فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 399-438

كتاب الرقائق

صفحات 399-438
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ) بِفَتْحِ وَسَطِهِمَا فِي الْقَامُوسِ: الْبَأْسُ الْعَذَابُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ بَؤُسَ كَكَرُمَ بَأْسًا وَبَئِسَ كَسَمِعَ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ (يَخْلُدُ) أَيْ يَدُومُ فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهَا (ولَا يَمُوتُ) أَيْ لَا يَفْنَى بَلْ دَائِمًا يَبْقَى (َلَا تَبْلَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ أَيْ لَا تَخْلَقُ وَلَا تَتَقَطَّعُ (ثِيَابُهُمْ) وَكَذَا أَثَاثُهُمْ (وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) أَيْ لَا يَهْرَمُونَ وَلَا يُخَرِّفُونَ وَلَا يُغَيِّرُهُمْ مُضِيُّ الزَّمَانِ قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ الثَّبَاتِ وَالْقَرَارِ وَأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا فَلَا يَشُوبُ نَعِيمَهَا بُؤْسٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ الْأَضْدَادِ وَمَحَلَّ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ.
مسألة: ما هي تربة الجنة؟ (تربة الجنة: المسك والزعفران والدرمكة البيضاء (الدقيق الحواري الخالص البياض).
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الجنة بناؤها لبنة من فضة و لبنة من ذهب ومِلاطُها المسك الأذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللؤلؤ والياقوت و تربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس و يخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم و لا يفنى شبابهم.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لابن صياد: " ما تربة الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم, قال: صدقت".
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن بن صياد سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تربة الجنة فقال درمكة بيضاء مسك خالص، وثبت في السنة الصحيحة أن تربتها الزعفران كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الجنة بناؤها لبنة من فضة و لبنة من ذهب ومِلاطُها المسك الأذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللؤلؤ والياقوت و تربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس و يخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم و لا يفنى شبابهم.
(أخي الحبيب:

إن كنت المحب لهذا العيش الرغيد ولتلك المساكن الطيبة, فاصبر نفسك على طاعة الله, واجتناب محارمه وأداء الصلوات والصيام والقيام في الظلمات.. (ولله درُ من قال: فما هي إلا ساعة ثم تنقضي... ويدرك غب السير من هو صابر

(غُرف الجنة وقصورها:

وأما غرف الجنة فلا تسل عن قوة بنائها وإحكام أركانها وبهاء منظرها وتلألؤ مظهرها.
قال تعالى: (لََكِنِ الّذِينَ اتّقَواْ رَبّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مّبْنِيّةٌ) [الزمر: 20] فأخبر أنها «غرف فوق غرف وأنها مبنية بناء حقيقة» لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل وأنه ليس هناك بناء بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض حتى كأنها ينظر إليها عيانا ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها.
وقال تعالى: (أُوْلََئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ) [الفرقان: 75] والغرفة: جنس كالجنة وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة لله الغرفة والتحية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فَبُدِّلُوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم.
وقال تعالى: (وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالّتِي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلََئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ: 37] وقال تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [الصف: 12] وقال تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت (رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ) [التحريم: 11]

﴿تنبيه﴾: (المساكن الطيبة فى جنات عدن ليست للوقاية من الحرّ أو البرد, وليست ليرتاح أهلها فيها, وليست للحفظ والستر, فإن الجنة لا حرَّ ولا برد فيها, ولا تعب ولا انكشاف فيها, إنها مساكن طيبة كما أخبر الله تعالى, جُعلت للبهجة والسرور, والاستمتاع والحبور, تتغيّر فيها الألوان فى كل آن, وتبسط فيها الوسائد والزرابى تكريماً وإحساناً, ويأنس فيها ولىّ الله بالأهل والوالدان, وتمدّ فيها الموائد فى كل الأركان ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ المساكن الطيبة فى جنات عدن ليست للوقاية من الحرّ أو البرد, وليست ليرتاح أهلها فيها, وليست للحفظ والستر, فإن الجنة لا حرَّ ولا برد فيها, ولا تعب ولا انكشاف فيها, إنها مساكن طيبة كما أخبر الله تعالى, جُعلت للبهجة والسرور, والاستمتاع والحبور, تتغيّر فيها الألوان فى كل آن, وتبسط فيها الوسائد والزرابى تكريماً وإحساناً, ويأنس فيها ولىّ الله بالأهل والوالدان, وتمدّ فيها الموائد فى كل الأركان {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.]﴾ الرحمن:78 [ (حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم.
قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: (بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
والغابر: هو الذاهب الماضي الذي قد تدلى للغروب وفي التمثيل به دون الكواكب المسامت للرأس وهو أعلى فائدتان هما: أحدهما بعده عن العيون.
والثانية أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض وإن لم تسامت العليا السفلى.
(حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة لغرفا «يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها» فقام إليه أعرابي فقال لمن هي يا رسول الله قال هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام.

فتأمل أخي الكريم: في مكان هذه الغرف.. إنها كالكواكب في علوها وتلألئها.. وانسيابها في الفضاء, نعم إنها عالية شامخة.. أعدها الله للمؤمنين لما استعلوا عن الكفر والفجور والفسق.. لما خضعوا لله في الدنيا بفعل الأوامر وترك النواهي, رفع الله قدرهم وأسكنهم في تلك الغرف المتعالية.
واقرأ إن شئت ـ أخي الكريم ـ قول الله جل وعلا: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية﴾ [الزمر20] (أخي الحبيب: يا عبد الله فإن سلعة الله غالية, إن ثمنها تقوى الله وطاعته, وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه، واستبق هذا الخير العظيم, وهذا النعيم المقيم, فإنه لحمق وغرور, أن يستبدل المرء هذه الدنيا وهذا الخراب! بما عند الله من بديع الغرف الآمنة الهنيئة قال تعالى: ﴿فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون﴾ [سبأ37] ﴿تنبيه﴾: (لا تَنْس أن قوانين الجنة لا تقاس على قوانين وسنن الدنيا, فالرؤية فى الجنة لا حدود لها, فولىّ الله يرى ما أمامه وما خلفه, ولا يغيب عنه من نعيمه شئ فى أى لحظه» يرى ظاهره من باطنه وباطنه من ظاهره» ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ]﴾ الواقعه: 33 [فلا النعيم مقطوع ولا القدرة على التنعّم ممتنعة» يعطى للمؤمن من القوة ما يأتى على ذلك كله فى غداة واحدة».
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بشروا خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: وقوله ببيت من قصب قال جمهور العلماء: المراد به قصب اللؤلؤ المجوف كالقصر المنيف، وقيل قصب من ذهب منظوم بالجوهر، قال أهل اللغة: القصب من الجوهر ما استطال منه في تجويف، قالوا: ويقال لكل مجوف قصب، وقد جاء في الحديث مفسراً ببيت من لؤلؤة محياة وفسروه بمجوفة، قال الخطابي وغيره: المراد بالبيت هنا القصر، وأما الصخب فبفتح الصاد والخاء وهو الصوت المختلط المرتفع، والنصب المشقة والتعب ويقال فيه نصب بضم النون وإسكان الصاد وبفتحهما لغتان حكاهما القاضي وغيره كالحزن والحزن والفتح أشهر وأفصح وبه جاء القرآن، وقد نصب الرجل بفتح النون وكسر الصاد إذا أعيا.
(حديث عثمان ابن عفان الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة.

(حديث أم حبيبة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة.
(حديث عائشة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة أربع ركعات قبل الظهر و ركعتين بعده و ركعتين بعد المغرب و ركعتين بعد العشاء و ركعتين قبل الفجر.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة.

(

خيام الجنة:

والجنة مساكن تتلألأ.. فكما أن غرفها كالكواكب الغائرة, فكذلك خيامها لآلئ مجوفة، كما في الحديث الآتي: (حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا.
(أخي الحبيب: تأمل بعين البصيرة وانظر كيف سيكون إعجابك بها حين تدخلها.. وكيف تكون نشوتك وسعادتك وأنت ساكنها وحولك الحور العين تستأنس بهن وتسمع غناءهن ولحنهن الأخاذ.. وتنبه ـ أخي الحبيب ـ إلى أن ثمن دخولك هو الإيمان الذي يستلزم الانقياد لله سبحانه بفعل الخيرات وترك المنكرات والعبودية لله وحده, واعلم ـ أخي الحبيب ـ أن المؤمن لما زهد في الدنيا بقلبه, ولم يزين له حب الشهوات من ذهب وفضة, أثابه الله على ذلك الورع و الزهد بأن أسكنه جنته.

