فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 294-333

كتاب الزهد

صفحات 294-333
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

فقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبوبكر وعمر وحث على الا قتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة (1).

(6) ورع أبي بكرٍ الصديق - رضي الله عنه -:

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري)، قالت: كان لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهُ، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ.
وكان أبو بكر يخارجه: يعني يدعه يشتغل ويضرب عليه خراجاً معيناً، يقول: أئتِ لي كل يوم بكذا وكذا، وما زاد فهو لك.
وهذه المخارجة جائزة بالنسبة للعبيد، إذا كان الإنسان عنده عبيد وقال لهم: اذهبوا اشتغلوا وأتوني كل يوم بكذا وكذا من الدراهم وما زاد فهو لكم؛ فإن هذا جائز؛ لأن العبيد ملك للسيد، فما حصَّلوه فهو له سواء خارجهم على ذلك أم لم يخارجهم.
لكن فائدة المخارجة أن العبد إذا حصَّل ما اتفق عليه مع سيده فإن له أن يبقى من غير عمل، أن يبقى في طلب العلم، أن يبقى مستريحاً في بيته أو أن يشتغل ويأخذ ما زاد.
أما بالنسبة للعمال الذين يجلبهم الإنسان إلى البلاد ويقول: اذهبوا وعليكم كل شهر كذا وكذا من الدراهم، فإن هذا حرامٌ وظلم ومخالف لنظام الدولة، والعقد على هذا الوجه باطل، فليس لصاحب العمل شيء مما فرضه على هؤلاء العمال؛ لأن العامل ربما يكدح ويتعب ولا يحصل ما فرضه عليه كفيله، وربما لا يحصل شيئاً أبداً، فكان في هذا ظلم.
أما العبيد فهم عبيد الإنسان، مالهم وما في أيديهم فهو له.
هذا الغلام لأبي بكر، كان أبو بكر قد خارجه على شيء معين يأتي به إليه كل يوم، وفي يوم من الأيام قدّم هذا الغلام طعاماً لأبي بكر فأكله فقال: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ قال: هذا عوض عن أجرة كهانة تكهنت بها في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، لكنى خدعت الرجل فلقيني فأعطاني إياها.
وعوض الكهانة حرام، سواء كان الكاهن يحسن صنعة الكهانة أو لا يحسن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ((حُلوان الكاهن)) كما في الحديث الآتي:1

(حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن) أي ما يأخذه على كهانته عن إخباره عن الكائنة المستقبلة بزعمه وهو بضم الحاء وسكون اللام من حلوت الرجل حبوته بشيء أعطيته إياه أو من الحلاوة شبه ما يعطى الكاهن بشيء حلو لأخذه إياه سهلاً بلا كلفة يقال حلوته أطعمته الحلو والنهي يشمل الآخذ والمعطي وفي الأحكام السلطانية ينهى المحتسب من يتكسب بالكهانة واللهو ويؤدَّب عليه الآخذ والمعطي.
فلما قال لأبي بكر هذه المقالة، أدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كلّ ما أكل، كل ما أكل قاءه وأخرجه من بطنه لماذا؟ لئلا يتغذى بطنه بحرام.
وهذا مال حرام؛ لأنه عوض عن حرام، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)).
فالأجرة على فعل الحرام حرام، ومن ذلك تأجير بعض الناس دكاكينهم على الحلاقين الذين يحلقون اللحى، فإن هذه الأجرة حرام ولا تحل لصاحب الدكان؛ لأنه استؤجر منه لعمل محرم.
ومن ذلك أيضاً تأجير البنوك في المحلات، فإن تأجير البنوك حرام؛ لأن البنك معاملته كلها أو غالبها حرام، وإذا وجد فيه معاملة حلال؛ فهي خلاف الأصل الذي من أجله أنشأ هذا البنك، الأصل في إنشاء البنوك أنها للربا، فإذا أجرَّ الإنسان بيته أو دكانه للبنك فتعامل فيه بالربا فإن الأجرة حرامٌ ولا تحل لصاحب البيت أو صاحب الدكان.
وكذلك من أجَّر شخصاً يبيع المجلات الخليعة أو المفسدة في الأفكار الرديئة ومصادمة الشرع؛ فإنه لا يجوز تأجير المجلات لمن يبيع هذه المحلات؛ لأن الله تعالى قال (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2)، وتأجير المحلات لهؤلاء معونة لهم، وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)).
وفي هذا الحديث دليلٌ على شدة ورع أبي بكر رضي الله عنه، فهو جدير بهذا؛ لأنه الخليفة الأول على هذه الأمة بعد نبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة إن أبا بكر رضي الله عنه أفضل هذه الأمة؛ لأنه الخليفة الأول.

لقد ضرب أبي بكر - رضي الله عنه - أروع المثل في تحرى الحلال في مطعمه ومشربه، ويتجنب الشبهات، وهذه الخصلة تدل على بلوغه درجات عُليا في التقوى، ولا يَخفَى أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين، وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء 1، كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (إنّ الله طَيّبٌ ولاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيّباً، وَإِنّ الله أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، قال تعالى: (يَا أَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إني بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقالَ تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) ثم َذَكَرَ الرّجُلَ يُطِيلُ السّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدّ يَدَيه إلَى السّمَاءِ يارب يارب وَمَطْعَمُهُ حَرَامُ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَانّى يُسْتَجَابُ له.
ورع أبي بكر في مال المسلمين: رد أبي بكر الصديق رضي الله عنه المال قصة ردِّه رضي الله عنه وظيفته من بيت المال أخرج البيهقي عن الحسن أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ أكيسَ الكَيْس التقوى ـ فذكر الحديث، وفيه: فلما أصبح غدا إِلى السوق فقال له عمر رضي الله عنه: أين تريد؟ قال: السوق، قال: قد جاءك ما يشغلك عن السوق، قال: سبحان الله، يشغلني عن عيالي قال: نفرض بالمعروف؛ قال: ويحَ عمر إِني أخاف أن لا يسعني أن آكل من هذا المال شيئاً.
قال: فأنفقَ في سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف درهم، فلما حضره الموت قال: قد كنت قلت لعمر: إني أخاف أن لا يسعَني أن آكل من هذا المال شيئاً، فغلبني؛ فإذا أنا متُّ فخذوا من مالي ثمانية آلاف درهم وردوها في بيت المال قال: فلما أُتي بها عمر قال: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده تعباً شديداً.
ما وقع بينه وبين أم المؤمنين عائشة في هذا الأمر: وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: جاءت عائشة رضي الله عنها إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو يعالج ما يعالج الميت ونَفَسُه في صدره، فتمثَّلَتْ هذا البيت:

لعمرُك ما يغني الثراءُ عنِ الفتى إذا حَشْرجَتْ يوماً وضاق بها الصدر، فنظر إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذاك يا أم المؤمنين ولكن ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: 19)، إنِّي قد كنت نحلتك حائطاً، وإِن في نفسي منه شيئاً، فردِّيه إلى الميراث.
قالت: نعم، فرددته؛ فقال: أما إنَّا منذ وُلِّينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنَّا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فَيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجَرْد هذه القطيفة؛ فإذا متُّ فابعثي بهنَّ إِلى عمر وابرئي منهن، ففعلت.
فلما جاء الرسول عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله، أبا بكر، لقد أتعب من بعده رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده يا غلام إرفعهنَّ.
فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: سبحان الله، تسلُب عيال أبي بكر عبداً حبشياً وبعيراً ناضحاً وجَرْدَ قطيفة ثمنَ خمسة الدراهم؟ قال: فما تأمر؟ قال: تردهنَّ على عياله، فقال: لا والذي بعث محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق ـ أو كما حلف ـ لا يكون هذا في ولايتي أبداً، ولا خرج أبو بكر منهنَّ عند الموت وأردهن (أنا) على عياله الموت أقرب من ذلك.

(7) تفقده لأحوال الناس ومحتاجيهم:

أخرج الخطيب عن أبي صالح الغِفاري أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في حواشي المدينة من الليل، فيستسقي لها ويقوم بأمرها، وكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت.
فجاءها غير مرّة فلا يُسبق إليها، فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ الذي يأتيها وهو خليفة.
فقال لعمر: أنت لعمري كذا في منتخب الكنز.

(8) وكان أبو بكر ممن يُفتي على عهد النبي

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ولذا بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أميراً على الحج في الحجّة التي قبل حجة الوداع (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة، في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليا، فأمره أن يؤذن بـ "براءة".
قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

(9) إنفاق أبي بكر رضي الله عنه ماله كله عند الهجرة:

أخرج ابن إسحاق عن أسماء رضي الله عنها قالت: لمَّا خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه إحتمل أبو بكر مالَه كله معه ـ خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم ـ، فانطلق بها معه.
قالت: فدخل علينا جدِّي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأُراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
قالت: قلت: كلا يا أبت، إِنه قد ترك لنا خيراً كثيراً.
قالت: وأخذت أحجاراً فوضعتها في كوّة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال.
قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحْسَن، وفي هذا بَلاغٌ لكم؛ ولا ـ والله ـ ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أُسَكِّن الشيخ بذلك، كذا في البداية.
وأخرجه أحمد والطبراني بنحوه.
قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع.
انتهى.

(10) وأنفق ماله كله لما حث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النفقة:

علم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وقد ضرب أبو بكر أروع المثل في ذلك يوم أنفق ماله كله.
(حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) قال: أمرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال [لي] رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" ما أبقيت لأهلك؟ "" فقلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر [رضي الله عنه] بكل ما عنده، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" ما أبقيت لأهلك؟ "" قال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسابقك إلى شىء أبدا.
قال صاحب تحفة الأحوذي: قَوْلُهُ: (أَنْ نَتَصَدَّقَ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ (وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا) أَيْ: صَادَفَ أَمْرُهُ بالتَّصَدُّقِ حُصُولَ مَالٍ عِنْدِي، فَعِنْدِي حَالٌ مِنْ مَالٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِمَّا قَبْلَهُ يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّهُ كَانَ لِي مَالٌ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ من مناقبه) أَيْ: بِالْمُبَارَزَةِ، أَوْ بِالْمُبَالَغَةِ

(إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا) أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ وَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَوَابِهَا مَا قَبْلَهَا، أَوِ التَّقْدِيرُ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَهَذَا يَوْمُهُ، وَقِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ: مَا سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (قُلْتُ مِثْلَهُ) أَيْ: أَبْقَيْتُ مِثْلَهُ يَعْنِي نِصْفَ مَالِهِ (بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ (اللَّهَ وَرَسُولَهُ) مَفْعُولُ: أَبْقَيْتُ أَيْ: رِضَاهُمَا (لا أسابقك إلى شىء أبدا) أَيْ: مِنَ الْفَضَائِلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُغَالَبَتِهِ حِينَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَقِلَّةِ مَالِ أَبِي بَكْرٍ فَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْبِقَهُ.
أهـ كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحاً ولكن حال الصديق - رضي الله عنه - أفضل منه لأنه خال من المنافسة مطلقاً ولا ينظر إلى غيره (1).

