فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 592-631

كتاب الرقائق

صفحات 592-631
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

عن جُوَيْرِيَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أنْ أضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: " مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ " (رواه مسلم والنسائي والترمذي 1 نقل الإمام السيوطي في شرحه لسنن النسائي على الحديث عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام فِي فَتَاوَاهُ قال: قَدْ يَكُون بَعْض الأذْكَار أفْضَل مِنْ بَعْض لِعُمُومِهَا وَشُمُولهَا وَاشْتِمَالهَا عَلَى جَمِيع الأوْصَاف السَّلْبِيَّة وَالذَّاتِيَّة وَالْفِعْلِيَّة فَيَكُون الْقَلِيل مِنْ هَذَا النَّوْع أَفْضَل مِنْ الْكَثِير مِنْ غَيْره 2 وقال في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

والحديث دَلِيلٌ على فَضْلِ هذِه الكلِمات وأنَّ قَائِلَهَا يُدْرِكُ فَضِيلَةَ تَكْرَارِ الْقَوْلِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُور، ِ وَلا يُتَّجَهُ أنَّ يُقَالَ إنَّ مَشَقَّةَ مَنْ قال هكذا أخَفُّ مِنْ مَشَقَّةِ مَنْ كَرَّرَ لَفْظَ الذِّكْرِ حَتَّى يَبْلُغَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ العَدَدِ فَإِنَّ هَذَا بَابٌ مَنَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِبَادِ اللَّهِ وَأرْشَدَهُمْ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ تَخْفِيفًا لَهُمْ وَتَكْثِيرًا لأجُورِهِمْ مِنْ دُونِ تَعَبٍ ولا نَصَبٍ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ 1 فالإتباع في قليل من ألفاظ الذِّكْرِ والدُّعَاءِ أثْوَبُ عند الله تعالى من الكثير من الأدعية والأذْكَارِ المُخْتَرَعَةِ، والإتِّباَعُ في الذِّكْرِ والدُّعَاءِ وإن كان أيْسَرُ وأخَفُّ إلا أنه أفْضَلُ في الأجْرِ والثَّوابِ كما في الحديث أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ألاَّ أخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أو أفْضَلُ " 2، أي أيْسَرُ في الذِّكْرِ وأفْضَلُ في الأجْرِ، وأيضاُ هو أدْعَىَ للإجَابَةِ وأقْرَبُ لِلْقَبُول 0 ﴿تنبيه﴾: (اَلْدُّعَاءُ بِاَلْمَأثُورِ أفْضَلُ: لا خلاف بين العلماء في جواز أن يدعوا الإنسان في بعض أحيانه بما ألَمَّ به من تقلبات الدَّهْرِ وحوائج الدنيا دون التقييد بالمأثور، إنما النَّهْيُ عن أن يَهْجُرَ المأثور إلى أدْعِيَةٍ أخرى يَجْعَلْهَا دَيْدَنَهُ وشِعَارَهُ، واَلْدُّعَاءُ بِاَلْمَأثُورِ أفْضَلُ لسببين جوهريين هما:

أفضل الدعاء وأعظم الدعاء هو ما كان يدعو به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أولاً: لأنه الأعلم بربه جل وعلا والأتقى لله والأخشى لله كما صح عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي، يسألون عن عبادة النبي، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أتي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
والثاني: أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أوتي جوامع الكلم، جوامع الكلم يعني كلمات وجيزة لكن فيها كل الخير كل ما تحتاجه تجده في دعاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي).
فالإنسان إذا أراد الأفضل وأراد الأتقى وأراد الأخشى وإذا أراد الاتباع وإذا أراد السنة وهذا كله مطلوب للإمام أن يتبعه فإنه يهتم بما جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أدعية.
(وإليك أقوال علماء الدين وأئمة المسلمين في هذا: قال الإمام المناوي في فيض القدير: ويُسَنُّ لهم الدعاء له بحضرته وفي غَيْبَتِهِ (يعني المسافر) بالمأثور وبغيره، والمأثور أفْضَل 1 سئل الإمام مالك عن الداعي يقول: يا سيدي فقال: ((يعجبني دعاء الأنبياء: ربنا ربنا)) [نزهة الفضلاء 621]. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في الدعاء: الوَارِدُ هو الذي يَنْبَغِي، والدُّعَاءُ بغيرها جائز، إلا أنه لا يَجُوزُ الاِعْتِدَاءُ، أما الذي ليس فيه اِعْتِدَاءٌ فَبَابُ اَلْرَّبِّ مفتوح لعباده يسألونه حوائجهم، إلا أنه ينبغي أن تكون له رَغْبَةٌ لِصَلاَحِ القَلْبِ والنِّيَّةِ والدُّعَاءِ لِنَصْرَةِ المسلمين وأئمة الدِّيِنِ 2

وقال الشيخ عبد الله ابن باز: والاعْتِنَاء بالدُّعَاءِ المأثور أفضل، لكن الحاجات الأخرى التي تَعْرِضُ له يَدْعُو فيها بما يُنَاسِبُهَا 1. وقال الشيخ محمد ابن عثيمين وقد سُئِلَ هل تجوز الزيادة على ما عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للحسن بن علي رضي الله عنهما أوْ لاَ تَجُوزُ؟ فأجاب فضيلته: إن الزيادة على ذلك لا بأس بِهَا لأنه إذا ثَبَتَ أن هذا موضع دُعَاءٍ ولم يُحَدَدُ هذا الدُّعَاء بِحَدٍ يُنْهَى عَنْ الزِيَادَةِ عنه، فالأصل أن الإنسان يَدْعُوا بما شَاءَ، ولكن المحافظة على ما ورد هو الأوْلَى فَنُقَدُمَ الوارد، وإن شئنا أن نَزَيِدَ فلا حَرَج 2 وجاء في الموسوعة الفقهية: ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز كل دُعَاءٍ دُنْيَوِيٍ وأخْرَوِيٍ، ولكن الدُّعَاءُ بالمأثور أفْضَلُ من غيره 3 ﴿تنبيه﴾: (اَلْدُّعَاءُ اَلْنَّبَوِيِّ اَلْشَرِيِفِ يُغَطِي كَافَةِ تَقَلُّبَاتِكَ اَلْنَّفْسِيَة وأحْوَالَكَ وَظُروفِكَ المَعِيشِيَّةِ: المتأمل في دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي عَلَّمَهُ لأمَّتِهِ يَجِدُ أنَّهُ يُغَطِي كَافَةِ التَّقَلُّبَاتِ النَّفْسِيَةِ وتغيرات الأحوال التي تَعْتَرِي كل مسلم، وقد قَدَّمْناَ مَقُولَة الشيخ علي الحذيفي: لِيَحْرِِصَِ المُسْلِمُ على حِِْفظِ دُعَاءِِ رسول الله بِقَدَرِ اِسْتِطَاعَتِهِ، فقد شَرَع عليه الصلاة والسلام لِكُلِّ حَالٍٍ دُعَاءً وذِكْراً 4 (فَجَاهِد نفسك وأرْغِمِ الشَّيْطَان واحفظ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

قال ابن أبي جَمْرَةَ مُعَلِّقاً على حديث عن جابر رضي الله عنه: كان النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ في الأمور كُلِّهَا كالسَّوُرَةِ من القرآن، قال: ِالتَّشْبِيه 1 فِي تَحَفُّظ حُرُوفه وَتَرَتُّب كَلِمَاته وَمَنْع الزِّيَادَة وَالنَّقْص مِنْهُ وَالدَّرْس لَهُ 2 وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ جِهَة الاهْتِمَام بِهِ وَالتَّحَقُّق لِبَرَكَتِهِ، وَالاحْتِرَام لَهُ، وَيَحْتَمِل أنْ يَكُون مِنْ جِهَة كَوْن كُلّ مِنْهُمَا عَلِمَ بِالْوَحْيِ 3 ﴿تنبيه﴾: (اَلْدُّعَاءُ فِيِ اَلْسُّجُودِ أفْضَلُ مِنَ اَلْدُّعَاءِ حَالَ اَلْقِيَامِ فِيِ اَلْصَّلاَةِ: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء.
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا وإني نهيت أن اقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.
قال ابن تيمية في الفتاوى: والدُّعَاءُ في السُّجُودِ أفْضَلُ من غيره، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة (أورد الحديثين المذكورين)، ثم قال: وقد ثَبَتَ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءٌ في السُّجُودِ في عدة أحاديث، وفي غير حديث تُبَيِّنُ أن ذلك في صلاته بالليل، فعُلِمَ أن قوله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمُ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَهُمُ خَوْفاً وطَمَعًا﴾ وإن كان يتناول الدُّعَاءَ في جميع أحوال الصَّلاَةِ، فَاَلْسُّجُودُ له مَزِيَةٌ على غيره 4 وقال مُعَلِّقاً على حديث: " يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا " (رواه البخاري)، قال: أمِرُوا بالسُّجُودِ في عُرُصَاتِ القيامة دون غيره من أجزاء الصلاة، فَعُلِمَ أنه أفضل من غيره 5

وقال الإمام المنَّاوي في فيض القدير 1: للعبد حالتين في العبادة، حالة كونه ساجداً وحالة كونه مُتَلَبِّسًا بغير السُّجُودِ، فهو في حالة سُجُودِهِ أقْرَبُ إلى ربِّه... " فأكثروا الدُّعَاء " أي في السُّجُودِ لأنَّها حَالَةُ غَايَةِ التَّذَلُلِ، وإذا عَرَفَ العبد أن ربَّه هو اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ، اَلْمُتَكَبُّرُ اَلْجَبَارُ، فالسُّجُودُ لذلك مَظَنَّةُ الإجابة0 (فالسجود ووضع أشْرَفَ ما في الإنسان وهي جَبْهَتُهُ مَكَانَ الأقْدَامِ خُضُوعًا وتَذَلُّلاًً لله اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّار، يَرْتَقِي بالمسلم إلى مَرْتَبَةٍ رَفِيعَةٍ عَالِيَةٍ لا يَصِلُهَا إلاَّ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ 2،

وهذه المَرْتَبة سَبَباَ في أن تكون دَعْوَتُهُ مُسْتَجَابَةٌ0 وفي هذا رَدّاً بَلِيغاً على من أهْمَلَ دُعَاءَ السُّجُودِ، وفَضَّلَ عليه دُعَاءَ القيام، فَتَرَاهُ يختصر من وقت السُّجُودِ لصالح دُعَاءِ القيام، وهذا خلاف الأولى والأفضل والأكمل وهو إطالة السُّجُودِ وكثرة الدُّعَاءِ فيه 0 كما أن هناك أدعية مأثورة مخصوصة لا تُقَالُ إلا في موضع السُّجُودِ فَعَلَى الإمام أن يُمْهِلَ المُصَلِّينَ في سُجُودِهِمُ حتى يَدْعُوا بِهَا، ولا يَعْجَلَ فَيَجْرِمَهُم أجْرَهَا وبِرِكَتَهَا بِدَعْوَى أنَّهُ سَيَدْعُوا لهم في القُنُوتِ، فَلَيْسَ الدُّعَاءُ حَالَ القِيَامِ كالدُّعَاءِ حَالَ السُّجُودِ0 (طلب الإنسان الدعاءَ من غيره: طلب الإنسان الدعاءَ من غيره _ وإن كان جائزًا في الأصل _ فيه عدة محاذير منها: 1 - أن فيه نوع مسألة، فكونك تطلب الدعاء من غيرك، فيه نوع من الذلة والمسكنة له، فأنت ستلين له القول وتخضع له، وهذا نوع مسكنة، فلا ينبغي ذلك.
(2) أن ذلك مدعاة لترك الدعاء، والاعتماد على الآخرين، ومن اعتمد على غيره في الدعاء، فهذا يجعله يهمل دعاءه لنفسه، بل قد لا يبحث في أمور الدعاء المهمة، كأسباب الإجابة، وموانعها، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالدعاء، والمصيبة أنه قد ينسى كيفية الثناء على الله تعالى، وقد يترك الخشوع والانكسار حال دعائه، لأنه لم يعتد مثل هذا الأمر بل وكل فيه غيره، بل وقد يترك الدعاء بالكلية لأنه فقد حلاوته.
(3) الأصل في الدعاء أن يدعو الإنسان لنفسه، ولا يطلب من غيره أن يدعو له، لأنه أعلم بحقائق أموره من غيره، وهو أعلم الناس بما يريد من دعائه، وما يطلبه من ربه، فليس من المعقول أن يذهب لإنسان من الناس ويطلب منه أن يدعو له ويقول: أذكر في دعائك لي كذا وكذا، فالأصل أن يتضرع العبد لربه ويتعرض لنفحاته ويدعو لنفسه.
(4) أن طلب الدعاء من الغير، قد يدخل العُجب إلى من طُلب منه الدعاء، فيظن في نفسه أنه قد بلغ منزلة الأولياء، وأن دعاءه لا يُرد، فيهلك عند ذلك.

فعلى ما ذُكر من أسباب فالواجب على العبد أن يدعو بنفسه، ولا يشغل غيره، ولا يوقعه في الحرج والضيق، ولا يورده المهالك، ومتى ما خلصت النية لله تعالى حال الدعاء، وكان العبد صادقاً مع ربه موقناً بإجابته، فالله تعالى لن يرده خائباً، بإذنه سبحانه، فالله عز وجل قد أجاب أهل الشرك أثناء عند الاضطرار، بل وأجاب إبليس كما ذكرنا، أفلا يستجيب الله لعبده المسلم، قال تعالى: " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. (جاء رجل إلى مالك بن دينار رحمه الله، فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي، فأنا مضطر، قال: إذاً فاسأله، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وقال عبيد الله بن أبي صالح، دخل علي طاووس يعودني، فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن، فقال: ادع لنفسك، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
فعلى المسلم أن يجاهد ويجتهد في الدعاء فقمن أن يستجاب له، قال تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون "، وقال تعالى: " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ". ﴿تنبيه﴾: (لا ينبغي للعبد أن يدع الدعاء، أو أن يعتمد فيه على غيره؛ بحجة أنه مذنب، وأنه ليس أهلاً لأن يجاب دعاؤه.
بل عليه أن يكثر من دعاء ربه، وأن يحسن الظن به، وينظر إلى عظيم جوده ورحمته؛ فمهما كان متماديًا بالمعصية فإن رحمة الله تَسَعُهُ؛ فإذا كان جلَّ وعلا _ يجيب دعاء المشركين عند الاضطرار فإن إجابته للمؤمنين _ مع تقصيرهم _ من باب أولى.
1 (ولهذا جاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي؛ فأنا مضطر.
قال: إذًا فاسأله؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
2 وعن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل عليَّ طاووس يعودني، فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن.
فقال: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
3 وقال: فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب أولئك القوم المحاربين.
4

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينيرفع رأسه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد يدعو لرجالٍ فيسميهم بأسمائهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف وأخل المشرق يومئذٍ من مُضر مخالفون له.

(اَلْدُّعَاءُ اَلْمَأثُورِ مِنَ الكتاب والسنة:

أولاً: الدُّعَاءُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

(دعاء سيدنا آدم عليه السلام: قال تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف /23] فغفر الله لهما كما قال سبحانه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة /37] ثم أكرمه الله بالاصطفاء فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران /33] وخصه بالاجتباء فقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه /122] (دعاء سيدنا نوح عليه السلام: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ، وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات /76،75] وقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء /77،76] وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ، فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ 1. [القمر /14:9]

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلا يَلِدُواْ إِلاّ فَاجِرًا كَفَّارًا، رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاّ تَبَارًا﴾ [نوح /28:26] فائدة: قال العلماء: يُسْتَفَادُ من دُعَاءِ سيدنا نُوحٌ عليه السلام أن المسلم يَدْعُوا لنفسه أولاً، ثم المُتَصِلِينَ به من وَالِدٍ وَوَلَدٍ وِأرْحَامٍ وَأقْرِبَاءٍ لأنهم أوْلَى وَأحَقُ بِدْعَائِهِ، ثُمَّ يَعُمَّ المسلمين والمسلمات 0 قال ابن كثير في تفسيره على الآية الكريمة: وقوله تعالى ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دُعَاءٌ لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يَعُمُّ الأحْيَاءَ منهم والأمْوَات، ولهذا يُسْتَحَبُ مثل هذا الدُّعَاءِ إقْتِدَاءً بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ 0 وفي الآية الكريمة جَوَازُ الدُّعَاءِ على الظَّالِمِينَ اَلْمُعْتَدِينَ بِاَلْدَّمَارِ وَاَلْهَلاَكِ 0 (دُعَاءُ سَيِّدُنَا إبراهيم عَلَيْهِ اَلْسَّلاَمُ: قال الله تعالى عن دعائه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء /85:83] فاستجاب الله له فقال في طلبه الأول: ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء54] وقال في قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة /30] وقال في قوله: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات /111:108] (دُعَاءُ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ اَلْسَّلاَمُ:

قال الله عن دعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُواْ قَوْلِي، وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه /36:25] وقال الله تعالى عن موسى وهارون: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس /89،88] وقال تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص /17،16] (دعوة سيدنا يونس عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ 1 إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا 2 فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ 3 عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (87 ـ 88 ـ الأنبياء) قال ابن كثير ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذَا كَانُوا فِي الشَّدَائِد وَدَعَوْنَا مُنِيبِينَ إلَيْنَا ولا سِيَّمَا إذَا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاء فِي حَال الْبَلاء 0

وقال الطبري المعنى: كما أنْجَيْنَا يُونُس مِنْ كَرْب الْحَبْس فِي بَطْن الْحُوت فِي الْبَحْر إذْ دَعَانَا، كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كَرْبهمْ إِذَا اِسْتَغَاثُوا بِنَا وَدَعَوْنَا0 (حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة ذي النون إذ دعا بها و هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.
(وذو النون: هو نبي الله يونس _ عليه السلام _، (حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:" ألا أخْبِرُكُمُ بِشَيْءٍ إذَا نَزَلَ بِرَجُلِ مِنْكُمُ كَرْبٌ أو بَلاَءٌ مِنْ أمْرِ الدُّنْياَ دَعَا بِهِ فَفُرِّجَ عنه؟ دُعَاءُ ذِي النُّوُنِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ".
(والنون: الحوت.
فهذا سيدنا يونس عليه السلام ألقي في اليم فالتقمه الحوت وأسدل الليل البهيم ستاره المظلم عليه، فالتجأ إلى الله ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فأنجاه الله، حتى إذا خرج إلى شاطئ السلامة، تلقفته يد الرحمة الإلهية والعناية الربانية فأظلته تحت شجرة اليقطين.
قال تعالى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:87 - 88]. ﴿تنبيه﴾: (هذا الدعاء من أعظم أنواع الدعاء، لاشتماله على الآتي: أولاً: على توحيد الله (لا إله إلا أنت) وهو أعظم وسيلة إلى الله تعالى، وأعظم طاعة وأعظم وقربة.
ثم ثنى بالتنزيه (سبحانك) تنزيه الله عما لا يليق به عز وجل، فكل ما يفعل، وكل ما يقدر فله فيه الحكمة البالغة، فهو منزه عما لا يليق بجلاله وكماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعظيم شأنه.
ثم ثلث ببيان عجزه وضعفه وفقره وظلمه لنفسه، وهكذا كل عبد بالنسبة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينبغي له أن يكون كذلك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] (دُعَاءُ سَيِّدُنَا أيِّوُبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ:

قال تعالى: ﴿وَأيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنْتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء/83) قال القرطبي رحمه الله: قال العلماء: ولم يكن قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ جَزَعًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (ص/44) بَلْ كَانَ ذلك دُعَاءٌ منه، والجَزَعُ في الشَّكْوَى إلى الخَلْقِ، لا إلى الله تعالى، والدُّعَاءُ لا يُنَافِي الرِّضَا 0 وقال ابن القيم في الفوائد: جُمِعَ في هذا الدُّعَاء بين حقيقة التَّوْحِيدِ، وإظهار الفَقْرِ والفَاقَةِ إلى ربَّهِ، وَوَجُودِ طَعْمُ المَحَبَّةِ في التَّمَلُّقِ لَهُ سُبْحَانَه، والإقْرَارِ لَهُ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، وأنَّه أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، والتَّوْسُلُ إليه بصفاته سبحانه، وشِدَّةِ حَاجَتِهِ هُوَ وَفَقْرِهِ، وَمَتَى وَجَدَ اَلْمُبْتَلَى هذا كُشِفَتْ بَلْوَاهُ (دعاء سيدنا زكريا عليه السلام: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران /39،38] وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء /90،89] (دعاء سيدنا لوط عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (العنكبوت/30) (دعاء سيدنا سليمان عليه السلام: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي 1 أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأنْ أعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (النمل/19) (دعاء سيدنا يوسف عليه السلام: قال الله في قصة يعقوب مع أبنائه: ﴿وَجَآءُواْ عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف /18]

وقال الله تعالى عنهم: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف /64] وقال يعقوب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَآ أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَاْيْئَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَاْيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف /87:83] ثم استجاب الله دعاءه ورد عليه يوسف وأخيه قال الله: ﴿قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ، قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ، فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، قَالُواْ يَآ أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف /98:90]

قال الله تعالى عنه وعن النسوة: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف /34:32] ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا 1 وَألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف/101) قال الفَخْرُ الرَّازي: من أراد الدُّعَاءَ فلا بد أن يُقَدِّمَ عليه ذِكْرُ الثَّنَاءِ على الله تعالى، فَهَهُنَا يوسف عليه السلام لما أراد أن يَذْكُرَ الدُّعَاء قَدَّمَ عليه الثَّنَاء وهو قوله ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ثم ذَكَرَ عَقِبَهُ الدُّعَاء وهو قوله ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ 0 (دعاء سيدنا زكريا عليه السلام: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً 2 إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران/38) قال القرطبي: دَلَّتْ هذِهِ الآيَة على طَلَب الْوَلَد، وهي سُنَّة الْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ.. الْوَاجِب عَلَى الإنسان أنْ يَتَضَرَّع إلى خَالِقه في هِدَايَة وَلَده وَزَوْجه بِالتَّوْفِيقِ لَهُمَا وَالْهِدَايَة وَالصَّلاح وَالْعَفَاف وَالرِّعَايَة، وأنْ يَكُونَا مُعِينِينَ لَهُ عَلَى دِينه وَدُنْيَاهُ حَتَّى تَعْظُم مَنْفَعَته بِهِمَا فِي أولاهُ وَأخْرَاهُ 0 وعَنَّوَنَ الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الدَّعَوَاتِ فقال: باب الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ الوَلَدِ مع البَّرَكَةِ0

(حديث أنَسٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: قَالَتْ أمِّي يَارَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ أنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ قال: " اللَّهُمَّ أكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أعْطَيْتَهُ"0 ﴿تنبيه﴾: (يجب الدُّعاء بالكثرة مع البَرَكَة، ذلك أن الكثرة دون بَرَكَةٍ لا فائدة منها0 (من دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنَّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الممتحنة /5) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لاَ تُسَلِّطهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا 1 ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم/40، 41) (دعاء محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه:

قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ، بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران /174،173] (دعاء المؤمنين من قوم موسى عليه السلام: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (يونس /85، 86) (دعاء عِباَدُ الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان/74) ومعنى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أي قُدْوَةً يُقْتَدَى بِنَا في 0 [الفرقان /74] (دعاء أصحاب الكهف: ﴿إذْ أوَى الْفِتْيَةُ إلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف/10) (دعاء المجاهدين في سبيل الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أمْرِنَا وَثَبِّتْ أقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران/147) نقل الفخر الرازي في تفسيره عن القاضي عياض قال: يَجْبُ تقديم التَّوْبَةِ والاِسْتِغْفَارِ على طَلَبِ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ تعالى أنَّهم بَدَأو بالتَّوْبَةِ عن كل المعاصي، ثم سألوا ربَّهُمُ أن يُثَبِتَ أقدامهم، ثم سألوا بعد ذلك أن يَنْصُرَهُم على القوم الكافرين، ثم قال: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطَّلَبِ بالأدعية عند النَّوَائِبِ واَلْمِحَنِ سواء كان في الجهاد وغيره 1 (الدعاء للمؤمنين بالمغفرة وللنفس بسلامة الصدر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر/10) (حديث عبادة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ حسنة.

ثانياً: الدعاء من السنة الصحيحة:

(أكثر دعاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حديث أنَسٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان أكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "0 نقل المنَّاوي في فَيْضِ القَدِيرِ عن الطِيِبِي أنه قال: إنَّمَا كان يُكْثُرْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا الدُّعَاء لأنه من الجَوَامِعِ التي تَحُوزُ جميع الخَيْرَاتِ الدُّنيوية والأخْرَوِيَةِ 2 ونقل ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى:

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة /201) عن أبي طالوت 1 قال: كنت عند أنَس بْن مالك فقال لَهُ ثابت إنَّ إخْوَانك يُحِبُّونَ أنْ تَدْعُو لَهُمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار، وَتَحَدَّثُوا سَاعَة حَتَّى إذَا أرَادُوا الْقِيَام قال أبَا حَمْزَة: إنَّ إخْوَانك يُرِيدُونَ الْقِيَام فَادْعُ اللَّه لَهُمْ، فقال: أتُرِيدُونَ أنْ أشْقُقَ لَكُمْ الأمُور إذَا آتَاكُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَوَقَاكُمْ عَذَاب النَّار فَقَدْ آتَاكُمْ الْخَيْر كُلّه 2 (حديث شَهْرُ بن حَوْشَبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: قُلْتُ لأمِّ سَلَمَةَ: يَا أمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ أكْثَرُ دُعَائِهِ " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " قالت: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قال: " يَا أمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ أصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ أقَامَ وَمَنْ شَاءَ أزَاغَ، فَتَلا مُعَاذٌ (3) ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران/8) (حديث أنَسٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أنْ يقول: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ "0 (دعاء القنوت في الوتر: (حديث الحسن بن علي في صحيح السنن الأربعة) قال علمني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلمات أقولهن في الوتر ﴿اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت﴾ (سؤال العمل النافع:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ " 0 (الاستعاذة من المنكرات: (حديث عن قطبة بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء 0 (الاستعاذة من الأمراض والأسقام: (حديث أنس في صحيح أبي داوود) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئِ الأسقام.
(دعاء لإذهاب الهم: (حديث ابن مسعود في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما أصاب عبداً همٌ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِ اسمٌ هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدٌ من خلقك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبي ونورَ بصري وجلاء حزني وذهاب همِّي إلا أذهب الله همَّه وأبدله مكانه فرجاً.
(دعوات المكروب: (حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.
(حديث ابن عباس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كربه أمر قال يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.

قال المناوي رحمه الله تعالى: في تأثير هذا الدعاء في دفع هذا الهم والغم مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها وصفة القيمومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا قيل إن اسمه الأعظم هو الحي القيوم والحياة التامة تضاد جميع الآلام والأجسام الجسمانية والروحانية، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ونقصان الحياة يضر بالأفعال وينافي القيمومية فكمال القيمومية بكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا يفوته صفة كمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة فالتوصل بصفة الحياة والقيمومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة وتغير الأفعال فاستبان أن لاسم الحي القيوم تأثيراً خاصاً في كشف الكرب وإجابة الرب.
اهـ. (نسألك الهدى والتقى: (حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
(ادخر هذه الكلمات فهي خير لك من الذهب والفضة: (حديث شداد بن أوس الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له:" يا شداد بن أوس إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة؛ فأكثر هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسْألُكَ الثَّباتَ في الأمْرِ، والعَزِيمَةَ على الرُّشْدِ، وأسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وأسْألُكَ شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وأسْألُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، ولِسَانًا صَادِقًا، وأسْألُكَ مِنْ خَيْرِ ما تَعْلَم، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَم، وأسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَم؛ إنَّكَ أنْتَ عَلاَمُ الغُيُوبِ " (سؤال المغفرة والبركة: (حديث أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ رَجُلاً قَالَ يَارَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ دُعَاءَكَ اللَّيْلَةَ فَكَانَ الَّذِي وَصَلَ إِلَيَّ مِنْهُ أنَّكَ تَقُولُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي " قال: " فَهَلْ تَرَاهُنَّ تَرَكْنَ شَيْئًا "0 ومعنى " فَهَلْ تَرَاهُنَّ تَرَكْنَ شَيْئًا " أي: من خَيْرَيِ الدُّنيا والآخِرَة0 (الاستعاذة من العجز والكسل: (حديث أنس في الصحيحين) قال كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و العجز و الكسل و الجبن و البخل و ضلع الدين و غلبة الرجال.

قال في فتح الباري: الْفَرْق بَيْن الْعَجْز وَالْكَسَل أنَّ الْكَسَل تَرْك الشَّيْء مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الأخْذ فِي عَمَله، وَالْعَجْز عَدَم الْقُدْرَة 1 (الاستعاذة من سخط الله تعالى: (حديث ابن عمر في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوِّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك.
والفُجَاءَةُ: أي الْبَغْتَةُ0 (اجعل ثأرنا على من ظلمنا: (حديث ابن عمر في صحيح الترمذي) قال قلما كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقوم من مجلسٍ حتى يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا و بين معاصيك و من طاعتك ما تبلغنا به جنتك و من اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصيبات الدنيا و متعنا بأسماعنا و أبصارنا و قوتنا ما أحييتنا و اجعله الوارث منا و اجعل ثأرنا على من ظلمنا و انصرنا على من عادانا و لا تجعل مصيبتنا في ديننا و لا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا و لا تسلط علينا من لا يرحمنا.
(الاستعاذة من الجوع والخيانة: (حديث هريرة في صحيحي أبي د اود والنسائي) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة.
(طلب المغفرة والرحمة والهداية والرزق: (حديث عن أبي مَالِكٍ الأشْجَعِيُّ عن أبِيهِ الثابت في صحيح مسلم) قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ مَنْ أسْلَمَ يَقُولُ:" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي"0 (الجوامع من الدعاء: (حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) أن رسول الله علمها هذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيك و أعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك و نبيك اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا.

(حديث عمار ابن ياسر في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو بهذا الدعاء اللهم بعلمك الغيب و قدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي و توفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم و أسألك خشيتك في الغيب و الشهادة و أسألك كلمة الحق في الرضا و الغضب و أسألك القصد في الفقر و الغنى و أسألك نعيما لا ينفد و قرة عين لا تنقطع و أسألك الرضا بالقضاء و أسألك برد العيش بعد الموت و أسألك لذة النظر إلى وجهك و الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة و لا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني وزدني علماَ.
(الاستعاذة من الفقر والقِلَة: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:" اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أظْلِمَ أوْ أُظْلَمَ "0 قال العلماء: المقصود بالفقر أي فَقْرُ النَّفْسِ الذي يُقَابِلُ غِنَى النَّفْسِ وهو: القَنَاعَة، والقِلَةُ أي: في أبواب البِّرِّ وخِصَالِ الخَيْرِ 0 (الاستعاذة من التَّخَبُطِ عند الموت: (حديث هريرة في صحيحي أبي د اود والنسائي) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة.
" وَأعُوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ " فَسَّرَهُ الْخَطَّابِيّ بِأنْ يُسْتَوْلَى عَلَيْهِ عِنْد مُفَارَقَة الدُّنيا فَيُضِلّهُ ويَحْولُ بَيْنه وَبَيْن التَّوْبَة أوْ يُعَوِّقهُ عن إصلاح شأنه والخروج من مَظْلِمَة تَكُون قَبْله أوْ يُؤَيِّسهُ من رَحْمَة اللَّه أوْ يُكَرِّه لَهُ الْمَوْت وَيُؤْسِفهُ على حَيَاة الدُّنيا فلا يَرْضَى بِمَا قَضَاهُ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْفَنَاء وَالنَّقْلَة إِلَى دَار الآخِرَة فَيُخِْتَمُ لَهُ وَيَلْقَى اللَّه وَهُوَ سَاخِط عَلَيْهِ 1 (الدُّعاءُ بِتَزْكِيَّةِ النَّفْسِ:

(حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها.
(الدُّعَاءُ بِاَلْعَافِيَةِ: (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعمه: أكْثِرْ اَلْدُّعَاءَ بِاَلْعَافِيَةِ " 0 (حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال لم يكن رسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح {... اللهم إني أسألك العفو و العافية الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي و أهلي و مالي، اللهم استر عوراتي و آمن روعاتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي.
(الاستعاذة من أربع مهلكات: (حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها.
(الاستعاذة بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ: (حديث فَرْوَةَ بن نَوْفَلٍ الأشْجَعِيِّ الثابت في صحيح مسلم) قال سَألْتُ عَائِشَةَ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِ اللَّهَ، قالت كان يقول: " اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أعْمَلْ "0 (سؤال ستر العورة وتأمين الروعة: (حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال لم يكن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أسألك العفو و العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو و العافية في ديني و دنياي و أهلي و مالي، اللهم استر عورتي و آمن روعتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي.
(الاستعاذة من الضلال:

(حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ أنْ تُضِلَّنِي، أنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإنْسُ يَمُوتُونَ " 0 (اسم الله الأعظم: (حديث أنس في صحيح السنن الأربعة) قال سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
(حديث بريدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي: (حديث أبِي موسى الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أمْرِي وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "0 (التعوذ من جهد البلاء: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتعوذ من جَهْدِ البلاء ودَرَكِ الشقاءِ وسوءِ القضاءِ وشماتةِ الأعداء.
والجَهْد أي: الضَّيِقِ والمَشَّقَةِ، ودَرَكِ الشَّقَاءِ أي: الوُقُوعُ في المَصَائِبِ والمُهْلِكَاتِ0 (الاستعاذة من جار السوء:

(حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ"0 (دعاء يُفرَّج همَّ الدَّيْن: (حديث علي في صحيح الترمذي) «أنَّ مُكَاتَبًا 1 جَاءَهُ فقال: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأعِنِّي، قال ألا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كان عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ 2 دَيْنًا أدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ قال: قُلْ: " اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عن حَرَامِكَ وَأغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ " 0 قال العلماء: طلب المُكَاتِبُ المَالَ، فَعَلَّمَهُ الدُّعَاء إمَّا لأنه لم يَكُنْ عنده من المَالِ لِيُعِينَهُ فَرَدَّه أحْسَنَ رَدٍّ عملا بقوله تعالى ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ﴾ أو أرْشَدَهُ إلى أنَّ الأوْلَىَ والأصْلَحَ له أن يَسْتَعيِنَ بالله لأدَائِهَا ولا يَتَكِلَ على اَلْغَيْرِ 3 (الاستعاذة من ضلع الدَّيْن وغلبة الرجال: (حديث أنس في الصحيحين) قال كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و العجز و الكسل و الجبن و البخل و ضلع الدين و غلبة الرجال.
(استغاثة الزمها وأكثر منها: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " ألِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَام "0 " أَلِظُّوا " أي: الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها0 (اللهم احفطني بالإسلام: (حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو: " اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تُشَمِت بي عدواً حاسداً، اللهم إني أسألك مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وأعُوُذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرِّ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ " (سؤال صلاح الدين والدنيا:

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي و أصلح لي آخرتي التي فيها معادي و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير و اجعل الموت راحة لي من كل شر.
(الدعاء عَلَى اَلْكَافِرِينَ وَاَلْمُنَافِقِينَ: قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة/10) قال القرطبي في تفسيره على الآية الكريمة: قوله تعالى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قيل: هو دُعَاء عليهم، ويكون معنى الكلام: زَادَهُمْ اللَّه شَكًّا وَنِفَاقًا جَزَاء على كُفْرهمْ وَضَعْفًا عَنْ الانْتِصَار وَعَجْزًا عَنْ الْقُدْرَة، وعلى هذا يكون فِي الآيَة دَلِيل على جَوَاز الدُّعَاء على الْمُنَافِقِينَ وَالطَّرْد لَهُمْ، لأنَّهُمْ شَرّ خَلْق اللَّه0أ0هـ0 وكان معاذ بن الحارث الأنصاري إذا انتصف رمضان لَعَنَ الكَفَرَةَ 1 وقال الأعرج: ما أدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ0 (رواه مالك في الموطأ) قال في المنتقى شرح الموطأ: قوله: (ما أدْرَكْت النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ) يُرِيدُ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أنَّهُمْ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي رَمَضَانَ بِلَعْنِ الْكَفَرَةِ، وَمَحَلُّ قُنُوتِهِمْ الْوِتْرُ 0 وقال الحافظ ابْنُ عَبْدِ البَّرِّ في شرحه لحديث الأعرج: فيه إبَاحَةُ لَعْنُ الكَفَرَةِ، كانت لهم ذِمَّةٌ أوْلَمْ تَكُنْ، وليس ذلك بِوَاجِبٍ، ولكنه مُبَاحٌ لِمَنْ فَعَلَهُ غَضًَبا لله في جَحْدِهِمُ الحَقَّ وعَدَاوَتِهِم لِلْدِّيِنِ وأهله 2 وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (المائدة /78) قال القرطبي في تفسيره على الآية الكريمة: فيه مسألة واحدة وهي: جَوَاز لَعْن الْكَافِرِينَ 0 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

الدُّعَاءُ على جِنْسِ الظَّالِمِينَ الكُفَّار مَشْرُوعٌ مَأمُورٌ بِهِ، وشُرِعَ القُنُوتُ والدُّعَاءُ للمؤمنين، والدُّعَاءُ على الكَافِرِين 1 قال ابن العربي: دَعَا نُوحٌ على الكافرين أجمعين، ودَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من تَحَزَّبَ على المؤمنين وألَّبَ عليهم، وكان هذا أصلا في الدُّعَاءِ على الكافرين في الجملة، فأمَّا كافر مُعَيَّنٌ لَمْ تُعْلَمُ خَاتِمَتُهُ فلا يُدْعَى عليه؛ لأنَّ مَآلُهُ عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسَّعادة، وإنما خَصَّ الَّنِبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالدُّعَاءِ عُتَّبَةٌ وشَيَّبَةٌ وأصْحَابِهِمَا 2 لِعِلْمِهِ بِمَآلِهِم وما كُشِفَ له من الغِطَاءِ عن حَالِهِم، والله أعلم 3 (أفضل الدعاء الحمد لله: (حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ " قال القرطبي في تفسيره: يُستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنَّة ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله ربِّ العالمين﴾ (يونس/ 10) (الدعاء على الظالمين:

الظلم داء خطير وشرُّه مستطير، يعصف بالظالم قبل المظلوم، وينذر بالخراب المحتوم، ومن بشاعة الظلم أن الجبار -جل جلاله- حرّمه على نفسه كما في الحديث الآتي: (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة.

(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
فالظلم من كبائر الذنوب، ومن أشنع المحرمات وأبشعها، ما أحله دين من الأديان، ولم تقره شريعة من الشرائع، ولم يبحه عرف من الأعراف؛ لأن عاقبته وخيمة في الدنيا قبل الآخرة، فالظلم سبب لنزول النقم، وسلب النعم، ومدعاة للمحق والبغض من الرب جل جلاله.
ولخطورة هذا الشر المستطير، وشناعة آثاره، وبشاعة نتائجه، وخبث ثماره، لم يمهل الرب -جل وعلا- فاعله إلى الدار الآخرة ليذيقه الهوان العظيم، والعذاب الأليم، والنكال المبين، بل يعجل له العقوبة والعذاب في الدنيا، ويريه شر ما جنت يداه ليشفي صدور قوم مظلومين مقهورين، فوضوا الأمر إلى رب العالمين.
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي و العقوق.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشافعي قال: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد.
فالظالم خاسر مغبون؛ لأن الله هو الذي يقتص منه، فمهما أوتي الظالم من قوة وجبروت، فهذا كله لا يمنعه من عقاب الله جل وعلا

قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ) [إبراهيم:42، 43] وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة على تحريم الظلم والتحذير منه والنهي عنه، وبيان عواقبه الوخيمة، فمن ذلك ما يلي: قال تعالى: (وَالظّالِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ) [الشورى: 8] قال تعالى: (مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: 18] قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) [النساء: 10] (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة.
(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار.
(حديث ابن عمر في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
(أضرار الظلم وعواقبه: 1 - الظلم ظلمات يوم القيامة: (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة.
قال القاضي عياض: "قيل: ظاهره أنه ظلمات على صاحبه حتى لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم.
وقد تكون الظلمات هنا الشدائد، وقد تكون الظلمات ها هنا عبارة عن الاتكال بالعقوبات عليه، وقابل بهذه اللفظة قوله: ((الظلم)) لمجانسة الكلام".
وقال ابن الجوزي: "وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب، لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئاً".
2 - الظلم سبب هلاك الأمم: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ﴾ [يونس:13].
قال ابن سعدي: "يخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية بظلمهم وكفرهم، بعدما جاءتهم البينات على أيدي الرسل تبين الحق فلم ينقادوا لها ولم يؤمنوا، فأحل بهم عقابه الذي لا يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله، وهذه سننه في جميع الأمم".
3 - قبول دعوة المظلوم على الظالم:

(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده.
قال ابن عثيمين: "فيه دليل على أن دعوة المظلوم مستجابة لقوله: ((فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).
وفيه دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم، لأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بذلك".
4 - اللعن للظالمين: قال تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:18].
قال ميمون بن مهران: إن الرجل يقرأ القرآن وهو يلعن نفسه، قيل له: وكيف يلعن نفسه؟! قال: يقول: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وهو ظالم.
5 - إملاء الله للظالم حتى يأخذه: (حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:102]. قال القرطبي رحمه الله: "يملي: يطيل في مدّته، ويصحّ بدنه، ويكثر ماله وولده ليكثر ظلمُه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾ [آل عمران:128]، وهذا كما فعل الله بالظلمة من الأمم السالفة والقرون الخالية، حتى إذا عمّ ظلمهم وتكامل جرمهم أخذهم الله أخذة رابية، فلا ترى لهم من باقية، وذلك سنة الله في كلّ جبار عنيد".
6 - حال الظالمين في الآخرة: قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم:42، 43]. قال ابن كثير:

"يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا تسحبنه إذا أنظرهم وأجّلهم أنه غافلٌ عنهم مهمِل لهم لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصِي ذلك عليهم ويعدّه عليهم عداً، ﴿إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ أي: من شدّة الأهوال يوم القيامة.
ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر فقال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين، ﴿مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤوسهم، ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحلّ بهم، عياذاً بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف".
7 - حرمان الفلاح: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:21].
قال ابن سعدي: "فكلّ ظالم وإن تمتّع في الدنيا بما تمتّع به فنهايته فيه الاضمحلال والتلف".
8 - حرمان الهداية والتوفيق: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:50].
وطلب هداية التوفيق من الأدعية التي أوجبها الله علينا في أعظم مقام نقف فيه بين يدي الله عز وجل، وهو في الصلاة، حيث نقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
فالظلم ـ أعاذنا الله منه ـ يكون سبباً لحرمان هداية التوفيق، وهذا يستلزم البعد عن مقامات الظلم حتى يستجيب الله دعاءنا في صلاتنا.
9 - حرمان حبّ الله تعالى: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:40].
قال ابن سعدي: "أي: الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم".
10 - حلول المصائب في الدنيا والعذاب في القبر: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:47].
قال ابن سعدي: "لما ذكر الله عذاب الظالمين في القيامة أخبر أن لهم عذاباً دون عذاب يوم القيامة، وذلك شامل لعذاب الدنيا بالقتل والسبي والإخراج من الديار، ولعذاب البرزخ والقبر".
11 - العذاب الأليم:

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى:42].
قال ابن سعدي: "أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾، وهذا شامل للظلم والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم".
12 - خذلان الظالم عند الله تعالى: قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:18].
قال ابن عثيمين: "أي: أنه يوم القيامة لا يجد الظالم حميماً، أي: صديقاً ينجيه من عذاب الله، ولا يجد شفيعاً يشفع له فيطاع، لأنه منبوذ بظلمه وغشمه وعدوانه".
وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة:270]. قال ابن عثيمين: "يعني: لا يجدون أنصاراً ينصرونهم ويخرجونهم من عذاب الله سبحانه".
مسألة: هل دعاء المظلوم على الظالم مكروها؟ الجواب: دُعاء المظلوم على مَن ظَلَمه ليس مكروها، إلا أن يتعدّى المظلوم في دُعائه، كأن يدعو بأكثر مما ظُلِم، أو أن يَدعو بإثم أو بِقطيعة رَحِم.
وقد أذِن الله للمظلوم أن يدعو على مَن ظَلَمَه.
قال تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ ([النساء /148] قال ابن عباس في الآية: يقول: لا يُحِبّ الله أن يَدعو أحَد على أحَد إلاَّ أن يكون مَظلوما، فإنه قد أرْخص له أن يَدعو على مَن ظَلَمه، وذلك قوله: (إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ)، وإن صَبَر فَهو خَيْر له.
وقال أيضا: لا بأس لمن ظُلم أن ينتصر ممن ظَلمه بمثل ظُلْمِه.
وقال تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) [الشورى /41] ثم قال تبارك وتعالى بعد ذلك: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).
قال الحسن البصري: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعِنِّي عليه، اللهم اسْتَخْرِج حَقّي منه.
وقيل: إن شُتِم جاز أن يَشْتِم بمثله لا يَزيد عليه.
نَقَله البغوي.
وقال ابن كثير في قوله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ما نصه: أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظَلَمهم.
اهـ.

فيجوز للمظلوم أن يَدعو على مَن ظَلَمه بِقَدْر مَظْلَمَتِه، وإن صَبر فهو أفضل له، لأن أجْر ذلك يُدَّخَر له يوم القيامة.
وأفضل مِنه أن يصبر ويَغفر، فيَعظُم أجره.
والله تعالى أعلم.
فينبغي للمظلوم أن يفوض أمره إلى الله ويقول: "وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد"، ويكثر من قوله: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وعليه أن يكثر من الدعاء على من ظلمه ويبشر بالخير؛ فقد أخذ الجبار -جل جلاله- بإجابة دعوة المظلوم؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" متفق عليه.
على المظلوم أن يستعين على الظالم بسهام الليل، فما هي سهام الليل؟ إنها الدعاء.. وقف أحد الرعية أمام أحد الطغاة، وقد أوقع عليه ظلماً شديداً، فقال الرجل للطاغية لاستعين عليك بسهام الليل! قال الطاغية: ما سهام الليل؟ قال الرجل: الدعاء.
فيا أيها المظلوم أبشر بنصر الله لك في الدنيا قبل الآخرة.
إن المتأمل في أحوال الناس اليوم يجد الكثير من الناس لا يتوقّى الظُّلم ولا دعوة المظلوم ويتناسى أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
وأن الله يرفعها فوق الغمام، ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين فـ لله كم هلك بسببها من هالك وكم شقي بسببها من سعيد وكم افتقر بسببها من غني وكم زال بسببها من مُلك (إنها دعوات المظلومين، فدعوة المظلوم قد تصيبك في نفسك، دعوة المظلوم قد تصيبك في مالك، دعوة المظلوم قد تصيبك في ولدك، دعوة المظلوم تقلب صحتك سقمًا, دعوة المظلوم تقلب سعادتك شقاء، دعوة المظلوم تجعلك بعد العز والغنى ذليلاً حقيرًا فقيرًا.
(قيل لما حبس خالد بن برمك و ولده قال: يا أبتي بعد العز صرنا في القيد و الحبس فقال: يا بني دعوة المظلوم سرت بليل غفلنا عنها و لم يغفل الله عنها و كان يزيد بن حكيم يقول: ما هبت أحدا قط هيبتي رجلا ظلمته و أنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله يقول لي: حسبي الله: الله بيني و بينك.
ولله درُّ من قال: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا... فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ... يدعو عليك وعين الله لم تنم

و حبس الرشيد أبا العتاهية الشاعر فكتب إليه من السجن هذين البيتين شعرا: أما و الله إن الظلم شؤم... و ما زال المسيء هو المظلوم ستعلم يا ظلوم إذا التقينا... غدا عند المليك من الملوم

ولله درُّ من قال: توق دعا المظلوم إن دعاءه... ليرفع فوق السحب ثم يجاب

توق دعا من ليس بين دعائه... و بين إله العالمين حجاب و لا تحسبن الله مطرحا له... و لا أنه يخفى عليه خطاب فقد صحَّ أن الله قال و عزتي... لأنصر المظلوم و هو مثاب فمن لك يصدق ذا الحديث فإنه... جهول و إلا عقله فمصاب

دخل طاوس اليماني على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله يوم الأذان قال هشام: وما يوم الأذان؟ قال: قال الله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ فصعق هشام فقال طاوس: هذا ذا الصفة فكيف بذل المعاينة؟ يا راضيا باسم الظالم كم عليك من المظالم؟ السجن جهنم و الحق الحاكم! أخي هل تعتقد أن الإنسان المظلوم يعيش مثل الإنسان الطبيعي؟ هل يحس بما نحس به نحن الآن؟ هل تعتقد بأن حياته طبيعية وشعوره عادي؟ إذا كنت تعتقد ذلك فأعد النظر يا صديقي! الإنسان المظلوم لا يعيش حياته كغيره من البشر.. لا يعيش ولا يحس كالأشخاص الطبيعيين.. لا يحس بطعم الشراب ولا الطعام! لا يستطيع أن يستمتع بحياته! بل لا يستطيع حتى أن يبتسم مثلي ومثلك!!! الإنسان المظلوم يصاب بالإكتئاب.. الإنسان المظلوم باختصار يحس بأن هنالك صخرة بحجم الكرة الأرضية.. بل بحجم العالم كله.. تجثم على صدره! وعندما يحاصَر المظلوم من كل جهة، ويضيّق عليه الخناق، فلا يستطيع الانتصار لنفسه ممن ظلمه، ولا يقدر على التخلص من الظلم الصارخ الذي أحاط به من كل جانب، يرفع يديه إلى السماء، فتَفتح له السماء أبوابها، وتأتيه منافذ الفرج، ويتنزل عليه المدد، إنه مدد السماء، من رب الأرباب، وخالق الأسباب، مهلك الجبابرة، وقاصم القياصرة، الذي أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى.
إن رحمة الله - تبارك وتعالى - تتجلى في هذا السلاح الفتاك الذي منحه الله للمظلومين، بل إن الظلمة مهما بلغوا من الطغيان أفراداً كانوا أو دولاً، قد يسقطون بسبب الدعاء.
(ولهذا دعا نوح _ عليه السلام _ على قومه عندما استضعفوه، وكذَّبوه، وردُّا دعوته.
(وكذلك موسى _ عليه السلام _ دعا على فرعون عندما طغى، وتجبر، وتسلط، ورفض الهدى ودين الحق؛ فاستجاب الله لهما، وحاق بالظالمين الخزي في الدنيا، وسوء العذاب في العقبى.
وكذلك الحال بالنسبة لكل من ظُلِم، واستُضْعِف؛ فإنه إن لجأ إلى ربه، وفزع إليه بالدعاء _ أجابه الله، وانتصر له وإن كان فاجرًا.
ولله درُّ من قال: أما والله إن الظلم شؤم... ومازال المسيء هو الظلوم

إلى ديّان يوم الدين نمضي... وعند الله تجتمع الخصوم

هل يظن الظالم بأن الله غافل عنه، لا يعلم عنه، لا يقدر عليه؟ إن الله يمهل الظالم لكن لا يهمله، يصبر - عز وجل- على الظلمة ولكن إذا أخذهم لم يفلتهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة النحل/ 61] فيا أيها الظالم: اتق دعوة المظلوم، لا تعرض نفسك لدعائه؛ لأن دعوة المظلوم مستجابة.
اتق دعوة المظلوم فإنها تُحمل على الغمام ويقول الله تعالى: ((وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)).
اتق دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب، فكيف بالمظلوم إن كان مسلماً، كيف بالمظلوم إن كان صالحاً تقياً.
والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يدل على شناعة الظلم وأن الله تعالى يستجيب دعوة المظلوم وإن كان فاجرا، وهاك غيضٌ من فيض مما ورد في هذا: (حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(ولذا وجب علينا تذكير الظالم برد المظالم احذر أن تأتي يوم القيامة مفلساً وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار.
فاحذر يا مسكين من نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.
فما هو الحل إذاً؟ الحل هو التحلل من المظالم وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
﴿تنبيه﴾: (واعلموا بأن الله تعالى لا يرد دعوة المظلوم ولو كانت من كافر، لا تقولوا بأن هذا كافر لا حرمة له، نعم.
لا حرمة له؛ لأنه كافر نجس، ولكن لا تظلمه، ولا تأكل عليه حقه، ولا تأخذ منه حقه، أعطه حقه كاملاً موفوراً غير منقوص ولا تظلمه، فلو دعا عليك وهو كافر لاستجاب الله دعوته، وكفره على نفسه، وفجوره على نفسه، أما دعوة المظلوم فيرفعها الله فوق الغمام، ويقول لها: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) وكانت وصية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ وهو ذاهب إلى اليمن: (واتق دعوة المظلوم -وكم من الناس لا يهتم بها، ولا يأبه لها- فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم اعلم بأن الله يمهلك ولا ينساك ولا يغفل عنك، فإن كنت ظالماً لأحد من عباد الله ولأحد من خلق الله كافراً كان أو مسلماً، فرد إليه المظلمة قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار، ولا مناصب ولا كراسي ولا وزارات، ويؤخذ من حسناتك -يا عبد الله- فتعطى لمن ظلمت، حتى إذا ما فنيت حسناتك أُخذ من سيئات من ظلمتهم في الدنيا فطرحت عليك، فطرح صاحب المظالم على وجهه في النار، وهذا هو المفلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! قال الإمام الشافعي وما أجمل ما قال:

وربَّ ظلومٍ قد كفيت بحربه... فأوقعه المقدور أيَّ وقوعِ فما كان لي الإسلامُ إلا تعبدًا... وأدعيةً لا تُتَّقى بدروع وحسبك أن ينجو الظلومُ وخلفه... سهامُ دعاءٍ من قِسيِّ ركوع مُرَيَّشة بالهدب من كل ساهرٍ... منهلة أطرافها بدموع 1

وقال: أتهزأ بالدعاء وتزدريه... وما تدري بما صنع الدعاءُ سهام الليل لا تخطي ولكن... له أمدٌ وللأمد انقضاءُ 2

(وإذا تقطعت بك -أيها المظلوم- الأسباب، وأُغلقت في وجهك الأبواب، فاقرع أبواب السماء، وُبثَّ إلى الجبار اللأواء، فهو مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، وَعَدَ بنصرة الملهوف، وإجابة المظلوم، ظَلَم رجل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- فقال سعد: (اللهم أعم بصره، وأطل عمره، عرضه للفتن)، (قال الراوي: فأنا رأيته بعد قد عمي بصره، وقد سقط حاجبه على عينيه من الكبر، ويقول: كبير مفتون أصابته دعوة سعد.
(فيا ويل من وجهت له سهام المظلومين، ورفعت عليه أيدي المستضعفين، فاصبر -أيها المصاب- على ما قدر، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، والبلاء المحض هو ما يشغلك عن ربك، وأما ما يقيمك بين يديه ففيه كمالك وعزك، وإذا أقبل اليسر، وحل الفرج، وزالت الغموم، وما أقربَ الأمر، فاحمد الله على ما كشف، ففي الحمد شكر وزيادة نِعَم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر:60].
(والشواهد على إجابة دعوة المظلوم لا تكاد تحصر، ومنها ما جاء في قصة سعد بن أبي وقاص مع أهل الكوفة لما شكوه إلى عمر بن الخطاب.
قال أبو عوانة، وجماعة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال:=شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشيِّ لا أخرم منها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين.
فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق.
فبعث رجلاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدًا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرًا، حتى أتوا على مسجد لبني عبسٍ، فقال رجل يقال له أبو سعد: أما إذا نشدتمونا بالله فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية.

(فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا فأعم بصره، وأطل عمره، وعَرِّضْهُ للفتن.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت؟ قال: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد.
1 (وعن سعد أيضاً: أن رجلاً قام يسب علياً رضي الله عنه، فدافع سعد عن علي، واستمر الرجل في السب والشتم، فقال سعد: اللهم اكفنيه بما شئت.
فانطلق بعيرٌ من الكوفة فأقبل مسرعاً، لا يلوي على شيء، وأخذ يدخل من بين الناس حتى وصل إلى الرجل، ثم داسه بخفيه، حتى قتله أمام مشهد ومرأى من الناس.
وقال الذهبي رحمه الله: يقال إن رجلاً وشى على بسر بن سعيد عند الوليد بن عبد الملك بأنه يعيبكم.
قال: فأحضره وسأله، فقال: لم أَقُلْهُ؛ اللهم إن كنتُ صادقًا فأرني به آية، فاضطرب الرجل فمات.
2 ﴿تنبيه﴾: (ومِن حق من يدعو على الآخرين أن يذكر أولاً سبب الدعاء عليهم لئلا يتوهم السامع أن الدعاء دون سبب ولا ذنب، ولهذا قدّم موسى عليه السلام السبب والجناية التي استحق فرعون وقومه والملأ منهم دعوة نبيّهم بالهلاك " قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَىَ رَبّنَآ إِنّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا رَبّنَا لِيُضِلّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبّنَا اطْمِسْ عَلَىَ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ) [سورة: يونس - الأية: 88] قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَىَ رَبّنَآ إِنّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا رَبّنَا لِيُضِلّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبّنَا اطْمِسْ عَلَىَ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ) [يونس / 88] " (الدعاء بلفظ إن كان:

أحياناً يتهم الإنسان شخصاً بأنه أساء إليه، فهل له أن يدعو الله عز وجل على هذا المتّهم أو يقيّد الدعاء فيقول اللهم إن كان فلان ظلمنى أو أساء إلى في كذا ويذكر دعوته؟ (يجيب عن التساؤل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى قائلا:

جارٍ التحميل