(

قصور الجنة:

أما قصور الجنة فهي من ذهب ولؤلؤ وزبرجد وفضة.. فلا يعلم حسنها وبهاءها إلا الذي خلقها وبناها سبحانه وتعالى.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب، إلا ما أعلم من غيرتك).
قال: وعليك أغار يا رسول الله؟ (أخي الحبيب: بادر بالطاعات قبل فوات الأوان.. واطمع فيما عند الله من جنات ونعيم.. فإنما الدنيا لحظات وثواني.. وإنما أنت عابر سبيل.
(معرفة أهل الجنة لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة:

(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح:

قال تعالى: (وَالّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَن يُضِلّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنّةَ عَرّفَهَا لَهُمْ) [محمد 4: 6] قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلوا عليها أحدا.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم.
وقال محمد بن كعب يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة هذا قول جمهور المفسرين.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا.

(

كيفية دخول أهل الجنة الجنة:

(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف، متما سكون آخذ بعضهم ببعض لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر.
إذاً فالدخول جماعي، في صفوف كأنهم زحف مقدس فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] يدخلون على منازل أولهم على صورة القمر ليلة أربع عشر، ثم على صورة الكواكب الدرية، ثم بعدها في البياض، هكذا تدريجياًَ كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة ـ الألنجوج، عود الطيب ـ وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء.

(سوق الجنة و ما اعد الله تعالى فيه لأهلها:

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ سُوقًا يَأْتُونَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ فِيهِ كُثْبَانُ الْمِسْكِ، فَتَهِيجُ رِيحُ شَمَالٍ فَتَحْثِي أَوْ فَتَسْفِي فِي وُجُوهِهِمُ الْمِسْكَ، فَيَأْتُونَ أَهْلِيهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ زَادَكُمُ اللَّهُ بَعْدَنَا أَوِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ قَدْ زَادَكُمُ اللَّهُ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة لسوقا كثبان مسك يخرجون إليها ويجتمعون إليها فيبعث الله ريحا فيدخلها بيوتهم فيقول لهم أهلوهم إذا رجعوا إليهم قد ازددتم حسنا بعدنا فيقولون لأهليهم قد ازددتم أيضا حسنا بعدنا.

(صفة أهل الجنة في خَلْقِهِم وَخُلُقِهم:

(أولاً صفة أهل الجنة في خَلْقِهِم:

يدخل أهل الجنةِ الجنة، جُرْدَاً مُرْدَاً مُكَحَلِّين، أبناء ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين، عليهم التيجان، وإن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، ولو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا، لتزخرفت له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره، لطمس ضوءه ضوءَ الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم.
وإذا فتحت الجنة أبوابها دخلت أول زمرة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، يسبحون الله بكرة وعشيا، لا يسقمون فيها ولا يموتون، ولا ينزفون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمنون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، آنيتهم من الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، أزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء، وبجمال يوسف، وقلب أيوب، وعُمْر عيسى، وخُلُق محمد، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة ـ الألنجوج، عود الطيب ـ وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء.
«على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء» والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال ولهذا فسره بقوله على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء.
(حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يدخل أهل الجنة الجنة جُرْدَاَ مُرْدَاً مُكَحَلِين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: إن الله تعالى ينشئ أهل الجنة نشأة الملائكة أو أكمل من نشأتهم بحيث لا يبولون ولا يتغوّطون ولا ينامون ويلهمون التسبيح ولا يهرمون على تطاول الأحقاب ولا تنمو أبدانهم, بل القدر الذى الذى جُعلوا عليه لازم أبداً.
﴿تنبيه﴾: (وكذلك وصف الله سبحانه وتعالى نساءهم بأنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات لأنه أكمل سن القوة وَعِظَمِ الآت اللذة وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مئة عذراء، ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض فإنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال وتناسب الخلقة يصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب والله أعلم.
(ثانياً صفة أهل الجنة في خُلُقِهم:

قد جعل الله أهل الجنة في أكمل صورة خلق عليها البشر, وهي صورة آدم عليه السلام, وما ذلك إلا لتكمل سعادتهم وغبطتهم في ذلك النعيم الخالد.
وكما جمل الله صورهم فقد جمل أخلاقهم فكان أهل الجنة على خلق رجل واحد: كما في الحديث الآتي: (

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة ـ الألنجوج، عود الطيب ـ وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء.
(حديث المقدام رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من أحد يموت سقطا ولا هرما ـ وإنما الناس فيما بين ذلك ـ إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة كان على نسخة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا، أو فخموا كالجبال.
فما أعذب تلك الحياة.. وما ألذ عيشها.. حياة كلها مودة وصفاء وألفة وإخاء.. ومحبة وصدق ووفاء, قال تعالى: (وَهُدُوَاْ إِلَى الطّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ) [الحج: 24] و قال تعالى: (لاّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً) [الغاشية: 11] و قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ) [الحجر 47] فلا نكد ولا شقاء.
ولا بغض ولا حسد ولا تشاجر ولا حروب, وإنما هو مجتمع يسوده الهدوء والسكينة والألفة والرحمة.

(سِنُ أهلِ الجنة:

(حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يدخل أهل الجنة الجنة جُرْدَاَ مُرْدَاً مُكَحَلِين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة.

(

تحفة أهل الجنة إذا دخلوها:

(حديث ثوبان مولى رسول الله رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كنت قائما عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن اسمى محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس! < يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات >! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به.
مسألة: ما معنى زيادة كبد الحوت؟ زيادة كبد الحوت: القطعة المنفردة المتعلقة بكبد الحوت، وهي أطيبها وألذها.

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في أرض يحترف، فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول شرط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: (أخبرني جبريل آنفا).
قال: جبريل؟ قال: (نعم).
قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ) [البقرة: 97].
أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت).
قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أي رجل عبد الله فيكم).
قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا.
قال: (أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام).
فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.

(

ريح الجنة ومن مسيرة كم ينشق:

للجنة ريحٌ طيبة, وجاءت السنة بإثبات ذلك, وأن بعض الذنوب تحرم صاحبها رائحة الجنة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحَها لتوجد من مسيرة كذا و كذا.
البخت: واحدتها البختية وهى الناقة طويلة العنق ذات السنامين.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما).

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قتل نفسا معاهدة بغير حقها، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة توجد من مسيرة مائة عام.
(حديث أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا.
﴿تنبيه﴾: (لا خلاف بين هذه الأحاديث فى ذكر المسافات التى يُشم منها رائحة الجنة, فإن ذلك يكون بحسب الجنات التى يدخلها المؤمن بقدر عمله وحسب درجته فإن رائحة الفردوس الأعلى تفوق رائحة أدنى أهل الجنة منزلة, لذلك تتفاوت الروائح والأبعاد الى تشم منها.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: قد أشهد الله سبحانه عباده فى هذه الدار آثاراً من آثار الجنة وأنموذجاً منها من الرائحة الطيبة, واللذات المشتهاة, والمناظر البهية, والفاكهة الحسنة, والنعيم والسرور.
وقال: وريح الجنة نوعان: ريح يوجد منها فى الدنيا تشمّه الأرواح أحياناً لا تدركه كل العباد كما قال أحد أصحاب النبى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد» واهاً لريح الجنة أجده دون أحد»] رواه البخارى ومسلم, قال: وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الأزهار وغيرها, وهذا يدركه من شاء الله من أنبيائه ورسله, وهذا الذى وجده أنس بن النضر يوم أحد [. ﴿تنبيه﴾: (مسافات الآخرة لا يقاس بالأمتار, ولا بسرعة الضوء, إنها مسافات يفوت الخيال إدراكها, فهي فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، فإذا كنا فى الدنيا قد آمنا أن مخلوقًا قال لسيدنا سليمان النبى عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾] النمل: 40 [وأحضر عرش بلقيس فعلاً في أقل من غمضة عين, كما أننا آمنا كما آمن أبو بكر الصديق رضى الله عنه أن النبى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسرى به إلى بيت المقدس, وأعرج به إلى آفاق سدرة المنتهى ثم رأى ما رأى وعاد وفراشه لم يبرد, فكيف لا نؤمن بمسافات (كن فيكون).

