فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 411-450

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 411-450
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

﴿تنبيه﴾: وسواء كان كلام محمد بن مسلمة رضى الله عنه ومن معه من الصحابة لكعب على سبيل التورية التى فهم منها المخاطب غير ما أراد المتكلم كما يدل عليه كلام بعض الشراح، أو كان الأمر بخلاف ذلك، كما تدل عليه بعض روايات أهل السير التي فصلت القول في أنهم صرحوا له بإرادتهم خذلان النبي صلى اله عليه وسلم، والتنحي عنه، فإن إذن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، له أن يقول هو إذنٌ عام مقيد بالتورية، ولذلك بوب عليه الامام البخارى:"باب الكذب فى الحرب"،وكذلك الامام النسائى فى سننه الكبرى.
هذه هي "التقاة"عند أهل السنة، وهي استثناء من أصل عام مطرد، هو إحقاق الحق وإظهاره وإعلانه، وإبطال الباطل وإخماده، وازهاقه، وهى فى قسميها الآخرين رخصة جائزة، والعزيمة بخلافها.
والرخصة كما عرفها الأئمة: هى ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضى المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه.
وقد روعي فى إباحة هذة الرخصة وغيرها ما جبل عليه كثيرا من البشر من الضعف والعجز عن مقاومة الضغوط والشدائد، وتلك رحمه من الله قال تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78] وروعي فى مشروعية الثبات والعزيمة ما اختص به بعض الناس من العزائم الصلبة، والهمم الرفيعة، والقلوب القوية الشجاعة، والنفوس الصابرة، التى خلقت لتكون معالم فى طريق الحق يهتدى بضوئها السائرون، ويستصبح بنورها الدالجون، وبهم يدفع الله عن الحق الغوائل والمحن، ويقيم لأهل الحجة السنن.
ولا يزال فى هذه الامة من لدن بعثة محمد، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الى يوم الناس هذا، وإلى أن يأتي أمر الله، من رجالات الطائفة المنصورة من يرفع راية الحق ويبذل مهجته دونها.

وسطية أهل السنة فى باب التَقِيَّة:

التقاة والتقية مصدران لفعل واحد، وقد قرئت الآية بالوجهين، فقرأها الجمهور (إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)،وقرأها ابن عباس، والحسن، وحميد بن قيس، ويعقوب الحضرمي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وأبو رجاء، والجحدرى، وأبو حيوة: تَقِيَّة بفتح التاء، وتشديد الياء على وزن فعيلة، وكذلك روى المفضل، عن عاصم.
وقد اشتهر لدى أهل السنة استعمال التقاة بضم التاء، وفتح القاف، والألف المدودة، كما هي قراءة الجمهور، مع استعمال اللفظ الآخر.
واشتهر لدى الرافضة استعمال التقية بفتح التاء، وكسر القاف، والياء المشددة المفتوحة ـ كما هي القراءة الآخرى ـ هذا من حيث اللفظ.

أما من حيث حكم التَقِيَّة، والتطبيق العملي لها، فإن ثمت فروقا عظيمة بينها يمكن إجمال أهمها فيما يلي: الفرق الاول:

أن التقية عند أهل السنة استثناء مؤقت من أصل كلي عام، لظرفٍ خاص يمر به الفرد المسلم، أو الفئة المسلمة، وهى مع ذلك رخصة جائزة.
أما الرافضة فالتَقِيَّة عندهم واجب مفروض حتى يخرج قائمهم، وهى بمنزلة الصلاة، حتى نقلوا عن الصادق قوله:"لو قلت أن تارك التَقِيَّة كتارك الصلاة لكنت صادقا".
بل إن التَقِيَّة عندهم تسعة أعشار الدين كله، ولذلك قالوا:"لا دين لمن لا تَقِيَّة له" فالتَقِيَّة فى المذهب الشيعي أصل ثابت مطرد، وليست حالة عارضة مؤقتة.
بل من غلوهم فى التَقِيَّة أن اعتبروا تركها ذنبا لا يغفر، فهي على حد الشرك بالله، ولذلك جاء فى أحاديثهم:"يغفر الله للمؤمنين كل ذنب، ويطهر منه فى الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التَقِيَّة، وتضيع حقوق الإخوان".
وبهذا يتبن الفرق فى الحكم بين نظرة أهل السنة، ونظرة الرافضة، فهي عند أهل السنة استثناء مباح للضرورة، وعند الرافضة أصل من اصول المذهب.
الفرق الثانى:

إن التَقِيَّة عند أهل السنة ينتهي العمل بها بمجرد زوال السبب الداعي لها من الإكراه ونحوه، ويصبح الاستمرار عليها ـ حينئذ ـ دليلاً على أنها لم تكن تَقِيَّة ولاخوفا، بل كانت ردة ونفاقا.
وفى الأزمنة التي تعلو فيها كلمة الإسلام، وتقوم دولته، ينتهي العمل بالتَقِيَّة ـ غالبا ـ وتصبح حالة فردية نادرة.
أما عند الرافضة، فهى واجب جماعي مستمر، لا ينتهي العمل به، حتى يخرج مهديهم المنتظر الذي لن يخرج أبدا.
ولذلك ينسبون إلى بعض أئمتهم قوله:"من ترك التَقِيَّة قبل خروج قاءمنا فليس منا" الفرق الثالث:

أن تُقَاة أهل السنة تكون مع الكفار ـ غالبا ـ كما هو نص قوله تعالى: (لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرْكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: 28] وقد تكون مع الفساق والظلمة الذين يخشى الإنسان شرهم، ويحاذر بأسهم وسطوتهم، أما تَقِيَّة الروافض فهي أصلا مع المسلمين.
وهم يسمون الدولة المسلمة"دولة الباطل"ويسمون دار الإسلام:"دار التَقِيَّة "ويرون أن ترك التَقِيَّة في دولة الظالمين فقد خالف دين الإمامية وفارقة.

بل تعدى الأمر عندهم إلى حد العمل بالتَقِيَّة فيما بينهم حتى يعتادوها ويحسنوا العمل بها أمام أهل السنة.
وفى هذا يقول بعض أئمتهم ـ فيما زعموا ـ:"عليكم بالتَقِيَّة، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه، لتكون سجية مع من يحذره" الفرق الرابع:

أن التُقَاة عند أهل السنة حالة مكروهة ممقوتة، يُكْرَه عليها المسلم إكراها، وَيُلْجَأ إليها إلجاء، ولا يداخل قلبه ـ خلال عمله بالتقاة ـ أدنى شيء من الرضا أو الاطمئنان، وكيف يهدأ باله، ويرتاح ضميره، وهو يظهر أمرا يناقض عقد قلبه؟ أما الرافضة، فلما للتَقِيَّة عندهم من المكانة، ولما لها فى دينهم من المنزلة، ولما لها فى حياتهم العلمية الواقعية من التأثير، فقد عملوا على "تطبيعها"وتعويد اتباعهم عليها، وأصبحوا يتوارثون التمدح بها كابراً عن كابر.
ومن نصوصهم فى ذلك ما نسبوه لبعض أئمتهم من قوله لابنه:"يابني ما خلق الله شيئا أقر لعين أبيك من التَقِيَّة.
ونسبوا لجعفر الصادق قوله"لا والله ما على وجه الأرض أحب اليّ من التَقِيَّة " هذه أبرز الفروق التى تميز تقاة أهل السنة عن تَقِيَّة الرافضة، والمحك العملي لهذه الفروق هو الواقع العملي عبر القرون والأجيال، وإلى يوم الناس هذا.
فإن أهل السنة تميزوا بالوضوح والصدق فى أقوالهم، وأعمالهم، ومواقفهم بل إنهم سجلوا مواقف بطولية خالدة في مقارعة الظالمين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدع بكلمة الحق، ولا زالت قوافل شهدائهم تتوالى جيلا بعد جيل، ورعيلا بعد رعيل، ولا زالت أصداء مواقفهم الشجاعة حية يرويها الأحفاد عن الأجداد، ويتلقنون منها دروس البطولة والفدائية والاسشهاد.
فى حين يحفل تاريخ الروافض بصور الخيانة والتأمر والغدر الخفي، فهم في الوقت الذي يصافحون به أهل السنة باليمين ـ تَقِيَّةً ونفاقا ـ يطعنونهم باليد الأخرى من وراء ظهورهم، وكثير من المصائب التي بالمسلمين كان للرافضة فيها يد ظاهرة، وكانوا من أسعد الناس بها، حتى ليصدق عليهم وصف الله للمنافقين (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا) [آل عمران: 120] ومع هذا بلغت بهم التَقِيَّة أن قال قائلهم:"من صلى وراء سني تَقِيَّة فكأنما صلى وراء نبي "

ويقابل غلوالشيعة فى النفاق الذى يسمونه تَقِيَّة، غلو الخوارج الذين يذهبون إلى أنه لا يجوز التَقِيَّة بحالٍ من الأحوال، وأنه لا يُراعى حفظ المال أو النفس، أو العرض، أو غيرها من الضروريات، فى مقابلة الدين أصلا.
ولهم فى ذلك تشديدات عجيبة، منها أن من كان يصلي، وجاء سارق أو غاصب ليسرق ماله، فإنه ليس له قطع الصلاة، ولا مقاومة هذا اللص فى أثنائها، مهما كان المال من العظم والكثرة، ولهم مواقف مع الصحابة وغيرهم فى هذا.
وبهذا تتحقق وسطية أهل السنة فى باب التَقِيَّة بين الرافضة المغالين، وبين الخوارج المفرطين، كما تحققت وسطيتهم فى سائر أبواب العمل والاعتقاد، مصداقا لقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: 143] (56) الإحسان إلى من يعمل تحت يديه:

ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان الإحسان إلى من يعمل تحت يديه.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه علاجه و دُخَانه فليجلسه معه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكله أو أكلتين.
(إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه) ليأكله.
(قد كفاه علاجه) أي تحمل المشقة من تحصيل آلاته ومزاولة عمله (ودخانه) بالتخفيف مقاساة شم لهب النار حال الطبخ نص عليه مع شمول ما قبله له لعظم مشقته.
(فليجلسه معه) ندباً ليأكل مكافأة له على كفايته حره وعلاجه وسلوكاً لسبيل التواضع المأمور به في الكتاب والسنة هذا هو الأفضل.
(فإن لم يجلسه معه) لعذر كقلة طعام أو لكون نفسه تعاف ذلك قهراً عليه ويخشى من إكراهها محذوراً أو لغير ذلك كمحبته للاختصاص بالنفيس أو لكون الخادم يكره ذلك حياء منه أو تأدباً.
(فليناوله أُكلة أو أُكلتين) من الطعام بضم الهمزة ما يؤكل دفعة واحدة كلقمة... ما يؤكل كذلك بحسب حال الطعام والخادم ليرد ما في نفسه من شهوة الطعام وتنكسر سورة الجوع.
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إن أنسا غلام كيس فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لم تصنع هذا هكذا.

(حديث المعرور في الصحيحين) قال لقيتُ أبا ذرٍ بالرَّبذة وعليه حُلة وعلى غُلامه حُلة فسألته عن ذلك فقال إني ساببتُ رجلاً فعيّرته بأُمه فقال لي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فّلْيُطْعِمْه مما يأكل ولْيُلبِسْه مما يلبس ولا تُكَلفوهم ما يغلبهم، فإذا كلفتموهم فأعينوهم.
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) قال: كنت أضربُ غلاماً لي فسمعتُ من خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود للهُ أقدر عليك منك عليه، فالتفتُ فإذا هو رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت ي رسول الله هو حرٌ لوجه الله فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار.
(57) التخلي عن شهوة الخصومة:

ويجب على المسلم أن يتخلى عن شهوة الخصومة ويحترز منها وألا يحوم حولها ولا يقترب منها فإنها خلقٌ شرٌ كله فهي تحمل على الحقد والكراهية والحسد وصاحبها ممقوت عند الله تعالى بنص الكتاب والسنة الصحيحة.
قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿البقرة 206:204﴾ (حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبغض الرجال إلى الله: الألدُّ الخَصِم.
معنى الألدُّ: شديد اللدودة أي الجدال معنى الخَصِم: شديد الخصومة ﴿تنبيه﴾: ويجب على المسلم أن يتجنب الخصومة بينه وبين أخيه لأن هذا هو هدف الشيطان وبغيته عليه لعنة الله، فالشيطان عليه لعائن الله المتتابعة تترى من غير انفصال يُحَرِّش بين الناس ويوقع بينهم الخصومات والعياذ بالله.
(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم.
معنى أيس: أي يأس ولكن في التحريش بينهم: قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: في التحريش بينهم" هذا الحديث من معجزات النبوة، ومعناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها.

(58) الاحتراز من رذيلة الحرص والطمع:

من الصفات الرذيلة التي يجب على المسلم أن يحترز منها رذيلة الحرص والطمع فإن الحرص على المال يفسد الدين بقدر أكبر من الفساد الحاصل من إرسال ذئبين جائعين على غنم، أي يفسد فساداً بيناً بلا روية (حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه.
مقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً.
وقد حذرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فتنة المال في سنته المشرفة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة (حديث كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: قَوْلُهُ: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً) أَيْ ضَلَالًا وَمَعْصِيَةً.
(وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ) أَيِ اللَّهْوُ بِهِ لِأَنَّهُ يُشْغِلُ الْبَالَ عَنِ الْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ وَيُنْسِي الْآخِرَةَ.
(حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ هَذَا الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ.
أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: لِكُلِّ أُمَّةٍ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ وَصَنَمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ.
﴿تنبيه﴾: من أجل ذلك نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الحرص على المال وأمر بالاقتصاد فيه وعدم الانكباب عليه واليقين بأن نفساً لن تموت وحتى تستوفي رزقها و إن أبطأ عنها وأن الرزق (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أيها الناس اتقوا الله و أجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها و إن أبطأ عنها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب خذوا ما حل و دعوا ما حرُم.

(أيها الناس اتقوا اللّه وأجملوا في الطلب) ترفقوا في السعي في طلب حظكم من الرزق (فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها) فهو لا بد يأتيها فلا فائدة للانهماك والاستشراف والرزق لا ينال بالجد ولا بالاجتهاد وقد يكدح العاقل الذكي في طلبه فلا يجد مطلوبه والغر الغبي يتيسر له ذلك المطلوب، وهذه المطالب إنما تحصل وتسهل بناء على قسمة قسَّام لا يمكن منازعته ومغالبته ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم﴾ فقد ترى أحمقاً مرزوقاً وعالماً محروماً، وقرن ذلك بالأمر بالتقوى لأنها من الأوامر الباعثة على جماع الخير إذ معها تنكف النفس عن أكثر المطالب وترتدع عن الشهوات وتندفع عن المطامع ومن ثم كرر لك فقال (فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب) أي اطلبوا الرزق طلباً رفيقاً وبين كيفية الإجمال بقوله فيه (خذوا ما حل) لكم تناوله (ودعوا) أي اتركوا (ما حرم) (حديث أبي الدرداء في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الرزق أشد طلبا للعبد من أجله.
(الرزق أشد طلباً للعبد من أجله) لأن اللّه تعالى وعد به بل ضمنه ووعده لا يتخلف وضمانه لا يتأخر ومن علم أن ما قدر له من رزقه لا بد له منه علم أن طلبه لما لا يقدر له عناء لا يفيد ولهذا قال بعض الأنجاب: الرزق يطرق على صاحبه الباب وقال بعضهم: الرزق يطلب المرزوق وبسكون أحدهما يتحرك الآخر.
والسقيم عاجز والعمر الذي أعطى به يقوم العبادة والصحة مع الفقر خير من الغنى مع العجز والعاجز كالميت.
(وطيب النفس من النعيم) لأن طيبها من روح اليقين وهو النور الوارد الذي أشرق على الصدر فإذا استنار القلب ارتاحت النفس من الظلمة والضيق والضنك فإنها لشهواتها في ظلمة والقلب مرتبك فيها فالسائر إلى مطلوبه في ظلمة يشتد عليه السير ويضيق صدره ويتنكد عيشه ويتعب جسمه فإذا أضاء له الصبح ووضح له الطريق وذهبت المخاوف وزالت العسرة ارتاح القلب واطمأنت النفس وصارت في نعيم (حديث عبيد الله ابن محصن في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها.
(من أصبح منكم آمنا في سِربه) أي في بيته (معافى في جسده) أي صحيحاً بدنه (عنده قوت يومه) أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك يعني من جمع اللّه له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله

(فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) كأنما أعطي الدنيا بأسرها ﴿تنبيه﴾: ويجوز الاستكثار من المال الحلال ما لم ينكب الإنسان عليه مع صلاح النية من إعطاء حق الله تعالى فيه وصلة الرحم ومساعدة المحتاجين.
(حديث عمرو بن العاص في صحيح الأدب المفرد) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نعم المال الصالح للمرء الصالح.
(حديث يسار بن عُبيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا بأس بالغنى لمن اتقى و الصحة لمن اتقى خير من الغنى و طيب النفس من النعيم.
(لا بأس بالغنى لمن اتقى) فالغنى بغير تقوى هلكة، يجمعه من غير حقه ويمنعه ويضعه في غير حقه فإذا كان مع صاحبه تقوى فقد ذهب البأس وجاء الخير قال محمد بن كعب: الغني إذا اتقى آتاه اللّه أجره مرتين لأنه امتحنه فوجده صادقاً وليس من امتحن كمن لا يمتحن (والصحة لمن اتقى خير من الغنى) فإن صحة البدن عون على العبادة فالصحة مال ممدود: (حديث أبي كبشة الأنماري في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِسَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ.
قال سعيد ابن المسيب رحمه الله تعالى: لا خيرَ فيمن لا يريد المال من حِله يكفُ به وجهه عن الناس، ويصل فيه رحمه ويعطي منه حقه.
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: المال في زماننا هذا سلاحُ المؤمنين وقال الفُضَيلُ ابن عِياض لابن المبارك رحمها الله تعالى: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبُلغة ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خُرسان إلى البلد الحرام كيف ذاك؟

فقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: يا أبا علي إنما أفعل ذلك لأصون به وجهي وأكرم به عرضي وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقاً إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال الفضيل: ما أحسن ذا إذا تم ذا.
وقال ابن المبارك مرةً للفضيل: لولا أنت وأصحابك ما اتجَّرت.
وقال ابن المبارك مرةً: لولا خمسةٌ ما اتجَّرت، السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية.
(59) صحبة من يُسْتَحْيَا منه ليزجره ذلك من المخالفات:

قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: ومن آدابها: صحبة من يُسْتَحْيَا منه ليزجره ذلك من المخالفات.
(حديث سعيد بن يزيد بن الأزور رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: " أحبوا الطاعات بمجالسة من يُسْتَحْيَا منه " وأورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: " ما أوقعني في بلية (1) إلا صحبة من لا أحتشمه " وأورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن إسماعيل بن نجيد رحمه الله يقول: " عاشر من تحتشمه، ولا تعاشر من لا تحتشمه " (60) المشورة مع الإخوان وقبول ما يشيرون به عليه:

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ) [آل عمران: 159] (61) قلة مخالفة الإخوان في أسباب الدنيا:

قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: ومن آدابها: قلة مخالفة الإخوان في أسباب الدنيا، فإن الدنيا أقل خطرا من أن يخالف فيها أخ من الإخوان.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن يحيى بن معاذ يقول: " الدنيا بأجمعها لا تسوى غم ساعة، فكيف بغم طول عمرك فيها، وقطع إخوانك بسببها مع قليل نصيبك منها؟ " (62) الحرص على اجتماع الكلمة والحذر من الخلاف:

(حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) قال سمعت رجلاً قرأ آيةً سمعت من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
(حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثه ومعاذا إلى اليمن فقال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: وتطاوعا: أي توافقا في الحكم ولا تختلفا لأن ذلك يؤدي الى اختلاف اتباعكما فيفضى إلى العداوة ثم المحاربة والمرجع في الاختلاف إلى ما جاء في الكتاب والسنة كما قال تعالى قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59] قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: ومن آدابها: قلة الخلاف على الإخوان، ويتحرى موافقتهم فيما يرون، ما لم يكن مخالف للدين والسنة.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن جويرة بن إسماعيل قال: " دعوت الله أربعين سنة أن يعصمني من مخالفة الإخوان " أخرج عبد الرزاق عن قتادة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر، وعمر، وعثمان ـ صَدْراً من خلافته ـ كانوا يصلُّون بمكة ومِنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعاً، فبلغ ذلك ابن مسعود، فاسترجع ثم قام فصلَّى أربعاً.
فقيل له: إسترجعت ثم صليت أربعاً؟ قال: الخلاف شر.
كذا في الكنز.
وأخرج البخاري عن علي رضي الله عنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي.
وأخرج العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكوَّاء علياً رضي الله عنه عن السُّنة، والبِدعة، وعن الجماعة، والفُرقة.
فقال: يا ابن الكواء، حفظت المسألة فأفهم الجواب: السنة ـ والله ـ سنّة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البدعة ما فارقها، والجماعة ـ والله ـ مجامعة أهل الحق وإِنْ قلّوا، والفُرقة مجامعة أهل الباطل وإِن كثروا.
كذا في الكنز.
(63) أن يلزم التجارة والصناعة ويستغني بالله عن الناس:

(حديث أبي بردة بن نيار رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:

أَفْضَلُ الْكَسْبَِْ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَجُلِ بِيَدِه.
(حديث أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ.
(التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ إِلَخْ) أَيْ: مَنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ في البيع كَانَ فِي زُمْرَةِ الْأَبْرَارِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ.
(حديث المقدام بن معد يكرب الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ما أكل أحدٌ طعامٌ قط، خيرٌ من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكلُ من عمل يده) (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حَبْله، فيحتطبَّ على ظهره، خيرٌ له من أن يأتيَ رجلاً فيسألَه، أعطاهُ أو مَنَعه) (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (كان زكرياء نجاراً) (حديث عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لَوْ أَنّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكّلُونَ عَلَى الله حَقّ تَوَكّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً ". (حديث أبي بردة بن نيار رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَفْضَلُ الْكَسْبَِْ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَجُلِ بِيَدِه.
قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: (أفضل الكسب بيع مبرور) أي لا غش فيه ولا خيانة أو معناه مقبول في الشرع بأن لا يكون فاسداً أو مقبول عند اللّه بأن يكون مثاباً عليه.
(عمل الرجل بيده) من نحو صناعة أو زراعة وقيد العمل باليد لكون أكثر مزاولته بها وخص الرجل لأنه المحترف غالباً لا لإخراج غيره وظاهر الحديث تساويهما في الأفضلية قال بعضهم وقد قيل له لا تتبع التكسب فيدنيك من الدنيا فقال لئن أدناني من الدنيا فقد صانني عنها.
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ليستغن أحدكم عن الناس بقضيب سواك)

وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن العبد إذا رزقه الله مالاً وعلما فهو بأحسن المنازل عند الله بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث أبي كبشة الأنماري الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ سَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله، وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: سَمِعْت رَجُلًا يَقُولُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنِّي فِي كِفَايَةٍ قَالَ الْزَمْ السُّوقَ تَصِلُ بِهِ الرَّحِمَ وَتَعُودُ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ لِلْمَيْمُونِيِّ اسْتَغْنِ عَنْ النَّاسِ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْغَنِيِّ عَنْ النَّاسِ وَقَالَ رَجُلٌ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ فِي بَيْتِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ يَثِقُ بِاَللَّهِ فَيَأْتِيه بِرِزْقِهِ قَالَ: إذَا وَثِقَ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ وَثِقَ بِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْء أَرَادَهُ وَلَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا الْأَنْبِيَاءُ وَلَا غَيْرُهُمْ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن مجاهد، في قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: 172] قال: التجارة.

وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن مجاهد (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة: 267] قال: التجارة.
أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن أبي بكر المروذي قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله رحمه الله: إني في كفاية، فقال: " الزم السوق تصل به الرحم وتعود به " وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله، يأمر بالسوق ويقول: " ما أحسنَ الاستغناءَ عن الناس " وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن أن أبا عبد الله رحمه الله تعالى قال: قال رجل للسري بن يحيى وكان يتجر في البحر: تركب البحر في طلب الدنيا؟ قال: " أحب أن أستغني عن ضربك من الناس " وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن عبيد الله بن موسى، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: المال في هذا الزمان سلاح.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن محمد بن ثور قال: كان سفيان الثوري يمر بنا ونحن جلوس في المسجد الحرام، فيقول " ما يُجْلِسِكُم؟ " فنقول: فما نصنع؟ قال: " اطلبوا من فضل الله، ولا تكونوا عيالا على المسلمين " وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة أن إبراهيم بن أدهم كان إذا قيل له: كيف أنت؟ قال: بخير ما لم يتحمل مؤنتي غيري.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن الفيض بن إسحاق، قال: سألت الفضيل بن عياض، قلت: لو أن رجلا قعد في بيته، زعم أنه يثق بالله فيأتيه برزقه؟ قال: يعني إذا وثق به حتى يعلم أنه قد وثق به، لم يمنعه شيء أراده، ولكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غيرهم، وقد كانت الأنبياء يؤاجرون أنفسهم، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آجر نفسه، وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزق الله عز وجل، وقد قال الله تعالى في كتابه: قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللّهِ) [الجمعة: 10].
فلابد من طلب المعيشة وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن الحسن بن الربيع، يقول: لأن أكسب قيراطا 1 أحب إلي من أن يصلني أحد بعشرة دراهم.

وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن مجاهد، في قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: 172] 1 قال: التجارة.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن سعيد بن المسيب، قال: لا خير في من لا يطلب المال يقضي به دينه، ويصون به عرضه، ويقضي به ذمامه، وإن مات تركه ميراثا لمن بعده.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن سعيد بن المسيب، أنه ترك دنانير، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها ديني وحسبي، لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه، ويكف به وجهه.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن عائشة، قالت: كان أبو بكر رضي الله عنه أتجر قريش حتى دخل في الإمارة.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن عبد الله بن عمرو، أنه قال لقيم له في شهر رمضان: هل كلت لأهلنا قوت شهرهم هذا؟ قال: نعم، قال عبد الله بن عمرو: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَتْرُكُ التِّجَارَةَ وَيُقْبِلُ عَلَى الصَّلَاةِ يَعْنِي وَرَجُلٌ يَشْتَغِلُ بِالتِّجَارَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ التَّاجِرُ الْأَمِينُ.
وَتَرَكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ دَنَانِيرَ: فَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجْمَعْهَا إلَّا لِأَصُونَ بِهَا دِينِي وَحَسَبِي, لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَجْمَعُ الْمَال فَيَقْضِي دَيْنَهُ وَيَصِلُ رَحِمَهُ وَيَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ.
أهـ وقال أيضاً رحمه الله تعالى:

َقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمَدُ هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي﴾ وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ ﴿تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا﴾ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخْلِهِمْ, وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا أَنْ تَصُفَّ قَدَمَيْك وَغَيْرُك يَتْعَبُ لَك وَلَكِنْ ابْدَأْ بِرَغِيفِك فَاحْرُزْهُمَا ثُمَّ تَعَبَّدْ.
أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن سفيان الثَّوْرِيُّ قَالَ لَأَنْ أَخْلُفَ عَشْرَةَ آلَاف دِرْهَمٍ يُحَاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْتَاجَ إلَى النَّاسِ.
أورد الزركشي رحمه الله في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر أن رجلاً قال لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ! أتحرك لطلب الرزق أم أجلس؟ قال: لا بل تحرك، فإنه أصلح لك، فقال له أتقول هذا؟! فقال: وما أنا قلت، ولكن الله عز وجل أمر به، قال الكريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:25] ولو شاء أن ينزله عليها (1). أورد الزركشي رحمه الله في الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر عن ابن عبد ربه قال: هل يجوز في عقل، أو يمثل في وهم، أو يصح في قياس أن يحصد زرع بغير بذر، أو يجني ثمر بغير غرس، أو يورى زند بغير قدح، أو ينموا مال بغير طلب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: جاءني طاووس فقال لي: يا عطاء إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه وجعل دونك حجاباً، وعليك بطلب حوائجك إلى من بابه مفتوح إلى يوم القيامة، طلب منك أن تدعوه ووعدك بالإجابة.

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي الأحوص سلام بن سليمل قال: قال لي سفيان الثوري: عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال، قال: وكان سفيان الثوري إذا أعجبه تجر الرجل، قال: نعم الفتى إن عوجل.
الحجة على الذين يزعمون أنهم يتوكلون فيتركون العمل:

أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن أبي بكر المروذي، قال: قلت لأبي عبد الله: هؤلاء المتوكلة 1 الذين لا يتجرون ولا يعملون، يحتجون بأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوج على سورة من القرآن، فهل كان معه شيء من الدنيا قال: وما علمهم أنه كان لا يعمل؟ قال: قلت: يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله عز وجل، قال: " ذا قول رديء خبيث"، الله تبارك وتعالى يقول (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ) [الجمعة: 9] فأيش هذا إلا البيع والشراء.
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الحث على التجارة والصناعة عن صالح، أنه سأل أباه رحمه الله عن التوكل، فقال: " التوكل حسن، ولكن ينبغي للرجل أن لا يكون عيالا على الناس، ينبغي أن يعمل حتى يغني نفسه وعياله، ولا يترك العمل ". قال: وسئل أبي رحمه الله - وأنا شاهد - عن قوم لا يعملون، ويقولون: نحن متوكلون، فقال: " هؤلاء مبتدعة " (64) النهي عن إغضاب المسلم:

(حديث عائذ بن عمرو رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها قال فقال أبو بكر أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فأتاهم أبو بكر فقال يا أخوتاه أغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أخي.
(65) إكرام ضعفاء المسلمين وفقرائهم:

(حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ

نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا سِتَّةٍ فِيَّ وَفِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَصُهَيْبٍ وَعَمَّارٍ وَالْمِقْدَادِ وَبِلَالٍ قَالَ قَالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لَا نَرْضَى أَنْ نَكُونَ أَتْبَاعًا لَهُمْ فَاطْرُدْهُمْ عَنْكَ قَالَ فَدَخَلَ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْخُلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: 52] إكرام النبي عليه السلام لابن أم مكتوم بعدما عوتب فيه: (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي) قَالَتْ: أُنْزِلَ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْشِدْنِي وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا فَيَقُولُ لَا فَفِي هَذَا أُنْزِلَ} قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (أَرْشِدْنِي) أَيْ عَلِّمْنِي (يُعْرِضُ عَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ (وَيَقُولُ) أَيْ لِلرَّجُلِ الْمُشْرِكِ (أَتَرَى بِمَا أَقُولُ) أَيْ مِنَ التَّوْحِيدِ (بَأْسًا) أَيْ ضَرَرًا وَحَرَجًا (فَيَقُولُ لَا) وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ: وَيَقُولُ " يَا أَبَا فُلَانٍ هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا "؟ فَيَقُولُ لَا وَالدِّمَاءِ مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا.
وَالدِّمَاءُ جَمْعُ دُمْيَةٍ وَهِيَ الصُّورَةُ يُرِيدُ بِهَا الْأَصْنَامَ.
(66) إكرام اليتيم:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين و امسح رأس اليتيم.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إن أردت أن يلين قلبك) أي لقبول امتثال أوامر اللّه وزاجره (فأطعم المسكين) المراد به ما يشمل الفقير ومن كلمات إمامنا البديعة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا

(وامسح رأس اليتيم) أي من خلف إلى قدام عكس غير اليتيم أي افعل به ذلك إيناساً وتلطفاً به فإن ذلك يلين القلب ويرضي الرب.
(67) الاقتصاد في الحب والكره:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما.
هونا: مقتصدا بلا إفراط.
البغيض: المكروه أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن الحسن قال: " تنقوا الإخوان والأصحاب والمجالس، وأحبوا هونا، وأبغضوا هونا، فقد أفرط أقوام في حب أقوام فهلكوا، وأفرط أقوام في بغض أقوام فهلكوا، فلا تفرط في حبك، ولا تفرط في بغضك، وإن رأيت دون أخيك سترا فلا تكشفه " وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك صلفا " وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " عليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم؛ فإنهم زين في الرخاء وعزة عند البلاء " وأنشد علي رضي الله عنه في ذلك قائلا: وأحبب إذا أحببت حبًّا مقاربًا....... فإنَّك لا تدري متى أنت نازع وأبغض إذا أبغضت بغضًا مقاربًا....... فإنَّك لا تدري متى الحبُّ راجع سرعة تقلب القلب: (حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مَثَلُ القلب مَثَلُ الريشة تقلبها الرياح بفلاة.
الفلاة: الصحراء والأرض الواسعة التي لا ماء فيها.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (مثل القلب مثل الريشة) وفي رواية كريشة، قال الطيبي: المثل هنا بمعنى الصفة لا القول السائر والمعنى صفة القلب العجيبة الشأن وورود ما يرد من عالم الغيب وسرعة تقلبه كصفة ريشة يعني أن القلب في سرعة تقلبه لحكمة الابتلاء بخواطر ينحرف مرة إلى حق ومرة إلى باطل وتارة إلى خير وتارة إلى شر وهو في مقره لا ينقلب في ذاته غالباً إلا بقاهر مزعج من خوف مفرط

(تقلبها الرياح بفلاة) لفظ رواية أحمد بأرض فلاة أي بأرض خالية من العمران فإن الرياح أشد تأثيراً فيها منها في العمران وجمع الرياح لدلالتها على التقلب ظهراً لبطن إذ لو استمر الريح لجانب واحد لم يظهر التقلب كما يظهر من الرياح المختلفة.
ولفظه بفلاة مقحمة فهو كقولك أخذت بيدي ونظرت بعيني تقريراً ودفعاً للتجوز، قال: وتقلبها صفة أخرى لريشة وقال المظهر: ظهراً بدل بعض من الضمير في تقلبها واللام في بعض بمعنى إلى ويجوز أن يكون ظهراً لبطن مفعولاً مطلقاً أي تقلبها تقليباً مختصاً وأن يكون حالاً أي تقلبها مختلفة أي وهي مختلفة ولهذا الاختلاف سمي القلب قلباً وقال الراغب: قلب الشيء صرفه عن وجه إلى وجه وسمي قلباً لكثرة تقلبه ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة وغيرها.
وقال الغزالي: إنما كان كثير التقلب لأنه منزله الإلهام [ص 509] والوسوسة وهما أبداً يقرعانه ويلقنانه وهو معترك المسكرين الهوى وجنوده والعقل وجنوده فهو دائماً بين تناقضهما وتحاربهما والخواطر له كالسهام لا تزال تقع فيه كالمطر لا يزال يمطر عليه ليلاً ونهاراً وليس كالعين التي بين جفنين تغمض وتستريح أو تكون في ليل أو ظلمة أو اللسان الذي هو من وراء حجابين الأسنان والشفتين وأنت تقدر على تسكينه بل القلب عرش الخواطر لا تنقطع عنه بحال والآفات إليه أسرع من جميع الأعضاء فهو إلى الانقلاب أقرب ولهذا خاف الخواص على قلوبهم وبكوا عليها وصرفوا عنايتهم إليها ومقصود الحديث أن يثبت العبد عند تقلب قلبه وينظر إلى همومه بنور العلم فما كان خيراً أمسك القلب عليه وما كان شراً أمسكه عنه.
ما يكره من النفاق والتصنع بالود: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.
(حديث عمار ابن ياسر في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار.
(حديث أبي هريرة في صحيح الأدب المفرد) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً.
أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن ابن مسعود قال: " لا يكونن أحدكم إمعة، قالوا: وما الإمعة؟ قال: يجري مع كل ريح " (68) الاحتراز من الشح والبخل:

مسألة: ما الفرق بين الشح والبخل:

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "الشح: هو شدّة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه.
والبخل: منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه، فهو" شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله".
فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس؛ فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووُقِي شره، وذلك هو المفلح ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9].
وقال أيضاً: "الاقتصاد خلق محمود، يتولد من خلقين: عدل وحكمة... وهو وسط بين طرفين مذمومين،.... والشح: خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس، ويمده وعد الشيطان حتى يصير هلعاً، والهلع: شدة الحرص على الشيء والشره به.... "ا.
هـ 1 الترهيب من الشح والبخل: قال تعالى: (وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ، وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ، فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ) [سورة: الليل - الآية: 10] و قال تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة: التغابن - الآية: 16] (حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم و حملهم على أن سفكوا دماءهم و استحلوا محارمهم.
(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هِيَ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالشُّحُّ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.
(حديث أنس في الثابت صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات: هوى متبع و شح مطاع و إعجاب المرء بنفسه.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يجتمع غبار في سبيل الله و دخان جهنم في جوف عبد أبدا و لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع.
(حديث جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَعْطُونِي رِدَائِي لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ: أي ألجؤه إلى شجرة من شجر البادية ذات شوك.
لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا: الْعِضَاهِ بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة وفي آخره هاء هو شجر ذو شوك.
وقال بعض الحكماء: "من كان بخيلاً ورث ماله عدوه" 1.

ومن كلام الحكماء: "الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم" 2. وقال أبو حاتم: "البخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا؛ ومن تعلَّق بغصن من أغصانها جرَّه إلى النار" 3.

وقال أيضاً: "وما اتزر رجل بإزار أهتك لعرضه ولا أثلم لدينه من البخل" 1. وقال أيضاً: "البخل بئس الشعار في الدنيا والآخرة، وشر ما يُدّخر من الأعمال في العُقْبى" 2. وقال ابن تيمية: "المؤمنون يتمادحون بالشجاعة والكرم، وكذلك يتذامّون بالبخل والجبن" 3. (69) أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر:

(حديث أنس الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من الناس ناساً مفاتيحٌ للخير مغاليقٌ للشر و إن من الناس ناساً مفاتيحٌ للشر مغاليقٌ للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيحَ الخير على يديه و ويل لمن جعل الله مفاتيحَ الشر على يديه.
(حديث خالد بن أبي عمران الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم.
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة: بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا القول أن الناس أصناف وطبقات وأنهم إلى تفاوت في الطباع والأخلاق: فمنهم الخير الفاضل الذي ينتفع بصحبته ومنهم الرديء الناقص الذي يتضرر بقربه وعشرته، كما أن الأرض مختلفة الأجزاء والتراب: فمنها العذاة الطيبة التي يطيب نباتها ويزكو ريعها ومنها السباخ الخبيثة التي يضيع بزرها ويبيد زرعها وما بين ذلك على حسب ما يوجد منها حسا ويشاهد عيانا.
أهـ (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: النَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة:

وفي هذا القول أيضا بيان أن اختلاف الناس غرائز فيهمن كما أن المعادن ودوائع مركوزة في الأرض: فمنها الجوهر النفيس ومنها الفلز الخسيس وكذلك جواهر الناس وطبائعهم: منها الزكي الرضي ومنها الناقص الدني.
أهـ (70) التخلي عن رزيلة هجر المسلم:

(حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ.
(حديث أبي خراش السلمي رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا.
جواز هجر أهل المعاصي أكثر من ثلاث:

(حديث أم سلمة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرا، فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا عليهن أو راح، فقيل له: يا نبي الله حلفت أن لا تدخل عليهن شهرا؟.
فقال: (إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما).
(حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أَنَّهُ اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَبَ أَعْطِيهَا بَعِيرًا فَقَالَتْ أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن الحسن قال: هجران الأحمق قربة إلى الله عز وجل.
(71) ترك الاستكثار من الأصدقاء وما يستحب من قلة الالتقاء:

(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: المعنى لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب لان الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئاً سهل الانقياد وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويلين جانبه.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة: الراحلة البعير الذلول الذي يرحل ويركب فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم أي مكتوم وماء دافق بمعنى مدفوق يريد والله أعلم ليعلم أن غير الواحد من المائة من الناس لا يصلح أن يصحب كما أن غير الواحد من هذه المائة من الإبل لا يصلح أن يركب يشير به إلى الإقلال من صحبة الناس والتحذير منهم.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمرو بن العاص أنه قال: (إذا كثر الأخلاء كثر الغرماء).
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن سفيان الثوري: كثرة أصدقاء المرء من سخافة دينه.
وذلك لأن الرجل إذا كان صلب الدين لم يصحب إلا الأبرار الأتقياء وفيهم قلة.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ابن عون قال: أسىء ظنك بالناس تقع قريبا وأقل معرفة الناس تسلم.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمحمد بن كعب القرظي: أي خصال الرجل أوضع له قال: كثرة كلامه وإفشاؤه سره والثقة بكل أحد.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن أبي الدرداء رحمه الله: إنك لن تتفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله ثم ترجع إلى نفسك فتجدها أمقت من سائر الناس.

أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن إبراهيم بن شماس قال قال لي جعفر بن حميد الأكاف: يا إبراهيم صحبت الناس خمسين سنة فلم أجد أخا منهم ستر لي عورة ولا وصلني إذا قطعته ولا أمنته إذا غضب فالاشتغال بهؤلاء حمق كثير.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن شبيب بن شبة قال: إن من إخواني من لا يأتيني في السنة إلا اليوم الواحد هم الذين أعدهم للمحيا والممات، ومنهم من يأتيني كل يوم فيقبلني وأقبله ولو قدرت أن أجعل مكان قبلتي إياه عضة لعضضته.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن اسحاق بن إبراهيم قال: كان بين عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان مودة وإخاء وكانت السنة تمر عليهما لا يلتقيان فقيل لأحدهما في ذلك فقال: "إذا تقاربت القلوب لم يضر تباعد الأجسام".
(72) تركُهُ ما لا يعنيه:

من أجلِّ الآداب في معاشرة الإخوان " ترك ما لا يعني ورفض الاشتغال بما لا يجدي" (حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حسن إسلامِ المرء تركُهُ ما لا يعنيه.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة: قال بعض الحكماء: من اشتغل بما لا يعنيه ومن لم يستغن بما يكفيه فليس في الدنيا شيء يغنيه.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة أن ابن عباس أوصى رجلا فقال: لا تتكلم بما لا يعنيك فإن ذلك فضل ولست آمن عليك الحذر ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعا فرب متكلم في غير موضعه قد عنث، ولا تمار حليما ولا سفيها فإن الحليم يقليك والسفيه يؤذيك، وأذكر أخاك إذا توارى عنك بما تحب أن يذكرك به إذا تواريت عنه ودعه مما تحب أن يدعك منه فإن ذلك العدل واعمل عمل امرىء يعلم أنه مجزى بالاحسان مأخوذ بالاجرام.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن مؤرق العجلي قال: أمرٌ أنا اطلبه منذ عشرين سنة لم أنله ولست بتاركه فيما أستقبل قيل: وما هو يا أبا المعتمر؟ قال: الصمت عما لا يعنيني.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن الأعمش عن أبي راشد قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر فقال إني رسول إخوانك من أهل البصرة إليك فإنهم يقرؤونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين: علي وعثمان وما قولك فيهما فقال: هل غير قال: لا.
قال: جهزوا الرجل.

فلما فرغ من جهازه قال: اقرأ عليهم السلام وأخبرهم أن قولي فيهم (تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم قيل له: ما بلغ بك ما نرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني.
(73) التحلي بالقناعة:

عناصر التحلي بالقناعة: العلاقة بين القناعة والرضا: حاجتنا إلى القناعة: سوء عاقبة الطامعين: تعريف القناعة: قناعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا قناعة في فعل الخير: فضل القناعة: مراتب القناعة (للماوردي): آثار القناعة: من الأسباب المؤدية للقناعة: من أروع قصص القناعة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: العلاقة بين القناعة والرضا:

القناعة متعلقة بالرضا، فإذا رضي العبد عن ربه قنع بما قسم الله له وقلبه مطمئن مرتاح لذلك.
والقناعة تناقض التكالب على الدنيا سعيا وراء متاعها الزائل، سواء كان حلالا أم حراما.
فالمؤمن يقنع بالحلال ولو كان قليلا، ويمقت الحرام ولو كان كثيرا.
وقناعته لا تقعده عن الكسب ولا عن أخذ ما هو صالح من غيره، لكنها تناقض الحسد لمن آتاه الله رزقا وفيرا، وتناقض تكليف النفس فوق طاقتها طمعا في المزيد من متاع الدنيا، وتناقض الكسب مع التفريط بفرائض الله وعبادته.
حاجتنا إلى القناعة:

القناعة يحتاجها الغني والفقير وكذلك يحتاجها من كان رزقه كفافا بين الغنى والفقر، لأن القناعة في القلب ولا علاقة لها بما في اليد من مال.
ومن قنع بما آتاه الله وجد طمأنينة القلب والسعادة، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97] قال كثير من أهل التفسير: الحياة الطيبة في الدنيا هي القناعة.
وقيل أيضا في قوله تعالى: " (إِنّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) [الإنفطار: 13] هو القناعة، وفي قوله تعالى " قال تعالى: (وَإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الإنفطار: 14] هو الحرص في الدنيا.

وقد ذم الله تعالى التكاثر في متاع الدنيا وعدّه من الملهيات: " قال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ حَتّىَ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) [التكاثر 1، 2] وهكذا يفلح من قنع بما آتاه الله تعالى وكان رزقه كفافا على قدر حاجته، وسطا بين الغنى والفقر، وهو أفضل من كليهما، لأن خير الأمور أوسطها، فرب غني ألهاه غناه عن معرفة ربه ورب فقير شغله فقره وإكتساب قوته عن عبادة ربه.
سوء عاقبة الطامعين: يحكى أن ثلاثة رجال ساروا في طريق فعثروا على كنز، واتفقوا على تقسيمه بينهم بالتساوي، وقبل أن يقوموا بذلك أحسوا بالجوع الشديد، فأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعامًا، وتواصوا بالكتمان، حتى لا يطمع فيه غيرهم، وفي أثناء ذهاب الرجل لإحضار الطعام حدثته نفسه بالتخلص من صاحبيه، وينفرد هو بالكنز وحده، فاشترى سمًّا ووضعه في الطعام، وفي الوقت نفسه، اتفق صاحباه على قتله عند عودته؛ ليقتسما الكنز فيما بينهما فقط، ولما عاد الرجل بالطعام المسموم قتله صاحباه، ثم جلسا يأكلان الطعام؛ فماتا من أثر السم.. وهكذا تكون نهاية الطامعين وعاقبة الطمع.
أُهْدِيَتْ إلى السيدة عائشة -رضي الله عنها- سلالا من عنب، فأخذت تتصدق بها على الفقراء والمساكين، وكانت جاريتها قد أخذت سلة من هذه السلال وأخفتها عنها، وفي المساء أحضرتها، فقالت لها السيدة عائشة -رضي الله عنها-: ما هذا؟ فأجابت الجارية: ادخرتُه لنأكله.
فقالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: أما يكفي عنقود أو عنقودان؟ كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- واليا على إحدى المدن، وكان راتبه خمسة آلاف درهم يتصدق بها جميعًا، وكان يشتري خوصًا بدرهم، فيصنع به آنية فيبيعها بثلاثة دراهم؛ فيتصدق بدرهم، ويشتري طعامًا لأهله بدرهم، ودرهم يبقيه ليشتري به خوصًا جديدًا.
تعريف القناعة:

"القناعة هي الرضا بما قسم الله، ولو كان قليلا"، وهي عدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وهي علامة على صدق الإيمان.
قال الشوكاني رحمه الله في السلوك الإسلامي القويم: فهي في اللغة: الرضا بالقسم، فمن رضي بما قسم له فقد قنع؛ لأن من تيقن أن ذلك بتقدير الخالق الرازق، وأن ليس في قدره فعند الزيادة عليه طاب عيشه وزال همه وكان كما قيل.
أَمْطِري لُؤلُؤاً جِبالَ سَرَنْدي... بَ وفيضي آبارَ تَكْرورَ تِبْرا أَنا إنْ عِشْتُ لَسْتُ أَعْدَمُ قوتاً... وَإذا مِتُّ لَسْتُ أَعُدَمُ قَبْرا

وما أحسن ما قاله بعض السلف: ثلاث آيات غنيت بهن عن جميع الخلائق الأولى: (وَما مِنْ داَّبةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلى اللهِ رِزْقُهَا) [هود: 6].
الثانية: (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها)) [فاطر: 2].
الثالثة: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إَلاَّ هُوَ)) [الأنعام: 17].أهـ والقناعة صفة كريمة، تعرب عن عزة النفس، وشرف الوجدان وكرم الأخلاق.
إنما صار القانع من أغنى الناس، لأن حقيقة الغنى هي: عدم الحاجة إلى الناس، والقانع راض ومكتف بما رزقه الله، لا يحتاج ولا يسأل سوى الله.
قناعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرضى بما عنده، ولا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يتطلع إلى ما عند غيره، فكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعمل بالتجارة في مال السيدة خديجة -رضي الله عنها- فيربح كثيرًا من غير أن يطمع في هذا المال، وكانت تُعْرَضُ عليه الأموال التي يغنمها المسلمون في المعارك، فلا يأخذ منها شيئًا، بل كان يوزعها على أصحابه.
وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينام على الحصير، فرآه الصحابة وقد أثر الحصير في جنبه، فأرادوا أن يعدوا له فراشًا لينًا يجلس عليه؛ فقال لهم: (ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها.
كما في الحديثين الآتيين: (حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال نام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حصير فقام وقد أثر في جنبه قلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
(حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: دخلت على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على حصير قال فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع وقرظ في ناحية في الغرفة وإذا إهاب معلق فابتدرت عيناي فقال ما يبكيك يا ابن الخطاب فقال يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك قال: يا ابن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت بلى.
لا قناعة في فعل الخير:

المسلم يقنع بما قسم الله له فيما يتعلق بالدنيا، أما في عمل الخير والأعمال الصالحة فإنه يحرص دائمًا على المزيد من الخيرات، مصداقًا لقوله تعالى: (وَتَزَوّدُواْ فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَىَ) [البقرة: 197]. وقوله تعالى: (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ) [آل عمران: 133] فضل القناعة: للقناعة أهمية كبرى، وأثر بالغ في حياة الإنسان، وتحقيق رخائه النفسي والجسمي، فهي تحرره من عبودية المادة، واسترقاق الحرص والطمع، وعنائهما المرهق، وهوانهما المذل، وتنفخ فيه روح العزة، والكرامة، والإباء، والعفة، والترفع عن الدنايا، واستدرار عطف اللئام.
والقانع بالكفاف أسعد حياة، وأرخى بالا، وأكثر دعة واستقرارا، من الحريص المتفاني في سبيل أطماعه وحرصه، والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم.
والقناعة بعد هذا تمد صاحبها بيقظة روحية، وبصيرة نافذة، وتحفزه على التأهب للآخرة، بالأعمال الصالحة، وتوفير بواعث السعادة فيها.
والإنسان القانع يحبه الله ويحبه الناس، والقناعة تحقق للإنسان خيرًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، ومن فضائل القناعة ما يلي: (1) القناعة سبب البركة: فهي كنز لا ينفد، وقد أخبرنا الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها أفضل الغنى، كما في الحديثين الآتيين: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ليس الغنى عن كثرةِ العرض ولكن الغنى غنى النفس) والعَرَضُ: هو متاع الدنيا، ومعنى الحديث: الغِنَى المحمودُ هو غنى النَّفْس وشبعها، وقلَّة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأن مَنْ كان طالبًا للزيادة، لم يَسْتَغْنِ بما عنده؛ فليس له غِنًى.
وما أجمل حديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآتي: (حديث عبيد الله بن محصن الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوتُ يومه فكأنما حيزت له الدنيا) وأرشد النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المؤمنَ إلى أن ينظر إلى مَنْ هو أسفل منه؛ حتى يشعر بكثرة نِعَم الله عليه؛ كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله.

قال ابنُ جريرٍ وغيره: "هذا حديثٌ جامعٌ لأنواعٍ من الخير؛ لأنَّ الإنسان إذا رأى من فُضِّلَ عليه في الدنيا، طَلَبَتْ نفسُه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله، وحَرَص على الازدياد؛ ليلحق بذلك أو يقاربه؛ هذا هو الموجود في غالب الناس، وأمَّا إذا نَظَرَ في أمور الدنيا إلى مَنْ هو دونه فيها، ظهرت له نعمةَ الله - تعالى - عليه، فشكرها، وتواضع، وفعل فيه الخير".
اهـ فالمسلم عندما يشعر بالقناعة والرضا بما قسمه الله له يكون غنيا عن الناس، عزيزًا بينهم، لا يذل لأحد منهم.
أما طمع المرء، ورغبته في الزيادة يجعله ذليلاً إلى الناس، فاقدًا لعزته، ولذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ارْضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس" كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس و ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس و أحسن إلى جارك تكن مؤمنا و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما و لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
والإنسان الطمَّاع لا يشبع أبدًا، ويلح في سؤال الناس، ولا يشعر ببركة في الرزق، ولذا نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الإلحاف في المسألة كما في الحديث الآتي: (حديث معاوية رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته.
لا تُلْحِفُوا: أي لا تلحوا.
(2) القناعة طريق الجنة: بَيَّن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن المسلم القانع الذي لا يسأل الناس ثوابُه الجنة، كما في الحديث الآتي: (حديث ثوبان في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة؟ فقال ثوبان أنا، فكان لا يسأل الناس شيئاً.
(3) القناعة عزة للنفس: القناعة تجعل صاحبها حرًّا؛ فلا يتسلط عليه الآخرون، أما الطمع فيجعل صاحبه عبدًا للآخرين.
وقد قال الإمام علي-رضي الله عنه-: الطمع رق مؤبد (عبودية دائمة) وقال أحد الحكماء: من أراد أن يعيش حرًّا أيام حياته؛ فلا يسكن قلبَه الطمعُ.
وقيل: عز من قنع، وذل من طمع.
وقيل: العبيد ثلاثة: عبد رِقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع.

(4) القناعة سبيل للراحة النفسية: المسلم القانع يعيش في راحة وأمن واطمئنان دائم، أما الطماع فإنه يعيش مهمومًا، ولا يستقر على حال، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى يقول يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإلا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك.
قال الإمام المنذري رحمه الله تعالى في الترغيب والترهيب: يا بن آدم تفرغ لعبادتي: أي فرغ قلبك وأقبل علي وحدي، فتكون في كل أحوالك ناظراً إلى ربك سبحانه، مراقباً له، خائفاً منه، تعمل ما يرضيه سبحانه وتعالى، فهذا هو التفرغ لعبادة رب العالمين، فإذا فعلت هذا فالنتيجة هي ما جاء في الحديث حيث قال: أملأ صدرك غنى وأسد فقرك.
فإذا امتلأ القلب غنى فلا يحتاج الإنسان إلى شيء بعد ذلك؛ لأن الغنى هو غنى القلب، فالإنسان إذا كان مفلساً لا شيء معه وقلبه غني فإنه سيشعر أنه ملك، وأنه أفضل من جميع من معه مال؛ لأن من معه مال يحتاج إلى أن يحرس ماله، أما هذا فلا يحتاج أن يحرس شيئاً؛ لأن القلب ممتلئ غنى، أما إذا ملأ الله قلب الإنسان فقراً وحاجة، فإنه سيشعر أنه فقير ولو كان من أغنى الناس؛ لأنه يحس أن ماله سينفد، وأن هناك أمراضاً يمكن أن تصيبه، فيظل يكنز ويكنز ولا يشبع أبداً.
إذاً: الغنى هو غنى القلب والفقر هو فقر القلب، وربنا يعدك أنك إذا تفرغت للعبادة وأحسنت فيها فإنه سوف يملأ قلبك غنى، ولم ينته الأمر عند غنى القلب فقط، بل وفوق ذلك قال: أملأ صدرك غنى وأسد فقرك.
أي: سأملأ القلب واليدين.
وإلا تفعل ملأت يديك شغلا: فالإنسان الذي يتباعد عن الله فيسمع المؤذن يؤذن فيقول: أنا لست فارغاً، بل ورائي شغل.. أريد أن آكل.. أو أريد أن أشرب، كيف أترك العمل وأنا محتاج إليه؟ فمثل هذا سوف يظل محروماً طول حياته.
ولم أسد فقرك: أي ستحس أنك فقير دائماً مهما كان معك من أموال كثيرة،

سبحان الله! البعيد عن طاعة الله سبحانه وتعالى يحدث له عكس ما يحدث للمتفرغ لطاعة الله سبحانه، فتجده كثير العمل، يشتغل هنا وهناك، وفي النهاية لا يجد معه شيئاً من الأموال؛ لأن الله يبتليه بالأمراض وبالإنفاق على العمال وغير ذلك، فلا يبقى معه شيء؛ لأنه ابتعد عن الله تبارك وتعالى.
وقال أحد الحكماء: سرور الدنيا أن تقنع بما رُزِقْتَ، وغمها أن تغتم لما لم ترزق.
ولله درُ من قال: هي القناعة لا تبغي بها بلا... فيها النعيمُ وفيها راحةُ البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها... هل راح منها بغيرِ القطن والكفن وأجمل ما قيل في فضل القناعة: دع الحرص على الدنيا وفي العيش لا تطمع ولا تجمع من المال لا تدري لمن تجمع ولا تدري أفي أرضك أم في غيرها تصرع؟ فإن الرزق مقسوم و سوء الظن لا ينفع فقير كل من يطمع غني كل من يقنع.
تعريف القناعة:

القناعة الرضا بالقسم (أي النصيب و الحظ).
قاله ابن السني في كتابه القناعة.
في كتاب موسوعة نضرة النعيم: (قال الراغب: القناعة الاجتزاء باليسير من الأغراض المحتاج إليها.
قال الجاحظ: القناعة هي: الاقتصار على ما سنح من العيش و الرضا بما تسهل من المعاش و ترك الحرص على اكتساب الأموال و طلب المراتب العالية مع الرغبة في جميع ذلك و إيثاره و الميل إليه وقهر النفس على ذلك و التقنع باليسير منه.
قال المناوي رحمه الله تعالى: القناعة عرفاً: الاقتصار على الكفاف، و قيل الاكتفاء بالبُلغة، وقيل سكون الجأش عند وعدم امألوفات، و قيل الوقوف عند الكفاية).
مراتب القناعة (للماوردي):

المرتبة الأعلى: أن يقتنع بالبُلغة من دنياه و يصرف نفسه عن التعرض لما سواه.
المرتبة الأوسط: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية ويحذف الفضول والزيادة.
المرتبة الأدنى: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح، فلا يكره ما أتاه و إن كان كثيراً، و لا يطلب ما تعذر و إن كان يسيراً.
آثار القناعة:

(1) امتلاء القلب بالإيمان بالله سبحانه وتعالى و الثقة به والرضا بما قدر و قسم.
(2) الحياة الطيبة.
(3) تحقيق شكر المنعم سبحانه و تعالى.
(4) الفلاح و البشرى لمن قنع (5) الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب و تذهب الحسنات كالحسد و الغيبة و النميمة و الكذب.
(6) حقيقة الغنى في القناعة.
(7) العز في القناعة و الذل في الطمع.

(8) القانع تعزف نفسه عن حطام الدنيا رغبةً فيما عند الله.
(9) القنوع يحبه الله و يحبه الناس.
(10) القناعة تشيع الألفة و المحبة بين الناس.
من الأسباب المؤدية للقناعة:

(1) الاستعانة بالله والتوكل عليه و التسليم لقضائه و قدره.
(2) قدر الدنيا بقدرها و إنزالها منزلتها.
(3) جعل الهمّ للآخرة و التنافس فيها.
(4) النظر في حال الصالحين و زهدهم و كفافهم و إعراضهم عن الدنيا و ملذاتها.
(5) تأمل أحوال من هم دونك.
(6) مجاهدة النفس على القناعة و الكفاف.
(7) معرفة نعم الله تعالى و التفكر فيها.
(8) أن يعلم أن لبعض النعيم ترة و مفسدة.
(9) أن يعلم أن في القناعة راحة النفس و سلامة الصدر و اطمئنان القلب.
(10) الدعاء.
(11) تقوية الإيمان بالله تعالى، و ترويض القلب على القناعة و الغنى.
(12) اليقين بأن الرزق مكتوب و الإنسان في رحم أمه.
(13) تدبر آيات القرآن العظيم لا سيما ما تتحدث عن الرزق و الاكتساب.
(14) معرفة حكمة الله تعالى في تفاوت الأرزاق و المراتب بين العباد.
(15) العلم بأن الرزق لا يخضع لمقاييس البشر من قوة الذكاء و كثرة الحركة و سعة المعارف.
(16) العلم بأن عاقبة الغنى شر و وبال على صاحبه إذا لم يكن الاكتساب و الصرف منه بالطرق المشروعة.
(17) النظر في التفاوت البسيط بين الغني و الفقير على وجه التحقيق.
من أروع قصص القناعة: أن الخليل بن أحمد الفراهيدي كان يقاسي الضر بين أخصاص البصرة، وأصحابه يقتسمون الرغائب بعلمه في النواحي.
ذكروا أن سليمان بن علي العباسي، وجه إليه من الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزا يابسا، وقال: كل فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان.
فقال الرسول: فما أبلغه.
فقال: أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال والفقر في النفس لا في المال فاعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال.
وفي كشكول البهائي (أنه ارسل عثمان بن عفان مع عبد له كيسا من الدراهم إلى أبي ذر وقال له: إن قبل هذا فأنت حر، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذر، وألح في قبوله، فلم يقبل، فقال له: أقبله فإن فيه عتقي.
فقال: نعم ولكن فيه رقي)

وكان ديوجانس الكلبي من أساطين حكماء اليونان، وكان متقشفا، زاهدا، لا يقتني شيئا، ولا يأوي إلى منزل، دعاه الإسكندر إلى مجلسه.
فقال للرسول قل له: إن الذي منعك من المسير إلينا، هو الذي منعنا من المسير إليك، منعك استغناؤك عنا بسلطانك، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي) في حجرة صغيرة فوق سطح أحد المنازل, عاشت الأرملة الفقيرة مع طفلها الصغير حياة متواضعة في ظروف صعبة..... إلا أن هذه الأسرة الصغيرة كانت تتميز بنعمة الرضا و تملك القناعة التي هي كنز لا يفنى... لكن أكثر ما كان يزعج الأم هو سقوط الأمطار في فصل الشتاء, فالغرفة عبارة عن أربعة جدران, و بها باب خشبي, غير أنه ليس لها سقف!.. و كان قد مر على الطفل أربعة سنوات منذ ولادته لم تتعرض المدينة خلالها إلا لرخات قليلة و ضعيفة, إلا أنه ذات يوم تجمعت الغيوم و امتلأت سماء المدينة بالسحب الداكنة..... و مع ساعات الليل الأولى هطل المطر بغزارة على المدينة كلها, فاحتمى الجميع في منازلهم, أما الأرملة و الطفل فكان عليهم مواجهة موقف عصيب!!.. نظر الطفل إلى أمه نظرة حائرة و اندسّ في أحضانها, لكن جسد الأم مع ثيابها كان غارقًا في البلل... أسرعت الأم إلى باب الغرفة فخلعته و وضعته مائلاً على أحد الجدران, و خبأت طفلها خلف الباب لتحجب عنه سيل المطر المنهمر.
فنظر الطفل إلى أمه في سعادة بريئة و قد علت على وجهه ابتسامة الرضا, و قال لأمه: " ماذا يا ترى يفعل الناس الفقراء الذين ليس عندهم باب حين يسقط عليهم المطر؟!! " لقد أحس الصغير أنه ينتمي إلى طبقة الأثرياء.. وما أحلى قول أبي فراس الحمداني في القناعة: إن الغني هو الغني بنفسه ولو أنه عار الناكب حاف ما كل ما فوق البسيطة كافيا فإذا قنعت فكل شيء كاف.
(74) إقالة ذوي الهيئات عثراتهم:

(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود.
ذوو الهيئات: أهل المروءة والخصال الحميدة.
العثرة: الزلة والسقطة.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (أقيلوا) أيها الأئمة: من الإقالة، وهي الترك.

(ذوي الهيئات) جمع هيئة، قال القاضي: وهي في الأصل صورة أو حالة تعرض لأشياء متعددة فتصير بسببها مقول عليها أنها واحدة ثم أطلق على الخصلة فيقال لفلان هيئات أي خصال، والمراد هنا أهل المروءة والخصال الحميدة التي تأتي عليهم الطباع وتجمع بهم الإنسانية والألفة أن يرضوا لأنفسهم بنسبة الفساد والشر إليها (عثراتهم) زلاتهم: أي ذنوبهم.
وهل هي الصغائر أو أول زلة ولو كبيرة صدرت من مطيع؟ وجهان للشافعية وكلام ابن عبد السلام مصرح بترجيح الأول، فإنه عبر بالصغائر، ويقال لا يجوز تعزير الأولياء على الصغائر، وزعم سقوط الولاية بها جهل قبيح، ونازعه الأذرعي بما ليس بصحيح (إلا الحدود) أي إلا ما يوجب الحدود، إذا بلغت الإمام وإلا الحقوق البشرية فإن كلاً منهما يقام فالمأمور بالعفو عنه هفوة أو زلة لا حدّ فيها وهي من حقوق الحق فلا يعزر عليها وإن رفعت إليه.
نعم يندب لمن جاءه نادم أقرّ بموجب حد أن يأمره بستر نفسه ويشير إليه بالكتم كما أمر المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ماعزاً والغامدية، وكما لم يستفصل من قال: أصبت حداً فأقمه علي.
قال البيضاوي: وقوله إلا الحدود إن أريد بالعثرات صغائر الذنوب وما يندر عنهم من الخطايا، فالاستثناء منقطع، أو الذنوب مطلقاً وبالحدود ما يوجبها فالاستثناء متصل.
وخرج بذوي الهيئات من عرف بالأذى والعناد بين العباد فلا يقال له عثار بل تضرم عليه النار.

آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جملةً وتفصيلا: أولاً آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جملةً:

1 فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 2 الشرع هو الأصل في تقرير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (3) العلم والبصيرة بحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (4) معرفة شروط إنكار المنكر: (5) معرفة مراتب إنكار المنكر: (6) تقديم الأهم على المهم: (7) اعتبار المصالح ودرء المفاسد: (8) التثبت في الأمور وعدم العجلة: (9) متى يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

(10) مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَر: (11) يكره أن يُعْرَضَ أحدٌ على السلطان في الإنكار: (12) الرجل يغير المنكر الذي يقوى أن ينكر عليه: (13) ما يُوَسَّعُ على الرجل في ترك الأمر والنهي إذا رأى قوما سفهاء: (14) يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إن كان يظن أنه يقبل منه: (15) يكره للرجل دخول مواضع النكرة: (16) خطر التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ثانيا آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفصيلا:

(1) فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام، ولا شك أن صلاح العباد في معاشهم ومعادهم متوقف على طاعة الله - عز وجل - وطاعة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتمام الطاعة متوقف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهاك بعض فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (1) بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: 110] (2) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيق الولاية بين المؤمنين، قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلََئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [سورة: التوبة - الأية: 71] (3) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب النصر على الأعداء، والتمكين في الأرض.

قال تعالى: (الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ) [الحج 40، 41] (4) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمن من الهلاك، والمحافظة على صلاح المجتمعات بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا).
(5) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دفع العذاب عن العباد: قال تعالى: (لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) [المائدة 78،79] (6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلب مهم لمن أراد النجاة لنفسه: قال تعالى: (فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) [الأعراف: 165] (7) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التوفيق للدعاء والاستجابة: (حديث حذيفة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لتأمُرنّ بالمعروف و لتنهَوْنَّ عن المنكر أو يبعث الله عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لهم.
(8) القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مكفرات الذنوب والخطايا بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:

(حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.
(9) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب الظفر بعظيم الأجور، وتكثير الحسنات: قال تعالى: (لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: 114] (10) وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحيا السنن وتموت البدع، ويضعف أهل الباطل والأهواء، وهو من أبرز صفات المؤمنين وسماتهم، ومن أعظم الوسائل لقوتهم وتماسكهم، والغفلة عنه أو التهاون فيه، أو تركه، يجر من المفاسد الكثيرة، والأضرار الجسيمة.
إلى غير ذلك من الفوائد والثمرات الكثيرة المترتبة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) الشرع هو الأصل في تقرير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

إن الميزان في كون الشيء معروفًا أو منكرًا هو كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة رسوله الثابتة عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما كان عليه السلف الصالح لهذه الأمة، وليس المراد ما يتعارف عليه الناس أو يصطلحون عليه مما يخالف الشريعة الإسلامية.
فما جاء الأمر به في الكتاب والسنة، أو الندب إليه والحث عليه، أو الثناء على أهله، أو الإخبار بأنه مما يحبه الله تعالى ويرضاه، ويكرم أهله بالثواب العاجل والآجل، فهو من المعروف الذي يؤمر به.
وما ورد النهي عنه في الكتاب والسنة، والتحذير منه، وبيان عظيم ضرره، وكبير خطره في الدنيا والآخرة، أو جاء ذم أهله ووعيد فاعله بالسخط والعذاب والخزي والعار، ودخول النار ونحو ذلك فهو من المنكر الذي ينهى عنه (1). قال ابن منظور: (وقد تكرر ذكر المعروف في الحديث، وهو اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع) (2).

وقال ابن الأثير: (والمنكر ضد المعروف وهو كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر) 1. وذكر ابن حجر عن أبي جمرة 2 (يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع من أعمال البر، سواء جرت به العادة أم لا) 3. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويُؤمر بالمعروف الذي أمر الله به.. ورسوله، ويُنهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويُؤمر ويُنهى، إما بما يضاد ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك دينا: كان مبتدعا ضالا باطلا) 4. وقال ابن حجر الهيثمي: (المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بواجب الشرع، والنهي عن محرماته) 5. ويصف الإمام الشوكاني رحمه الله أفراد الأمة الإسلامية بقوله: إنهم يأمرون بما هو معروف في هذه الشريعة، وينهون عما هو منكر، فالدليل على كون ذلك الشيء معروفا أو منكرا هو الكتاب والسنة 6. ومن هذا يتبين لنا أن كون الشيء معروفا أو منكرا ليس من شأن الآمر والناهي، وإنما يعود ذلك إلى ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فهم السلف الصالح لهذه الأمة من اعتقاد أو قول أو فعل.
(3) العلم والبصيرة بحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

من القواعد العامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يكون الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر عالما بما يأمر به وبما ينهى عنه،.. يعلم ما هو المنهي عنه شرعا حتى ينهى عنه، ويعلم ما هو المأمور به شرعا حتى يأمر الناس به، فإنه إن أمر ونهى بغير علم فإن ضرره يكون أكثر من نفعه، لأنه قد يأمر بما ليس بمشروع، وينهى عما كان مشروعا وقد يحلل الحرام ويحرم الحلال وهو لا يعلم 1. ولأهمية العلم النافع أمر الله به، وأوجبه قبل القول والعمل، قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) [محمد: 19] وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله لهذه الآية بقوله: (باب العلم قبل القول والعمل) 2. وذلك أن الله أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم بالعمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ) [محمد: 19] ، ثم أعقبه بالعمل في قوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) [محمد: 19] ، فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وأن العمل شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما، لأنه مصحح للنية المصححة للعمل 3. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: عند حديثه عن شروط الأمر والنهي: (ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلمٍ وَفِقْه.. وهذا ظاهر فإن العمل إن لم يكن بعلم كان جهلًا وضلالا، واتباعا للهوى وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المنهي) 4. وأضاف يقول: وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعًا ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه) 5.

جارٍ التحميل