كتاب الزهد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
كذلك أمر الله اليوم وقبل ذلك أمره فيمن مضى لأن حجة الله بالغة، والعذر بارز، وكل مواف الله ولما عمل.
ثم يكون القضاء من الله وعباده على أحد أمرين: فمقضي له رحمته وثوابه فيالها نعمة وكرامة ومقضي له سخطه وعقوبته فيالها حسرة وندامة، ولكن حق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند الله صغير، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم، أو ليس ما ذكر الله من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه، فإنها قد أذنت بزوال.
أيدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، يبلى جديدها، ويسقم صحيحها، ويفتقر غنيها.
ميالة بأهلها، لعابة بهم على كل حال.
ففيها عبرة لمن اعتبر، وبيان فعلامَ تنتظر.
يا ابن آدم أنت اليوم في دار هي لافظتك وكأن قد بدا لك أمرها وإلى انصرام ما تكون سريعاً ثم يفضى بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطراً، فاتق الله يا ابن آدم وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، فإذا أنت يا ابن آدم قد ندمت حيث لا تغني الندامة عنك، ارفض الدنيا ولتسخ بها نفسك ودع منها الفضل فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها، صاحب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزدك إعجاب أهلها بها زاهداً فيها وحذراً منها، فإن الصالحين كذلك كانوا.
واعلم يا ابن آدم أنك تطلب أمراً عظيماً لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله؛ ولا تدع حظك وقد عرض عليك، وأنت مسئول ومقول لك فأخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء، وأمر العباد بطاعة الله وطاعة رسوله، فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة وضرب لأهلها أجل إذا انتهوا إليه يبيد.
أخرج نباتها، وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها يعني سبيل الطاعة ووعدهم عليها الجنة، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه، سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له، ولكل جزاء من الله بما عمل، ونصيب غير منقوص، ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحداً من خلقه، ولا رضي له بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها، والنهي عنها، ورغب في غيرها.
وقد بين لعباده أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن، هائل المطلع، نقلهم عنه، أراه إلى دار لا يشبه ثوابهم ثواباً، ولا عقابهم عقاباً، لكنها دار خلود يدين الله تعالى فيها العباد بأعمالهم ثم ينزلهم منازلهم، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم، فرحم الله عبداً طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجَّهه وجهه الذي هو وجهه.
ويحك يا ابن آدم ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة؛ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر؛ هذا فضح القوم، ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة الله تعالى وكرامته، والله لقد صحبنا أقواماً كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا حاجة، ليس لها خلقنا، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم نعم والله حتى أهرقوا فيها دماءهم ورجوا فأفلحوا ونجوا.
هنيئاً لهم لا يطوي أحدهم ثوباً، ولا يفترشه، ولا تلقاه إلا صائماً ذليلاً متبائساً خائفاً حتى إذا دخل إلى أهله إن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت لا يسألهم عن شيء ما هذا وما هذا، ثم قال:
ليس من مات فاستراح بميت... إنما الميت ميت الأحياء
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يا ابن آدم عملك عملك فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقي عملك، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق مما يقرب إلى الله عز وجل.
يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرن من الخير شيئاً وإن هو صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن من الشر شيئاً فإنك إذا رأيته ساءك مكانه، فرحم الله رجلاً كسب طيباً وأنفق قصداً، فضلاً ليوم فقره وفاقته هيهات هيهات ذهبت الدنيا بحالتي مآلها وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون? المعاينة فكأن قد.
إنه لا كتاب بعد كتابكم، ولا نبي بعد نبيكم.
يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو بكر الهذلي، قال: كنا نجلس عند الحسن فأتاه آت، فقال: يا أبا سعيد دخلنا آنفاً على عبيد الله بن الأهتم فإذا هو يجود بنفسه، فقلنا: يا أبا معمر كيف تجدك? قال: أجدني والله وجعاً، ولا أظنني إلا لما بي، ولكن ما تقولون في مائة ألف في هذا الصندوق لم تؤد منها زكاة، ولم يوصل منها رحم? فقلنا: يا أبا معمر فلم كنت تجمعها؟ قال: كنت والله أجمعها لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة، فقال الحسن: انظروا هذا البائس أني أتاه الشيطان؛ فحذره روعة زمانه فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، عما استودعه الله إياه، وعمره فيه، خرج والله منه كئيباً حزيناً ذميماً مليماً، أيها عنك الوارث أيها لا تخدع كما خدع صويحبك أمامك، أتاك هذا المال حلالاً، فإياك وإياك أن يكون وبالاً عليك، أتاك والله ممن كان له جموعاً منوعاً يدأب فيه الليل والنهار، يقطع فيه المفاوز والقفاز، من باطل جمعه، ومن حق منعه، جمعه فأوعاه، وشده فأوكاه، لم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحماً، إن يوم القيامة ذو حسرات، وإن أعظم الحسرات غداً أن يرى أحدكم ماله في ميزان غيره، أو تدرون كيف ذاكم? رجل آتاه الله مالاً وأمره بإنفاقه في صنوف حقوق الله فبخل به فورثه هذا الوارث فهو يراه في ميزان غيره.
فيا لها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن قال أبو عبيدة: قال الحسن: رحم الله امرءاً عرف ثم صبر، ثم أبصر فبصر؛ فإن أقواماً عرفوا فانتزع الجزع أبصارهم، فلا هم أدركوا ما طلبوا، ولا هم رجعوا إلى ما تركوا، اتقوا هذه الأهواء المضلة البعيدة من الله التي جماعها الضلالة وميعادها النار لهم محنة، من أصابها أضلته، ومن أصابته قتلته.
يا ابن آدم دينك دينك فإنه لحمك ودمك إن يسلم لك دينك يسلم لك لحمك ودمك وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله فإنها نار لا تطفي، وجرح لا يبرأ وعذاب لا ينفذ أبداً، ونفس لا تموت.
يا ابن آدم إنك موقوف بين يدي ربك ومرتهن بعملك، فخذ مما في يديك لما بين يديك.
عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جواباً، إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هشام.
قال: سمعت الحسن، يقول: والله لقد أدركت أقواماً ما طوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئاً قط، وإن كان أحدهم ليقول: لوددت أني أكلت أكلة في جوفي مثل الآجرة، قال: ويقول لنا: أن الآجرة تبقى في الماء ثلاث مائة سنة.
ولقد أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليرث المال العظيم قال: وإنه والله لمجهود شديد الجهد، قال: فيقول لأخيه: يا أخي إني قد علمت أن ذا ميراث وهو حلال ولكني أخاف أن يفسد على قلبي وعملي فهو لك لا حاجة لي فيه، قال: فلا يرزأ منه شيئاً أبداً وإنه مجهود شديد الجهد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: يا ابن آدم سرطاً سرطاً، جمعاً جمعاً في وعاء، وشداً شداً في وكاء، ركوب الذلول ولبوس اللين، ثم قيل مات فأفضى والله إلى الآخرة، إن المؤمن عمل لله تعالى أياما يسيرة فوالله ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها ورخائها، ولكن راقت الدنيا له فاستهانها وهضمها لآخرته، وتزود منها فلم تكن الدنيا في نفسه بدار، ولم يرغب في نعيمها ولم يفرح برخائها ولم يتعاظم في نفسه شيء من البلاء إن نزل به مع احتسابه للآجر عند الله ولم يحتسب نوال الدنيا حتى مضى راغباً راهباً فهنيئاً هنيئاً، فأمن الله بذلك روعته وستر عورته ويسر حسابه، وكأن الأكياس من المسلمين يقولون: إنما هو الغدو والرواح وحظ من الدلجة والاستقامة لا يلبثك يا ابن آدم أن على الخير.
حتى أن العبد إذا رزقه الله تعالى الجنة فقد أفلح.
وأن الله تعالى لا يخدع عن جنته ولا يعطي بالأماني، وقد اشتد الشح وظهرت الأماني وتمنى المتمني في غروره.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن موهب بن عبد الله، قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إليه الحسن البصري كتاباً بدأ فيه بنفسه أما بعد؛ فإن الدنيا دار مخيفة، إنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة، واعلم أن صرعتها ليست كالصرعة، من أكرمها يهن، ولها في كل حين قتيل، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء خيفة طول البلاء والسلام.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: رحم الله رجلاً لبس خلقاً، وأكل كسرة، ولصق بالأرض، وبكى على الخطيئة، ودأب في العبادة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: فضح الموت الدنيا فلم يترك فيها لذي لب فرحاً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، يقول: إن أفسق الفاسقين الذي يركب كل كبيرة، ويسحب على ثيابه ويقول: ليس علي بأس، سيعلم أن الله تعالى ربما عجل العقوبة في الدنيا وربما أخرها ليوم الحساب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن في حلية الأولياء عن، عن علقمة بن مرثد، قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن وإلى الشعبي فأمر لهما ببيت وكانا فيه شهراً أو نحوه ثم إن الخصى غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصا له فسلم ثم جلس معظماً لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك ينفذ كتباً أعرف في إنفاذها الهلكة فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله عز وجل فهل تريا لي في متابعته إياه فرجاً ? فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير، فتكلم الشعبي فانحط في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد، فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقوله أنت يا أبا سعيد? فقال: أقول يا عمر بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله عز وجل.
يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت فيغلق فيها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناساً من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إني أخوفك مقاماً خوفكه الله تعالى فقال: ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.
يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله تعالى في طاعاته كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه، قال: فبكى عمر وقام بعبرته، فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزها وكثر منه ما للحسن، وكان في جائزته للشعبي بعض الإقتار فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه فليفعل فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن منه شيئاً فجهلته ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه؛ قال وقام المغيرة بن مخادش ذات يوم إلى الحسن، فقال: كيف نصنع بأقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال الحسن: والله لئن تصحب أقواماً خوفونك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يلحقك الخوف، فقال له بعض القوم: أخبرنا صفة أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدى والصدق وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمأت هواجرهم، ونحلت أجسامهم واستحقوا بسخط المخلوقين رضى الخالق لم يفرطوا في غضب ولم يحيفوا في جور ولم يجاوزوا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين.
حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن جعفر، قال: خرج الحسن من عند ابن هبيرة فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: ما يجلسكم ها هنا تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم بمجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد لقحتم نعالكم وشمرتم ثيابكم وجززتم شعوركم فضحتم القراء فضحكم الله، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، لكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم أبعد الله من أبعد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى، قال: إنا لله عز وجل عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار مخلدين، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فمصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، أو خولطوا وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: ابن آدم أصبحت بين مطيتين لا يعرجان بك خطر الليل والنهار حتى تقدم الآخرة؛ فأما إلى الجنة وأما إلى النار، فمن أعظم خطراً منك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله عز وجل كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً وأشد الناس خوفاً لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، ولا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس علي، فينسى العمل ويتمنى على الله تعالى.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مسلمة بن جعفر، قال: سمعت أن الحسن كان يقول: لما بعث الله عز وجل محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرفون وجهه ويعرفون نسبه، قال: هذا نبي هذا خياري خذوا من سنته وسبيله، أما والله ما كان يغدي عليه بالجفان ولا يراح، ولا يغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجبة كان يجلس بالأرض ويوضع طعامه بالأرض ويلبس الغليظ ويركب الحمار ويردف خلفه وكان يلعق يده، وكان يقول الحسن: ما أكثر الراغبين عن سنة نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما أكثر التاركين لها.
ثم إن علوجاً فساقاً أكلة ربا وغلول، قد شغلهم ربي عز وجل ومقتهم.
زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وساروا البيت وزخرفوها، ويقولون: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، ويذهبون بها إلى غير ما ذهب الله بها إليه، إنما جعل الله ذلك لأولياء الشيطان.
الزينة ما ركب ظهره والطيبات ما جعل الله تعالى في بطونها فيعمد أحدهم إلى نعمة الله عليه فيجعلها ملاعب لبطنه وفرجه وظهره ولو شاء الله إذا أعطى العباد ما أعطاهم أباح ذلك لهم ولكن تعقبها بما يسمعون؛ فكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين.
فمن أخذ نعمة الله وطعمته أكل بها هنيئاً مريئاً ومن جعلها ملاعب لبطنه وفرجه على ظهره جعلها وبالاً يوم القيامة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن العوام بن حوشب، قال: سمعت الحسن يقول: من كانت له أربع خلال حرمه الله على النار، وأعاذه من الشيطان، من يملك نفسه عند الرغبة، والرهبة، وعند الشهوة، وعند الغضب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: أنه لما حضره الموت دخل عليه رجال من أصحابه فقالوا له: يا أبا سعيد زودنا منك كلمات تنفعنا بهن.
قال: إني مزودكم ثلاث كلمات ثم قوموا عني ودعوني ولما توجهت له؛ ما نهيتم عنه من أمر فكونوا من أترك الناس له، وما أمرتم به من معروف فكونوا من أعمل الناس به، واعلموا أن خطاكم خطوتان خطوة لكم وخطوة عليكم فانظروا أين تغدون وأين تروحون.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، يقول: رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك.
ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي جميع سالم، قال: سمعت الحسن، يقول: لقد أدركت أقواماً كانوا أأمر الناس بالمعروف وآخذهم به وأنهى الناس عن منكر وأتركهم له، ولق بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه، فكيف الحياة مع هؤلاء.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: فضل الفعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عيسى بن عمر، قال: قال الحسن: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقرعوا النفوس فإنها خليعة وإنكم إن أطعمتموها تنزل بكم إلى شر غاية.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: إن المؤمن قوام على نفسه بحساب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول: والله إن لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من وصلة إليك هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ما أردت إلى هذا مالي ولهذا والله مالي عذر بها ووالله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله، إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى فكاك رقبته إلى يأمن شيئاً حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه من ذلك كله.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال قال: يا ابن دم إذا رأيت الناس في خير فنافسهم فيه وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا لأنفسهم قد رأينا أقواماً آثروا عاجلتهم على عاقبتهم فذلوا وهلكوا وافتضحوا، يا ابن آدم إنما الحكم حكمان فمن حكم بحكم الله فإمام عدل ومن حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية، إنما الناس ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق؛ فأما المؤمن فعامل الله بطاعته، وأما الكافر فقد أذله الله كما قد رأيتم، وأما المنافق فههنا معنا في الحجر والطرق والأسواق نعوذ بالله والله ما عرفوا ربهم.
اعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة.
وإن المؤمن لا يصبح إلا خائفاً وإن كان محسناً لا يصلحه إلا ذلك ولا يمسي إلا خائفاً وإن كان محسناً لأنه بين مخافتين بين ذنب قد مضى لا يدري ماذا يصنع الله تعالى فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من الهلكات.
إن المؤمنين شهود الله في الأرض يعرضون أعمال بني آدم على كتاب الله فمن وافق كتاب الله حمد الله عليه وما خالف كتاب الله عرفوا أنه مخالف لكتاب الله وعرفوا بالقرآن ضلالة من ضل من الخلق.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن.
قال: خصلتان من العبد إذا صلحتا صلح ما سواهما: الركون إلى الظلمة والطغيان في النعمة.
قال الله عز وجل: (وَلاَ تَرْكَنُوَاْ إِلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسّكُمُ النّارُ) [هود: 113]. وقال الله عز وجل: قال تعالى: (وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: 81]
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ) [النحل: 90].
ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة؛ فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئاً من طاعة الله عز وجل إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن في قوله عز وجل: (فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنّي ظَنَنتُ أَنّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ) [الحاقة - 19: 20]. قال: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل.
روى الطبراني عن الحسن البصري أنه قال: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة.
يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.
وجاءه رجل إلى الحسن البصري فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء فقال له الحسن: هل تقوم الليل فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته.
وكان يقول: من علامات المسلم قوة دين، وجزم في العمل وإيمان في يقين، وحكم في علم،
وحسن في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة (جوع) وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة.
لا ترديه رغبته ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يقلبه فرجه، ولا يميل به هواه،
ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نغيته.
وقال له رجل: إن قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً (أي يتصيدون الأخطاء).
فقال: هون عليك يا هذا، فإني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطعمتها في النجاة من النار، فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟
وسُئل الحسن عن النفاق فقال: هو اختلاف السر والعلانية، والمدخل والمخرج،
ما خافه إلا مؤمن (أي النفاق) ولا أمنة إلا منافق، صدق من قال: إن كلامه يشبه كلام الأنبياء.
(5) زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى:
عاش الحسن رضي الله عنه دنياه غير آبه بها، غير مكترث لها، لا يشغله زخرفها ولا يغويه مالها، فكان نعم العبد الصالح، حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، فقيهًا زاهدًا، مشمرًا عابدًا، وفي هذا يقول: إن المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة، الكف من التمر والشربة من الماء، وقال عنه إبراهيم بن عيسى اليشكري: ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وقال عنه علقمة بن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فمنهم الحسن، ولقد شهد له أهل البصرة بذلك، حدث خالد بن صفوان، وكان من فصحاء العرب، فقال لقيت مسلمة بن عبد الملك فقال لي: أخبرني عن حسن البصرة، فقال خالد: أنا خيرٌ من يخبرك عنه بعلم، فأنا جاره في بيته وجليسه في مجلسه وأعلم أهل البصرة به، إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته، وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له، ولقد رأيته مستغنيًا عن الناس زاهدًا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده، فقال مسلمة: حسبك يا خالد حسبك كيف يضل قوم فيهم مثل هذا؟!!
وهاك بعض المواقف الدالة على عظيم زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى، وتدل على أن الدنيا لا تخطر له ببال ولا تور له في خيال:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حميد الطويل، قال: خطب رجل إلى الحسن وكنت أنا السفير بينهما، قال: فكأن قد رضيه، فذهبت يوماً أثني عليه بين يديه، فقلت: يا أبا سعيد وأزيدك أن له خمسين ألف درهم، قال: له خمسون ألفاً ما اجتمعت من حلال، قلت: يا أبا سعيد إنه كما علمت ورع مسلم، قال: إن كان جمعها من حلال فقد ضم بها عن حق، لا والله لا جرى بيننا وبينه صهر أبداً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: أنه كان يتمثل بهذين البيتين أحدهما في أول النهار والآخر في آخر النهار:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى... إذا عرف الداء الذي هو قاتله
وما الدنيا بباقية لحي... ولا حي على الدنيا بباق
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المبارك بن فضالة، قال: كان الحسن إذا تلا هذه الآية: (يَأَيّهَا النّاسُ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ) [فاطر: 5].
قال: من قال ذا? قاله من خلقها وهو أعلم بها، قال: وقال الحسن: إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، يقول: بئس الرفيقان الدرهم والدينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، يقول: ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: لا تخالفوا الله عن أمره فإن خلافاً عن أمره عمران دار قضى الله عليها بالخراب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ضمرة عن ابن شودب، قال: لما مات الحجاج وولى سليمان فأقطع الناس الموات فجعل الناس يأخذون، فقال ابن الحسن لأبيه: لو أخذنا كما يأخذ الناس، فقال: اسكت ما يسرني أن لي ما بين الجسرين بزنبيل تراب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أشعث.
قال: كنا إذا دخلنا على الحسن خرجنا ولا نعد الدنيا شيئاً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن مغول، قال: قال الحسن: غدا كل امرئ فيما يهمه، ومن مهم بشيء أكثر من ذكره، إنه لا عاجلة لمن لا آخرة له، ومن آثر دنياه على آخرته فلا دنيا له ولا آخرة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم ابن عيسى اليشكري، قال: سمعت الحسن إذا ذكر صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها، ولا سلم من تبعها ولا شرها ولا حسابها، ولقد أخرج منها من خرق.
(6) دعاء الحسن البصري على الظالم:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن عبد الرحمن بن علي بن زيد بن جدعان، قال: أخبرت الحسن بموت الحجاج فسجد، وقال: اللهم عقيرك وأنت قتلته فاقطع سنته وأرحنا من سنته وأعماله الخبيثة ودعا عليه.
رحم الله الإمام الحسن البصري فلقد توفي وعمره 88 سنة عام عشر ومائة في شهر رجب.
(7) الحسن البصري يصدع بكلمة الحق في وجه الحجاج:
لما كان الحسن رضي الله عنه قد طلّق الدنيا برمتها، وقد رخصت في عينه، فقد هان عنده كل شيء، فلم يكن يعبأ بحاكم ظالم، ولا أمير غاشم، و لا ذي سلطة متكبر، بل ما كان يخشى في الله لومة لائم، ومن ذلك أن الحجاج كان قد بنى لنفسه قصرًا في " واسط " فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه، وللدعاء له، فخرج الحسن، ولكن لا للدعاء، بل انتهازًا للفرصة حتى يذكر الناس بالله ويعظ الحجاج بالآخرة، فكان مما قال: ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض غروه، ولما حذره أحد السامعين من بطش الحجاج رد عليه الحسن قائلاً: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وفي اليوم التالي وجه الحجاج إلى الحسن بعض شرطه ثم أمر بالسيف والنطع ـ البساط من الجلد يوضع تحت المحكوم عليه بقطع الرأس ـ، فلما جاء الحسن أقبل على الحجاج وعليه عزة المسلم، وجلال المسلم، ووقار الداعية إلى الله، وأخذ يحرك شفتيه يدندن بكلام ويتمتم ببعض الحروف، فلما رآه الحجاج هابه أشد الهيبة، وما زال يقربه حتى أجلسه على فراشه، وأخذ يسأله في أمور الدين، ثم قال له: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم طيبه وودعه، فتعجب الناس من صنيع الحجاج فقالوا: يا أبا سعيد ماذا قلت حتى فعل الحجاج ما فعل؟ وقد كان أحضر السيف والنطع، فقال الحسن: لقد قلت: يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردًا وسلامًا علي كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
(8) نصح الحسن للولاة:
لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا.
ودعاه يومًا ابن هبيرة، وكان يزيد بن عبد الملك قد ولي ابن هبيرة العراق وخراسان، وكان مع الحسن الشعبي، فسألهما ابن هبيرة في كتب تصل إليه من أمير المؤمنين فيها ما يغضب الله؛ فتكلم الشعبي فتلطف في الكلام، فلما تكلم الحسن زأر كالأسد، وانطلق كالسهم، وانقض كالسيف، قائلاً: يا ابن هبيرة: خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، يا ابن هبيرة، إنك إن تك مع الله وفي طاعته، يكفك بائقة ـ أذى ـ يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوقٍ كائنًا من كان في معصية الخالق.
(9) سعة علم الحسن البصري وأسبابها:
كان الحسن البصري رحمه الله جامعًا، عالمًا، فقيهًا، ثقة، حجة مأمونًا فصيحًا، ويعد الحسن رضي الله عنه سيد أهل زمانه علمًا وعملاً، وأشدهم فصاحة وبيانًا، وقد برع ـ رحمه الله ـ في الوعظ والتفسير براعة لا تفاق، حتى كان فارس الميدان، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها: أولاً: نشأته في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، فقد رضع من ثديها، كما رضع منها علمًا وفقهًا.
قربه من بيوت أمهات المؤمنين، فكان ذلك داعيًا لأن يتعلم منهنَّ.
ثانياً: لزومه حلقة ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ، فقد أخذ عنه الفقه والحديث والتفسير والقراءات واللغة.
ثالثاً: ولوعه بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فقد راعه فيه صلابته في الدين وإحسانه في العبادة، وزهده في الدنيا، وقوته في الفصاحة والبيان.
من روى عنهم:
رابعاً: تتلمذ الحسن على يدي كبارالصحابة في مسجد الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل: عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر.
ثم انتقل الحسن إلى البصرة مع والديه عندما بلغ أربعة عشر عاما واستقر بالبصرة مع أسرته وكانت البصرة آنذاك من أكبر قلاع العلم وكان مسجدها العظيم يموج بمن دخلها من كبار الصحابة رضي الله عنهم لا سيما عبد الله بن عباس الذي لازمه الحسن وأخذ عنه التفسير والحديث والقراءات.
أخذ الحسن عن غير عبد الله بن عباس من الصحابة الفقه واللغة والأدب حتى صار من أعلم أهل زمانه.
التف الناس حوله وذاع صيته وعلت شهرته وأحبه الناس حبا شديدا.
وقد روى الحسن رضي الله عنه عن عدد كبير من صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن هؤلاء: عمران بن حصين، والمغيرة، وعبد الرحمن بن سمرة، والنعمان بن بشير، وجابر، وابن عباس، وابن سريع، وأنس، كما رأى عثمان وطلحة، وكان يحدث هو فيقول أنه أدرك سبعين بدريًا.
وفاة الحسن البصري رحمه الله تعالى:
في العام العاشر بعد المائة الأولى وفي غرة رجب ليلة الجمعة وافقت المنية الحسن رضي الله عنه، فلما شاع الخبر بين الناس ارتجت البصرة كلها رجًا لموته رضي الله عنه، فغسل وكفن، وصلى عليه في الجامع الذي قضى عمره فيه؛ داعيًا ومعلمًا وواعظًا، ثم تبع الناس جنازته بعد صلاة الجمعة، فاشتغل الناس في دفنه ولم تقم صلاة العصر في البصرة لانشغال الناس بدفنه، رحم الله أبا سعيد، وتقبله في الصالحين، وجمعنا الله به في دار كرامته.
سيرة سعيد بن المسيَّب رحمه الله:
هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، كنيته أبو محمد، هو سيد التابعين وقدوة السلف، فقيه الفقهاء السبعة، جبل العلم، وآية الحفظ، الشيخ الكامل، والعالم العامل، الزاهد العابد، الإمام القلم العلامة.
ولد لسنتين من خلافة عمر بن الخطاب سنة 14هـ في المدينة النبوية؛ حيث كبار الصحابة، فرأى عمر بن الخطاب، وسمع عثمان بن عفان، وعليًّا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري، وأبا هريرة.. وغيرهم، سيد فقهاء المدينة والتابعين، روى عن عدد من الصحابة وبعض أمهات المؤمنين وكان أعلم الناس بقضايا رسول الإسلام محمد بن عبد الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقضاء أبي بكر وعمر بن الخطاب، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع واسع العلم ويقال له فقيه الفقهاء، كان رجلا وقورا له هيبة عند مجالسيه فكان يغلب عليه الجد عفيفا معتزا بنفسه لا يقوم لأحد من أصحاب السلطان ولا يقبل عطاياهم ولا هداياهم ولا التملق لهم أو الاقتناع بهم.
اسم سعيد بن المسيب ونسبه:
سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة، الإمام العَلَم، أبو محمد القرشي المخزومي، كنيته أبو محمد، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه.
وُلِدَ لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه وقيل: لأربع مضين منها بالمدينة.
رأى عمر، وسمع عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدا، وعائشة وأبا هريرة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقا سواهم.
وقيل: إنه سمع من عمر، وكان أعلم الناس بقضايا رسول الإسلام محمد بن عبد الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقضاء أبي بكر وعمر بن الخطاب، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع واسع العلم ويقال له فقيه الفقهاء، كان رجلا وقورا له هيبة عند مجالسيه فكان يغلب عليه الجد عفيفا معتزا بنفسه لا يقوم لأحد من أصحاب السلطان ولا يقبل عطاياهم ولا هداياهم ولا التملق لهم أو الاقتناع بهم.
نشأة سعيد بن المسيب رحمه الله:
نشأ سعيد بن المسيب نشأة مباركة، وسار على نهج صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واقتدى بأفعالهم، وروى عنهم أحاديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتزوج بنت الصحابي الجليل أبي هريرة، فكان أعلم الناس بحديثه.
وهبه الله في نشأته الباكرة ذكاءً متوقدًا، وذاكرة قوية، حتى شهد له كبار الصحابة والتابعين بعلو المكانة في العلم، وكان رأس فقهاء المدينة في زمانه، والمقدم عليهم في الفتوى، حتى اشتهر بفقيه الفقهاء، وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- وهو المقدم في الفتوى بالمدينة آنذاك- إذا سئل عن مسألة صعبة في الفقه، كان يقول: سلوا سعيدًا فقد جالس الصالحين.
ويقول عنه قتادة: ما رأيت أحدًا قط أعلم بالحلال والحرام منه، ويكفي ابن المسيب فخرًا أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز كان أحد تلاميذه، ولما تولى عمر إمارة المدينة لم يقض أمرًا إلا بعد استشارة سعيد، فقد أرسل إليه عمر رجلاً يسأله في أمر من الأمور، فدعاه، فلبي الدعوة وذهب معه، فقال عمر بن عبد العزيز له أخطأ الرجل، إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.
الصورة العامة لعصر سعيد بن المسيب:
عاش سعيد بن المسيب في عنق الزجاجه في الفترة الانتقالية بين الخلافة الرشيدة والملك الأموي العضوض، حيث ولد في المدينة قبيل وفاة عمر بن الخطاب بعامين ومات سنة 94هـ، في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد استقرار الحكم الاستبدادي في ذرية عبد الملك بن مروان.
أي أن سعيد بن المسيب أدرك من حيث الفترة الزمنية أخطر أحداث التاريخ الإسلامي التي لا تزال تؤرق الضمير المسلم حتى الآن، شهد اغتيال عمر بن الخطاب، وشهد الاختلاف علي عثمان، وشهد مصرعه، وعاش الفتنة الكبرى من مواقع الجمل وصفين و النهروان، وشهد انتقال الخلافة إلي معاوية، وتحولها إلى ملك وراثي يستبد بها يزيد بن معاوية، وشهد في عصر يزيد مقتل الحسين وآله في كربلاء، ثم في العام التالي شهد موقعة الحرة وثورة المدينة، وهزيمتها واقتحامها واستباحتها وقتل أهلها وانتهاك حرمتها، وشهد حصار الأمويين للكعبة وضربها بالمجانيق، وإعلان ابن الزبير خلافته، والصراع بين ابن الزبير والأمويين، ومقتل ابن الزبير، وانفراد عبد الملك بن مروان بالحكم، ثم غدر عبد الملك بأبناء عمه الأمويين بعد اتفاقية الجابية، وإسناده ولاية العهد لابنيه الوليد ثم سليمان، ومات سعيد في خلافة الوليد بن عبد الملك.
عاش سعيد كل هذه الأحداث الجسام وهو في المدينة، لم يبرحها إلا إلى مكة للحج، أو بمعني آخر شهد سعيد بن المسيب عظمة المدينة المنورة كعاصمة للمسلمين، ثم شهد انتقال الأضواء عنها إلى الكوفة ثم إلى دمشق.. أي انه شهد المدينة وهي تداوي جراحها السياسية بعد أن عجزت عن استعادة دورها السياسي بعد هزيمتها في موقعة الحرة، وتحولها إلى مدرسة علمية تحاول أن تنافس العراق في الفقه والتاريخ والتفسير والحديث.
إن سعيد بن المسيب الذي ولد سنة 31هـ قد فتح عينيه علي كل تلك المصائب من قتل عمر وعثمان وعلي والفتنة الكبرى، ثم كان رجلا مكتمل الرجولة وهو يشهد قتل أهل المدينة واستباحة نسائها على يد الجيش الأموي في موقعة الحرة سنة اثنين وستين هجرية، ثم عاش في ظل القمع الأموي إلى أن مات سنة أربعٍ وتسعين هجرية، وناله من هذه الفتن الكثير من المحن، حيث كان مطلوبا منه أن يبايع للحاكم المستبد فيرفض، فيتعرض للضرب والإهانة، مع مكانته الاجتماعية والدينية.
محنة سعيد بن المسيب:
إن من المعلوم شرعاً أن العلماء ورثة الأنبياء، قائمون في الأمة مقامهم، مضطلعون بدورهم، والجماهير دائمًا تتطلع إليهم، وعيونهم معلقة بهم، خاصة وقت الأزمات والنوازل، وكلما كان العالم الرباني منظورًا إليه، مقتدى به، كانت التبعة أعظم والمحنة أشد؛ فالعالم الرباني هو رجل الأمة، ودليل العامة، ودرع الحق والشرع الذي يحمي بيضة الدين، ويذب عن حياضه، وبثباته على الحق يثبت الكثيرون، وبتهاونه يضيع أيضًا الكثيرون، لذلك ما من عالم رباني قام في الأمة إلا تعرض لكثير من المحن والابتلاءات، ولقد كان الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله من سادات التابعين وعلمًا من أعلام المسلمين، ممن كمل حاله وجمع الله عز وجل فيه من خصال الخير كله من العلم والعمل، فلقد كان بحق عالمًا عاملاً، لا يخاف في الله لومة لائم، صادعًا بالحق أمارًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا يهاب خليفة ولا أميرًا، مجافيًا لأبوابهم معتزًا بعلمه، صائنًا لعرضه، شديد الانتقاد لأي مظهر من مظاهر الخروج على الشرع والحق، ومن كانت هذه خصاله فحري به أن يمتحن ويتعرض للمحنة تلو الأخرى، ومع ذلك لا ينال البلاء من عزيمته ولا تلين المحنة شيئًا من صلابته في الحق، لقد كان سعيد بن المسيب من بني مخزوم أشراف قريش وكانوا من المتحالفين مع الأمويين ضد الإسلام، ولكن كان جده من أصحاب النبي محمد.
وقد أصبح سعيد في شبابه أفقه أهل المدينة وصار في شيخوخته رمزا للمدينة، وكبيرا للتابعين في عصره والتابعون هم الجيل التالي للصحابة والذي عايش الصحابة.
وبسبب مكانته العائلية والفقهية والمعنوية، فقد كان هدفا مناسبا للمتصارعين علي الحكم، إذ لابد من إرغامه علي البيعة حتى يبايع الآخرون، فإذا رفض عوقب حتى يكون عبرة للآخرين.
وكالعادة يقوم والي المدينة بعقابه، ثم يكتفي الخليفة بعتاب رقيق للوالي علي ما فعله بسعيد مع استمرار وقوع الظلم علي سعيد.
بدأت هذه اللعبة، حين أعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في مكة، وعين جابر بن الأسود الزهري واليا علي المدينة، ودعا الوالي أهل المدينة لبيعة ابن الزبير، فرفض سعيد بن المسيب قائلا: حتى يجتمع الناس أي حتى يكون هناك إجماع واتفاق بين أهل الشام والعراق ومصر والحجاز، أو بمعنى أصح رفض سعيد أن ينحاز إلى الحزب الزبيري في صراعه مع الحزب الأموي.
ولخطورة هذا الموقف على أهل المدينة وأهل الحجاز فقد ضرب الوالي سعيد ستين سوطا.. وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول (مالنا ولسعيد دعه) وبذلك استمال ابن الزبير أهل المدينة، وحقق ما أراد، ودفع سعيد الثمن.
وتغلب الأمويون على ابن الزبير وقتلوه، وتمهد الأمر لعبد الملك بن مروان، وقد كان عبد الملك من قبل رفيقا لسعيد بن المسيب في طلب العلم، وبعد توليه السلطة وسفكه الدماء جاء عبد الملك وخطب في أهل المدينة عام 75 قائلا: (.. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد هذا إلا ضربت عنقه، وكانت هذه اللغة موجهة لسعيد وأصحابه الذين كان مفترضا منهم أن يأمروا الحاكم بتقوى الله، حسبما كان متبعا في المدينة في عصر الراشدين.
وبعدها ـ وبناء على طلب الخليفة عبد الملك ـ طلب الوالي هشام بن إسماعيل المخرومي ابن عم سعيد مبايعة أهل المدينة لابني عبد الملك، الوليد ثم سليمان، فبايع الناس، وأبى سعيد بن المسيب كالعادة، فضرب الوالي هشام بن إسماعيل المخزومي ابن عمه سعيد بن المسيب ستين سوطا، وأمر فطيف به في المدينة في هيئة مزرية، وسجنه، وكتب بما فعل للخليفة، فقال عبد الملك له: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عند سعيد من شقاق ولا خلاف، ومع ذلك ظل في السجن، ثم أفرجوا عنه و منعوا أن يجالسه احد في المسجد، وحين قيل لهم أن سعيد بن المسيب ينوي أن يدعوا عليهم في الحج منعوه من الذهاب للحج.
مناقب سعيد بن المسيب رحمه الله:
هاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب سعيد بن المسيب جملةً وتفصيلا رحمه الله تعالى: أولاً مناقب سعيد بن المسيب جملةً: (1) ثناء العلماء على سعيد بن المسيب: (2) حسن فهم سعيد بن المسيب للعبادة والورع: (3) حرص سعيد بن المسيب على صلاة الجماعة: (4) اجتهاد سعيد بن المسيب في الصوم والحج: (5) حرص سعيد بن المسيب على قراءة القرآن: (6) تعظيم سعيد بن المسيب لحديث رسول الله: (7) حرص سعيد بن المسيب على طلب العلم:
(8) زهد سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: (9) ورع سعيد بن المسيب: (10) عظيم مراقبة سعيد بن المسيب لربه تعالى: (11) خشية سعيد بن المسيب من الله تعالى: (12) استعفاف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: (13) كان سعيد بن المسيب مستجاب الدعوة رحمه الله: (14) دعاء سعيد بن المسيب على الظالم: (15) تحذير سعيد بن المسيب من فتنة النساء: (16) من عظيم
مناقب سعيد بن المسيب
أنه زَوَّج ابنه لطالب علمٍ فقير: (17) ابتلاء سعيد بن المسيب في سبيل الله تعالى: (18) دعوة سعيد بن المسيب إلى طلب المال للإحسان إلى الخلق والاستغناء عنهم: (19) إيثار سعيد بن المسيب للخمول وإنكار الذات: (20) نظرة سعيد بن المسيب إلى النفس: (21) من فتوحات الله على سعيد بن المسيب بالدعاء: (22) نظرة سعيد بن المسيب إلى الدنيا والمال: (23) سعيد بن المسيب لا تأخذه في الحق لومه لائم: ثانياً مناقب سعيد بن المسيب تفصيلا:
(1) ثناء العلماء على سعيد بن المسيب:
كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، كان سيد التابعين وقدوة السلف، فقيه الفقهاء السبعة، جبل العلم، وآية الحفظ، الشيخ الكامل، والعالم العامل، الزاهد العابد، الإمام القلم العلامة سيد التابعين ومقدّمهم أمانة في نقل السنة عن الصحابة، وفقهاً في دين الله عز وجل وزهداً في الدنيا، وصدعاً بالحق واستعلاءً بالإيمان والعلم على حطام الدنيا، ورهبة السلطان.
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
فأما أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي؛ كان من الممتحنين، امتحن فلم تأخذه في الله لومة لائم، صاحب عبادة وجماعة وعفة وقناعة، وكان كاسمه بالطاعات سعيداً، ومن المعاصي والجهالات بعيداً.
وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
الإمام، أحد الأعلام، و سيد التابعين، ثقة حجة فقيه، رفيع الذكر، رأس في العلم و العمل
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن نافع أن ابن عمر ذكر سعيد بن المسيب فقال هو والله أحد المفتين.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن معن بن عيسى، عن مالك، قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضي يعني وهو أمير المدينة حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه إنسانا يسأله، فدعاه، فجاء فقال عمر له: أخطأ الرسول؛ إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.
وكان عمر يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه، وكنت أُوتَى بما عند سعيد بن المسيب.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عن سعيد بن إبراهيم أنه سمع سعيد بن المسيب: ما بقى أحد أعلم بكل قضاء ابن المسيب يقول ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أبو بكر ولا عمر مني.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد إلا وجدت له فضلا عليه، غير أنه كان إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله.
أورد ابن سعد في الطبقات عن محمد بن يحيى بن حبان: كان رأس من بالمدينة في دهره، المقدم عليهم فى الفتوى سعيد بن المسيب، و يقال: فقيه الفقهاء.
أورد ابن سعد في الطبقات عن ميمون بن مهران قال أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب.
قال الزهري: رحمه الله جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علماً غيره،
قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟
وقال قتادة: ما رأيت أحد أعلم من سعيد بن المسيب.
وعن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من سعيد.
وسأل رجل القاسم بن محمد عن شيء فقال أسألت أحداً غيري؟ قال نعم عروة وفلانا وسعيد بن المسيب فقال: أطع ابن المسيب فإنه سيدنا وعالمنا.
وكان عبد الله بن عمر إذا سئل عن الشيء يشكل عليه يقول: سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين.
وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن.
وقال الإمام أحمد: سعيد بن المسيب أفضل التابعين.
وقال على بن المدينى: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به وهو عندي أجل التابعين.
وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه.
قال ابن كثير: كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا والكلام فيما لا يعنى ومن أكثر الناس أدبا في الحديث جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع فقال الرجل وددت أنك لم تتعن فقال إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا مضطجع وقال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد وقال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة.
(2) حسن فهم سعيد بن المسيب للعبادة والورع:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بكر بن خنيس، قال: قلت لسعيد بن المسيب وقد رأيت أقواماً يصلون ويتعبدون: يا أبا محمد ألا تتعبد مع هؤلاء القوم? فقال لي: يا ابن أخي إنها ليست بعبادة، قلت له: فما التعبد يا أبا محمد? قال: التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله وأداء فرائض الله تعالى.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن صالح بن محمد بن زائدة: أن فتية من بني ليث كانوا عباداً وكانوا يروحون بالهاجرة إلى المسجد ولا يزالون يصلون حتى يصلي العصر، فقال صالح لسعيد: هذه هي العبادة لو نقوى على ما يقوى عليه هؤلاء الفتيان، فقال سعيد: ما هذه العبادة ولكن العبادة التفقه بالدين والتفكر في أمر الله تعالى.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة.
(3) حرص سعيد بن المسيب على صلاة الجماعة:
لقد بلغ حب العبادة شغاف قلب سعيد بن المسيب فلم يفتر عنها لا في سراء ولا ضراء، وتأمل في الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب: أنه اشتكى عينيه فقيل له: يا أبا محمد، لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة فوجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح؟
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما فاتتني الصلاة في الجماعة منذ أربعين سنة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن أبي حكيم قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن برد مولى بن المسيب، قال: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: ما دخل على وقت صلاة إلا وقد أخذت أهبتها، ولا دخل على قضاء فرض إلا وأنا إليه مشتاق.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب ذات يوم: ما نظرت في أقفاء قوم سبقوني بالصلاة منذ عشرين سنة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الأوزاعي، قال: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كان لأحد من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة عشرين منها لم ينظر في أقفية الناس.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، قال: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة.
وقال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة.
(4) اجتهاد سعيد بن المسيب في الصوم والحج:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يزيد بن أبي حازم: أن سعيد بن المسيب كان يسرد الصوم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن حرملة، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لقد حججن أربعين حجة.
(5) حرص سعيد بن المسيب على قراءة القرآن:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن حرملة، قال: حفظت صلاة ابن المسيب وعمله بالنهار، فسألت مولاه عن عمله بالليل، فأخبرني فقال: وكان لا يدع أن يقرأ بصاد والقرآن كل ليلة، فسألته عن ذلك فأخبرني فقال: أن رجلاً من الأنصار صلى إلى شجرة فقرأ بصاد فلما مر بالسجدة سجد وسجدت الشجرة معه فسمعها تقول: اللهم أعطني بهذه السجدة أجراً، وضع عني بها وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عاصم بن العباس الأسدي، قال: كان سعيد بن المسيب يُذَكِّر ويُخَوِّف، وسمعته يقرأ في الليل على راحلته فيكثر، وسمعته يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يحب أن يسمع الشعر، وكان لا ينشده، ورأيته يمشي حافيا وعليه بتّ ورأيته يُحفي شاربه شبيها بالحلق، ورأيته يصافح كل من لقيه، وكان يكره كثرة الضحك.
(6) تعظيم سعيد بن المسيب لحديث رسول الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن دخل المطلب بن حنظب على سعيد بن المسيب في مرضه وهو مضطجع فسأله عن حديث، فقال: أقعدوني فأقعدوه، قال: إني أكره أن أحدث حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا مضطجع.
(7) حرص سعيد بن المسيب على طلب العلم:
أدرك سعيد بن المسيب منذ نعومة أظافره أنه لا يوجد مصيبة أعظم من الجهل يمكن أن تلم بحياة الإنسان فأنفق عمره في تحصيل العلم يقول في ذلك عن نفسه: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، وقد استغنى سعيد بن المسيب بالمدينة عن غيرها في طلب العلم، وانقطع لمن بها من الصحابة، فجلس إلى أعلامهم ونهل من علومهم وأخذ أيضًا من أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن شدة اهتمامه بالعلم وبحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحبه الصحابة جميعًا وأثنوا عليه، وزوَّجه أبو هريرة رضي الله عنه لابنته، واصطفاه بالرعاية والعناية، وحمل سعيد بن المسيب حديث أبي هريرة كله وهو الأكثر رواية من بين الصحابة، كما اختص سعيد بن المسيب بابن عمر رضي الله عنهما وحمل عنه علم أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خاصة أقضيته الشهيرة، حتى برع فيها، وصار الناس يسألونه عنها في حياة ابن عمر، وفى كنف الصحابة أخذ ينهل من نبع العلم الصافي فسمع من عثمان وعليا وزيد بن ثابت وسعد بن أبى وقاص وعائشة وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهم جميعا كما كان زواجه من ابنة الصحابي أبى هريرة رضي الله عنه المنحة الربانية التي هيأت له الفرصة لسماع مئات الأحاديث من ذاكرة الوحي حتى صار أثبت الناس وأعلمهم بحديث أبى هريرة رضي الله عنه كما رأى سعيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان مغرما بتتبع أقضية عمر وتعلمها حتى قيل له: راوية عمر، وكان عبد الله بن عمر يرسل إليه يسأله عنها، وقد أعانه على الوصول إلي تلك المنزلة ما كان يتمتع به من حافظة واعية وتفان في تحصيل ألوان المعارف، حتى إنه كان لا ينسى من يلقاه من طلابه فقد حدث عمران بن عبد الله الخزاعي قال: سألني سعيد بن المسيب فانتسبت له، فقال: لقد جلس أبوك إلي في خلافة معاوية، ويقول: والله ما أراه مر على أذنه شيء قط إلا وعاه.
قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟
ومع طول المثابرة في تحصيل العلم صار سعيد عالم أهل المدينة بلا مدافعة وإمام فقهائها السبعة الذين كانوا الواصل الحقيقي بين عصر الصحابة وعصور المذاهب الفقهية المختلفة فيقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أبو بكر ولا عمر منى.
وقال قتادة: ما رأيت أحد أعلم من سعيد بن المسيب.
وعن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من سعيد.
وسأل رجل القاسم بن محمد عن شيء فقال أسألت أحداً غيري؟ قال نعم عروة وفلانا وسعيد بن المسيب فقال: أطع ابن المسيب فإنه سيدنا وعالمنا.
وكان عبد الله بن عمر إذا سئل عن الشيء يشكل عليه يقول: سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين.
وروى الربيع عن الشافعي أنه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن.
وقال الإمام أحمد هي صحاح قال وسعيد بن المسيب أفضل التابعين.
وقال على بن المدينى: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به وهو عندي أجل التابعين.
وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه.
ولئن لم يترك سعيد آثارا مكتوبة على عادة علماء ذلك العصر لندرة وسائل الكتابة فإنه قلما نجد كتابا في الفقه أو التفسير أو الحديث التي كتبت في عصر التدوين إلا وآراء سعيد واجتهاداته مبثوثة في ثنايا مباحثها.
قال عمر بن العزيز: إن مصدر العلم سعيد وما كان عالم بالمدينة إلا يأتيني بعلمه، وبالإضافة إلى تميزه في العلوم الشرعية والآداب الربانية برع إمام التابعين في علم تعبير الرؤيا أخذ ذلك عن أسماء بنت أبى بكر وأخذته أسماء عن أبيها رضي الله عنهم وتُروى في براعته في التعبير مواقف رائعة منها ما رواه ابن سعد في الطبقات عن عمر بن حبيب بن قليع قال كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما وقد ضاقت علىّ الأشياء ورهقنى دين فجلست إلى ابن المسيب ما أدرى أين أذهب فجاءه رجل فقال يا أبا محمد إني رأيت رؤيا قال ما هي؟ قال: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان فأضجعته إلى الأرض ثم بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد قال ما أنت رأيتها قال: بلى أنا رأيتها قال لا أخبرك أو تخبرني قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك بن مروان وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة قال عمر بن حبيب الراوي فدخلت إلى عبد الملك بن مروان بالشام فأخبرته بذلك عن سعيد بن المسيب فسره وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته وأمر لي بقضاء ديني وأصبت منه خيرا.
وعن مسلم الخياط قال: قال رجل لابن المسيب إني أراني أبول في يدي فقال اتق الله فإن تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة بينها وبينه رضاع وقال له رجل إني أرى في النوم كأني أخوض النار فقال إن صدقت رؤياك لا تموت حتى تركب البحر وتموت قتلا قال الراوي: فركب البحر فأشفى على الهلكة وقتل يوم قديد بالسيف.
وقد أُثِرَ عن سعيد بن المسيب معرفته بكثير من المعارف السائدة في عصره، وإن كانت معرفته بالفقه قد غلبت على ما سواها إلا أن المراجع قد ذكرت له جوانب من العلوم قد شارك فيها، وكان له فيها رأي يرجع إليه، ومن ذلك معرفته بالأخبار والأنساب وكانت العرب تهتم بهذا اللون من المعارف وتحافظ به على أنسابها وأيامها.
روت كتب السير أن سعيد بن المسيب كان ذا مقدرة فائقة على تعبير الرؤى، وقد روى ابن سعد أن سعيدا أخذ علم تعبير الرؤى عن أسماء بنت أبي بكر، وأن ابن سيرين قد أخذ علمه في تعبير الرؤى عن سعيد.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الواقدي كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق وأخذته أسماء عن أبيها ثم ساق الواقدي عدة منامات منها حدثنا موسى بن يعقوب عن الوليد بن عمروا بن مسافع عن عمر بن حبيب بن قليع قال كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما وقد ضاقت بي الأشياء ورهقني دين فجاءه رجل فقال رأيت كأني أخذت عبد الملك ابن مروان فأضجعته إلى الأرض وبطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد قال ما أنت رأيتها قال بلى قال لا أخبرك أو تخبرني قال ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك قال لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة قال فرحلت إلى عبد الملك بالشام فأخبرته فسر وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته وأمر بقضاء ديني وأصبت منه خيرا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إسماعيل بن أبي حكيم قال قال رجل رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول قبلة مسجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع مرار فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شريك بن أبي نمر قلت لسعيد ابن المسيب رأيت كأن أسناني سقطت في يدي ثم دفنتها فقال إن صدقت رؤياك دفنت أسنانك من أهل بيتك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مسلم الحناط قال رجل لابن مسيب رأيت أني أبول في يدي فقال اتق الله فإن تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة بينهما رضاع وجاءه آخر فقال أراني كأني أبول في أصل زيتونة فقال إن تحتك ذات رحم فنظر فوجد كذلك.
وقد رويت عنه قراءات لبعض الآيات تلقاها العلماء بالقبول ومن الأمثلة على ذلك الآية السادسة من سورة المائدة: قال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلََكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]
فإن القراءة المشهورة لكلمة (ليطهركم) بفتح الطاء وتشديد الهاء، ولكن سعيدا قرأها بتسكين الطاء وفتح الهاء هكذا (ليطْهَركم.
وكان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يتحاشى الخوض في تفسير القرآن من باب الورع، وكان لا يقول في القرآن من باب الورع، وكان لا يقول في القرآن إلا إذا جاءت آية أخرى تفسر الآية التي سئل عنها أو ورد بشأنها تفسير عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو رواية عن صحابي، أو أن يفسر تفسيرا لغويا لبعض الألفاظ، وقد أثر عنه أنه قال: لا أقول في القرآن شيئا.
والذي ينبغي التنبيه إليه ما كان عند السلف الصالح من التكامل بين العلم والعمل، فالعلم وسيلة للتقرب إلى الله عز وجل في أنفسهم وذويهم، وفيما وراء ذلك من أبناء الأمة، فترى بجانب العلم الجم، العمل بهذا العلم، والعبادة الخالصة المخلصة، والحرص على أن تكون التصرفات كلها موزونة بميزان الشريعة والمخافة الحقة من رب العالمين، حتى صدق في سعيد وأمثاله، قول الله تعالى: (إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28]
قال الأوزاعي رحمه الله: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحد من التابعين، لم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة.
وقال هو عن نفسه: "ما أذن المؤذن ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد" وقيل له وقد اشتكى عينيه: يا أبا محمد لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة فوجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح".
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا، والكلام فيما لا يعني).
ومما يؤيد ذلك أنه كان له مال يتجر فيه ويقول: "اللهم إنك تعلم أني لم أمسكه بخلاً ولا حرصاً عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بني مروان حتى ألقى الله فيحكم فيَّ وفيهم، وأصل منه رحمي، وأؤدي منه الحقوق التي فيه، وأعود على الأرملة والفقير والمسكين والجار.
شيوخ عيد بن المسيب:
أبى بن كعب، البراء بن عازب، بصرة بن أكثم الأنصارى، بلال مولى أبى بكر، جابر بن عبد الله، جبير بن مطعم، حسان بن ثابت، حكيم بن حزام، زيد بن ثابت، زيد بن خالد الجهنى، سراقة بن مالك بن جعشم، سعد بن عبادة، سعد بن أبى وقاص، صفوان بن أمية، عبد الله بن عباس، عبد الله بن عمر بن الخطاب، عبد الله بن عمرو بن العاص، عثمان بن عفان، على بن أبى طالب، عمر بن الخطاب، معاوية بن أبى سفيان، أبى ذر الغفارى، أبى سعيد الخدرى، أبى موسى الأشعرى، أبى هريرة، عائشة أم المؤمنين
(8) زهد سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى:
كان ابن المسيب آية في الصلاح والتقى وإيثار الآخرة على الدنيا التي لا تساوى عند الله جناح بعوضة فلقد ألزم نفسه التقلل من حلالها والإعراض عن حرامها وحطامها،
قال ابن كثير: كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا والكلام فيما لا يعنى ومن أكثر الناس أدبا في الحديث جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع فقال الرجل وددت أنك لم تتعن فقال إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا مضطجع وقال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد وقال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان بن عيينة، قال: قال سعيد بن المسيب: أن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.
(9) ورع سعيد بن المسيب:
كان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه فيروى ابن سعد في الطبقات عن طلحة الخزاعي قال: كان في رمضان يؤتى بالأشربة في مسجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليس أحد يطمع أن يأتي سعيد بن المسيب بشراب فيشربه فإن أتى من منزله بشراب شربه وإن لم يؤت من منزله بشيءٍ لم يشرب شيئا حتى ينصرف، أما طعامه فهو بسيط يشمل في الغالب خبزا وزيتاً ولما حبس صنعت ابنته طعاما كثيرا فلما جاءه أرسل إليها قائلا: لا تعودي لمثل هذا أبدا فهذه حاجة هشام بن إسماعيل يريد أن يذهب مالي فأحتاج إلى ما في أيديهم وأنا لا أدرى ما أحبس فانظري إلى القوت الذي كنت آكل في بيتي فابعثي إلى به.
(10) عظيم مراقبة سعيد بن المسيب لربه تعالى:
إن من أعظم ما يدل على مراقبة سعيد بن المسيب لربه تعالى قوله الآتي:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، يقول: يد الله فوق عباده فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضعها رفعه الله.
الناس تحت كنفه يعملون أعمالهم فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته.
(11) خشية سعيد بن المسيب من الله تعالى:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد: أن سعيد بن المسيب كان يكثر أن يقول في مجلسه اللهم سلم سلم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد، قال: دخلنا على سعيد نعوده ومعنا نافع بن جبير فقالت أم ولده إنه لم يأكل منذ ثلاث فكلموه فقال نافع بن جبير: إنك من أهل الدنيا ما دمت فيها ولا بد لأهل الدنيا مما يصلحهم فلو أكلت شيئاً، قال: كيف يأكل من كان على مثل حالنا هذه، بضعة يذهب بها إلى النار أو إلى الجنة، فقال نافع: ادع الله أن يشفيك فإن الشيطان قد كان يغيظه مكانك من المسجد، قال: بل أخرجني الله تعالى من بينكم سالماً.
(12) استعفاف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله بن طلحة، قال: دعي سعيد بن المسيب إلى نيف وثلاثين ألفاً ليأخذها، فقال: لا حاجة لي فيها ولا بني مروان حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم.
(13) كان سعيد بن المسيب مستجاب الدعوة رحمه الله:
أورد ابن سعد في الطبقات عن علي بن زيد، قال: قال لي سعيد بن المسيب: قل لقائدك يقوم، فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده فقام وجاء، فقال: رأيت وجه زنجي وجسده أبيض.
فقال سعيد: إن هذا سب هؤلاء: طلحة والزبير وعليا -رضي الله عنهم- فنهيته فأبى، فدعوت الله عليه، قلت: إن كنت كاذبا فسوَّد الله وجهك، فخرجتْ بوجهه قرحة، فاسودَّ وجهه.
(14) دعاء سعيد بن المسيب على الظالم:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن زيد، قال: قلنا لسعيد بن المسيب: يزعم قومك إنما يمنعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو الله على بني مروان، قال: فما فعلت ذلك وما أصلي لله عز وجل في صلاة إلا دعوت عليهم وإني قد حججت واعتمرت بضعاً وعشرين مرة وإنما كتبت على حجة واحدة.
أورد ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن يزيد الهذلي، قال: دخلتُ على سعيد بن المسيب السجن فإذا هو قد ذُبحت له شاة، فجعل الإهاب على ظهره، ثم جعلوا له بعد ذلك قَضْبا رطبا، وكان كلما نظر إلى عضديه قال: اللهم انصرني من هشام.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن رجل من آل عمر، قال: قلت لسعيد بن المسيب: ادْعُ على بني أمية، قال: اللهم أعِزَّ دينك، وأظهرْ أولياءك، واخْزِ أعداءك في عافية لأمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(15) تحذير سعيد بن المسيب من فتنة النساء:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن قد بلغت ثمانين سنة ولا شيء أخوف عندي من النساء وكان بصره قد ذهب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: ما أيس من الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء وقال: أخبرنا سعيد وهو ابن أربع وثمانين وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى: ما شيء أخوف عندي من النساء.
أورد ابن سعد في الطبقات عن عمران بن عبد الله الخزاعي، قال: قال سعيد بن المسيب: ما خِفْتُ على نفسي شيئا مخافة النساء، قالوا: يا أبا محمد، إن مثلك لا يريد النساء، ولا تريده النساء.
فقال: هو ما أقول لكم.
وكان شيخا كبيرا أعمش.
(16) من عظيم مناقب سعيد بن المسيب أنه زَوَّج ابنه لطالب علمٍ فقير:
من أعظم مناقب سعيد بن المسيب قصه تزويج ابنته وقد كان الخليفة عبد الملك بن مروان تقدم لخطبتها لابنه الوليد حين ولاه العهد ويذكر المؤرخون أنه أرسل موكبا كبيرا على رأسه مندوب خاص نزل المسجد ووقف على حلقة سعيد فأبلغه سلام أمير المؤمنين وأنه قدم يخطب إليه ابنته لابنه الوليد ولى العهد وانتظر الناس أن يستبشر سعيد بهذا التشريف الذي ناله ولكنه لم يزد على كلمة لا ـ وزوج ابنته لطالب علمٍ فقير على مهر قدره درهمان وهو عبد الله بن أبى وداعة، ومن أجل ذلك كانت علاقته بالولاة والحكام علاقة يشوبها التوتر والتربص ـ وكان عبد الله بن أبى وداعة متين الدين والخلق، وقد افتقده سعيد بن المسيب أياماً فلما عاد إليه قال له سعيد: أين كنت فقال توفيت زوجتي فانشغلت بها قال سعيد فهلا أخبرتنا فشهدناها ثم أراد التلميذ أن يقوم فقال سعيد: هل أحدثت امرأة غيرها؟ قال يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال سعيد إن أنا فعلت تفعل؟ قال نعم فأمر بالشهود وكتابة العقد قال ابن أبى وداعة: فقمت وما أدرى ما أصنع من الفرح وصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين؟ وصليت المغرب.