(

الأذان الذي يؤذن به مؤذن الجنة:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز وجل قال تعالى: (وَنُودُوَاْ أَن تِلْكُمُ الْجَنّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 43] (حديث صُهَيْبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في قَوْلِهِ ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنّةِ الْجَنّةَ، نَادَى مُنَادٍ إِنّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِداً، قَالُوا أَلَمْ يُبَيّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجّينَا مِنَ النّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنّةَ؟ قَالُوا بَلَى، فَينكشفُ الْحِجَابُ، قالَ: فَوَالله مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئاً أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنَ النظَرِ إِلَيْهِ».
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا.
(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت ثم قرأ قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [سورة: مريم - الآية: 39].
يشرئب: يرفع رأسه ويمد عنقه.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح:

وهذا الأذان وإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار ولهم فيها نداء آخر يوم زيارتهم ربهم تبارك وتعالى يرسل إليهم ملكا فيؤذن فيهم بذلك فيتسارعون إلى الزيارة كما يؤذن مؤذن الجمعة إليها وذلك في مقدار يوم الجمعة.

(

أشجار الجنة وبساتينها وظلالها:

ومن نعيم الجنة الخالد, كثرة الأشجار, ووفرة طيب الثمار, وغرائب الأطيار, فأشجارها لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها، من كثرة أغصانها وطول عمودها وانسياب أركانها وأعوادها, ولقد أودع الله فيها من جمال الشكل وحسن المنظر وبهاء اللون ورونق المظهر وامتداد الظل وطيب الثمار مالا يخطر على بال أو يدور في الخيال.
أشجار الجنة من أنواع شتَّى, من يواقيت منوّعة, يغشاها ألوان بعد ألوان لا نهاية لألوانها وبهجتها, تتغيّر الألوان بغير أسباب, تهب ريح الجنة فتصفق الأوراق بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها, تَردُها طيور وعجائب بجمال ورَوَقْ لا تصفه الألسنة, فيتنعّم الرائى, والآكل, والسامع ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾] الأنسان:13, 14 [ وقال تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مّنضُودٍ وَظِلّ مّمْدُودٍ وَمَآءٍ مّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة 27: 33] فِي سِدْرٍ مّخْضُودٍ: والمخضود الذي قد خضد شوكة أي نزع وقطع فلا شوك فيه وهذا قول بن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وقسامة بن زهير وجماعة.
وَطَلْحٍ مّنضُودٍ: فأكثر المفسرين قالوا إنه شجرة الموز.
وَظِلّ مّمْدُودٍ: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة شجرة، يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها، واقرؤا إن شئتم: ﴿وَظِلّ مّمْدُودٍ﴾).
وأشجار الجنة ساقها من ذهب كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب.
ومن أشجار الجنة شجرة طوبى ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها كما في الحديث الآتي: (

(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.
وقال تعالى: (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) [الرحمن: 48] وهو جمع فنن وهو الغصن.
وقال تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ) [الرحمن: 68] (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب موقوفاً) قال: نخل الجنة جذوعها من زمرد خضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم.
(حديث عتبة ابن عبد السلمى رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) قال:» كنت جالساً مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجاء أعرابى فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر فى الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكاً منها ـ يعني الطلح ـ, فقال رسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن الله جعل مكان كل شوكة منها ثمرة (يعني من شجرة الطلح في الجنة) مثل خصية التيس الملبود ـ يعني المخصي ـ, فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون آخر».
(حديث أ َبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ فَذَهَبْتُ أَتَنَاوَلُ مِنْهَا قِطْفًا أُرِيكُمُوهُ فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَثَلُ الْحَبَّةِ مِنَ الْعِنَبِ؟ قَالَ: " كَأَعْظَمِ دَلْوٍ فَرَتْ أُمُّكَ قَطُّ ". الدلو: إناء يُستقى به من البئر ونحوه قط: بمعنى أبدا.
(أخي الحبيب: تصور نفسك وأنت تملك واحدة من تلك الأشجار, كيف ستكون نشوتك وكيف سيكون سرورك وفرحتك, وكيف وهي أشجار كثيرة, عديدة ومتنوعة, فمنها أشجار الرمان ومنها أشجار العنب ومنها أشجار السدر ومنها أشجار الطلح, ولا تظن أخي الحبيب, أن هذه الفاكهة هي نفسها التي نراها في الدنيا, بل إن فواكه الآخرة لا تشبه فواكه الدنيا سوى في الاسم فقط كما صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه.

إنها أشجارها دائمة العطاء وافرة الخضرة 00 ممتدة الظلال00 في كل حال.
قد تشابهت أشكال ثمارها, بيد أن كنهها ومذاقها يختلف.
وهذا من لطائف نضجها وعجائب قدرة الله في إبداعها, قال تعالى (كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هََذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 25] (ومن تلك الأشجار ما إن ظلها ليسير فيه الراكب مائة عام وما يقطعه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة لشجرة، يسير الركب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾.
[الواقعة 30] (ومن تلك الأشجار سدرة المنتهى: قال تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىَ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىَ عِندَهَا جَنّةُ الْمَأْوَىَ) [النجم 13: 15] (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ـ حديث الإسراء ـ:"ثم انطلق بي-أي: جبريل- حتى انتهى إلى سدرة المنتهى ونبقها فلال هجر, وورقها مثل آذان الفيلة, تكاد الورقة تغطي هذه الأمة فغشيها ألوان لا أدري ما هي, ثم أدخلت الجنة, فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك".
(ومن تلك الأشجار ما يخرج منها ثياب أهل الجنة: (حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.
(ومما يزيد أشجار الجنة بهاء وجمالاً, أن سيقانها من الذهب: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب.
الله أكبر.. ما ألذ ثمارها وما أبهى أشجارها فطوبى لمن أحسن غراسها, في الدنيا بذكر الله وتهليله تسبيحه وحمده وتكبيره.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
قيعان: جمع قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر.
غراس جمع غرس وهو: ما يستر الأرض من البذر ونحوه.

(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس الله بكل واحدة منهن شجرة في الجنة.
فاغرس.. أيها الأخ الكريم: بساتين الأشجار بأسهل الأذكار فهي كلمات خفيفة سهلة, وما أكثر الغافلين عنها, المشتغلين بلغو الكلام وربما الهذر الحرام.
مساكين هؤلاء الغافلون شغلهم غراس الدنيا, فاشتغلوا به ونسوا حظهم في الآخرة, ولم يزل يلهيهم طول الأمل وحب الدنيا, حتى باغتهم الموت.
ومع كثرة أشجار الجنة وثمارها, فإن أهل الجنة يرغبون في الزرع وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يوما يحدث، وعنده رجل من أهل البادية: أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء.
فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهذا يدل على أن في الجنة زرعا وذلك البذر منه وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع.

(

ثمار الجنة وتعداد أنواعها وصفاتها:

قال تعالى: (وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رّزْقاً قَالُواْ هََذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 25] وقولهم (هََذَا الّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ): أي شبيهه ونظيره لا عينه.
مسألة: ما معنى قوله تعالى (وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً): (قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله تعالى (وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً):أي خيارٌ كله لا رذل ألم تروا إلى ثمر الدنيا كيف تسترذلون بعضه وأن ذلك ليس فيه رذل، وقال قتادة خيار لا رذل فيه فإن ثمار الدنيا ينقى منها ويرذل منها وكذلك قال ابن جريح وجماعة، وعلى هذا فالمراد بالتشابه التوافق والتماثل.

