كتاب الزهد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
عرض سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - بل وألح على فضيلة الشيخ العثيمين في تولي القضاء، بل أصدر قراره بتعيينه رئيساً للمحكمة الشرعية بالإحساء فطلب منه الإعفاء، وبعد مراجعات واتصال شخصي من الشيخ العثيمين، سمح الشيخ محمد بن إبراهيم بإعفائه من منصب القضاء.
الجهاد الشيشاني في حياة الشيخ:
بقلم / الشيخ أبي عمر السيف، أحد المجاهدين في الشيشان:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن صار على دربه، وبعد: فلقد كان لشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين الأثر الكبير في نفوس المجاهدين الشيشان، وكان متأثراً كثيراً عليهم متابعاً لهم في كل صغيرة وكبيرة، كثير السؤال عنهم والاتصال بهم ((ولا سيما عندما يشاهد صوراً لجرائم القوات الروسية في حق النساء والرجال والأطفال في الشيشان، فكان يتابع أخبار المجاهدين وأحوالهم أولاً بأول، ويكثر من الاتصال بهم بنفسه، ويسأل أسئلة تفصيلية تدل على حرص واهتمام، ولا أعلم أحداً من العلماء المعاصرين سبقه في ذلك.
فقد بدأ اهتمامه رحمه الله بقضية الجهاد في الشيشان من الحرب الأولى، فكان نعم المعين والمشير، ولمّا انتهت الحرب وهدأت الأمور، وقامت المحاكم الشرعية كان الشيخ هو مرجعنا فيما يشكل علينا من المسائل والمواقف، وكنا نلقى منه كل تجاوب وتفاعل وصبر، فقد كان يستقبل أسئلتنا في كل الأوقات بكل ترحيب وبشاشة وسعة صدر، بل أعطانا رقم هاتفه الخاص ليتيسر لنا الحديث معه في أي وقت.
ولمَّا بدأت الحرب الشيشانية الثانية كان تفاعله أشد، ومتابعته أكثر، وأحسب أن له نصيباً وافراً من قول الله تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) [الأنفال: 72]، ونصيباً وافراً من قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله " [3]. وكنا نتعهده بآخر الأخبار، ونشرح له تفاصيل الواقع العسكري، وكان يسأل عن قتلى العدو، وعن السلاح المستخدم، وعن حال المجاهدين وأسرهم ومعاناتهم.
فإذا تأخرنا عنه اتصل بنا يسأل ويتابع، وقد يتصل أحياناً في ساعة متأخرة بعد الثانية عشرة ليلاً، وإذا تحدث معنا فإنك تشعر في كلامه بصدق التفاعل وبالحرقة والحزن والألم.
كان يألم لألمنا، ويفرح لفرحنا، ويبشرنا بفضل الله تعالى وكرمه، وكان يتأسف كثيراً من تقصير الأمة بكافة فئاتها في نصرة إخوانهم، ومن جهة أخرى كان شيخنا رحمه الله يحث الناس على التبرع للمجاهدين في الشيشان، ويدفع زكاة ماله للمجاهدين، وقد حدثنا من نثق به من خاصة طلابه أنه كان يقرأ عليهم أخبار المجاهدين، ويطلعهم على أحوالهم، ويحثهم على نصرتهم والتعاون معهم)) (1)
مؤلفات محمد بن صالح العثيمين وكتبه رحمه الله تعالى:
1 فتح البرية بتلخيص الحمويّة 2 (2) تفسير آيات الأحكام - لم يكمل (3) شرح عمدة الأحكام - لم يكمل (4) مصطلح الحديث (5) الأصول من علم الأصول (6) رسالة في الوضوء والغسل والصلاة (7) رسالة في كفر تارك الصلاة (8) مجالس رمضان (9) الأضحية والذكاة (10) المنهج لمريد الحج والعمرة (11) تسهيل الفرائض (12) شرح لمعة الاعتقاد (13) شرح العقيدة الواسطية (14) عقيدة أهل السنة والجماعة (15) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (16) رسالة في الطلاق الثلاث واحدة ولو بكلمات (17) تخريج أحاديث الروض المربع (18) رسالة حجاب (19) رسالة في الصلاة والطهارة لأهل الأعذار (20) رسالة في مواقيت الصلاة (21) رسالة في سجود السهو (22) رسالة في أقسام المداينة (23) رسالة في وجوب زكاة الحليّ (24) رسالة في أحكام الميت وغسله (25) تفسير آية الكرسي
(26) نيل الأرب من قواعد ابن رجب
(27) القواعد الفقهية.
نظم على بحر الرجز
(28) الضياء اللامع من الخطب الجوامع
(29) الفتاوى النسائية
(30) زاد الداعية إلى الله عز وجل
(31) المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين (15 مجلد)
(32) حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة
(33) الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه
(34) من مشكلات الشباب
(35) رسالة في المسح على الخفين
(36) رسالة في قصر الصلاة للمبتعثين
(37) أصول التفسير
(38) رسالة في الدماء الطبيعية للنساء
(39) أسئلة مهمة
(40) الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع
(41) إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار
(42) شرح أصول الإيمان
(43) شرح رياض الصالحين (4 أجزاء)
(44) الشرح الممتع على زاد المستنقع
(45) القول المفيد شرح كتاب التوحيد
(46) التعليقات على كشف الشبهات
(47) شرح ثلاثة الأصول
(48) شرح نزهة النظر
(49) شرح منظومة أصول الفقه
(50) شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث
(51) أثر المعاصي على الفرد والمجتمع
مرض محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
قال أحد أبناء الشيخ رحمه الله وهو عبد الله الصالح العثيمين:
لقد جاء اكتشاف مرض الشيخ - رحمه الله - متأخراً، وكان اكتشافه أول الأمر في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني، وقد قام المستشفى - إدارة ومختصين - بما يُشكرون عليه من عناية، ثم أجريت له فحوصات أخرى في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ونال من إدارته والمختصين به كل عناية ورعاية، فجزى الله الجميعَ في المستشفيين خير الجزاء، وقد اختلفت آراء الأطباء سواء من كشفوا عليه أو من اطلعوا على التقارير عنه، واستشيروا حولها في طريقة علاجه، فكان منهم من رأى علاجه بالأشعة والكيماوي، ومنهم من لم ير ذلك، وفي تلك الظروف كان الشيخ محمد متردداً لِما رآه من اختلاف وجهات نظر الأطباء، ولمزيد من الاطمئنان - تشخيصا وعلاجا - جاءت مشورة ولاة الأمر في هذا الوطن له كي يسافر إلى أمريكا، حفظهم الله ورعاهم وجزاهم أفضل ما يجزي به عباده الصالحين على ما أبدوه تجاهه من عطف وما قاموا به من رعاية، وقد أكدت الفحوصات هناك ما تُوصل إليه من تشخيص في المملكة، واستقر الرأي الطبي على أن يعالج مدةً بالأشعة، مع جرعات مخففة بالكيماوي، ثم يبدأ العلاج بالكيماوي وحده، وسُرَّ الشيخ محمد بذلك، وقدم إلى الوطن ليبدأ في مستشفى الملك فيصل التخصصي ما استقر الرأي الطبي عليه، [وعولج] بالأشعة فعلا، على أن الأطباء رأوا أخيراً أن سلبيات علاجه بالكيماوي أوضح من إيجابياته، ففضلوا عدم علاجه به، وقبِل الشيخ ما فضَّلوه.
كتبه في جريدة الجزيرة - الطبعة الأولى - محليات الخميس 23،شوال 1421، العدد10339
الدرس الأخير لمحمد بن صالح العثيمين رحمه الله في الحرم المكي:
قال بعض إخواني الشباب ممن حضروا ذلك الدرس:
الدرس الأخير لفقيد الأمة وفقيد العلم في الحرم كان درس العبرات.. !!
كنت ممن استمع إلى درسه الأخير - قدس الله روحه - في ليلة الثلاثاء المتمم للثلاثين من رمضان لهذا العام 1421هـ.
وكان لحضور هذا الدرس أهمية في نفسي لسببين:
أولهما: أنه قبل ذلك اليوم بيومين أخذ المرجفون يشيعون بالهاتف والإنترنت خبراً كاذباً عن وفاة الشيخ - قدس الله روحه - فنكذّب الخبر بصفتنا قد استمعنا للدرس في الحرم.
والثاني: أننا نعلم حقيقة ما ألمَّ بالشيخ من داء عضال، أجمع الأطباء قديما وحديثا على أن من وصلت حالته إلى ما وصلت إليه حالة الشيخ قد أصبحت أيامه معدودة إلا أن يشاء الله شيئاً
وكان صوت الشيخ - قدس الله روحه - يشير [لما] وصلت إليه حاله من تدهور في الصحة العامة، ونحول شديد في جسمه نقله عنه كل من رآه، لا سيما وأن مرض السرطان - أجارنا الله وإياكم - معروف عنه أنه يسبب آلاماً رهيبة ومبرحة للمصاب به لا يمكن التغلب عليها إلا بجرعات كثيرة من دواء مخدر (كالمورفين)، ولا أشك في أن الشيخ - قدس الله روحه - وكما سمعنا أيضا - قد رفض تعاطي ذلك الدواء وآثر الاحتساب فعلى الله أجره ولله الأمر من قبل ومن بعد.. كنت أستشف من خلال صوت الشيخ مقدار ما يعانيه، ولكنه كان مصرّاً على إلقاء درسه كالعادة حتى لو لم يستمر إلا ثلث ساعة أو أقل من ذلك، [وعندما] تشتد وطأة المرض عليه يغيب عن الحرم.. وقد افتقدناه حوالي أربعة أيام من الشهر لشدة ما ألم به، ثم عاد ونحن بين خوف ورجاء.. كان درس ليلة الثلاثين درساً عجيباً مفرحاً ومحزناً اختلطت فيه الفرحة بالخوف، واختنقت فيه العبرات.. !! كانت الفرحة بسماع صوت الشيخ المُتعب وتمثل الفرح في أنني تأكدت من كذب خبر وفاته المشاع يومها.. بدأ الشيخ بالحديث بصوت أثقلته الآلام، فتحدث عن العيد وأن الله سبحانه وتعالى جعل للمسلمين ثلاثة أعياد - الأضحى والفطر والجمعة - حق للمسلمين أن يفرحوا فيها بما أنعم الله عليهم من توفيق للأعمال الصالحة، وفصّل فيها قليلا، ثم انتقل إلى الإجابة على الأسئلة.. وقد أطال الشيخ - قدس الله روحه - درسه تلك الليلة على غير ما اعتدناه في هذه السنة من اختصار حتى أن الدرس في الأيام السابقة لذلك اليوم ربما لم يكد يستغرق العشرين دقيقة، إلا أن الدرس الأخير أخذ أكثر من خمس وثلاثين دقيقة أجاب فيه - قدس الله روحه - على أسئلة كثيرة.. !! ثم اقتربت النهاية، وتسارعت الأنفاس، واضطربت نبضات القلوب خوفاً من أن هذا الدرس ربما يكون آخر العهد بشيخنا الحبيب الذي طالما ارتوينا من معينه، واستنرنا بنور علمه وفقهه!! لا أدري كيف كان حال من حولي حيث أخذت أتخيل أننا ربما لا نلقى حبيبنا بعد عامنا هذا بل بعد درسنا هذا!! لا أدري عما كانت آخر الفتاوى لانشغال الفكر بالتفكير في أن هذا ربما كان آخر العهد، ولكن سرعان ما انتبهت على انتهاء الأسئلة وقال الشيخ بعدها قولة حُفرت في الذاكرة!! نعم لا زلت أذكر آخر كلمات نطق بها الشيخ فأوشك على البكاء وأبكى من استمع له.. !!
قال الشيخ بصوته المتعب: وحيث أن هذه الليلة هي ليلة الثلاثين من رمضان فسيكون هذا آخر درس لهذا العام!! يا للهول آخر درس!!! لقد قال الشيخ: آخر درس؟؟!! نعم قالها، ولكن قال بعدها وخنقته العبرة: لهذا العام، ولكن كان لسان الحال يقول: بل آخر درس إلى الأبد.. !!! كان صوت لسان الحال أعلى من ذلك الصوت المثقل بالآلام فكأن الشيخ لم يقل: لهذا العام، وكأننا ما سمعناه قال إلا: آخر درس إلى الأبد!!! إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها!! نعم والله.. كان هذا ما شعرت به وشعر به من حضر ذلك الدرس الذي لا يُنسى أبد الدهر.. !! حتى لقد رأيتُ من نقل عن الشيخ - قدس الله روحه - قوله هذا (آخر درس لهذا العام)، ولكن الناقل قد أسقط الكلمة الأخيرة وما قال إلا (آخر درس)!! ولا أشك في أنه لقي ما لقينا ونقل عن الفقيد ما قال لسان الحال لا ما قال هو.. !! إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها!! أعظم الله أجرنا وأجركم في فقيد الأمة وفقيد العلم والعلماء.. على مثل ابن العثيمين فلتبك البواكي.. لعمرك ما الرزية فقد مال... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد شيخ... يموت لموته خلق كثير أ. هـ
آخر ساعات محمد بن صالح العثيمين كانت مع كتاب الله:
تحدث الدكتور " عامر رضوي " عن آخر ساعة في حياة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين بأنه كان يقرأ القرآن الكريم، ثم دخل في غيبوبة وبعدها بساعة انتقل إلى جوار ربه الكريم.
وقد وصف د. رضوي - الطبيب المعالج - الأيام التي قضاها بجوار الشيخ بأنه كان يحس بالألم لمرض الشيخ وأنه يتعامل معه مثلما يتعامل الابن مع أبيه، وقال: وكنت أدعو الله له بالشفاء ولكن قدر الله كان أسرع.
وذكر د. رضوي بأن الشيخ رحمه الله كان قليل الكلام، كثير الحمد والاستغفار، وقد سمعه يقرأ سورة الفاتحة وفي مرات أخرى كان يتمتم لصعوبة حالته الصحية وعندما سأل أبناءه عن ما يتمتم به الشيخ ذكروا بأنه يقرأ القرآن.
وفاة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
لم يكتشف مرضّه إلا في شهر صفر من العام 1421 هـ، أثناء مراجعته لمستشفى الملك فهد بالرياض، وقد ظل الشيخ - رحمه الله - صابراً محتسباً رافضاً للعلاج الكيماوي، ونزولاً عند رغبة ولاة الأمر بالإلحاح عليّه بالعلاج، سافر إلى بضعة أشهر إلى أمريكا للعلاج، ورغم ذلك لم تفتر عزيمته في سبيل نشر العلم ففي رحلته العلاجيّة تلك، وقبل ستة أشهر من وفاته نظم العديد من المحاضرات في المراكز الإسلامية والتقى بجموع المسلمين من الأمريكيين وغيرهم ووعظهم وأرشدهم كما أمهم في صلاة الجمعة.
وكان يحمل هم الأمة الإسلامية وقضاياها في مشارق الأرض ومغاربها وقد واصل -رحمه الله تعالى- مسيرته التعليمية والدعوية بعد عودته من رحلته العلاجية فلم تمنعه شدة المرض من الاهتمام بالتوجيه والتدريس في الحرم المكي حتى قبل وفاته بأيام.
أصابه المرض فتلقى قضاء الله بنفس صابرة راضية محتسبة، وقدم للناس نموذجاً حياً صالحاً يقتدي به لتعامل المؤمن مع المرض المضني، نسأل الله تعالى أن يكون في هذا رفعة لمنزلته عند رب العالمين.
توفي الشيخ - رحمه الله - يوم الأربعاء 15 شوال 1421هـ وكانت وفاته في الساعة السادسة مساءً بمستشفى الملك فيصل التخصصي بجدّة إثر إصابته بسرطان القولون الذي ظل يعاني منه لفترة طويلة وهو محتسب ذلك عند الله.
جنازة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
قال بعض إخواننا الذي حضورا جنازة الشيخ - رحمه الله -:
هكذا كان مشهد الرحيل... الذي ودعنا فيه شيخنا ابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه ليبدأ فيه رحلة الدار الآخرة.
لقد كان مشهداً يبعث على الرهبة والإجلال لذلك العالم الفذ الذي ملأ الدنيا بعلمه مسموعاً ومرئيّاً ومقروءاً.
آه! لو رأيت تلك الجموع التي توافدت من كل صوب لتحضر الصلاة والدفن على شيخنا الجليل.... وجوه واجمة حزينة تتعجل وصولها إلى الحرم منذ وقت مبكر..... غص الحرم على غير عادته في مثل هذا الوقت فالصلاة صلاة عصر وليس موسم إجازة، بل هو موسم اختبارات ومع ذلك فقد كنت تشعر أن المسجد الحرام قد امتلأ بالمصلين... وتتيقن تماما حينما تجد الأعناق تشرئب لتنظر إلى ذلك المسجى أَمام الإمام، فقد وضعت الجنازة منذ الساعة الثالثة تقريباً تحت حراسة مكثفة - وليس لهم سبيل أن يضعوها إلا في ذلك الوقت فقد كان الحرم يغص غصّاً بالناس - وما عدت ترى في الصحن إلا شباباً، وتوقفت حركة المطاف نهائيّاً، وما أن انتهت صلاة العصر وتقدم بالجنازة ليصلي عليها إمام الحرم - حفظه الله - ونادى المنادي " الصلاة على الأموات يرحمكم الله " حتى تحس كأن القلوب انخلعت من أماكنها، وسرى خشوع عجيب، وصمت رهيب، لا تكاد ترى أحداً لم يقم ولم يصل... فقد كان الحديث عن الجنازة يملأ أرجاء الحرم قبل الأذان وبعده.
وصُلِّي عليه رحمه الله تعالى، وما أن فرغ الإمام من الصلاة عليه حتى تسابقت الجموع لحمله..... أنى لك يا " نور " - كاتب المقال - أن تصل إليه فتحمله، [هناك] مئاتٌ كلٌّ يريد حمل ذلك الجثمان رحمة الله تعالى عليه، وانطُلق به إلى مقبرة " العدل " بسيارة إسعاف من طريق خاص حيث قد أغلقت الطرق ولا تستطيع أن تصل إلى المقبرة إلا عن طريق طويل، والجموع قد سبقت بالسيارات، وجموع منتظرة في المقبرة، لفيف عظيم من كل المستويات: علماء، وطلبة علم، وعوام، غصت بهم مقبرة " العدل " بمكة المكرمة، وازدحمت الشوارع المحيطة بالمقبرة بسياراتهم ولك أن تتخيل ذلك الجو الكئيب الذي سيطر على الجميع، فلا تكاد تسمع إلا " أحسن الله عزاءنا في شيخنا، وعوض الأمة خيراً في فقده ".
حفر له قبره، ولحُِّد، وأهيل التراب عليه رحمة الله تعالى عليه، ولم تستطع قوات الطوارئ الكثيفة المتواجدة بالمقبرة أن تمنع الشباب [من] أن يصلوا إلى قبر الشيخ، فقد غلبتهم كثرة الناس فما عاد لهم إلا أن يقفوا مع الواقفين، ووقفت تلك الجموع في رهبة عظيمة ترفع أيديها لمولاها أن يسبغ على الشيخ واسع رحمته وأن يسكنه فسيح جنته، فلم تعد تسمع إلا همهمة دعاء وابتهال متضرع وسؤال خاشع يسألون له الرحمة.
وما انتهت مراسم الدفن إلا في الساعة الخامسة والنصف عصراً من زحمة الناس.
هنيئاً لذلك الجثمان الطاهر الذي عاش لأجل غيره فعاش كبيراً ومات كبيراً.
اختفى عن الأنظار لكنه لم يتزحزح من القلوب..... بقيت كلماته مدوية في الآذان وعلمه مبسوط للناس وما مات من كان ذلك شأنه مثل الشيخ ابن عثيمين يفرح له فقد قدم للإسلام الشيء الكثير وشهد له البشر بالخير والعلم والفضل والبذل لا ينكر ذلك إلا حاقد.... وعلى أمثالنا فلتبك البواكي... رحمة الله تعالى عليك فقد كنت لنا جميعا نعم الأب والمعلم.
أ. هـ
بيان الديوان الملكي بوفاة الشيخ - رحمه الله -
انتقل إلى رحمة الله تعالى مساء أمس في جدة فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين عضو هيئة كبار العلماء اثر مرض عانى منه طويلا وسيصلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة عصر اليوم "الخميس" الموافق 16/ 10/1421هـ إن شاء الله ومن ثم يوارى الثرى بمكة المكرمة.
نسأل الله جل وعلا أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جنته، وأن يلهم أسرته وذويه الصبر ويجزل لهم الأجر ويعوض المسلمين بفقده خيراً، والحمد لله على قضائه وقدره.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ما حصل عند تغسيل محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
ذكر المغسلون الذين قاموا بتغسيل الشيخ رحمه الله وتكفينه انهم شاهدوا نورا وبشاشة في الوجه وسهوله في التغسيل، حتى أن المغسلين تفاجئوا من نظافة الشيخ عندما أتوا به وكانوا يعتقدون أنه قد غسل قبل مجيئه، وبسبب ارتخاء في الفكين كان فم الشيخ مفتوحا ظاهرة أسنانه وكأنه مبتسم فحاول ابنه عبد الرحمن قفل فم الشيخ لمدة نصف ساعة ومع ذلك لم يستطيعوا.. ولعل هذا بإذن الله من المبشرات ومن علامة حسن
الخاتمة
وهذا ما نرجوه للشيخ غفر الله له ولنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
اللهم آمين.
ذكرت هذه الحادثة في مجلة " الدعوة " عدد رقم (1766).
رؤى في الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
روى أحد طلاب الشيخ ابن عثيمين وهو فضيلة الشيخ عبد العزيز بن فوزان الفوزان عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام معهد القضاء العالي والمدرس حالياً في معهد العلوم الإسلامية في أمريكا رؤيا رآها في الشيخ رحمه الله، حيث قال في خطبة صلاة الجمعة في أمريكا - نقلها بعض الإخوة ممن سمع الخطبة -:
رأيتُ أنني ذهبت إلى منزل الشيخ المعروف في " عنيزة " كعادتي ورأيت منزلا غير الذي أعرفه؛ رأيت قصراً ضخماً لا أستطيع أن أصف لكم ما به من زينه وجمال؛ لأنه يفوق ما نعرفه، ودخلت القصر ورأيت الشيخ أمامي في أحسن حال وأجمل صورة، أطول من قامته المعروفة، وفي صحة كاملة فرحب بي فجعلت أبكي وأقبِّله عن يمينه وشماله حتى هدأ روعي، ثم أخذني وخرجنا من القصر وإذ أنا أمام الحرم المكي؛ الناس تصلي وإذا بمجنزرات ضخمة لم تُصنع حتى الآن تهدم البيوت المجاورة للحرم الشريف من أجل توسعة الحرم، ثم دخلنا القصر وذهبنا إلى المجلس فوالله لا ترى آخره وفيه من النمارق والفرش والزينة مالا يتخيله أحد، ثم ذهبت أقضي حاجةً للشيخ طلبها لنفسه، ومن حبي للشيخ ترنمت بأبيات أمدحه فيها، وإذ هو يسمعني فضحك.
فتنبهت من نومي، وسألتُ أهل العلم في هذا الحلم فأفادوا: أن الشيخ إن شاء الله وجد من الله الجزاء الحسن، وأن التوسعة حول الحرم إنما يدل على انتشار الإسلام في جميع أنحاء العالم.
هذا ما سمعته بأذني من الشيخ في خطبة الجمعة 12 يناير رحمه الله شيخنا ابن عثيمين وأسكنه فسيح جناته، وغفر الله لشيخنا عبد العزيز الفوزان وأطال الله في عمره.
أ. هـ
مقال كتبته قبل وفاة الشيخ
وقد كتبتُ مقالاً قبل وفاة الشيخ بنحو ستة أشهر - وذلك لما ذهب الشيخ - رحمه الله - للعلاج في " أمريكا " -، أرى أن فيه فائدة أجعله في أواخر كتابتي هذه:
" أعَلَى مثل مشايخنا: ابن باز والألباني وابن عثيمين نبكي؟ فلنبكِ على أنفسنا "!
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فإن كان منَّا بكاء فليكن على أنفسنا، لا على مشايخنا وأئمتنا؛ ذلك أنهم لقوا ربهم وقد قدموا لأنفسهم ما يفرحون به.
فالشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مات وقد نصر العقيدة السلفية، وبيَّن المنهج الحق الواضح، وألَّف عشرات الرسائل، وأفتى آلاف الفتاوى، وله مئات الأشرطة العلمية النافعة، مات وقد حج أكثر من خمسين حجة وأضعافها من العُمَر، ومئات الطلبة النابغين النابهين، مات وأمامه شفاعات شفع فيها لمستحقيها، وأموال قدَّمها لمحتاجيها، وعمل خير لا يمكن إحصاؤه ها هنا.
أمثل هذا يُبكَى عليه؟؟
وشيخنا الألباني رحمه الله نصرَ السنة، وقمع البدعة، وأوضح المحجة، وبيَّن صحيح السنَّة مِن ضعيفها، وألان للناس الحديث، وله عشرات الكتب النافعة، وآلاف الأشرطة العلمية الشرعية.
أمثل هذا يُبكَى عليه؟؟
وهذا رفيق دربهم وثالث أئمتنا الشيخ ابن عثيمين، يلقى ربه - إن شاء الله - ولم يترك فنّاً إلا وشرحه وبيَّنه، وله آلاف الفتاوى والأشرطة، ومئات الطلبة بل آلاف منهم من تتلمذ عليه مباشرة ومنهم من تتلمذ على أشرطته، ألان للناس الفقه، فقرأ الناس الفقه وفهموه بعد كان لا يجرؤ عليه إلا الخاصَّة.
يموت الشيخ وهو صاحب همَّة عالية، لم يمنعه مرض من إفتاء، ودروس، وخطبة جمعة، لم يبع دينه بعرض من الدنيا، أتته الدنيا وهي راغمة فركلها برجله، وُهبت له أبنيةٌ فجعلها وقفاً على طلبة العلم، وأُعطي الأموال الطائلة فجعلها للنفقة عليهم، أفتى ودرَّس الطلبة والمعتمرين والحجاج، لم تأت عليه سنة إلا وفيها عدة عُمَرٍ وحجة، كان فيها العابد والمعلِّم والمربِّي والمنفق في سبيل الله.
أمثلُ هذا يُبكَى عليه؟؟
إخواني:
إنما يُبكى على من مات مقصِّراً لاهياً تاركاً أمر الله، أما من مات على عقيدة صحيحة، ومنهج صحيح، وتعليم وتوجيه وتربية: فهنيئاً له هذه الميتة مع كثرة فتن هذا الزمان.
أسألكم بالله ألا تحبون أن تموتوا على مات عليه هؤلاء الأئمة؟؟
فلم لا نعمل عملهم؟ ولا نقدم لأنفسنا مثل ما قدَّموا؟؟
وإنه وإن في القلب لوعة وحسرة على فقدان أئمة الهدى، فإن فيه فرحاً بأنهم يقدمون على ربٍّ غفور رحيم كريم، أسأله سبحانه أن يجزل لهم المثوبة وأن يسكنهم الفردوس، وأن يبدلنا خيراً منهم، وأن يلحقنا بهم على خير.
والحمد لله أولاً وآخراً
أ. هـ
﴿الخاتمة﴾:
اعلموا أحبتي في الله تعالى " أن الله تعالت صفاته، وتقدست أسماؤه، يختص من أحب ممن آمن به وتوكل عليه لحملة دينه ونشر سنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيتفضل عليهم فيعلمهم الكتاب والحكمة، ويفقههم في الدين، ويعلهم التأويل ويرفعهم بالعلم ويزينهم بالحلم " 1. وهذه الكوكبة من العلماء التي دونّا سيرهم الموجزة ممن أختارهم الله لحملة دينه ونشر هدي وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما كان عليّه السلف الصالح من أخلاق وآداب وسنن - نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحد.
فمع مداد دموع المحبين " سقط القلم من بين أصابع تلك الثلّة الطيبة من العلماء، وذاب صوتهم القوي النديّ اللطيف، الذي ملأ طباق الأرض علماً، وسكتت ألسنتهم التي جالت الحكمة من فوقه، وأطبقت الشفاة التي طالما تحركت بالتوحيد والتفسير والتأويل والفقه، وحيل بين الثرى وبين الثُريا برحيلهم، وحزن الكثير ممن لم يلتحق بحِلَق درسهم ومتابعة علومهم والتلقي بين أيديهم... وتنفست الصعداء صدور تربع الحقد والحسد من فوقها، واستبشرت النفوس المريضة التي أعياها السوء والبغضاء أن عجزت إدراك الفضيلة التي نلتموها، وما هيأ الله لكم من القبول التي سعت إليه نفوس طلاب العلم خاصّة والناس عامّة من شتى أقطار الأرض فكنتم بها بحق مجددين لعصركم ناشرين به علمكم الذي علمكم الله... " (1) فرحمكم الله رحمة واسعة، وألحقكم بالأنبياء والشهداء والصالحين، إنه نعم المولى ونعم النصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والحمد لله وحده أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
﴿تم بحمد الله تعالى ومنته﴾
مراجع الكتاب:
1 القرآن الكريم
(2) صحيح البخاري
(3) صحيح مسلم
(4) صحيح أبي داود
(5) صحيح الترمذي
(6) صحيح النسائي
(7) صحيح ابن ماجة
(8) صحيح الأدب المفرد
(9) صحيح الجامع
(10) السلسلة الصحيحة
(11) صحيح الترغيب والترهيب
(12) كتاب الزهد لابن المبارك
(13) أبو بكر الصديق شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(14) عمر ابن الخطاب شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(15) عثمان ابن عفان شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(16) علي ابن أبي طالب شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(17) إحياء علوم الدين للغزالي.
(18) كن من الزاهدين لأمير بن محمد المدري.
(19) تزكية النفوس للدكتور أحمد فريد
(20) سير أعلام النبلاء للذهبي
(21) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم
(22) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير
(23) الترغيب والترهيب، للمنذري.
(24) جامع العلوم الحكم لابن رجب.
(25) جلاء الأفهام لابن القيم.
(26) الجواب الكافي، لابن القيم.
(27) رياض الصالحين، للنووي.
(28) الروح، لابن القيم.
(29) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم.
(30) عون المعبود بشرح سنن أبى داود، لشمس الحق أبادي.
(31) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر.
(32) مدارج السالكين، لابن القيم.
(33) مفتاح دار السعادة، لابن القيم.
(34) موعظة المؤمنين، للقاسم.
(35) الوابل الصيب، لابن القيم.
(36) كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي
(37) سلسلة أعمال القلوب للشيخ محمد المنجد.
(38) "حلية الأولياء" للحافظ أبو نُعيم
(39) أسد الغابة لابن الأثير
(40) "صفة الصفوة" لابن الجوزي:
(41) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني
(42) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر
43) تذكرة الحفاظ للذهبي
44) طبقات الحفاظ للإمام السيوطي
45) حياة الصحابة للكاندهلوى
46) اللآلئ الحِسَان بِذِكر مَحاسِن الدعاةِ والأعلام لمهنا نعيم مصطفى نجم.
(47) المورد العذب المعين من آثار أعلام التابعين لمحمد خلف سلامة.
(48) مرآة الجنان وعبرة اليقظان لليافعي
(49) أخبار القضاة لوكيع
(50) طبقات الأسماء المفردة من الصحابة والتابعين للبرديحي
(51) طبقات الحنابلة لأبي يعلى الحنبلي
(52) طبقات المفسرين للسيوطي
(53) طبقات المفسرين لأحمد الأدنروي
(54) طبقات الفقهاء للشيرازي
(55) البداية والنهاية لابن كثير
(56) تهذيب الكمال للمزي
(57) الآداب الشرعية لابن مفلح
(58) أدب الدنيا والدين للماوردي
(59) صور من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفت باشا
(60) ذم الهوى لابن الجوزي
(61) ذم الهوى والنفس للشيخ عبد الهادي حسن وهبي
(62) تهذيب الكمال للحافظ المزي.
(63) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي.
(64) الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي.
(65) مختصر تاريخ دمشق للإمام محمد بن مكرم المعروف بابن منظور تحقيق: إبراهيم الزيبق.
(66) تاريخ أمراء المدينة المنورة تأليف عارف أحمد عبد الغني.
(67) طبقات الفقهاء تأليف: أبو إسحاق الشيرازي.
(68) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان.
(69) غاية النهاية في طبقات القراء محمد بن محمد بن الجزري.
(70) رجال حول الرسول لخالد محمد خالد.
(71) خلاصة تهذيب الكمال لأحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري.
(72) الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار لابن قدامة المقدسي.
(73) تاريخ الإسلام للذهبي.
(74) جذوة المقتبس للحافظ أبي عبد الله الحميدي.
(75) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للإمام السخاوي.
(76) كتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي:
(77) غاية النهاية في طبقات القُراء لابن الجزري: