبات عند الموت: (ما يسن عند الاحتضار: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (أحوال الناس عند الاحتضار:
بَيَّنَ القرآن الكريم أن أحوال الناس عند احتضارهم إحدى أحوالٍ ثلاثة هي:
إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين.
وإما أن يكون من المكذبين الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر الله:
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)﴾.
[الواقعة 96:88]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي: المحتضر،
﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات،
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما تقدم في حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: "أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان".
قال علي بن طلحة (3)، عن ابن عباس: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يقول: راحة وريحان، يقول: مستراحة.
وقوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من أصحاب اليمين،
﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: تبشرهم الملائكة بذلك، تقول لأحدهم: سلام لك، أي: لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين.
وقال قتادة وابن زيد: سَلِمَ من عذاب الله، وسَلَّمت عليه ملائكة الله.
كما قال عِكْرِمَة تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين.
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ.
فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى،
﴿فَنزلٌ﴾ أي: فضيافة
﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود،
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته.
ثم قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه.
أهـ
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه.
(
لحظات المحتضرين:
ولا بأس أخي الكريم، أن أذكر لك بعض لطائف المحتضرين، ممن فتح الله عليهم لحظة الموت بالثبات واليقين وختم لهم بصالح الأعمال جزاء على ما قدموا في حياتهم من الطاعات والقربات.
فقد حكى القرطبي في كتابه التذكرة: عن شيخ شيخه أحمد بن محمد القرطبي أنه احتضر فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا.
فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطان عن يميني وعن يساري.
يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان.
والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان.
فكنت أقول لهم: لا.
لا.
أنى تقولان هذا!! فكان الجواب لهما لا لكم.
فتذكر أخي الكريم عسر هذه اللحظات، وتذكر ما يحصل فيها من البلاء والفتن، فوالله إنها لأحرى بالتذكر والتأمل، والاستعداد والتشمير عن ساعد الجد بالانتهاء عما حرّم الله، وفعل ما افترضه وأوجبه، والإكثار من الخيرات وما ينفع في الدار الآخرة.
فإن ذلك من أعظم ما يسهل على المرء سكرة الموت، ويجعله ثابتاً موقناً في دينه ساعة الاحتضار.
فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يحتضر ويقرأ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر:55،54]
(من دُرَرِ أقوال المحتضرين لحظة الاحتضار:
هآنذا أنقل لك كلام المحتضرين لتعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك مدى حقارة الدنيا وزوالها وأنها ظلُ زائر وخيال حائر وأن إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، حالها انتقال وسكونها زوال، غَرَّارَةٌ خَدُوع مُعْطِيَةٌ مَنُوع نزوع، فاسمع مقالتهم فيها عند حضور الموت وهم الذين ملكوا الدنيا بأسرها، وتأمل في قولهم بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند حضور الموت:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه، أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: قال تعالى: (مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَآءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً) [: النساء: 69] فعلمت أنه خير.
(حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قال: كان آخر كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم»
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال: كانت عامة وصية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه الصلاة وما ملكت أيمانكم.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قالت: إن من نعم الله علي: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته: دخل علي عبد الرحمن، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: (أن نعم).
فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: الينه لك؟ فأشار برأسه: (أن نعم).
فلينته، فأمره، وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: (لا إله الإ الله، إن للموت سكرات).
ثم نصب يده، فجعل يقول: (اللهم في الرفيق الأعلى).
حتى قبض ومالت يده.
(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في فقه السيرة وصححه الألباني) قالت: وكان إلى جواره قدح فيه ماء يغمس فيه يده ثم يمسح وجهه بالماء ويقول:
اللهم أعني على سكرات الموت.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح البخلري) قال: لما ثقل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة عليها السلام: واكرب أباه، فقال لها: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم).
فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه.
فلما دفن قالت فاطمة عليها السلام: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التراب.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال: لما وجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة وا كرب أبتاه فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا كرب على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا الموافاة يوم القيامة.
(قول الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت:
(إن مقالة الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت تؤكد بما لا يدعُ مجالاً للشك على تمام التسليم لأمر الله والافتقار إلى رحمته الواسعة والخوف من عذابه:
(مقالة الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، كلامهم يشرح الصدور ويبكى الصخور، كلامٌ يُفْري الأكباد ويذيب الأجساد، كلامٌ يُذَكِرُ العاقل وَيُقَوِّمُ المائل ويُنَبِّهُ الغافِل.
(مقالة الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت تُبَيِّنُ لك بياناً شافياً مدى حقارةِ الدنيا وأنها ظلُ زائر وخيالُ حائر، وأن إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، حالها انتقال وسكونها زوال، غَرَّارَةٌ خَدُوع مُعْطِيَةٌ مَنُوع نزوع، فاسمع مقالتهم فيها عند حضور الموت وهم الذين ملكوا الدنيا بأسرها، وتأمل في قولهم بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(قول أبي بكر الصديق عند حضور الموت:
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن البهي قال: «لما احتضر أبو بكر، جاءت عائشة فتمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق به الصدر فكشف عن وجهه فقال: ليس كذاك، ولكن قولي: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق: 19])، انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مالك بن مغول، سمع أبا السفر قال: دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا: يا خليفة رسول الله، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ قال: «قد نظر إلي، قالوا: ما قال؟ قال: إني فعال لما أريد»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي عمران الجوني، عن أسير قال: قال سلمان: دخلت على أبي بكر في مرضه فقلت: يا خليفة رسول الله، اعهد إلي عهدا؛ فإني لا أراك تعهد إلي بعد يومك هذا شيئا، قال: «أجل يا سلمان، إنها ستكون فتوح، فلا أعرفن ما كان من حظك منها ما جعلت في بطنك أو ألقيته على ظهرك، واعلم أنه من صلى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمة الله، فلا تقتلن أحدا من أهل ذمة الله؛ فيطلبك الله بذمته، فيكبك على وجهك في النار» (قول عمر ابن الخطاب عند حضور الموت:
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المسور بن مخرمة قال: قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين، اعهد؛ فإنك ميت في ثلاثة أيام، فقال عمر: الله إنك تجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، قال: وعمر لا يحس أجلا ولا وجعا.
فلما مضت ثلاث طعنه أبو لؤلؤة، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر قال: فأوعدني كعب ثلاثا يعدها ولا شك أن القول ما قال لي كعب وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عمر، قال: كان رأس عمر في حجري في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: «ضع خدي على الأرض، فقلت: وما كان عليك كان في حجري أو على الأرض؟ فقال: ضعه لا أم لك، فوضعته، فقال: ويلي، ويل لأمي إن لم يرحمني ربي»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن، أن عمر، لما حضرته الوفاة قال: «لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمرو بن دينار، قال: قال لي عمر بن الخطاب حين حضره الموت: «لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت بها من النار، وإن لم أرها»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبان بن عثمان قال: دخلت على عمر بن الخطاب حين طعن، ورأسه في التراب، فذهبت أرفعه، فقال: «دعني، ويلي، ويل أمي إن لم يغفر لي.
ويلي، ويل أمي إن لم يغفر لي»
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عباس قال: لما طعن عمر قلت له: أبشر بالجنة، فقال: «والله لو كان لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر»