فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 393-432

كتاب الرقائق

صفحات 393-432
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

ز_في عام 1968م منحت ميدالية باريس، وميدالية رئاسة الجمهورية الفرنسية التي قدمها لها الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديجول، والتي لم يحصل عليها أي فنان من قبل.
داليدا التي تركت للدنيا أغاني كثيرة، خلفت ثروة تقدر بأكثر من 30 مليون فرنك فرنسي.
فماذا كانت حياتها في الحقيقة؟ وهل وجدت السعادة والراحة والاستقرار؟ الجواب: لا؛ فلقد عاشت حياة تعيسة، فلم تؤسس أسرة، ولم تنجب طفلاً، أو طفلة، مع أن الإنجاب كان حلم حياتها.
ولقد كانت مدمنة للمخدرات، التي تلجأ إليها للخلاص من الاكتئاب، والوحدة، والعذاب النفسي كما قال ذلك أحد أقاربها.
ولهذا حاولت الانتحار عام 1967م، محاولة اللحاق بحبيبها (لويفي تانكر) الذي قتل نفسه بمسدسه، فلم تطق العيش بدونه، فجرعت مواد سامة؛ رغبة في الانتحار، ولكن محاولتها باءت بالإخفاق.
وذات ليلة دخلت خادمتها إلى غرفتها، وخيل إليها أنها نائمة في فراشها، فاقتربت منها؛ لكي توقظها، نادت فلم يأتها الرد، فنادتها أخرى، فلم يأتها الرد، أخيراً هزت كتفها، وابتعدت عنها، وصرخت: سيدتي ماتت.
بعد ذلك نظرت الخادمة إلى يدي داليدا، فوجدت في إحداهما ورقة، فانتزعتها من بين أصابعها، فقرأت ما فيها وإذا بها قد كتبت: الحياة لا تحتمل، سامحوني؛ الحياة أصبحت بالنسبة لي مستحيلة.
نظرت الخادمة إلى يدها الأخرى، فوجدتها تقبض على كأس فارغ، اتضح فيما بعد أن السيدة المنتحرة كانت ترتوي من هذه الكأس؛ لعلمها أن الخمر تساعد على سرعة سريان المفعول للحبوب المخدرة التي تعاطتها بكثرة؛ كي تنهي حياتها في لحظة.
حدث هذا في اليوم الثالث من شهر مايو من عام 1987م، وعمرها أربع وخمسون سنة 1. تُرى لو أن هذه المرأة تعرف رَبَّاً تلجأ إليه، وصلاة تفزع إليها، وديناً يضبط تصرفاتها وعواطفها، ترى هل تكون هذه نهايتها؟.
(9) الليدي ديانا سبنسر: تلك المرأة الإنجليزية التي نالت من الشهرة ما لم تنله امرأة في القرن العشرين، حيث تزوجت بولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز عام 1980م_1400هـ، وأقيم حفل الزواج الكبير في قصر بكنجهام، وشاهد العالم ذلك الحفل عبر شاشات التلفاز.
ومنذ ذلك الحين والإعلام العالمي بكافة وسائله لا يفتأ يذكر اسمها، ويتابع أخبارها، وينشر صورها.

وظل الناس يتابعون كل دقيقة وجليلة من أمرها، حتى أصبح كثير من نساء العالم يقلدنها في شتى أحوالها، حتى في مشيتها، وتسريحة شعرها، وطريقة ابتسامتها، ونوع ملبوسها، ونحو ذلك من شؤونها.
وعلى مدى سنوات طويلة كان لدى الشعب البريطاني، وسائر شعوب العالم اعتقاد بأن ديانا وتشارلز هما أسعد زوجين على وجه الأرض، كيف لا وقد امتلكا جميع مباهج الحياة_في نظر الأكثرين_؟ فالشهرة، والمجد، والثراء، والنفوذ، والمستقبل الذي ينتظر الذرية كل هذه الأمور نصب أعين الزوجين.
ولكن هذا الاعتقاد لم يكن صائباً، وكل القصص والحكايات الوردية التي صنعها خيال الناس لم يكن لها أي نصيب من الواقع؛ فلقد استيقظ العالم ذات صباح من شهر مايو 1992م على فضيحة مدوية عصفت بتلك الخيالات، وطوحت بها مكاناً قصياً؛ فقد ظهر كتاب جديد في بريطانيا تحت عنوان (ديانا القصة الحقيقية).
وهذا الكتاب يروي قصة إخفاق ذلك الزواج التاريخي، ويكشف تعاسة ديانا وشقاءها، ومحاولتها الانتحار في عام 1989م بعد أن يئست من حياتها.
ويذكر الكتاب أحد المواقف التي زلزلت كيان الأميرة، وجعلتها تحيا أسوأ أيامها؛ فعندما رآها تشارلز تبكي لوفاة والدها، وعدم وجوده بجانبها عنَّفها، ووبخها، وقال لها بمنتهى القسوة: اخرجي من أحزانك بسرعة؛ فلا وقت لدينا لهذه الأحاسيس.
ولم يكن هذا الموقف هو الأخير؛ فقد توالت عبارات الأمير تشارلز، وإهاناته البالغة لديانا، حتى قررت التخلص من حياتها، خاصة بعد الأنباء التي أشارت إلى وجود علاقة غرامية بين الأمير وبين سيدة أخرى تدعى كاميلا فلورز، ومن ثم ابتلعت ديانا كل ما لديها من حبوب مهدئة؛ رغبة في التخلص من حياتها، إلا أن قدرها لم يحن بعد، فنجت من الموت.
ولم يكن صدور ذلك الكتاب نهاية المطاف؛ فقد بدأت الصحف تكشف جوانب أخرى، وأسراراً جديدة تعكس إخفاق الزوجين في تجاوز خلافاتهما، واستعادة ما كان بينهما من صفاء في بداية حياتهما الزوجية.
وكشفت صحيفة صنداي إكسبرس النقاب عن أن الأميرة ديانا تعاني من كوابيس مرعبة، وأحلام مخيفة تداهمها ليلاً في نومها؛ لتحيل حياتها إلى عذاب لا يتوقف، وشقاء لا ينقطع.
وأضافت الصحيفة أن ديانا تتلقى العلاج؛ للتخلص من هذه الكوابيس والأحلام المزعجة التي يرى الطبيب المعالج أنها تعكس مدى ما تعانيه الأميرة في حياتها من مصاعب، وما تعجز عن تحقيقه من رغبات مكبوتة.

وقالت: إن الأميرة التعسة بلغت درجة من الشقاء والضيق الشديد اضطرت معها إلى اللجوء إلى طبيب نفسي كي يعالجها.
وأكدت الصحيفة أن الأميرة أسرعت عقب تدهور صحتها؛ بسبب الكوابيس والأحلام المزعجة إلى الطبيب النفساني الشهير آلان ماكجلاشان.
وتقول الصحيفة: إن ديانا ترى في نومها وحوشاً غريبة تثير الرعب والهلع، وترى مشاهد بحرية مخيفة تزلزل كيانها، وترتعد لها فرائصها.
وأكدت بأن الأمير تشارلز نفسه بدأ يشعر بالقلق إزاء ما يجري لزوجته التي أصبحت تقطع نومها؛ لتنهض مذعورة لما تراه.
وبعد ذلك زادت المشكلات بينها وبين زوجها، وحاولت والدة تشارلز الملكة إليزابيث تهدئة الأمر، وحث الزوجين على تجاوز خلافاتهما، والتوقف عند هذا الحد.
ورغم ذلك فقد اتفق الطرفان على أن حياتهما على هذا النمط أصبحت مستحيلة، ولكن الطلاق ثقيل، خصوصاً على نفس تشارلز؛ لأنه سيؤدي إلى فقدانه وفقدان أبنائه من بعده حق الجلوس على العرش؛ حيث لا يجوز دستورياً أن يكون الملك مطلقاً.
ولأن الأمير عَيْنُه على العرش، وليس لديه أية فكرة للتنازل عنه_فقد قرر ألا يطلق.
أما الأميرة التعيسة فلم يعد لديها سوى ولديها هاري وويليام يملآن الفراغ والوحدة التي تقاسيها، ولا تريد أن تُطَلَّق؛ حتى لا يفقدا حق الجلوس على عرش بريطانيا في المستقبل ومن أجل هذا قررا الانفصال دون طلاق؛ ليبدأ كل منهما حياته بالطريقة التي يحبها 1. وبعد هذا اعترف الزوجان بالخيانة الزوجية، وأصبحت ديانا تترامى من أحضان عشيق إلى عشيق، إلى أن آل بها الأمر إلى آخر واحد منهم وهو عماد الفايد.
وآخر فصل من فصول حياة تلك المرأة هو تلك النهاية المؤلمة التي أودت بحياتها عندما كانت في فرنسا بصحبة عشيقها عماد الفايد، حيث ركبا في السيارة التي خرجت بهما من الفندق الذي كانا يقيمان فيه، فلما خرجا إذا بعدسات المصورين تضيق عليهما الطريق، فأسرع السائق هروباً من المصورين، فوقع الحادث الذي أودى بحياة ديانا وعماد الفايد.
فماذا أغنى الثراء؟ وماذا أغنت الشهرة؟ وماذا أغنى الجاه؟ (10) مادونا: تلك الفنانة الأمريكية الشهيرة، التي نالت من المال والشهرة والانطلاق ما جعلها أشهر فنانة في هذا العصر تقريباً.

فشهرتها قد طبقت الخافقين؛ لأن وسائل الإعلام تحفل بها وأمثالها.
وثرواتها تقدر بـ 130 مليون دولار، ولديها تعاقدات كثيرة للعمل خلال السنوات الخمس القادمة ربما درت عليها أكثر من 90 مليون دولار؛ فهل هي سعيدة بذلك؟ وهل وجدت الراحة والاستقرار؟ إن مادونا نفسها تعترف بصراحة أن كل ذلك لم يحقق لها السعادة أبداً، بل على العكس من ذلك؛ فهي الآن تعيش حالة اكتئاب عميق، وذلك بعد أن اكتشفت أنه لم يبق بينها وبين سن الأربعين سوى ثلاث سنوات، ذلك السن المتعارف عليه لدى الأطباء بأنه آخر فرصة للإنجاب بالنسبة للمرأة دون مشكلات.
ولقد صرحت مؤخراً لمجلة نمساوية بأنها نادمة ندماً شديداً على السنوات التي أضاعتها وراء الغناء هنا وهناك دون أن تفكر أن تتزوج من جديد بعد زواجها الأول الذي لم يستمر، ودون أن تفكر في إنجاب طفل أو أكثر يملأون عليها حياتها بعد أن تنصرف عنها الأضواء.
وتقول: إنها تخشى أن تقضي بقية حياتها لا تعيش إلا مع الحيوانات الأليفة، أو مع أناس تستأجرهم؛ ليكونوا حولها دون أن يكونوا من دمها ولحمها، وليس من بينهم زوج يحبها وتحبه بإخلاص.
وتضيف مادونا بأنها تملك المال الوفير ولكنه لن يسعدها بقدر ما سيسعدها أن تجد زوجاً مناسباً.
فهذه اعترافات واحدة من شهيرات نساء هذا العصر، وليتها عرفت أن البديل لشقاء الحياة المادية يوجد في الإسلام الذي كفل السعادة لمعتنقيه بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى 1. (11) مايكل جاكسون: ملك البوب، المغني الأمريكي الراقص، الذي يعد أشهر مغنٍّ في العالم، والذي يملك الملايين، ويحوز النصيب الأوفى من الحضور الجماهيري.
ذلك الرجل الذي تملأ شهرته الآفاق، وتنتشر أغانيه المسموعة والمرئية في أنحاء العالم.
ذلك الرجل الذي يقلده_ومع بالغ الأسف_فئام من شباب المسلمين، يقلدونه في حركاته، ورقصاته، وقصات شعره، ونوع ملابسه.
فما حال ذلك الإنسان؟ الذي يبدو للعيان أول وهلة أن ذلك الإنسان يعيش في أعلى درجات السعادة؛ لأن أسبابها_في نظر كثيرين_متوافرة فيه، مجتمعة له.
ولكن الحقيقة تقول غير ذلك، حيث جاء في جريدة الرياض عدد، 11321 وتاريخ 9_3_1420هـ تقرير يحمل العنوان التالي: يصرخ كطفل، وفكر في الانتحار مايكل جاكسون يعاني من حالة اكتئاب شديدة وتحت هذا العنوان جاء مايلي:

يعاني مايكل جاكسون من حالة اكتئاب شديدة، لدرجة أن والدته تقول لأصدقائه: إنه بدأ ينهار، وقد أقنعته في النهاية بأن يبدأ سراً علاجاً نفسانياً بالمنزل.
وكشف مصدر مقرب أن مايكل منزعج بشدة من مجموعة أشياء تركته في حالة انهيار؛ فهو لا يستطيع أن يتخلص من صورة أنه يسيء معاملة الأطفال، كما أن حياته العملية تبدو مجمدة، وهو في حالة شجار مع إخوته بعدما حنث بوعده في الانضمام مجدداً من أجل جولة لفرقة جاكسون فايف.
وهو يعاني من المشاكل الشخصية الأخرى التي يحاول معالجتها، ووالدته كاثرين في حالة انزعاج شديد عليه؛ فهي تطلبه هاتفياً يومياً؛ للتأكد من أنه على ما يرام، وأنه لا يحاول القيام بشيء أحمق؛ حيث إنها تخشى من لجوئه للانتحار.
وكان المغني البالغ من العمر أربعين عاماً اعترف في مقابلة أنه قد فكر في الانتحار.
وكانت والدته قد اندفعت إلى منزله عدة مرات مؤخراً، وجلست بجواره طوال الليل؛ خوفاً من أن يقتل نفسه.
وتضيف الصحيفة قائلة: والآن أقنعته والدته بمراجعة طبيب نفساني؛ لأنها تعتقد أن ذلك ينقذ حياته.
وذكرت والدته لأحد أصدقائه أن مايكل يصرخ كالطفل، وهو في حاجة إلى مساعدة مهنية متخصصة، وقد وعدني أخيراً بأنه سيراجع طبيباً نفسانياً، ولكنه يريد أن يتم ذلك بصورة سرية جداً؛ حتى لا يعتقد الناس أنه مصاب بالجنون.
ترى هل سيخرجه الطبيب النفساني من حالته الكئيبة؟ لا أظن ذلك؛ لأن الطبيب نفسه يريد من يخرجه من حالته إلا إذا كان مسلماً مؤمناً بالله عز وجل.
(المقصود من ذكر هذه النماذج: المقصود من ذكر هذه النماذج إنما هو أخذ العبرة والعظة ليس إلا.
وإلا فهم سيفضون إلى ما قدموا، وسيقفون أمام حكم عدل.
ثم إن نزول البلايا والمصائب لا يختص به أحد دون أحد؛ فقد تنزل بالبر والفاجر، والمسلم والكافر.
ولكنْ فرقٌ بين نزولها على البر المؤمن، وبين نزولها على الفاجر أو الكافر؛ فالمؤمن البر يستقبلها برضا وسرور؛ فترتفع بها درجاته في الدنيا والآخرة.
وكلما زيد في بلاء المؤمن فصبر واحتسب ورضي أعانه الله، ولطف به، وأنزل عليه من السكينة والرضا، واليقين، والقوة ما لا يخطر ببال.
أما الفاجر والكافر، فيستقبلها بهلع، وجزع، فتزداد مصائبه، وتكون من عاجل العقوبة له.
فأين أحوال أولئك العصاة مِنْ أحوال مَن اعتصموا بالله، وهُدوا إلى صراطه المستقيم؟

(فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر 1. (وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول لما أودع غياهب السجن: ما يصنع بي أعدائي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة 2. (وقال أيضاً: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة 3. (وقال أيضاً: الإنسان في الدنيا يجد في قلبه بذكر الله، وذكر محامده، وآلائه وعبادته من اللذة ما لا يجده بشيء آخر 4. وكما قال أحد العباد عن حاله: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب 5. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طرباً بأنسه بالله، وحبه له+ (6). وقال آخر: =مساكين أهل الغفلة؛ خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها (7). وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (8). (وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: نحن والله الملوك الأغنياء، نحن الذين قد تعجلنا الراحة في الدنيا، لا نبالي على أي حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا الله عز وجل 6. (وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله 7. (وقال ابن القيم متحدثاً عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى: وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إلي فيه من الخير ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، ما شاء الله.
وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى والمأسور من أسره هواه.

ولما دخل القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد: 31] ويواصل ابن القيم حديثه عن ابن تيمية فيقول: =وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرِّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه.
وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً، وقوة، ويقيناً، وطمأنينة؛ فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها_ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها 1. (أروع القصص للتائبين:

إن قصص التائبين لها تأثير بالغ في ترقيق القلوب لأنها تهز القلوب وتجعل الإنسان منحوب ويقلع عن الإثم والحوب ويهرع إلى علام الغيوب، هي قصصٌ تُفري الأكباد وتذيب الأجساد وتحملُ على الجد والاجتهاد والتشمر لإعداد الزاد ليوم المعاد، قصصٌ تُبكِي الصخور وتشرح الصدور وتُجَافِيك من دار الغرور وتُحَفِزُكَ إلى فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور والبعد عن دواهي الأمور، عسى ربُك أن يرزقك عملاً متقبلاً مبرور، ترى في هذه القصص مدى صدق التوبة وجريان الدموع في التوبة والرجوع، فتأملها بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد، ونحن بتوفيق الله تعالى نذكر نوعين من قصص التائبين هما كما يلي: أولاً: قصصٌ للتائبين من القرون السابقة: ثانياً: قصصٌ للتائبين المعاصرين لأنها أوقع في النفس: ودونك القصص بين يديك أولاً: قصصٌ للتائبين من القرون السابقة:

وقد انتقينا بتوفيق الله تعالى أروع القصص وأبلغها من كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: (توبة فتى من الأزدكان عن التأنث والتخنث:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن رجاء بن ميسور المجاشعي قال «كنا في مجلس صالح المري وهو يتكلم فقال لفتى بين يديه اقرأ يا فتى فقرأ الفتى» (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: 18] (فقطع صالح عليه القراءة وقال: كيف يكون لظالم حميم أو شفيع والمطالب له رب العالمين إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السلاسل والأنكال إلى الجحيم حفاة عراة مسودة وجوههم مزرقة عيونهم ذائبة أجسادهم ينادون يا ويلنا يا ثبورنا ماذا نزل بنا ماذا حل بنا، أين يذهب بنا ماذا يراد منا والملائكة تسوقهم بمقامع النيران فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها منكبين ومرة يقادون إليها مقرنين من بين باك دما بعد انقطاع الدموع ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت، إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرا لا يقوم له بصرك ولا يثبت له قلبك ولا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك، ثم نحب وصاح يا سوء منظراه يا سوء منقلباه وبكى وبكى الناس فقام فتى من الأزدكان به تأنيث فقال أكل هذا في القيامة يا أبا بشر؟ قال: نعم والله يا ابن أخي وما هو أكثر لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم فما يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المدنف، فصاح الفتى إنا لله واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة واأسفا على تفريطي في طاعتك يا سيداه واأسفا على تضييعي عمري في دار الدنيا ثم بكى واستقبل القبلة، فقال: اللهم إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك، اللهم فاقبلني على ما كان في واعف عما تقدم من فعلي وأقلني عثرتي وارحمني ومن حضرني وتفضل علينا بجودك وكرمك يا أرحم الراحمين، لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي وإليك أنبت بجميع جوارحي صادقا لذلك قلبي، فالويل لي إن لم تقبلني، ثم غلب فسقط مغشيا عليه فحمل من بين القوم صريعا فمكث صالح وإخوته يعودونه أياما ثم مات والحمد لله، فحضره خلق كثير يبكون عليه ويدعون له فكان صالح كثيرا ما يذكره في مجلسه فيقول: بأبي قتيل القرآن وبأبي قتيل المواعظ والأحزان قال فرآه رجل في منامه قال ما صنعت قال عمتني بركة مجلس صالح فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء.» (توبة رجل عما جنت يداه:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن إبراهيم بن الحارث قال «كان رجل كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال أبكاني تذكري ما جنيت على نفسي حين لم أستحي ممن شاهدني وهو يملك عقوبتي فأخرني إلى يوم العقوبة الدائمة وأجلني إلى يوم الحسرة الباقية والله لو خيرت أيما أحب إليك تحاسب ثم يؤمر بك إلى الجنة أو يقال لك كن ترابا لاخترت أن أكون ترابا.» (توبة مُلْهِي أهل المدينة عن اللهو على يد والدته:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن صالح بن عمر قال: حدثني أبي قال «كان بالمدينة امرأة متعبدة ولها ولد يلهو وهو مُلْهِي أهل المدينة وكانت تعظه وتقول يا بني اذكر مصارع الغافلين قبلك وعواقب البطالين قبلك اذكر نزول الموت فيقول: إذا ألحت عليه كفي عن التعذال واللوم واستيقظي من سنة النوم إني وإن تابعت في لذتي قلبي وعاصيتك في لومي أرجو من أفضاله توبة تنقل من قوم إلى قوم فلم يزل كذلك حتى قدم أبو عامر البناني واعظ أهل الحجاز ووافق قدومه رمضان فسأله إخوانه أن يجلس لهم في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأجابهم وجلس ليلة الجمعة بعد انقضاء التراويح واجتمع الناس وجاء الفتى فجلس مع القوم فلم يزل أبو عامر يعظ وينذر ويبشر إلى أن ماتت القلوب فرقا واشتاقت النفوس إلى الجنة فوقعت الموعظة في قلب الغلام فتغير لونه ثم نهض إلى أمه فبكى عندها طويلا ثم قال زممت للتوبة أجمالي ورحت قد طاوعت عذالي وأبت والتوبة قد فتحت من كل عضو لي أقفالي لما حدا الحادي بقلبي إلى طاعة ربي فك أغلالي أجبته لبيك من موقظ نبه بالتذكار أغفالي يا أم هل يقبلني سيدي على الذي قد كان من حالي، واسوءتا إن ردني خائبا ربي ولم يرض بإقبالي ثم شمر في العبادة وجد وكان لا يفطر إلا بعد التراويح ولا ينام إلا بعد طلوع الشمس فقربت إليه أمه ليلة إفطاره فامتنع وقال: أجد ألم الحُمى فأظن أن الأجل قد أزف ثم فزع إلى محرابه ولسانه لا يفتر من الذكر فبقي أربعة أيام على تلك الحال ثم استقبل القبلة يوما وقال: إلهي عصيتك قوياً وأطعتك ضعيفاً وأسخطتك جَلَدَاً وخدمتك نَحِيْفَا فليت شعري هل قبلتني ثم سقط مغشيا عليه فانشج وجهه فقامت إليه أمه فقالت: يا ثمرة فؤادي وقرة عيني رد جوابي، فأفاق فقال يا أماه هذا اليوم الذي كنت تحذريني وهذا الوقت الذي كنت تخوفيني، فيا أسفي على الأيام الخوالي يا أماه إني خائف على نفسي أن يطول في النار حبسي، بالله عليك يا أماه قومي فضعي رجلك على خدي حتى أذوق طعم الذل لعله يرحمني، ففعلت وهو يقول هذا جزاء من أساء ثم مات رحمه الله، قالت أمه: فرأيته في المنام ليلة الجمعة وكأنه القمر فقلت يا ولدي ما فعل الله بك؟ فقال: خيرا رفع درجتي، قلت فما كنت تقول قبل موتك؟ قال هتف بي هاتف أجب الرحمن فأجبت، قلت فما فعل أبو عامر؟ فقال: هيهات أين نحن من أبي عامر حل أبو عامر في قبةٍ وطدها ذو العرش للناس بين جوار كالدمى خرد يسقينه بالكاس والطاس يقلن بالترخيم خذها فقد هنيتها يا واعظ الناس.» (توبة دينار العيار عن المعاصي على يد والدته:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين أن رجلا «كان يُعْرَفُ بدينار العيار كانت له والدة تعظه ولا يتعظ فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام فأخذ منها عظما نخرا فانفت في يده ففكر في نفسه وقال لنفسه: ويحك كأني بك غدا قد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا وأنا اليوم أقدم على المعاصي، فندم وعزم على التوبة ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني ثم مضى نحو أمه متغير اللون منكسر القلب فقال يا أماه: ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟ فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه، فقال أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير وتفعلين بي كما يفعل بالآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني، ففعلت ما طلب فكان إذا جنه الليل أخذ في البكاء والعويل ويقول لنفسه ويحك يا دينار ألك قوة على النار كيف تعرضت لغضب الجبار وكذلك إلى الصباح، فقالت له أمه في بعض الليالي: ارفق بنفسك فقال دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا، يا أمي إن لي موقفا طويلا بين يدي رب جليل ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل أو إلى شر مقيل إني أخاف عناء لا راحة بعده وتوبيخا لا عفو معه، قالت فاسترح قليلا فقال الراحة أطلب أتضمنين لي الخلاص قالت فمن يضمنه لي قال فدعيني وما أنا عليه كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فمرت به في بعض الليالي في قراءته (فَوَرَبّكَ لَنَسْأَلَنّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الحجر 92: 93] ففكر فيها وبكى وجعل يضطرب كالحَيْة حتى خر مغشيا عليه فجاءت أمه إليه ونادته فلم يجبها فقالت: قرة عيني أين الملتقى؟ فقال بصوت ضعيف: إن لم تجديني في عرصة القيامة فاسألي مالكا عني ثم شهق شهقة مات فيها فجهزته وغسلته وخرجت تنادي أيها الناس هلموا إلى الصلاة على قتيل النار فجاء الناس فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم.» (توبة رجل عن حب مغنية شغلته عن الله:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن علي بن الحسين قال «كان لنا جار من المتعبدين قد برز في الاجتهاد فصلى حتى تورمت قدماه وبكى حتى مرضت عيناه فاجتمع إليه أهله وجيرانه فسألوه أن يتزوج فاشترى جارية وكانت تغني وهو لا يعلم فبينا هو ذات يوم في محرابه يصلي رفعت الجارية صوتها بالغناء فطار لبه فرام ما كان عليه من العبادة فلم يطق فأقبلت الجارية عليه فقالت يا مولاي لقد أبليت شبابك ورفضت لذات الدنيا أيام حياتك فلو تمتعت بي فمال إلى قولها واشتغل باللذات عما كان فيه من التعبد، فبلغ ذلك أخا له كان يوافقه على العبادة فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من الناصح الشفيق والطبيب الرفيق إلى من سلب حلاوة الذكر والتلذذ بالقرآن والخشوع والأحزان بلغني أنك اشتريت جارية بعت بها من الآخرة حظك فإن كنت بعت الجزيل بالقليل والقرآن بالقيان فإني محذرك هادم اللذات ومنغص الشهوات وموتم الأولاد فكأنه قد جاء على غرة فأبكم منك اللسان وهدم منك الأركان وقرب منك الأكفان واحتوشك الأهل والجيران وأحذرك من الصيحة إذا جثت الأمم لهول ملك جبار فاحذر يا أخي ما يحل بك من ملك غضبان ثم طوى الكتاب وأنفذه إليه، فوافاه الكتاب وهو في مجلس سروره فغص بريقه وأذهله ذلك فنهض مبادرا من مجلس سروره وكسر آنيته وهجر جاريته وآلى أن لا يطعم الطعام ولا يتوسد المنام، قال الذي وعظه: فلما مات رأيته في المنام بعد ثلاث فقلت ما فعل الله بك؟ قال: قدمنا على رب كريم أباحنا الجنة وقال: الله عوضني ذو العرش جارية حوراء تسقيني طورا وتهنيني تقول لي اشرب بما قد كنت تأملني وقر عينا مع الولدان والعيين يا من تخلى عن الدنيا وأزعجه عن الخطايا وعيد في الطواسين.» (توبة شاب وامرأته على يد سري السقطي:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن سري السقطي قال «كنت يوما أتكلم بجامع المدينة فوقف علي شاب حسن الشباب فاخر الثياب ومعه أصحابه فسمعني أقول في وعظي: عجبا لضعيف يعصي قويا، فتغير لونه وانصرف فلما كان من الغد جلست في مجلسي وإذا بالفتى قد أقبل فسلم وصلى ركعتين وقال: يا سري سمعتك بالأمس تقول عجبا لضعيف يعصي قويا فما معناه؟ فقلت: لا أقوى من الله ولا أضعف من العبد وهو يعصيه فنهض فخرج ثم أقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان وليس معه أحد فقال يا سري كيف الطريق إلى الله؟ فقلت إن أردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل وإن أردت الله فاترك كل شيء سواه تصل إليه وليس إلا المساجد والخراب والمقابر فقام وهو يقول والله لا سلكت إلا أصعب الطرق وولى خارجا فلما كان بعد أيام أقبل إلي غلمان كثير فقالوا ما فعل أحمد بن يزيد الكاتب فقلت لا أعرفه إلا أن رجلا جاءني من صفته كذا وكذا فجرى لي معه كذا كذا ولا أعلم حاله فقالوا: نقسم عليك بالله متى عرفت حاله فعرفنا ودلوني على داره فبقيت سنة لا أعرف له خبرا فبينا أنا ذات ليلة بعد عشاء الآخرة جالسا في بيتي إذا بطارق يطرق الباب فأذنت له بالدخول فإذا بالفتى عليه قطعة من كساء في وسطه وأخرى على عاتقه ومعه زنبيل فيه نوى فقبل بين عيني وقال لي: يا سري أعتقك الله من النار كما أعتقتني من رق الدنيا، فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم فمضى وإذا بزوجته قد جاءت ومعها ولده وغلمانه فدخلت وألقت ولده في حجره وعليه حلي وحلل وقالت له يا سيدي أرملتني وأنت حي وأيتمت ولدك وأنت حي، قال سري: فنظر إلي وقال يا سري ما هذا وفاء ثم أقبل عليها فقال والله إنك لثمرة فؤادي وحبيبه قلبي وإن هذا ولدي لأعز الخلق علي غير أن هذا سري أخبرني أن من أراد الله قطع كل ما سواه ثم نزع ما على الصبي فقال: ضعي هذا في الأكباد الجائعة والأجساد العارية وخرق قطعة من كسائه فلف فيها الصبي، فقالت المرأة: لا أرى ولدي في هذه الحال وانتزعته منه فحين رآها قد اشتغلت به نهض وقال ضيعتم علي ليلتي بيني وبينكم الله وولى خارجا وضجت الدار بالبكاء فقالت إن عدت سمعت له خبرا فأعلمني فقلت نعم، فلما كان بعد أيام أتت عجوز فقالت يا سري بالشونيزية غلام يسألك الحضور، فمضيت فإذا به مطروح في تربة تحت رأسه لبنة فسلمت عليه ففتح عينيه وقال يا سري ترى تغفر تلك الجنايات؟ فقلت نعم، قال يغفر لمثلي؟ قلت نعم، قال أنا

غريق قلت هو منجي الغرقى، فقال علي مظالم فقلت في الخبر أنه يؤتى بالتائب يوم القيامة معه خصومه فيقال لهم خلوا عنه فإن الله تعالى يعوضكم فقال يا سري معي دراهم من لقط النوى إذا أنا مت فاشتر لي ما أحتاج إليه وكفني ولا تعلم أهلي لئلا يغيروا كفني بحرام، قال سري فجلست عنده قليلا ففتح عينيه فقال (لِمِثْلِ هََذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات: 61] ثم مات فأخذت الدراهم وجئت فاشتريت ما يحتاج إليه وسرت نحوه فإذا الناس يهرعون فقلت ما الخبر؟ فقيل مات ولي من أولياء الله نريد أن نصلي عليه فجئت فغسلته ودفناه فلما كان بعد مدة نفذ أهله يستعلمون خبره فأخبرتهم بموته فأقبلت امرأته باكية فأخبرتها بحاله فسألتني أن أريها قبره فقلت أخاف أن تغيروا أكفانه قالت لا والله فأريتها القبر فبكت وأمرت بإحضار شاهدين فأحضرتهما وأعتقت جواريها وأوقفت عقارها وتصدقت بمالها ولزمت قبره حتى ماتت.» (توبة امرأة بارعة الجمال أرادت أن تفتن الربيع بن خيثم:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين أن قوماً أمروا امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خيثم لعلها تفتنه وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه ثم تعرضت له حين خرج من مسجده فنظر إليها فراعه أمرها فأقبلت عليه وهي سافرة فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك، أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين أم كيف بك لو سألك منكر ونكير، فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها فو الله لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها ما أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق.
(توبة جار لأحمد بن حنبل رحمه الله:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن جعفر الصائغ قال «كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رجل ممن يمارس المعاصي والقاذورات فجاء يوما إلى مجلس أحمد يسلم عليه فكأن أحمد لم يرد عليه ردا تاما وانقبض منه، فقال له يا أبا عبد الله لم تنقبض مني؟ فإني قد انتقلت عما كنت تعهدني برؤيا رأيتها، قال: وأي شيء رأيت» قال «رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم كأنه على علو من الأرض وناس كثير أسفل جلوس قال فيقوم رجل منهم إليه فيقول ادع لي فيدعو له حتى لم يبق من القوم غيري قال فأردت أن أقوم فاستحيت من قبيح ما كنت عليه، قال لي: يا فلان لم لا تقوم إلي فتسألني أدعو لك؟

قال: قلت يا رسول الله يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه، فقال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدع لك فإنك لا تسب أحدا من أصحابي، قال فقمت فدعا لي فانتبهت وقد بغض الله إلي ما كنت عليه» قال «فقال لنا أبو عبد الله يا جعفر يا فلان حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع.» (توبة أبي عمر بن علوان عن نظره إلى امرأة:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن أبي عمرو بن علوان يقول خرجت يوما في حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت في جملة الناس حتى تدفن فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فلمحت بالنظر واسترجعت واستغفرت الله تعالى وعدت إلى منزلي فقالت لي عجوز: يا سيدي مالي أرى وجهك أسود فأخذت المرآة فنظرت فإذا وجهي أسود فرجعت إلى سري أنظر من أين دهيت فذكرت النظرة فانفردت في موضع أستغفر الله تعالى وأسأله الإقالة أربعين يوما فخطر في قلبي أن زر شيخك الجنيد فانحدرت إلى بغداد فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب فقال ادخل يا أبا عمرو تذنب بالرحبة ويستغفر لك ببغداد.
(توبة رجل عن الشراب والعود بسماع آيات من القرآن:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن أبي هاشم المذكر قال: أردت البصرة فجئت إلى سفينة أكتريها وفيها رجل ومعه جارية فقال الرجل ليس هاهنا موضع فسألته الجارية أن يحملني فحملني فلما سرنا دعا الرجل بالغداء فوضع فقال أنزلوا ذلك المسكين ليتغدى فأنزلت على أني مسكين فلما تغدينا قال يا جارية هاتي شرابك فشرب وأمرها أن تسقيني فقلت رحمك الله إن للضيف حقا فتركني، فلما دب في النبيذ قال يا جارية هاتي العود وهاتي ما عندك فأخذت العود وغنت تقول وكنا كغصني بانة ليس واحد يزول على الخلان عن رأي واحد تبدل بي خلا فخاللت غيره وخليته لما أراد تباعدي فلو أن كفي لم تردني أبنتها ولم يصطحبها بعد ذلك ساعدي ألا قبح الرحمن كل مماذق يكون أخا في الخفض لا في الشدائد ثم التفت إلي فقال: أتحسن مثل هذا فقلت: أحسن خيرا منه فقرأت (إِذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ وَإِذَا النّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيّرَتْ) [التكوير 1: 3] فجعل الشيخ يبكي فلما انتهيت إلى قوله تعالى (وَإِذَا الصّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: 10]

قال الشيخ يا جارية اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى وألقى ما معه من الشراب في الماء وكسر العود ثم دنا إلي فاعتنقني وقال يا أخي أترى الله يقبل توبتي فقلت (إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ) [البقرة: 222] قال فواخيته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات قبلي فرأيته في المنام فقلت له إلى ما صرت؟ قال إلى الجنة قلت بم صرت إلى الجنة؟ قال بقراءتك علي (وَإِذَا الصّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: 10].
(توبة شيخ مُهَلَبِّي وجاريته عن الشراب والضرب بالعود:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن إسماعيل بن عبد الله الخزاعي قال «قدم رجل من المهالبة من البصرة أيام البرامكة في حوائج له فلما فرغ منها انحدر إلى البصرة ومعه غلام له وجارية فلما صار في دجلة إذا بفتى على ساحل دجلة عليه جبة صوف وبيده عكازة ومزود، قال فسأل الملاح أن يحمله إلى البصرة ويأخذ منه الكراء، قال فأشرف الشيخ المهلبي فلما رآه رق له فقال: للملاح قرب واحمله معك على الظلال فحمله فلما كان في وقت الغداء دعا الشيخ بالسفرة وقال للملاح قل للفتى ينزل إلينا فأبى عليه، فلم يزل يطلب إليه حتى نزل فأكلوا حتى إذا فرغوا ذهب الفتى ليقوم فمنعه الشيخ حتى توضؤوا ثم دعا بزكرة فيها شراب فشرب قدحا ثم سقى الجارية ثم عرض على الفتى فأبى وقال: أحب أن تعفيني، قال قد أعفيناك، اجلس معنا وسقى الجارية وقال هاتي ما عندك فأخرجت عودا لها في كيس فهيأته وأصلحته ثم أخذت فغنت، فقال يا فتى تحسن مثل هذا قال أحسن ما هو أحسن من هذا فافتتح الفتى بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ مَتَاعُ الدّنْيَا قَلِيلٌ وَالاَخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ اتّقَىَ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مّشَيّدَة) [النساء 77: 78] وكان الفتى حسن الصوت قال فرج الشيخ بالقدح في الماء وقال أشهد أن هذا أحسن مما سمعت فهل غير هذا؟ قال نعم (وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: 29]

قال فوقعت من قلب الشيخ موقعا قال فأمر بالركزة فرمى بها وأخذ العود فكسره ثم قال يا فتى هل هاهنا فرج قال نعم (قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ) [الزمر: 53] قال فصاح الشيخ صيحة خر مغشيا عليه فنظروا فإذا الشيخ قد ذاق الموت وقد قاربوا البصرة قال فضج القوم بالصراخ واجتمع الناس وكان رجلا من المهالبة معروفا فحمل إلى منزله فما رأيت جنازة كانت أكثر جمعا منها قال فبلغني أن الجارية المغنية تدرعت الشعر وفوق الشعر جبة صوف وجعلت تقوم الليل وتصوم النهار فمكثت بعده أربعين ليلة ثم مرت بهذه الآية في بعض الليالي (وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: 29] قال فأصبحوا فأصابوها ميتة.» (توبة أعرابي لسماع آية من القرآن:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن الأصمعي قال «أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلد سيفه وبيده قوس فدنا وسلم وقال لي ممن الرجل؟ قلت من بني الأصمع، قال أنت الأصمعي؟ قلت نعم، قال ومن أين أقبلت؟ قلت من موضع يتلى فيه كلام الرحمن قال وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم، قال اتل علي شيئا منه، فقلت له انزل عن قعودك فنزل وابتدأت بسورة الذاريات فلما انتهيت إلى قوله تعالى: (وَفِي السّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات: 22] قال «يا أصمعي هذا كلام الرحمن قلت إي والذي بعث محمدا بالحق إنه لكلامه أنزله على نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لي حسبك ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها وقال أعني على تفريقها ففرقناها على من أقبل وأدبر ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرحل وولى مدبرا نحو البادية وهو يقول (وَفِي السّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات: 22] فأقبلت على نفسي باللوم وقلت لم تنتبه لما انتبه له الأعرابي فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق فالتفت فإذا أنا بالأعرابي نحيلا مصفارا فسلم علي وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام وقال لي اتل كلام الرحمن فأخذت في سورة الذاريات فلما انتهيت إلى قوله تعالى» (وَفِي السّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات: 22] «صاح الأعرابي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ثم قال وهل غير هذا قلت نعم يقول الله عز وجل (فَوَرَبّ السّمَآءِ وَالأرْضِ إِنّهُ لَحَقّ مّثْلَ مَآ أَنّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات: 23] فصاح الأعرابي وقال يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف ألم يصدقوه حتى ألجؤوه إلى اليمين قالها ثلاثا وخرجت فيها روحه» (توبة لبيب العابد عن قتل الحيات:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن القاضي أبي علي التنوخي قال «كان ينزل بباب الشام من الجانب الغربي ببغداد رجل مشهور بالزهد والعبادة يقال له لبيب العابد وكان الناس ينتابونه فحدثني لبيب قال: كنت مملوكا روميا لبعض الجند فرباني وعلمني العمل بالسلاح فصرت رجلا ومات مولاي بعد أن أعتقني فتوصلت إلى أن جعلت رزقه لي وتزوجت امرأته وقد علم الله تعالى أني لم أرد بذلك إلا صيانتها وأقمت معها مدة فاتفق أني رأيت يوما حية داخلة إلى جحرها فأمسكت ذنبها لأقتلها فوثبت علي فنهشت يدي فشلت ومضى زمن طويل على هذا فشلت يدي الأخرى بغير سبب أعرفه ثم جفت رجلاي ثم عميت ثم خرست فكنت على هذه الحال سنة كاملة لم يبق لي جارحة صحيحة إلا سمعي أسمع به ما أكره وأنا طريح على ظهري لا أقدر على كلام ولا إيماء ولا حركة أسقى وأنا ريان وأترك وأنا عطشان وأطعم وأنا شبعان وأمنع وأنا جائع، فلما كان بعد سنة دخلت امرأة على زوجتي فقالت كيف أبو علي لبيب فقالت لها زوجي لا حي فيرجى ولا ميت فيسلى، فأقلقني ذلك وآلم قلبي ألما شديدا فبكيت وضججت إلى الله تعالى في سري ودعوت وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألما في نفسي فلما كان في بقية ذلك اليوم ضرب علي جسدي ضربانا شديدا كاد يتلفني ولم يزل على ذلك إلى أن دخل الليل وانتصف أو جاز فسكن الألم قليلا فنمت فما أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر وإحدى يدي على صدري وقد كانت طول السنة مطروحة على الفراش لا تنشال أو تشال فحركتها فتحركت ففرحت فرحا شديدا وقوي طمعي في تفضل الله بالعافية فحركت الأخرى فتحركت فقبضت إحدى رجلي فانقبضت فرددتها فرجعت وفعلت بالأخرى مثل ذلك فَرُمْت الانقلاب فانقلبت وجلست وَرُمْت القيام فقمت ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحا عليه وكان في بيت من الدار فمشيت ألتمس الحائط في الظلمة إلى أن وقعت يدي على الباب وأنا لا أطمع في بصري فخرجت إلى صحن الدار فرأيت السماء والكواكب تزهر فكدت أموت فرحا وانطلق لساني بأن قلت يا قديم الإحسان لك الحمد ثم صحت بزوجتي فقالت أبو علي فقلت الساعة صرت أبا علي اسرجي فأسرجت فقلت جيئيني بمقراض فجاءت به فقصصت شاربا كان لي على زي الجند فقالت لي زوجتي ما تصنع الآن يعيبك رفقاؤك فقلت بعد هذا لا أخدم أحدا غير ربي فانقطعت إلى الله عز وجل وخرجت من الدار ولزمت عبادة ربي قال وكانت هذه الكلمة يا قديم الإحسان لك الحمد قد صارت عادته يقولها في حشو كلامه وكان يقال إنه مجاب الدعوة.» (توبة المعتصم ورجوعه عن قتل تميم بن جميل:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن أحمد بن أبي دواد قال «ما رأيت رجلا قط أشرف على الموت فما شغله ولا أذهله عما يريد حتى بلغه وخلصه الله عز وجل إلا تميم بن جميل فإني رأيته بين يدي المعتصم وقد بسط له النطع وانتضي له السيف وكان رجلا جسيما وسيما فأحب المعتصم أن يستنطقه لينظر أين منظره من مخبره فقال له تكلم فقال: أما إذ أذن أمير المؤمنين فالحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين السجدة، يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين إن الذنوب تخرس الألسنة وتخلع الأفئدة وأيم الله لقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك ثم أنشأ يقول أرى الموت بين السيف والنطع كامنا يلاحظني من حيث ما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي وأي امرىء مما قضى الله يفلت وأي امرىء يدلي بعذر وحجة وسيف المنايا بين عينيه مصلت وما جزعي من أن أموت فإنني لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حرها تتفتت فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة أذود العدى عنهم وإن مت ماتوا كأني أراهم حين أنعى إليهم وقد لطموا تلك الخدود وصوتوا قال فاستعبر المعتصم ثم قال يا تميم قد عفوت عن الهفوة ووهبتك للصبية ثم أمر به ففك خديده وخلع عليه وعقد له على سقي الفرات.» (توبة لص من اللصوص عن التعرض للناس:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن أمة الملك بنت هشام بن حسان قالت «خرج عطاء الأزرق إلى الجبان يصلي بالليل فعرض له لص فقال اللهم اكفنيه قال فجفت يداه ورجلاه قال فجعل يبكي ويصيح والله لا أعود أبدا، قال فدعا الله له فأطلق قال فاتبعه اللص فقال له أسألك بالله من أنت؟ قال أنا عطاء فلما أصبح سأل تعرفون رجلا صالحا يخرج بالليل إلى الجبان يصلي قالوا نعم عطاء السلمي قال فذهب إلى عطاء السلمي إلى الخربة فدخل عليه وقال إني جئتك تائبا من قصتي كذا وكذا فادع الله لي قال فرفع عطاء السلمي يديه إلى السماء وجعل يبكي ويقول ويحك ليس أنا ذاك عطاء الأزرق.» (توبة نباش عن نبش القبور:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن إسحاق الفزاري قال «كان رجل يكثر الجلوس إلينا ونصف وجهه مغطى فقلت له إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى أطلعني على هذا فقال تعطيني الأمان قلت نعم قال كنت نباشا فدفنت امرأة فأتيت قبرها فنبشت حتى وصلت إلى اللبن ثم رفعت اللبن فضربت بيدي إلى الرداء ثم ضربت بيدي إلى اللفافة فمددتها فجعلت تمدها هي فقلت أتراها تغلبني فجثيت على ركبتي فمددت فرفعت يدها فلطمتني وكشف وجهه فإذا أثر خمس أصابع في وجهه فقلت له ثم مه قال ثم رددت عليها لفافتها وإزارها ثم رددت التراب وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت قال فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي الأوزاعي ويحك سله عمن مات من أهل التوحيد ووجهه إلى القبلة أحول وجهه أم ترك وجهه إلى القبلة قال فجاءني الكتاب فقلت له أخبرني عمن مات من أهل الإسلام أترك وجهه على ما كان أم ماذا فقال أكثر ذلك حول وجهه عن القبلة فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاث مرات أما من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة.» (توبة شاب مسرف على نفسه على يد إبراهيم بن أدهم:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين أن رجلا جاء إلى إبراهيم بن أدهم فقال له يا أبا إسحاق إني مسرف على نفسي فاعرض علي ما يكون لها زاجرا ومستنقذا لقلبي، قال: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبقك لذة قال هات يا أبا إسحاق؟ قال أما الأولى: فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه، قال فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه قال له يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه قال لا.
هات الثانية؟ قال وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئا من بلاده قال الرجل هذه أعظم من الأولى يا هذا إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن قال يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه قال لا.