(وقالت طائفة أخرى منهم أبن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب رسول الله متشابها في اللون والمرأى وليس يشبه الطعم قال مجاهد متشابها لونه مختلفا طعمه.
(قال ابن قتيبة: كل ما في الجنة من الأنهار والسرر والفرش والأكواب مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد كما قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء.
انتهى.
وقال تعالى: (يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ) [الدخان: 55] هذا يدل على أمنهم من انقطاعها ومضرتها.
وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنّةُ الّتِيَ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ) [الزخرف 72: 73] وقال تعالى: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة 32: 33] أي لا تكون في وقت دون وقت ولا تمنع ممن أرادها.
وقال تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِيَةٍ فِي جَنّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) [الحاقة 21: 23] والقطوف جمع قطف وهو ما يقطف والقطف بالفتح الفعل أي ثمارها دانية قريبة ممن يتناولها فيأخذها كيف يشاء قال البراء بن عازب يتناول الثمرة وهو نائم.
وقال تعالى: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً) [الإنسان: 14] قال ابن عباس إذا هَمَّ أن يتناول من ثمارها تدلت له حتى يتناول ما يريده وقال غيره قريب إليهم مذللة كيف شاءوا، فهم يتناولونها قياما وقعودا ومضطجعين فيكون كقوله قطوفها دانية ومعنى تذليل القطف تسهيل تناوله.
وقال تعالى: (فِيهِمَا مِن كُلّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) [الرحمن: 52] وقال تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ) [الرحمن: 68] وخص النخل والرمان من بين الفاكهة بالذكر لفضلهما وشرفهما كما نص على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ إذ هما من أفضل أنواع الفاكهة وأطيبها وأحلاها.
وقال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ) [محمد: 15] قال ابن عباس: ثمر الجنة أمثال القلال والدلاء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيه عجم.

(

في زرع الجنة:

قال تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذّ الأعْيُنُ) [الزخرف: 71]

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يوما يحدث، وعنده رجل من أهل البادية: أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء.
فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهذا يدل على أن في الجنة زرعا وذلك البذر منه وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع.
(أنهار الجنة وعيونها وأصنافها:

(أولاً أنهار الجنة:

لما كانت النفس البشرية تألف المياه والبساتين والأشجار وتسكن إليها فقد زين الله جل وعلا الجنة, وألبسها من بهاء الأشجار وعلوها وبركة الثمار ونموها وجريان الأنهار وسيولها وعذوبة العيون في أركانها, ما تقر به أعين عباد الله الصالحين، وفي الجنة أنهار كثيرة ذات أنواع متعددة، وقد تكرر ذكر الأنهار في القرآن في عدة مواضع كما يلي: (موضع: تجري من تحتها الأنهار: قال تعالى: (وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ) [البقرة: 25] (وفي موضع: تجري تحتها الأنهار: قال تعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100] (وفي موضع: تجري من تحتهم الأنهار: قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ) [الأعراف: 43] وهذا يدل على أمور منها ما يلي: أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية.
الثاني: أنهار جارية لا واقفة.
الثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.

قال تعالى: (مّثَلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ الْمُتّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لّذّةٍ لّلشّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مّنْ عَسَلٍ مّصَفّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطّعَ أَمْعَآءَهُمْ) [محمد: 15] يَصِفُ اللهُ تَعَالى الجَنَّةَ التي وَعَدَ المُتَّقينَ بإدخَالِهم إليها، فَيَقُولُ تَعَالى: إنَّها جَنَّةٌ تَجري فيها أنْهَارٌ مِنْ مِيَاهٍ غَيرِ مَتَغَيِّرةِ الطَعْمِ واللَّوِنِ والرَّائِحَةِ، لطُولِ مُكْثِها وَرُكُودِها، وَفيها أنْهَارٌ مِنْ لَبنٍ لم يَتَغيّرْ طَعْمُهُ وَلَمْ يَفْسُدْ، وَفِيها أنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذِيذَةِ الطَّعْمِ وَالمَذَاقِ لِشَاربيها، لاَ تَغْتَالُ العُقُولَ، وَلا يُنْكِرُهَا الشَّارِبُون، وَفِيها أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ قَدْ صُفِّي مِنَ الشَّمْعِ والفَضَلاتِ.
ولِلْمُتَّقِينَ فِي الجَنَّةِ مِنْ جَميعِ الفَوَاكهِ المُخْتَلِفَةِ الأَنْواعِ والطُّعُومِ وَالمَذَاقِ والرَّائِحَةِ.
وَلَهُمْ فَوْقَ ذلكَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالى، فَهُو يَتَقَّبَلُ مَا قَدَّمُوه مِنْ عَمَلٍ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ هَفَواتِهِمِ التِي اقْتَرَفُوهَا في الدُّنيا.
فَهَلْ يَتَسَاوى هَؤُلاءِ المُتَّقُونَ النَّاعِمُونَ في رِضْوانِ اللهِ، وَجَنَّاتِهِ، مَعَ الأشقِياءِ الذِين أدْخَلَهُمُ اللهُ النَّارَ لِيَبْقَوا فِيها خَالِدِينَ أبَداً، جَزاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِم وتكْذِيبهِمُ رُسُلَ رَبِّهم، وَأعْمَالِهم السَّيِّئَةِ؟ إِنَّهُمْ لاَ يَتَسَاوَوْنَ أبَداً.
وَإذا طَلَبَ هَؤُلاءِ الأشقِيَاءُ، وَهُمْ يُعَذَّبُونَ في نَارِ جَهَنَّمَ، الماءَ لِيُطْفِئُوا ظَمَأهُم فَإنَّهُم يُسْقَوْنَ مَاءً شَدِيدَ الحَرَارةِ إذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعَاءَهُمْ.
وقد ذكر الله تعالى هذه الأجناس الأربعة, ونفى عن كل واحد منها آفاته التي تعرض له في الدنيا.
فآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة, وآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه, وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها, وآفة العسل عدم تصفيته.
وهذا من آيات الله أن تجرى أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بجريانها.

ومجريها في غير أخدود, وينفى عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة, كما ينفي عن خمر الجنة جميع الآفات التي في خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والاٍنزاف وعدم اللذة, وهى رجس من عمل الشيطان: توقع العداوة والبغضاء بين الناس, وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة, وتدعو إلى الزنا والفجور, وتذهب الغيرة, وهي أم الخبائث ومنها يولد كل خبيث وقبيح, فنزَّه الله-عز وجل- خمر الجنة عن كل هذا.
وتأمل اجتماع هذه الأنهار التي هي أفضل أشربة الناس, فهذا لشربهم وطهورهم, وهذا لقوتهم وغذائهم, وهذا للذتهم وسرورهم, وهذا لشفائهم ومنفعتهم.
1 وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة بحر الماء و بحر العسل و بحر اللبن و بحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرَ الْمَاءِ وَبَحْرَ الْعَسَلِ وَبَحْرَ اللَّبَنِ وَبَحْرَ الْخَمْرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ بِالْبَحْرِ مِثْلَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِمَا، وَبِالنَّهْرِ مِثْلَ نَهْرِ مَعْقِلٍ حَيْثُ تُشَقَّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ مِنْهُ تُشَقَّقُ جَدَاوِلُ.
وَقَالَ الْقَارِي: قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْبِحَارِ هِيَ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَنْهَارًا لِجَرَيَانِهَا بِخِلَافِ بِحَارِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهَا أَنَّهَا فِي مَحَلِّ الْقَرَارِ (ثُمَّ تُشَقَّقُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّشْقِيقِ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ.
وقد أخبرنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه في إسرائه أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان, فقلت: يا جبريل, ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة, وأما الظاهران فالنيل والفرات.

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رفعت إلى سدرة المنتهى منتهاها في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر و ورقها مثل آذان الفيلة فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران و نهران باطنان فأما الظاهران: فالنيل و الفرات و أما الباطنان: فنهران في الجنة و أتيت بثلاثة أقداح قدح فيه لبن و قدح فيه عسل و قدح فيه خمر فأخذت الذي فيه اللبن فشربت فقيل لي: أجبت الفطرة أنت و أمتك.
(أخي الحبيب: تأمل في هذه الأنهار وما أودع الله فيها من خيرات لم تجر العادة بمثلها في الدنيا.
وتأمل فيها وهي تجري في الجنة من غير أخدود, تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار, قال تعالى: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [البقرة 25]، وقال سبحانه: ﴿تجري تحتها النهار﴾ [التوبة 100]، وقال سبحانه: ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ [الكهف]،

(

نهر الكوثر:

أما الكوثر فهو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله سبحانه وتعالى لرسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر 1] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أنزلت علي آنفآ سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [الكوثر 1: 3] أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر وعده ليه ربي، عليه خير كثير، هو حوضي ترد غليه أمتي يوم القيامة، آنيته كعدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثوا بعدك.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: لما عرج بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى السماء، قال: (أتيت على نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر).
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج.

(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا الْكَوْثَرُ قَالَ ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ فِيهَا طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ قَالَ عُمَرُ إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَتُهَا أَحْسَنُ مِنْهَا.
مسألة: كيف تتفجر أنهار الجنة؟ أنهار الجنة تتفجر من أعلاها ثم تنحدر نازلة إلى أقصى درجاتها كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، «كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض»، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفجَّر أنهار الجنة.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض إحدى حافتيها اللؤلؤ والأخرى الياقوت وطينه المسك الأذْفَرُ قال قلت ما الأذْفَرُ قال الذي لا خلط له.
(حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في الجنة بحر الماء و بحر العسل و بحر اللبن و بحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرَ الْمَاءِ وَبَحْرَ الْعَسَلِ وَبَحْرَ اللَّبَنِ وَبَحْرَ الْخَمْرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ بِالْبَحْرِ مِثْلَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِمَا، وَبِالنَّهْرِ مِثْلَ نَهْرِ مَعْقِلٍ حَيْثُ تُشَقَّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ مِنْهُ تُشَقَّقُ جَدَاوِلُ.
وَقَالَ الْقَارِي: قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْبِحَارِ هِيَ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَنْهَارًا لِجَرَيَانِهَا بِخِلَافِ بِحَارِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهَا أَنَّهَا فِي مَحَلِّ الْقَرَارِ (ثُمَّ تُشَقَّقُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّشْقِيقِ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أنهار الجنة تخرج من تحت تلال أو من تحت جبال المسك.
(ححديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة.
مسألة: ما معنى سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة؟ الجواب: المعنى أن هذه الأنهار أصلها من الجنة, كما أن أصل معظم الماء-المطر- من السماء, مع أنه يجرى في الأنهار.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

اعلم أن سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون، فأما سيحان وجيحان المذكوران في هذا الحديث اللذان هما من أنهار الجنة في بلاد الأرمن فجيحان نهر المصيصة وسيحان نهر إذنة وهما نهران عظيمان جدا أكبرهما جيحان فهذا هو الصواب في موضعها.
وأما قول الجوهري في صحاحه جيحان نهر بالشام فغلط، أو أنه أراد المجاز من حيث أنه ببلاد الأرمن وهي مجاورة للشام، قال الحازمي: سيحان نهر عند المصيصة قال: وهو غير سيحون.
وقال صاحب نهاية الغريب: سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس، واتفقوا كلهم على أن جيحون بالواو نهر وراء خراسان عند بلخ، واتفقوا على أنه غير جيحان، وكذلك سيحون غير سيحان.
وأما قول القاضي عياض: هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام فالنيل بمصر والفرات بالعراق وسيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون ببلاد خراسان، ففي كلامه إنكار من أوجه: أحدها: قوله الفرات بالعراق وليس بالعراق بل هو فاصل بين الشام والجزيرة.
والثاني: قوله سيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون فجعل الأسماء مترادفة وليس كذلك، بل سيحان غير سيحون وجيحان غير جيحون باتفاق الناس كما سبق.
الثالث: أنه ببلاد خراسان وأما سيحان وجيحان ببلاد الأرمن بقرب الشام والله أعلم.
وأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة ففيه تأويلان ذكرهما القاضي عياض: أحدهما: أن الإيمان عم بلادها أو الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة.
والثاني: وهو الأصح أنها على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة والجنة مخلوقة موجودة اليوم عند أهل السنة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان في حديث الإسراء أن الفرات والنيل يخرجان من الجنة، وفي البخاري من أصل سدرة المنتهى.
﴿تنبيه﴾: (إن في الجنة أنهاراً من أصناف نَعْهدها فى الدنيا ولكنها ليست للإشباع أو الإرْواء أو للتّداوى, فأهل الجنة ليسوا في حاجة للغذاء من أجل النماء والقوّة, ولا يصيبهم العطش, إن الشراب لأهل الجنة للنعيم ثم النعيم، وإن المؤمن في جناته أنهاراً كثيرة منتشرة في أرجاء مملكته المتّسعة, وبكل أنواع الأشربة المعروفة في الدنيا خالية من آفاتها, وأنواع من الأشربة لا نعلمها ولا يمكن إدراكها ولو بالخيال, فبشرنا الله تعالى وشوّقنا إلى ـ أنهار ـ من كل نوع منها, لا نهر واحد, لذلك قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد ذكر الأنواع التي نعرفها: الماء, والعسل, واللبن, والخمر, قال:» ثم تشقّق الأنهار بعد».

ومن أعاجييب أنهار الجنة أن في الجنة نهراً طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأحسن أصوات يسمعها الخلائق كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب موقوفا) قال: إن في الجنة نهراً طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأحسن أصوات يسمعها الخلائق حتى ما يرون أن في الجنة لذة مثلها، قلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء؟ قال إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب عز وجل.
(ومن نفائس الأشربة أيضاً حوْض النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حوضي مسيرة شهر و زواياه سواء و ماؤه أبيض من اللبن و ريحه أطيب من المسك و كيزانه كنجوم السماء من يشرب منه فلا يظمأ أبدا.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في حوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء.
(حديث حارثة بن وهب في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حوضي كما بين المدينة و صنعاء.
(ثانياً

عيون الجنة:

أخبر الله تعالى بوجود العيون في الجنة فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:45] ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ أَهْلِ الجَنِّةِ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّقُوا رَبَّهُمْ، لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَتَنْبُعُ فِي أَرْضِهَا عُيُونُ المَاءِ.
وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) [الذاريات/15 - 19]) وقال تعالى: (عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً) ﴿الإنسان18:﴾ يشربون مِن عينٍ في الجنة تسمى سلسبيلا؛ لسلامة شرابها وسهولة مساغه وطيبه.
وقال: (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً) ﴿الإنسان:6﴾

ويدور عليهم الخدم بأواني الطعام الفضيَّة، وأكواب الشراب من الزجاج، زجاج من فضة، قدَّرها السقاة على مقدار ما يشتهي الشاربون لا تزيد ولا تنقص، ويُسْقَى هؤلاء الأبرار في الجنة كأسًا مملوءة خمرًا مزجت بالزنجبيل، يشربون مِن عينٍ في الجنة تسمى سلسبيلا؛ لسلامة شرابها وسهولة مساغه وطيبه.
وقال الطبري: "وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ قَوْله: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا﴾ صِفَة لِلْعَيْنِ, وُصِفَتْ بِالسَّلَاسَةِ فِي الْحَلْق, وَفِي حَال الْجَرْي, وَانْقِيَادهَا لِأَهْلِ الْجَنَّة يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا, كَمَا قَالَ مُجَاهِد وقَتَادَة، وَإِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ ﴿تُسَمَّى﴾ تُوصَف.
وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِإِجْمَاعِ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ قَوْله: ﴿سَلْسَبِيلَا﴾ صِفَة لَا اِسْم.
(1) ﴿تنبيه﴾: (في الجنة عينان: الأولى عين الكافور: قال تعالى: (إِنّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً) [الإنسان 5: 6] وهذه العين يشرب منها المقربون الماء الخالص.
وأما الأبرار فيشربونه ممزوجاً.
والثانية عين التسنيم: قال تعالى: (إِنّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأرَآئِكِ يَنظُرُونَ على الأرائك ينظرون تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رّحِيقٍ مّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرّبُونَ) [المطففين 22: 28]

(

طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه:

قال تعالى: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمّا يَشْتَهُونَ) [الواقعة: 21] (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذه لطيرٌ ناعمة فقال: أَكَلَتْهَا أنْعَمَ منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها.
(أورد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح عن قتادة عن أيوب رجل من أهل البصرة عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ) [الزخرف: 71]1

قال يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى.
(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا الْكَوْثَرُ قَالَ ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ فِيهَا طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ قَالَ عُمَرُ إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَتُهَا أَحْسَنُ مِنْهَا.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالزَّايِ جَمْعُ جَزُورٍ وَهُوَ الْبَعِيرُ.
(إِنَّ هَذِهِ) أَيِ الطَّيْرَ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (لَنَاعِمَةٌ) أَيْ سِمَانٌ مُتْرَفَةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
(أَكَلَتُهَا) ضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَاللَّامِ وَبِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ جَمْعُ آكِلٍ اسْمُ فَاعِلٍ كَطَلَبَةٍ جَمْعِ طَالِبٍ.
وَالْمَعْنَى مَنْ يَأْكُلُهَا، وَعَلَى الثَّانِي مُؤَنَّثُ أَكْلٍ وَصِيغَةُ الْوَاحِدِ الْمُؤَنَّثِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْجَمَاعَةِ.

فاكهة أهل الجنة:

أما عن الفاكهة في الجنة: فقد وصفها الله تعالى بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25]

يُبَشِّرُ اللهُ تَعَالى الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، أَنَّ لَهُمْ عِنْدَهُ في الآخِرَةِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ في جَنَبَاتِهَا، وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرةٌ مِنَ الدَّنَسِ وَالأَذى وَالآثامِ ومسَاوِئِ الأَخْلاَقِ، كَالََكَيْدِ والمَكْرِ والخَدِيعَةِ.. وَتَأْتِيهِمُ الثِّمَارُ في الجَنَّةِ فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مِنَ الثِّمَارِ التِي عَرَفُوهَا في الدُّنيا (أَوْ أَنَّهَا مِنَ الثِّمَارِ التِي أَتَتْهُمْ قَبْلَ ذلِكَ فِي الجَنَّةِ، وَتَخْتَلفُ عَنْهَا طَعْماً مَعَ أَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي شَكْلِها وَمَنْظَرِهَا).
وَكُلَّمَا رُزِقُوا مِنْها ثَمَرَةً قَالُوا: هذا مَا وُعِدْنا بِهِ في الدُّنيا جَزَاءً عَلَى الإِيمَان وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.
والذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً صَادِقاً، وَعَملُوا عَمَلاً صَالِحاً يَبْقَوْوَ في الجَنَّةِ خَالِدينَ أبداً، لاَ يَمُوتُونَ فِيها وَلا يَحُولُونَ عَنْها.
وقال القرطبي: " ومعنى ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني في الدنيا، وفيه وجهان: أحدهما: أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا.
والثاني: هذا الذي رزقنا في الدنيا، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل: "من قبل" يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل، يعني أطعمنا في أول النهار، لأن لونه يشبه ذلك، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول.
قوله: ﴿وَأُتُوا﴾ فعلوا من أتيت.
وقرأه الجماعة بضم الهمزة والتاء.
وقرأ هارون الأعور "وأتوا" بفتح الهمزة والتاء.
فالضمير في القراءة الأولى لأهل الجنة، وفي الثانية للخدام.
﴿بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ حال من الضمير في "به"، أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم.
قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم.
وقال عكرمة: يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات.
ابن عباس: هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها.
وقال قتادة: خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى: ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر: 23] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لأن فيها خيارا وغير خيار.
1

ووصف فاكهة الجنة أيضاً بأنها كثيرة ودائمة لا تنقطع, ولا ُتُمنع ممن أرادها, فقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)﴾ [الواقعة/32 - 34]. وَيَتَمَتَّعُونَ فِي الجَنَّةِ بِأَلْوانٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الفَاكِهَةِ.
لاَ تَنْقَطِعُ عَنْهُمْ أَبَداً، فَهُمْ يَجِدُونَهَا فِي كُلِّ حِينٍ.
قال ابن كثير: "وقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ.
لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: 25] أي: يشبه الشكلُ الشكلَ، ولكن الطعم غيرُ الطعم.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عتبة بن عبد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال ما حوضك الذي تحدث عنه فذكر الحديث إلى أن قال فقال الأعرابي يا رسول الله فيها فاكهة؟ قال نعم وفيها شجرة تدعى طوبى هي تطابق الفردوس فقال أي شجر أرضنا تشبه قال ليس تشبه شيئا من شجر أرضك ولكن أتيت الشام قال لا يا رسول الله، قال فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها قال فما عظم أهلها قال لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك لما قطعتها حتى تنكسر ترقوتها هرما قال فيها عنب قال نعم قال فما عظم العنقود منها قال مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يقع ولا ينثني ولا يفتر قال فما عظم الحبة منه؟ قال هل ذبح أبوك تيسا من غنمه عظيما فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال ادبغي هذا ثم افري لنا منه ذنوبا يروي ماشيتنا قال نعم قال فإن تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعامة عشيرتك.
(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثُمَّ ذَهَبَ بِى إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلاَلِ "

(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " رَكَبْتُ البُرَاقَ ثُمَّ ذُهِبَ بي إلى سدْرَة المُنتهَى، فَإِذَا وَرَقُها كآذَانِ الفِيلَةِ، وإذَا ثمَرُها كالقلال ; قال: فَلَمَّا غَشِيَها مِنْ أمْرِ الله ما غَشيَها تَغَيَّرتْ، فَمَا أحَدٌ يَسْتَطيعُ أنْ يصِفَها مِنْ حُسْنها، قال: فأَوْحَى اللهُ إليّ ما أوْحَى".
(حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ».
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِى مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ.
قَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إني رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ».
قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «بِكُفْرِهِنَّ».
قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».
كعكعت: تأخرت

ووصف الله تعالى ما يُقطف منها ـ وهي الثمار ـ بأنها دانية قريبة ممن يتناولها, فقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) [الحاقة/19 - 25] وَيُعْطَى النَّاسُ صُحُفَ أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ تَنَاوَلَ صَحِيفَةَ عَمَلِهِ بِيمِيِنِهِ فَيَقُولُ فَرِحاً مَسْرُوراً لِكُلِّ مَنْ يَلْقَاهُ: هَذِهِ هِيَ صَحِيفَةُ أَعْمَالِي، خُذُوهَا فَاقْرَؤُوهَا، لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِيهَا خَيرٌ وَحَسَنَاتٌ، لأَنَّهُ مِمَّنْ بَدَّلَ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
إِنَّنِي كُنْتُ فِي الدُّنْيَا أَعْتَقِدُ يَقِيناً بِأَنَّنِي سَأْحَاسَبُ أَمَامَ اللهِ فِي هَذَا اليَوْمِ، فَعَمِلْتُ خَيْراً قَدْرَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَكُنْتُ أُؤَمِّلُ أَنْ يُحَاسِبَنِي اللهُ عَلَى أَعْمَالِي حِسَاباً يَسِيراً، وَقَدْ صَدَقَ مَا اعْتَقَدْتُ وَمَا تَوَقَّعْتُ، فَكَانَ حِسَابِي يَسِيراً.
فَهُوَ يَعِيشُ عِيشَةً رَاضِيَةً خَالِيَةً مِنَ الهُمُومِ والأَكْدَارِ.
فِي جَنَّةٍ رَفِيعَةِ المَكَانِ والدَّرَجَاتِ، فِيهَا الخُضْرَةُ وَالمِيَاهُ وَالظَّلاَلُ الوَارِفَةُ.
فِيهَا أَشْجَارٌ ثِمَارُهَا دَانِيَةٌ مِمَّنْ يُرِيدُونَ قَطْفَهَا، فَيَأْخُذُونَهَا بِدُونِ عَنَاءٍ.
وَيُقَالُ لَهُمْ: كُلُوا يَا أَيُّهَا الأَبْرَارُ مِنْ ثِمَارِ هَذِهِ الجَنَّةِ هَنِيئاً، وَاشْرَبُوا مِنْ خَمْرِهَا وَمِيَاهِهَا مَريئاً، لاَ تَغَصُّونَ بِهِ، وَلاَ تَتَأَذَّوْنَ، وَذَلِكَ جَزَاءٌ مِنَ اللهِ لَكُمْ، وَثَوَابٌ عَلَى مَا عَمِلْتُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ، وَكَرِيمِ الطَّاعَاتِ الخَالِصَةِ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى.
وقال تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ (14) سورة الإنسان.
وَتَدْنُو أَشْجَارُ الجَنَّةِ بِظِلالِهَا عَلَى هَؤُلاَءِ الأَبْرَارِ السُّعَدَاءِ، وَتُسَخِّرُ قُطُوفَهَا لأَمْرِهِمْ لِيَنَالُوا مِنْهَا مَا شَاؤُوا.

(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب موقوفاً) قال: نخل الجنة جذوعها من زمرد خضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم.
(حديث عتبة ابن عبد السلمى رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) قال:» كنت جالساً مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجاء أعرابى فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر فى الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكاً منها ـ يعني الطلح ـ, فقال رسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن الله جعل مكان كل شوكة منها ثمرة (يعني من شجرة الطلح في الجنة) مثل خصية التيس الملبود ـ يعني المخصي ـ, فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون آخر».
وعن مسروق، قال: نخل الجنة نَضيدٌ من أصْلها إلى فرعها، وثمرها أمثالُ القِلال، كلما نُزعت ثمرة عادتْ مكانها أخرى، وماؤها يَجري في غير أخدود (1).... ﴿تنبيه﴾: (واعلم أن صفة طعام أهل الجنة الدوام وعدم النقصان, قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: 35]

شراب أهل الجنة:

قال تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً) ﴿الإنسان:5 - 6﴾. إِنَّ الكرَامَ البَرَرَةَ الذِينَ أَطَاعُوا اللهَ، يَشْرَبُونَ مِنْ خَمْرٍ كَانَ مَا يُمْزَجُ بِهَا مَاءَ الكَافُورِ.
وَهَذَا المِزَاجُ مِنْ عَيْنٍ يَشْرَبُ بِهَ عِبَادُ اللهِ المُتَّقُونَ، وَهُمْ فِي الجَنَّاتِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاؤُوا، وَيُجْرُونَها حَيْثُ أَرَادُوا مِنْ دُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ.
وقال مقاتل: ليس هو كافور الدنيا, وإنما سمَّى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب.
وقوله (يفجرونها تفجيرا) أي: يشقونها شقاً كما يفجر الرجل النهر هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد, وقال مجاهد: يقودونها حيث شاءوا, وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم 2.1

وقال تعالى: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً) ﴿الإنسان:17 - 18﴾ وَيُسْقَى هُؤَلاَءِ الأَبْرَارُ فِي الجَنَّةِ كَأْساً مِنْ خَمْرِ الجَنَّةِ مُزِجَتْ بِالزَّنْجِبِيلِ (فَهُمْ يُمْزَجُ الشَّرَابُ لَهُمْ مَرَّةً بِالكَافُورِ وَمَرَّةً بِالزَّنْجَبِيلِ فَالكَافُورُ بَارِدٌ وَالزَّنْجَبِيلُ حَارٌّ).
وَيُسْقَونَ فِي الجَنَّةِ مِنْ عَيْنٍ غَايَةٍ فِي السَّلاَسَةِ وَالاسْتِسَاغَةِ.
أي أن أهل الجنة يُسقَوْن كأساً من خمر الجنة ممزوجة بالزنجبيل وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته.
وكلمة (سلسبيل) مأخوذة من السلاسة, والسلسبيل: هو الشراب اللذيذ 1. ونجد مما سبق أن الله تعالى أخبر أن شراب أهل الجنة يمزج بشيئين: الكافور والزنجبيل, فيمزج بالكافور لأنه يمتاز بالبرد وطيب الرائحة, ثم بالزنجبيل لأنه يمتاز بالحرارة وطي وقال تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) ﴿الإنسان:21﴾ ، وَيَسْقِيِهِمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً يُطَهِّرُ بَاطِنَ شَارِبِهِ مِنَ الحَسَدِ، وَالحِقْدِ، وَالغِلِّ، وَرَدِيءِ الأَخْلاَقِ، فوصف الشراب بأنه طهور وليس بنجس كخمر الدنيا.
ب الرائحة, مما يحدث بذلك أكمل اللذة وأطيبها 2. (أورد ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَكَأْسٍ مّن مّعِينٍ) [الواقعة: 18] يقول الخمر، (لاَ فِيهَا غَوْلٌ) [الصافات: 47] يقول ليس فيها صداع وفي قوله تعالى ^ (وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) [الصافات: 47] يقول لا تذهب عقولهم، وقوله تعالى: (وَكَأْساً دِهَاقاً) [النبأ: 34] يقول ممتلئة، وقوله تعالى: (يُسْقَوْنَ مِن رّحِيقٍ مّخْتُومٍ) [المطففين: 25] يقول الخمر ختم بالمسك، وقال علقمة عن أبن مسعود (خِتَامُهُ مِسْكٌ) [المطففين: 26] قال خلطه وليس بخاتم ثم يختم، والمراد والله أعلم أن أخره مسك يخالطه فهو من الخاتمة ليس من الخاتم.
وقال تعالى: (إِنّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً) [الإنسان: 6]

(قال بعض السلف: معهم قضبان الذهب حيثما مالوا مالت معهم وقد اختلف في قوله يشرب بها فقال الكوفيون الباء بمعنى من أي يشرب منها وقال آخرون بل الفعل مضمن ومعنى يشرب بها أي يروى بها فلما ضمنه معناه عداه تعديته وهذا أصح وألطف وأبلغ وقال طائفة الباء للظرفية والعين اسم للمكان كما تقول كنا بمكان كذا وكذا ونظير هذا التضمين قوله تعالى (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) [الحج: 25] ضمن معنى يهم فعدى تعديته.
وقال تعالى: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمّىَ سَلْسَبِيلاً) [الإنسان 17: 18] فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون أن شراب الأبرار يمزج منها لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله فأخلص شرابهم وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم ونظير هذا قوله تعالى: (إِنّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأرَآئِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رّحِيقٍ مّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرّبُونَ) [المطففين 22: 28] فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن في الكافور من البرد وطيب الرائحة وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرائحة ما يحدث لهم باجتماع الشرابين ومجيء أحدهما على أثر الآخر حالة أخرى أكمل وأطيب وألذ من كل منهما بانفراده ويعدل كيفية كل منهما بكيفية الآخر وما ألطف موقع ذكر الكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن شرابهم مزج أولا بالكافور وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعد له والظاهر أن الكأس الثانية غير الأولى وأنهما نوعان لذيذان من الشراب أحدهما مزج بكافور والثاني مزج بزنجبيل وأيضا فإنه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرده في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف والإيثار والصبر والوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعفها وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء بأعلاها وهو ما أوجبه الله عليهم ولهذا قال تعالى: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّةً وَحَرِيراً) [الإنسان: 12]

فإن في الصبر من الخشونة وحبس النفس عن شهواتها ما اقتضى أن يكون في جزائهم من سعة الجنة ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونة وجمع لهم بين النضرة والسرور وهذا جمال ظواهرهم وهذا حال بواطنهم كما جملوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع الإسلام وبواطنهم بحقائق الإيمان ونظيره قوله في آخر السورة: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلّوَاْ أَسَاوِرَ مِن فِضّةٍ) [الإنسان: 21] فهذه زينة الظاهر ثم قال تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) [الإنسان: 21] فهذه زينة الباطن المطهر لهم من كل أذى ونقص ونظيره قوله تعالى لأبيهم آدم عليه السلام: (إِنّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىَ وَأَنّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىَ) [طه 118: 119] فضمن له أن لا يصيبه ذل الباطن بالجوع ولا ذل الظاهر بالعري وأن لا يناله حر الباطن بالظمأ ولا حر الظاهر بالضحى ونظير هذا ما عدده على عباده من نعمة أنه أنزل عليهم لباسا يواري سوآتهم ويزين ظواهرهم ولباسا آخر يزين بواطنهم وقلوبهم وهو لباس التقوى وأخبر أنه خير اللباسين وقريب من هذا إخباره أنه زين السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد فزين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحراسة وقريب منه أمره من أراد الحج بالزاد الظاهر ثم أخبر أن خير الزادِ الزادُ الباطن وهو التقوى وقريب منه قول امرأة العزيز عن يوسف قال تعالى: (فَذَلِكُنّ الّذِي لُمْتُنّنِي فِيهِ) [يوسف: 32] فأرتهن حسنه وجماله ثم قالت (وَلَقَدْ رَاوَدتّهُ عَن نّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ) [يوسف: 32] فأخبرتهن بجمال باطنه وزينته بالعفة وهذا كثير في القرآن لمتأمله.
قال تعالى: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمّىَ سَلْسَبِيلاً) [الإنسان 17: 18] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ]﴾ محمد: 15 [ (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح:

ذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة, ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له فى الدنيا, وقال: وهذا من آيات الله تعالى: أن تجرى أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها وبجريانها في غير أخدود, وينفى عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها, قال: وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس, فهذا لشربهم وطهورهم, وهذا لقوّتهم وغذائهم, وهذا للذّاتهم وسرورهم, وهذا لشفائهم ومتعتهم.
وفصل الخطاب أن هذه النصوص قد تضمنت أن لهم فيها الخبز واللحم والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر.
(قال ابن قتيبة: كل ما في الجنة من الأنهار والسرر والفرش والأكواب مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد كما قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء.
انتهى.
﴿تنبيه﴾: (إن أهل الجنة لا يجوعون ولا يشبعون, يجد اللذة في أكلهم, من أولها إلى آخرها, بلا تعب ولا معالجة, يستمتع بكل جسده لا بطرف لسانه مثل الدنيا, ثم لا بوْل ولا غائط, إنما هو متاع آخر, ريح المسك الأذفر, وبالطبع ليس من مسك الدنيا, فما بالك بالأشربة؟! قال تعالى: (إِنّ الْمُتّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [المرسلات 41: 43] وقال تعالى: (فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنّي ظَنَنتُ أَنّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِيَةٍ فِي جَنّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة 19: 24] وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنّةُ الّتِيَ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ) [الزخرف 72: 73] وقال تعالى: (مّثَلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ الْمُتّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلّهَا تِلْكَ) [الرعد: 35] وقال تعالى: (وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مّمّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ) [الطور 22: 23]

وقال تعالى: (يُسْقَوْنَ مِن رّحِيقٍ مّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين 25: 26] (حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يأَكُلُ أَهْلُ الْجَنّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ.
وَلاَ يَتَغَوّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَبُولُونَ.
وَلَكِنْ طَعَامُهُمْ ذَاكَ جُشَاءٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ.
يُلْهَمُونَ التّسْبِيحَ والتكبير كَمَا يُلْهَمُونَ النّفَسَ".
الجشاء: تنفس المعدة من الامتلاء.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يأَكُلُ أَهْلُ الْجَنّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ " مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون يتنعمون بذلك وبغيره من ملاذ وأنواع نعيمها تنعما دائما لا آخر له ولا انقطاع أبدا، وإن تنعمهم بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا يشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية وأصل الهيئة، وإلا في أنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبصقون، وقد دلت دلائل القرآن والسنة في هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له أبدا.
(حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل و الشرب و الشهوة و الجماع حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر.

(

آنية أهل الجنة التي يأكلون فيها ويشربون:

ذكر الله تعالى الآنية التي يأكلون فيها ويشربون في قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (71) سورة الزخرف وَبَعْدَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا فِي الجَنَّةِ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِأَوَانٍ مِنْ ذَهَب عَلَيْهَا أَنْوَاعُ الطَّعَامِ، وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِأَكْوَابٍ لِلشَّرَابِ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الأَوَانِي والأَكْوَابِ مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ، وَتَتَلَذُّذُ بِهِ الأَعْيُنُ، فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْعَمُونَ وَيَتَلَذَّذُونَ، وَيُقَالُ لَهُمْ إِكْمَالاً لِسُرُورِهِمْ: إِنَّهُمْ بَاقُونَ فِي هَذَا النَّعِيمِ فِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ أَبَداً.

وقوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) [الإنسان/15، 16]) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ خَدَمُ الجَنَّةِ بِأَوَانِي الطَّعَامِ، وَهِيَ مِنْ فِضَّةٍ خَالِصَةٍ، وَبِأَكْوَابِ الشَّرَابِ، وَهِيَ أَيْضاً مِنْ فِضَّةٍ، وَقَدْ جُعِلَتْ هَذِهِ الأَكْوَابُ جَامِعَةً بَيَاضَ الفِضَّةِ، وَصَفَاءَ الزُّجَاجِ وَشَفَافِيَّتَهُ.
وَهذِهِ القَوَارِيرُ يَحْمِلُهَا إِلَيهِم السُّعَاةُ وَقَدْ قَدَّرُوا مَا صَبُّوهُ فِيهَا عَلَى قَدَرِ كِفَايَةِ الشَّارِبِينَ وَرَيهِّمْ، لاَ تَزِيدُ وَلاَ تَنْقُصُ.
والأكواب: هي الأباريق التي ليس لها خراطيم, وقيل: التي ليس لها آذان.
وإبريق: افعيل من البريق, وهو الصفاء, وأباريق الجنة من فضة صافية صفاء القوارير, يرى ما في باطنها من ظاهرها, والقوارير: الزجاج, شبه صفاءها بصفاء الزجاج- وهى ليست من الزجاج بل من فضة, لذا قال تعالى (قوارير من فضة) حتى لا يتوهم أحدٌ أنها من الزجاج.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث حُذيفة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الحرير و الديباج و الشرب في آنية الذهب و الفضة وقال: هي لهم في الدنيا وهي لهم في الآخرة.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه حادي الأرواح: قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ) [الزخرف: 71] فالصحاف جمع صحفة قال الكلبي بقصاع من ذهب وقال الليث الصحفة قصعة مسلطحة عريضة الجمع صحاف قال الأعشى والمكاكيك والصحاف من الفضة والضامرات تحت الرجال.
وأما الأكواب فجمع كوب قال الفراء الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له.
وقال أبو عبيد الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها قال أبو إسحاق وإحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له، وقال ابن عباس هي الأباريق التي ليست لها آذان.

وقال تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مّخَلّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مّن مّعِينٍ) [الواقعة 17: 18] الأباريق هي الأكواب التي لها خراطيم فإن لم يكن لها خراطيم ولا عرى فهي أكواب وإبريق إفعيل من البريق وهو الصفاء فهو الذي يبرق لونه من صفائه ثم سمي كل ما كان على شكله إبريقا وإن لم يكن صافيا وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها والعرب تسمي السيف إبريقا لبريق لونه.
قال تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مّن فِضّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَاْ مِن فِضّةٍ قَدّرُوهَا تَقْدِيراً) [الإنسان 15: 16] فالقوارير هي الزجاج فأخبر سبحانه وتعالى عن مادة تلك الآنية أنها من الفضة وأنها بصفاء الزجاج وشفافيته وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها وقطع سبحانه توهم كون تلك القوارير من زجاج فقال قوارير من فضة قال مجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي والشعبي قوارير الجنة من الفضة فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير.
وأما الكأس فقال أبو عبيدة هو الإناء بما فيه وقال أبو إسحاق الكأس الإناء إذا كان فيه خمر ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه.
انتهى.

(

لباس أهل الجنة وحليهم:

قال تعالى: (إِنّ الْمُتّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مّتَقَابِلِينَ) [الدخان 51: 53] وقال تعالى: (إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ إِنّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُوْلََئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مّتّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَآئِكِ) [الكهف: 31] قال جماعة من المفسرين السندس مَا رَقَ من الديباج والإستبرق ما غلظ منه وقالت طائفة ليس المراد به الغليظ ولكن المراد بن الصفيق وقال الزجاج هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان والأخضر وألين اللباس الحرير فجمع لهم بين حسن منظر اللباس والتذاذ العين به وبين نعومته والتذاذ الجسم به.
وقال تعالى: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [الحج: 23] قال تعالى: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّةً وَحَرِيراً) [الإنسان: 12] وقال تعالى: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) [الإنسان: 21]

جارٍ التحميل