كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
وصاحبات اليمين في كنف الزوج، وظل الأسرة، وشرف الحياة، وصاحبات الشمال ما صاحبات الشمال... ؟ 1.
(وقال أيضاً: فكل ما تراه من أساليب التجميل والزينة على وجوه الفتيات وأجسامهن في الطرق_فلا تَعُدَّنَّه من فرط الجمال، بل من قلة الحياء 2.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب على الأمَّة المسلمة أن تتوب من التبرج والسفور، وأن تحاربه بكل ما أوتيت من قوة.
وأن تدعو في الوقت نفسه إلى لزوم الحجاب والحشمة للمرأة المسلمة؛ ففي الحجاب العفة، والستر، والطهر، والسلامة من الفتنة، والنجاة من الوعيد وغير ذلك من فضائل الحجاب.
كما يجب على المرأة المسلمة أن تحافظ على حجابها، وأن تعتز به، وألا تلتفت إلى دعاوى المبطلين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وأن يكون حجابها مستوعباً جميع بدنها بما في ذلك الوجه والكفان، وألا يكون الحجاب زينة في نفسه، وأن يكون صفيقاً لا يشف، وأن يكون فضفاضاً غير ضيق، وألا يكون مُبخَّراً مطيباً، وألا يشبه لباس الرجل، أو الكافرات، وألا يكون لباس شهرة.
فإذا كانت كذلك فأحْرِ بها أن تسعد في نفسها، وأن تسعد الأمة بها.
(هـ) التوبة من التقصير في الدعوة إلى الله: فأمة الإسلام هي الأمة القوامة على الأمم، وهي الشاهدة على الأولين والآخرين.
والبشرية جمعاء بأمسّ الحاجة إلى هداية الإسلام.
ومع ذلك تجد التقصير في جانب الدعوة إلى الله.
والتبعة في ذلك تقع على أهل العلم بخاصة؛ فما بال كثير منهم يعرف مناهج الصلاح، ويبصر طائفة من قومه يتهافتون على عماية، أو يهيمون في جهالة ولا تنهض به الهمة؛ ليعمل على إفاقتهم من سكرتهم، وإراءتهم معالمَ فوزهم؟.
وما بال الخلاف يدب في صفوف كثير من الدعاة، فيفشلهم، ويذهب ريحهم؟
وما بال كثير منهم يخطىء سبيل الحكمة، ويؤثر مصلحته على مصلحة الأمة؟
وما بال كثير منهم ينزوي وينطوي على نفسه غير مكترث بمصير الأمة، وغير مبال بوعيد الله لمن كتم العلم؟
إن السكوت عن الدعوة جرم عظيم، وذنب يجب التوبة منه؛ ذلك أنه إذا انزوى العارفون بوجوه الإصلاح رفع البغي لواءه، وبقي إخوان الفساد يترددون على أماكن المنكرات.
والبغي يضرب على الأمة الذلةَ والمسكنةَ، والانهماكُ في المنكرات يميت خصال الرجولة من نحو الشجاعة، وشدة البأس، والبذل في سبيل الخير.
وإذا تفشى وباء الفساد تداعت الأخلاق الفاضلة إلى سقوط، ونضب ماء الحياء من الوجوه، ووهنت رابطة الاتحاد في القلوب، وتضاءلت الهمم عن معالي الأمور، وقلَّت الرغبة في الآداب والعلوم.
وما عاقبة الأمة المصابة بالذل والإحجام، والجهل والتفرق، وقلة الإنفاق في سبيل البر إلا الدمار.
ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين ووعظ المسرفين أن إقبالهم على شأنهم، واقتصارَهم في العمل الصالح على أنفسهم يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينقلب إليه الفاسقون.
فالذي جرت به سنة الله في الأمم أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض، وظهر في أكثر نواحيها لا تنزل عقوبته بديار الظالمين أو الفاسقين خاصة، بل تتعداها إلى ما حولها، وترمي بشرر يلفح وجوه جيرانهم الذين تخلوا عن نصيحتهم، ولم يأخذوا على أيديهم.
قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال:25]
فإذا كَثُرَ الخبث هلك الناس وفيهم الصالحون بنص السنة الصحيحة كما في الحديثين الآتيين:
(حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل عليها فزعا يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث).
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله عز وجل بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله.
فأين النوعية المصلحة التي تكفل الله بإنجائها إذا حلَّ العذاب بأهل القرى: قال تعالى: (فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) [الأعراف:165].
إن من البلية في سكوت أهل العلم أن العامة يتخذونه حجة على إباحة الأشياء أو استحسانها؛ فإذا نهيتهم عن بدعة سيئة، وسقت إليهم الدليل على قبحها ومخالفتها لما شرع الله_كان جوابهم أنهم فعلوها بمرأى أو مسمع من فلان من أهل العلم ولم يعترض فعلهم بإنكار!.
ومن أثر التهاون بالإرشاد أن يتمادى المفسدون في لهوهم، ولا يقفوا في اتباع شهواتهم عند غاية؛ فتقع أعين الناس على هذه المناكر كثيراً، فتألفها قلوبهم، حتى لا يكادوا يشعرون بقبح منظرها، أو يتفكروا في سوء عاقبتها.
ومن أثر هذا أن يقبل عليهم الحق بنوره الساطع ووجهه الجميل، فتجفل منه طباعهم، وتجفوه أذواقهم لأول ما يُشْرف عليها 1.
وإذا كان الأمر كذلك كان لزاماً على الأمة أفراداً وجماعات أن تتوب من التقصير في الدعوة إلى الله، وأن يقوم كل فرد بحسبه بما أوجب الله عليه من نصرة دين الله، هذا بلسانه، وهذا بقلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، ولكل وجهة هو موليها، وقد علم كل أناس مشربهم.
هذه بعض الأخطاء التي تقع في باب التوبة، وسيأتي_ضمناً_في الفصل الآتي مزيد بيان لبعض الأخطاء.
(مسائلٌ هامة في التوبة:
مسألة: ما هي التوبة الواجبة والتوبة المستحبة؟
التوبة الواجبة تكون من فعل المحرمات وترك الواجبات، والمستحبة تكون من فعل المكروهات، وترك المستحبات.
فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين، ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين: إما الكافرين، وإما الفاسقين 2.
مسألة: ما هي التوبة النصوح؟
التوبة النصوح: هي الخالصة، الصادقة، الناصحة، الخالية من الشوائب، والعلل، وهي التي تكون من جميع الذنوب؛ فلا تدع ذنباً إلا تناولته، وهي التي يجمع صاحبها العزم والصدق بكليته عليها؛ بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوُّمٌ، ولا انتظار، وهي التي تقع؛ لمحض الخوف من الله، وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده؛ فليست لحفظ الجاه، والمنصب، والرياسة، ولا لحفظ الحال، أو القوة، أو المال، ولا لاستدعاء حمد الناس، أو الهرب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، ولا لقضاء النهمة من الدنيا، أو للإفلاس والعجز، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها، وخلوصها لله تعالى، فمن كانت هذه حاله غفرت ذنوبه كلها، وإذا حسنت توبته بدل الله سيئاته حسنات 3.
مسألة: إذا تاب العبد من بعض الذنوب مع إصراره على بعضها الآخر، فهل تُقْبل توبته مما تاب منه؟
الجواب: الواجب على العبد أن يتوب من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، فإذا تاب من بعضها مع إصراره على بعضها الآخر قبلت توبته مما تاب منه، ما لم يُصرَّ على ذنب آخر من نوعه.
أما إذا تاب من ذنب مع مباشرة ذنب آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه صحت توبته مما تاب منه.
مثال ذلك أن يتوب من الربا، وهو مصر على السرقة وشرب الخمر، فتقبل توبته من الربا.
أما إذا تاب من نوع من أنواع الربا وهو مصر على نوع آخر منه، أو تاب من نوع منه، وانتقل إلى نوع آخر فلا تقبل توبته كحال من يتوب من ربا الفضل وهو مصر على ربا النسيئة، أو أن ينتقل من ربا الفضل إلى ربا النسيئة، وكحال من يتوب من الزنا بامرأة، وهو مصر على الزنا بأخرى؛ فإن توبته لا تصح؛ فهو لم يتب في الحقيقة من الذنب، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر.
وقد يتصور أن يتوب الإنسان من الكثير من الذنوب دون القليل؛ لأن لكثرة الذنوب تأثيراً في كثرة العقوبة، وصعوبة التوبة 1.
وبالجملة فكل ذنب له توبة خاصة، وهي فرض منه لا تتعلق بالتوبة من غيره؛ فهذه هي التوبة الخاصة.
وحكمها أنها تصح فيما تاب منه؛ شريطة أن يكون التائب باقياً على أصل الإيمان.
وسر المسألة أن التوبة تتبعض كالمعصية؛ فيكون تائباً من وجه دون وجه كالإسلام والإيمان 2.
وهذا هو قول جمهور أهل السنة والجماعة 3.
ثم إن على العبد إذا وفقه الله لترك ذنب من الذنوب أن يسعى في التخلص من الباقي؛ لأن الإصرار على الذنوب يقود إلى ذنوب أخرى؛ فالحسنة تهتف بأختها، والسيئة كذلك.
مسألة: كيف يتوب من اغتصب مالاً؟
أما توبة من اغتصب مالا فعليه رد هذا المال لأصحابه، فإن تعذر عليه رده لجهله بأصحابه، أو لانقراضهم، أو لغير ذلك فعليه أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان له الخيار بين أن يجيزوا ما فعل، وتكون أجورها لهم، وبين ألا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أحوالهم ويكون ثواب تلك الصدقة له إذا لا يبطل الله سبحانه ثوابها.
فقد روى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن فذهب رب الجارية، فإن رضي فالأجر له وإن أبى فالأجر لى وله من حسناتي بقدره.
مسألة: كيف يتوب من عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العِوض كبائع الخمر والمُغَنَّي وشاهد الزور ثم تاب والعوض بيده؟
الجواب:
وأما توبة من عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العِوض كبائع الخمر والمُغَنَّي وشاهد الزور ثم تاب والعوض بيده على قولين لأهل العلم كما يلي:
فقالت طائفة يرده إلي مالكه إذ هو عينُ ماله، ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لربه في مقابلته نفعٌ مباح، وقالت طائفة – بل وهو أصوب القولين -:بل توبته بالتصدق به وكيف يرد إلى دافعه مالاً استعان به على معاصي الله؟ وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام ويطيب باقي ماله والله أعلم.
مسألة: إنسان يعمل في المصانع التابعة لشركات أجنبية والمختلطة من حيث التوقيت في العمل، ومن حيث الجنسين وما يتبع ذلك من محادثات ومزح وما إلى ذلك ومشاهدة أشياء محرمة وفواحش تقع بين بعض الشبان وبعض الفتيات خصوصا عند العمل ليلا، وكان يحصل على أجره كل شهر، والآن وقد ترك العمل منذ سنتين، وبقي لدي أشياء كان قد اشتراها من تلك الرواتب التي كان يتقاضاها، منها آلة خياطة كان يخيط عليها الملابس للفتيات، وكان لا يهتم لاحتشام هذه الملابس، بل كان يخيط كل ما تريده زبوناته، ولكنه الآن تاب إلى الله عز وجل، ولم يعد يفعل ذلك.
فما حكم تلك الأموال التي كان يتقاضاها، وما حكم ما بقي من الأشياء التي اشتراها بذلك المال، وكيف يتصرف فيها، ومنها آلة الخياطة، وبعض الذهب، وبعض الأثاث والمفروشات؟
الجواب:
أولا: نحمد الله تعالى أَنْ مَنَّ عليك بالتوبة، ورزقك الإنابة، فوالله إن خير ما يكسبه المرء في دنياه صدق الرجوع إلى الله، ومن أراد الله به خيرا فتح له باب الذل والانكسار والافتقار، وأراه عيوب نفسه وجهلها وظلمها وتعديها حدوده، وألان قلبه إلى التوبة والاستغفار والندم على الذنب والتفريط.
فقد كان عملك في الأماكن المختلطة وفي صنع وإنتاج ما يستعمل على الوجه الحرام من المحرمات التي تمنعها الشريعة الإسلامية، حفظا للدين، وصيانة لمجتمعات المسلمين، والتزاماً بحدود الله، وتعظيماً لشرعه، ومعرفةً لقدره عز وجل.
(قال ابن القيم في "الوابل الصيب" (ص/32):
" وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحات حشية الوقوع في المكروهات، ومجانبة مَن يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها، فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحرماته " انتهى.
ثانيا: خياطة الملابس النسائية الفاضحة - لمن تلبسها في المعصية وتستعملها في الفتنة – من الأعمال المحرمة؛ لما فيها من الإعانة على المنكر، والواجب على المسلم تعظيم حدود الله فلا يرضى أن يعصى الرب تعالى من طريقه، ولا يقبل أن يكون من أعوان الشيطان وحزبه.
(قال ابن تيمية في "شرح العمدة" (4/ 387):
" وكل لباس يغلب على الظن أن يستعان بلبسه على معصية فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم، وكذلك كل مباح في الأصل علم أنه يستعان به على معصية " انتهى.
(وقال أيضا – كما في "مجموع الفتاوى" (22/ 141):
" إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان، ولهذا لعن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها.
وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على شربها، ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما: كقتال المسلمين، والقتال فى الفتنة " انتهى.
(وقال ابن حزم في "المحلى" (7/ 522):
" ولا يحل بيع شيء ممن يوقن أنه يعصي الله به أو فيه, وهو مفسوخ أبدا:
كبيع كل شيء يعصر ممن يوقن بها أنه يعمله خمرا، وكبيع المملوك ممن يوقن أنه يسيء ملكته، أو كبيع السلاح أو الخيل: ممن يوقن أنه يعدو بها على المسلمين، أو كبيع الحرير ممن يوقن أنه يلبسه, وهكذا في كل شيء ; لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتّقْوَىَ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2]
والبيوع التي ذكرنا تعاون ظاهر على الإثم والعدوان بلا تطويل, وفسخها تعاون على البر والتقوى.
فإن لم يوقن بشيء من ذلك فالبيع صحيح ; لأنه لم يعن على إثم, فإن عصى المشتري الله تعالى بعد ذلك فعليه " انتهى باختصار.
(وجاء في "الموسوعة الفقهية" (2/ 73):
" لا يجوز احتراف ما يؤدي إلى الحرام أو ما يكون فيه إعانة عليه, كالوشم: لما فيه من تغيير خلق الله، وككتابة الربا: لما فيه من الإعانة على أكل أموال الناس بالباطل، ونحو ذلك " انتهى.
ثالثا: التوبة من المال الحرام شرطها التخلص منه، وذلك بصرفه في مصالح المسلمين، وفي أوجه البر المختلفة.
(قال ابن تيمية رحمه الله – كما في "مجموع الفتاوى" (22/ 142):
" ومن أخذ عِوضًا (أجرة) عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل: أجرة حَمَّال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البَغِيّ، ونحو ذلك، فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض (الأجرة) كفارة لما فعله؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث " انتهى.
(وجاء في "الفروع" (2/ 666) لابن مفلح:
" والواجب في المال الحرام التوبة وإخراجه على الفور " انتهى.
فالواجب عليكِ تقدير ما حصلته من أجرة خياطة ثياب النساء المتبرجات، ثم إخراجه للفقراء والمساكين رجاء تكفير الإثم والمعصية السابقة.
أما الأموال التي حصلتِها من العمل في المصنع – ومنها آلة الخياطة - فلا يجب عليك إخراجها ولا التخلص منها؛ لأن الحرام لم يتعلق بأصل العمل، بل بالاختلاط الذي صاحبَه، وهو أمر خارجٌ عن أصله، اللهم إلا إذا كان عمل المصنع في الحرام، كمصانع الخمور والدخان والآلات المحرمة، فيجب عليك حينذ إخراج الأجرة التي أخذتها منه.
وإن ضاق عليك الحال، ولم تتمكني من إخراج جميع المال الذي حصلته من خياطة الملابس المحرمة، فلا حرج عليك من إبقاء ما تحتاجين إليه.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (29/ 308):
" فإن تابت هذه البغي وهذا الخَمَّار وكانوا فقراء، جاز أن يُصرف إليهم من هذا المال قدر حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل، أعطي ما يكون له رأس مال " انتهى.
(ماذا يفعل التائب إذا اختلطت أمواله الحرام بأمواله الحلال:
مسألة: ماذا يفعل بالمال الذي ربحه من تجارة الدخان، وكذلك إذا احتفظ بأمواله الأخرى الحلال؟
الجواب: الحمد لله،
من تاجر بالمحرمات كبيع آلات اللهو والأشرطة المحرمة والدخان وهو يعلم حكمها ثم تاب يصرف أرباح هذه التجارة المحرمة في وجوه الخير تخلصاً لا صدقة، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
وإذا اختلط هذا المال الحرام بأموال أخرى حلال كصاحب البقالة الذي يبيع الدخان مع السلع المباحة، فإنه يقدر هذا المال الحرام تقديراً باجتهاده، ويخرجه بحيث يغلب على ظنه أنه نقى أمواله من الكسب الحرام، والله يعوضه خيراً وهو الواسع الكريم.
وعلى وجه العموم فإن من لديه أموالاً من كسب حرام، وأراد أن يتوب فالمسألة على التفصيل الآتي:
1 كافراً عند كسبها فلا يُلزم عند التوبة بإخراجها لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُلزم الصحابة بإخراج ما لديهم من الأموال المحرمة لما أسلموا.
2 وأما إن كان عند كسبه للحرام مسلماً عالماً بالتحريم فإنه يُخرج ما لديه من الحرام إذا تاب.
مسألة: إذا تاب العبد من الذنب هل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التي حطه عنها الذنب أو لا يرجع إليها؟
الجواب:
قالت طائفة: يرجع إلى درجته لأن التوبة تجب الذنب بالكلية وتصيره كأن لم يكن لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الندم توبة و التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وقالت أخرى: لا يعود إلى درجته وحاله لأنه لم يكن في وقوف، وإنما كان في صعود، فبالذنب صار في هبوط، فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعداً به للترقي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحيح: أن من التائبين من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيراً مما كان قبل الذنب، وكان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، وهنا مثلٌ مضروب: رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمْن فهو يعدو مرة ويمشى أخرى، ويستريح تارة وينام أخرى فبينما هو كذلك إذ عرض له في سيره ظل ظليل، وماء بارد ومقيل، وروضة مزهرة، فدعته نفسه إلى النزول على تلك الأماكن فنزل عليها، فوثب عليه منها عدو فأخذه وقيده ومنعه عن السير، فعاين الهلاك وظن أنه منقطع به، وأنه رزق الوحوش والسباع، وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمه، فبينما هو على ذلك تتقاذفه الظنون، إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر فحل كتافه وقيوده، وقال له: اركب الطريق واحذر هذا العدو فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد، واعلم أنك ما دمت حاذراً منه متيقظاً له لا يقدر عليك فإذا غفلت وثبت عليك، وأنا متقدمك إلى المنزل وفرط لك فاتبعني على الأثر، فإذا كان هذا السائر كيساً فطناً لبيباً حاضر الذهن والعقل استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول، وأتم وأشتد حذره وتأهب لهذا العدو، وأعد له عدته، فكان سيره الثاني أقوى من الأول وخيراً منه ووصوله إلى المنزل أسرع وأن غفل عن عدوه، وعاد إلى مثل حاله الأول من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد، عاد كما كان، وهو معرض لما عرض له أولاً، وإن أورثه ذلك توانياً في سيره وفتوراً، وتذكراً لطيب مقيله وحسن ذلك الروض أو عذوبتة مائه لم يعد إلى مثل سيره ونقص عما كان.
(هل تصح التوبة ممن أصيب بمرض لا يرجى شفاؤه؟
مسألة: رجل له ذنوب كثيرة، أصيب بمرض خطير وحاول العلاج فلم يستفيد وقال له الأطباء إنه لا علاج لديهم لحالته، وهو الآن نادم ويريد التوبة فهل تصح توبته وهو مصاب بهذا المرض القاتل الذي لا يرجى شفاؤه؟ الجواب: قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في لقاء الباب المفتوح 53/ 73:
نعم تصح التوبة من إنسان أيس من حياته، إما بمرض لا يرجى شفاؤه كمرض السرطان مثلاً، وإما بتقديمه للقتل كرجل قدم ليقتص منه، حتى ولو كان السياف على رأسه، وإما من إنسان محصن زنى واستحق الرجم، وحتى لو كانت الحجارة قد جمعت لرجمه، فإنه تصح توبته، لأن الله تعالى يقبل توبة الإنسان ما لم يغرغر بروحه، لقوله تعالى: (إِنّمَا التّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلََئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [النساء: 17] ومعنى قوله: يتوبون من قريب: أي يتوبون قبل الموت، لقوله تعالى بعد هذه الآية: (وَلَيْسَتِ التّوْبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ حَتّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ الاَنَ) [النساء: 18]، ولكن التوبة لابد لها من شروط خمسة: الإخلاص، والندم على ما فعل، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعود في المستقبل، وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، أي بأن تكون قبل الموت أو قبل طلوع الشمس من مغربها.
(هل تصح توبة العاجز عن المعصية؟
مسألة: هل تصح توبة العاجز عن المعصية؟
الجواب:
توبة العاجز عن المعصية: إذا حيل بين العاصي وبين أسباب المعصية، فعجز عنها، بحيث يتعذر وقوعها منه فهل تصح توبته إذا تاب؟
وذلك كحال السارق إذا قطعت أطرافه الأربعة، وكالزاني إذا جُبَّ، أو عجز عن ممارسة الزنا، وكحال من وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها، كمن يحكم عليه بالسجن المؤبد، أو كمن حكم عليه بالقتل وهو ينتظر موعد التنفيذ، ونحو ذلك مما شاكله وجرى مجراه؛ فهل للواحد من هؤلاء توبة مع أنه قد حيل بينه وبين ما كان يفعله من معاصٍ؟
والجواب: أن له توبة إن شاء الله تعالى فالتوبة ممكنة صحيحة إذا أتى بها على وجهها، ولا يؤاخذ بما يرد على قلبه من وساوس تُزَيّن له المعصية، وتمنيه بالرجوع إليها.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلَّم.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الأقوال والخلاف في هذه المسألة: =القول الثاني: وهو الصواب أن توبته ممكنة، بل واقعة؛ فإن أركان التوبة مجتمعة فيه، والمقدور له منها الندم، وفي المسند مرفوعاً: الندم توبة.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الندم توبة و التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فإذا تحقق ندمُه على الذنب، ولومُه نفسَه عليه فهذه توبة، وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه على الذنب، ولومه نفسَه؟ ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه، وحزنه، وخوفه، وعزمه الجازم، ونيته أنه لو كان صحيحاً والفعل مقدوراً له لما فعله.
وإذا كان الشارع قد نزَّل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته كقوله في الحديث الصحيح:
(حديث أبي قتادة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له ما كان يعمله وهو صحيحٌ مقيم.
وفي الصحيح أيضاً عنه:
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم.
قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:
والمراد بالعذر: ما هو أعم من المرض وعدم القدرة على السفر.
(وقال أيضاً: وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل.
أهـ
وله نظائر في الحديث فتنزيل العاجز عن المعصية التارك لها قهراً مع نيته تركَها اختياراً لو أمكنه منزلةَ التارك المختار أولى (1).
(ثم قال رحمه الله تعالى: يوضحه: أن مفسدة الذنب التي يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة، ومن فعله تارة.
ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلاً وعزماً، والعقوبة تابعة للمفسدة.
وأيضاً فإن هذا تعذر منه الفعل ما تعذر منه التمني والوداد؛ فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب، ومن نيته: أنه لو كان سليماً لباشره فتوبته بالإقلاع عن هذا الوداد، والتمني، والحزن على فوته؛ فإن الإصرار مُتَصَور في حقه قطعاً، فَيُتصَوَّر في حقه ضده، وهو التوبة، بل هي أولى بالإمكان والتصورِ من الإصرار، وهذا واضح (2).
(ثم بين رحمه الله تعالى الفرق بين العاجز وبين المعاين فقال: والفرق بين هذا وبين المعاين ومن ورد القيامة أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة، والتوبة إنما تكون في زمن التكليف، وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف؛ فالأوامر والنواهي لازمة له، والكف متصور منه عن التمني، والوداد، والأسفِ على فوته، وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله، والله أعلم 1.
إذا تقرر هذا فإنه يحسن التنبيه على مسألة وهي أن الشيطان ربما وسوس لهذا العاجز التائب، وألقى في قلبه أنه لم يتب إلا لعجزه، وأن توبته كاذبة غير مقبولة.
وربما قال له ذلك رفقة السوء.
فالواجب على التائب في مثل هذه الحالة أن يحسن ظنه بربه، وأن يستعيذ بالله من وساوس شياطين الجن والإنس، وأن يأتي بالتوبة على نحو ما ذكر في الأسطر الماضية.
(هل يجزم التائب النادم بأنّ توبته قد قُبلت؟
مسألة: إذا استكمل التائب شروط التوبة بينه وبين نفسه، فهل يجزم أن توبته قد قبلت أم يرجو فقط؟
الجواب:
الصحيح أنهلا أحد يجزم بقبول التوبة بل يرجو فقط.
(هل القسم شرط في التوبة؟
مسألة: هل القسم شرط في التوبة؟
الجواب:
إن المولى جلت قدرته، وعظم سلطانه، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره مهما كان هذا الذنب، ما دام أن العبد قد تاب منه, قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53]
فباب التوبة مفتوح ما لم يعاين المرء الموت، وما لم تطلع الشمس من مغربها.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
َ (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) مِنَ الْغَرْغَرَةِ أَيْ مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ إِلَى الْحُلْقُومِ يَعْنِي مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْمَوْتِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا.
(حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
هذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها، وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن اللّه تعالى يبسط يده بالليل) أي فيه
(ليتوب مسيء النهار) مما اجترح فيه وهو إشارة إلى بسط يد الفضل والإنعام لا إلى الجارحة التي هي من لوازم الأجسام فالبسط في حقه عبارة عن التوسع في الجود والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة
(ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) يعني يقبل التوبة من العصاة ليلاً ونهاراً أي وقت كان فبسط اليد عبارة عن قبول التوبة ومن قبل توبته فداه بأهل الأديان يوم القيامة كما مر ويجيء في خبر وفيه تنبيه على سعة رحمة اللّه وكثرة تجاوزه عن المذنبين ولا يزال كذلك
(حتى تطلع الشمس من مغربها) فإذا طلعت منه غلق باب التوبة قال في المطامح: ومن أنكر طلوعها من مغربها كفر وسمعت عن بعض أهل عصرنا أنه ينكره نعوذ باللّه من الخذلان انتهى وأنت خبير بأن جزمه بالتكفير لا يكاد يكون صحيحاً سيما في حق العامة لأنه لم يبلغ مبلغ المعلوم من الدين بالضرورة ومجرد وروده في أخبار صحاح لا يوجب التكفير فتدبر.
(فعلى المسلم أن يغتنم هذه الفرصة وهذا الفضل العظيم من الله جل جلاله ويعجل بالتوبة ما دام في زمن الإمهال ولا يسوف بالتوبة.
ولكن يجب أن تكون هذه التوبة توبة نصوحا, كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8]
وهآنذا أُبَيِّن لك شروط التوبة الصادقة جملةً وتفصيلا:
(أولاً: شروط التوبة الصادقة جملةً:
1 الإخلاص لله تعالى:
(2) الإقلاع عن المعصية: (3) الاعتراف بالذنب: (4) الندم على ما سلف من الذنوب والمعاصي: (5) العزم على عدم العودة: (6) التحلل من المظالم: (7) أن تصدر في زمن قبولها: (ثانيا: شروط التوبة الصادقة تفصيلا: (1) الإخلاص لله تعالى:
فيكون الباعث على التوبة حب الله وتعظيمه ورجاؤه والطمع في ثوابه، والخوف من عقابه، لا تقرباً الى مخلوق، ولا قصداً في عرض من أعراض الدنيا الزائلة، ولهذا قال سبحانه: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:146] (2) الإقلاع عن المعصية:
فلا تتصور صحة التوبة مع الإقامة على المعاصي حال التوبة، أما إن عاود الذنب بعد التوبة الصحيحة، فلا تبطل توبته المتقدمة، ولكنه يحتاج الى توبته جديدة وهكذا.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
وأما الإقلاع: فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب.
(3) الاعتراف بالذنب:
إذ لا يمكن أن يتوب المرء من شئ لا يعده ذنباً.
(4) الندم على ما سلف من الذنوب والمعاصي:
ولا تتصور التوبة إلا من نادم حزين آسف على ما بدر منه من المعاصي، لذا لا يعد نادماً من يتحدث بمعاصيه السابقة ويفتخر بذلك ويتباهى بها، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الندم توبة.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(الندم توبة) أي هو معظم أركانها لأن الندم وحده كاف فيها من قبيل الحج عرفة وإنما كان أعظم أركانها لأن الندم شيء متعلق بالقلب، والجوارح تبع له فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي فرجعت برجوعه الجوارح.
(تتمة) قال في الحكم: من علامة موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من المرافقات وترك الندم على ما فعلته من الزلات.
(فائدة) من ألفاظهم البليغة مخلب المعصية يقص بالندامة وجناح الطاعة يوصل بالإدامة.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الندم توبة و التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له) قال الغزالي: إنما نص على أن الندم توبة ولم يذكر جميع شروطها ومقدماتها لأن الندم غير مقدور للعبد فإنه قد يندم على أمر وهو يريد أن لا يكون والتوبة مقدورة له مأمور بها فعلم أن في هذا الخبر معنى لا يفهم من ظاهره وهو أن الندم لتعظيم اللّه وخوف عقابه مما يبعث على التوبة النصوح فإذا ذكر مقدمات التوبة الثلاث وهي ذكر غاية قبح الذنوب وذكر شدة عقوبة اللّه وأليم غضبه وذكر ضعف العبد وقلة حيلته يندم ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل فتحمله على الابتهال والتضرع ويجزم بعدم العود إليه وبذلك تتم شروط التوبة الأربعة فلما كان الندم من أسباب التوبة سماه باسمها.
(5) العزم على عدم العودة:
فلا تصح التوبة من عبد ينوي الرجوع الى الذنب بعد التوبة، وإنما عليه أن يتوب من الذنب وهو يحدث نفسه ألا يعود إليه في المستقبل.
(6) ردّ المظالم الى أهلها:
فإن كانت المعصية متعلقة بحقوق الآدميين وجب عليه أن يرد الحقوق الى أصحابها إذا أراد أن تكون توبته صحيحة مقبولة؛
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
فهذا الذنب يتضمن حقين: حق الله وحق الآدمي، فالتوبة منه بتحلل الآدمي لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه.
مسألة: إذا كانت المظلمة بقدح في الآدمي بغيبة، أو بقذف، فهل يُشترط إعلامه؟
الجواب:
العلماء في ذلك على قولين كما يلي:
القول الأول: اشترطوا الإعلام، واحتجوا بالحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
والقول الآخر: أنه لا يشترط الإعلام، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب أو المقذوف في مواضع غيبته، أو قذفه بضد ما ذكره به، ويستغفر له، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، احتج لذلك بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلا عن أن يوجبه أو يأمر به.
(7) أن تصدر في زمن قبولها:
وهو ما قبل حضور الأجل، وطلوع الشمس من مغربها، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
َ (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) مِنَ الْغَرْغَرَةِ أَيْ مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ إِلَى الْحُلْقُومِ يَعْنِي مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْمَوْتِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا.
(حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
هذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها، وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن اللّه تعالى يبسط يده بالليل) أي فيه
(ليتوب مسيء النهار) مما اجترح فيه وهو إشارة إلى بسط يد الفضل والإنعام لا إلى الجارحة التي هي من لوازم الأجسام فالبسط في حقه عبارة عن التوسع في الجود والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة
(ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) يعني يقبل التوبة من العصاة ليلاً ونهاراً أي وقت كان فبسط اليد عبارة عن قبول التوبة ومن قبل توبته فداه بأهل الأديان يوم القيامة كما مر ويجيء في خبر وفيه تنبيه على سعة رحمة اللّه وكثرة تجاوزه عن المذنبين ولا يزال كذلك
(حتى تطلع الشمس من مغربها) فإذا طلعت منه غلق باب التوبة قال في المطامح: ومن أنكر طلوعها من مغربها كفر وسمعت عن بعض أهل عصرنا أنه ينكره نعوذ باللّه من الخذلان انتهى وأنت خبير بأن جزمه بالتكفير لا يكاد يكون صحيحاً سيما في حق العامة لأنه لم يبلغ مبلغ المعلوم من الدين بالضرورة ومجرد وروده في أخبار صحاح لا يوجب التكفير فتدبر.
(وبهذا يُعْلَمٍ أنه ليس من شرط التوبة عدم العود إلى الذنب, وإنما شرطه العزم الجازم الصادق على أن لا يعود،
فإن تاب العبد من الذنب الذي هو عليه ثم لعب به الشيطان ونكص على عقبيه ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ فلا ييأس من روح الله، وليجدّ في التوبة مرة أخرى فإن الله يقبله، فهو سبحانه واسع الفضل عظيم المغفرة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
َ (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) مِنَ الْغَرْغَرَةِ أَيْ مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ إِلَى الْحُلْقُومِ يَعْنِي مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْمَوْتِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا.
(حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
هذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها، وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن اللّه تعالى يبسط يده بالليل) أي فيه
(ليتوب مسيء النهار) مما اجترح فيه وهو إشارة إلى بسط يد الفضل والإنعام لا إلى الجارحة التي هي من لوازم الأجسام فالبسط في حقه عبارة عن التوسع في الجود والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة
(ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) يعني يقبل التوبة من العصاة ليلاً ونهاراً أي وقت كان فبسط اليد عبارة عن قبول التوبة ومن قبل توبته فداه بأهل الأديان يوم القيامة كما مر ويجيء في خبر وفيه تنبيه على سعة رحمة اللّه وكثرة تجاوزه عن المذنبين ولا يزال كذلك
(حتى تطلع الشمس من مغربها) فإذا طلعت منه غلق باب التوبة قال في المطامح: ومن أنكر طلوعها من مغربها كفر وسمعت عن بعض أهل عصرنا أنه ينكره نعوذ باللّه من الخذلان انتهى وأنت خبير بأن جزمه بالتكفير لا يكاد يكون صحيحاً سيما في حق العامة لأنه لم يبلغ مبلغ المعلوم من الدين بالضرورة ومجرد وروده في أخبار صحاح لا يوجب التكفير فتدبر.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال فيما يحكي عن ربه عز وجل: أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك.
ولكن ينبغي على المسلم العاقل أن يكون صادق التوبة مع الله، صادق العزم على عدم العودة مرة أخرى، نادمًا على ما قد جناه، ولا تكون توبته بلسانه فقط دون جوارحه، فهذه توبة الكذابين.
وأما القسم أو النذر بأن لا يفعل العبد هذا الذنب مرة أخرى, فلا حاجة إليه, فالتوبة النصوح تحصل باجتماع الشروط السابقة.
(من اشترى شقة بالربا فكيف يتوب من فعله؟
مسألة: كنت قد اشتريت شقة قبل عامين عن طريق أحد البنوك الربوية، فدفعت خمسة آلآف دينار أردني والباقي دفعهم البنك، وكان سعر الشقة 27 ألف دينار، وتم الاتفاق على دفع أقساط شهرية لمدة (92) شهراً، وقيمة القسط الواحد (208) دينار أردني، والآن أريد أن أتخلص من البنك وأتوب إلى الله، مع العلم أن الأقساط المدفوعة حتى الآن (13000) دينار أردني.
فما هو الحل الأنسب للتخلص من هذا الذنب؟ مع العلم أني لا أملك أن أدفع باقي سعر الشقة، وأن سعر الشقق في الأردن تضاعف هذه الأيام، أي: أني لو عرضت شقتي للبيع ستباع بسعر مضاعف -؟.
الجواب:
أولاً: نسأل الله أن يوفقك للتوبة من التعامل بالربا؛ فإن الربا من كبائر الذنوب، والمتعامل به مستحق للوعيد الشديد.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة278،279]
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه وقال هم فيه سواء.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه وقال هم فيه سواء: هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما وفيه تحريم الإعانة على الباطل والله أعلم
ثانياً:
ومن تمام توبتك أن تتخلص من الفوائد الربوية التي تدفعها للبنك، فإن كانت تلك الفوائد يمكن أن تزول عنك أو يزول بعضها: فينبغي أن تعجل دفع أقساطهم ولو ببيع بيتك، أما إن كانت الفوائد الربوية قد لزمتك ولم يعد بإمكانك الفكاك منها، ولا تقليلها، فلا حرج عليك من الانتفاع بالبيت، إما بالسكن فيه، أو تأجيره، أو غير ذلك من أوجه الانتفاع.
ونسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك ويوفقك لما يجبه ويرضاه.
(كسب أموالا محرمة واشترى بها شقة فهل يتخلص منها:
مسألة: كان رجلٌ يعمل في وظيفة قبل الزواج واكتسب فيها بعض المال غير الحلال، وبعد فترة من الزمان جمع هذه الأموال واشترى شقة سكنية واشترك في نصف سيارة نقل، وهذا كل ما يملكه، وبعد الزواج عاهدت الله أن لا يدخل في بيته مالا حراما، وترك العمل، وتاب إلى الله، فماذا يفعل في الشقة والسيارة؟
الجواب:
أولا: نسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك، وأن يرزقك الرزق الحلال الطيب.
واعلم أن من شروط التوبة: رد المظالم إلى أهلها، فإذا كان شيء من هذا المال أخذ بغير رضا، كالسرقة أو الغش والخداع، فيلزم رد المال إلى أصحابه، فإن لم يمكن الوصول إليهم أو إلى ورثتهم بعد البحث والتحري، فإنك تتصدق به على نية أنه لهم، فإن جاء صاحبه يوما من الدهر، فإنك تخيره بين رد المال إليه ويكون ثواب الصدقة لك، أو إمضاء الصدقة ويكون ثوابها له.
ثانيا: أما إذا كانت الأموال المحرمة قد أخذت في معاوضات أو أعمال محرمة، على وجه التراضي، كثمن الخمر، وأجرة الغناء والزمر والكهانة وكتابة الربا وشهادة الزور ونحو ذلك من الأعمال المحرمة، ففيها تفصيل:
أ – فما كسبه الإنسان من ذلك وهو جاهل بتحريمه، فإنه له، ولا يلزمه التخلص منه؛ لقول الله تعالى في الربا بعد نزول تحريمه: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/275.
ب- وإن كان يعلم تحريم هذا المال، لكنه أنفقه وذهب، فإذا تاب الإنسان فلا شيء عليه.
ج – إذا كان المال باقيا، فإنه يلزم التخلص منه بإنفاقه في وجه الخير، إلا إذا كان محتاجا فإنه يأخذ منه قدر الحاجة، ويتخلص من الباقي.
(وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
أسأل سماحتكم عن فتوى شاعت بين الناس عن أحد العلماء، بأن الشخص إذا كسب مالا من صنع الخمر أو بيعه أو بيع المخدرات، وتاب إلى الله سبحانه وتعالى فإن هذا المال المكتسب عن طريق صنع الخمر أو بيعه أو بيع المخدرات وترويجها فإنه حلال.
فأجابوا: " إذا كان حين كسب الحرام يعلم تحريمه، فإنه لا يحل له بالتوبة، بل يجب عليه التخلص منه بإنفاقه في وجوه البر وأعمال الخير " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (14/ 33).
(قال ابن القيم رحمه الله: " إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض، كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده.
فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أصوب القولين... " انتهى من "مدارج السالكين" (1/ 389).
وقد بسط ابن القيم الكلام على هذه المسألة في "زاد المعاد" (5/ 778) وقرر أن طريق التخلص من هذا المال وتمام التوبة إنما يكون: " بالتصدق به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي " انتهى.
(وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فإن تابت هذه البَغِيّ وهذا الخَمَّار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال قدر حاجتهم، فإن كان يقدر يتّجر أو يعمل صنعة كالنسيج والغزل، أعطي ما يكون له رأس مال " انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/ 308).
وعليه؛ فإن كنت بحاجة إلى الشقة ونصيبك من سيارة النقل، فنرجو أن يعفو الله عنك، ولا يلزمك التخلص من شيء من ذلك.
وعليك بالاجتهاد في الأعمال الصالحة والإكثار من الصدقة، فإن الله تعالى يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه:82]
والله أعلم.
(الحكم في من سب دين رجل مسلم:
مسألة: هل تجب الكفارة على من سب مسلما.
كالقول لمسلم: لعن دين أمك؟
الجواب:
أولا: سب الدين أو الملة أو الإسلام كفر أكبر، بإجماع أهل العلم، يُستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، عياذا بالله من ذلك.
وأما سب دينِ شخصٍ مسلمٍ معين، كقوله: يلعن دينك، أو دين أمك – والحال أن أمّه مسلمة - فظاهره سب الدين أيضا، وهو كفر كما سبق، وأبدى بعض أهل العلم احتمالا، وهو أن يكون مراده حالة الشخص وتدينه، وهذا قد يؤخذ من القرائن المحيطة، فحينئذ يعزر ويؤدب، وبكل حال فإنه يستتاب ويراجع.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (24/ 139): " اتفق الفقهاء على أن من سب ملة الإسلام أو دين المسلمين يكون كافرا, أما من شتم دين مسلم، فقد قال الحنفية كما جاء في جامع الفصولين: ينبغي أن يكفر من شتم دين مسلم, ولكن يمكن التأويل بأن المراد أخلاقه الرديئة ومعاملته القبيحة لا حقيقة دين الإسلام فينبغي أن لا يكفر حينئذ " انتهى.
وقال الشيخ عليش المالكي: " وفيه أيضا [أي البرزلي] نزلت مسألة وهي أن رجلا كان يزدري الصلاة وربما ازدرى المصلين وشهد عليه ملأ كثير من الناس منهم من زكي ومنهم من لم يزك، فمن حمله على الازدراء بالمصلين لقلة اعتقاده فيهم فهو من سباب المسلم فيلزمه الأدب على قدر اجتهاد الحاكم، ومن يحمله على ازدراء العبادة فالأصوب أنه ردة لإظهاره إياه وشهرته به كهذه المسألة المذكورة، لا زندقة ويجرى على أحكام المرتد ا هـ.
قلت: يؤخذ من هذا الحكم فيمن سب الدين أو الملة أو المذهب وهو يقع كثيرا من بعض سفلة العوام كالحمّارة والجمّالة والخدامين وربما وقع من غيرهم وذلك أنه إن قصد الشريعة المطهرة والأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو كافر قطعا، ثم إن أظهر ذلك فهو مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن لم يظهره فهو زنديق يقتل ولو تاب.
وإن قصد حالة شخص وتديّنه فهو سب المسلم ففيه الأدب باجتهاد الحاكم، ويفرق بين القصدين بالإقرار والقرائن، وبعضهم يجعل القصد الثاني كالأول في الحكم، ففي البدر عن بهرام في مبحث الردة: إذا قال تارك الصلاة لمن قال له صل: إذا دخلت الجنة فأغلق الباب خلفك، فإن أراد أن الصلاة لا تأثير لها في الدين فقد ارتد اتفاقا، وإن أراد أن صلاة القائل لا تأثير لها لكونها لم تنهه عن الفحشاء والمنكر ففي ردته قولان ا هـ. ومن المعلوم أن من الدين والملة القرآن العزيز، وسبه كفر كما ذكره البرزلي في مواضع " انتهى من "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (2/ 346).
والاحتمال الذي ذكره، ربما وقع نادرا، وإلا فالأصل أن لعن دين الشخص هو لعن للإسلام، ولا يقدم على هذا إلا متهور مجترئ على حدود الله، مقتحم لهذه المهلكة العظيمة، ولندرة هذا الاحتمال فإن الشيخ عليش رحمه الله لم يذكره في موضع آخر، حيث سئل ما نصه: " (ما قولكم) في رجل لعن دين آخر، وفي آخر لعن مذهبه، وفي آخر قال له: يلعن مذهبك مذهب القطط، هل يرتدون أفيدوا الجواب.
فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، نعم قد ارتدوا بذلك، واستحقوا القتل إن لم يتوبوا اتفاقا؛ لأن سب الدين أو المذهب لا يقع إلا من كافر، ولأنه أشد من الاستخفاف به الموجب للكفر، ولأنه داخل في القسم الثاني المتقدم عن ابن عبد السلام والقرافي وابن رشد وغيرهم، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ". انتهى من "فتح العلي المالك" (2/ 355).
ثانيا: كفارة السب، سواء كان سبا للدين أو للشخص، هي التوبة النصوح، فمن تاب تاب الله عليه، إلا أن الساب يستحق التعزير والتأديب.
سئل النووي رحمه الله: " ماذا يجب على من يقول للمسلم: يا كلب، أو يا خنزير، ونحوه من الألفاظ القبيحة هل يأثم؟.
فأجاب: الحمد لله، يأثم ويعزر، وعليه التوبة.
والله أعلم ". انتهى من "فتاوى النووي" ص 224
(من تاب وعليه حقوق مالية ولم يستطع أداءها:
مسألة: من تاب وعليه حقوق مالية ولم يستطع أداءها كيف يكون مصيره في الآخرة؟
الجواب:
فصل الخطاب في هذه المسألة أنها على التفصيل الآتي:
(1) إن لم يكن صادق النية في السداد أو كان عاصياً بالتزامها فإن ظواهر السنن الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة.
وعليه تُحمل الأحاديث الآتية: (
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:
(أدى الله عنه): ولابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا وظاهره يحيل المسألة المشهورة فيمن مات قبل الوفاء بغير تقصير منه كأن يعسر مثلا أو يفجأه الموت وله مال مخبوء وكانت نيته وفاء دينه ولم يوف عنه في الدنيا ويمكن حمل حديث ميمونة على الغالب والظاهر أنه لا تبعة عليه والحالة هذه في الآخرة بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب الدين بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين كما دل عليه حديث الباب وأن خالف في ذلك بن عبد السلام والله أعلم.
(أتلفه الله): ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا وذلك في معاشه أو في نفسه وهو علم من أعلام النبوة لما نراه بالمشاهدة ممن يتعاطى شيئا من الأمرين وقيل المراد بالإتلاف عذاب الآخرة قال بن بطال فيه الحض على ترك استشكال أموال الناس والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نفسُ المؤمن معلقةٌ بدينه حتى يُقضى عنه.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ) قَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ: مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ أَيْ: أَمْرُهَا مَوْقُوفٌ لَا حُكْمَ لَهَا بِنَجَاةٍ، وَلَا هَلَاكٍَ حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ يُقْضَى مَا عَلَيْهَا مِنَ الدَّيْنِ أَمْ لَا.
انْتَهَى، وسَوَاءٌ تَرَكَ الْمَيِّتُ وَفَاءً أَمْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُخَلِّفُ وَفَاءً، كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي، وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ: فِيهِ الْحَثُّ لِلْوَرَثَةِ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ، وَالْإِخْبَارُ لَهُمْ بِأَنَّ نَفْسَهُ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ، وهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَنْ لَهُ مَالٌ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ، وأَمَّا مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَمَاتَ عَازِمًا عَلَى الْقَضَاءِ للدين، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي عَنْهُ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ مَحَبَّةِ الْمَدْيُونِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِلْقَضَاءِ مُوجِبَةٌ لِتَوَلِّي اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَقْضِ مِنْهُ الْوَرَثَةُ الميت.
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: ﴿مَنِ ادَّانَ بِدَيْنٍ فِي نَفْسِهِ وَفَاؤُهُ، وَمَاتَ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى غَرِيمَهُ بِمَا شَاءَ، وَمَنِ ادَّانَ بِدَيْنٍ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ وَفَاؤُهُ، وَمَاتَ، اقْتَصَّ اللَّهُ لِغَرِيمِهِ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿الدَّيْنُ دَيْنَانِ.
فَمَنْ مَاتَ، وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَمَنْ مَاتَ، وَلَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ، لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ، وَلَا دِرْهَمٌ﴾
(2) أما إذا استدان في مواضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات أو أتلف شيئاً خطأ وعجز عن غرامته حتى مات: فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة إذ لا معصية منه، والمرجو أن الله تعالى يعوِّض صاحب الحق...
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ميمونة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من ادان دينا ينوي قضاءه أداه الله عنه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(من ادّان ديناً ينوي) أي وهو ينوي كما جاء مصرحاً به في رواية صحيحة
(قضاءه أداه اللّه عنه يوم القيامة) بأن يرضي خصماءه، وقال الغزالي: الشأن في صحة النية فهي معدن غرور الجهال ومزلة أقدام الرجال.
(من أخبر عن نفسِه أنَّه كفر، فما الحُكمُ، وكيف يتوب:
مسألة: في خِصامٍ حادٍّ، أخبر عن نفسِه أنَّه كفر، فما الحُكمُ، وكيف يتوب؟
حينَما ازدادَ نقاشِي مع أحدِ أقاربي لفظت بقولِ: "أنا كفرت "، ولطمتُ على وجهي، مع العِلمِ أَنِّي نادمٌ على ما حدث، فأريدُ التوجيهَ والإرشادَ، وما حكمُ الدينِ في ذلك؟ وهل عليَّ كفارة؟.
الجواب:
إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون، ونسألُ الله العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة، ونسألُه حسنَ الختامِ والوفاةَ على الإيمان.
اعلم - أخي السائل - بأنَّك وقعتَ في أعظمِ ذنبٍ وأقبحِ معصيةٍ، وهي معصيةُ الكفرِ والردَّةِ، والعياذ بالله تعالى.
وهذه الكلمةُ التي ذكرتَ عن نفسِك، صريحةٌ في الكفرِ والردةِ، والعلماءُ يقولون:
عندَ ظهورِ لفظِ الكفرِ يُحكَمُ بالردةِ (إن كان يعلم معنى الكلمة)، ولا يُسأل عن نيته، كما قالَ تعالى:
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) التوبة/65.
فأخبرَ سبحانَه أنهم كفروا بعدَ إيمانهم، مع قولِهم: إنا تكلمنا من غيرِ اعتقاد، بل كنَّا نخوض ونلعب.
قال ابنُ نُجَيم:
" إنَّ من تكلَّمَ بكلمةِ الكفرِ هازلا أو لاعبًا كفرَ عند الكلِّ، ولا اعتبارَ باعتقادِه " انتهى.
"البحر الرائق" (5/ 134)، وانظر: "نواقض الإيمان القولية والعملية" (ص95).
(وقال الشيخُ ابنُ عثيمين:
" وإن أتى بقولٍ يُخرجُه عن الإسلامِ، مثلَ أن يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو مجوسيٌّ أو بريءٌ من الإسلام، أو من القرآنِ أو النبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ فهو كافرٌ مرتدٌ، نأخذه بقولِه هذا " انتهى.
"الشرح الممتع" (6/ 279).
والردُّة أمرُها خطيرٌ وشأنُها عظيم، فقد اختلفَ العلماءُ فيمن ارتدَّ ثم تاب، هل يبقى له من ثوابِ أعمالِه السابقةِ شيءٌ، أم تحبط كلُّها بالردة؟
وقد سئلَ الشيخُ الفوزانُ السؤالَ التالي:
ما الحكمُ فيمن ارتدَّ عن الإسلامِ ثم عاد إليه، هل يعيدُ ما فاتُه من أعمالٍ من أركانِ الإسلامِ، كالحجِّ والصومِ والصلاةِ، أم تكفي توبتُه وعودتُه إلى الإسلامِ؟
فأجابَ:
" الصحيحُ من قولي العلماء: أن المرتدَّ إذا عادَ إلى الإسلامِ، ودخلَ في الإسلامِ مرةً أخرى تائبًا منيبًا للهِ تعالى، فإنه لا يعيدُ الأعمالَ التي أدَّاها قبلَ الردةِ؛ لأنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى اشترطَ لحبوطِ الأعمالِ بالردَّةِ أن يموتَ الإنسانُ عليها.
قالَ تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:217]
فَشَرَطَ لحبوطِ الأعمالِ استمرارَ الإنسانِ على الردةِ حتى يموتَ الإنسانُ عليها، فدلت الآيةُ بمفهومِها على أنَّ الإنسانَ لو تابَ فإنَّ أعمالَه التي أدَّاها قبلَ الردةِ تكونُ صحيحةً ومُجزيةً إن شاءَ الله تعالى " انتهى.
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (5/ 429).
وأما لطم الوجه فهو من أعمال الجاهلية التي حذرنا منها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
وهذا يدل على أن لطم الخدود كبيرة من كبائر الذنوب.
وحيث قد ندمت على ما فعلت فنرجو من الله تعالى أن يقبل توبتك, فعليك أن تنطق الشهادتين لتدخل بذلك في الإسلام بعد أن خرجت منه, ولْتحسن العمل, وعليك بحفظ اللسان, فإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوى بها في النار سبعين خريفاً.
كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم.
وأما الكفارة، فليس هناك كفارة لما بدر منك إلا التوبة والندم والعزم على عدم العودة إلى ذلك.
(لا يشترط لصحة التوبة الوضوء ولا الغسل: مسألة: هل يشترط لصحة التوبة الوضوء ولا الغسل؟
الجواب:
لا يخلو واحد من البشر من الخطأ والذنب، وخير هؤلاء هو من يسارع إلى التوبة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ) أَيْ كَثِيرُ الْخَطَأِ أَفْرَدَ نَظَرًا إِلَى لَفْظِ الْكُلِّ، وَفِي رِوَايَةٍ خَطَّاءُونَ نَظَرًا إِلَى مَعْنَى الْكُلِّ، قِيلَ أَرَادَ الْكُلَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلٌّ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِمَّا مَخْصُوصُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ صَغَائِرَ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى، أَوْ يُقَالُ: الزَّلَّاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ بَعْضِهِمْ الجزء السابع مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَصْدٌ إِلَى الْعِصْيَانِ قَالَهُ الْقَارِي
(وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) أَيِ الرَّجَّاعُونَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ.
أهـ
والسهو والتقصير من طبع الإنسان، ومن رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف أن يفتح له باب التوبة، وأمره بالإنابة إليه، والإقبال عليه، كلما غلبته الذنوب ولوثته المعاصي.. ولولا ذلك لوقع الإنسان في حرج شديد، وقصرت همته عن طلب التقرب من ربه، وانقطع رجاؤه من عفوه ومغفرته.
وأوجب الله سبحانه وتعالى التوبةَ على عباده فقال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [التحريم:8]
وأخبر الله تعالى أنه يقبل التوبة من عباده، وأنه يعفو عنهم، بل يبدل سيئاتهم حسنات، قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [الشورى:25]، وقال: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) [الفرقان: 70].
ولم يوجب الله تعالى على التائب وضوءً ولا غسلاً، سواء كان محدِثاً حدثاً أصغر أو أكبر، لا قبل التوبة ولا بعدها، إلا إن تاب من كفر أو ردَّة.
قال علماء اللجنة الدائمة:
لا يلزم الغسل بعد التوبة الصادقة من المعاصي؛ لأن الأصل عدم مشروعية ذلك، ولا نعلم دليلاً يخالف هذا الأصل إلا إذا كانت التوبة من كفر فإنه يشرع لمن أسلم أن يغتسل؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أمر بذلك قيس بن عاصم لما أسلم "، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن السكن.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (5/ 317).
(ما معنى التوبة من قريب:
مسألة: ما معنى التوبة من قريب والمقصودة في قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [النساء: 17]؟
الجواب:
التوبة من قريب هي التوبة في الحياة ما لم يغرغر العبد، أي ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتراقي، فهنا تقبل توبته.
(قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما التوبة من قريب فالجمهور على أن المراد بها التوبة قبل الموت؛ فالعمر كله قريب، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، ومن لم يتب فقد بعد كل البعد كما قيل:
فهم جيرةُ الأحياء أما قرارهم... فَدَانٍ وأما الملتقى فبعيد
فالحي قريب، والميت بعيد من الدنيا على قربه منها؛ فإن جسمه في الأرض يبلى، وروحه عند الله تُنَعَّم أو تُعذَّب، ولقاؤه لا يرجى في الدنيا (1). أما إذا عاين العبد أمور الآخرة، وانكشف له الغطاء، وشاهد الملائكة، فصار الغيب عنده شهادة فإن الإيمان والتوبة لا تنفعه في تلك الحال.
قال تعالى: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) [النساء: 18]
فسوَّى الله عز وجل بين من تاب عند الموت، ومن مات من غير توبة.
والمراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء، ومعاينة المحتضر أمور الآخرة، ومشاهدة الملائكة_كما مرَّ_ 1.
(قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه؛ فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ.
وبإسناده عن الثوري قال: قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت.
وعن الحسن قال: التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ ملك الموت بكظمه 2.
(نقض التوبة:
مسألة: كيف تُنْقَصُ التوبة؟
الجواب:
إذا تاب العبد من ذنب ثم عاد إليه مرة أخرى يكون ناقضاً للتوبة؛ فيلزمه حينئذ أن يجدد التوبة.
ولا يرجع إليه في هذه الحالة إثم الذنب الذي تاب منه، والعائد إليه إنما هو إثم الذنب الجديد المستأنف لا الماضي؛ لأن الماضي قد ارتفع بالتوبة، وصار بمنزلة ما لم يعملْه.
قال تعالى: في وصف المتقين في سورة آل عمران: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 135]
وجاء في الحديث المرفوع إلى النبي": =إن الله يحب العبد المفتَن التوَّاب 3.
(قال ابن القيم تعليقاً على هذا الحديث: قلت: وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه، فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوباً للرب، ولكان ذلك أدعى إلى مقته 1.
(وقال أيضاً: قالوا: وأما استمرار التوبة فشرط في صحة كمالها ونفعها لا شرط في صحة ما مضى منها (2).
(وقال أيضاً: ونكتة المسألة أن التوبة حسنة، ومعاودة الذنب سيئة؛ فلا تبطل معاودته هذه الحسنة كما لا تبطل ما قارنها من الحسنات (3).
وعلى هذا فلا يجوز للعبد إذا تاب ثم ابتلي بالذنب أن يدع التوبة، ويستمر على ذنوبه، بحجة أنه نقض توبته.
بل عليه أن يتوب وأن يرجع إلى ربه؛ فمعاودة الذنب مبغوض لله من جهة معاودة الذنب، محبوب من جهة التوبة والحسنات السابقة 2.
(رجوع الحسنات إلى التائب بعد التوبة:
مسألة: إذا كان للعبد حسنات ثم عمل بعدها سيئات استغرقت حسناتِه القديمة وأبطلتها، ثم تاب بعد ذلك توبةًً نصوحاً فهل تعود إليه حسناته القديمة؟
إذا كان للعبد حسنات ثم عمل بعدها سيئات استغرقت حسناتِه القديمة وأبطلتها، ثم تاب بعد ذلك توبةًً نصوحاً عادت إليه حسناته القديمة، ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها.
بل يقال له: تُبْتَ على ما أسلفت من خير؛ فالحسنات التي فعلتها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره: من عتاق، وصدقة، وصلة 3.
(حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: يا رسول الله، أرأيت أشياء، كنت أتحنث بها في الجاهلية، من صدقة، أو عتاقة، وصلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أسلمت على ما سلف من خير.
(قال ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: لا مانع من أن يضيف الله إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر؛ تفضلاً، وإحساناً 4.
(وقال ابن القيم مبيناً العلة في ذلك: وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن؛ فتلاقت الطاعتان، واجتمعتا، والله أعلم 5.
(هل التوبة تُرْجِعْ العبدَ إلى حاله قبل معصيته؟
مسألة: إذا كان للعبد حال أو مقام مع الله، ثم نزل عنه لذنب ارتكبه ثم تاب منه؛ فهل يعود بعد التوبة إلى مثل ما كان أو لا يعود؟ أو يعود إلى أنقصَ من رتبته؟ أو يعود خيراً مما كان؟
الجواب:
أن هذه المسألة قد اختلف فيها السلف على أقوال شتى، ومن أحسن من أجاب على تلك المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فلقد فَصَلَ الخطاب في هذه المسألة بكلام كافٍ شاف.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض كلامه على المسألة الماضية: وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة؛ فإما سألته، وإما سئل عن الصواب منها فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان؛ فإن كان بعد التوبة خيراً مما كان قبل الخطيئة وأشد حذراً، وأعظم تشميراً، وأعظم ذلاً وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان.
وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان عليه.
وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى منزلته.
هذا معنى كلامه 1.
وعلى هذا فإنه ينبغي التفطن لهذه المسألة خصوصاً من كان له حال مع الله، وكان ذا خشية، وعلم، وتألُّه، وإنابة، ومسارعة إلى الخيرات، ثم طاف به طائف من الشيطان، فَأزَلَّه، وأغواه، وطوَّح به عن قصد السبيل، أو أنزله عن منزلته السابقة؛ ففقد أنسه بربه، ودب إليه الضعف والفتور، وترك ما كان يقوم به من خير ومسارعة.
وهذه مسألة تعتري كثيراً من الناس، فيستسلمون لها، ويركنون إلى خاطر اليأس من العودة إلى الحال السابقة، فيظنون أن لا رجعة إلى ما كانوا عليه من الخير والقرب من الله.
فعلى من وقعت له تلك الحال ألا يستسلم للشيطان، وألا ييأس من رجوعه إلى ما كان عليه من منزلة، بل عليه أن يجتهد بالتوبة النصوح، وأن يشمر عن ساعد الجد؛ لتدارك ما فات بالأعمال الصالحات؛ فلربما عاد إلى مقامه السابق، بل ربما عاد أكمل مما كان عليه.
وليس ذلك ببعيد على من كان ذا نفس شريفة، وهمة عالية، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد: 11]
ولا بعد من خير وفي الله مطمع... ولا يأس من روح وفي القلب إيمان
(على كل عضو توبة:
مسألة: هل يكون على كل عضو توبة؟ الجواب: الصحيح أنه على كل عضو توبة فتوبة العين كفها عن النظر إلى الحرام، وتوبة الأذن كفها عن سماع الحرام، وتوبة الرجل كفها عن المشي إلى الحرام، وتوبة اليد كفها عن فعل الحرام، وتوبة القلب تخليصه من كل ما ينافي سلامته من الشرك، والحسد، والغل، والحقد، ونحو ذلك... (فعل معصية من المعاصي لا يُسَوِّغُ فعل غيرها:
مسألة: إذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي فهل ذلك لا يسوغ له فعل غيرها؛ بحجة أنه لم يتب بعد، أو لم يستقم استقامة حقة.
الجواب:
إذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي فإن ذلك لا يسوغ له فعل غيرها؛ بحجة أنه لم يتب بعد، أو لم يستقم استقامة حقة.
فسماع الحرام لا يسوغ رؤية الحرام، وأكل الربا لا يسوغ شرب الخمر، وهكذا...
(فعل المحرمات لا يسوّغ ترك الطاعات:
مسألة: إذا ابتلي العبد ببعض المحرمات كأكل الربا، أو سماع الحرام، أو شرب الخمر ـ والعياذ بالله ـ فهل ذلك يسوغ له ترك الصلاة مثلاً؟
الجواب:
إذا ابتلي العبد ببعض المحرمات كأكل الربا، أو سماع الحرام، أو شرب الخمر ـ والعياذ بالله ـ فإن ذلك لا يسوغ له ترك الصلاة مثلاً لأن الشيطان قد يلقي في قلب ذلك العاصي أنه منافق؛ إذ كيف يصلي وهو مصر على ارتكاب بعض المعاصي؟.
وما يريد عدو الله من ذلك إلا زيادة الإثم على العاصي، أو إخراجه من دائرة المعصية إلى دائرة الكفر.
ثم إن ترك الأوامر أعظم من ارتكاب المناهي.
(قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها، فتاب عليه، وإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد، فلم يتب عليه 1.
(وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات، وأفضل؛ فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغضُ إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية 2.
(ولقد علق ابن القيم رحمه الله تعالى على كلمة سهل بكلام عظيم.
قال: قلت: هذه مسألة عظيمة لها شأن، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي، وذلك من وجوه عديدة 3.
ثم شرع في ذكر ثلاثة وعشرين وجهاً بين من خلالها صحة القاعدة السابقة 1. ثم قال بعد أن سرد تلك الوجوه: وسر هذه الوجوه أن المأمور به محبوبه، والمنهي عنه مكروهه، ووقوع محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه، وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه، والله أعلم 2. (فعل المعاصي لا يسوغ المجاهرة بها أو الدعوة إليها:
لأن ذلك أشنع في الجرم، وأبعد عن المعافاة.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(كل أمتي معافى) اسم مفعول من العافية وهو إما بمعنى عفى اللّه عنه وإما سلمه اللّه وسلم منه
(إلا المجاهرين) أي المعلنين بالمعاصي المشتهرين بإظهارها الذين كشفوا ستر اللّه عنهم وروي المجاهرون بالرفع ووجهه بأن معافى في معنى النفي فيكون استثناء من كلام لغو موجب والتقدير لا ذنب لهم إلا المجاهرون ثم فسر المجاهر بأنه
(وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)
فيؤاخذ به في الدنيا بإقامة الحد وهذا لأن من صفات اللّه ونعمه إظهار الجميل وستر القبيح فالإظهار كفران لهذه النعمة وتهاون بستر الله قال النووي: فيكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها بل يقلع ويندم ويعزم أن لا يعود فإن أخبر بها شيخه أو نحوه مما يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها أو يدعو له أو نحو ذلك فهو حسن وإنما يكره لانتفاء المصلحة وقال الغزالي: الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على السؤال والاستفتاء بدليل خبر من واقع امراته في رمضان فجاء فأخبر المصطفى صلى اللّه عليه وسلم فلم ينكر عليه.
(قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن، يتحدث بالزنى افتخاراً والعياذ بالله، يقول: إنه سافر إلى البلد الفلاني، وإلى البلد الفلاني، وفجر وفعل وزنى بعدة نساء، وما أشبه ذلك، يفتخر بهذا.
هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الذي يفتخر بالزنى مقتضى حاله أنه استحل الزنى والعياذ بالله، ومن استحل الزنى فهو كافر." شرح رياض الصالحين" (1/ 116)
ولا شك أن المعاصي درجات والإثم يتفاوت فيها بحسب حال العاصي أثناء المعصية وحاله بعدها، فليس المتخفي بمعصيته المستتر بها كالمجاهر، وليس النادم بعدها كالمفتخر بها.
(قال ابن القيم رحمه الله:
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدناً من النساء والمتخذة خدناً من الرجال أقل شرّاً من المسافح والمسافحة مع كل أحدٍ، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبِر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين... ".
" إغاثة اللهفان " (2/ 147).
الخدن والخدنة: العشيق والعشيقة.
والأصل: أن يُعقب المسلمُ ذنبه بتوبة واستغفار وندم وعزم على عدم العوْد لها، لا أن يُعقبها بافتخار ومجاهرة وحديث بها.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن العبد إذا أخطاء خطيئة نُكِتَت في قلبه نكته سوداء فإن هو نزع و استغفر و تاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه و هو الران الذي ذكر الله تعالى فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه (كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14].
(مفاسد المجاهرة بالمعاصي:
1 أنها استخفاف بأوامر الله عز وجل ونواهيه.
(2) أنها تؤدي إلى إلفِ المعصية واعتياد القبائح واستمرائها وكأنها أمور عادية لا شيء فيها.
(3) أنها بمثابة دعوة للغير إلى ارتكاب المعاصي وإشاعة الفساد ونشر للمنكرات.
(4) أنها ربما أدت إلى استحلال المعصية فيكفر بذلك والعياذ بالله.
(5) أنها دليل على سوء الخلق والوقاحة وقلة أدب صاحبها.
(6) أنها دليل على قسوة القلب واستحكام الغفلة من قلب المجاهر.
(صورٌ من المجاهرة بالمعاصي والعياذ بالله:
إن صور المجاهرة بالمعاصي ـ في هذا العصر ـ كثيرة جداً، لا يمكن استقصاؤها في هذه العجالة، غير أننا نشير إلى أمثلة من ذلك، وهاك بعض صور المجاهرة بالمعاصي:
(هذا رجل يتحدث أمام الملأ عن سفرته وما تخللها من فسق وفجور، فيتفاخر بذلك في المجالس ويحسب أن ذلك من الفتوة وكمال الرجولة، وهو - والله - من الذلة والمهانة وضعة النفس وخبث الباطن وضعف الإيمان جداً وقسوة القلب.
(وهذا شاب يتحدث عن مغازلاته ومغامراته..
(وهذه فتاة تتحدث عن علاقاتها الآثمة عبر الهاتف..
(وهذا صاحب عمل يعطي زملائه دروسا مجانية في ظلم العمال وأكل أموالهم..
(وهذا عامل يكشف ستر الله عليه فيتحدث عن سرقته لصاحب العمل ويعلم أصدقائه بعض الحيل في ذلك.
(ومنها الدعوة إلى وحدة الأديان وتصحيح عقائد الكفر.
(ومنها الاحتفال بأعياد الكفار وإعلان ذلك في الصحف والمجلات والقنوات مثل الاحتفال بالكريسمس وعيد الحب وعيد الأم وغيرها.
(ومنها خروج المرأة أمام الملأ متعطرة ومتزينة.
(ومنها خروج المرأة وهي تلبس العباءة القصيرة أو المزركشة أو الشفافة، أو تلبس البنطال أو الكعب العالي وتجاهر بذلك أمام الملأ.
(ومنها خلوة المرأة بالسائق الأجنبي أمام الملأ، وكذلك خلوتها بالبائعين في الأسواق والمحلات التجارية.
(ومنها ممارسة عادة التدخين أمام الملأ.
(ومنها إسبال الثياب للرجال.
(ومنها حلق اللحى، والمجاهرة تشمل الحالق والمحلوق.
(ومنها قص الشعر على مثال أهل الكفر.
(ومنها تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء.
(ومنها سفر المرأة وحدها بدون محرم.
(ومنها ترك الرجال لصلاة الجماعة بدون عذر.
(ومنها لبس الرجال للذهب والحرير.
(ومنها السباب واللعن عمدا أمام الملأ.
(ومنها تعاطي بعض الشباب - هداهم الله - أنواع المعاكسات في الأسواق والشوارع والحدائق وأماكن الترفيه وغيرها.
(ومنها لبس الشباب للشورت الذي يظهر الفخذين والسير به في الشوارع، وكذلك لبس السلاسل والفانيلات التي عليها صور خليعة.
(ومنها إتلاف السيارات بالتفحيط والتطعيس.
(ومنها الإفطار في رمضان عمدا أمام الملأ بدون عذر.
(ومنها مزاولة أنشطة تجارية محرمة كالبنوك الربوية ومحلات أشرطة الغناء ومحلات الشيشة والجراك وغيرها.
(ومنها قيام بعض الشباب بالضرب على آلات الطرب والموسيقى في البر أو في المنتزهات وغيرها.
(ومنها إزعاج الناس بأصوات المغنين والمغنيات عبر الراديو أو التلفاز.
(ومنها استخدام بعض الكتاب الصحف والمجلات منبرا للطعن في الإسلام والمسلمين.
(ومنها الغيبة والنميمة؛ لأنها لا تكون عادة إلا أمام الملأ.
(ومنها السخرية والاستهزاء بأهل الدين والعفاف من الرجال و النساء، ووسمهم بالتخلف والرجعية.
هذه إرشادات سريعة وعلى مثلها فقس، والحر تكفيه الإشارة، وليس المطلوب هو ترك المجاهرة بالمعاصي فقط، ولكن المطلوب هو ترك المعاصي كلها ولو سراً، لأنها قبيحة العواقب، سيئة المنتهى.
(فِعْلُ المعاصي لا يسوغ للإنسان بغضَ الطاعةِ وأهلِها:
مسألة: هل فِعْلُ المعاصي يسوغ للإنسان بغضَ الطاعةِ وأهلِها، وحبَّ المعصيةِ وأهلها؟
الجواب:
فِعْلُ المعاصي لا يسوغ للإنسان بغضَ الطاعةِ وأهلِها، وحبَّ المعصيةِ وأهلها: بل يجب عليه أن يجاهد نفسه على حب الطاعة وأهلها وإن كان مقصراً فيها ولم يلحق بأهلها، وأن يبغض المعصية وإن كان واقعاً فيها ومعدوداً من أهلها؛ فالمرء يحشر مع من أحب، ويؤجر على حب الخير وبغض الشر.
(قال الشافعي رحمه الله تعالى متواضعاً:
أحب الصالحين ولست منهم... لعلي أن أنال بهم شفاعه
وأكره مَنْ تجارته المعاصي... ولو كنا سواء في البضاعه (1)
(إساءة فلان من الناس لا تسوغ للإنسان الإساءة:
مسألة: هل إساءة فلان من الناس تسوغ للإنسان الإساءة؟
الجواب:
إساءة فلان من الناس لا تسوغ للإنسان الإساءة، وإساءة الأمس لا تسوغ إساءة اليوم: فلا يسوغ للإنسان أن يسيء بحجة أن فلاناً من الناس قد أساء؛ فكلٌّ مسؤولٌ عن نفسه، وكلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة.
كذلك إساءة الإنسان في وقت ما لا تسوغ له أن يسيء، أو أن يستسهل الإساءة في وقت آخر.
(قال ابن حزم رحمه الله تعالى: لم أرَ لإبليس أصْيَدَ ولا أقبح من كلمتين ألقاها على ألسنة دعاته، إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله.
والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم؛ لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما؛ لأنه قد أساء في غيره.
فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً مسهلتين للشر، ومدخلتين له في حد ما يعرف، ويحمل 1 ولا ينكر 2.
(فعل المعاصي لا يسوغ الاستهانة بها:
مسألة: هل فعل المعاصي يسوغ الاستهانة بها؟
الجواب:
فعل المعاصي لا يسوغ الاستهانة بها: فإذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي لم يسغ له أن يستهين بها، ولو كانت صغيرة في نظره؛ فلا يليق به أن ينظر إلى صغر المعصية، ولكن ينظر إلى عِظَمِ من عصاه؛ فالاستهانة بالذنوب والمعاصي دليل الجهل، وقلة وقار الله في القلب.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري موقوفاً) إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال له هكذا.
وقال بعض السلف: لا تنظر الى صغر المعصية ولكن انظر الى من عصيت.
(قال ابن حجر رحمه الله تعالى في قوله: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه: قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب المؤمن مُنَوَّر؛ فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه.
والحكمة من التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة.
وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان؛ فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيىء+ (1).
(وقال ابن حجر في قوله: =وإن الفاجر، يرى ذنوبه كذباب..: أي ذنبه سهل عنده، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه (2).
(وقال في قوله: فقال به هكذا: أي نحَّاه بيده أو دفعه: هو من إطلاق القول على الفعل، قالوا: وهو أبلغ 1.
(وقال في قوله: بيده على أنفه: هو تفسير منه لقوله فقال به.
(قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة.
(وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم؛ فوقوع الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول: هذا سهل.
(وقال: ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه، وخفته عليه يدل على فجوره.
(وقال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير، وأحقره، وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء.
(وقال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده؛ لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالباً العين.
(وقال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضاً لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره 2.
(قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال ابن بطال: يؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنب صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن الله_تعالى_قد يعذب على القليل؛ فإنه لا يُسأل عما يفعل_سبحانه وتعالى 3.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: إنكم لتعملون أعمالاً، هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الموبقات.
والحاصل أنه لا يجوز للمؤمن أن يستهين بذنب مهما صغُر؛ فإن امرأة دخلت النار في هرة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض.
لا تحقرن من الذنوب أقلها... إن القليل إلى القليل كثير 4
(فعل المعاصي لا يسوغ التهاون بالطاعات اليسيرة:
مسألة: هل فعل المعاصي يسوغ التهاون بالطاعات اليسيرة؟
الجواب:
فقد مر قبل قليل أن فعل المحرمات لا يسوغ ترك الطاعات، ومر في الفقرة الماضية أن فعل المعاصي لا يسوغ الاستهانة بها.
والحديث في هذه الفقرة مكمل للحديث في الفقرتين المذكورتين؛ فكما أنه لا يجوز للإنسان ترك الواجبات، ولا الاستهانة بالمحرمات فكذلك لا يليق به أن يتهاون بالطاعات اليسيرة؛ بحجة أنه واقع في أمور كبيرة؛ فقد يعمل عملاً يسيراً في نظره كإماطة الأذى عن الطريق، وكصلة الأرحام، أو العطف على المساكين فيكون ذلك سبباً لمغفرة ذنوبه، خصوصاً إذا قام بقلبه الإخلاص، وصدق الإقبال؛ فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب؛ فتكون صورتها العملية واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض.
ومما يقرر هذا المعنى، ويشهد له ما جاء في حديث البغي.
غفر لأمرأة مومسة، مرت بكلب على رأس ركي، يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له).
قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينما كلب يُطيف 1 برُكيَّة 2 كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها 3 واستقت له به، فسقته إياه، فَغُفر لها به.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تقرير هذا المعنى: وقريب من هذا ما قام بقلب البغي التي رأت ذلك الكلب، وقد اشتد به العطش يأكل الثرى، فقام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بعملها ما حملها على أن غَرَّرَت بنفسها في نزول البئر، وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحَمْلِها خُفَّها بفيها وهو ملآن، حتى أمكنها الرقيُّ من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكوراً؛ فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء، فَغُفر لها.
فهكذا الأعمال والعمال عند الله، والغافل في غفلة من هذا الإكسير 1 الكيماوي الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهباً والله المستعان 2.
(والحاصل أن الذي يبتلى بفعل المعاصي لا يسوغ له ترك الأعمال الصالحة ولو كانت يسيرة في نظره؛ فلربما كان ذلك سبباً في ترجح كفة حسناته.
(انقلاب الكبيرة صغيرة وانقلاب الصغيرة كبيرة:
مسألة: هل من الممكن أن تنقلب الذنوب الصغيرة إلى كبيرة؟
الجواب:
قد تنقلب الذنوب الصغيرة إلى كبيرة وقد تنقلب الذنوب الكبيرة إلى صغيرة، وهذه مسألة ينبغي التفطن لها؛ فقد يقترن بالكبيرة من الحياء، والخوف، والاستعظام لها ما يُلْحِقُها بالصغائر.
وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يُلْحقُها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها.
وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره 3.
فالصغائر من الذنوب تكبر وتعظم بأسباب منها 4:
(أ) الإصرار والمواظبة: ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.
فالعفو عن كبيرة قد انقضت، ولم يتبعها مثلها أرجى من العفو عن صغيرة يواظب العبد عليها.
ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على حجر متواليات؛ فإنها تؤثر فيه.
ولو جمعت تلك القطرات في مرة، وصبت عليه لم تؤثر.