هات الثالثة؟ قال إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعا لا يراك فيه مبارزا له فاعصه فيه، قال يا إبراهيم كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر قال يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به قال لا، هات الرابعة؟ قال إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له أخرني حتى أتوب توبة نصوحا وأعمل لله عملا صالحا قال لا يقبل مني قال يا هذا فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير فكيف ترجو وجه الخلاص.
قال هات الخامسة؟ قال إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذونك إلى النار فلا تذهب معهم قال لا يدعونني ولا يقبلون مني قال فكيف ترجو النجاة إذا قال له يا إبراهيم حسبي حسبي أنا أستغفر الله وأتوب إليه ولزمه في العبادة حتى فرق الموت بينهما.» (توبة عاصي في جوف الليل وموته لسماع آية من القرآن فيها ذكر النار:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن منصور بن عمار قال «حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بناكلك جاهل ولكن خطيئة عرضت لي أعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخي علي وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي ولك الحجة علي فالآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أتصل إذا قطعت حبلك مني واشباباه واشباباه قال فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله (نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6] فسمعت حركة شديدة ثم لم أسمع بعدها حسا فمضيت فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي إذا بجنازة قد وضعت وإذا بعجوز كبيرة فسألتها عن أمر الميت ولم تكن عرفتني فقالت هذا رجل لا جزاه الله إلا جزاءه مر بابني البارحة وهو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله فلما سمعها ابني تفطرت مرارته فوقع ميتا.
(توبة منازل بن لاحق:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال «بينما أنا أطوف مع أبي حول البيت في ليلة ظلماء وقد رقدت العيون وهدأت الأصوات إذ سمع أبي هاتفا يهتف بصوت حزين شجي وهو يقول يا من يجيب دعا المضطر في الظلم يا كاشف الضر والبلوى مع السقم قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا وأنت عينك يا قيوم لم تنم هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي يا من إليه أشار الخلق في الحرم إن كان عفوك لا يدركه ذو سرف فمن يجود على العاصين بالكرم قال فقال أبي: يا بني أما تسمع صوت النادب لذنبه المستقيل لربه الحقه فلعل أن تأتيني به فخرجت أسعى حول البيت أطلبه فلم أجده حتى انتهيت إلى المقام وإذا هو قائم يصلي فقلت أجب ابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأوجز في صلاته واتبعني فأتيت أبي فقلت هذا الرجل يا أبت فقال له أبي ممن الرجل؟ قال من العرب قال وما اسمك؟ قال منازل بن لاحق قال وما شأنك؟ وما قصتك؟ قال وما قصة من أسلمته ذنوبه وأوبقته عيوبه فهو مرتطم في بحر الخطايا فقال له أبي علي ذلك فاشرح لي خبرك قال كنت شابا على اللهو والطرب لا أفيق عنه وكان لي والد يعظني كثيرا ويقول يا بني احذر هفوات الشباب وعثراته فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد وكان إذا ألح عليَّ بالموعظة ألححت عليه بالضرب فلما كان يوم من الأيام ألح علي بالموعظة فأوجعته ضربا فحلف بالله مجتهدا ليأتين بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو علي فخرج حتى انتهى إلى البيت فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا عرض المهامه من قرب ومن بعد، إني أتيتك يا من لا يخيب من يدعوه مبتهلا بالواحد الصمد هذا منازل لا يرتد عن عققي فخذ بحقي يا رحمان من ولدي وشل منه بحول منك جانبه يا من تقدس لم يولد ولم يلد، قال فو الله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى ثم كشف عن شقه الأيمن فإذا هو يابس قال فأبت ورجعت ولم أزل أترضاه وأخضع له وأسأله العفو عني إلى أن أجابني أن يدعو لي في المكان الذي دعا علي قال فحملته على ناقة عشراء وخرجت أقفو أثره حتى إذا صرنا بوادي الأراك طار طائر من شجرة فنفرت الناقة فرمت به بين أحجار فرضخت رأسه فمات فدفنته هناك وأقبلت آيسا وأعظم ما بي ما ألقاه من التعيير أني لا أعرف إلا بالمأخوذ بعقوق والديه فقال له أبي أبشر فقد أتاك الغوث فصلى ركعتين ثم أمره فكشف عن شقه بيده ودعا له مرات يرددهن فعاد صحيحا كما

كان وقال له أبي لولا أنه قد كان سبقت إليك من أبيك في الدعاء لك بحيث دعا عليك لما دعوت لك، قال الحسن وكان أبي يقول لنا احذروا دعاء الوالدين فإن في دعائهما النماء والانجبار والاستئصال والبوار.» (توبة شاب عن الانهماك في الدنيا:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن جعفر بن سليمان قال «مررت أنا ومالك بن دينار بالبصرة فبينا نحن ندور فيها مررنا بقصر يعمر وإذا شاب جالس ما رأيت أحسن وجها منه وإذا هو يأمر ببناء القصر ويقول افعلوا واصنعوا فقال لي مالك ما ترى إلى هذا الشاب وإلى حسن وجهه وحرصه على هذا البناء ما أحوجني إلى أن أسأل ربي أن يخلصه فلعله يجعله من شباب الجنة يا جعفر ادخل بنا إليه قال جعفر فدخلنا فسلمنا فرد السلام ولم يعرف مالكا فلما عرفوه إياه قام إليه فقال حاجة قال كم نويت أن تنفق على هذا القصر قال مائة ألف درهم قال ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه وأضمن لك على الله تعالى قصرا خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وقبابه وخيمه من ياقوتة حمراء مرصع بالجواهر ترابه الزعفران وملاطه المسك أفيح من قصرك هذا لا يخرب لا تمسه يدان ولم يبنه بناء قال له الجليل كن فكان قال أجلني الليلة وبكر علي غدوة قال جعفر فبات مالك وهو يفكر في الشاب فلما كان في وقت السحر دعا وأكثر من الدعاء فلما أصبحنا غدونا فإذا بالشاب جالس فلما عاين مالكا هش إليه ثم قال ما تقول في ما قلت بالأمس قال تفعل قال نعم فأحضر البدر ودعا بدواة وقرطاس ثم كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان إني ضمنت لك على الله قصرا بدل قصرك بصفته كما وصفت والزيادة على الله واشتريت لك بهذا المال قصرا في الجنة أفيح من ظل ظليل بقرب العزيز الجليل ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشاب وحملنا المال فما أمسى مالك وقد بقي عنده مقدار قوت ليلة فما أتى على الشاب أربعون ليلة حتى صلى مالك ذات يوم الغداة فلما انفتل فإذا بالكتاب في المحراب موضوع فأخذه مالك فنشره فإذا في ظهره مكتوب بلا مداد هذه براءة من الله العزيز الحكيم لمالك بن دينار إنا وفينا الشاب القصر الذي ضمنت له وزيادة سبعين ضعفا قال فبقي مالك متعجبا وأخذ الكتاب فقمنا فذهبنا إلى منزل الشاب فأقبلنا فإذا الباب مسود والبكاء في الدار فقلنا ما فعل الشاب قالوا مات بالأمس فأحضرنا الغاسل فقلنا أنت غسلته قال نعم قال مالك فحدثنا كيف صنعت قال قال لي قبل الموت إذا أنا مت

وكفنتني اجعل هذا الكتاب بين كفني وبدني فجعلت الكتاب بين كفنه وبدنه ودفنته معه فأخرج مالك الكتاب فقال الغاسل هذا الكتاب بعينه والذي قبضه لقد جعلته بين كفنه وبدنه بيدي قال فكثر البكاء فقام شاب فقال يا مالك خذ مني مائتي ألف درهم واضمن لي مثل هذا قال هيهات كان ما كان وفات ما فات والله يحكم ما يريد فكلما ذكر مالك الشاب بكى ودعا له.» (توبة جندي صاحب قصر عن الغناء والملاهي:

أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن إسحاق الهروي قال «كنت مع ابن الخيوطي بالبصرة فأخذ بيدي وقال قم حتى نخرج إلى الأبلة فلما قربنا إلى الأبلة ونحن نمشي على شاطىء الأبلة في الليل والقمر طالع مررنا بقصر لجندي فيه جارية تضرب بالعود وفي جانب القصر في ظل القمر فقير بخرقتين فسمع الفقير الجارية وهي تقول كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فصاح الفقير وقال أعيديه فهذا حالي مع الله تعالى قال فنظر صاحب الجارية إلى الفقير فقال لها اتركي العود وأقبلي عليه فإنه صوفي فأخذت تقول والفقير يقول هذا حالي مع الله والجارية تردد إلى أن صاح الفقير صيحة وخر مغشيا عليه فحركناه فإذا هو ميت فلما سمع صاحب القصر بموته نزل فأدخله إلى القصر واغتممنا وقلنا هذا يكفنه من غير وجهه فصعد الجندي وكسر كل ما كان بين يديه فقلنا ما بعد هذا إلا خير ومضينا إلى الأبلة فبتنا وأعلمنا الناس فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر وإذا الناس مقبلون من كل وجه إلى الجنازة كأنما نودي في البصرة حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم وإذا الجندي يمشي خلف الجنازة حافيا حاسرا حتى دفن فلما هم الناس بالانصراف قال الجندي للقاضي والشهود اشهدوا أن كل جارية لي حرة لوجه الله تعالى وكل ضياعي وعقاري حبيس في سبيل الله ولي في صندوق أربعة آلاف دينار وهي في سبيل الله ثم نزع الثوب الذي كان عليه فرمى به وبقي في سراويله فقال القاضي عندي مئزران من وجههما تقبلهما فقال شأنك فأخذهما فاتزر بواحد واتشح بالآخر وهام على وجهه فكان بكاء الناس عليه أكثر منه على الميت.» (توبة الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى:

أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضل بن موسى قال كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليا يتلو " (أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ وَمَا) [الحديد: 16] " فلما سمعها قال بلى يا رب قد آن فرجع فآواه الليل إلى خربة فإذا فيها سابلة فقال بعضهم نرحل وقال بعضهم حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت وقلت أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
قال الإمام الذهبي تعليقا على القصة: وبكل حال: فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة، فنواصي العباد بيد الله، وهو يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب.
(توبة المجوسي علي يد الحسن البصري:

(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: (دخلت على بعض المجوس وهو يجود بنفسه عند الموت، وكان حسن الجوار، وكان حسن السيرة، حسن الأخلاق، فرجوت أن الله يوفقه عند الموت، ويميته على الإسلام، فقلت له: ما تجد، وكيف حالك؟ فقال: لي قلب عليل ولا صحة لي، وبدن سقيم، ولا قوة لي، وقبر موحش ولا أنيس لي، وسفر بعيد ولا زاد لي، وصراط دقيق ولا جواز لي، ونار حامية ولا بدن لي, وجنّة عالية ولا نصيب لي، ورب عادل ولا حجة لي.
قل الحسن: فرجوت الله أن يوفقه، فأقبلت عليه، وقلت له: لم لا تسلم حتى تسلم؟ قال: إن المفتاح بيد الفتاح، والقفل هنا، وأشار إلى صدره وغشي عليه.
قال الحسن: فقلت: إلهي وسيدي ومولاي، إن كان سبق لهذا المجوسي عندك حسنة فعجل بها إليه قبل فراق روحه من الدنيا، وانقطاع الأمل.
فأفاق من غشيته، وفتح عينيه، ثم أقبل وقال: يا شيخ، إن الفتاح أرسل المفتاح.
أمدد يمناك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم خرجت روحه وصار إلى رحمة الله.
(توبة شاب عندما مر بالمقابر فرأى عظما ناخرة:

(قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة:

كان لبعض العصاة أمٌ تعظه ولا ينثني فمر يوماً بالمقابر فرأى عظما ناخرة فمسه فانفت في يده فأنفت نفسه فقال لنفسه أنا غدا هكذا فعزم على التوبة فرفع رأسه إلى السماء وقال يا إلهي اقبلني وارحمني ثم رجع إلى أمه حزينا فقال يا أماه ما يصنع بالآبق إذا أخذه سيده فقالت يغل قدميه ويديه ويخشن ملبسه ومطعمه قال يا أماه أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير وافعلي بي ما يفعل بالعبد الآبق من مولاه لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني ففعلت به ما طلب فكان إذا جن عليه الليل أخذ في البكاء والعويل فقالت له أمه ليلة يا بني ارفق بنفسك فقال يا أماه إن لي موقفاً طويلا بين يدي رب جليل فلا أدري أيؤمر بي إلى ظل ظليل أو إلى شر مقيل إني أخاف عناء لا راحة بعده أبداً وتوبيخاً لا عفو معه، قالت فاسترح قليلاً فقال الراحة أطلب يا أماه كأنك بالخلائق غداً يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار فمرت به ليلة في تهجده هذه الآية (فَوَرَبّكَ لَنَسْأَلَنّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الحجر 92، 93] فتفكر فيها وبكى واضطرب وغشي عليه فجعلت أمه تناديه ولا يجيبها فقالت له قرة عيني أين الملتقى فقال بصوت ضعيف إن لم تجديني في عرصةِ القيامة فسلي مالكاً عني ثم شهق شهقة فمات رحمه الله فخرجت أمه تنادي أيها الناس هلموا إلى الصلاة على قتيل النار فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم هذه والله علامة المحبين وأمارات الصادقين وصفات المحزونين.
سبحان من وفق للتوبة أقواماً ثبت لهم على صراطها أقداماً، كفوا الأكف عن المحارم احتراما، وأتعبوا في استدراك الفارط عظاماً، فكفر عنهم ذنوباً وآثاماً، ونشر لهم بالثناء على ما عملوا أعلاما.
(ثانياً: قصصٌ للتائبين المعاصرين لأنها أوقع في النفس:

إنّ قصص التائبين لا تنقضي، وأخبارهم لا تنتهي، فمع إشراقة شمس كلّ يوم جديد يتوب إلى الله تائب، ويؤوب إلى حظيرة الإيمان آيب، فطوبى لمن بادر بالتوبة النصوح قبل خروج الروح، وأَخَذ من صحته لسقمه ومن حياته لموته، ومن شبابه لهرمه، ومن غناه لفقره.
،

وإن مما لا شك فيه أن قصصٌ التائبين المعاصرين أوقع في النفس، لذلك انتقينا منها أشد القصص تأثيراً، قصصٌ تظهر فيها دموع التوابين وأنين المذنبين ونشيج الأوابين وعبرات المنينين، وجه مدفون بين كفين ملأى بالدموع.. قلبٌ يرتجف كورقة خريفية مآلها السقوط.. دموعٌ تنهمر بغزارة في صمت رهيب.. تنهار من مآقي عينه كالسيول الجارفة مشبعة بمرارة مضنية.. آلام غائرة مستكنة في قرارة نفسه.. هموم وغموم رابضة على قلبه.. ! الليل يتأوه لحزنه.. لكربه.. موجاتٌ من الندم والحسرة تهدر أعماقه بل تمتد فتقبض أنفاسه.. ! كم عصفت به أعاصير الهوى فحركت مركبه حيث شاءت.. حيث العوج الخُلقي.. حيث السطو على العواطف.. حيث تلّون القلب بالأقذار.. ! كم انتابه ذاك السعار الملهوف.. وتلك الشهوات المجنونة فبصمت على آثارها.. كم مرة خلع فيها خير لباس.. لباس التقوى، وتدثر بذلك الثوب الخلِق.. البالي.. القذر.. المزركش بتلك الخطايا.. ! كم خطفته تلك النشوة المؤقتة إلى منزلقٍ خطير.. بل إلى منحدر سحيق حيث التمرغ بأوحال الخطايا والآثام.. ! ها هي مقابر الأحزان تلتف حول عنقه.. ها هو بين الحين والحين يحمل الأكفان المثقلة بأجساد الذكريات النتنة.. العفنة.. ،وغالب هذه القصص من كتاب (العائدون إلى الله) لمحمد بن عبد العزيز المسند فإنه كتاب عظيم النفع جداً في هذا المجال، جزى الله جَامِعَه خَيْرَ الجزاء وأنعم عليه بنعمٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وقد قمت بتقسيمها إلى ثلاث أقسام رئيسية كما يلي:

(القسم الأول: توبة الشيوخ والعلماء: (القسم الثاني: توبة الفنانين والفنانات: (القسم الثالث: توبة أناسٍ غارقين في المعاصي إلى الأذقان: وهاك القصص بين يديك:

(القسم الأول: توبة الشيوخ والعلماء:

(القسم الأول: توبة الشيوخ والعلماء: (توبة الشيخ أحمد القطان 1:

الشيخ أحمد القطان من الدعاة المشهورين والخطباء المعروفين يروي قصة توبته فيقول: إن في الحياة تجارب وعبراً ودروساً... لقد مررت في مرحلة الدراسة بنفسية متقلّبة حائرة... لقد درست التربية الإسلامية في مدارس التربية ـ ولا تربية ـ ثمانية عشر عاماً.

وتخرجت بلا دين... وأخذت ألتفت يميناً وشمالاً: أين الطريق؟ هل خلفت هكذا في الحياة عبثاً؟.. أحس فراغاً في نفسي وظلاماً وكآبةً.. أفر إلى البر... وحدي في الظلام لعلي أجد هناك العزاء، ولكن أعود حزيناً كئيباً.
وتخرجت في معهد المعلمين 1969م وفي هذه السنة والتي قبلها حدث في حياتي حدث غريب تراكمت فيه الظلمات والغموم إذ قام الحزب الشيوعي باحتوائي ونشر قصائدي في مجلاتهم وجرائدهم، والنفخ فيها، وأخذوا يفسرون العبارات والكلمات بزخرف من القول يوحي به بعضهم إلى بعض حتى نفخوا فيّ نفخة ظننت أنني أن الإمام المنتظر؟ وما قلت كلمة إلا وطبّلوا وزمّروا حولها... وهي حيلة من حيلهم، إذا أرادوا أن يقتنصوا ويفترسوا فرداً ينظرون إلى هويته وهوايته ماذا يرغب... يدخلون عليه من هذا المدخل.
رأوني أميل على الشعر والأدب فتعهّدوا بطبع ديواني نشر قصائدي وعقدوا لي الجلسات واللقاءات الأدبية الساهرة... ثم أخذوا يدسون السم في الدسم.
يذهبون بي إلى مكتبات خاصة ثم يقولون: اختر ما شئت من الكتب بلا ثمن فأحم كتباً فاخرة أوراقاً مصقولة... طباعة أنيقة عناوينها: (أصول الفلسفة الماركسية)، (المبادئ الشيوعية) وهكذا بدءوا بالتدريج يذهبون بي إلى المقاهي الشعبية العامة، فإذا جلست معهم على طاولة قديمة تهتز... أشرب الشاي بكوب قديم وحولي العمال... فإذا مرّ رجل بسيارته الأمريكية الفاخرة قالوا: انظر، إن هذا يركب السيارة من دماء آبائك وأجدادك... وسيأتي عليك اليوم الذي تأخذها منه بالثورة الكبرى التي بدأت وستستمر... إننا الآن نهيئها في (ظفار) ونعمل لها، وإننا نهيئها في الكويت ونعمل لها، وستكون قائداً من قوادها.
وبينما أنا اسمع هذا الكلام أحسّ أن الفراغ في قلبي بدأ يمتلئ بشيء لأنك إن لم تشغل قلبك بالرحمن أشغله الشيطان... فالقلب كالرحى... يدور... فإن وضعت به دقيقاً مباركاً أخرج لك الطحين الطيب وإن وضعت فيه الحصى أخرج لك الحصى.
ويقدّر الله سبحانه وتعالى بعد ثلاثة شهور أن نلتقي برئيس الخلية الذي ذهب إلى مصر وغاب شهراً ثم عاد.

وفي تلك الليلة أخذوا يستهزئون بأذان الفجر... كانت الجلسة تمتد من العشاء إلى الفجر يتكلمون بكلام لا أفهمه مثل (التفسير المادي للتاريخ) و (الاشتراكية والشيوعية في الجنس والمال)... ثم يقولون كلاماً أمرّره على فطرتي السليمة التي لا تزال... فلا يمرّ... أحس أنه يصطدم ويصطكّ ولكن الحياء يمنعني أن أناقش فأراهم عباقرة... مفكرين... أدباء... شعراء... مؤلفين كيف أجرؤ أن أناقشهم فأسكت.
ثم بلغت الحالة أن أذّن المؤذّن لصلاة الفجر فلما قال (الله أكبر) أخذوا ينكّتون على الله ثم لما قال المؤذن (أشهد أن محمّدا رسول الله) أخذوا ينكّتون على رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهنا بدأ الانفعال الداخلي والبركان الإيماني الفطري يغلي وإذا أراد الله خيراً بعباده بعد أن أراه الظلمات يسرّ له أسباب ذلك إذا قال رئيس الخلية: لقد رأيت الشيوعية الحقيقية في لقائي مع الأبنودي الشاعر الشعبي بمصر وهو الوحيد الذي رأيته يطبّقها تطبيقاً كاملاً.
فقلت: عجباً... ما علامة ذلك؟!!.
قال: (إذا خرجنا في الصباح الباكر عند الباب فكما أن زوجته تقبله تقبلني معه أيضاً وإذا نمنا في الفراش فإنها تنام بيني وبينه... ) هكذا يقول... والله يحاسبه يوم القيامة فلما قال ذلك نَزَلَتْ ظلمة على عينيّ وانقباض في قلبي وقلت في نفسي: أهذا فكر؟!! أهذه حرية؟!! أهذه ثورة؟!! لا وربّ الكعبة إن هذا كلام شيطاني إبليسي!! ومن هنا تجرأ أحد الجالسين فقال له: يا أستاذ مادمت أنت ترى ذلك فلماذا لا تدع زوجتكم تدخل علينا نشاركك فيها؟ قال: (إنني ما أزال أعاني من مخلفات البرجوازية وبقايا الرجعية، وسيأتي اليوم الذي نتخلص فيه منه جميعا... ) ومن هذه الحادثة بدأ التحول الكبير في حياتي إذ خرجت أبحث عن رفقاء غير أولئك الرفقاء فقدّر الله أن ألتقي باخوة في (ديوانية) كانوا يحافظون على الصلاة... وبعد صلاة العصر يذهبون إلى ساحل البحر ثم يعودون وأقصى ما يفعلونه من مأثم أنهم يلعبون (الورقة).
ويقدّر الله أن يأتي أحدهم إلىّ ويقول: يا أخ أحمد يذكرون أن شيخاً من مصر اسمه (حسن أيوب) جاء إلى الكويت ويمدحون جرأته وخطبته، ألا تأتي معي؟ قالها من باب حبّ الاستطلاع..

فقلت: هيا بنا.. وذهبت معه وتوضأت ودخلت المسجد وجلستُ وصليتُ المغرب ثم بدأ يتكلم وكان يتكلم واقفاً لا يرضى أن يجلس على كرسي وكان شيخاً كبيراً شاب شعر رأسه ولحيته ولكن القوة الإيمانية البركانية تتفجر من خلال كلماته لأنه كان يتكلم بأرواح المدافع لا بسيوف من خشب.
وبعد أن فرغ من خطبته أحسستُ أني خرجت من عالمٍ إلى عالمٍ آخر.. من ظلمات إلى نور لأول مرة أعرف طريقي الصحيح وأعرف هدفي في الحياة ولماذا خلقت وماذا يراد مني وإلى أين مصيري.. وبدأت لا أستطيع أن أقدم أو أؤخر إلا أن أعانق هذا الشيخ وأسلّم عليه.
ثم عاد هذا الأخ يسألني عن انطباعي فقلت له: اسكت وسترى انطباعي بعد أيام.. عدتُ في الليلة نفسها واشتريت جميع الأشرطة لهذا الشيخ وأخذتُ أسمعها إلى أن طلعتِ الشمس ووالدتي تقدم لي طعام الإفطار فأردّه ثم طعام الغداء وأنا أسمع وأبكي بكاءً حارّاً وأحسّ أني قد ولدتُ من جديد ودخلتُ عالماً آخر وأحببتُ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصار هو مثلي الأعلى وقدوتي وبدأتُ أنكبُ على سيرته قراءةً وسماعاً حتى حفظتها من مولده إلى وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأحسستُ أنني إنسان لأول مرة في حياتي وبدأت أعود فأقرأ القرآن فأرى كل آية فيه كأنها تخاطبني أو تتحدث عني (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا) [الأنعام: 122] نعم.. لقد كنت ميتاً فأحياني الله... ولله الفضل والمنة... ومن هنا انطلقتُ مرة ثانية إلى أولئك الرفقاء الضالين المضلين وبدأت أدعوهم واحداً واحداً ولكن... (إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلََكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: 56]... أما أحدهم فقد تاب بإذن الله وفضله، ثم ذهب إلى العمرة فانقلبتْ به السيارة ومات وأجره على الله.
وأما رئيس الخلية فقابلني بابتسامة صفراء وأنا أناقشه أقول له: أتنكر وجود الله؟!! وتريد أن تقنعي بأن الله غير موجود؟!! فابتسم ابتسامة صفراء وقال: يا أستاذ أحمد.. إنني أحسدك لأنك عرفت الطريق الآن.. أما أنا فاتركني.. فإن لي طريقي ولك طريقك.. ثم صافحني وانصرفت وظل هو كما هو الآن؟

وأما البقية فمنهم من أصبح ممثلاً ومنهم من أصبح شاعراً يكتب الأغاني وله أشرطة (فيديو) يلقي الشعر وهو سكران... وسبحان الذي يُخرج الحي من الميت... ومن تلك اللحظة بدأت أدعو إلى الله رب العالمين.
(توبة والد الشيخ أحمد القطان:

الشيخ أحمد القطان -جزاه الله خيراً ـ كان هو السبب ـ بعد توفيق الله في هداية والده يروي لنا القصة فيقول 1 أصيب والدي رحمه الله بمرض في الغوص حيث كانوا على ظهر سفينة فضربتهم صاعقة.. فقد كانوا داخلين في شط العرب يحملون التمور وكانت هناك سفينة كويتية معطلة تحتاج إلى بعض التصليح فطلب ربّان هذه السفينة من ربّان السفينة الأخرى التي فيها والدي أن يساعده فيجر معه (المحمل) حتى يخرجه من المكان الضحل إلى المكان العميق.
فوعده أن يساعده في وقت آخر بعد أن يستقي الماء ويجره إلى المكان العميق إلا أنه كان مستعجلاً وكان محمّلا بضاعة ثقيلة فلم يف بوعده إذ (خطف) بالليل خفية وترك صاحبه الذي وعده قال والدي رحمه الله: فلما خرجنا من الخليج العربي جاءت سحابة فوق السفينة فبرقت ورعدت ونزلت منها صاعقة على الشراع فاحترق كله.. فكان والدي ممن أصيب بهذه الصاعقة إذ أصيب بمرض أشبه بالشلل.
وكان التجار يلومون ربان السفينة ويقولون له: لو أنك ساعدت ذلك الرجل صاحب السفينة المعطلة لما حدث ما حدث... ولكن... قدرّ الله وما شاء فعل... ثم عادوا بوالدي رحمه الله إلى بيته وأصبح مقعداً لا يستطيع المشي وأكل ما عنده من مدخرات حتى أصبح يخرج وهو يزحف إلى الشارع لعله يجد من يجود عليه ولو بكسرة خبز.
ولما بلغت به هذه الحالة وامتد مرضه ما يقارب العشر سنوات وهو جالس البيت بلا علاج وصفوا له شيخاً من المنتسبين للدين يقرأ على الناس الآيات والأحاديث للاستشفاء.
واستدعي ذلك الشيخ الذي يسمونه (الملا) وكان أول سؤال وجّهه إلى والدي مع الأسف الشديد: كم تدفع على هذه القراءة؟! فقال والدي رحمه الله: أنا رجل فقير ومقعد وليس معي في جيبي إلا هذه النصف روبية هي ثمن طعامي أنا ووالدتي.. فقال (الملا) هذه لا تكفي.. وطلب أكثر من ذلك.. فلما لم يعطه والدي ما يريد خرج ولم يقرأ عليه شيئاً.

وهنا أحسّ والدي بامتعاض شديد وتولد عنده ردّ فعل عنيف جعله يكره الدين ويكره من ينتسب إلى هذا الدين... وأصبحت هذه الحادثة دائماً على لسانه لاسيما وأنه كان فصيحاً وذكياً يقول الشعر ويضرب الأمثال.. فسلط تلك الفصاحة وذلك الذكاء للسخرية بالمتدينين بسبب ذلك الموقف الذي وقفه ذلك الملا.
ومرت الأيام... ويقدر الله جل وعلا أن يأتيه رجل فيقول له: لماذا لا تذهب إلى المستشفى (الأمريكاني) الذي يمدحه الناس ويثنون عيه وفيه طبيب جيد اسمه سكيدر... الخ وهو مستشفى تابع لإرساليات التبشير (النصرانية) التي تعمل لتنصير المسلمين أو إخراجهم من دينهم على الأقل.. فقال والدي ولكن كيف أستطيع الوصول إلى هذا المستشفى وهو بعيد عني بيتي وأنا لا أستطيع المشي.
ولم تكن في ذلك الوقت مواصلات تنقلهم كما هو الآن إلا عند أناس يعدون على الأصابع ومن هؤلاء المعدودين ذلك المستشفى المذكور حيث كان يملك سيارة وعند الدكتور سكيدر.. وعند أذان الفجر زحف والدي رحمه الله على فخذيه من بيته إلى المستشفى (الأمريكاني) فما وصله زحفاً إلا قبيل الظهر وكان ذلك في فصل الصيف.
يقول رحمه الله: فلما وصلت إلى جدار المستشفى لم تبق فيّ قطرة ماء لا في فمي ولا في عيني ولا جسمي... وأحسست أن الشمس تحرقني وأكاد أموت حتى إني لا أستطيع أن أتكلم أو أصرخ أنادي.. فدنوت من الجدار ونمت وبدأت أتشهد استعداداً للموت.
يقول: ثم أغمي عليّ وظننت أني متّ فلما فتحت عيني إذا أنا في بيتي وبجواري دواء.. قال: فسألت الناس الذين كانوا يعالجون في المستشفى: ماذا حدث؟ فقالوا: إن الناس قد أخبروا الطبيب بأن هناك رجلاً قد أغمي عليه عند جدار المستشفى فنظر من النافذة فرآه فنزل مع الممرضين وحملوه ودخلوا به ثم بعد ذلك قام بتشخيصه تشخيصاً كاملاً حتى عرف المرض وأعطاه حقنة ثم بعد ذلك أعطاه الدواء وحمله بسيارته الخاصة وأوصله إلى البيت.
قال والدي رحمه الله: فلما وضعتُ يدي في جيبي وجدتُ بها خمس روبيات فسألت: من الذي وضع هذه الروبيات في جيبي؟ فقالت الوالدة وضعها الدكتور الذي أحضرك إلى هنا!!!.
وهنا يظهر الفرق الكبير بين ما فعله هذا (المبشر) النصراني وبين ما فعله ذلك (الملا) سامحه الله.

إن هذا النصراني لم يدعُ والدي إلى دينه بطريقة مباشرة وإنما أحسن معه المعاملة لكي يستميل قلبه ومن أصول الإرساليات التبشيرية (التنصيرية) التي تدرس لهم وقرأناه في الكتب ودرسناها نحن أنه ليس من الشرط أن تجعل المسلم نصرانياً.. إن جعلته نصرانياً فهذا تشريف للمسلم (هكذا يقولون) ولكن إذا عجزت أن تجعله نصرانياً فاحرص على أن تتركه بلا دين فإن تركته بلا دين فقد حققت المطلب الذي نريد.
الشاهد أن الوالد رحمه الله شُفي وقام يمشي وظل ذلك الطبيب يزوره في كل أسبوع مرة ويتلطف معه ويمسح عليه وينظفه ويعالجه إلى أن تحسنت صحته وقام يمشي وبدأ يعمل ثم بعد تزوج فلما رزقه الله بابنه الأول ـ وهو أنا ـ ظل ولاؤه لهذا الطبيب لدرجة أنني لما بلغت الخامسة من عمري وبدأت أعقل بعض الأمور كان يأخذني كل أسبوع في زيارة مخصصة إلى ذلك الدكتور ويلقنني منذ الصغر ويقول: انظر إلى هذا الرجل الذي أمامك.
إنه هو سبب شفاء والدك.. هذا الذي كان يعالجني في يوم من الأيام ويضع في جيبي خمس روبيات بينما يرفض (الملا) علاجي لأني لا أملك هذه الروبيات.. ثم يأمرني بتقبيل يده.. فأقوم أنا وأقبل يده.
واستمرت هذه الزيارة المخصصة لذلك الدكتور إلى أن بلغت العاشرة من عمري.. في كل أسبوع زيارة وكأنها عبادة.. يدفعني إليه دفعاً لكي أقبّل يده.
ثم بعد ذلك استمر والدي يسخر من المتدينين ويستهزئ بهم، فلما هداني الله إلى الطريق المستقيم وأعفيت لحيتي بدأ يسخر ويستهزئ باللحية.
فقلت في نفسي: إنه من المستحيل أن أنزع صورة ذلك (الملا) من رأسه وصورة ذلك الدكتور من رأسه أيضاً إلا أن أحسن المعاملة معه أكثر من (الملا) وأكثر من الدكتور وبدون ذلك لن أستطيع.
فظللت أنتظر الفرصة المناسبة لذلك طمعاً في هداية والدي.
وجاءت الفرصة المنتظرة.. ومرض الوالد مرضاً عضالاً.. وأصبح طريح الفراش في المستشفى حتى إنه لا يستطيع الذهاب إلى مكان قضاء الحاجة إذا أراد ذلك وكنتُ أنا بجواره ليلاً ونهاراً فقلتُ في نفسي هذه فرصة لا تقدّر بثمن.
وفي تلك الحال كان رحمة الله عليه يتفنّن في مطالبة يختبرني هل أطيعه أم لا؟

ومن ذلك أنه في جوف الليل كان يأمرني بأن أحضر له نوعاً من أنواع الفاكهة لا يوجد في ذلك الوقت فأذهب وأبحث في كل مكان حتى أجدها في تلك الساعة المتأخرة ثم أقدمها له فلا يأكلها.. فإذا أراد أن يقضي الحاجة لا يستطيع القيام فأضع يدي تحت مقعدته حتى يقضي حاجته في يدي.. ويتبول في يدي.. وأظل واضعاً يدي حتى ينتهي من قضاء الحاجة، وهو يتعجّب من هذا السلوك... ثم أذهب إلى دورة المياه وأنظف يدي مما أصابهما.
وقد تكررت هذه الحادثة في كل عشر دقائق مرة.. نظراً لشدة المرض حتى أنني في النهاية لم أتمكن من وضع يدي كلما تبرز أو تبول.. لكثرة ذلك.
فلما رأى والدي هذا التصرف يتكرر مني أكثر من مرة أخذ يبكي.. فكان هذه البكاء فاتحة خير وإيمان في قلبه.. ثم قال لي: إنني ما عرفت قيمتك إلا في هذه اللحظة.
ثم سألني: هل جميع هؤلاء الشباب المتدينين مثلك؟.. قلت له: بل أحسن مني، ولكنك لا تعرفهم.. وكانوا يزورونه ويسلمون عليه.
فبدأ يصلي ويصوم ويحب الدين ويذكر الله.. ولا يفتر لسانه عن ذكر الله وقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وأسبغ الله عليه هذا الدين فقلتُ: سبحان الله.. حقاً إن الدين هو المعاملة.
(توبة الشيخ سعيد بن مسفر القحطاني:

في لقاء مفتوحٍ مع الشيخ سعيد بن مسفر ـ حفظه الله ـ طلب منه بعض الحاضرين أن يتحدث عن بداية هدايته فقال: حقيقةً.. لكل هداية بداية... ثم قال بفطرتي كنت أؤمن بالله، وحينما كنتُ في سن الصغر أمارس العبادات كان ينتابني شيء من الضعف والتسويف على أمل أن أكبر وأن أبلغ مبلغ الرجال فكنتُ أتساهل في فترات معينة بالصلاة فإذا حضرتُ جنازة أو مقبرة، أو سمعتُ موعظةً في مسجد ازدادتْ عندي نسبة الإيمان فأحافظ على الصلاة فترة معينة مع السنن ثم بعد أسبوع أو أسبوعين أترك السنن... وبعد أسبوعين أترك الفريضة حتى تأتي مناسبة أخرى تدفعني إلى أن أصلى.. وبعد أن بلغت مبلغ الرجال وسن الحلم لم أستفد من ذلك المبلغ شيئاً وإنما بقيت على وضعي في التمرد وعدم المحافظة على الصلاة بدقة لأن من شبّ علي شيء شاب عليه.