(11) ومن مناقبه أنه أحب الناس إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة).
فقلت: من الرجال؟ فقال: (أبوها).
قلت: ثم من؟ قال: (عمر بن الخطاب).
فعد رجالا.

(12) ومن مناقبه رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتخذه أخاً له:

(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: خطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله).
فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر.

(13) ومن مناقبه رضي الله عنه أن الله زكّاه:

1 أنزل الله تعالى في شأن الصديق قرآناً يتلى الى يوم القيامة قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى - وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى - إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى - وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى - فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى -﴾ (1) (سورة الليل، الآيات: 5 - 21). لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقاً لماله فيما يرضي الله ورسوله.
وهو من السابقين الأولين بل هو أول السابقين: قال تعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100] قد زكّاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر: يا رسول اللّه إن أحد شِقَي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال له: إنك لست تصنع ذلك خُيلاء.

(14) ومن مناقبه رضي الله عنه أنه يُدعى من أبواب الجنة كلها:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟.
قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم.

(15) ومن مناقبه أنه جمع خصال الخير في يوم واحد:

1 (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أصبح منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة.

(16) ومن مناقبه رضي الله عنه أن وصفه رجل المشركين بمثل ما وصفت خديجة رضي الله عنها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قالت: لما ابتلي المسلمون في مكة واشتد البلاء خرج أبو بكر مهاجراً قِبل الحبشة حتى إذا بلغ بَرْك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارَة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك، فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج، أتُخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟! فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك فَسَلْهُ أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله.
رواه البخاري.

(17) وجمع بيت أبي بكر وآل أبي بكر من الفضائل الجمة الشيء الكثير الذي لم يجمعه بيت في الإسلام.

فقد كان بيت أبي بكر رضي الله عنه في خدمة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما في الاستعداد للهجرة، وما فعله عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء في نقل الطعام والأخبار لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبه في الغار

وعائشة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي بنت أبي بكر رضي الله عنه وعنها قال ابن الجوزي رحمه الله: أربعة تناسلوا رأوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أبو قحافة وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن وابنه محمد

(18) غضبه إذا انتهكت حرمات الله تعالى:

موقفه من فنحاص الحبر اليهودي: ذكر غير واحد من كتّاب السيّر والمفسرين أن أبا بكر - رضي الله عنه - دخل بيت المدارس 1، على يهود، فوجد منهم ناساً قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له أشيع 2، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك! اتق الله وأسلم، فوالله إنك تعلم أن محمداً لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنياً ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا فغضب أبوبكر، فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك، أي عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.
فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص رداً عليه، وتصديقاً لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (سورة آل عمران، الآية: 181).

ونزل في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وما بلغه في ذلك من الغضب (1) قوله تعالى ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (سورة آل عمران، الآية:186).

(19) حفظ سر النبي

  • صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) يحدث: أن عمر بن الخطاب، حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله، فتوفي بالمدينة، فقال عمر ابن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي، إلا أني كنت علمت أن رسول الله قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله، ولو تركها رسول الله قبلتها.

(20) الصديق وآية صلاة الجمعة:

(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: بينما نحن نصلي مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ أقبلت عير تحمل طعاما، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾.
(سورة الجمعة، الآية 11) أهـ وقال: في الإثنىعشر الذين ثبتوا مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبوبكر وعمر (2).

(21) رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينفي الخيلاء عن أبي بكر:

12 (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر: يا رسول اللّه إن أحد شِقَي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال له: إنك لست تصنع ذلك خُيلاء.

(22) أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:

(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك في يوم عيد؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا.
ففي الحديث بيان: أن هذا لم يكن من عادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقر الجواري عليه معللاً ذلك بأنه يوم عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد، كما جاء في الحديث: لتعلم يهود أن في ديننا فسحة.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لتعلم يهود أن في ديننا فسحة, إني أرسلت بحنيفية سمحة " وكان لعائشة لُعَب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها، وليس في حديث الجاريتين أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع 1. ومن هذا نفهم أنه يرخص لمن يصلح له اللعب أن يلعب في الأعياد، كالجاريتين الصغيرتين من الأنصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة 2. ومن مظاهر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أيضاً الحديث الآتي: (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن فاطمة عليها السلام، ابنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن يقسم لها ميراثها، ما ترك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما أفاء الله عليه، فقال أبو بكر: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة).فغضبت فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت.

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قالت: إن أزواج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حين توفى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - إلى أبي بكر، يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا نورث ماتركنا صدقة.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة.
وهذا ما فعله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - مع فاطمة رضي الله عنها امتثالا لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذلك قال الصديق: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله يعمل به إلا عملت به 1، وقال: والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصنعه فيه إلا صنعته 2. وقد تركت فاطمة رضي الله عنها منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها وفيه دليل على قبولها الحق واذعانها لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قال ابن قتيبة 3، وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنهما في ميراث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فليس بمنكر، لأنها لم تعلم ما قاله رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم فلما أخبرها بقوله كفت 4. وقال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهم 5.

وقال حماد بن إسحاق: والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً إنما هو الميراث حتى أخبرهم أبو بكر والأكابر من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: (لانورث ماتركنا صدقة) فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق ولو لم يقل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك كان لأبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة رضي الله عنهما فآثروا أمر الله وأمر رسوله، ومنعوا عائشة وحفصة، ومن سواهما ذلك، ولو كان رسول، يورث، لكان لأبي بكر وعمر أعظم الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1. وأما ما ذكره من الرواة في كون فاطمة رضي الله عنها غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت فبعيد جداً لعدة أدلة منها: أ-مارواه البيهقي من طريق الشعبي: أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له قال: نعم فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت 2، وبهذا يزول الإشكال الوارد في تمادي فاطمة رضي الله عنها لهجر أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، كيف وهو القائل: والله لقرابة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أحب إليّ أن أصل من قرابتي 3، ومافعل - رضي الله عنه - إلا امتثالاً وإتباعاً لأمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 4. ب-لقد انشغلت عن كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزري بكل المصائب، كما أنها انشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشؤون، فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين المشغول -لكل لحظة من لحظاته- بشؤون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها، فقد أخبرها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأنها أول من يلحق به من أهله -ومن كان في مثل علمها لايخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العيني: ولم يرو أحد، أنهما ألتقيا وامتنعا عن التسليم، وإنما لازمت بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران 5.

هذا ومن الثابت تاريخياً أن أبابكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فيء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث، عملاً بما سمعه من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد روي عن محمد بن علي بن الحسين المشهور بمحمد الباقر، وعن زيد بن علي أنهما قالا: إنه لم يكن من أبي بكر -فيما يختص بآبائهم- شيء من الجور أو الشطط، أو مايشكونه من الحيف أو الظلم (1). ولما توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بستة أشهر على الأشهر، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقاً به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة (2)، وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة، عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء، فحضرها أبوبكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فلما وُضِعت ليُصلى عليها، قال علي: تقدم ياأبابكر، قال أبوبكر: وأنت شاهد ياأبا الحسن؟ قال: نعم تقدم، فوالله لا يصلي عليها غيرك؛ فصلى عليها أبوبكر ودفنت ليلاً، وجاء في رواية: صلى أبوبكر الصديق على فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكبر عليها أربعاً (3) وفي رواية مسلم صلى عليها علي بن أبي طالب (4). هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأعضاء أهل البيت، صلة ودية تقديرية تليق به وبهم، وقد كانت هذه المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي، فقد سمَّى علي أحد أولاده بأبي بكر (5)، وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمداً بعد وفاة الصديق وكفله بالرعاية ورشحه للولاية في خلافته حتى حسب عليه، وانطلقت الألسنة بانتقاده من أجله (6).

(23) إكرامه للضيوف:

123456 (حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين): رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله قالت له امرأته ما حبسك عن أضيافك أو قالت ضيفك قال أو ما عشيتهم قالت أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليهم فغلبوهم قال فذهبت أنا فاختبأت وقال يا غنثر (1) - فجدع وسب وقال كلوا لا هنيئا وقال والله لا أطعمه أبدا قال فأيم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها قال حتى شبعنا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر قال لامرأته يا أخت بني فراس ما هذا قالت لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار قال فأكل منها أبو بكر وقال إنما كان ذلك من الشيطان يعني يمينه ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصبحت عنده قال وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى الأجل فعرفنا اثنا عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل إلا أنه بعث معهم فأكلوا منها أجمعون (2).

(24) ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر:

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قالت: خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش- انقطع عقد لي فأقام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على التماسه، وأقام الناس معه، وليس على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبابكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واضع رأسه على فَخِذِي قد نام فقال: حِبَستٍ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قلت: فعاتبين وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فخذي فنام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم: ﴿.... فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (سورة النساء، الآية43) فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.12

وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله، وحساسيته الشديدة على أن يضايقه شيئاً ولا يقبل ذلك ولو كان من أقرب الناس وأحبهم الى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كعائشة رضي الله عنهم، فقد كان - رضي الله عنه - قدوة للدعاة في الأدب الجم مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع نفسه ومع المسلمين (1).

(25) انتصار النبي للصديق رضي الله عنه:

لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته، (حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كنت جالساً مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ أقبل ابوبكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أما صاحبكم فقد غامر) (2)، فسلم، وقال: يارسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إلي ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبي علي، فأقبلت إليك.
فقال: يغفر الله لك ياأبابكر ثلاثاً.
ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبوبكر؟ قالوا: لا.
فأتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتمعر (3)، حتى أشفق أبوبكر (4) فجثى على ركبتيه فقال يارسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين (5)، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبوبكر: صدق، وواساني بنفسه وماله (6)، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين.
فما أوذي بعدها.
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها؛ الطبيعة البشرية للصحابة وما يحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، تواد الصحابة فيما بينهم، مكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم أصحابه....... الخ.

(26) قل: غفر الله لك يا أبا بكر:

123456 (حديث ربيعة الأسلمي رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: كنت أخدم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -... وذكر حديثاً ثم قال: إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاني بعد ذلك أرضا وأعطى أبوكر أرضاً وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدِّي، وقال أبوكر، هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال أبو بكر كلمة كرهها وندم فقال لي: يا ربيعة رد عليها مثلها حتى تكون قصاصاً، قال: قلت: لا أفعل، فقال أبو بكر: لتقولن أو لاستعدين عليك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقلت: ما أنا بفاعل، قال: ورفض الأرض 1، وأنطلق أبو بكر - رضي الله عنه - إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو قد قال لك ما قال، قلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني أثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة، قال: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، قال: فانطلق أبو بكر - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتبعته وحدي حتى أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليّ رأسه فقال: يا ربيعة ما لك وللصديق؟ قلت: يا رسول الله كان كذا كان كذا، قال لي كلمة كرهها فقال: قل لي كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر.
قال الحسن (البصري): فولىَّ أبو بكر - رضي الله عنه - وهو يبكي.
﴿تنبيه﴾: لله درُّ أبي بكر ٍ الصديق رضي الله تعالى عنه: أي وجدان هذا الوجدان، وأي نفس تلك النفس، بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترض إلا اقتصاصه منها، وصفحه عنها، تناهيا بالفضيلة، واستمساكاً بالأدب وشعوراً تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلوب، فكانت عنده زلة اللسان ولو صغيرة ألما يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالقصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه).

كانت كلمة هينة، ولكنها أصابت من ربيعة مَوجعاً.. فإذا أبو بكر يُزَلزلُ من أجلها، ويأبى إلا القصاص عليها، مع أنه يومئذ كان الرجل الثاني في الإسلام بعد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي كلمة لا يمكن أن تكون من فُحش القول أبداً: لأن أخلاقه لم تسمع بهذا، ولم يؤثر عنه حتى في الجاهلية شيء من هذا (1). لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة، ولهذا اشتكى لرسول الله، وهذا أمر عجيب فإن أبا بكر قد نسى أرضه ونسى قضية الخلاف، وشغل باله أمر تلك الكلمة لأن حقوق العباد لابد فيها من عفو صاحب الحق (2)، وفي هذا درس للشيوخ والعلماء والحكام والدعاة في كيفية معالجة الأخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها بالأرجل.
وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو الذي قال ما قال، ولم يعلموا ما علمه أبو بكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات، وإزالة ما قد يعلق في القلوب من الوجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه الحساب يوم القيامة.
وبالرغم مما ظهر من رضي ربيعة وتوجيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الى عدم الرد على أبي بكر فإن أبا بكر قد بكى من خشية الله تعالى، وهذا دليل على قوة إيمانه، ورسوخ يقينه.
وأخيراً موقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه -، حيث قام بإجلال أبي بكر - رضي الله عنه -، وأبى أن يرد عليه بالمثل، وهذا من تقدير أهل الفضل والتقدم والمعرفة بحقهم، وهو دليل على قوة الدين ورجاحة العقل (3).

(27) مسابقته في الخيرات:

اتصف الصديق - رضي الله عنه - بالأخلاق الحميدة، والصفات الرفيعة ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة، وفي مكارم الأخلاق أسوة، وكان حريصاً أشد الحرص على الخيرات، فقد أيقن أن ما يمكن أن يقوم به المرء اليوم، قد يكون غير ممكن في الغد، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل ولذلك كان من المسارعين في الخيرات، (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أصبح منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.123

فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة.

(28) كظمه للغيظ:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن رجلاً شتم أبا بكر، ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس، فجعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل، رد عليه أبوبكر بعض قوله، فغضب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقام فلحقه أبوبكر، وقال: يارسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال: يا أبا بكر ثلاث كلهنّ حق: ما من عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة (1). إن الصديق - رضي الله عنه - اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ما ظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغبه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحلم والأناة، وأرشده الى ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويحمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالى.
ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق - رضي الله عنه - على عدم إغضاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسارعة إلى إرضائه وفي الحديث ذم الغضب للنفس، والنهي عنه، والتحذير منه، واعتزال الأنبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم، الصابر، المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث على العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.
وظل الصديق متمسكاً بالحلم، وكظم الغيظ، حتى عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب، والرفق، وهذا لا يعني أن أبا بكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالى، فإذا رأى محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضباً شديداً (2).

(29) بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي:

12 كان أبو بكر - رضي الله عنه - يَعُول مِسْطَحَ ابن أُثَاثَة، فلما قال في عائشة رضي الله عنها ما قال، في حديث الإفك المشهور - أقسم بالله أبو بكر ألا ينفعه أبداً، فلما أنزل الله عز وجل: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة النور، الآية22).
قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع الى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.
(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قالت: قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد الذي قال لعائشة ما قال.
فأنزل الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة النور، الآية22).
قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
لقد فهم الصدِّيق من الآية بأن على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل، فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم 1 وكما أن في الآية من حلف على شيء ألا يفعله، فرأى أن فعله أولى من تركه، أتاه وكفّر عن يمينه، وقال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ 2.

لقد دلت هذه الآية على أن أبا بكر أفضل الناس بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دالة على علو شأنه في الدين، أورد الرازي في تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ منها أنه وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل على أنه - رضي الله عنه -، كان فاضلاً على الإطلاق كان مفضلاً على الإطلاق.
ومنها أنه لما وصفه تعالى بأنه أولوا الفضل والسعة بالجمع لا بالواحد وبالعموم لابالخصوص على سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خالياً عن المعصية لأن الممدوح إلى هذا الحد لايكون من أهل النار (1).

(30) غيرة الصديق - رضي الله عنه - وتزكية النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لزوجه:

(حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال لم أر إلا خيرا فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر فقال لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان.

(31) خوفه من الله تعالى:

إن الخوف من الله عز وجل فضيلة تدفع العبد إلى الحذر من المعاصي، ومراقبة الله تعالى في السر والعلن، فتزكو أفعاله، وتجمل أعماله وقد أمر المؤمنين بالخوف منه فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (سورة البقرة، آية:40).
وقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة هود، آية:112). وجعل للعبد الخائف منه أجراً عظيماً فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سورة الرحمن، آية:46).
والسنة الصحيحة طافحة بوجوب الخوف من الله تعالى منها ما يلي:1

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة ما سمعت مثلها قط قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).
قال فغطى أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوههم لهم خنين.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله الْجَنّةُ".
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى و جبريل كالحِلْسِ البَالِي من خشية الله تعالى.
(حديث شداد بن أوس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: و عزتي و جلالي لا أجمع لعبدي أمنين و لا خوفين إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمعُ عبادي و إن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمعُ عبادي.
وقد كان الصديق - رضي الله عنه - على جانب من الخوف والرجاء عظيم جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكماً أو محكوماً قائداً أو جندياً، يريد النجاح والفلاح في الآخرة 1، فعن محمد بن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أبي بكر.
وعن قيس قال: رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد 2، وقد قال أبو بكر - رضي الله عنه -: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا 3 وعن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولاعضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح 4، وعن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد 5، وقال أبو بكر: لوددت أني كنت شعرة في جنب عبد مؤمن 6، وكان رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت من الشعر: لا تزال تنعي حبيباً حتى تكونه وقد يرجوا الرجا يموت دونه 7

وأخرج ابن أبي شيبة، وهنَّاد، والبيهقي عن الضحاك قال: رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه طيراً واقفاً على شجرة فقال: طوبى لكَ يا طير والله لوددتُ أني كنت مثلك، تقع على الشجر، وتأكل من الثمر، ثم تطير وليس عليك حساب ولا عذاب والله لوددت أنِّي كنت شجرة إلى جانب الطريق مرّ عليَّ جمل فأخذني، فأدخلني فاه، فلاكني ثم ازدردني، ثم أخرجني بعراً ولم أكُ بشراً.
وعند ابن فَتْحَويه في الوَجَل عن الضحَّاك بن مزاحم قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ ونظر إلى عصفور ـ: طوبى لك يا عصفور تأكل من الثمار، وتطير في الأشجار، لا حساب عليك ولا عذاب والله لوددتُ أني كبش يسمِّنني أهلي، فإذا كنت أعظم ما كنت وأسمنه يذبحوني، فيجعلون بعضي شواء، وبعضي قديداً، ثم أكلوني، ثم ألقوني عَذِرَةً في الحش، وأني لم أكن خُلقت بشراً.
وعند أحمد في الزهد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.
كذا في منتخب الكنز.

(32) رسوخ إيمانه بالله تعالى:

كان إيمان الصديق بالله عظيماً، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلة كلمة التوحيد في نفسه وقلبه وانعكست آثارها على جوارحه وعاش بتلك الآثار في حياته، فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان إيمانه بالله تعالى باعثاً له على الحركة والهمة والنشاط والسعي، والجهد والمجاهدة، والجهاد والتربية، والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لا يساويه فيه أحد من الصحابة.
قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه 1، ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح، كما في الحديث الآتي: (حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات يوم: "" من رأى منكم رؤيا؟ "" فقال رجل: أنا، رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: (بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث).
فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم، فقال: (فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر - وما هما ثم - وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب هذا: استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري).
فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم، قال: (فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر).
وما هما ثم.
ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه وإخلاصه للإسلام أحبه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على غيره من الصحابة كما في الحديث الآتي: (حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين): أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة.
فقلت من الرجال؟ قال: أبوها.
قلت ثم من؟ قال عمر بن الخطاب فعد رجالاً.
وبسبب هذا الإيمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله بالجنة وأنه يدعى من جميع أبوابها، (حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟.
قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم.

  • ومما يدل على رسوخ إيمانه موقفة عندما مات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

فارق رسول الله الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وما ترك عند موته ديناراً ولادرهماً، ولاعبداً، ولا أمة، ولاشيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضا جعلها صدقة (1) وتوفي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير (2)، وكان ذلك يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ للهجرة بعد الزوال (3)، وله ثلاث وستون سنة (4)، وكان أشد الأيام سواداً ووحشة ومصاباً على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولدته أسعد يوم طلعت فيه الشمس (5)، يقول أنس - رضي الله عنه -: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء (6) وبكت أم أيمن فقيل لها مايبكيك على النبي قالت: إني قد علمت أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيموت ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا (7).

هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:

قال ابن رجب رحمه الله: ولما توفي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من أعتُقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية 8. والمصيبة برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أعظم المصائب المصيبة في الدين بنص السنة الصحيحة: (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب.
وصدق رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه 9.1234567

وقال ابن اسحاق: ولما توفي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغني تقول: لما توفي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية، والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم 1. وقال القاضي أبو بكر بن العربي:... واضطربت الحال.. فكان موت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاصمة الظهر، ومصيبة العمر، فأما علي فاستخفى في بيت فاطمة، وأما عثمان فسكت، وأما عمر فأهجر وقال: ما مات رسول الله وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم 2 واسمع إلى الحديث الآتي لتعلم مدى ثبات أبي بكرٍ في الشدائد ورسوخ إيمانه وفضله على سائر الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين: (حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مات وأبو بكرٍ بالسُّنحِ فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال عمر ـ والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك ـ وليبعثنه الله فليقطعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم، فجاء أبو بكرٍ فكشف عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقبَّله فقال بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً ثم خرج فقال: أيها الحالف على رَسْلِك، فلما تكلم جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت وقال: (إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ) وقال: (وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ)

وبهذه الكلمات القلائل، واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم خرج الناس من ذهولهم وحيرتهم ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعاً جميلاً، فالله هو الحي وحده الذي لايموت، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، وأن الإسلام باق بعد موت محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1)، كما جاء في رواية من قول الصديق: إن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله بين اظهرنا، وهو النور والشفاء وبه هدا الله محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفيه حلال الله وحرامه، والله لانبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ماوضعناها بعد، ولنجاهدنَّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله فلا يبغين أحد إلا على نفسه (2). كان موت محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مصيبة عظيمة، ابتلاءاً شديداً، ومن خلاها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة فذ لا نظير له ولامثيل (3)، فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ الحقائق فيه فعرف حقيقة العبودية، والنبوة، والموت، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته - رضي الله عنه -، فانحاز بالناس إلى التوحيد (من كان يعبد الله فإن الله حي لايموت) ومازال التوحيد في قلوبهم غضاً طرياً، فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا إلى الحق (4) تقول عائشة رضي الله عنها فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر - رضي الله عنه - فتلقاها منه الناس، فما يسمع بشر إلا يتلوها (5).

(33) علمه رضي الله تعالى عنه:

كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له 6، وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد 7، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يُسَلمنو بذلك وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:12345

(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: خطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله).
فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر.

وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقد كان أدوم اجتماعاً به ليلاً ونهاراً، وسفراً وحضراً، وكان يسمر عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين، دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه 1، وقد استعمله النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أول حجة حجت من مدينة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روى فيها 2 وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابة ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصاً، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم، وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيرة مسائل كثيرة 3، وكان - رضي الله عنه - يقضي ويفتي بحضرة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويقره، لقد تربى الصديق على يدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحفظ كتاب الله تعالى وعمل به في حياته وتأمل فيه كثيراً وكان لا يتحدث بغير علم، فعندما سئل عن آية لايعرفها أجاب بقوله: أي أرض تسعني أو أي سماء تُظِلنُّي إذا قلت في كتاب الله مالم يُرد الله 4 ومن أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريم قوله: (إن الله ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء؟! يعني: حسنها، فيقول قائل: لست من هؤلاء، يعني: وهو منهم 5،

وكان يسأل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما استشكل عليه بأدب وتقدير واحترام، فلما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (سورة النساء، الاية:123) قال أبوبكر يارسول الله، قد جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال: ياأبابكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأوى؟ فذلك مما تجزون به 1. (حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) الآية وكل شيء عملناه جزينا به فقال: غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك اللأواء قال فقلت بلى قال هو ما تجزون به.
وقد فسر الصديق بعض الآيات مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (سورة فصلت، الآية: 30) قال فيها: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ماسواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أنداداً، ولايحبون إلا إياه، لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولا يخافون غيره كائناً من كان، ولا يسألون غيره ولا يتشرفون بقلوبهم الى غيره 2، وغير ذلك من الآيات.
وكان رضي الله تعالى عنه أعلم الصحابة بالأنساب: فهو عالم من علماء الأنساب وأخبار العرب، وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين كعقيل بن أبي طالب وغيره، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي: أنه لم يكن يعيب الأنساب، ولايذكر المثالب بخلاف غيره 3، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما فيها من خير وشر 4، بدلالة الحديث الآتي: (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها.

ومع كونه - رضي الله عنه - من أعلم الصحابة إلا أنه من أبعد الناس عن التكلف، فعن ابراهيم النخعي قال: قرأ أبو بكر الصديق ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (سورة عبس: آية31) فقيل ماالأب: فقيل كذا وكذا فقال أبو بكر: إن هذا لهو التكلف، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم (1).

(34) دعاؤه وشدة تضرعه - رضي الله عنه -:

إن الدعاء باب عظيم، فإذا فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات وانهالت عليه البركات، ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء، كما أن الدعاء من أعظم وأقوى عوامل النصر على الأعداء قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (سورة غافر، آية:60).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (سورة البقرة، آية:186). ولقد لازم الصديق رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورأى كيف كان رسول الله يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه وقد حرص الصديق على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله، وأن يكون دعاؤه وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويرتضيها، إذ ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح والصلاة على النبي صيغاً أخرى، مهما كانت في ظاهرها حسنة اللفظ، جيدة المعنى، لأن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو معلم الخير، والهادي إلى الصراط المستقيم، وهو أعرف بالأفضل والأكمل 2، وكان الصديق رضي الله عنه يسأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعلمه دعاءاً يدعو به كما في الأحاديث الآتية: (حديث أبي بكر الصديق الثابت في الصحيحين) أنه قال لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.1

ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب، أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضى للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة، والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب 1 (حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أنه قال: يا رسول الله، مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت، وإذا أمسيت قال: "" قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شىء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه "" قال: "" قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك.
فقد تعلم الصديق من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائماً قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا -﴾ (سورة الأحزاب، آية:72 - 73) فالإنسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم.
وثبت في الصحيحين عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: (لن يدخل الجنة أحد بعلمه) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) 2 وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (سورة الحاقة، آية:24) فإن الرسول نفيى باء المقابلة والمعادلة والقرآن أثبت باء السبب، وقول من قال: إذا أحب الله عبداً لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبداً ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة، وإجماع السلف والأئمة، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره 3.

كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى شديد التضرع كثير التوجه لله، لا ينفك عن الدعاء في كل أحيانه وقد نقل إلينا بعض أدعيته وتضرعاته ومنها: أ-أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضى، والخيرة في جميع ما تكون إليه الخَيَرةُ، بجميع ميسور الأمور كلها، لابمعسورها ياكريم (1). ب- وكان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الخير، اللهم اجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلا من جنات النعيم (2). جـ-وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك (3). د-وكان إذا سمع أحداً يمدحه من الناس يقول: (اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم أجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون) (4).

(35) دفاعه عن النبي

  • صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

من صفات الصديق التي تميز بها: الجرأة والشجاعة، فقد كان لا يهاب أحداً في الحق، ولا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط، جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم.
[غافر:28].1234

وأما في حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقد قام خطيباً وقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين فقال: أما إني مابارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عريشاً فقلنا من يكون مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لئلا يهوي عليه أحد من المشركين، فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لايهوي إليه أحد إلاّ أهوى إليه فهذا أشجع الناس.
قال ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يُحادُه، وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فبكت القوم، فقال عليّ: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه 1. هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ما تحمله الصديق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمام علي - رضي الله عنه - في خلافته أي بعد عقود من الزمن، وقد تأثر علي - رضي الله عنه - حتى بكى وأبكى.

إن الصديق - رضي الله عنه - أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله، وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا الى الله (1)، وكانت الذراع اليمنى لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم، فهذا ابوذر - رضي الله عنه - يقص لنا حديثه عن إسلامه ففيه: (... فقال أبوبكر: ائذن لي يارسول الله في طعامه الليلة - وأنه أطعمه من زبيب الطائف (2)، وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وانه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه وهو يصيح بهم: (ويلكم أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله؟) فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، ويجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع) (3).

(36) أنه أول العشرة المبشرين بالجنة وأفضلهم:

(حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.

(37) ومن أعظم مناقبه - رضي الله عنه - أن أحق الناس بالخلافة بالكتاب والسنة والإجماع:

  • الآيات الدالة على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -:

وردت آيات في كتاب الله عز وجل فيها الإشارة إلى أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أحق الناس في هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:123

أ-قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ -﴾ (سورة الفاتحة، آية:6 - 7). ووجه الدلالة أن أبا بكر - رضي الله عنه - فيمن أمر الله -جلا وعلا- عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النساء، آية:69).
وقد أخبر المصطفى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أبا بكر - رضي الله عنه - من الصديقين، فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكر - رضي الله عنه - ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله في هذه الأمة بخلافة المصطفى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1. قال محمد بن عمر الرازي: قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ -﴾ يدل على إمامة أبي بكر - رضي الله عنه - لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالاً لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر - رضي الله عنه - 2. وقال محمد الأمين الشنقيطي: يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم

-أعني الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله تعالى ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين وقد بين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أبا بكر - رضي الله عنه - من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - على الصراط المستقيم وإن إمامته حق 1. ب-قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة المائدة، آية:54).
هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق أنه (كان في علم الله سبحانه وتعالى ما يكون بعد وفاة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ارتداد قوم فوعد سبحانه -ووعده صدق- أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فلما وجد ما كان في علمه من ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب، ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة الصديق - رضي الله عنه - 2.

جـ-قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة، آية:40).
قال أبو عبد الله القرطبي: قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لأن الخليفة لا يكون أبداً إلا ثانياً وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق أن يقال ثاني اثنين لقيامه بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالأمر كقيام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به أولاً، وذلك أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبقى الإسلام إلا بالمدينة وجواثا 1، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين 2. ﴿تنبيه﴾: هذه الآية الكريمة دلالة على أفضلية الصديق من سبعة أوجه ففي الآية الكريمة من فضائل أبي بكر - رضي الله عنه -: 1 - أن الكفار أخرجوه: الكفار أخرجوا الرسول (ثاني أثنين) فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع.
2 - أنه صاحبه الوحيد: الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبوبكر، وكان ثاني أثنين الله ثالثهما.
قوله ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ففي المواضع التي لا يكون مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أكابر الصحابة إلا واحد يكون هو ذلك الواحد مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبوبكر، ومثل خروجه الى قبائل العرب يدعوهم الى الإسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبوبكر، وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. 3 - أنه صاحبه في الغار: الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن والسنة الصحيحة:

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما).
وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه 1. 4 - أنه صاحبه المطلق: قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ لايختص بمصحابته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة كما لم يشركه فيه غيره -فصار مختصاً بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم بأحوال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره 2. 5 - أنه المشفق عليه: قوله ﴿لا تَحْزَنْ﴾ يدل على أن صاحبه كان مشفقاً عليه محباً له ناصراً له حيث حزن، وإنما بحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وكان حزنه على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لئلا يقتل ويذهب الإسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك 3، وفي رواية أحمد في كتاب فضائل الصحابة:... فجعل أبوبكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مالك؟ قال: يارسول الله أخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا الى الغار قال أبوبكر: يارسول الله كما أنت حتى أيمه... فلما رأى أبوبكر حجراً في الغار فألقمها قدمه، وقال يارسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي 4. فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله.
وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك 5. 6 - المشارك له في معية الاختصاص:

جارٍ التحميل