كتاب الزهد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقه ويكف به وجه عن الناس.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: لا خير فيمن لا يحب هذا المال يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني به عن خلق ربه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب: أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد المسيب، قال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه.
(19) إيثار سعيد بن المسيب للخمول وإنكار الذات:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك بن أنس: أن ابن شهاب سأله بعض بني أمية عن سعيد بن المسيب فذكره له وأخبره بحاله، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقدم ابن شهاب فجاء يسلم على سعيد فلم يكلمه سعيد ولم يرد عليه، فلما انصرف سعيد مشى معه ابن شهاب، فقال: مالي سلمت عليك فلم تكلمني.
ما بلغك عني إلا خير؟ قال: لم ذكرتني لبني مروان؟
(20) نظرة سعيد بن المسيب إلى النفس:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: أن نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله عز وجل، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نصرة من الله أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله.
(21) من فتوحات الله على سعيد بن المسيب بالدعاء:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حدثنا يحيى بن سعيد بن المسيب، قال سعيد: دخلت المسجد ليلة أضحيان، قال: وأظن أن قد أصبحت فإذا الليل على حاله فقمت أصلي فجلست أدعو فإذا هاتف يهتف من خلفي يا عبد الله قل، ما أقول؟ قال: قل: اللهم إني أسألك بأنك مالك الملك وأنك على كل شيء قدير وما تشأ من أمر يكن.
قال سعيد: فما دعوت بها قط بشيء إلا رأيت نجحه.
(22) نظرة سعيد بن المسيب إلى الدنيا والمال:
أما الدنيا فمالها وسعيد بن المسيب فكان رحمه الله تعالى يرى أنها نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها:
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن سفيان بن عيينة، قال: قال سعيد بن المسيب: أن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.
﴿تنبيه﴾: إن فهم سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى الدقيق لحقيقة الدنيا لهو خير دواء لهذه المادية التي خيمت على كل شيءٍ في حياتنا وصيَّرت سوادَ قلبنا حالك وأردت الكثيرين منا المهالك وأخلدتهم إلى الأرض فضاعت من حياتهم كل فضيلة وصاروا لا يفهمون إلا لغة الدينار والدرهم فلم يحصدوا من وراء كل هذا إلا القلق والحيرة والشك وصاروا في قلقٍ دءوب وهمٍ مستمر وحَيْرَةٍ لا تنقطع واستعصت عليهم السعادة الحقيقية فكانوا بمنأى عنها.
وأما عن رؤيته للمال فلقد كان يعيش من كسب يده له أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ويقول عن هذا المال: اللهم إنك تعلم أنى لم أمسكه بخلا ولا حرصا عليه ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بنى مروان حتى ألقى الله فيحكم فيّ وفيهم وأصل منه رحمي وأؤدي منه الحقوق التي فيه وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار، وكان له في بيت المال بضعة وثلاثون ألفا من الدراهم عطاؤه تراكمت بسبب رفضه قبولها فكان حين يدعى إليها يأبى ويقول: لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بنى مروان.
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقه ويكف به وجه عن الناس.
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: لا خير فيمن لا يحب هذا المال يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني به عن خلق ربه.
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي.
رواه الثوري عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، وقال: ترك مائة دينار، وقال: أصون بها ديني وحسبي.
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن محمد بن عبد الله بن أخي الزهري، عن عمه، عن سعيد المسيب، قال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه.
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن علي بن زيد، قال: رآني سعيد بن المسيب وعلي جبة خز، فقال: إنك لجيد الجبة، قلت: وما تغني عني وقد أفسدها علي سالم، فقال سعيد: أصلح قلبك والبس ما شئت.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن هلال، عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما تجارة أعجب إلي من البَزِّ، ما لم يقع فيه أيمان.
(23) سعيد بن المسيب لا تأخذه في الحق لومه لائم:
كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى رجلا وقورا له هيبة عند مجالسيه فكان يغلب عليه الجد، ولو نظرت إليه لَخُيِّلَ إليك أنك أمام رجل ممسك بموازين الحق والعدل بين يديه، قد تكفل بحراستها والقيام عليها، مدرك لمدى مسئولية الأمانة التي تحملها، فلا يجامل، ولا يغمض عينيه عن شيء لا يراه صحيحا، فيعلن إنكاره له، غير مبال بما يجره عليه ذلك من أذى، ومن أجل ذلك كانت علاقته بالولاة والحكام علاقة يشوبها التوتر والتربص، لأنه رحمه الله تعالى كان لا تأخذه في الحق لومه لائم، إن وقوف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى عند الحق وثباته عليه مهما كانت الظروف، أمر مشهور وذائع مما زان تاريخ العلماء العاملين الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ويؤدون حق الله والأمة، فيما أوتوا من العلم وأمانة الأسوة.
وقد تجلت هذه القاعدة في حياة سيد التابعين في أكثر من موقف ونطق بها لسان حاله في كل لحظة من لحظات أيام عمره المباركة فكان الواثق بالله الذي لا يحابى في الحق أحدا ولا يرده ما يتخمض عن ذلك المنهج من تبعات فهانت عليه نفسه في الله كما قال عمران بن عبد الله: أرى نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: أن نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
ودونك ما تيسر منها ما يلي:
موقف تزويج ابنته من عبد الله بن أبى وداعة:
ومن مواقفه الشهيرة في ذلك قصه تزويج ابنته وقد كان الخليفة عبد الملك بن مروان تقدم لخطبتها لابنه الوليد حين ولاه العهد ويذكر المؤرخون أنه أرسل موكبا كبيرا على رأسه مندوب خاص نزل المسجد ووقف على حلقة سعيد فأبلغه سلام أمير المؤمنين وأنه قدم يخطب إليه ابنته لابنه الوليد ولى العهد وانتظر الناس أن يستبشر سعيد بهذا التشريف الذي ناله ولكنه لم يزد على كلمة لا، وكان لسعيد تلميذ متين الدين والخلق يدعى عبد الله بن أبى وداعة افتقده أياما فلما عاد إليه قال له سعيد: أين كنت فقال توفيت زوجتي فانشغلت بها قال سعيد فهلا أخبرتنا فشهدناها ثم أراد التلميذ أن يقوم فقال سعيد: هل أحدثت امرأة غيرها؟ قال يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال سعيد إن أنا فعلت تفعل؟ قال نعم فأمر بالشهود وكتابة العقد قال ابن أبى وداعة: فقمت وما أدرى ما أصنع من الفرح وصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين؟ وصليت المغرب.
وكنت صائما فقدمت عشائي لأفطر وكان خبزا وزيتا وإذا بالباب يقرع فقلت: من هذا؟
فقال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير منذ أربعين سنه إلا ما بين بيته والمسجد فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب وظننت أنه بدا له فقلت يا أبا محمد هلا أرسلت إلي فأتيتك قال لا أنت أحق أن تزار قلت فما تأمرني قال رأيتك رجلا عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران فجاءوني وقالوا ما شأنك قلت زوجني سعيد بن المسيب ابنته وقد جاء بها على غفلة وها هي في الدار فنزلوا إليها وبلغ أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعرفهم بحق الزوج.
وكان رحمه الله يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة.
وهي نظرة بعيدة الغور تصدر عن إيمان عميق وتجارب اصطلى بنارها، ومعاناةٍ عملية لأخلاق أهل الإيمان التي لم يكن يدع أن يذكر بها رحمه الله ويريد للمسلم أن تكون برقع سلوكه في الحياة.
أما وقد أكرمه الله بما أكرمه من العلم والعمل.
فلا بدع أن تتفجر ينابيع الحكمة على لسانه.
كلامه بريد لبنى مروان:
عن المطلب بن السائب قال كنت جالسا مع سعيد بن المسيب بالسوق فمر بريد لبنى مروان فقال له سعيد من رسل بنى مروان أنت؟ قال نعم قال فكيف تركتهم؟ قال بخير قال تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب؟ قال فاشرأب الرسول فقمت إليه فلم أزل أرجيه حتى انطلق ثم قلت لسعيد يغفر الله لك تشيط بدمك بالكلمة هكذا تليقها قال اسكت يا أحمق فو الله لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه.
موقفه حينما دُعِيَ للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله، قال: دُعِيَ سعيد بن المسيب للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان، قال: فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار، قال: فقيل: أدخل من الباب وأخرج من الباب الآخر، قال: والله لا يقتدي بي أحد من الناس، قال: فجلده مائة وألبسه المُسوح.
إنكاره على جابر بن السود:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الواحد بن أبي عون، قال: كان جابر بن الأسود عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوَّج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: والله ما ربَّعْتَ على كتاب الله، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك، فسوف يأتيك ما تكره.
فما مكث إلا يسيرا حتى قُتِل ابن الزبير.
إنكاره على الحجاج لما كان لا يتم ركوع الصلاة ولا سجودها:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن زيد بن جدعان، قال: قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يهيجك ولا يؤذيك، قال: والله لا أدري غير أنه صلى ذات يوم مع أبيه صلاة فجعل لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفاً من حصباء فحصبته بها.
قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة.
موقفه من عبد الملك بن مروان:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمران بن عبد الله -من أصحاب سعيد بن المسيب: ما علمت فيه لينا.
قلت: كان عند سعيد بن المسيب أمر عظيم من بني أمية وسوء سيرتهم، وكان لا يقبل عطاءهم.
وفى سنة إحدى وتسعين هجرية حج الوليد بالناس فلما اقترب من المدينة أمر عامله عليها عمر بن عبد العزيز أشرافها فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم ودخل المدينة النبوية فأخلى له المسجد النبوى فلم يبق بهد أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه وعليه ثياب لا تساوى خمسة دراهم فقالوا له تنح عن المسجد أيها الشيخ فإن أمير المؤمنين قادم فقال والله لا أخرج منه فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه ويصلى ههنا وههنا ويدعو الله عز وجل قال عمر بن عبد العزيز وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه فحانت منه التفاته فقال من هذا؟! أهو سعيد بن المسيب؟ فقلت نعم يا أمير المؤمنين ولو علم أنك قادم لقام إليك وسلم عليك فقال قد علمت بغضه لنا فقلت يا أمير المؤمنين إنه وإنه وشرعت أثنى عليه وشرع الوليد يثنى عليه بالعلم والدين فقلت يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر _ وإنما قلت ذلك لأعتذر له ـ فقال نحن أحق بالسعي إليه فجاء فوقف عليه فسلم عليه فرد عليه سعيد السلام ولم يقم له ثم قال الوليد كيف الشيخ؟ فقال بخير والحمد لله كيف أمير المؤمنين؟ فقال الوليد بخير والحمد لله وحده ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز هذا فقيه الناس فقال أجل يا أمير المؤمنين.
أورد ابن سعد في الطبقات عن ميمون بن مهران، قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة، واستيقظ، فقال لحاجبه: انظر، هل في المسجد أحد من حُدَّاثنا؟ فخرج فإذا سعيد بن المسيب في حلقته، فقام حث ينظر إليه، ثم غمزه وأشار بأصبعه، ثم ولى، فلم يتحرك سعيد، فقال: لا أراه فطن، فجاء ودنا منه، ثم غمزه وقال: ألم ترني أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟ قال: أجِبْ أمير المؤمنين.
فقال: إليّ أرسلك؟ قال: لا، ولكن قال: انظُرْ بعض حداثنا فلم أرَ أحدا أهيأ منك.
قال: اذهب فأعلمه أني لست من حُدَّاثه.
فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلا مجنونا، وذهب فأخبر عبد الملك، فقال: ذاك سعيد بن المسيب فدعْهُ.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سليمان بن حرب: وعمرو بن عاصم، حدثنا سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: حج عبد الملك بن مروان، فلما قدم المدينة ووقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلا يدعوه ولا يحركه، فأتاه الرسول وقال: أجب أمير المؤمنين، واقف بالباب يريد أن يكلمك.
فقال: ما لأمير المؤمنين إليّ حاجة، وما لي إليه حاجة، وإن حاجته لي لغير مقضية، فرجع الرسول، فأخبره فقال: ارجع فقل له: إنما أريد أن أكلمك، ولا تحركه.
فرجع إليه، فقال له: أجب أمير المؤمنين.
فرد عليه مثل ما قال أولا.
فقال: لولا أنه تقدَّم إليّ فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك، يرسل إليك أمين المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا! فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيرا، فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحُلُّ حَبْوتي حتى يقضي ما هو قاض، فأتاه فأخبره، فقال: رحم الله أبا محمد؛ أبَى إلا صلابة.
زاد عمرو بن عاصم في حديثه بهذا الإسناد: فلما استخلف الوليد، قدم المدينة، فدخل المسجد، فرأى شيخا قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قالوا: سعيد بن المسيب، فلما جلس أرسل إليه، فأتاه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: لعلك أخطأت باسمي، أو لعله أرسلك إلى غيري، فرد الرسول، فأخبره، فغضب وهمَّ به، قال: وفي الناس يومئذ تَقيَّة، فأقبلوا عليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، فقيه المدينة، وشيخ قريش، وصديق أبيك، لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه.
فما زالوا به حتى أضرب عنه.
نحن نسوق هذه المواقف للذين يأكلون بدينهم ويداهنون الظالم بغية عرض من الدنيا فلا يسعنا إلا أن نهمس في آذانهم قائلين تشبهوا بالكرام البررة واقتدوا بخير سلف تكتب لكم النجاة في الدنيا والآخر.
ذكر مرض سعيد بن المسيب ووفاته:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: دخلت على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض، وهو يصلي الظهر، وهو مستلقٍ يومئ إيماءً، فسمعته يقرأ بالشمس وضحاها.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن المسيب قال: أوصيت أهلي بثلاث: أن لا يتبعني راجز ولا نار، وأن يعجلوا بي، فإن يكن لي عند الله خير، فهو خير مما عندكم.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال: اشتد وجع سعيد بن المسيب، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده، فأُغمي عليه فقال نافع: وجِّهوه.
ففعلوا، فأفاق فقال: من أمركم أن تحوِّلوا فراشي إلى القبلة، أنافع؟ قال: نعم.
قال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهكم فراشي.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن أبي ذئب: عن أخيه المغيرة، أنه دخل مع أبيه على سعيد وقد أُغمي عليه، فوُجِّه إلى القبلة، فلما أفاق، قال: من صنع بي هذا، ألست امرءا مسلما؟ وجهي إلى الله حيث ما كنت.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن زرعة بن عبد الرحمن، قال سعيد بن المسيب: يا زرعة، إني أشهدك على ابني محمد لا يُؤذِنَنَّ بي أحدا، حسبي أربعة يحملوني إلى ربي.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن سعيد، قال: لما احتضر سعيد بن المسيب، ترك دنانير، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، شهدت سعيد بن المسيب يوم مات سنة أربع وتسعين.
فرأيت قبره قد رُشَّ عليه الماء، وكان يُقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.
وقال الهيثم بن عدي: مات في سنة أربع وتسعين.
عدة فقهاء، منهم سعيد بن المسيب، وفيها أرَّخ وفاة ابن المسيب سعيد بن عفير، وابن نمير، والواقدي، وما ذكر ابن سعد سواه.
وقال أبو نعيم، وعلي بن المديني: توفي سنة ثلاث وتسعين.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا حماد بن خالد الخياط أن سعيد بن المسيب توفي سنة خمس وتسعين.
والأول أصح.
وأما ما قال المدائني وغيره من أنه توفي سنة خمس ومائة فغلط.
وتبعه عليه بعضهم، وهي رواية عن ابن معين.
ومال إليه أبو عبد الله الحاكم، والله أعلم.
أهـ
رحم الله عالم المدينة الذي اجتمع له ـ بفضل الله عز وجل ـ العلم والعمل، وأداء حق العلم في التعليم والبيان والصدع بالحق، والخشية الصادقة لرب العالمين، ثم اليقظة التي يمدها إيمانه وعقله، فلم يقع ـ وهو المنصرف إلى العلم والعبادة ـ في شيء من الخداع والأحابيل، وكان -وهو التقي الورع- لكل صغيرة أو كبيرة بالمرصاد.
سيرة زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله:
اسم زين العابدين علي ابن الحسين ونسبه:
هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، وكنيته زين العابدين، و هو عند أهل السنة واحد من أهل البيت و ابن الحسين سيد شباب أهل الجنة و له من الفضل والعلم ما لا ينكره أحد، وأمه هي أم ولد سندية تسمى سلافة، ويعد من تابعي أهل المدينة، ولد سنة 38 هـ، وتوفي سنة ثلاثٍ وتسعين أو أربعٍ وتسعين هـ بالمدينة المنورة، و هو ابن ثمان و خمسين.
أولاد على زين العابدين رحمه الله:
محمد الباقر, عبد الله, الحسن, الحسين, زيد, عمر, الحسين الأصغر, عبد الرحمن, سليمان, علي, محمد الأصغر.
بنات على زين العابدين رحمه الله:
خديجة, أم كلثوم, فاطمة, عليّة خلفاء عصر على زين العابدين رحمه الله:
عاصر على زين العابدين رحمه الله من الخلفاء الأمويين: يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك.
مناقب زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله:
كان زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، اشتهر بعلي زين العابدين و لقب بالسجاد و ذو الثفنات و زين الصالحين و منار القانتين وهو عند أهل السنة واحد من أهل البيت و ابن الحسين سيد شباب أهل الجنة و له من الفضل والعلم ما لا ينكره أحد، برز على الصعيد العلمي والديني، إماماً في الدين ومناراً في العلم، ومرجعاً ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى حتى سلّم المسلمون جميعاً في عصره بأنّه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب زين العابدين علي ابن الحسين جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب زين العابدين علي ابن الحسين جملةً:
(1) ثناء العلماء على زين العابدين علي ابن الحسين:
(2) خشية زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله:
(3) من درر مواعظ زين العابدين علي ابن الحسين:
(4) اجتهاد على زين العابدين في العبادة:
(5) صدق تضرع على زين العابدين رحمه الله:
(6) إنفاق على زين العابدين في سبيل الله:
(7) حرص على زين العابدين على إخفاء العمل.
(8) صِلَةُ على زين العابدين لإخوانه في الله تعالى:
(9) تفقد على زين العابدين لسريرته:
(10) حسن خُلُقِ على زين العابدين:
(11) خشوع على زين العابدين في الصلاة وعدم التفاته:
(12) منابذة على زين العابدين لأهل الأهواء:
(13) استعفاف على زين العابدين رحمه الله: ثانياً
مناقب زين العابدين علي ابن الحسين
تفصيلا:
(1) ثناء العلماء على زين العابدين علي ابن الحسين:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
زين العابدين، ومنار القانتين، كان عابداً وفياً، وجواداً حفياً.
وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
علي بن حسين ابن الأمام بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، السيد الإمام زين العابدين الهاشمي العلوي المدني يكنى أبا الحسين ويقال أبو الحسن ويقال أبو محمد ويقال أبو عبد الله وأمه أم ولد اسمها سلامة سلافة بنت ملك الفرس يزدجرد وقيل غزالة، ولد في سنة ثمان وثلاثين ظنا وحدث عن أبيه الحسين الشهيد وكان معه يوم كائنة كربلاء وله ثلاث وعشرون سنة وكان يومئذ موعوكا فلم يقاتل ولا تعرضوا له بل أحضروه مع آله إلى دمشق فأكرمه يزيد وَرَدَّه مع آله إلى المدينة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمرو بن ثابت، قال: كان علي بن الحسين لا يضرب بعيره من المدينة إلى مكة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن شهاب الزهري، قال: شهدت علي ابن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام فأثقله حديداً، ووكل به حفاظاً في عدة وجمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي، فدخلت عليه وهو في قبة والإقياد في رجليه والغل في يديه فبكيت.
وقلت: وددت أني مكانك وأنت سالم.
فقال: يا زهري أتظن أن هذا مما ترى علي وفي عنقي يكربني، أما لو شئت ما كان، فإنه وإن بلغ منك وبأمثالك ليذكرني عذاب الله.
ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد.
ثم قال: يا زهري لا جزت معهم على ذا منزلتين من المدينة، قال: فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه.
فقال لي بعضهم: إنا لنراه متبوعاً، انه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده، قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي بن الحسين فأخبرته، فقال لي: إنه قد جاءني في يوم فقده الأعوان، فدخل علي فقال: ما أنا وأنت، فقلت: أقم عندي، فقال: لا أحب، ثم خرج فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة، قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن، إنه مشغول بنفسه، فقال: حبذا شغل مثله فنعم ما شغل به، قال: وكان الزهري إذا ذكر علي ابن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي حمزة الثمالي، قال: كان علي ابن الحسين: يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شيبة بن نعامة، قال: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة، قال جرير في الحديث ـ أو من قبله ـ إنه حين مات وجدوا بظهره أثاراً مما كان يحمل بالليل الجرب إلى المساكين.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن إسحاق، قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم.
فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن الحسين، قال: أتاني نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبرونني أنتم المهاجرون الأولون (الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلََئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ) [الحشر: 8]، قالوا: لا، قال: فأنتم (وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9]، قالوا: لا، قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، ثم قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: (وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ) [الحشر: 10].
اخرجوا فعل الله بكم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن صالح بن حسان، قال: قال رجل لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحداً أورع من فلان.
قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيت أحداً أورع منه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري قال ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري قال ما كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين وما رأيت أحدا كان أفقه منه ولكنه كان قليل الحديث.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري قال كان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة وأحبهم إلى مروان وإلى عبد الملك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري قال: لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن سعيد عن علي يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام ولا تحبونا حب الأصنام فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شينا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جويرية بن أسماء ماأكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درهما قط.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المقبري قال بعث المختار إلى علي بن الحسين بمئة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها فاحتبسها عنده فلما قتل المختار بعث يخبر بها عبد الملك وقال ابعث من يقبضها فأرسل إليه عبد الملك يا ابن العم خذها قد طيبتها لك فقبلها.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي نوح الأنصاري قال وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد فجعلوا يقولون يا ابن رسول الله النار فما رفع رأسه حتى طفئت فقيل له في ذلك فقال ألهتني عنها النار الأخرى.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الزهري، قال: دخلنا على علي بن الحسين بن علي، فقال: يا زهري، فيم كنتم.
قلت: تذاكرنا الصوم، فأجمع رأيي ورأى أصحابي على أنه ليس من الصوم شيء واجب إلا شهر رمضان، فقال: يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجهاً، عشرة منها واجبة كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربعة عشرة خصلة صاحبها بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال: قلت: فسرهن يا ابن رسول الله،
قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصيام شهرين متتابعين ـ يعني في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق ـ قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مّسَلّمَةٌ إِلَىَ أَهْلِهِ إِلاّ أَن يَصّدّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مّسَلّمَةٌ إِلَىَ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةً فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [النساء: 92]،.
الآية.
وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، قال الله عز وجل قال تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلََكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الأيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوَاْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 89]،.
وصيام حلق الرأس، قال الله تعالى: قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) [البقرة: 196]، الآية، صاحبه بالخيار إن شاء صام ثلاثاً، وصوم دم المتعة، لمن لم يجد الهدى، قال الله تعالى (فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: 196]، الآية.
وصوم جزاء الصيد، قال الله عز وجل (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مّتَعَمّداً فَجَزَآءٌ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) [المائدة: 95]، الآية.
وإنما يقوم ذلك الصيد قيمة ثم يقص ذلك الثمن على الحنطة.
وأما الذي صاحبه بالخيار: فصوم يوم الاثنين والخميس، وصوم ستة أيام من شوال بعد رمضان، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار، إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
وأما صوم الإذن: فالمرأة لا تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة.
وأما صوم الحرام: فصوم يوم الفطر ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك نهينا أن نصومه كرمضان، وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر حرام، والضيف لا يصوم إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من نزل على قوم فلا يصومن تطوعاً إلا بإذنهم ويؤمر الصبي بالصوم إذا لم يراهق تأنيساً، وليس بفرض وكذلك من أفطر لعلة من أول النهار ثم وجد قوة في بدنه أمر بالإمساك، وذلك تأديب الله عز وجل، وليس بفرض، وكذلك المسافر إذا أكل أول النهار ثم قدم أمر بالإمساك.
وأما صوم الإباحة: فمن أكل أو شرب ناسياً من غير عمد، فقد أبيح له ذلك وأجزأه عن صومه.
وأما صوم المريض: وصوم المسافر، فإن العامة اختلف فيه، فقال بعضهم: يصوم، وقال قوم: لا يصوم، وقال: قوم إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأما نحن فنقول: يفطران في الحالين جميعاً، فإن صام في السفر والمرض، فعليه القضاء، قال الله عز وجل: (فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184].
(2) خشية زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن العتبي، قال: حدثنا أبي، قال: كان علي بن الحسين إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته أخذته رعدة ونفضة، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم أتدرون إلى من أقوم.
ومن أريد أن أناجي.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سفيان حج علي بن الحسين فلما أحرم اصفر وانتفض ولم يستطيع أن يلبي فقيل ألا تلبي قال أخشى أن أقول لبيك فيقول لي لا لبيك فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته فلم يزل بعض ذلك به حتى قضى حجه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك احرم علي بن الحسين فلما أراد أن يلبي قالها فأغمي عليه وسقط من ناقته فهشم ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات وكان يسمى زين العابدين لعبادته.
(3) من درر مواعظ زين العابدين علي ابن الحسين:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن الحسين، قال: التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقى تقاة.
قيل: وما تقاته.
قال: يخاف جباراً عنيداً أن يفرط عليه أو أن يطغى.
وقال علي بن الحسين: من كتم علماً أحداً، أو أخذ عليه أجراً رفداً، فلا ينفعه أبداً.
ومن أفضل مواعظ زين العابدين علي ابن الحسين رحمه الله تعالى " قصيدة ليس الغريب " التي حُقَّ لها أن تُنْقَشَ على الصدور وان تُكْتَبَ بماء الذهب، وهاك القصيدة:
لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشام واليَمَنِ... إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتِهِ... على المُقِيْمِينَ في الأوطَانِ والسَكَنِ
سَفَري بَعيدٌ وَزادي لَنْ يُبَلِّغَني... وَقُوَّتي ضَعُفَتْ والموتُ يَطلُبُني
وَلي بَقايا ذُنوبٍ لَسْتُ أَعْلَمُها... الله يَعْلَمُها في السِّرِ والعَلَنِ
مَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني... وقَدْ تَمادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي
تَمُرُّ ساعاتُ أَيَّامي بِلا نَدَمٍ... ولا بُكاءٍ وَلاخَوْفٍ ولا حَزَنِ
أَنَا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوابَ... مُجْتَهِداً... عَلى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُني
يَا زَلَّةً كُتِبَتْ في غَفْلَةٍ ذَهَبَتْ... يَا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلبِ تُحْرِقُني
دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُها... وَأَقْطَعُ الدَّهْرَ بِالتَّذْكِيرِ وَالحَزَنِ
كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحَاً... عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُني
وَقد أَتَوْا بِطَبيبٍ كَيْ يُعالِجَني... وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هذا اليومَ يَنْفَعُني
واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُها... مِن كُلِّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ
واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها... وصَارَ رِيقي مَريراً حِينَ غَرْغَرَني
وَغَمَّضُوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفوا... بَعْدَ الإِياسِ وَجَدُّوا في شِرَا الكَفَنِ
وَقامَ مَنْ كانَ حِبَّ لنّاسِ في عَجَلٍ... نَحْوَ المُغَسِّلِ يَأْتيني يُغَسِّلُني
فَجاءَني رَجُلٌ مِنهُمْ فَجَرَّدَني... مِنَ الثِّيابِ وَأَعْرَاني وأَفْرَدَني
وَأَوْدَعوني عَلى الأَلْواحِ مُنْطَرِحاً... وَصَارَ فَوْقي خَرِيرُ الماءِ يَنْظِفُني
وَأَسْكَبَ الماءَ مِنْ فَوقي وَغَسَّلَني... غُسْلاً ثَلاثاً وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِ
وَأَلْبَسُوني ثِياباً لا كِمامَ لها... وَصارَ زَادي حَنُوطِي حينَ حَنَّطَني
وأَخْرَجوني مِنَ الدُّنيا فَوا أَسَفاً... عَلى رَحِيلٍ بِلا زادٍ يُبَلِّغُني وَحَمَّلوني على الأْكتافِ أَربَعَةٌ... مِنَ الرِّجالِ وَخَلْفِي مَنْ يُشَيِّعُني وَقَدَّموني إِلى المحرابِ وانصَرَفوا... خَلْفَ الإِمَامِ فَصَلَّى ثمّ وَدَّعَني صَلَّوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لها... ولا سُجودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُني وَأَنْزَلوني إلى قَبري على مَهَلٍ... وَقَدَّمُوا واحِداً مِنهم يُلَحِّدُني وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُرَني... وَأَسْكَبَ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني فَقامَ مُحتَرِماً بِالعَزمِ مُشْتَمِلاً... وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِنْ فَوْقِي وفارَقَني وقَالَ هُلُّوا عليه التُّرْبَ واغْتَنِموا... حُسْنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ في ظُلْمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هناك ولا... أَبٌ شَفيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُني فَرِيدٌ وَحِيدُ القبرِ، يا أَسَفاً... عَلى الفِراقِ بِلا عَمَلٍ يُزَوِّدُني وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ... مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كان أَدهَشَني مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ ما أَقولُ لهم... قَدْ هَالَني أَمْرُهُمْ جِداً فَأَفْزَعَني وَأَقْعَدوني وَجَدُّوا في سُؤالِهِمُ... مَالِي سِوَاكَ إِلهي مَنْ يُخَلِّصُنِي فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يا أَمَلي... فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا... وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني واستَبْدَلَتْ زَوجَتي بَعْلاً لها بَدَلي... وَحَكَّمَتْهُ فِي الأَمْوَالِ والسَّكَنِ وَصَيَّرَتْ وَلَدي عَبْداً لِيَخْدُمَه... وَصَارَ مَالي لهم حِلاً بِلا ثَمَنِ فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيا وَزِينَتُها... وانْظُرْ إلى فِعْلِها في الأَهْلِ والوَطَنِ وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيا بِأَجْمَعِها... هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الحَنْطِ والكَفَنِ خُذِ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها... لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ يَا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَراً... يَا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الوَهَنِ يَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي... فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني يَا نَفْسُ وَيْحَكِ تُوبي واعمَلِي حَسَناً... عَسى تُجازَيْنَ بَعْدَ الموتِ بِالحَسَنِ ثمَّ الصلاةُ على الْمُختارِ سَيِّدِنا... مَا وَصَّا البَرْقَ في شَّامٍ وفي يَمَنِ
(4) اجتهاد على زين العابدين في العبادة:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك احرم علي بن الحسين فلما أراد أن يلبي قالها فأغمي عليه وسقط من ناقته فهشم ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات وكان يسمى زين العابدين لعبادته.
(5) صدق تضرع على زين العابدين رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن طاووس سمعت علي بن الحسين وهو ساجد في الحجر يقول عبيدك بفنائك مسكينك بفنائك سائلك بفنائك فقيرك بفنائك قال فوالله ما دعوت به في كرب قط إلا كشف عني.
(6) إنفاق على زين العابدين في سبيل الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي جعفر ـ ابن علي زين العابدين ـ أن أباه قاسم الله تعالى ماله مرتين وقال إن الله يحب المذنب التواب.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حمزة الثمالي أن علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة ويقول إن الصدقة في سواد الليل تطفىء غضب الرب.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن إسحاق كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ثابت لما مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شيبة بن نعامة قال: لما مات علي وجدوه يعول مئة أهل بيت قلت لهذا كان يبخل فإنه ينفق سرا ويظن أهله أنه يجمع الدراهم.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن مرجانة أنه لما حَدَثَ علي بن الحسين بحديث أبي هريرة من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله كل عضو منه بعضو منه من النار حتى فرجه بفرجه فأعتق علي غلاما له أعطاه فيه عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم.
(7) حرص على زين العابدين على إخفاء العمل:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حمزة الثمالي أن علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة ويقول إن الصدقة في سواد الليل تطفىء غضب الرب.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شيبة بن نعامة قال: لما مات علي وجدوه يعول مئة أهل بيت قلت لهذا كان يبخل فإنه ينفق سرا ويظن أهله أنه يجمع الدراهم.
(8) صِلَةُ على زين العابدين لإخوانه في الله تعالى:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن دينار قال دخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه فجعل محمد يبكي فقال ما شأنك قال علي دين قال وكم هو قال بضعة عشر ألف دينار قال فهي علي.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن الحسين إني لأستحيي من الله أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا فإذا كان غدا قيل لي لو كانت الجنة بيدك لكنت بها أبخل وأبخل.
(9) تفقد على زين العابدين لسريرته:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن الحسين قال فقد الأحبة غربة وكان يقول اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوائح العيون علانيتي وتقبح في خفيات العيون سريرتي اللهم كما أسَأَتْ وأحسنت إلي فإذا عُدْتُ فَعُدْ علي.
(10) حسن خُلُقِ على زين العابدين:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي يعقوب المدني قال: كان بين حسن بن حسن وبين ابن عمه علي بن الحسين شيء فما ترك حسن شيئا إلا قاله وعلي ساكت فذهب حسن، فلما كان في الليل أتاه علي فخرج فقال علي: يا ابن عمي إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك السلام عليك، قال: فالتزمه حسن وبكى حتى رثى له.
(11) خشوع على زين العابدين في الصلاة وعدم التفاته:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي نوح الأنصاري قال وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد فجعلوا يقولون يا ابن رسول الله النار فما رفع رأسه حتى طفئت فقيل له في ذلك فقال ألهتني عنها النار الأخرى.
(12) منابذة على زين العابدين لأهل الأهواء:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن سعيد عن علي يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام ولا تحبونا حب الأصنام فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شينا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جعفر بن محمد عن أبيه قال جاء رجل إلى أبي فقال أخبرني عن أبي بكر؟ قال: عن الصديق تسأل؟ قال: وتسميه الصديق؟ قال: ثكلتك أمك قد سماه صديقا من هو خيرا مني رسول الله.
(13) استعفاف على زين العابدين رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جويرية بن أسماء ماأكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درهما قط.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المقبري قال بعث المختار إلى علي بن الحسين بمئة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها فاحتبسها عنده فلما قتل المختار بعث يخبر بها عبد الملك وقال ابعث من يقبضها فأرسل إليه عبد الملك يا ابن العم خذها قد طيبتها لك فقبلها.
وفاة على زين العابدين رحمه الله:
قال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
قال الواقدي وأبو عبيد والبخاري والفلاس مات سنة أربع وتسعين وروي ذلك عن جعفر الصادق وقال يحيى أخو محمد بن عبد الله بن حسن مات في رابع عشر ربيع الأول ليلة الثلاثاء سنة أربع وقال أبو نعيم وشباب وتوفي سنة اثنتين وتسعين وقال معن بن عيسى سنة ثلاث وقال يحيى بن بكير سنة خمس وتسعين والأول الصحيح قال أبو جعفر الباقر عاش أبي ثمانيا وخمسين سنة.
قال الذهبي رحمه الله: قلت قبرة بالبقيع ولا بقية للحسين إلا من قبل ابنه زين العابدين.
سيرة سعيد بن جبير رحمه الله:
اسم سعيد بن جبير ومولده وصفته:
اسمه: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم أبو محمد ويقال: أبو عبد الله الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد أحد الأعلام.
مولده: لم يصرح أحد من المترجمين بميعاد مولده، وصرحوا بأن مقتله في شعبان سنة خمس وتسعين، وقد قال لابنه ما بقاء أبيك بعد سبعة وخمسين، وعلى ذلك يكون ميلاده سنة ثمانية وثلاثين من الهجرة، وقد صرح الذهبي، بأن ميلاده في خلافة أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال بعضهم: له تسع وأربعون، فيكون ميلاده سنة ست وأربعين.
مناقب سعيد بن جبير
:
كان سعيد بن جبير رحمه الله من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى:
أولاً
مناقب سعيد بن جبير
جملةً:
(1) ثناء العلماء على سعيد بن جبير:
(2) اجتهاد سعيد بن جبير في العبادة:
(3) بكاء سعيد بن جبير وخشيته رحمه الله: (4) سعيد بن جبير مستجاب الدعاء: (5) حرص سعيد بن جبير على صلاح ولده: (6) حرص سعيد بن جبير على طلب العلم: (7) حرص سعيد بن جبير على نشر العلم: (8) صدق توكل سعيد بن جبير على الله: (9) ذكر سعيد بن جبير للموت: (10) رؤية سعيد بن جبير أن عُمْرَ الإنسان غنيمة: (11) من دُررِ مواعظ سعيد بن جبير: (12) شدة بلاء سعيد بن جبير في جنب الله تعالى: ثانياً مناقب سعيد بن جبير تفصيلا:
(1) ثناء العلماء على سعيد بن جبير:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍفي حلية الأولياء:
قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومنهم الفقيه البكاء، والعالم الدعاء، السعيد الشهيد، السديد الحميد، أبو عبد الله جبير بن سعيد.
وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
سعيد بن جبير ابن هشام الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد أبو محمد ويقال أبو عبد الله الأسدي الوالبي مولاهم الكوفي أحد الأعلام.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جعفر بن أبي المغيرة قال: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول أليس فيكم ابن أم الدهماء يعني سعيد بن جبير.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن جبير قال سأل رجل ابن عمر عن فريضة فقال ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني وهو يفرض فيها ما أفرض.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحدا إلا وهو محتاج إلى علمه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن جبير أنه كان لا يدع أحدا يغتاب عنده.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن خصيف قال كان أعلمهم بالقرآن مجاهد وأعلمهم بالحج عطاء وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أشعث بن إسحاق قال كان يقال سعيد بن جبير جهبذ العلماء.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن المديني قال ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير قيل ولا طاووس قال ولا طاووس ولا أحد.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مجاهد قال ابن عباس لسعيد بن جبير حدث قال أحدث وأنت ها هنا قال أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد فإن أصبت فذاك وإن أخطأت علمتك.
قال ابن حبان في كتاب الثقات: كان فقيها عابدا فاضلا ورعا.
قال الإمام أحمد: قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه.
قال أبو القاسم الطبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين.
قيل للحسن البصري: إن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير.
فقال: اللهم ايت على فاسق ثقيف والله لو أن أهل الأرض اشتركوا في قتله لكبهم الله في النار.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هلال بن خباب، قال: خرجت مع سعيد ابن جبير في أيام مضين من رجب، فأحرم من الكوفة بعمرة ثم رجع من عمرته، ثم أحرم بالحج في النصف من ذي القعدة، وكان يخرج كل سنة مرتين مرة للحج ومرة للعمرة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إسحاق مولى عبد الله ابن عمر بن هلال بن يساف، قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة، فقرأ القرآن في ركعة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ورقاء، قال: كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير: أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين.
(2) اجتهاد سعيد بن جبير في العبادة:
كان سعيد بن جبير كثير العبادة لله، فكان يحج مرة ويعتمر مرة في كل سنة، ويقيم الليل، ويكثر من الصيام، وربما ختم قراءة القرآن كل ليلتين.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هلال بن خباب، قال: خرجت مع سعيد ابن جبير في أيام مضين من رجب، فأحرم من الكوفة بعمرة ثم رجع من عمرته، ثم أحرم بالحج في النصف من ذي القعدة، وكان يخرج كل سنة مرتين مرة للحج ومرة للعمرة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إسحاق مولى عبد الله ابن عمر بن هلال بن يساف، قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة، فقرأ القرآن في ركعة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ورقاء، قال: كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير: أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين.
أورد ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن جبير أنه كان ينكر أن يتكفأ الرجل في صلاته، قال: وما رأيته قط يصلي إلا وكأنه وَتَد.
أورد المزي في تهذيب الكمال عن سعيد بن جبير: إني لا أزيد في صلاتي من أجل ابني هذا.
قال هشام: رجاء أن يحفظ فيه.
اجتهاد سعيد بن جبير في العبادة في عشر ذي الحجة:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حريز أن سعيد بن جبير قال لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة ويقول أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة.
(3) بكاء سعيد بن جبير وخشيته رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي أيوب الأعرج، قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عن سعيد بن جبير قال إنه الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك فلتلك الخشية والذكر طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن.
(4) سعيد بن جبير مستجاب الدعاء:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أصبغ بن زيد، قال: كان لسعيد بن جبير ديك يقوم إلى الصلاة إذا صاح، فلم يصح ليلة من الليالي أصبح سعيد ولم يصل، قال: فشق ذلك عليه، فقال له: ماله؟ قطع الله صوته، قال: ما سمع ذاك الديك يصيح بعدها، قالت له أمه: أي بني لا تدع على شيء بعدها.
(5) حرص سعيد بن جبير على صلاح ولده:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير: إني لأزيد في صلاتي من أجل ابني هذا.
قال مخلد: قال هشام: رجاء أن يحفظ فيه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: (أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: 82].
قال: كان يؤدي الأمانات والودائع إلى أهلها، فحفظ الله تعالى له كنزه حتى أدرك ولداه فاستخرجا كنزهما.
(6) حرص سعيد بن جبير على طلب العلم:
كان سعيد بن جبير من كبار التابعين، الذين ساروا على سنن الهدى، واقتفوا أثر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،وكان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويَعُضُ عليهما بالنواجذ، وكان رحمه الله من العلماء العاملين الرانين من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدُجى الذين باعوا الدنيا طلبًا للأخرى، وقد وثقه أهل العلم كافة، حتى قالوا في وصفه: ثقة إمام حجة على المسلمين.
كان الناس يرونه ـ منذ نعومة أظفاره ـ إما عاكفًا على كتاب يتعلم، أو قائمًا في محراب يتعبد، فهو بين طلب العلم والعبادة، إما في حالة تعلم، أو في حالة تعبد،
وُلِدَ سعيد بن جبير في زمن خلافة الإمام على بن أبي طالب - رضي الله عنه- بالكوفة، وقد نشأ سعيد محبًّا للعلم، مقبلاً عليه، ينهل من معينه، أخذ سعيد العلم عن طائفة من كبار الصحابة، من أمثال أبي سعيد الخدري، و أبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، رضي اللَّه عنهم أجمعين، لكن يبقى عبد الله بن عباس ـ حبر هذه الأمة ـ هو المعلم الأول له.
لازم سعيد بن جبير عبد الله بن عباس ملازمة الظل لصاحبه، ومما يدل على صدق ملازمته لابن عباس وإقباله على العلم إقبال الظامئ على المورد العذب الأثر الآتي:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن جبير قال ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملأها وكتبت في نعلي حتى أملأها وكتبت في كفي.
قرأ سعيد بن جبير القرآن على ابن عباس، وأخذ عنه الفقه والتفسير والحديث، كما روى الحديث عن أكثر من عشرة من الصحابة، وتلقى عنه القراءات القرآنية الثابتة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقرأ بها، وتفقّه على يديه في الدين، وتعلم منه علم التأويل،، وقد بلغ رتبة في العلم لم يبلغها أحد من أقرانه،
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن خصيف قال كان أعلمهم بالقرآن مجاهد وأعلمهم بالحج عطاء وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أشعث بن إسحاق قال كان يقال سعيد بن جبير جهبذ العلماء.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن المديني قال ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير قيل ولا طاووس قال ولا طاووس ولا أحد.
وكان ابن عباس يجعل سعيدًا بن جبير يفتي وهو موجود، ولما كان أهل الكوفة يستفتونه، فكان يقول لهم: أليس منكم ابن أم الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مجاهد قال ابن عباس لسعيد بن جبير حدث قال أحدث وأنت ها هنا قال أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد فإن أصبت فذاك وإن أخطأت علمتك.
وعندما كانت إقامته في الكوفة، كان هو المرجع الأول في الفتوى، وعليه المعول في علم التفسير، لدرجة أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحيل إليه من يستفتيه، ويقول لأهل الكوفة إذا ما أتوه ليسألوه عن شيء: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير - وكان حبشي الأصل -.
وعلى الرغم من مكانته العلمية التي كان يحظى بها، وخاصة معرفته الواسعة بتفسير كتاب الله، إلا أنه رحمه الله كان يتورع عن القول في التفسير برأيه ـ كما هو شأن السلف من الصحابة رضوان الله عليهم ـ ومما يروى عنه في هذا الشأن: أن رجلاً سأله أن يكتب له تفسيرًا للقرآن، فغضب، وقال له: لأن يسقط شِقِّي، أحب إليَّ من أن أفعل ذلك.
ولأجل ملازمة سعيد ابن جبير لـ ابن عباس رضي الله عنهما، ومكانته العلمية بين التابعين، فقد كانت أقواله مرجعًا أساسًا، ومنهلاً عذبًا لأهل التفسير، يرجعون إليها، ويغترفون من معينها في تفسير كثير من آيات الذكر الحكيم، ودونك ما تيسر من أقواله في التفسير:
عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (يَعِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) [العنكبوت: 56] قال: إذا عمل في أرض بالمعاصي فخرجوا.
عن سعيد بن جبير في قوله عز وجل: (فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152]
قال: أذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي.
عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (وَنَكْتُبُ مَاَ قَدّمُواْ وَآثَارَهُمْ) [يس: 12]،
قال: ما سنوا.
عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) [القلم: 43] قال: الصلاة في الجماعة.
عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (أُوْلِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ) [ص: 45]
قال: الأيدي: القوة في العلم، والبصر فيما هم فيه من أمر دينهم.
عن سعيد بن جبير: (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) [القيامة: 5]
قال: يقول: سوف أتوب.
عن سعيد بن جبير في قوله عز وجل: ((وَلاَ تَرْكَنُوَاْ إِلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسّكُمُ النّارُ) [هود: 113] قال: لا ترضوا أعمالهم.
وقد وَثَّقَ علماء الجرح والتعديل سعيداً، وروى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من أصحاب الحديث.
قال ابن حبان في كتاب الثقات: كان فقيهًا، عابدًا، فاضلاً، ورعًا.
(7) حرص سعيد بن جبير على نشر العلم:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حبيب بن أبي ثابت قال لي سعيد بن جبير لأن أنشر علمي أحب إلي من أن أذهب به إلى قبري.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن جبير قال وددت الناس أخذوا ما عندي فإنه مما يهمني.
(8) صدق توكل سعيد بن جبير على الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن جبير قال التوكل على الله جماع الإيمان وكان يدعو اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن رافع قال: دخلت على سعيد بن جبير بمكة، وقد أخذه صداع شديد، فقال له رجل ممن عنده: هل لك أن نأتيك برجل يرقيك من هذه الشقيقة؟ قال: لا حاجة لي في الرقى.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن جبير قال: لدغتني عقرب فأقسمت عَلَى أمي أن أسترقي، فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ وكرهت أن أحنثها.
(9) ذكر سعيد بن جبير للموت:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعيد بن جبير قال لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد علي قلبي.
(10) رؤية سعيد بن جبير أن عُمْرَ الإنسان غنيمة:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ذر كتب سعيد بن جبير إلى أبي كتابا أوصاه بتقوى الله وقال إن بقاء المسلم كل يوم غنيمة فَذَكَرَ الفرائض والصلوات وما يرزقه الله من ذكره.
(11) من دُررِ مواعظ سعيد بن جبير:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمر بن ذر، قال: قرأت كتاب سعيد بن جبير: اعلم أن كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هلال بن خباب، قال: قلت لسعيد ابن جبير: ما علامة هلاك الناس قال: إذا ذهب أو هلك علماؤهم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد، قال: لو فارق ذكر الموت قلبي، خشيت أن يفسد علي قلبي.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير، قال: لقيني راهب، فقال: يا سعيد في الفتنة يتبين من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمر بن ذر، قال: كتب سعيد بن جبير إلى أبي كتاباً أوصاه فيه بتقوى الله، وقال: يا أبا عمر أن بقاء المسلم كل يوم غنيمة، وذكر الفرائض والصلوات وما يرزقه الله من ذكره.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير، قال: لا تطفئوا سراجكم ليالي العشر، تعجبه العبادة، ويقول: أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير، يقول: ما زال البلاء بأصحابي حتى رأيت أن ليس لله في حاجة، حتى نزل بي البلاء.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير، قال: وددت أن الناس أخذوا ما عندي من العلم فإنه مما يهمني.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير، قال: كان يقال: طول الرجل من أهل الجنة تسعون ميلاً، وطول المرأة ثمانون ميلاً، وجلستها جريب، وإن شهوته تجري في جسده سبعين عاماً يجد لذتها.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ولا يشرك بعبادة ربه أحداً.
الكهف 110. قال: لا يرائي بعبادة ربه أحداً.
(12) شدة بلاء سعيد بن جبير في جنب الله تعالى:
كان سعيد بن جبير رحمه الله تعالى مناهضاً للحجاج بن يوسف الثقفي أحد أمراء بني أمية، لأنه يري الدماء تسفك وآلاف الناس تعيش بين أسوار السجون والمعتقلات بلا جريرة علي يد الحجاج، الذي كان يعتبر نفسه الدرع الواقي للدولة الأموية، والخادم المطيع لخلفائها من بني مروان، فكان من الطبيعي أن يثور عليه رجل مثل التابعي الجليل سعيد بن جبير، فهو يري مظالمه، ويري فحشه، ويري أخذه الناس بالشبهات، تابع سعيد بن جبير ابن الأشعث عندما خرج على الحجاج، ودعا الناس إلى قتال الحجاج لجوره، وتجبره، وإماتة الصلاة، واستذلال المسلمين، فلما انهزم ابن الأشعث فر سعيد بن جبير إلى مكة، وظل مختفياً اثنتي عشرة سنة، ثم ظفر به الحجاج في السنة التي هلك فيها، لما أراده الله عز وجل للحجاج الثقفي لعنة الله على الظالمين من سوء الخاتمة، وكذا لسوق السعادة والشهادة بن جبير، فقتله أشنع قتلة وهو صابر محتسب، راغب في فضل الله عز وجل والجنة، فنسأل الله عز وجل أن يرفعه فوق كثير من خلقه لصبره وعبادته، وبذله وشهادته، والغريب أن أحد الجنود حاول أن يقوم بتهريب سعيد بن جبير.. أو بمعني أدق أن يمهد له طريق الهرب، ولكن سعيد رفض ذلك، وقرر أن يواجه الطاغية، حتى لو كانت في مواجهته النهاية المحتومة، فقد روي المؤرخون أن سعيد بن جبير كان ينهي الحجاج عن الظلم والبطش، كان ينصح الناس بمخالفته وبالوقوف في وجهه، وضاق الحجاج ذرعا بتصرفات سعيد رحمه الله فاستدعاه ودارت بينهما مناقشة طويلة تدل علي قوة إيمان سعيد، وصدق يقينه، وثبات جنانه وشجاعته في الحق.
، ولما قبض الحجاج على سعيد بن جبير وجدَ الحجاج سعيد بن جبير جبلاً راسياً شامخاً لم ينحني إلا لخالقه سبحانه، روت كتب السير قصة بلاؤه منها ما يلي:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حصين قال رأيت سعيد بمكة فقلت إن هذا قادم يعني خالد بن عبد الله ولست آمنه عليك قال والله لقد فررت حتى استحييت من الله قلت طال اختفاؤه فإن قيام القراء على الحجاج كان في سنة اثنتين وثمانين وما ظفروا بسعيد إلى سنة خمس وتسعين السنة التي قلع الله فيها الحجاج.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يزيد بن أبي زياد قال أتينا سعيدا فإذا هو طيب النفس وبنته في حجره فبكت وشيعناه إلى الجسر فقال الحرس له أعطنا كفيلا فإنا نخاف أن تغرق نفسك قال فكنت فيمن كفل به قال أبو بكر فبلغني أن الحجاج قال ائتوني بسيف عريض قال سليمان التيمي كان الشعبي يرى التقية وكان ابن جبير لا يرى التقية وكان الحجاج إذا أتى بالرجل يعني ممن قام عليه قال له أكفرت بخروجك علي فإن قال نعم خلى سبيله فقال لسعيد أكفرت قال لا قال اختر أي قتلة أقتلك قال اختر أنت فإن القصاص أمامك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عتبة مولى الحجاج قال حضرت سعيدا حين أتى به الحجاج بواسط فجعل الحجاج يقول ألم أفعل بك ألم أفعل بك فيقول بلى قال فما حملك على ما صنعت من خروجك علينا قال بيعة كانت علي يعني لابن الأشعث فغضب الحجاج وصفق بيديه وقال فبيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى وأمر به فضربت عنقه، وقيل لو لم يواجهه سعيد بن جبير بهذا لاستحياه كما عفا عن الشعبي لما لا طفه في الاعتذار.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عن داود بن أبي هند قال لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال ما أراني إلا مقتولا وسأخبركم إني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء ثم سألنا الله الشهادة فكلا صاحبي رزقها وأنا أنتظرها قال فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء.
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: قلت ولما علم من فضل الشهادة ثبت للقتل ولم يكترث ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له رحمه الله تعالى.
قصة قتل سعيد بن جبير رحمه الله تعالى:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سالم بن أبي حفصة، قال: لما أتى سعيد بن جبير الحجاج؟ قال: أنت شقي بن كسير؟ قال: أنا سعيد بن جبير، قال: لأقتلنك، قال: أنا إذاً كما سمتني أمي، ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، قال: فأينما تولوا فثم وجه الله، ثم قال: إني أستعيذ منك بما عاذت به مريم، قال: وما عاذت به مريم، قال: قالت: (قَالَتْ إِنّيَ أَعُوذُ بِالرّحْمََنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً) [مريم: 18]، قال سفيان: لم يقتل بعد سعيد بن جبير إلا رجلاً واحداً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عتيبة مولى الحجاج، قال: حضرت سعيد بن جبير حين أتى الحجاج بواسط، فجعل الحجاج يقول له: ألم أفعل بك؟ ألم أفعل بك؟ فيقول: بلى، فيقول: فما حملك على ما صنعت من خروجك علينا، قال: بيعة كانت علي، فغضب الحجاج وصفق بيده، وقال: فبيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى أن تفي بها، وأمر به فضربت عنقه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن خلف بن خليفة، عن أبيه، قال: شهدت مقتل سعيد بن جبير، لما بان رأسه قال: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم قالها الثالثة فلم يتمها.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد، عن كاتب للحجاج يقال له يعلى، قال مالك: وهو أخ لأم سلمة الذي كان على بيت المال، قال: كنت أكتب للحجاج وأنا يومئذ غلام حديث السن يستخفني ويستحسن كتابتي، فأدخل عليه بغير إذن فدخلت عليه يوماً بعد مقتل سعيد بن جبير وهو في قلبة لها أربعة أبواب، دخلت عليه مما يلي ظهره فسمعته يقول: مالي وسعيد بن جبير؟ فخرجت رويداً وعلمت أنه لو علم بي لقتلني، لم ينشب الحجاج بعد ذلك إلا يسيراً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عون بن أبي شداد العبدى قال: بلغني أن الحجاج بن يوسف لما ذكر له سعيد بن جبير، أرسل إليه قائداً من أهل الشام من خاصة أصحابه يسمى الملتمس بن الأحوص، ومعه عشرون رجلاً من أهل الشام من خاصة أصحابه، فبينما هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعة له سألوه عنه، فقال الراهب: صفوه لي فوصفوه له فدلهم عليه، فانطلقوا فوجدوه ساجداً يناجي بأعلى صوته، فدنوا منه فسلموا عليه فرفع رأسه فأتم بقية صلاته ثم رد عليهم السلام، فقالوا: إنا رسل الحجاج إليك فأجبه، قال: ولابد من الإجابة؟ قالوا: لابد من الإجابة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قام فمشى معهم حتى انتهوا إلى دير الراهب، فقال الراهب: يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم، فقال لهم: اصعدوا الدير فإن اللبوة والأسد يأويان حول الدير، فعجلوا قبل المساء، ففعلوا ذلك وأبى سعيد أن يدخل الدير، فقالوا: ما نراك إلا وأنت تريد الهرب منا، قال: لا، ولكن لا أنزل منزل مشرك أبداً، قالوا: فإنا لا ندعك فإن السباع تقتلك، قال سعيد: لا ضير أن معي ربي فيصرفها عني ويجعلها حرساً حولي يحرسونني من كل سوء إن شاء الله، قالوا: فأنت من الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد الله خاطئ مذنب، قال الراهب: فليعطني ما أثق به على طمأنينته، فعرضوا على سعيد أن يعطي الراهب ما يريد، قال سعيد: إني أعطي العظيم الذي لا شريك له لا أبرح مكاني حتى أصبح إن شاء الله، فرضي الراهب ذلك، فقال لهم: أصعدوا واوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح، فإنه كره الدخول علي في الصومعة لمكانكم، لما صعدوا واوتروا القسي إذا هم بلبوة قد أقبلت، فلما دنت من سعيد تحاكت به وتمسحت به ثم ربضت قريباً منه، وأقبل الأسد وصنع مثل ذلك، فما رأى الراهب ذلك وأصبحوا نزل إليه، فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففسر له سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب وحسن إسلامه، وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل فصلوا عليه، فيقولون: يا سعيد قد حلفنا الحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه، فمرنا بما شئت، قال: امضوا لأمركم فإني لائذ بخالقي ولا راد لقضائه، فساروا حتى بلغوا واسطاً، فلما انتهوا إليها، قال لهم سعيد: يا معشر القوم قد تحرمت بكم وصحبتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر، وإن
المدة قد انقضت، دعوني إليه أخذ أهبة الموت، وأستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علي من التراب، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم الموضوع الذي تريدون، قال بعضهم: لا نريد أثراً بعد عين، وقال بعضهم: قد بلغتم أملكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه، فقال بعضهم، يعطيكم ما أعطى الراهب ويلكم، أما لكم عبرة بالأسد كيف تحاكت به وتمسحت به وحرسته إلى الصباح، فقال بعضهم: هوعلي أدفعه إليكم إن شاء الله، فنظروا إلى سعيد قد دمعت عيناه وشعث رأسه واغبر لونه، ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ يوم لقوه وصحبوه، فقالوا بجماعتهم: يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نسرح إليك? الويل لنا ويلاً طويلاً كيف ابتلينا بك، اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر، فإنه القاضي الأكبر والعدل الذي لا يجور، فقال سعيد: ما أعذرني لكم وأرضاني لما سبق من علم الله تعالى في، فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة والكلام بما بينهم، قال كفيله: أسألك بالله يا سعيد لما زودتنا من دعائك وكلامك، فإنا لن نلقى مثلك أبداً ولا نرى أنا نلتقي إلى يوم القيامة، قال: ففعل ذلك سعيد فخلوا سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم مختفون الليل كله ينادون بالويل واللهف، فلما انشق عمود الصباح جاءهم سعيد بن جبير فقرع الباب، فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة، فنزلوا إليه وبكوا معه طويلاً، ثم ذهبوا به إلى الحجاج وآخر معه، فدخلا إلى الحجاج، فقال الحجاج: أتيتموني بسعيد بن جبير، قالوا: نعم، وعاينا منه العجب فصرف بوجه عنهم، قال: أدخلوه علي، فخرج المتلمس، فقال لسعيد: أستودعتك الله وأقرأ عليك السلام، قال: فأدخل عليه، قال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال:
أنت الشقي بن كسير، قال: بل كانت أمي أعلم باسمي منك، قال: شقيت أنت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك ألهاً: قال: ما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة إمام الهدى عليه الصلاة والسلام، قال: فما قولك في علي في الجنة هو أو في النار؟ قال: لو دخلتها رأيت أهلها عرفت من بها، قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال: فأيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي، قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم، قال: أبيت أن تصدقني، قال: إني لم أحب أن أكذبك، قال: ما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من الطين والطين تأكله النار، قال: ما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب، قال: ثم أمر باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فجمعه بين يدي سعيد بن جبير، فقال له سعيد: إن كنت جمعت هذه لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا، ثم دعا الحجاج بالعود والناي، فلما ضرب بالعود ونفخ بالناي، بكى سعيد بن جبير، قال له: ما يبكيك؟ هو اللهو؟ قال سعيد: بل هو الحزن، أما النفخ فقد ذكرني يوماً عظيماً يوم نفخ في الصور، وأما العود فشجرة قطعت في غير حق، وأما الأوتار فإنها معاء الشاء يبعث بها معك يوم القيامة، قال الحجاج: ويلك يا سعيد، فقال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، قال الحجاج: اختر يا سعيد، أي قتلة تريد أن أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج فو الله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر، قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج من الباب ضحك، فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده، فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عنك، فأمر بالنطع فبسط، فقال: اقتلوه، قال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين، قال: شدوا به لغير القبلة، قال سعيد: أينما تولوا فثم وجه الله، قال: كبوه لوجهه، قال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى قال الحجاج، اذبحوه، قال سعيد: أما إني أشهد وأحاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة، ثم دعا سعيد الله، فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله
بعدي، فذبح على النطع رحمه الله، قال: وبلغنا أن الحجاج عاش بعده خمسة عشر ليلة، ووقع الأكلة في بطنه، فدعا بالطبيب لينظر إليه، ثم دعا بلحم منتن، فعلقه في خيط ثم أرسله في حلقه فتركها ساعة ثم استخرجها وقد لزق به من الدم، فعلم أنه ليس بناج، وبلغنا أنه كان ينادي بقية حياته: مالي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلي.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير، قال: أنت الشقي ابن كسير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير، قال: بل أنت الشقي ابن كسير، قال: كانت أمي أعرف باسمي منك، قال: ما تقول في محمد؟ قال: تعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: نعم، قال: سيد ولد آدم النبي المصطفى خير من بقي وخير من مضى، قال: فما تقول في أبي بكر؟ قال: الصديق خليفة الله مضى حميداً وعاش سعيداً، مضى على منهاج نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يغير ولم يبدل، قال: فما تقول في عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة الله وخيرة رسوله، مضى حميداً على منهاج صاحبيه لم يغير ولم يبدل، قال: ما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظلماً المجهز جيش العسرة، الحافر بئر رومة، المشتري بيته في الجنة، صهر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنتيه، زوجه النبي بوحي من السماء، قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأول من أسلم وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: أنت أعلم ونفسك، قال: بت بعلمك، قال: إذا يسؤك ولا يسرك، قال: بت بعلمك، قال: اعفني، قال: لا عفا الله عني أن أعفيتك، قال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله تعالى، ترى من نفسك أموراً تريد بها الهيبة وهي تقحمك الهلكة، وسترد غداً فتعلم، قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك، ولا أقتلها أحداً بعدك، قال: إذا تفسد على دنياي وأفسد عليك آخرتك، قال: يا غلام، السيف والنطع، قال: فلما ولى ضحك، قال: أليس قد بلغني إنك لم تضحك؟ قال: وقد كان ذلك، قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: من جراءتك على الله ومن حلم الله عنك، قال يا غلام اقتله، فاستقبل القبلة وقال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، فصرف وجهه عن القبلة، قال: فأينما تولوا فثم وجه الله، قال: اضرب به الأرض، قال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، قال: اذبح عدو الله فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن داود بن أبي هند، قال: لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير، قال: ما أراني إلا مقتولاً، وسأخبركم أني كنت أنا وصاحبين لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء، ثم سألنا الله الشهادة فكلا صاحبي رزقها وأنا أنتظرها، قال: فكأنه رأى أن الإجابة، عند حلاوة الدعاء.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمرو بن سعيد، قال: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دعا ليقتل، فجعل ابنه يبكي، فقال: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة.
وقفات مع الحوار الذي دار بين سعيد بن جبير والحجاج:
وهب سعيد حياته للإسلام، ولم يَخْشْ إلا الله، ولد في الكوفة، يفيد الناس بعلمه النافع، ويفقه الناس في أمور دينهم ودنياهم، فقد كان إمامًا عظيمًا من أئمة الفقه في عصر الدولة الأموية، حتى شهد له عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- بالسبق في الفقه والعلم، فكان إذا أتاه أهل مكة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء (يقصد سعيد بن جبير، وكان سعيد بن جبير يملك لسانًا صادقًا وقلبًا حافظًا، لا يهاب الطغاة، ولا يسكت عن قول الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، فألقى الحجاج بن يوسف القبض عليه بعد أن لفق له تهمًا كاذبة، وعقد العزم على التخلص منه، لم يستطع الحجاج أن يسكت لسانه عن قول الحق بالتهديد أو التخويف، فقد كان سعيد بن جبير مؤمنًا قوي الإيمان، يعلم أن الموت والحياة والرزق كلها بيد الله، ولا يقدر عليه أحد سواه.
اتبع الحجاج مع سعيد بن جبير طريقًا آخر، لعله يزحزحه عن الحق، أغراه بالمال والدنيا، وضع أموالا كثيرة بين يديه، فما كان من هذا الإمام الجليل إلا أن أعطى الحجاج درسًا قاسيًا، فقال: إن كنت يا حجاج قد جمعت هذا المال لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت.
لقد أفهمه سعيد أن المال هو أعظم وسيلة لإصلاح الأعمال وصلاح الآخرة، إن جمعه صاحبه بطريق الحلال لاتِّقاء فزع يوم القيامة (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء 88: 89].
ومرة أخرى تفشل محاولات الحجاج لإغراء سعيد، فهو ليس من عباد الدنيا ولا ممن يبيعون دينهم بدنياهم، وبدأ الحجاج يهدد سعيدًا بالقضاء عليه، ودار هذا المشهد بينهما:
الحجاج: ويلك يا سعيد!
سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار.
الحجاج: أي قتلة تريد أن أقتلك؟
سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فو الله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك قتلة في الآخرة.
الحجاج: أتريد أن أعفو عنك؟
سعيد: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عُذر.
الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه.
فلما خرجوا ليقتلوه، بكي ابنه لما رآه في هذا الموقف، فنظر إليه سعيد وقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟ وبكي أيضًا صديق له، فقال له سعيد: ما يبكيك؟
الرجل: لما أصابك.
سعيد: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، ثم تلا: قوله تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِيَ أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نّبْرَأَهَآ) [الحديد: 22] [الحديد، ثم ضحك سعيد، فتعجب الناس وأخبروا الحجاج، فأمر بردِّه،
فسأله الحجاج: ما أضحكك؟
سعيد: عجبت من جرأتك على الله وحلمه عنك.
الحجاج: اقتلوه.
سعيد: (وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: 79]
الحجاج: وجهوه لغير القبلة.
سعيد: (فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ) [البقرة: 115]
الحجاج: كبوه على وجهه.
سعيد: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىَ) [طه: 55] الحجاج: اذبحوه.
سعيد: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، ومات سعيد شهيدًا في إحدى عشر رمضان سنة خمسٍ وتسعين هجرية، وله من العمر سبع وخمسون سنة، مات ولسانه رطب بذكر الله.
أمر الحجاج بن يوسف بفصل رأس سعيد بن جبير عن جسده بعد محاكمة صورية، وهنا يتضح أن للطغاة منطقهم الشاذ.. ولكنهم في غيبة الوعي السليم وفي حرمان من توفيق الله وعصمته يرتكبون من الآثام ما لا يمكن تصوره بالفعل، غير أنهم يدركون الحقيقة بعد فوات الأوان، وحين لا ينفع الندم، ولا يبقي أمامه إلا أن يواجه العقاب، وأشد ألوان العقاب، هو عقاب الملك العلاّم الذي لا يغفل ولا ينام، يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام، يعاقبه على هذا الإجرام جزاءاً بما ارتكبه من الرزايا والآثام، فكل بني آدم مرده إلى الله مهما مررت السنون وانصرمت الأيام، وعند الله تجتمه الخصوم ويُقْتَص من الظالم للمظلوم، فيا أيها المظلوم يا صاحب الحقِ المهضوم يا من صار مَغْمُومَاً من جُرْحِهِ المَكْلُوم يا من كان غَيْظُهُ من الظلم مَكْتُوم يا من صار وَجُهُ من الأسى مَحْمُوم هَوِّنْ عَلَيْك يا أخي، فإن الدنيا أمرها معلوم، فهي للظالم لا تدوم سيقتَصُ الله لك من فِعله المشئوم وعند الله تَجْتَمِعُ الخصوم ويُقْتَصُ من الظَالِم للمَظلوم، يقتصُ لجرحه المكلوم وحقهِ المهضوم، يجتمعون عند الملك العزيزِ الوهَّاب، فالمظلوم ينتظر النصر والظالم ينتظر العقاب، تجتمعون عند العلي الكبير عند من يحاسب على الخطأ والتقصير ولا يظلم الفتيل والنقير.
استجابة دعوة سعيد بن جبير على الحجاج " اللهم اقصم أجله، ولا تسلطه علي أحد يقتله من بعدي"
وصعدت دعوة سعيد إلي السماء، فلقيت قبولا واستجابة من الله والواحد القهار، كيف لا والله تعالى يقول: (أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: 62]، واسنة الصحيحة طافحةٌ بالدليل الأوفى على استجابة دعوة المظلوم، منها ما يلي:
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب]
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(اتقوا دعوة المظلوم) أي اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم فهو أبلغ من قوله لا تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقاً ثم بين وجه النهي بقوله.
(فإنها تُحمل على الغمام) أي يأمر الله برفعها حتى تجاوز الغمام أي السحاب الأبيض حتى تصل إلى حضرته تقدس
(يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك) بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة وفتح الكاف أي لأستخلصن لك الحق ممن ظلمك
(ولو بعد حين) أي أمد طويل بل دل به سبحانه على أنه يمهل الظالم ولا يهمله
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة) كناية عن سرعة الوصول لأنه مضطر في دعائه وقد قال سبحانه وتعالى ﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ وكلما قوي الظلم قوي تأثيره في النفس فاشتدت ضراعة المظلوم فقويت استجابته والشرر ما تطاير من النار في الهواء شبه سرعة صعودها بسرعة طيران الشرر من النار.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(دعوة المظلوم مستجابة) أي يستجيبها اللّه تعالى يعني فاجتنبوا جميع أنواع الظلم لئلا يدعو عليكم المظلوم فيجاب
(وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه) ولا يقدح ذلك في استجابة دعائه لأنه مضطر ونشأ من اضطراره صحة التجائه إلى ربه وقطعه قلبه عما سواه وللإخلاص عند اللّه موقع وقد ضمن إجابة المضطر بقوله تعالى: (أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ) [النمل: 62].
صعدت دعوة سعيد إلي السماء، فلقيت قبولا واستجابة من الله والواحد القهار، فلقد أصيب الحجاج بعد قتله لسعيد بن جبير بمرض عضال أفقده عقله، وصار كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وكان كلما أفاق من مرضه قال بذعر: مالي ولسعيد بن جبير
وبعد فترة قصيرة من قتل سعيد بن جبير مات الحجاج الثقفي شر موته، وتحققت دعوة سعيد فيه، فلم يسلطه الله علي أحد يقتله من بعده.
﴿تنبيه﴾: كان قتل سعيد بن جبير في آخر سنة أربعٍ وتسعين هـ، قتله الحجاج صبرا، وقبره بواسط، استشهد وهامته مرفوعة وله ثلاثة بنين: عبد الله ومحمد وعبد الملك.
وفاة سعيد بن جبير رحمه الله:
قال الذهبي رحمه الله تعالى: وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعين، ومن زعم أنه عاش تسعاً وأربعين سنة لم يصنع شيئاً، وقد مر قوله لابنه: ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين.
سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
اسم عمر بن عبد العزيز ونسبه:
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الإمام الحافظ، العلامة المجتهد، الزاهد العابد، السيد أمير المؤمنين حقاً، أبو حفص، القرشي الأُموي المدني ثم المصري، الخليفة الزاهد الراشد، أشجُّ بني أمية.
وأمه: هي أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
مولد عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الخريبي يقول الأعمش وهشام بن عروة وعمر بن عبد العزيز وطلحة بن يحيى ولدوا سنة مقتل الحسين يعني سنة إحدى وستين وكذلك قال خليفة بن خياط وغير واحد في مولده.
صفة عمر بن عبد العزيز الخلْقية رحمه الله:
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: ذكر صفته سعيد بن عفير أنه كان أسمر رقيق الوجه حسنه نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين بجبهته أثر نفحة دابة قد وخطه الشيب وقال إسماعيل الخطبي رأيت صفته في بعض الكتب أبيض رقيق الوجه جميلا نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين بجبهته أثر حافر دابة فلذلك سمي أشج بني أمية وقد وخطه الشيب قال ضمرة بن ربيعة دخل عمر بن عبد العزيز إلى إصطبل أبيه وهو غلام فضربه فرس فشجه فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول إن كنت أشج بني أمية إنك إذا لسعيد.
نشأة عمر بن عبد العزيز حال صغره وتربيته:-
كان عمر رحمه الله ابن والي مصر عبد العزيز، وكان يعيش في أسرة الملك والحكم، حيث النعيم الدنيوي، وزخرف الدنيا الزائل، وكان رحمه الله يتقلب في نعيم يتعاظم كل وصف، ويتحدى كل إحاطة.. إنّ دخله السنوي من راتبه ومخصصاته، ونتاج الأرض التي ورثها من أبيه يجاوز أربعين ألف دينار.. وإنه ليتحرك مسافراً من الشام إلى المدينة، فينتظم موكبه خمسين جملاً تحمل متاعه..
وكان يلبس أبهى الثياب وأغلاها.. ويضمخ نفسه بأبهج عطور دنياه، حتى إنه ليعبر طريقاً ما، فيعلم الناس أنه عبره، وكان رحمه الله يتأنق في كل شيء.. حتى المشية.. التي انفرد بها وشغف الشباب بمحاكاتها وعرفت لفرط أناقتها واختيالها بـ"المشية العمرية.
ثم إنه رحمه الله مع هذا كله كان فيه نبوغ مبكر فلم تنسه هذه الدنيا وزخرفها الله تعالى والدار الآخرة، بل إنه رحمه الله كان فيه حب للعلم وأهله كما سيأتي
لقد جمع القرآن وهو صغير، تحدث هو عن نفسه وطفولته فقال: " لقد رأيتني بالمدينة غلاماً مع الغلمان ثم تاقت نفسي للعلم، فأصبت منه حاجتي ".. وَرَغَبَ إلى والده أن يغادر مصر إلى المدينة ليَدْرُس بها ويتفقه، فأرسله إليها وعهد به إلى واحد من كبار معلمي المدينة وفقهائها وصالحيها وهو: صالح بن كيسان رحمه الله،
ثم لا يكاد ينزل بها حتى يلوذ بالشيوخ والعلماء والفقهاء، متجنباً أترابه ولِدَاته.. وأقبل على العربية وآدابها وشعرها فيستوعب من ذلك كله محصولاً وفيراً.
بكاء عمر بن عبد العزيز حال صغره وخوفه:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي قبيل أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير فأرسلت إليه أمه وقالت ما يبكيك قال ذكرت الموت قال وكان يومئذ قد جمع القرآن فبكت أمه حين بلغها ذلك.
اهتمام والد عمر بن عبد العزيز بتأديبه في الصغر:
عني والده عبد العزيز بن مروان بتربيته تربية صالحة، وعلَّمه القراءة والكتابة، لكن عمر رغب أن يغادر مصر إلى المدينة ليأخذ منها العلم، فاستجاب عبد العزيز بن مروان لرغبة ولده وأرسله إلى واحد من كبار علماء المدينة وصالحيها وهو "صالح بن كيسان".