وكنت صائما فقدمت عشائي لأفطر وكان خبزا وزيتا وإذا بالباب يقرع فقلت: من هذا؟
فقال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير منذ أربعين سنه إلا ما بين بيته والمسجد فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب وظننت أنه بدا له فقلت يا أبا محمد هلا أرسلت إلي فأتيتك قال لا أنت أحق أن تزار قلت فما تأمرني قال رأيتك رجلا عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران فجاءوني وقالوا ما شأنك قلت زوجني سعيد بن المسيب ابنته وقد جاء بها على غفلة وها هي في الدار فنزلوا إليها وبلغ أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعرفهم بحق الزوج.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن أبي وداعة، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟!
قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها.
فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها؟
قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة؟
فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟!
فقال: أنا.
فقلت: أوتفعل؟
قال: نعم.
ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزوجني على درهمين ـ أو قال: ثلاثة ـ قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن استدين، فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي، واسترحت، وكنت وحدي صائماً فقدمت عشائي أفطر كان خبزاً وزيتاً، فإذا بآت يقرع،
فقلت: من هذا؟
قال: سعيد.
قال: فأفكرت في كل انسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب، فظنت أنه قد بدا له فقلت: يا أبا محمد، ألا أرسلت إلي فآتيك؟!
قال: لأنت أحق أن تؤتى.
قال: قلت: فما تأمر؟
قال: إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك.
فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب ثم قدمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت إلى السطح، فرميت الجيران، فجاؤوني، فقالوا: ما شأنك؟
قلت: ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة؟
فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟
قلت: نعم، وها هي في الدار.
قال: فنزلوا هم إليها وبلغ أمي فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاية أيام.
قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعرفهم بحق الزوج.
قال: فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيداً وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس، فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خيراً يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو.
قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم.
قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.
قال عبد الله: وابن أبي وداعة هذا هو كثير بن المطلب بن أبي وداعة.
أ هـ
'لحلية
ففقدني أياماً فلما جئته قال: أين كنت؟ قال: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها، قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة، فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل، قال: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزوجني على درهمين أو قال: ثلاثة قال: فقمت ولا أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي واسترحت وكنت وحدي صائماً فقدمت عشائي أفطر كان خبزاً وزيتاً، فإذا بآت يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد، قال: فتفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب فظننت أنه بدا له، فقلت: يا أبا محمد إلا أرسلت إلي فآتيك، قال: لأنت أحق أن يؤتى، قال: قلت: فما تأمر، قال: إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذا امرأتك فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب ورد بالباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم قدمتها إلى القصة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران، فجاءوني فقالوا: ما شأنك؟ قلت: ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة، فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟ قلت: نعم، وهاهي في الدار، قال: فنزلوا هم إليها وبلغ أمي فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي من أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم لسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيداً وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان، قلت: خيراً يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم، قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على
سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم ابن عبد الله الكتاني، أن سعيد بن المسيب زوج ابنته بدرهمين.
(17) ابتلاء سعيد بن المسيب في سبيل الله تعالى:
كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى عفيفا معتزا بنفسه لا يقوم لأحد من أصحاب السلطان ولا يقبل عطاياهم ولا هداياهم ولا التملق لهم، ولهذا كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى من الممتحنين، امتحن فلم تأخذه في الله لومة لائم، صاحب عبادة وجماعة وعفة وقناعة، وكان كاسمه بالطاعات سعيداً، ومن المعاصي والجهالات بعيداً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران بن عبد الله، قال: دعي سعيد بن المسيب للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان، قال: فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار، قال: فقيل: أدخل من الباب وأخرج من الباب الآخر، قال: والله لا يقتدي بي أحد من الناس، قال: فجلده مائة وألبسه المسوح.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن سعيد، قال: كتب والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب أن أعرضه عن السيف فإن مضى وإلا فاجلده خمسين جلدة وطف به أسواق المدينة فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب، فقالوا: إنا قد جئناك في أمر قد قدم فيك كتاب من عبد الملك بن مروان إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً فأعطنا إحداهن فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب فلا تقل لا ولا نعم، قال: فيقول الناس بايع سعيد بن المسيب.
ما أنا بفاعل، قال: وكان إذا قال لا لم يطيقوا عليه أن يقول نعم، قال: مضت واحدة وبقيت اثنتان قالوا: فتجلس في بيتك فلا تخرج إلى الصلاة أياماً فإنه يقبل منك إذا طلبت في مجلسك فلم يجدك، قال: وأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة حي على الفلاح ما أنا بفاعل، قالوا مضت اثنتان وبقيت واحدة قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك، قال: فرقا لمخلوق ما أنا بمتقدم لذلك شبراً، ولا متأخر شبراً، فخرجوا وخرج إلى الصلاة صلاة الظهر فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه فلما صلى الوالي بعث إليه فأتى به فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك، قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيعتين.
فلما رآه لا يجيب أخرج إلى السدة فمدت عنقه وسلت عليه السيوف فلما رآه قد مضى أمر به فجرد فإذا عليه تبان شعر، فقال: لو علمت أني لا أقتل ما اشتهرت بهذا التبان فضربه به خمسين سوطاً ثم طاف به أسواق المدينة فلما رده والناس منصرفون من صلاة العصر، قال: إن هذه لوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة قال محمد بن القاسم: وسمعت شيخنا يزيد في حديث سعيد بإسناد لا أحفظه أن سعيداً لما جرد ليضرب، قالت له امرأة: لما جرد ليضرب إن هذا لمقام الخزي، فقال لها سعيد: من مقام الخزي فررنا.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سعيد بن المسيب، قال: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن رجاء بن جميل الأيلي، قال: قال عبد الرحمن بن عبد القارئ لسعيد بن المسيب حين قدمت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة بعد موت أبيهما: إني مشير عليك بخصال ثلاث، قال: وما هي؟ قال: تغير مقامك فإنك هو وحيث يراك هشام بن إسماعيل، قال: ما كنت لأغير مقاماً قمته منذ أربعين سنة، قال: تخرج معتمراً، قال: ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس له فيه نية، قال: فما الثالثة؟ قال: تبايع، قال: أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي؟ قال وكان أعمى، قال رجاء: فدعاه هشام إلى البيعة فأبى فكتب فيه إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك: مالك ولسعيد ما كان علينا منه شيء نكرهه فأما إذ فعلت فاضربه ثلاثين سوطاً وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس.
فدعاه هشام فأبى وقال: لا أبايع لاثنين، قال: فضربه ثلاثين سوطاً وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس، قال رجاء: حدثني الأيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينة، قالوا: علمنا أنه لا يلبس التبان طائعاً، قلنا: يا أبا محمد إنه القتل فاستر عورتك، قال: فلبسه، فلما ضرب قلنا له: إنا خدعناك، قال: يا معجلة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته.
لفظ الحسن بن عبد العزيز.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هشام بن زيد، قال: رأيت سعيد بن المسيب حين ضرب في تبان من شعر.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي يونس القوي قال: دخلت مسجد المدينة، فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده، فقلت: ما شأنه؟ قيل: نُهِيَ أن يجالسه أحد.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة، أن ابن المسيب كان إذا أراد أحد أن يجالسه قال: إنهم قد جلدوني، ومنعوا الناس أن يجالسوني.
(18) دعوة سعيد بن المسيب إلى طلب المال للإحسان إلى الخلق والاستغناء عنهم:
كان سعيد له تجارة تدر عليه دخلا يكفيه ليعيش عيشة راضية، ولهذا لم يكن يأخذ عطاء من الدولة حجرا على رأيه، وتقييدا لحريته، وكان عنده من يقوم بأمر تجارته، فلا يشغله أمرها عن عبادته وعلمه، وكان يدعو إلي اكتساب المال عن طرقه المشروعة، ليتمكن من صلة الرحم وأداء الأمانة، وصيانة الكرامة، والاستغناء عن الخلق، ومما أثر عنه في ذلك ما يلي: