مقدمة في فضل علم الآداب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
مسألة: ما هي أسماء الغناء في الشرع؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان:
هذا السماع الشيطاني المضادّ للسماع الرحمان، له في الشرع بضعة عشر اسما:
اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود:
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
فالاسم الأول: اللهو، ولهو الحديث:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الَحْدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيِتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَليْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 6 7].
قال الواحدي وغيره: أكثر المفسرين: على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد الله بن مسعود، فى رواية أبى الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة.
وروى ثور بن أبى فاختة عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] قال: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِى الَجْارِيَةَ تُغَنِّيهِ لِيْلاً وَنهَارًا"}
وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد: "هو اشتراء المغني والمُغَنِّيَة بالمال الكثير، والاستماع إليه، وإلى مثله من الباطل" وهذا قول مكحول.
وهذا اختيار أبى إسحاق أيضاً.
قال: أكثر ما جاء في التفسير: أن لهو الحديث هاهنا هو الغناء، لأنه يلهى عن ذكر الله تعالى.
قال الواحدي: قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو، والغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يذكر في الاستبدال، والاختيار، وهو كثير في القرآن.
قال: ويدل على هذا: ما قاله قتادة في هذه الآية "لعله أن لا يكون أنفق مالاً" قال: "وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق".
قال الواحدي: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء، ثم ذكر كلام الشافعي في رد الشهادة بإعلان الغناء.
(ثم قال الإمام ابن القيم رحمه الله الحديث الآتي:
وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعاً إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
(ثم ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله الحديث الآتي:
(حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن و لا تعلموهن و لا خير في تجارة فيهن و ثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: 6].
الاسم الثاني والثالث: الزور، واللغو.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِالَّلغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان: 72].
قال محمد بن الحنفية: "الزور هاهنا الغناء"، وقاله ليث عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل.
واللغو في اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا إليه.
ويدخل في هذا: أعياد المشركين، كما فسرها به السلف، والغناء، وأنواع الباطل كلها.
قال الزجاج: "لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم عليها، ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله".
وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مر بلهو فأعرض عنه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إِنْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيماً".
وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه نقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللغو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: 55].
وهذه الآية، وإن كان سبب نزولها خاصاً، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغواً فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم".
وتأمل كيف قال سبحانه ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72].
ولم يقل: بالزور، لأن يشهدون بمعنى: يحضرون.
فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله؟.
والغناء من أعظم الزور.
والزور: يقال على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها كما فى حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور" فالزور: القول، والفعل، والمحل.
وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فلانا، إذا ملت إليه، وعدلت إليه، فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولاً وفعلاً.
الاسم الرابع: الباطل.
والباطل: ضد الحق، يراد به المعدوم الذي لا وجود له، والموجود الذي مضرة وجوده أكثر من منفعته.
فمن الأول: قول الموحد: كل إله سوى الله باطل، ومن الثاني قوله: السحر باطل، والكفر باطل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِن الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: 81].
«فالباطل إما معدوم لا وجود له، وإما موجود لا نفع فيه»، فالكفر والفسوق والعصيان والسحر، والغناء، واستماع الملاهي: كله من النوع الثاني.
قال ابن وهب: أخبرني سليمان بن بلال عن كثير بن زيد: أنه سمع عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: "كيف ترى في الغناء، قال: فقال له القاسم: هو باطل، فقال: قد عرفت أنه باطل، فكيف ترى فيه؟ فقال له القاسم: أرأيت الباطل، أين هو؟ قال: في النار، قال: فهو ذاك".
وقال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: "ما تقول في الغناء، أحلال هو أم حرام؟ فقال: لا أقول حراماً إلا ما في كتاب الله.
فقال: أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاء يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك".
فهذا جواب ابن عباس رضي الله عنهما عن غناء الأعراب، الذي ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط، والتشبيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف، والآلات المطربات.
[فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا] أعظم قول.
فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من فتنته.
(اسم المكاء والتصدية.
فقال تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا كانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35].
قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: "المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق".
وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، ومنه: مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت.
ولهذا جاء على بناء الأصوات، كالرغاء، والعواء، والثغاء.
قال ابن السكيت: الأصوات كلها مضمومة، إلا حرفين: النداء، والغناء.
وأما التصدية: فهي في اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق بيديه.
قال حسان بن ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم:
ِإذَا قامَ المَلائِكَةُ انْبَعَثْتُمْ صَلاتُكُمُ التَّصَدِّى وَالمُكاءُ
وهكذا الأشباه يكون المسلمون فى الصلوات الفرض والتطوع، وهم فى الصفير والتصفيق.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون".
وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل.
ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.
فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثاني.
قال ابن عرفة، وابن الأنبارى: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائي صلتي، أي أقام الجفاء مقام الصلة.
والمقصود: أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال [وقت الحاجة إليه] في الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعاً من المعاصي قولاً وفعلاً؟.
(إنما تسميته رقية الزنا:
فهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس في رقى الزنا أنجع منه، وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض.
قال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض:
الغناء رقية الزنا ".
قال إبراهيم بن محمد المروزى عن أبى عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد: "يا بنى أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد فى الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا".
قال: وأخبرني محمد بن الفضل الأزدي قال: نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعنى ابنته، فإن كففته وإلا خرجت عنك.
ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن قال: "كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك، فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة، فجيء بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينبّ فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة.
ثم قال: اخصوهم، فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة، ولا تحل، فخل" [سبيلهم قال:] فخلى سبيلهم".
قال: وأخبرني الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "جاوروا الحطيئة قوماً من بنى كلاب، فمشى ذو النهى منهم بعضهم إلى بعض، وقالوا: يا قوم، إنكم قد رميتم بداهية، هذا الرجل شاعر، والشاعر يَظن فيحقِّق، ولا يستأنى فيتثبت، ولا يأخذ الفضل فيعفو، فأتوه وهو في فناء خبائه، فقالوا: يا أبا مليكة، إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا، وقد أتيناك لنسألك عما تحب، فنأتيه، وعما تكره، فنزدجر عنه، فقال: جنبوني ندى مجلسكم، ولا تسمعوني أغاني شبيبتكم.
فإن الغناء رقية الزنا".
فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان، الذي هابت العرب هجاه خاف عاقبة الغناء وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟
ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنا فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه.
وأما تسميته: مُنبت النفاق:
فقال على بن الجعد: حدثنا [محمد بن] طلحة عن سعيد بن كعب المروزي عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع".
وقال شعبة: حدثنا الحكم عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: "الغناء ينبت النفاق في القلب".
وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله.
وقد روى عن ابن مسعود مرفوعاً رواه ابن أبى الدنيا في "كتاب ذم الملاهي".
فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟
قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء، وكثرة المرَضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوى مادة المرض، فاشتد المرض وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى، قام كل جهول يطبب الناس.
«فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق»، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء.
فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، «فهو والخمر رضيعا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان»، فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وخليفته، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تفسخ، «وهو جاسوس القلوب، وسارق المروءة، وسوس العقل»، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة، والرعونة، والحماقة.
فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن.
فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله، وقَلَّ حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد، فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، والزهزهة والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الدباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد كخوران الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين، ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول:
أتذْكُرُ لَيْلَةً وَقَدِ اجْتَمعْنَا عَلَى طِيبِ السَّماعِ إلى الصَّبَاحِ؟
وَدَارَتْ بَيْننَا كأْسُ الأغاني فأَسْكَرَتِ النُّفُوسَ بِغَيْرِ رَاحِ
فَلمْ تَرَ فيهِمُ إِلا نَشَاوَى سُرُورًا، وَالسُّرُورُ هُنَاك صَاحِي
إذَا نَادَى أَخُو الّلذّاتِ فِيهِ أَجابَ الّلهْوُ: حَيَّ عَلَى السَّماحِ
وَلَمْ نْملِكْ سِوَى المُهَجَاتِ شَيْئاً أَرَقْنَاهَا لأَلْحَاظِ المِلاَحِ
وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد فى قوم، والتكذيب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم.
وأكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية، وإن لم يكن هذا نفاقاً فما للنفاق حقيقة.
وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان، كما سيأتي، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدا.
وأيضاً فإن أساس النفاق: أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين، إما أن يتهتك فيكون فاجراً، أو يظهر النسك فيكون منافقاً، فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلى بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف، وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر، وهذا محض النفاق.
وأيضاً فإن الإيمان قول وعمل: قول الحق، وعمل بالطاعة، وهذا ينبت على الذكر، وتلاوة القرآن.
والنفاق: قول الباطل، وعمل البغي، هذا ينبت على الغناء.
وأيضاً، فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ونقر الصلاة، وقل أن تجد مفتوناً بالغناء إلا وهذا وصفه.
وأيضاً: فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن القبيح ويزينه، ويأمر به، ويقبح الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق.
وأيضاً، فإن النفاق غش ومكر وخداع، والغناء مؤسس على ذلك.
وأيضا: فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث [يظن] أنه يصلحه.
والمغني يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات، قال الضحاك: "الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب".
(وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: "ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي، التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء".
فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق.
وبالجملة فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل الذكر والقرآن، تبين له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب، وأدويتها وبالله التوفيق.
(وأما تسميته قرآن الشيطان: فمأثور عن التابعين
قال قتادة: "لما أهبط إبليس قال: يا رب لعنتني، فما عملي؟ قال: السحر، قال فما قرآني؟ قال: الشعر، قال: فما كتابي؟ قال: الوشم، قال: فما طعامي؟ قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكني؟ قال: الأسواق، قال فما صوتي؟ قال: المزامير، قال: فما مصايدي؟ قال: النساء".
وأما كونه الشعر قرآنه فشاهده الحديث الآتي:
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(مِنْ هَمْزِهِ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ أَيْ وَسْوَسَتِهِ
(وَنَفْخِهِ) أَيْ كِبْرِهِ الْمُؤَدِّي إِلَى كُفْرِهِ
(وَنَفْثِهِ) أَيْ سِحْرِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّفْخُ كِنَايَةٌ عَنِ الْكِبْرِ كَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفُخُ فِيهِ بِالْوَسْوَسَةِ فَيُعَظِّمُهُ فِي عَيْنِهِ وَيُحَقِّرُ النَّاسَ عِنْدَهُ.
وَالنَّفْثُ عِبَارَةٌ عَنِ الشِّعْرِ لِأَنَّهُ يَنْفُثُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ فِيهِ كَالرُّقْيَةِ انْتَهَى وَقِيلَ مِنْ نَفْخِهِ أَيْ تَكَبُّرِهِ يَعْنِي مِمَّا يَأْمُرُ النَّاسَ بِهِ مِنَ التَّكَبُّرِ، وَنَفْثُهُ مِمَّا يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ الْمَذْمُومِ مِمَّا فِيهِ هَجْوُ مُسْلِمٍ أَوْ كُفْرٌ أَوْ فِسْقٌ، وَهَمْزِهِ أَيْ مِنْ جَعْلِهِ أَحَدًا مَجْنُونًا بِنَخْسِهِ وَغَمْزِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ،
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي: مِنْ هَمْزِهِ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِالْمَوْتَةِ وَهِيَ شَبَهُ الْجُنُونِ، وَنَفْخِهِ فُسِّرَ بِالْكِبْرِ، وَنَفْثِهِ فُسِّرَ بِالشِّعْرِ.
أهـ
(ولما علم الله رسوله القرآن وهو كلامه صانه عن تعليم قرآن الشيطان.
وأخبر أنه لا ينبغي له، فقال:
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ [يس: 69].
(وأما تسميته بالصوت الأحمق، والصوت الفاجر:
فهي تسمية الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لم أنه عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة مزمار شيطان و لعب و صوت عند مصيبة خمش وجوه و شق جيوب و رنة شيطان و إنما هذه رحمة.
فكيف يستجيز المسلم إباحة ما نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وسماه صوتا أحمق فاجراً، ومزامير الشيطان، وجعله والنياحة التي لعن فاعلها أخوين؟ وأخرج النهى عنهما مخرجاً واحداً، ووصفهما بالحمق والفجور وصفا واحدا.
(وأما تسميته صوت الشيطان:
فقد قال تعالى للشيطان وحِزْبه: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتُ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فى الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً﴾ [الإسراء: 63 - 64].
قال ابن أبى حاتم في تفسيره: حدثنا أبى أخبرنا أبو صالح كاتب الليث حدثنا معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ قال: "كل داع إلى معصية".
ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية، ولهذا فسر صوت الشيطان به.
قال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى.
أخبرنا يحيى بن المغيرة.
أخبرنا جرير عن ليث عن مجاهد قال: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾
قال: "استزل منهم من استطعت قال: "وصوته الغناء، والباطل".
وبهذا الإسناد إلى جرير عن منصور عن مجاهد قال: "صوته المزامير".
ثم روى بإسناده عن الحسن البصري قال: "صوته هو الدف".
وهذه الإضافة إضافة تخصيص، كما أن إضافة الخيل والرجل إليه كذلك، فكل متكلم بغير طاعة الله، ومصوت بيراع أو مزمار، أو دف حرام، أو طبل، فذلك صوت الشيطان، وكل ساع في معصية الله على قدميه فهو من رجله، وكل راكب في معصية الله فهو من خيالته، كذلك قال السلف، كما ذكر ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: "رجله كل رجل مشت فى معصية الله".
وقال مجاهد: "كل رجل يقاتل في غير طاعة الله فهو من رجله".
وقال قتادة: "إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس".
(وأما تسميته مزامير الشيطان:
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك في يوم عيد فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان:
فلم ينكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على أبى بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان، وأقرهما، لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب، الذي قيل في يوم حرب بُعاث من الشجاعة، والحرب، وكان اليوم يوم عيد، فتوسع حزب الشيطان في ذلك إلى صوت امرأة جميلة أجنبية، أو صبى أمرد صوته فتنة، وصورته فتنة، يغنى بما يدعو إلى الزنا والفجور، وشرب الخمور، مع آلات اللهو التي حرمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التي لا يستحلها أحد من أهل الأوثان، فضلاً عن أهل العلم والإيمان، ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوها في الشجاعة ونحوها وفى يوم عيد، بغير شبابة ولا دف، ولا رقص ولا تصفيق، ويدعون المحكم الصريح، لهذا المتشابه وهذا شأن كل مبطل.
نعم، نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك الوجه، وإنما نحرم وسائر أهل العلم والإيمان السماع المخالف لذلك، وبالله التوفيق.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صوتان ملعونان في الدنيا و الآخرة: مزمار عند نعمة و رنة عند مصيبة.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة مزمار عند نعمة) هو الآلة التي يرمز بها بكسر الميم قال الشارح: والمراد هنا الغناء لا القصبة التي يرمز بها كما دل عليه كلام كثير من الشراح
(ورنة) أي صيحة (عند مصيبة) قال القشيري: مفهوم الخطاب يقتضي إباحة غير هذا في غير هذه الأحوال وإلا لبطل التخصيص انتهى وعاكسه القرطبي كابن تيمية فقالا: بل فيه دلالة على تحريم الغناء فإن المزمار هو نفس صوت الإنسان يسمى مزماراً كما في قوله لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود انتهى وأقول: هذا التقرير كله بناء على أن قوله نغمة بغين معجمة وهو مسلم إن ساعدته الرواية فإن لم يرد في تعيينه رواية فالظاهر أنه بعين مهملة وهو الملائم للسياق بدليل قرنه بالمصيبة.
(وأما تسميته بالسمود:
فقد قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: 59 - 61].
قال عكرمة عن ابن عباس "السمود: الغناء فى لغة حمير".
يقال: اسمُدى لنا، أى غنى لنا، وقال أبو زبيد:
وكَأَنَّ العَزِيفَ فِيهَا غِنَاءٌ لِلنَّدَامَى مِنْ شَارِبٍ مَسْمُودِ
قال أبو عبيدة: "المسمود: الذى غنى له"، وقال عكرمة: "كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا، فنزلت هذه الآية".
وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود الغفلة والسهو عن الشيء، قال المبرد: هو الاشتغال عن الشيء بهمّ أو فرح يتشاغل به، وأنشد:
رَمَى الْحَدَثَانُ نِسْوَةَ آلِ حرْبٍ بمِقْدَارٍ سَمَدْنَ لهُ سُمُودَا
وقال ابن الأنباري: السامد اللاهي، والسامد الساهي، والسامد المتكبر، والسامد القائم.
وقال ابن عباس في الآية: "وأنتم مستكبرون".
وقال الضحاك: "أشرون بطرون"، وقال مجاهد: "غضاب مبرطمون"، وقال غيره: "لاهون غافلون معرضون".
فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.
(تحريم ألآت اللهو والمعازف:
(حديث أبي مالك الأشعري في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير و الخمر و المعازف.
ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك.
ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحِر بالحاء والراء المهملتين، فهو استحلال الفروج الحرام.
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير.
وقد توعد مستحلي المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير.
وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط فى الذم والوعيد.
معنى القيان: أي المغنيات
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال كل مسكر حرام.
قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
والكوبة هي الطبل كما رواه البيهقي من حديث بن عباس
والغبيراء اختلف في تفسيرها فقيل الطنبور وقيل العود وقيل البربط قال بن الأعرابي الكوبة النرد.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والقنين، وزادني صلاة الوتر.
المزر: النبيذ
القنين: هو الطنبور بالحبشية، والتقنين: الضرب به، قاله ابن الأعرابي.
(حكم سماع الغناء من المرأة الأجنبية:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان:
وأما سماعه من المرأة الأجنبية، أو الأمرد فمن.
أعظم المحرمات، وأشدها فساداً للدين.
(قال الشافعي رحمه الله: "وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها، فهو سفيه ترد شهادته"، وأغلظ القول فيه.
وقال: "هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثا".
قال القاضي أبو الطيب: "وإنما جعل صاحبها سفيها، لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقاً".
قال: وكان الشافعي يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: "وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن".
(فيجب على المسلم أن ينزه سمعه عن سماع الخنا:
(أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أحمد بن يحيى الوزير.
قال: خرج الشافعي يوماً من سوق القناديل متوجهاً إلى حجرته، فتبعناه فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم، فالتفت إلينا الشافعي فقال: نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم، ولو رددت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقي بها قائلها.
(12) الشعر المحرم:
وهو ما كان فيه مدحٌ بالباطل أو ذمُ قومٍ بالباطل أو قول زورٍ أو بهتان، وعليه يحمل قوله تعالى: (وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ224،أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ) [الشعراء / 226:224]
ومنه الهجاء بغير حق:
(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أعظم الناس عند الله فرية: لرجل هاجى رجلا فهجا القبيلة بأسرها و رجل انتفى من أبيه و زنى أمه.
(حكم الشعر:
مما يُجدر ذكره في هذا المقام أن الشعر ليس كله مذموم ولا محرم بل هو بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام بنص السنة الصحيحة
(حديث عائشة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام و قبيحه كقبيح الكلام.
(أولاً النوع الجائز منه:
هو ما يكون فيه مدحٌ للإسلام والمسلمين ونصرة الحق وأهله، وعليه تحمل الأحاديث الآتية:
(حديث أبي ابن كعب في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من الشعرِ حكمة.
وقد يكون الشعر من الجهاد باللسان.
(حديث أنس في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم.
(حديث أنس في صحيحي الترمذي والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول
خلوا بني الكفارِ عن سبيله... اليومَ نضربكم علي تنزيله
ضرباً يَزِيلُ الهامَ عن مَقِيله... ويذهلُ الخليلُ عن خليله
فقال عمر: يا ابن رواحة! بين يدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي حرم الله عز وجل تقول الشعر! فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خلِّ عنه يا عمر فلهي أسرعُ فيهم من نضح النَّبل.
﴿تنبيه﴾: (هذا النوع من الشعر المحمود يجب على طالب العلم أن يراعي فيه أن لا يشغل وقته كله أو معظمه بحيث يشغله عن الكتاب والسنة والعلوم الشرعية، فلو حصل ذلك لكان محرماً.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا.
الشاهد من الحديث: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عبَّر بالامتلاء، فنبه أنك أيها الإنسان لو ملئت جوفك قيحاً خيرٌ لك من أن تملأه شعراً، وعلى هذا فيؤخذ من الشعر بقدر الحاجة فقط.
(ثانياً النوع المحرم:
وهو ما كان فيه مدحٌ بالباطل أو ذمُ قومٍ بالباطل أو قول زورٍ أو بهتان، وعليه يحمل قوله تعالى: (وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ224،أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ) [الشعراء / 226:224]
ومنه الهجاء بغير حق:
(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أعظم الناس عند الله فرية: لرجل هاجى رجلا فهجا القبيلة بأسرها و رجل انتفى من أبيه و زنى أمه.
(13) الفحش والتفحش 1: (1). في اللسان: أفحش الرجل إذا قال قولاً فاحشاً، وقد فحش علينا فلان، وإنه لفحاش، وتفحش في كلامه... والفاحش، ذو الفحش والخنا من قول وفعل، والمتفحش الذي يتكلف سب الناس ويتعمده.
(6/ 325 - 326) مادة: (فحش) بنصرف يسير.
كان النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكمل الناس خلقاً، وكان أبعدهم عن بذئ القول وساقطه، وكان صلوات الله وسلامه عليه ينهى عن الفحش في القول، واللعن، وقول الخنا، وغير ذلك من الأقوال الباطلة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في الصحيحين) قال لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقَاً.
((حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قَالَتْ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ.
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ.
والفاحش الذي يرسل لسانه بما لا ينبغي، وذو الفحش وهو القبيح في الأقوال والأفعال.
والمتفحش: الذي يتكلف ذلك ويتعاطاه ويستعمله (1).
((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ.
(والفحش في الكلام يأتي على معان، فقد يأتي بمعنى السب والشتم وقول الخنا كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما السابق قال: (لم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً).
(وقد يأتي بمعنى: التعدي في القول والجواب (2): كما في الحديث الآتي:
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ قَالَ وَعَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ أَوْ الْفُحْشَ قَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ.
﴿تنبيه﴾: (اللَّعَّانُ لا يكون صِدِّيْقَاً، وهو محروم من الشفاعة والشهادة يوم القيامة، ومن لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت عليه.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا.
((حديث أبي الدراداء رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
((حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي)
أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا تَلْعَنْ الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ.
(قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
فيه الزجر عن اللعن وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة، لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم من الكافر ويدعو عليه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (لعن المؤمن كقتله) 1. لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى (2). (1). جزء من حديث وهو عند البخاري (6047)، ومسلم (110)، وأحمد (15950)
(2). صحيح مسلم بشرح النووي.
المجلد الثامن (16/ 127)
﴿تنبيه﴾: (من أعظم الذنوب، بل من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه.
((حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ.
(ومن الفحش في القول السباب:
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما يعتدِ المظلوم.
معنى (فعلى البادئ منهما ما يعتدِ المظلوم) أي إثم السباب الواقع بيت الاثنين يقع على البادئ منهم ما لم يتجاوز المظلوم قدر الانتصار.
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:... إذا سبَّك رجلٌ بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فيكون أجر ذلك لك و وباله عليه.
(أخرج أحمد، واللألكائي في السنة، وأبو القاسم بن بُشران في أماليه، وابن عساكر عن البهي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما شتم المقداد رضي الله عنه، فقال عمر: عليَّ نذر إن لم أقطع لسانك فكلَّموه وطلبوا إليه.
فقال عمر: دعوني حتى أقطع لسانه حتى لا يشتم بعدُ أحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿تنبيه﴾: (ومن جملة النهي عن السباب النهي عن سب الديك لأنه يوقظ للصلاة وكذلك النهي عن سب الشيطان لأنه يتعاظم ويقول بقوتي صرعته
(حديث زيد ابن خالد في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تسبوا الشيطان و تعوذوا بالله من شره.
(حديث أبي المليح في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت و يقول: بقوتي صرعته و لكن قل: باسم الله فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يصير مثل الذباب.
(14) الجدال العقيم:
من آفات اللسان التي يجب على المسلم أن يحترز منها ويتخلى عنها ويحفظ لسانه منها الجدال العقيم الذي لا يكن قصده بيان الحق وهداية الخلق، وكان قصده مجرد المغالبة والعلو والظهور والعياذ بالله تعالى من ذلك.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ.
معنى الألدُّ: شديد اللدودة أي الجدال
معنى الخَصِم: شديد الخصومة
وقد بين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ما ضل قوم بعد هدى إلا استو طئوا الجدال واتخذوه مركباً، وبئس المطية هو يصل بصاحبه إلى الهاوية السحيقة ويبعده عن جادة الاستقامة.
وعلى ذلك فيجب على من رام السلامة في دينه أن يجتنب الجدال العقيم اجتناب السم القاتل والداء العضال وألا يحوم حوله ولا يقترب منه وإلا كانت العاقبة وخيمة فإنه شرٌ كله.
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ
(مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [الزخرف: 58]
﴿تنبيه﴾: (وقد ندب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ترك الجدال وإن كان محقاً للتخلص من هذا الداء الوبيل.
(حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
معنى زعيم: أي ضمين
معنى ربض الجنة: حولها خارجٌ عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن.
(ففي الحديث: أن من ترك الجدال ولو كان صادقاً محقاً، فإنه موعودٌ على لسان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ببيت في ربض الجنة، قال في التحفة [وذلك] لتركه كسر قلب من يجادله ودفعه رفعة نفسه وإظهار نفاسة فضله (1).
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ.
﴿تنبيه﴾: (المقصود بالمراء هنا الجدال المشكك في القرآن والعياذ بالله تعالى من ذلك، وقيل الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها.
((حديث جندب ابن عبد الله الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ.
(1). تحفة الأحوذي (6/ 109)
(يحتمل الاختلاف هنا في فهم معانيه، ويحتمل الاختلاف في كيفية الأداء، وعند الاختلاف الجالب للشر في القرآن فإن المسلم مأمورٌ بأن ينته عن ذلك حتى لا يقع الشر، وتكثر المنازعة.
(قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمولٌ عند العلماء على اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القرآن أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك.
وأما الاختلاف في فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهياً عنه بل هو مأمورٌ به وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن والله أعلم (1).
(وفي هذا الحديث: الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق، ومن شر ذلك أن تظهر دلالة الآية على شئ يخالف الرأي فيتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي يقع اللجاج في ذلك المناضلة عليه، قاله في الفتح (2).
((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: سمع سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافَهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، لَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا.
﴿فائدة﴾: (قال السعدي في تأويل قوله تعالى: ﴿فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهراً﴾.
قال: ﴿فلا تمار﴾ تجادل وتحاج فيهم.
﴿إلا مراء ظاهراً﴾ أي: مبنياً على العلم واليقين، ويكون أيضاً فيه فائدة.
وأما الممارة المبنية على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها، كعدد أصحاب الكهف، ونحو ذلك، فإن في كثرة المناقشات فيها، والبحوث المتسلسلة، تضييعاً للزمان، وتأثيراً في مودة القلب بغير فائدة (3).
(15) شهادة الزور:
إن شهادة الزور من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وقد حرمها الله تعالى لأنها تكون سبباً في إبطال الحق وإظهار الباطل والعياذ بالله، وقد أمر الله تعالى في كتابه باجتناب قول الزور
قال تعالى: (فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزّورِ) [سورة: الحج - الآية: 30]
وقد أثنى الله تعالى على عباد الرحمن بكونهم لا يشهدون الزور
قال تعالى: (وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ وَإِذَا مَرّواْ بِاللّغْوِ مَرّوا كِراماً) [سورة: الفرقان - الآية: 72]
وشهادة الزور من أكبر الكبائر بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي بكرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله و عقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
(تعريف الزّور:
الأصل في الزور، تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به.
والشرك قد يدخل في ذلك؛ لأنه محسن لأهله حتى قد ظنوا أنه محق وأنه باطل.
ويدخل فيه الغناء؛ لأنه أيضاً مما يحسنه ترجيع الصوت حتى يستحل سَامِعُهُ سَمَاعَه.
والكذب أيضاً: قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه حتى يظن صاحبه أنه حق.
فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور؛ فإن كان ذلك كذلك فأولى الأقوال بالصواب... أن يقال: إن الزور كل باطل سواء كان ذلك، شركاً، أو غناء، أو كذباً، أو غيره، وكل ما لزمه اسم الزور؛ لأن الله عمّ في وصفه عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيئاً إلا بحجة 1.
(الترهيب من الوقوع في شهادة الزور:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135]
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج 33: 35] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 140] وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 36] وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ عامٌّ في تحريم القول في الدين من غير يقين) 1. ((حديث أبي بكرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله و عقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
وقد ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه فقال: (باب ما قيل في شهادة الزور لقول الله عز وجل) والذين لا يشهدون الزور، وكتمان الشهادة لقوله: تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ 1.
وقد ترجم البخاري (رحمه الله) في صحيحه باباً قال فيه: (باب لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهِد).
عن النعمان بن بشير (رضي الله عنهما) قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله.
ثم بدا له فوهبها لي.
فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلّى الله عليه وسلّم.
فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: ”ألك ولد سواه“ قال: نعم، قال فأراه قال: ”لا تشهدني على جور“ وفي رواية ”لا أشهد على جور“ 2.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خَيْرٌ قَالَ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ.
(واليمين الغموس سُمّيت بذلك، لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار ولا كفارة فيها؛ لأنها يمين غير منعقدة، ولأن المنعقد ما يمكن حله ولا يَتَأتَّى في اليمين الغموس البر أصلاً 3.
((عبد الله بن عمرو رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس).
((حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال وإن قضيبا من أراك.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله و قتل النفس بغير حق و بهت المؤمن والفرار من الزحف و يمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه، وشرابه“ 4.
فنجد أن الله تبارك وتعالى حرم شهادة الزور، لكونها سبباً لإبطال الحق، وحرم كتمانها، لكونه سبباً أيضاً لإبطال الحق 1.
(ما يترتب على شهادة الزور من الجرائم:
شهادة الزور عظيمة الخطر والضرر؛ لأنه يترتب عليها جرائم كثيرة منها ما يأتي:
(1) تضليل الحاكم عن الحق والتسبب في الحكم بالباطل؛ لأن الحكم ينبني على أمور منها: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر فإذا كانت البينة كاذبة أثرت على الحكم فكان بخلاف الحق والإثم على الشاهد ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: ”إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ ولعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر فأقض له نحو ما أسمع“ 2.
(2) الظلم لمن شهد له لأنه ساق إليه ما ليس بحق بسبب شهادة الزور فوجبت له النار لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها“ 3.
(3) الظلم لمن شهد عليه حيث أخذ منه ماله أو حقه بالشهادة الكاذبة فيتعرض الشاهد بذلك لدعوة المشهود عليه بغير الحق ظلماً ودعوة المظلوم مستجابة لا ترد وليس بينها وبين الله حجاب كما قال صلّى الله عليه وسلّم: ”ثلاثة لا تردّ دعوتهم... “ وذكر منهم ”دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الربُّ: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين“ 4 وقال صلّى الله عليه وسلّم: ”من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة“ فقال له رجلٌ وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله قال: ”وإن قضيباً من أراك“ 5.
(4) تخليص المجرمين من عقوبة الجريمة بالشهادة الباطلة وذلك يسبب للناس الرغبة في ارتكاب الجرائم اتكالاً على وجود شهادة الزور.
(5) يترتب على شهادة الزور انتهاك المحرمات وإزهاق النفوس المعصومة، وأكل الأموال بالباطل والحاكم والمحكوم له وعليه بالباطل خصماء لشاهد الزور عند أحكم الحاكمين يوم القيامة.
(6) يحصل بشهادة الزور تزكية المشهود له وهو ليس أهلاً لذلك، ويحصل بها جرح المشهود عليه بالباطل والتزكية شهادة للمزكى فإذا كان حال المزكى وواقعه بخلاف مضمون التزكية فإن المزكي شاهد بالزور حيث شهد بخلاف الحق أو بما لا يعلم حقيقته.
فكذلك شاهد الزور وهو مزكٍّ للظالم، ومجرِّح للمظلوم.
يترتب على شهادة الزور القول في دين الله بغير حق وبغير علم فإن ذلك أعظم الفتن ومن أخطر أسباب الصد عن سبيل الله ومن أفحش عوامل الضلال للناس وهو من الجرأة على الله ومن أوضح الأدلة على جهل قائله خاصة إذا تبين له الحق فلم يرجع إليه أو على نفاقه وإلحاده قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ 1. فما أكثر شهادة الزور اليوم ومثلهم الذين يحرمون ما أحل الله لهم من طعام أو غيره.
وأخطر من ذلك قوم يكتمون الحق مع علمهم به ويظهرون الباطل ويدعون إليه الناس ويزينونه لهم نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة 2.
(16) المدح المذموم:
مسألة: ما هو حكم المدح؟
المسألة على التفصيل الآتي:
(أولاً: إذا كان المدح فيه مبالغة أو كان الممدوح ممن يُخشى عليه العُجب كُرِره مدْحُه في وجهه كراهةً شديدةً وعليه تُحملُ الأحاديث الآتية:
(حديث أبي موسى في الصحيحين) قال: أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: ويلك! قطعت عنق صاحبك، مراراً، ثم قال: من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل: أحْسِبُ فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسِبه كذا و كذا إن كان يعلم ذلك منه.
(حديث المقداد في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجههم التراب.
(حديث معاوية في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياكم والتمادحَ فإنه الذبح.
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يُقَالُ لَهُ فِي وَجْهِهِ: أَحْيَيْت السُّنَّةَ.
قَالَ: هَذَا فَسَادٌ لِقَلْبِ الرَّجُلِ.
(ثانياً: إذا كان الممدوح لا يُخاف عليه العجب ولا يخشى عليه من الاغترار فإنه يجوز مدحه مع عدم المبالغة لأنه من عرف نفسه لم يضره المدح كما قال بعض السلف، وعليه تُحملُ الأحاديث الآتية:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عُبيدة.
(حديث سعد في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إيه يا ابن الخطاب! و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا آخر.
(حديث بريدة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الشيطان ليخافُ منك يا عمر.
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى أَبِي فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ بِشْرٍ فَذَكَرُوهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ بِشْرٌ, وَقَالَ: لَا يَنْسَى اللَّهُ لِأَحْمَدَ صَنِيعَهُ, ثَبَتَ وَثَبَتْنَا, وَلَوْلَاهُ لَهَلَكْنَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَجْهُ أَبِي يَتَهَلَّلُ, فَقُلْت: يَا أَبَتِ أَلَيْسَ تَكْرَهُ الْمَدْحَ فِي الْوَجْهِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّمَا ذُكِرْت عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ, وَمَا كَانَ مِنِّي فَحَمِدَ صَنِيعِي, وَقَدْ قَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ﴾.
﴿تنبيه﴾: (ويستحب لمن زُكِيَ أن يقول: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما يقولون.
(حديث عدي ابن أَرْطأة في صحيح الأدب المفرد) قال كان الرجل من أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا زُكِيَ قال: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما يقولون.
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
وَقَالَ خَطَّابُ بْنُ بِشْرٍ: قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الشَّافِعِيُّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِبَقَائِك وَكَلَامٌ مِنْ هَذَا النَّحْوِ كَثِيرٌ, فَقَالَ لَهُ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَبَا عُثْمَانَ.
وَمَنْ أَنَا فِي النَّاسِ؟
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَكْثَرَ الدَّاعِينَ لَك فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنُهُ, وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِدْرَاجًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: لَوْ أَنَّ لِلذُّنُوبِ رِيحًا مَا جَلَسَ إلَيَّ مِنْكُمْ أَحَدٌ.
قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ بَعْضَ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ لِي: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَزْهَدْ فِي الدَّرَاهِمِ وَحْدَهَا.
قَدْ زَهِدَ فِي النَّاسِ, فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَمَنْ أَنَا حَتَّى أَزْهَدَ فِي النَّاسِ.
النَّاسُ يُرِيدُونَ أَنْ يُزَهِّدُونِي.
وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ, وَيَغْفِرَ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَأَيْتُكَ.
قَالَ: اُقْعُدْ أَيْشٍ ذَا؟ مَنْ أَنَا؟
وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ, اللَّهَ اللَّهَ, فَإِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَيْكَ, وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ, فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ لَا يُمْكِنُ فَمَسَائِلُ فَإِنَّ النَّاسَ مُضْطَرُّونَ إلَيْكَ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إلَيَّ أَنَا؟ وَاغْتَمَّ مِنْ قَوْلِهِ وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ, وَرَأَيْت فِي وَجْهِهِ أَثَرَ الْغَمِّ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ الْإِسْلَامِ خَيْرًا.
فَقَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ الْإِسْلَامِ خَيْرًا, فَقَالَ: لَا بَلْ جَزَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَنِّي خَيْرًا.
ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِلرَّجُلِ أَنَا؟ وَمَنْ أَنَا وَمَا أَنَا؟
(17) اللعن:
اللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، ويجب حفظ اللسان من لعن إنسانٍ بعينه أو دابة لتحريم ذلك.
(حديث ثابت بن الضحاك في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن المؤمن كقتله.
(حديث أبي الدرداء في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يكون اللعانون شفعاء و لا شهداء يوم القيامة.
(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس المؤمن بالطعان و لا اللعان و لا الفاحش و لا البذيء.
(حديث عمران ابن حصين في صحيح مسلم) قال بينما رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض أسفاره، وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ، فضجِرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة.
﴿تنبيه﴾: (يجوز لعن أصحاب المعاصي والكفار عموماً بدون تعيين أحدٍ بعينه.
قال تعالى: (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ) [سورة: هود - الآية: 18]
(حديث علي في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن الله من لعن والديه و لعن الله من ذبح لغير الله و لعن الله من آوى محدثا و لعن الله من غير منار الأرض.
(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد.
(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه وقال هم فيه سواء.
مسألة: هل يجوز لعن إنسانٍ بعينه؟
لا يجوز لعن إنسانٍ بعينه وإن كان غارقاً في المعاصي إلى الأذقان حتى لو بلغت ذنوبه عنان السماء لأنك لا تدري بم يختم له، فقد يُختم له بخير، وإنما الأعمال بالخواتيم، فلا يجوز لعن إنسان بعينه إلا من علمنا أنه مات على الكفر كأبي لهب وأبي جهل وفرعون وهامان وأشباههم.
(18) كثرة المزاح:
يجب على المسلم إذا أراد إصلاح قلبه أن يتجنب كثرة المزاح لأن كثرة المزاح تؤدي إلى كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(كن ورعاً تكن أعبد الناس) أي داوم عليه في جميع الحالات حتى يصير طبعاً لك فتكون أعبد الناس لدوام مراقبتك واشتغالك بأفضل العبادات بظاهرك وباطنك بإيثار حقك على حظك وهذا كمال العبودية ولهذا قال الحسن: ملاك الدين الورع وقد رجع ابن المبارك من خراسان إلى الشام في رد قلم استعاره منها وأبو يزيد إلى همدان لرد نملة وجدها في قرطم اشتراه وقال: غريبة عن وطنها وابن أدهم من القدس للبصرة لرد تمرة، فانظر إلى قوة ورع هؤلاء وتشبه بهم إن أردت السعادة
(وكن قنعا تكن أشكر الناس) لأن العبد إذا قنع بما أعطاه اللّه رضي بما قسم له وإذا رضي شكر فزاده اللّه من فضله جزاء لشكره وكلما زاد شكراً ازداد فضلاً ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾
(وأحب للناس ما تحب لنفسك) من الخير (تكن مؤمناً) أي كامل الإيمان لإعراضك عن هواك وإن لم تحب لهم ما تحب لنفسك فأنت مؤمناً ناقص الإيمان لمتابعتك هواك
(وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً) أي كامل الإسلام فإن المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه
(وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) وفي رواية البيهقي بدله فإن في كثرة الضحك فساد لقلب وإذا فسد القلب فسد الجسد كله.
(تنبيه) الضحك المميت للقلب ينشأ من الفرح والبطر بالدنيا وللقلب حياة وموت فحياته بدوام الطاعة وموته بإجابة غير اللّه من النفس والهوى والشيطان، بتواتر أسقام المعاصي تموت الأجسام بأسقامها واقتصر من أسباب موته على كثرة الضحك وهو ينشأ عن جميعها لانتشائه من حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة بنص الخبر أوحى اللّه إلى داود ومن عصاني فقد مات ومن أسباب موت [ص 53] القلب الأشر والبطر والفرح وإذا مات لم يستجب له اللّه إذا دعاه.
(تنبيه) المأمور بالكف عن كثرة الضحك إنما هو أمثالنا أما من ذاق مشرب القوم من الأحباب فليس مراداً بهذا الخطاب، قال بعض العارفين: جلس ذو النون للوعظ والناس حوله يبكون وشاب يضحك فزجره، فأنشأ يقول: كلهم يعبدون اللّه من خوف النار ويرون النجاة حظا جزيلا ليس لي في الجنان والنار رأي أنا لا أبتغي بحبي بديلا فقيل له: فإن طردك فما تفعل؟ قال: فإذا لم أجد من الحب وصلا رمت في النار منزلا ومقيلا ثم أزعجت أهلها ببكائي بكرة في ضريعها وأصيلا معشر المشركين نوحوا عليّ أنا عبد أحببت مولىً جليلا لم أكن في الذي ادّعيت صدوقاً فجزائي منه العذاب الوبيلا وقال ابن عربي: خدمت امرأة من المخبآت العارفات تسمى فاطمة بنت المثنى القرطبي خدمتها وسنها فوق خمس وتسعين سنة وكنت أستحي أنظر إليها من حمرة خديها وحسن نغمتها وجمالها كأنّ عمرها دون عشرين سنة وكانت تضرب بالدف وتفرح وتقول اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطنعني لنفسه فكيف لا أفرح ومن أنا حتى يختارني على ابن جني.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس و ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس و أحسن إلى جارك تكن مؤمنا و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما و لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(اتق المحارم) أي احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك
(تكن أعبد الناس) أي من أعبدهم لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد وقال الذهبي هنا والله تكسب العبرات فيريد أن يكون يسيراً بكل واجب فيقوم به وعارفاً بكل محرم فيجتنبه
(وارض) أي اقنع
(بما قسم الله لك) أي أعطاك وجعله حظك من الرزق
(تكن أغنى الناس) فإن من قنع استغنى ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس والقناعة غنى وعز بالله وضدها فقر وذل للغير ومن لم يقنع لم يشبع أبداً ففي القناعة العز والغنى والحرية وفي فقدها الذل والتعبد للغير تعس عبد الدنيا تعس عبد الدينار فيتعين على كل عاقل أن يعلم أن الرزق بالقسم والحظ لا بالعلم والعقل ولا فائدة للجد حكمة بالغة دل بها على قدرته وإجراء الأمور على مشيئته قال الحكماء: ولو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم ونظمه أبو تمام فقال: ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ويكدى الفتى في دهره وهو عالم ولو كانت الأقسام تجري على الحجا هلكن إذن من جهلن البهائم ومن كلامهم كم رأيت أعرج في المعالي عرج (وأحسن إلى جارك) بالقول والفعل والجار المجاور لك وما قرب من منزلك عرفاً (تكن مؤمناً) أي كامل الإيمان فإذا لم تقدر على الإحسان إليه فكف عن أذاه وإن كان مؤذياً لك فيلزمك الصبر حتى يجعل الله لك فرجاً قال الراغب: والإحسان يقال للإنعام على الغير وللإحسان في فعله وذلك إذا علم علماً حسناً أو عمل عملاً حسناً وعليه قول علي كرم الله وجهه " الناس أبناء ما يحسنون أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون من الأفعال الحسنة والإحسان أعم من الإنعام والعدل إذ العدل أن يعطي ما عليه ويأخذ ماله والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له (وأحب) أي ارض (للناس ما تحب لنفسك) من الخير (تكن مسلماً) كامل الإسلام بأن تحب لهم حصول ما تحبه لنفسك من جهة لا يزاحمونك فيها فإن انتفت المحبة لنحو حقد أو غل أو حسد انتفى عنه كمال الإيمان وغاير في ما بين لفظي الإيمان والإسلام تفنناً إذ المراد بهما هنا واحد قال السدي لي ثلاثون سنة في الاستغفار عن قولي الحمد لله وذلك أنه وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فقال نجا حانوتك فقلت الحمد للّه فمذ قلتها فأنا نادم حيث أردت لنفسي خيراً دون المسلمين
(ولا تكثر الضحك) بفتح وكسر وهو كيفية يحصل منها انبساط في القلب مما يعجب الإنسان من السرور ويظهر ذلك في الوجه والإكثار منه مضر بالقلب منهي عنه شرعاً وهو من فعل السفهاء والأراذل مورث للأمراض النفسانية ولذا قال (فإن كثرة الضحك تميت القلب) أي تصيره مغموراً في الظلمات بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها شيئاً من مكروه وحياته وإشراقه مادة كل خير وموته وظلمته مادة كل شر وبحياته تكون قوته وسمعه وبصره وتصور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه ولهذا قال لقمان [ص 125] لابنه يا بني لا تكثر الضحك من غير عجب ولا تمشي من غير أرب ولا تسأل عما لا يعنيك ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما أخرت وقال موسى للخضر: أوصني فقال: كن بساماً ولا تكن غضاباً وكن نفاعاً ولا تكن ضراراً وانزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير الخطائين بخطاياهم وابك على خطيئتك يا ابن عمران وفي صحف موسى عجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصب عجباً لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها وفي الحديث إيذان بالإذن في قليل الضحك لا سيما لمصلحته.
أهـ
(أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن: فضيل بن عياض قال: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فاغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك، كيف ترى أن يكون حالك؟
(أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي علي الرازي، قال: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي فقلت له في ذلك فقال: إن الله عز وجل أحب أمراً فأحببت ما أحب الله.
(ولهذا ما كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يضحك إنما كان يبتسم.
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت ما رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضاحكاً حتى أرى لهواته إنما كان يبتسم.
(حديث جرير ابن عبد الله في الصحيحين) قال ما رآني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منذ أن أسلمت إلا تبسم في وجهي.
(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة.
(ومن الآثار الدالة على النهي عن كثرة المزاح ما يلي:
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن عمر بن عبد العزيز قال: اتقوا المزاح فإنها حمقة تورث ضغينة، وقال: إنما المزاح سباب إلا أن صاحبه يضحك.
(وقيل: إنما سمي مزاحا لأنه مزيح عن الحق.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن إبراهيم النخعي قال: المزاح من سخف أو بطر.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال من مزح استخف به.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: اتقوا الله وإياي والمزاحة فإنها تورث الضغينة وتجر القبيحة تحدثوا بالقرآن وتجالسوا به فإن ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن سعيد بن العاص رحمه الله قال لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا تمازح الدنيء فيجترئ عليك.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن خالد بن صفوان رحمه الله قال: المزاح سباب النوكى 1، وكان يقال لكل شئ بذر وبذر العداوة المزاح، قال وبلغني عن الحسن بن حيي رحمه الله قال المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الحسين بن عبد الرحمن رحمه الله قال كان يقال المزاح مَسْلَبَةٌ للبهاءِ مَقْطَعَةٌ للصداقة.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي حاتم قال المزاح في غير طاعة الله مسلبة للبهاء مقطعه للصداقة يورث الضغن وينبت الغل، وإنما سمي المزاح مزاحا لأنه زاح عن الحق وكم من افتراق بين أخوين وهجران بين متآلفين كان أول ذلك المزاح.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وإن من المزاح ما يكون سببا لتهييج المراء والواجب على العاقل اجتنابه لأن المراء مذموم في الأحوال كلها ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد رجلين في المراء إما رجل هو أعلم منه فكيف يجادل من هو دونه في العلم أو يكون ذلك أعلم منه فكيف يماري من هو أعلم منه.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
المراء أخو الشنان كما أن المناقشة أخت العداوة والمراء قليل نفعه كثير شره ومنه يكون السباب ومن السباب يكون القتال ومن القتال يكون هراقة الدم وما مارى أحد أحدا إلا وقد غير المراء قلبيهما.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قال أبو حاتم رضى الله عنه المزاح إذا كان فيه إثم فهو يسود الوجه ويدمي القلب ويورث البغضاء ويحيى الضغينه وإذا كان من غير معصية يسلى الهم ويرقع الخله ويحيى النفوس ويذهب الحشمة فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما ينسب بفعله إلى الحلاوة ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد.
(وقيل في منثور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب.
(وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته، ومن كثر خلافه طابت غيبته.
(وقال بعض البلغاء: من قل عقله.
كثر هزله.
(وذكر خالد بن صفوان المزاح فقال: يصك أحدكم صاحبه بأشد من الجندل، وينشقه أحرق من الخردل، ويفرغ عليه أحر من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحك.
(وقال بعض الحكماء: خير المزاح لا ينال، وشره لا يقال، فنظمه السابوري في قصيدته الجامعة للآداب فقال وزاد:
شرُّ مُزاح المرءِ لا يقاُل... وخيرُه يا صاحِ لا ينُاُل
وقد يُقال كثرة المزاحِ... من الفتى تدعو إِلى التَّلاحي
إِن المزاحَ بدؤه حلاوه... لكنّما آخرُه عَداوَه
يَحقِد منه الرجلُ الشريفُ... ويجتري بسُخفه السَّخيفُ
(وما أحسن ما قال أبو نواس: مُت بدآء الصمت خيرٌ... لك من دآءِ الكلام إِنما السَّالم من أَل... جم فاه بلجام ربما يستفتح المز... حُ مغاليق الحمام والمنايا آكلاتٌ... شارباتٌ للأَنام
﴿تنبيه﴾: (يجوز للإنسان أن يمزح إن لم يكن كثيراً بشرط أن يكون مزحه صدقاً وقصداً بون إفراط فإن فيه إجماماً للقلوب وتفريجاً للكروب.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي حاتم قال: الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح وترك التعبس.
(قال أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح:
العاقل يتوخى بمزحه إحدى حالتين: إما إيناس المصاحبين، والتودد إلى المخاطبين، وهذا يكون بما أنس من جميل القول، وبسط من مستحسن الفعل كما قال سعيد بن العاص لابنه: اقتصد في مزحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ السفهاء، وإن التقصير فيه يغض عنك المؤانسين، ويوحش منك المصاحبين.
وإما أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم، أو حدث من سأم، أو حدث به من هم وغم.
فقد قيل: لابد للمصدور أن ينفث وأنشد أبو نواس:
أُروّح القلب ببعض الهزلِ... تجاهلاً منّي بغير جهلِ أَمزح فيه مزحَ أَهل الفَضل... والمزحُ أَحياناً جِلاء العقلِ
(وأنشد أبو الفتح البستي: أفِد طبعَك المكدودَ بالجِدّ راحةً... يَجِمَّ وعللّه بشيء من المزحِ ولكن إِذا أَعطيتَه المزح فليكن... بمقدار ما تعطي الطَّعامَ من الملحِ
(وقال أبو تمام: الجِدُّ شيمتُه وفيه فكاهةٌ... طوراً ولا جِدُّ لمن لم يلعب
(وعلى هاتين الحالتين كان مزح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وتابعيه والعلماء والأئمة.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الترمذي) قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال: إني لا أقول إلا حقاً.
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ النَّاسُ فِي سِجْنٍ مَا لَمْ يَتَمَازَحُوا.
ومَزَحَ الشَّعْبِيُّ يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَمْرٍو أَتَمْزَحُ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُتْنَا مِنْ الْغَمِّ.
وكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُدْعَبُ وَيَضْحَكُ حَتَّى يَسِيلَ لُعَابُهُ فَإِذَا أَرَدْته عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ كَانَتْ الثُّرَيَّا أَقْرَبُ إلَيْك مِنْ ذَلِكَ.
أهـ
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح أن سفيان سئل: المزاحُ هُجنَة؟ فقال: بل سنة لقوله عليه السلام إني لأمزح ولا أقول إلا الحق وقال أنس بن مالك: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أفكه الناس.
أهـ
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) أنها كانت مع النبي في سفر، قالت: فسابَقْتُه فَسَبَقْتُه على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن أن الخليل بن أحمد إنك قيل له قيل تمازح الناس فقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا.
(وهاك صورٌ من مزاح النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن رجلا استحمل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني حاملك على ولد الناقة فقال يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهل تلد الإبل إلا النوق.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له يا ذا الأذنين.
((حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ.
(وأبو عمير كنية لطفل وكان معه (نغير) وهو طائر صغير مثل العصفور هلك هذا النغير، فحزن عليه الصبي واغتم فكان عليه الصلاة والسلام يلاطفه قائلا (ماذا فعل النغير؟).
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الساسلة الصحيحة) قال: أتت عجوز إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله ادع الله لي أن يدخلني الجنة فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز قال: فولت تبكي فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز إن الله تعالى يقول " إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً.
فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً.
عُرُباً أَتْرَاباً "
﴿تنبيه﴾: (ومما يجب اجتنابه في المزح أن لا يأخذ متاع أخيه على سبيل المزاح، وكذلك يحرم عليه أن يروِّع أخيه على سبيل المزح، وكذلك يحرم الكذب في المزاح.
(حديث يزيد ابن سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعباً و لا جاداً و من أخذ عصا أخيه فليرُدَّها.
(حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يحلُ لمسلمٍ أن يُروِّعَ مسلماً.
(كان أصحاب رسول الله يمزحون بحضرته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
كان أصحاب رسول الله يمزحون بحضرته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكذلك من بعدهم من التابعين والعلمآء والائمة.
ونحن ذاكرون من مزحهم نبذة:
((حديث بكر بن عبد الله المزني الثابت في صحيح الأدب المفرد) قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَبَادَحُونَ بِالبِطِيخِ، فَإَِذا كَانَتْ الحَقَائِقَ كَانُوا هُم الرِّجَالَ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ قَالَ فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح أن النخعي سئل: هل كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضحكون؟ قال: نعم والايمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن عمر بن الخطاب قال: إِني لَيعجبني أَن يكون الرّجل في أهله مثلَ الصبي فإِذا بُغي منه حاجة وُجِدَ رجلاً، ونظر عمر بن الخطاب إلى أعرابي يصلي صلاة خفيفة فلما قضاها قال: اللهم زوجني بالحور العين فقال عمر: أَسأت النقد وأعظمت الخطبة.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن أبي بكرة أن أعرابيا وقف على عمر بن الخطاب فقال:
يا عمرَ الخير جُزيت الجنه... أُكسُ بُنياتي وأُمَّهُنَّه
وكن لنا من الزّمان جُنَّه... أُقسم بالله لَتفعلنَّه
فقال عمر: وإِن لم أَفعل يكون ماذا? فقال: إِذاً أَبا حفصٍ لأمضينَّه قال: فإِن مضيتَ يكون ماذا؟ فقال: والله عنهنَّ لتُسأَلنه... يوم تكون الاعطيِات منَّه وموقفُ المسؤول بينهنّه... إِما إِلى نارِ وإِمَّا جَنَّه
فبكى عمر حتى اخضَلَّت لحيتُه ثم قال لغلامه: يا غلام أَعطِه قميصى هذا لذلك اليوم لا لشعره ثم قال: والله لا أَملك غيره.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن علّى بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لا بأس بالمفاكهة يخرج بها الرّجلٍ عن حدّ العُبوس.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن نافع مولى ابن عمر قال: كان عبد الله بن عمر يمازح مولاةً له فيقول لها: خلقني خالقُ الكرام، وخلقك خالقُ اللئام، فتغضب وتصيح وتبكي ويضحك عبد الله بن عمر.
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن عبد الله بن رواحة أنه كان له جارية فاتهمته امرأَته أن يكون أصابها فقالت: إِنك الان جُنُبٌ منها، فأنكر ذلك فقالت: فإِن كنت صادقاً فاقرأ القرآن وقد عهدتَه لا يقرأُ القرآن وهو جُنُبٌ فقال:
شهدت بأَن دين الله حقٌ... وأَن النار مثوى الكافرينا
وأَن العرشَ فوق المآء طافٍ... وفوق العرش ربُّ العالمينا
وتحمله ثمانية شِدادٌ... ملائكة الإِله مسوَّمينا
(أورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن أن عبد الله بن رواحة كان مضطجعاً إلى جنب امرأته فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت فرأَته على جاريته، فرجعت إلى البيت فأخذت الشَّفرة ثم خرجت وفرغ فقام فلقيها تحمل الشَّفرة فقال: مَهيَم قالت: لو أَدركُتك حيث رأَيُتك لَوَجَأت بين كتفيك بهذه اُلشفرة قال: وأَين رأَيتِني? قالت: راَيتك عَلَى الجارية قال: ما رأيتني وقد نهانا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَن يقرأَ أَحدُنا القرآن وهو جُنُبٌ قالت: فاقرأ فقال: أَتانا رسول الله يتلو كتابَه... كما لاح مشهورٌ من الفجر ساطُع أَتى بالهدى بعد العمى فقلوبُنا... به موُقِنَاتٌ أَن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه... إِذا استَثَقلَت بالمشركين المضاجع
فقالت: آمنت بالله وكذّبت بصري، ثم غدا عَلَى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأَخبره فضحك حتى بدت نواجذُه.
(قال أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح:
وقد كان أبو هريرة مسترسلاً في مزحه، فحكى ابن قتيبة في المعارف أَن مروان ربما كان يستخلفه على المدينة فيركب حمارا قد شدّ ليه بردعة فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير، وربما أَتى الصبيانَ وهم يلعبون لعبة الأعراب فلا يشعرون حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه فيفزع الصبيان فيتفرقون: قال الماوردي: وهذا خروج عن القدر المستسمح به فيوشك أن يكون بهذا الفعل منه تأويل سائغ.
(وأورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح أَن ابن أبي عتيق وفد على الملك بن مروان فلقي حاجبه فسأله أَن يستأذن له عليه، فسأله الحاجب ما نزعه؟ فذكر ديناً قد مسّه، فاستأذن له، فأمر عبد الملك بإدخاله، فأدخله وعند رأس عبد الملك ورجليه جاريتان وضيئتان، فسلّم وجلس فقال له عبد الملك: ما حاجتك؟ قال: مالي حاجة إِليك قال: أَلم يذكر لي الحاجب أَنك شكوت إِليه ديناً عليك وسألتَه ذِكرَ ذلك لي؟ قال: ما فعلتُ وما علَّي دَين وإِني لأيسُر منك قال: انصرف راشداً فقام ودعا عبدُ الملك الحاجبَ فقال له: أَلم تذكر لي ما شكا إِليك ابن أبي عَتيق من الدَّين؟ قال: بلى قال: فإِنه أَنكر ذلك، فخرج إِليه الحاجب فقال: أَلم تَشكُ إِلَّي دَينك وذكرتَ أَنك خرجت إِلى أَمير المؤمنين فيه وسألتني ذكره؟ قال له: بلى قال: فما حملك عَلَى إِنكار ذلك عند أمير المؤمنين؟ قال ابن أبي عَتيق: دخلت عليه وقد جلس الشمس عند رأسه، والقمر عند رجليه ثم قال لي: كن سَأَلاً، والله ما كان الله ليرى هذا أَبداً، فدخل الحاجب عَلَى عبد الملك فأَخبره خبره فضحك ووهب الجاريتين له وقضى دَينَهَ ووصَلَه وكان سببَ الأنس بينه وبين عبد الملك.
(وأورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن عمرو بن دينار عن ابن أبي عتيق أنه مرَّ به رجل ومعه كلب فقال للرجل: ما اسمك؟ قال: وَثّاب قال: فما اسم كلبك؟ قال: عمرو فقال: واخِلافاه.
(وأورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن محمد بن يحيى بن حيان قال: قلت لامرأتي: أَنا وأَنتِ عَلَى قضآء عمر بن الخطاب قالت: وما قضآء عمر? قلت: قضآؤه إِذا أَصاب الرَّجلُ اُمرأَتَه عند كل طُهر فقد أَدّى حقّها قالت: أَنا أول من ردّ قضاء عمر.
(وفي رواية عنه عاتبت جدّتي جدّي في قلة الباه فقال لها: بيني وبينك قضآء عمر بن الخطاب قالت: وما قضآء عمر؟ قال قضى أن الرَّجل إِذا أتى امرأَتَه في كل طُهر مرةً فقد أَدّى لها حقّها قالت له: أفكل الناس ترك قضاء عمر بن الخطاب ولم يأخذ به غيري وغيرك؟
(وأورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح أن رجلاً سأل الشَّعبي عن المسح على اللحية فقال: خلّلها بأصابعك فقال: أَخاف أَلاّ تَبُلّها قال الشعبي: إِن خفت فانقعها من أَوَّل الليل.
(وسأله أخر: هل يجوز للمحرم أَن يَحُكّ بدنه؟ قال: نعم قال: مقدار كَم؟ قال: حتى يبدوَ العظم.
(وسئل عن أَكل لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف.
وقال له رجل: ما اسم امرأَة إِبليس؟ فقال: ذاك نكاحٌ ما شهدناه.
(وأورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح عن ابن عياش قال: رأَيت عَلَى الاعمش فروةً مقلوبةً صوفها إلى خارج، فأصابنا مطر فمررنا على كلب فتنحى الاعمش وقال: لا يحسبنا شاةً.
(ووقع بين الأعمش وامرأته وحشة فسأل بعض أصحابه ويقال: إِنه أبو حنيفة أَن يُصلح بينهما فقال: هذا سيدُنا وشيخُنا أَبو محمد فلا يزهدنَّكِ فيه عَمشُ عَينَيه، وحُموشة ساقَيه، وضعف ركبتَيه، وقَزَل رجليه وجعل يصف فقال الأعمش: قم عنا قّبحك الله فقد ذكرت لها من عيوبي ما لم تكن تعرفه.
(وأورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح أن رجلاً جاء إِلى أبي حنيفة فقال له: إِذا نزعت ثيابي ودخلت النهر أَغتسل فإِلى القبلة أتوجّه أم إِلى غيرها؟ فقال له: الآفضل أَن يكوم وجهُك إِلى جهة ثيابك لئلا تُسرَق.
(وأورد أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح أن رجلاً أَقَّر عند القاضي شريح بشيء ثم ذهب لينكر فقال شريح: قد شهد عليك ابن أُخت خالتك.
﴿تنبيه﴾: (إِذا خرج المزح إِلى حدّ الخلاعة فهو هُجنَةٌ ومَذَمةٌ:
(قال أبو البركات الغزني رحمه الله في المراح في المزاح:
إِذا خرج المزح إِلى حدّ الخلاعة فهو هُجنَةٌ ومَذَمةٌ، ومما عُدّ منه ما حكي عن أبي معاوية الضرير وكان محدثا أَنه خرج يوما إِلى أَصحابه وهو يقول:
فإِذا المِعدة جاشت... فارمِها بالمِنجَنيقِ
بثلاثِ من نبيذٍ... ليس بالحُلوِ الرَّقيق
(أمَا ترى كيف طرق بخلاعته التهمة إِلى نفسه بهذا المزح بما لعله بريٌء من وبعيد عنه؟ (ومن مستحسن المزح ومستسمح الدُّعابة ما حكي عن الإمام القشيري أنه وقف علية شيخ من الأعراب فقال له: يا أَعرابي ممن أَنت? فقال: من بني عَقِيل فقال: من إِي عقيل? قال من بني خَفَاجة فقال القشيري: رأَيتُ شيخاً من بني خَفَاجَه
فقال الأَعرابي: ما شأنه؟ فقال: له إِذا جنَّ الظلامُ حاجَه
فقال الأَعرابي: ما هي؟ قال: كحاجة الدّيك إِلى الدَّجاجَة
فأستغرب الأَعرابي وقال: قاتلك الله ما أَعرفَك بسَرائر القوم.
فانظر كيف بلغ بهذا المزج غايته ولسانه وعرضه مصون.
(فالعاقل يربأ بنفسه عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحهم مطلقا، وكذلك عن مزاح من هو أكبر منه لما ذكرنا من الحقد وخرق الحرمة، ولا بأس به بين الإخوان بما لا أذى فيه ولا ضرر ولا غيبة ولا شين في عرض أو دين، قاصدا به حسن العشرة والتواضع للإِخوان والانبساط معهم ودفع الحشمة بينهم من غير استهتار أو إخلال بمروءة أو نحوه استنقاص بأَحد منهم، فقد قيل للخليل بن أحمد إنك تمازح الناس فقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا.
وفي الاقتداء بمن ذكر والاقتفاء بآثارهم أعظم بركة، وفي الخروج عن ذلك الحد أشد عنآء وأبلغ هلكة، وخير الأمور أوساطها.
(19) الغضب:
يجب على المسلم أن يتخلى عن الغضب لأن الغضب يجعل الإنسان مفلوت الزمام مما يقوده إلى عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، والإنسان إذا كان غضبه يقوده لعب به الشيطان كما يلعب الصبيان بالكرة، وترك الغضب وصية النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن رجلاً قال للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوصني.
قال لا تغضب.
فردد مراراً قال: لا تغضب.
(حديث أبي الدرداء في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا تغضب ولك الجنة.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس الشديد بالصُرعة و إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
(حديث معاذ ابن أنس في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء.
﴿تنبيه﴾: (أن كظم الغيظ يمكن اكتسابه بترويض النفس فلا ينبغي للإنسان أن يستوطئ العجز ولا أن يقول أنني جُبلت على ذلك فإنه من يتحرى الخير يُعطه ومن يتق الشر يُوَقَّه بنص السنة الصحيحة.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
مسألة: ما هي كيفية علاج الغضب؟
هناك عدة أدوية نافعةٌ بإذن الله تعالى لعلاج الغضب منها:
[^fn1973] الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة: الأعراف - الآية: 200]
(حديث سليمان بن صرد في الصحيحين) قال: استب رجلان عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبَّاً قد احمر وجهه فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
(2) تغيير الحالة التي كان عليها الغضبان:
(حديث أبي ذرٍ في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا غضب أحدكم و هو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب و إلا فليضطجع.
(3) استحضار ما ورد في ثواب كظم الغيظ:
(حديث معاذ بن أنس الجُهَنِّي في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء.
(أخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي المتوكل أن أبا هريرة رضي الله عنه كانت له زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها السوط يوماً فقال: لولا القصاص لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت لله.
(4) أن يسكت:
(حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا غضب أحدكم فليسكت.
(5) أن يُروِّض نفسه على الحلم والأناة وكظم الغيظ فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتقِ الشر يُوَقَّه.
مسألة: كيف يكتسب الإنسان فضيلة كظم الغيظ حتى تصير من صفات؟
يكتسب الإنسان ذلك بشيئين:
(أحدهما: ترويض النفس على الخير، فإن النفس إذا روضتها على الخير اكتسبت هذا الخلق وصار من صفاتها فإنه من يتحر الخير يعطه بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يوقه.
(ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه
(والثاني الصدق: فإن الله تعالى إذا اطَّلع على قلبك ورأى منك الصدق أوصلك إلى ما تصبو إليه.
(حديث شداد بن الهادي في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن تصدق الله يصدقك.
﴿تنبيه﴾: (يستحب الغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى لأن ذلك من تعظيم حرمات الله تعالى:
قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ) [سورة: الحج - الآية: 30]
والغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى من هَدْي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.