وتزوجت... فكنت أصلي أحياناً وأترك أحياناً على الرغم من إيماني الفطري بالله.. حتى شاء الله تبارك وتعالى في مناسبة من المناسبات كنت فيها مع أخ لي في الله وهو الشيخ سليمان بن محمد بن فايع بارك الله فيه، وهذا كان في سنة 1387هـ نزلت من مكتبي وأنا مفتش في التربية الرياضية وكنتُ ألبس الزي الرياضي والتقيتُ به على باب إدارة التعليم وهو نازل من قسم الشئون المالية فحييته لأنه كان زميل الدراسة وبعد التحية أردتُّ أن أودعه فقال لي إلى أين؟ ـ وكان هذا في رمضان ـ فقلت له: إلى البيت لأنام.. وكنت في العادة أخرج من العمل ثم أنام إلى المغرب ولا أصلى العصر إلا إذا استيقظت قبل المغرب وأنا صائم.. فقال لي: لم يبق على صلاة العصر إلا قليلاً فما رأيك لو نتمشى قليلا؟ فوافقته على ذلك ومشينا على أقدامنا وصعدنا إلى السد (سد وادي أبها) ـ ولم يكن آنذاك سداً ـ وكان هناك غدير وأشجار ورياحين طيبة فجلسنا هناك حتى دخل وقت صلاة العصر وتوضأنا وصلينا ثم رجعنا وفي الطريق ونحن عائدون... ويده بيدي قرأ علي حديثاً كأنما أسمعه لأول مرة وأنا قد سمعته من قبل لأنه حديث مشهور... لكن حينما كان يقرأه كان قلبي ينفتح له حتى كأني أسمعه لأول مرة... هذا الحديث هو حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه قال البراء رضي الله عنه: خرجنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يُلحد فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر ـ قالها مرتين أو ثلاثاً ـ ثم قال (إن المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه.. ) الحديث.
فذكر الحديث بطوله من أوله إلى آخره وانتهى من الحديث حينما دخلنا أبها وهناك سنفترق حيث سيذهب كل واحد منا إلى بيته فقلت له: يا أخي من أين أتيت بهذا الحديث؟ قال: هذا الحديث في كتاب رياض الصالحين فقلت له: وأنت أي كتاب تقرأ؟ قال أقرأ كتاب الكبائر للذهبي.. فودعته.. وذهبتُ مباشرة إلى المكتبة ـ ولم يكن في أبها آنذاك إلا مكتبة واحدة وهي مكتبة التوفيق ـ فاشتريتُ كتاب الكبائر وكتاب رياض الصالحين وهذان الكتابان أول كتابين أقتنيهما.

وفي الطريق وأنا متوجه إلى البيت قلت لنفسي: أنا الآن على مفترق الطريق وأمامي الآن طريقان الطريق الأول طريق الإيمان الموصل إلى الجنة، والطريق الثاني طريق الكفر والنفاق والمعاصي الموصل إلى النار وأنا الآن أقف بينهما فأي الطريقين أختار؟ العقل يأمرني باتباع الأول... والنفس الأمارة بالسوء تأمرني باتباع الطريق الثاني وتمنيني وتقول لي: إنك مازلت في ريعان الشباب وباب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة فبإمكانك التوبة فيما بعد.
هذه الأفكار والوساوس كانت تدور في ذهني وأنا في طريق إلى البيت... وصلتُ إلى البيت وأفطرت وبعد صلاة المغرب صليت العشاء تلك الليلة وصلاة التراويح ولم أذكر أني صليت التراويح كاملة إلا تلك الليلة.. وكنت قبلها أصلي ركعتين فقط ثم أنصرف وأحياناً إذا رأيت أبي أصلي أربعاً ثم أنصرف.. أما في تلك الليلة فقد صليت التراويح كاملةً.. وانصرفت من الصلاة وتوجهت بعدها إلى الشيخ سليمان في بيته، فوجدته خارجاً من المسجد فذهبت معه إلى البيت وقرأنا في تلك الليلة ـ في أول كتاب الكبائر ـ أربع كبائر الكبيرة الأولى الشرك بالله والكبيرة الثانية السحر والكبيرة الثالثة قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والكبيرة الرابعة كبيرة ترك الصلاة وانتهينا من القراءة قبل وقت السحور فقلت لصاحبي: أين نحن من هذا الكلام فقال: هذا موجود في كتب أهل العلم ونحن غافلون عنه.. فقلت: والناس أيضاً في غفلة عنه فلابدّ أن نقرأ عليهم هذا الكلام.
قال: ومن يقرأ؟ قلت له: أنت.
قال: بل أنت واختلفنا من يقرأ وأخيراً استقر الرأي علي أن أقرأ أنا.
فأتينا بدفتر وسجّلنا فيه الكبيرة الرابعة كبيرة ترك الصلاة.
وفي الأسبوع نفسه، وفي ويوم الجمعة وقفت في مسجد الخشع الأعلى الذي بجوار مركز الدعوة بأبها ـ ولم يكن في أبها غير هذا الجامع إلا الجامع الكبير ـ فوقفت فيه بعد صلاة الجمعة وقرأت على الناس هذه الموعظة المؤثرة التي كانت سبباً ولله الحمد في هدايتي واستقامتي وأسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه إنه سميع مجيب.
(توبة المفكر سيد قطب رحمه الله 1:

في قرية صغير في صعيد مصر ولد سيد قطب رحمه الله، ونشأ في أسرة متدينة متوسطة الثراء، وقد حرص والداه على تحفيظه القرآن الكريم في صغره، فما أتمّ العاشرة إلا وقد حفظه كاملاً..

ولما بلغ التاسعة عشرة عاش فترة من الضياع، وصفها بنفسه بأنه كانت (فترة إلحاد) حيث قال: (ظللت ملحداً أحد عشر عاماً حتى عثرت على الطريق إلى الله، وعرفت طمأنينة الإيمان.
وفي سنة 1948م غادر سيد القاهرة متوجهاً إلى أمريكا في بعثة لوزارة المعارف آنذاك، فكانت تلك الرحلة هي بداية الطريق الجديد الذي هداه الله إليه، ووفقه لسلوكه والسير فيه.
كان سفره على ظهر باخرة عبرت به البحر المتوسط والمحيط الأطلسي... وهناك على ظهر الباخرة، جرت له عدة حوادث أثرت في حياته فيما بعد، وحددت له طريقه، ولذلك ما إن غادر الباخرة في الميناء الأمريكي الذي وصل إليه، وما إن وطئت قدماه أرض أمريكا حتى كان قد عرف طريقه، وحدد رسالته، ورسم معالم حياته في الدنيا الجديدة.
والآن... لنترك الحديث لسيد ليخبرنا عما حدث له على ظهر السفينة يقول: (منذ حوالي خمسة عشر عاماً... كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام، على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك، من بين عشرين ومائة راكب وراكبة ليس فيهم مسلم.
وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة! والله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة، وحاول أن يزاول تبشيره معنا! وقد يسر لنا قائد السفينة ـ وكان إنجليزياً ـ أن نقيم صلاتنا، وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها ـ وكلهم نوبيون مسلمون ـ أن يصلي منهم معنا من لا يكون في (الخدمة) وقت الصلاة.
وقد فرحوا بهذا فرحاً شديداً إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة.
وقمت بخطبة الجمعة، وإمامة الصلاة، والركاب الأجانب معظمهم متحلقون، يرقبون صلاتنا! وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح (القداس)!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا.
ولكن سيدة من هذا الحشد ـ عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية 1 هاربة من جحيم (تيتو) وشيوعيته ـ كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع، ولا تتمالك مشاعره... جاءت تشد على أيدينا بحرارة وتقول ـ في إنجليزية ضعيفة ـ إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه، وما فيها من خشوع، ونظام وروح... الخ 2

وبعد ذلك كله... وفي ظلال هذه الحالة الإيمانية، راح سيد يخاطب نفسه قائلا: (أأذهب إلى أمريكا وأسير فيها سير المبتعثين العاديين، الذين يكتفون بالأكل والنوم، أم لابدّ من التميز بسمات معينة؟! وهل غير الإسلام والتمسك بآدابه، والالتزام بمناهجه في الحياة وسط المعمعان المترف المزوّد بكل وسائل الشهوة واللذة الحرام؟... ) قال: ورأيت أن أكون الرجل الثاني، (المسلم الملتزم)، وأراد الله أن يمتحنني هل أنا صادق فيما اتجهت إليه أم هو مجرد خاطرة؟! وكان ابتلاء الله لي بعد دقائق من اختياري طريق الإسلام، إذ ما إن دخلتُ غرفتي حتى كان الباب يقرع... وفتحتُ... فإذا أنا بفتاة هيفاء جميلة، فارعة الطول، شبه عارية، يبدو من مفاتن جسمها كل ما يغري... وبدأتني بالإنجليزية قائلة: هل يسمح لي سيدي بأن أكون ضيفة عنده هذه الليلة؟ فاعتذرتُ بأن الغرفة معدة لسرير واحد، وكذا السرير لشخص واحد... فقالت: وكثيراً ما يتسع السرير الواحد لاثنين!! واضطررت أمام وقاحتها ومحاولتها الدخول عنوة لأن أدفع الباب في وجهها لتصبح خارج الغرفة، وسمعت ارتطامها بالأرض الخشبية في الممر، فقد كانت مخمورة... فقلت: الحمد لله... هذا أول ابتلاء... وشعرتُ باعتزاز ونشوة، إذ انتصرت على نفسي... وبدأت تسير في الطريق الذي رسمته لها 1 ولقد واجه سيد رحمه الله ابتلاءات كثيرة بعد ذلك ولكنه تغلّب عليها وانتصر على نفسه الأمارة بالسوء! ولما وصل إلى أمريكا، يحدثنا عما رأى فيقول: ولقد كنت ـ في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية ـ أرى رأي العين مصداق قول الله تعالى: (فَلَمّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ حَتّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوَاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مّبْلِسُونَ) [الأنعام: 44] فإن المشهد الذي ترسمه الآية مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب، لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك! وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه... وشعورهم بأنه وَقف على الرجل الأبيض... وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة، وفي وحشية كذلك بشعة... وفي صلف على أهل الأرض كلهم، كنتُ أرى هذا كله فأذكر هذه الآية... وأتوقع سنة الله... وأكاد أرى خطواتها وهي تدبّ إلى الغافلين 2.

وبعد سنتين قضاهما سيد في أمريكا، عاد رحمه الله إلى مصر... ولكنه عاد رجلاً آخر... رجلاً مؤمناً ملتزماً صاحب رسالة ودعوة وغاية.
رحم الله سيداً وأسكنه فسيح جناته وعفا عنا وعنه.
(توبة الشرطيين شهدا إعدام سيد قطب رحمه الله 1:

إن في بذل العلماء والدعاة والمصلحين أنفسهم في سبيل الله حياة للناس، إذا علموا صدقهم؛ وإخلاصهم لله عز وجلّ.
ومن هؤلاء الدعاة والمفكرين.. (سيد قطب) رحمه الله، فقد كان لمقتله أثر بالغ في نفوس من عرفوه وعلموا صدقه، ومنهم اثنان من الجنود الذين كُلفّوا بحراسته وحضروا إعدامه.
يروي أحدهما القصة فيقول: هناك أشياء لم تكن نتصورها هي التي أدخلت التغيير الكلي على حياتنا.. في السجن الحربي كنا نستقبل كل ليلة أفراداً أو مجموعات من الشيوخ والشباب والنساء، ويقال لنا: هؤلاء من الخونة الذين يتعاونون مع اليهود ولابدّ من استخلاص أسرارهم.. ولا سبيل إلى ذلك إلا بأشدّ العذاب.
وكان ذلك كافياً لتمزيق لحومهم بأنواع السياط والعصي.. كنا نفعل ذلك ونحن مُوقنون إننا نؤدي واجباً مقدّساً... إلا أننا ما لبثنا أن وجدنا أنفسنا أمام أشياء لم نستطع لها تفسيراً، لقد رأينا هؤلاء (الخونة)، مواظبين على الصلاة أثناء الليل وتكاد ألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله حتى عند البلاء.
بل إن بعضهم كان يموت تحت وقع السياط، أو أثناء هجوم الكلاب الضارية عليهم، وهو مبتسمون على الذكر.
ومن هنا... بدأ الشك يتسرب إلى نفوسنا... فلا يعقل أن يكون مثل هؤلاء المؤمنين الذاكرين من الخائنين المتعاملين مع أعداء الله.
واتفقتُ أنا وأخي هذا سراً على أن نتجنب إيذائهم ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، وأن نقدم لهم كل ما نستطيع من العون.
ومن فضل الله علينا أن وجودنا في ذلك السجن لم يستمر طويلاً... وكان آخر ما كُلفنا به من عمل هو حراسة الزنزانة التي أفرد فيها أحدهم وقد وصفوه لنا بأنه أخطرهم جميعاً، أو أنه رأسهم المفكر وقائدهم المدبر 2 وكان قد بلغ به التعذيب إلى حد لم يعد قادراً معه على النهوض، فكانوا يحملونه إلى المحكمة العسكرية التي تنظر في قضيته.

جارٍ التحميل