فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 91-130

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 91-130
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(حديث ابن عمر الثابت في صحيح ابن ماجة) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَشْخَصَ السَّرَايَا يَقُولُ لِلشَّاخِصِ: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ.
وقوله: (أستودع الله دينك) أي: أستحفظ وأطلب منه حفظ دينك.
(وأمانتك) قال الخطابي: الأمانة ههنا أهله ومن يخلفه منهم، وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينه ووكيله ومن في معناهما، وجرى ذكر الدين مع الودائع لأن السفر موضع خوف وخطر وقد يصيبه فيه المشقة والتعب فيكون سبباً لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين فدعا له بالمعونة والتوفيق فيهما (1). قال الزركشي رحمه الله في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر: وإنما ذكر الدين مع الوداع لأن السفر موضع خوف وخطر، وقد يصيبه منه المشقة والتعب، فيكون سببًا لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين.
فدعا له بالمعونة، والتوفيق فيهما.
وقيل: الأمانة هاهنا أهله ومن يخلفه منهم، وماله الذي أودعه 1، ويستحفظه أمينة ووكيله، ومن في معناه.
قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية: قال ابن عبد البر: إذا خرج أحدكم في سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعلٌ في دعائهم بركة.
قال: وقال الشعبي: السنة إذا قدم رجلٌ من سفر أن يأتيه إخوانه فيسلموا عليه، وإذا خرج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعائهم (3). (14) يستحب أن يستكثر من الزاد والنفقة: يستحب أن يستكثر من الزاد والنفقة ليواسي به المحتاجين، وليكن زاده طيبًا، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ.... ﴾ [البقرة: من الآية267]. والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء.
ويكون طيب النفس بما ينفقه ليكون أقرب إلى قبوله.
(15) السنة أن يدعوا إذا خرج من بيته: (حديث أنس الثابت في صحيحي أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ.
(1). عون المعبود بشرح سنن أبي داود.
المجلد الرابع (7/ 187)

(حديث أم سلمة الثابت في صحيح السنن الأربعة) قَالَتْ مَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ.
(16) ما يقول إذا ركب: (حديث علي بن ربيعة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَ (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ.
(17) ما يدعو به في سفره: (حديث ابن عمر الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ.
وعثاء السفر: شدته ومشقته، وأصله من (الوعث) وهو الرمل الدقيق الذي يغوص فيه الرجل ويشتد المشي عليهم.
ثم جعل ذلك مما يشق ويؤلم.

والكآبة: تغير النفس والانكسار من الحزن والهم.
يقال: رجل كئيب، أي: حزين.
ونقل كآبة كآبة بتخفيف الهمزة وإسكان الألف (كرأفة ورافة).
والمنقلب: (بفتح اللام): المرجع.
ومعناه: أن يرجع من سفره فيجد أهله أصيبوا بمصيبة نسأل الله السلامة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.

الذكر عند علو الثنايا والهبوط من الأودية:

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا.
(18) استحباب ذكر الله في حال سيره وإقامته: أورد الزركشي رحمه الله في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال إن الجبل ليقول للجبل: "يا فلان مر بك اليوم ذاكرًا لله عز وجل.
فإن قال: نعم، سره ذلك".
استبشارًا بذكر الله.
أورد الزركشي رحمه الله في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: اذكروا الله في أسفاركم عند كل حجرة وشجرة لعلها تأتي يوم القيامة تشهد لكم 1. ويستحب الذكر عند كل اضطجاعة، وعند كل شيء، وعند كل حجر ومدر وشجر.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
تِرَة: أي نقص.
ما يستحب ذكره في السحر للمسافر:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ سَمِعَ سَامِعٌ 1 بِحَمْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ النَّارِ.
﴿فائدة﴾: ينبغي للمسافر أن يغتنم سفره، ويدعو لنفسه وآبائه وأهله ومن يحب، وأن يجتهد في ذلك، ويتحرى الدعاء الجامع، مع0 الإلحاح والخضوع، فللمسافر دعوة مستجابة فلا ينبغي التفريط فيها.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ.
(19) دعاء نزول المنزل: يحتاج المسافر إلى النزول من مركوبه للنوم أو الأكل أو قضاء الحاجة، والبرية فيها من الهوام والسباع والشياطين ما الله به عليم، فكان من نعمة الله علينا أن شرع لنا على لسان نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دعاءً نقوله يحفظنا -بإذن الله- من شر كل مخلوق.
(حديث خولة بنت حكيم السلمية رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ.
وفي الحديث فوائد منها: أن هذا الدعاء يقال عند حلول كل مكان أو النزول فيه وليس مخصوصاً بنزول المسافر من مركوبه.
ومنها: أن كلام الله منه تبارك اسمه وصفة من صفاته ليس بمخلوق، لأنه محال أن يستعاذ بمخلوق، وعلى هذا جماعة أهل السنة، قاله ابن عبد البر (2).

ومنها: أن قائل هذا الدعاء عند النزول محفوظٌ بحفظ الله له، فلا يضره شيء حتى يغادر محله.
قال القرطبي: هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلاً وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدبة ليلاً، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات 1. (20) صلاة التطوع في السفر: من السنن المهجورة، صلاة المسافر التطوع على مركوبه، فقل من تراه يصلي النافلة أو الوتر في الطائرة أو في غيرها من ألآت السفر.
ونبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك على راحلته، ولا يلزم تحري القبلة في صلاة النافلة للمسافر إن كان راكباً لمشقة ذلك، والأفضل أن يستقبل القبلة عند الإحرام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قاَلَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
ولذا فإنه يستحب للمسافر أن يصلي النافلة والوتر على آلة السفر اقتداءً بنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
مسألة: هل يجوز للمسافر أن يصلي الفريضة على الطائرة أو السيارة أو القطار إذا أُضطر لذلك؟ أم يؤخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يؤديها فيها؟ وهل يلزم التوجه إلى القبلة؟ الجواب: أجابت اللجنة الدائمة عن سؤال مماثل فقالت: إذا كان راكب السيارة أو القطار أو الطائرة أو ذوات الأربع، يخشى على نفسه لو نزل لأداء الفرض ويعلم أنه لو أخرها حتى يصل إلى المكان الذي يتمكن أن يصلي فيه فات وقتها، فإنه يصلي على قدر استطاعته، لعموم قوله تعالى: (لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286] وقوله تعالى: (فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16]، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78].
(1). فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
ص161. ط: دار اليقين للنشر والتوزيع.
(مصر)

وأما كونه يصلي أين توجهت المذكورات أم لابد من التوجه إلى القبلة دوماً واستمراراً أو ابتداءً فقط، فهذا يرجع إلى تمكنه، فإذا كان يمكنه استقبال القبلة في جميع الصلاة وجب فعل ذلك، لأنه شرط في صحة صلاة الفريضة في السفر والحضر، وإذا كان لا يمكنه في جميعها، فليتق الله ما استطاع، لما سبق من الأدلة (1). (21) ما يقول إذا خاف قومًا: (حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ.
(22) النهي عن اصطحاب الكلب والجرس في السفر: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن اصطحاب الكلب والجرس في الأسفار، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ.
وسبب النهي عن الجرس لأنها مزامير الشيطان، جاء ذلك مصرحاً عند مسلم.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ.
وأما الكلب فقد أُختلف في سبب النهي عن اصطحابه، فقيل لما كان الكلب منهياً عن اقتنائه ـ إلا كلب ماشية أو صيد ـ عوقب متخذه من بتجنب الملائكة عن صحبته، فحرم من بركتهم واستغفارهم وإعانتهم على طاعة الله، وقيل لكونه نجساً (2). والله أعلم.
(23) النهي عن سفر المرأة بدون محرم: نهى الشرع المطهّر عن سفر المرأة بدون محرم، لما قد يترتب عليه من الفتنة لها ولمن حولها من الرجال.
والأحاديث الواردة في ذلك صحيحة لا مجال لتوهينها، ولا تأويلها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ اخْرُجْ مَعَهَا.
(1). فتاوي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
(8/ 123 - 124) رقم (1375) (2). انظر عون المعبود.
المجلد الرابع (7/ 162)

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا.
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ.
(حديث عقبة بن عامر الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ.
(حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ.

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ.
وكما ترى فإن النهي صريحٌ في منع المرأة من السفر مسيرة يوم وليلة بدون محرمٍ لها، زوجها أبوها ابنها أخوها ونحوهم من محارمها.
بل إن أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرجل الذي أُكتتب في الغزو أن يلحق بأهله الذين خرجوا للحج لهو أبلغ دليل على تحريم سفر المرأة بدون محرم.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها لأن الغزو يقوم غيره في مقامه عنه بخلاف الحج معها (1). ﴿شبهة﴾:: يتردد على ألسنة بعض الناس أن سفر المرأة وحدها في هذا العصر ضرورة لا بد منها، فظروف العصر تقتضي ذلك، ويحتجون بأن الخلوة تنتفي بسفرها بالطائرة أو القطار ونحوهما.
وقد يقول قائلهم ما المانع إذا أوصلت زوجتي إلى المطار وتأكدت من ركوبها الطائرة ثم استقبلها أخوها في البلد الآخر؟ والجواب: أولاً: فتنة النساء من أعظم الفتن التي تبتلى بها الأمم، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حذرنا منها وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة (حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ.
(1). شرح صحيح مسلم.
الخامس (9/ 93)

(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ.
فإذا تُركت المرأة تسرح وتمرح، وتعمل مع الرجال جنباً إلى جنب، وتتولى المناصب القيادية، فإن ذلك نذيرٌ بأن يصيبنا ما أصاب بني إسرائيل ـ عياذاً بالله ـ. ثانياً: لابد من تقرير حقيقة لا مكابرة فيها وهي أن المرأة ضعيفة سريعة التأثر، سريعة الانجذاب، تحتاج إلى رجلٍ يحميها ويقوم بشئونها (1)، فإذا انضاف إلى ذلك ضعف الإيمان والوازع الديني في قلوب كثير من الرجال، ازداد الأمر خطورةً وعظمت الفتنة.
ومن قال إن الخلوة تنتفي بركوب الطائرة ونحوها مما يكون فيه النقل جماعياً، يردُ عليه أن جلوسها بين الأجانب، ومباشرتها الكلام معهم في قضاء حوائجها فيه ما فيه، فالذين في قلوبهم مرض كثير، وأصحاب العيون الخائنة أكثر، وفوق ذلك لا رقيب عليها ـ من محارمها ـ ولا حسيب.
وأما إركابها آلة السفر لوحدها كالطائرة مثلاً واستقبالها في البلد الأخر، فإنه يقال لهذا وأمثاله: ما أدراك لو اضطرت الطائرة إلى النزول في بلد آخر غير المكان المقصود لخلل بها ـ وهذا يحدث أحياناً ـ. وأكبر من ذلك لو اضطر المسافرون إلى البقاء يوماً أو يومين في هذا البلد.
فأين المحرم؟ ومن سيباشر إجراءات السكن والأكل والشرب؟!.
(24) استحباب الاجتماع عند النزول وعند الأكل: جعل الله في الاجتماع القوة والعزة والمنعة والبركة، وجعل في التفرق الوهن والضعف وتسلط الأعداء ونزع البركة.
والقوم إن كانوا يسافرون جميعاً استحب لهم أن يجتمعوا في مكان نزولهم ومبيتهم، وكذا يجتمعوا على أكلهم لتحصل البركة لهم.
أما الاجتماع عند النزول، فتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). حتى وإن انكرت ذلك بعض المسترجلات في هذا الزمن، فإنها تعرف حقيقة نفسها، وتعرف مقدار ضعفها، وهذه سنة الله في خلقه التي لا تبديل لها، ولكنها تخشى أن تتهم بالرجعية والتخلف، فحتى تواكب الحضارة وتصبح كالمرأة الغربية المتحضرة!! لا بد أن تسافر وحدها مثلهم، وتلبس كلبسهم، وتعمل إلى جنب الرجال، وإن لم تفعل ذلك أُتهمت بالتخلف!.
رزقنا الله وإياهم لزوم صراطه المستقيم.

(حديث أَبُي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا قَالَ عَمْرٌو كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ.
والاجتماع على الطعام تحصل به البركة والزيادة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ.
﴿تنبيه﴾: يستحب التناهد في السفر، والنهد: أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئاً من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعاً (1). قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية: قيل للإمام أحمد: أيما أحب إليك يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال: يرافق، هذا أرفق يتعاونون، وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره، ولا بأس بالنهد، قد تناهد الصالحون.
كان الحسن إذا سافر ألقى معهم، ويزيد أيضاً بقدر ما يلقي، يعني في السر (2). (25) النوم في السفر: قد يضطر المسافر على الطرق البرية إلى النوم للراحة من عناء السفر، ولما كان الشرع المطّهر يرشد الناس لما فيه مصلحتهم العاجلة والآجلة؛ كان من جملة ذلك إرشاد المسافر لمكان نومه، حتى لا يؤذى من هوام الأرض ودوابه.
(1). انظر الآداب الشرعية (3/ 182) (2). الآداب الشرعية (3/ 182)

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنْ الْأَرْضِ وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ وَإِذَا عَرَّسْتُمْ (1) بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: وهذا أدب من آداب السير والنزل أرشد إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وتجد فيها من رمة ونحوها، فإذا عرس الإنسان في الطريق ربما مر منها ما يؤذيه فينبغي أن يتباعد عن الطريق (2). ثم إنه ينبغي على المسافر إذا أراد نوماً، أن يتخذ ما في وسعه من الوسائل التي تُعينه على الاستيقاظ لصلاة الفجر، وفي زمننا هذا أصبحت تلك الوسائل ـ ولله الحمد ـ متيسرة وبأبخس الأثمان.
ورسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحتاط لذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). المُعرِّس: الذي يسير نهاره ويعرس أي ينزل أو الليل، وقيل: التعريس النزول في آخر الليل.
وعرس المسافر: نزل في وجه السحر... وقال غيره: والتعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقعون فيه وقعة للاستراحة ثم يُنيخون وينامون نومة خفيفة ثم يثورون مع انفجار الصبح.
قاله في اللسان.
(6/ 136) مادة: (عرس).
(2). شرح صحيح مسلم.
المجلد السابع (13/ 59)

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى (1) عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيْ بِلَالُ فَقَالَ بِلَالٌ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ قَالَ اقْتَادُوا فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ (وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (26) استحباب رجوع المسافر لأهله بعد قضاء حاجته وعدم الإطالة: يستحب للمسافر إذا نال مراده من سفره أن يعود سريعاً إلى أهله، ولا يمكث فوق حاجته لحكم سوف يأتي ذكرها.
وقد أرشد إلى هذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة (2).

(27) كراهية قدوم المسافر على أهله ليلاً: (حديث جابر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ.
﴿تنبيه﴾: ينبغي للمسافر إذا رجع إلى أهله أن لا يدخل عليهم ليلاً، حتى لا يرى ما يكره في أهله من سوء المنظر، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَيْكَ بِالْكَيْسِ الْكَيْسِ.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلاً بغته، فأما من كان سفره قريباً تتوقع امرأته إتيانه ليلاً فلا بأس كما قال في إحدى الروايات: إذا أطال الرجل الغيبة.
وإذا كان في قفل عظيم أو عسكر ونحوهم واشتهر قدومهم ووصولهم وعلمت امرأته وأهله أنه قادم معهم وأنهم الآن داخلون فلا بأس بقدومه متى شاء لزوال المعنى الذي نهي بسببه فإن المراد أن يتأهبوا وقد حصل ذلك ولم يقدم بغته (1). قلت: ومثله إذا علموا بقدومه عن طريق أجهزة الاتصال ونحوها.
(28) استحباب الصلاة ركعتين في المسجد عند قدوم البلد: من هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا قدم من سفر، فإن أول شيءٍ كان يبادر إليه هو الصلاة في المسجد ركعتين.
(حديث كعب بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ.
وهذه من السنن المهجورة، التي قلَّ من يطبقها، فنسألك اللهم اتباعاً لسنة نبيك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظاهراً وباطناً، وبالله التوفيق.
(29) تحريم سفر المرأة بدون محرم: (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم.
(1). شرح مسلم.
المجلد السابع (13/ 61)

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها.
(30) كَرَاهَيةِ السِّيَاحَةِ إلَى غَيْرِ مَكَان مَعْلُومٍ وَلَا غَرَضٍ مَشْرُوعٍ: قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: السِّيَاحَةُ فِي الْأَرْضِ لَا لِمَقْصُودٍ وَلَا إلَى مَكَان مَعْرُوفٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا السِّيَاحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ, وَلَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّينَ وَلَا الصَّالِحِينَ, وَلِأَنَّ السَّفَرَ يُشَتِّتُ الْقَلْبَ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ أَنْ يُسَافِرَ إلَّا فِي طَلَبِ عِلْمٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ شَيْخٍ يَقْتَدِي بِهِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ.
(حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن رجلا قال: يارسول الله، إئذن لي في السياحة قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله عزوجل.

آداب عيادة المريض:

آداب عيادة المريض:

لعيادة المريض آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب عيادة المريض المساجد جملةً وتفصيلا: أولاً آداب عيادة المريض جملةً: (1) فضل عيادة المريض: (2) عيادة الصبيان: (3) عيادة النساء للرجال: (4) عيادة المغمي عليه: (5) عيادة المشرك: (6) وقت عيادة المريض: (7) التخفيف عند عيادة المريض: (8) يستحب للعائد أن يجلس عند رأس المريض: (9) سؤال المريض عن حاله والتنفيس في أجله: (10) جواز البكاء عند المريض ما لم يكن فيه تسخط أو جزع: (11) ما يقال عند المريض من الدعاء ونحوه: (12) وضع اليد على المريض: (13) رقية المريض: (14) تلقين المريض الشهادة إذا حضر أجله وإغماض عينيه والدعاء له إذا مات: ثانيا آداب عيادة المريض تفصيلا:

(1) فضل عيادة المريض:

عيادة المريض لها فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، له منافع عظيمة وفوائد عميمة في الدارين وإليك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في الوحيين في فضل عيادة المريض:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ.
(حديث ثوبان الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ (1) حَتَّى يَرْجِعَ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ جَنَاهَا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي.
(1). قال البغوي في شرحه: قوله في خراف الجنة، ويروى: (في مخاارف الجنة) [وخرفة الجنة]، وهي جمع مخْرف، قال الأصمعي: وهو جنى النخل، سمي به لأنه يُخترف، أي: يجتنى... قال ابن الأنباري: يُريد في اجتناء ثمر الجنة، من قولهم: خرفت النخلة أخرفها، فشبه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يحوزه عائدُ المريض من الثواب بما يحوزه المخترفُ من الثمار.
(شرح السنة 5/ 216)

(حديث علي الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ... - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا.
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الأدب المفرد) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ عَادَ مَرِيضَاً خَاضَ فِي الرَحْمَةِ، حَتَى إِذَا قَعَدَ اسْتَقَرَ فِيهَا.
وبعد ذكر هذه الأحاديث الصحيحة في بيان فضل عيادة المريض، والثواب الذي يناله العائد من عيادته، فلا ينبغي التفريط فيها، بل تلزم المبادرة إليها، والمداومة عليها، حتى تُنال رحمة الرحمن الرحيم.
وفي عيادة المريض غير ما ذكر: تطييب قلبه [أي المريض]، واستعراض حوائجه، والاتعاظ بمصرعه، قاله ابن الجوزي (1). (2) عيادة الصبيان:

يُعادُ الصبيان إذا مرضوا، كما يُعاد الرجال.
وذلك لأن المعنى الذي من أجله يُعادُ الرجال موجودٌ في عيادة الصبيان من الدعاء للمريض، وتخفيف ألآمه، ورقيته بالرقى الشرعية، وكذا حصول الأجر من جراء العيادة للعائد، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). كشف المشكل من حديث الصحيحين.
رقم (715)، (2/ 236) بتصرف يسير.

(حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الثابت في الصحيحين) أَنَّ ابْنَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَعْدٌ وَأُبَيٌّ نَحْسِبُ أَنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ فَاشْهَدْنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا السَّلَامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى فَلْتَحْتَسِبْ وَلْتَصْبِرْ فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُمْنَا فَرُفِعَ الصَّبِيُّ فِي حَجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَفْسُهُ جُئِّثُ فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ.
(3) عيادة النساء للرجال:

يجوز للنساء عيادة الرجال ولو كانوا أجانب، ولكن ذلك مشروطٌ بأمن الفتنة، والتستر، وانتفاء الخلوة، فإذا تحققت هذه الشروط جاز للنساء عيادة الرجال الأجانب والعكس.
(حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الثابت في صحيح البخاري) أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ.

وعن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف أنه أخبره: (أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمرضها، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود المساكين ويسأل عنهم... الحديث) (1). قال ابن عبد البر: وفيه [أي: الحديث] إباحة عيادة النساء، وإن لم يكن ذوات محرم.
ومحل هذا-عندي- أن تكون المرأة متجالة (2)، وإن كانت غير متجالة فلا، إلا أن يسأل عنها ولا ينظر إليها (3). (4) عيادة المغمي عليه:

يعزف بعض الناس عن عيادة المرضى الذين لا يشعرون بمن حولهم، كالذي تنتابه حالات الإغماء المتكررة، أو الذين هم في غياب عن الوعي بشكل دائم، بحجة أن هذا المريض لا يشعر بوجوده ولا يحس به فلا حاجة إذاً لزيارته.
وهذا فهمٌ خاطئ، وحجة بلا دليل، والدليل بخلافه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: مَرِضْتُ فَجَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي قَالَ فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: (1). رواه مالك في الموطأ (531) قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في الموطأ في إرسال هذا الحديث... وهو حديث مسند متصل صحيح من غير حديث مالك.
(التمهيد 6/ 254) (2). في اللسان:... تجالَّت أي أسنت وكبرت.
وفي حديث أم صبية: كنا نكون في المسجد نسوة قد تجاللن أي كبرن.
ويقال: جلتَّ فهي جليلة، وتجالَّت فهي متجالَّة.
(11/ 116) مادة: (جلل).
(3). التمهيد (6/ 255)

ومجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه، لأن وراء ذلك جبر بخاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ وغير ذلك (1)، (2). (5) عيادة المشرك:

فصل الخطاب في عيادة المشرك يجوز للمسلم أن يعود الكافر بغرض الدعوة إن رُجِي إسلامه وإلا فلا، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة (1). فتح الباري: (10/ 119). قال ابن المنير: ليس في حديث جابر التصريح بأنهما علما أنه مغمى عليه قبل عيادته، فلعله وافق حضورهما.
[ورد ذلك ابن حجر فقال:] قلت: بل الظاهر من السياق وقوع ذلك حال مجيئهما وقبل دخولهما عليه، ومجرد علم المريض بعائده.... الخ.
(10/ 118 - 119). (2). تنبيه: تُثار في بعض الدول العربية فكرة إراحة المريض المتوفى دماغياً، وذلك عن طريق إعطاءه حقنة تميته، ويحتجون بأن هذا المريض حسب قوانينهم الطبية ميت لا محالة وإنما هي مسألة وقت، ونحن نعطيه هذه الحقنة حتى نُريحه من الالآم التي قد يجدها أثناء حياته.
ويقال لهم: أنتم بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب لا تريحونه بل تحرمونه وتحرمون غيره، ففي بقائه على قيد الحياة وهو على تلك الحال، تكفيرُ من سيئاته، ورفعٌ لدرجاته إن كان من أهل الإيمان والإحسان.
ففي حديث ابن مسعود-رضي الله عنه- قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما من مسلم يُصيبه أذى مرضٌ فما سواه إلا حط الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) رواه البخاري (5667) وغيره.
وفي بقائه على قيد الحياة أنه قد تناله دعوة صالحة، فيقبلها الله عز وجل فيشفى من مرضه ذاك- والله على كل شيء قدير-.
أو تغفر له ذنوبه بدعوات المسلمين له.
وفي بقائه على قيد الحياة، تكفير لسيئات أهله الذين أصابهم الهم والغم.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) رواه البخاري (5642) وغيره.
وفي بقائه على قيد الحياة استمرار البر وعدم انقطاعه وخصوصاً إن كان المريض أباً أو أماً.
وفي بقائه على قيد الحياة تكثير الأجر بعيادة المريض وزيارته.
فمن أجل هذه المعاني التي ذكرناها وغيرها، نعرف شناعة قول من قال: إنه لا فائدة ترجى من بقاء المتوفى دماغياً على قيد الحياة وأن الموت أفضل له.
والله أعلم.

(حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ.
(حديث سعيد ابن المسيَّب عن أبيه الثابت في الصحيحين) قَالَ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: (مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [سورة: التوبة - الآية: 113]

(6) وقت عيادة المريض: لا توجد نصوص عن المعصوم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبين أوقاتاً معينة لعيادة المرضى وزيارتهم، وما دام الأمر كذلك فإنه يباح زيارة المرضى في أي وقت من ليل أو نهار ما لم تكن هناك مشقة عليهم، لأن من معاني العيادة التخفيف على المريض وتطييب قلبه لا الإشقاق عليه.
وتختلف أوقات العيادة باختلاف الزمان والمكان، فقد تكون الزيارة في الليل وقت ما مستساغة، ولكنها تكره في زمن آخر.

أورد ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية عن المروذي قال: عُدت مع أبي عبد الله مريضاً بالليل وكان في شهر رمضان، ثم قال لي: في شهر رمضان يُعادُ بالليل (1). وكذا الظهيرة فإن العادة جرت أن يقيل الناس، ويخلدوا إلى الراحة.
أورد ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية عن الأثرم قال: قيل لأبي عبد الله: فلانٌ مريض وكان عند ارتفاع النهار في الصيف، فقال: ليس هذا وقت عيادة (2). والمكان معتبرٌ في العيادة ـ أيضاً ـ، فما تعارف عليه أهل هذه البلاد واعتادوه من أوقات معينة للعيادة والزيارة، قد لا يكون في بلاد أخرى معتاداً عليه.

(7) التخفيف عند عيادة المريض: ينبغي على العائد أن لا يطيل الجلوس ولا المكث عند المريض، لأن المريض مشغولٌ بأوجاعه وألآمه، وطول مقام العائد عنده يشق عليه وقد يزيد في ألمه.
ولذا كان من حسن العيادة تخفيفها.
فعن ابن طاوس عن أبيه قال: أفضل العيادة أخفها... وقال الأوزاعي: خرجت إلى البصرة أريد محمد بن سيرين، فوجدته مريضاً به البطن، فكنا ندخل عليه نعوده قياماً... وقال الشعبي: عيادة حمقى القرى أشد على أهل المريض من مرض صاحبهم، يجيئون في غير حين عيادة ويطيلون الجلوس (3). ولكن ينبغي أن يُعْلَمَ، أنه إن كان المريض يُحب طول مقام العائد عنده وتكرار زيارته، فالأولى للعائد أن يستجيب لرغبته لما في ذلك من إدخال السرور عليه، وتطييب قلبه كما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود سعد بن معاذ عندما أصيب يوم الخندق، حيث أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تضرب لسعد خيمة في المسجد ليعوده من قريب، (حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ فِيهَا.
ومن من الصحابة لا يحب مقام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنده، أو تكرار زيارته!.
(8) يستحب للعائد أن يجلس عند رأس المريض: (1). الآداب الشرعية (2/ 190) (2). الآداب الشرعية (2/ 189) (3). التمهيد لابن عبد البر (24/ 277) مع تقديم وتأخير.

وهذا كان فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصالحين من بعده، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة (حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الأدب المفرد) قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا عاد مريضاً جلس عند رأسه.
وعن الربيع بن عبد الله قال: ذهبت مع الحسن إلى قتادة نعوده، فقعد عند رأسه، فسأله ثم دعا له... (1). وفي جلوس العائد عند رأس المريض فوائد منها: أن فيه إيناساً للمريض، ومنها تمكن العائد من وضع يده على المريض والدعاء له والنفث عليه، إلى غير ذلك.
(9) سؤال المريض عن حاله والتنفيس في أجله:

من حسن العيادة سؤال المريض عن حاله ومصابه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). رواه البخاري في الأدب المفرد (537) وقال الألباني: صحيح الإسناد (417)

(حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الثابت في صحيح البخاري) أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَتْ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ.
ومن حسن العيادة ـ أيضاً ـ التنفيس في أجل المريض كأن يقال له: لابأس عليك ستشفى بإذن الله، أو إن هذا المرض ليس خطيراً وسيعافيك الله -إن شاء الله- ونحو هذا الكلام، ما لم تظهر عليه علامات قرب أجله، وذلك لأن التنفيس عن أجل المريض، يساعد كثيراً في سرعة البرء من المرض، وهذا علاج مجرب ومعروف بين الناس.
﴿تنبيه﴾: شكوى المريض لا تخلو من حالين: الأولى: أن تكون على سبيل التضجر والجزع، وهذا لا شك في كراهيته لأنه دليلٌ على ضعف اليقين وعدم الرضا بقضاء الله وقدره.
والثانية: على سبيل الإخبار عن الحال دون الالتفات إلى المخلوقين أو التعلق بهم، وهذا لا ريب في إباحته والدليل يعضده.
(حديث عائشة الثابت في صحيح ابن ماجة) قَالَتْ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْبَقِيعِ فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي وَأَنَا أَقُولُ وَا رَأْسَاهُ فَقَالَ بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَا رَأْسَاهُ ثُمَّ قَالَ مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَقُمْتُ عَلَيْكِ فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ.

(حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ قَالَ أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا.
(10) جواز البكاء عند المريض ما لم يكن فيه تسخط أو جزع:

(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قاَل َدَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.
ظئرا: أي زوج المرضعة وهو معنى مستعار.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ.
(11) ما يقال عند المريض من الدعاء ونحوه:

ينبغي على من عاد مريضاً أن لا يقول إلا خيراً، لأن الملائكة تؤمن على قوله، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

(حديث أم سلمة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا حَضَرْتُمْ الْمَرِيضَ أَوْ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ قَالَ قُولِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً قَالَتْ فَقُلْتُ فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ويستحب للعائد أن يدعو للمريض بالرحمة، والمغفرة، والتطهير من الذنوب، والسلامة والعافية.
وللنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعوات، ينبغي على العائد أن يدعو بها، لأنها صدرت من المعصوم الذي أوتي جوامع الكلم، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.
فمن دعائه: أ- (لا بأس طهور إن شاء الله).
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ طَهُورٌ كَلَّا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَعَمْ إِذًا.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: قوله: (لا بأس) أي أن المرض يكفر الخطايا، فإن حصلت العافية فقد حصلت الفائدتان، وإلا حصل ربح التكفير.
وقوله: (طهور) هو خبر مبتدأ محذوف أي هو طهور لك من ذنوبك أي مطهرة (1). وفي الحديث من الفوائد أنه ينبغي على المريض أن يقبل دعاء الناس له، و لا يتذمر من دعائهم له بالتطهير من الذنوب كما هو حال ذاك الأعرابي في الحديث.
ب- (اللهم اشف... فلاناً) مرة - أو ثلاث مرار.
(1).. فتح الباري (10/ 124)

(حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ تَشَكَّيْتُ بِمَكَّةَ شَكْوًا شَدِيدًا فَجَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أَتْرُكُ مَالًا وَإِنِّي لَمْ أَتْرُكْ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً فَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي وَأَتْرُكُ الثُّلُثَ فَقَالَ لَا قُلْتُ فَأُوصِي بِالنِّصْفِ وَأَتْرُكُ النِّصْفَ قَالَ لَا قُلْتُ فَأُوصِي بِالثُّلُثِ وَأَتْرُكُ لَهَا الثُّلُثَيْنِ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ عَلَى كَبِدِي فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ حَتَّى السَّاعَةِ.
(حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ فَبَكَى قَالَ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ثَلَاثَ مِرَارٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قَالَ فَبِالثُّلُثَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَالنِّصْفُ قَالَ لَا قَالَ فَالثُّلُثُ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ بِعَيْشٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَقَالَ بِيَدِهِ.
قال ابن الجوزي: وفي قوله: (اللهم اشف سعداً) دليلٌ على استحباب الدعاء للمريض بالعافية (1). ت- (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك) سبع مرات.
(1). كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 233) رقم (164)

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ.
ث- (اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً، أو يمشي إلى جنازة [ورواية: الصلاة]).
(حديث ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جَنَازَةٍ.
(حديث ابن عمروـ رضي الله عنهما ـ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى صَلَاةٍ.
(12) وضع اليد على المريض:

يستحب للعائد أن يضع يده على جسد المريض ويدعو له، اقتداء بنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد يكون لوضع اليد أثرٌ في تخفيف الألم أو إزالته بالكلية، ولكن لا يمكن الجزم بذلك لعدم ورود النصوص في ذلك الخصوص.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: قال ابن بطال: في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحاً.
قلت [ابن حجر] وقد يكون العائد عارفاً بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما يناسبه (1). وقد جاء ذكر وضع يده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -الشريفة- في عدة مواضع.
ففي حديث سعد بن أبي وقاص السابق: (ثم وضع يده على جبهته، ثم مسح يده على وجهي وبطني ثم قال: اللهم اشف سعداً.. الحديث).
وعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عاد مريضاً يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: بسم الله) (2). (13) رقية المريض: (1). فتح الباري (10/ 126) (2). قال ابن حجر في الفتح (10/ 126): أخرجه أبو يعلى بسند حسن.

يستحب للعائد أن يرقي المريض، كما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل، ولا سيما إن كان العائد من أهل التقى والصلاح، فإن رقيته أنفع من رقية غيره لصلاحه وتقواه.
وقد رقى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض المرضى من أهله وغيرهم، وأقر بعض أصحابه على رقاهم، نسوق منها ما يحضرنا، فمنها: أ- الرقية بالمعوذات.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
(حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ (1) عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ (2) فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي.
ب- الرقية بـ (فاتحة الكتاب).
(1). النفث: أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيءٌ من الريق والنفث: شبيه بالنفخ.
قاله في لسان العرب (2/ 195) مادة: (نفث) (2). قال الحافظ: والمراد بالمعوذات سورة قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وجمع إما باعتبار أن أقل الجمع اثنان أو باعتبار أن المراد بالكلمات التي يقع بها من السورتين، ويحتمل أن المراد بالمعوذات هاتات السورتان مع سورة الإخلاص وأطلق ذلك تغليباً، وهذا هو المعتمد.
فتح الباري (7/ 738)

(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ نَعَمْ فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَبَرَأَ الرَّجُلُ فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ خُذُوا مِنْهُمْ وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ.
ت- الرقية بـ (أذْهِب البأس، رب الناس، أشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً) (حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ قَالَ أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا.
ث-الرقية بـ (باسم الله أرقيك، من كل شيءٍ يؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عين حاسدٍ الله يشفيك، باسم الله أرقيك).
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ نَعَمْ، قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ.
ج- الرقية بـ (بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يُشفى سقيمنا بإذن ربنا).
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا.

(حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا بِاسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام في حال المسح والله أعلم (1). ﴿تنبيه﴾: يحرص بعض الناس عند زيارة المرضى على اصطحاب (باقة ورد) يقدمها للمريض، وبعضهم يكتب عليها عبارات وأمنيات بالشفاء العاجل ونحو هذا، وهذا عندهم أفضل ما يقدم للمريض.
ومن المعلوم عند كثيرٍ من الناس أن هذا التقليد جاءنا من بلاد النصارى، الذي نُهينا عن التشبه بهم، والتشبه باليهود والنصارى محرم.
فعجيبٌ حال هؤلاء استبدلوا الدعاء للمريض بالتطهير والرحمة والمغفرة والعافية، بعبارات جوفاء، وأمنيات لا تقدم ولا تؤخر!.
واستبدلوا الرقى الشرعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بباقة ورد قد تذبل بعد يوم أو يومين!.
اللهم اهدنا صراطك المستقيم، غير مغضوب عليهم ولا ضآلين.
آمين.

(14) تلقين المريض الشهادة إذا حضر أجله وإغماض عينيه والدعاء له إذا مات:

عندما يدنو أجل المريض وتظهر عليه علامات الموت، فإنه يستحب للعائد أن يذّكر المريض برحمة الله الواسعة ولا يقنطه منها، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه (2). ويستحب له -أيضاً- أن يلقنه الشهادة برفق ولين.
(1). شرح صحيح مسلم.
المجلد السابع (14/ 151) (2). شرح مسلم للنووي.
المجلد التاسع (17/ 176)

فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) (1). (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فإنَّهُ مَنْ كَانَ آخرُ كَلامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ المَوتِ دَخَلَ الجَنَّةَ يوماً مِنْ الدَهْرِ و إنْ أصَابَهُ قَبْلَ ذَلكَ مَا أصَابَه.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: والأمر بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق، قالوا: وإذا قاله مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به ليكون آخر كلامه (2). فإذا مات أستحب لمن حضره أن يغمض عينيه ويدعو له، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث أم سلمة الثابت في صحيح مسلم) قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ (3) وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ.

آداب اللباس:

آداب اللباس:

للباس آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب اللباس جملةً وتفصيلا: أولاً آداب اللباس جملةً: (1) وجوب ستر العورة: (2) استحباب لبس البياض: 1 استحباب لبس الثياب الطيبة الجميلة: (1). رواه مسلم (916)، وأحمد (10610)، والترمذي (976)، والنسائي (1826)،وأبوداود (3117)، وابن ماجه (1445) (2). شرح صحيح مسلم.
المجلد الثالث (6/ 183)

(4) استحباب لبس القميص: (5) استحباب إظهار النعمة في الملبس ونحوه: (6) استحباب التواضع في الثياب: (7) السنة تقصير لباس الرجل، وتطويل لباس المرأة: (8) من السنة التيامن في اللباس ونحوه: (9) ما يقال عند لبس الجديد: (10) ذم التنعم: (11) لبس العمامة: (12) تحريم تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال: (13) تحريم جر الثوب خيلاء: (14) تحريم لباس الشهرة: (15) تحريم ارتداء الملابس التي عليها صلبان أو تصاوير: (16) تحريم ثياب الكفار: (17) السنة في التنعل: (18) آداب لبس النساء: ثانيا آداب اللباس تفصيلا:

(1) وجوب ستر العورة:

امتن الله على عباده حيث سترهم بلباس حسيٍ، ثم أرشدهم إلى لباس آخر معنوي أعظم من اللباس الأول، قال تعالى: (يَابَنِيَ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلّهُمْ يَذّكّرُونَ يَابَنِيَ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنّكُمُ الشّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مّنَ الْجَنّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف 26: 27]} قال ابن كثير-في تفسير هذه الآية-: يمتن الله على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والريش ما يتجمل به ظاهراً، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات (1). (حديث ابن عباس في صحيح مسلم) قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة وتقول: من يعيرني تِطوافاً؟ تجعله على فرجها.
وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية: "خذوا زينتكم عند كل مسجد".
و التِطواف (بكسر التاء).
﴿تنبيه﴾: هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان وارداً على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(حديث معاوية بن حيدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قيل: إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قيل: إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس.
(1). تفسير القرآن العظيم.
(2/ 217) ط. دار الكتب العلمية -بيروت -1418هـ.

(احفظ عورتك) صنها عن العيون (إلا من زوجتك) بالتاء لغة وبدونها جاء القرآن (أو ما ملكت يمينك) أي و الأمة فقد حل لك وطؤها (قيل إذا كان القوم بعضهم في بعض) كأب وجد وابن وابنة أو المراد المثل لمثله كرجل لرجل وأنثى لأنثى.
(قال إن استطعت أن لا يرينها أحداً فلا يرينها) أي اجتهد في حفظها ما استطعت وإن دعت ضرورة للكشف جاز بقدرها.
(قيل إذا كان أحدنا خالياً) أي في خلوة فما حكم ستر عورته حينئذ (قال الله أحق أن يستحيا منه من الناس... ) أي أوجب أن يستحيا منه من الناس، وهو تعالى وإن كان لا يحجبه شيء ويرى المستور كما يرى العاري لكن رعاية الأدب تقتضي الستر.
قال بعض أهل العلم: هذا إشارة إلى مقام المراقبة فإن العبد إذا امتنع عن كشف عورته حياء من الناس فلأن يستحيي من ربه المطلع عليه في كل حال وكل وقت أولى والداعي إلى المراقبة أمور أعظمها الحياء قيل إن إبراهيم بن أدهم صلى قاعداً ثم مد رجله فهتف به هاتف أهكذا تجالس الملوك فما مدها بعد أبداً وقال الحكيم من تعرى خالياً ولم يحتشم فهو عبد قلبه غافل عن الله لم يعلم بأن الله يرى علم اليقين ولذلك كان الصديق رضي الله تعالى عنه يقنع رأسه عند دخوله الخلاء حياء من الله تعالى وكان عثمان رضي الله تعالى عنه يغتسل في بيت مظلم حتى لا يرى عورة نفسه.
(حديث يعلى في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله حَييٌ سِتير يحبُ الحياءَ والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر.
(حديث عائشة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من امرأة تضَعُ ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت السترَ بينها و بين الله.
وستر العورة من الآداب العظيمة التي أمر بها الإسلام، بل نُهي الرجال والنساء عن النظر إلى عورات بعضهم لما يترتب عليه من المفاسد، والشريعة جاءت بسد كل باب يفضي إلى الشر.
والعورة هي ما يسوء الإنسان إخراجه، والنظر إليه؛ لأنها من العور وهو العيب، وكل شيء يسوؤك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب، قاله ابن عثيمين (1)(1). الشرح الممتع (2/ 144)

(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ (1). (حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ قَالَ فَانْحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً.
(حديث معاوية بن حيده الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.
وعورة الرجل التي أُمر بسترها ـ ماعدا عن زوجه وأمته ـ من السرة إلى الركبة.
والمرأة كلها عورة ـ إلا عن زوجها ـ، وأما محارمها فلهم النظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه، واليدين، والشعر، والرقبة ونحو ذلك.
وعورتها مع بنات جنسها من السرة إلى الركبة.
مسألة: هل فخذ الرجل عورة؟ (1). أي لا يضطجعان متجردين تحت ثوب واحد.
قاله في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي.

الجواب: قالت اللجنة الدائمة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن فخذ الرجل عورة، واستدلوا بأحاديث لا يخلو كل منها عن مقال في سنده من عدم اتصاله، أو ضعف في بعض الرواة، لكنها يشد بعضها بعضاً فينهض بمجموعها للاحتجاج به على المطلوب، ومن تلك الأحاديث... ما رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي من حديث جرهد الأسلمي -رضي الله عنه- قال: مر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليَّ بردة وقد انكشفت فخذي فقال: (غط فخذك فإن الفخذ عورة) حسنه الترمذي (1). وذهب جماعة إلى أن فخذ الرجل ليست عورة، واستدلوا بما رواه أنس -رضي الله عنه- أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسر الإزار عن فخذه حتى أني لأنظر إلى بياض فخذه.
رواه أحمد والبخاري وقال حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط (2)، وقول الجمهور أحوط ولأن الأحاديث الأولى نص في الموضوع، وحديث أنس-رضي الله عنه- محتمل (3). مسألة 2: تتعمد بعض النساء لبس بعض الملابس التي تُظهر مفاتنها وزينتها الباطنة، كأن تُظهر ظهرها أو فخذها أو جزء منه، أو تلبسُ ما يشفُ جسدها، أو ضيقاً يبرز مفاتنها.
ويحتج بعضهن بأن العورة المأمور بسترها بين النساء تكون من السرة إلى الركبة، وإنهن إنما يلبسن ذلك في مجامع النساء فقط.
فما الجواب عن ذلك؟ (1). وصحح الألباني رواية أبي داود برقم (3389) (2). انظر صحيح البخاري/ كتاب الصلاة/ باب: ما يذكر في الفخذ.
(3). فتوى اللجنة الدائمة رقم (2252) (6/ 165 - 167)

الجواب: لا شك أن عورة المرأة مع المرأة تكون من السرة إلى الركبة، ولكن هذا مشروطٌ بالأمن من الفتنة، وواقع كثير من النساء اليوم أنهن تجاوزن الحد في ستر عوراتهن (1)، بل أدى الحال إلى افتتان بعض النساء ببعض، ولهن في ذلك قصص معلومة علمها من علمها وجهلها من جهلها.
وليس مجمع النساء عذرٌ في لبس ما يحلو للمرأة لبسه، بل متى كان داعياً للفتنة ومحركاً للغرائز فإنه يحرم ولو كان ذلك بين أوساط النساء.
وللشيخ ابن عثيمين كلامٌ في لبس الضيق من اللباس، يحسن بنا أن نذكره، فقال (2): لبس الملابس الضيقة التي تبين مفاتن المرأة وتبرز ما فيه الفتنة محرم، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس-يعني ظلماً وعدواناً-.
ونساء كاسيات عاريات ما ئلات مميلات) (3). فقد فسر قوله: (كاسيات عاريات) بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة لا تستر ما يجب ستره من العورة، وفُسر بأنهن يلبسن ألبسة تكون خفيفة لا تمنع من رؤية ما وراءها من بشرة المرأة، وفُسرت بأن يلبسن ملابس ضيقة فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس هذه الملابس الضيقة إلا لمن يجوز لها إبداء عورتها عنده وهو زوجها فإنه ليس بين الزوج وزوجته عورة لقول الله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾، وقالت عائشة: (كنت أغتسل أنا والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه) (4). فالإنسان بينه وبين زوجته لا عورة بينهما، وأما بين المرأة والمحارم فإنه يجب عليها أن تستر عورتها، والضيق لا يجوز عند المحارم... ولا عند النساء إذا كان ضيقاً شديداً يبين مفاتن المرأة (5)(1). وأخبارهن لا تسر المؤمن، وننزه أسماعكم وأبصاركم عن إيرادها، ومن أراد معرفة ذلك فليسأل النساء فعندهن الكثير من أخبارهن، والله المستعان.
(2). ويقاس عليه الملابس الشفافة، والعارية من باب أولى.
(3). رواه مسلم (2128)، وأحمد (8451)، ومالك (1694). وتمامه عند مسلم: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة... ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).
(4). رواه البخاري (261)، ومسلم (316) وغيرهما.
(5). فتاوي الشيخ محمد بن عثيمين (2/ 825 - 826). ط. دار عالم الكتب - الرياض- الطبعة الأولى 1411هـ

﴿تنبيه﴾: من الأدب مع الله -سبحانه وتعالى- أن يستتر الذي يريد غسلاً بشيء يستره ويواريه، وخصوصاً من كان في الأمكنة المكشوفة التي لا يحجبها شيء.
فقد روى يعلى-رضي الله عنه- أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رأى رجلاً يغتسل بالبراز (1) بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله عز وجل حيىٌ ستيرٌ يحبُ الحياءَ والسترَ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر) (2). وفي حديث حكيم عن أبيه عن جده قال: (... قلت يا رسول الله: إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: اللهُ أحقُ أن يستحيا منه من الناس) (3). (2) استحباب لبس البياض:

(حديث ابن عباس الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ.
وفي المقابل نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرجل عن لبس الثوب المعصفر والثوب المشبع بحمرة.
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ (4) فَقَالَ أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا قُلْتُ أَغْسِلُهُمَا قَالَ بَلْ أَحْرِقْهُمَا.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: قوله: (أأمك أمرتك بهذا) معناه أن هذا من لباس النساء وزيهن وأخلاقهن، وأما الأمر بإحراقهما فقيل هو عقوبة وتغليظ لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل، قاله النووي (5). وقد يكون النهي عن لبس المعصفر لأجل التشبه بالكفار، وهو أولى لما جاء في الحديث:... (إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها).
(3) استحباب لبس الثياب الطيبة الجميلة: (1). البَرازُ، بالفتح: المكان الفضاء من الأرض البعيد الواسع، وإذا خرج الإنسان إلى ذلك الموضع قيل: قد برز يبرز بروزاً، أي خرج إلى البراز.
والبراز، بالفتح أيضاً: الموضع الذي ليس به خمرٌ من شجر ولا غيره... (لسان العرب 5/ 309) مادة: (برز) (2). رواه أبو داود (4012) وصححه الألباني، ورواه أحمد (17509)، والنسائي (406) (3). تقدم تخريجه.
(4). المعصفر: ما صبغ بصبغ أصفر اللون.
وقال ابن حجر: غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر.
(انظر فتح الباري 10/ 318) (5). شرح مسلم.
المجلد السابع (14/ 45)

(حديث أنس في الصحيحين) قال: كان أحب الثياب إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحِبَرَة.
[الحِبَرَة] بُرْدٌ يماني من قطن، وكانت أفضلَ الثياب عندهم.
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ وغَمْطِ الناس.
الشاهد قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[جميل يحب الجمال] حين قيل له: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة.
(4) استحباب لبس القميص:

(حديث أم سلمة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: رضي الله تعالى عنها: كان أحب الثياب إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - القميص.
(كان أحب الثياب إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) من جهة اللبس (القميص) أي كانت نفسه تميل إلى لبسه أكثر من غيره من نحو رداء أو إزار لأنه أستر منهما وأيسر لاحتياجهما إلى حل وعقد بخلافه فهو أحبها إليه لبساً والحبرة أحبها إليه رداء فلا تدافع بين حديثيهما.
(5) استحباب إظهار النعمة في الملبس ونحوه:

يستحب لمن آتاه الله مالاً أن يظهر أثر نعمة الله عليه بلبس الجميل من الثياب من غير إسراف ولا مخيلة.
ولا يشدد على نفسه، أو يبخل بماله، بل يلبس الجديد والجميل والنظيف من الثياب إظهاراً لنعمة الله عليه.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ.
(حديث أَبِي الْأَحْوَصِ رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْبٍ دُونٍ (1) فَقَالَ أَلَكَ مَالٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ مِنْ أَيِّ الْمَالِ قَالَ قَدْ آتَانِي اللَّهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ قَالَ فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ.
والناس في هذا الباب طرفان ووسط، فقومٌ شددوا على أنفسهم وقتروا عليها إما ديناً ـ بزعمهم ـ أو بخلاً.
وقومٌ أفرطوا وجاوزوا الحد فأنفقوا الأموال الكثيرة، في ثيابٍ تُبلى وتخلق.
وقومٌ وسط أظهروا نعمة الله عليهم في ملبسهم ومسكنهم من غير إسراف ولا مخيلة.
(1). أي رديء أوحقير.

(6) استحباب التواضع في الثياب:

(حديث عائشة في الصحيحين) أنها أخرجت كساءاً وإزاراً غليظاً فقالت: قُبِضَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذين.
(حديث أبي أُمامةَ في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البذاذةُ من الإيمان.
(البذاذة) التقشف في الثياب و رثاثة الهيئة وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس إيثاراً للخمول بين الناس.
(من الإيمان) أي من أخلاق أهل الإيمان إن قصد به تواضعاً وزهداً وكفاً للنفس عن الفخر والتكبر لا إن قصد إظهار الفقر وصيانة المال وإلا فليس من الإيمان من عرَّض النعمة للكفران وأعرض عن شكر المنعم المنان لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
فالحسن والقبح في أشباه هذا بحسب قصد القائم بها إنما الأعمال بالنيات.
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
(7) السنة تقصير لباس الرجل، وتطويل لباس المرأة:

فرَّقت الشريعة المحمدية بين لباس الرجل والمرأة في الطول والقصر، فحدت للرجل ما بين نصف ساقة إلى ما فوق الكعبين، وألزمت المرأة بستر قدميها فلا يظهر منه شيء.
وذلك لأن بدن المرأة أو جزء منه فتنة للرجال فأُمرت بستره كله، وأما الرجال فأمروا برفع أثوابهم، كي لا يدخل الكبر والعجب والخيلاء إلى قلوبهم، مع ما في إرخاء الثوب من تنعم ورفاهية لا تتناسب مع طبع الرجال.
والعجيب أن كثيراً من الناس خالفوا السنة وقلبوا الأمر، فأطال الرجال ثيابهم حتى أصبحت تجر الأرض بل تكنسه!، وقصرت النساء من ثيابهن فبدت سوقهن، ومنهن من تجاوزن ذلك.
والآثار في هذا الباب كثيرةٌ جداً ومعلومة لخاصة الناس وعامتهم، ولكن منعت الشهوات والهوى المخالفين من اتباع الحق ولزومه، ونذكر ما يحضرنا هنا تذكيراً للمؤمنين، وزجراً للعاصين المخالفين -نسأل الله لنا ولهم الهداية والاستقامة على دينه-.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ.

(حديث أبي ذر الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ يَقُولُ ثَلَاثًا لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا.
(حديث أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُرْخِي شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ.
﴿تنبيه﴾: القصد من تطويل ثوب المرأة هو ستر القدمين، فلو كان ثوب المرأة لا يستر قدميها ولبست مع ذلك (شُراباً) أو نحو ذلك مما يستر جاز.
قال ابن عثيمين: فإن ستر قدمي المرأة أمرٌ مشروع بل واجب عند كثير من أهل العلم، فالذي ينبغي للمرأة أن تستر قدميها إما بثوبٍ ضافٍ عليها وإما بلباس شراب أو كنادر أو شبهها (1)(1). فتاوى الشيخ ابن عثيمين.
(2/ 838)

جارٍ التحميل