كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن جميل بن زيد قال رأى بن عمر رجلا يجر إزاره فقال إن للشيطان إخوانا مرتين أو ثلاثا.
(فصلٌ في منزلة الفتوة:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفتوة هذه المنزلة «حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى الناس وكف الأذى عنهم واحتمال أذاهم» فهي استعمال حسن الخلق معهم فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله، والفرق بينها وبين المروءة: أن المروءة أعم منها فالفتوة نوع من أنواع المروءة فإن المروءة استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد أو متعد إلى غيره وترك ما يدنس ويشين مما هو مختص أيضا به أو متعلق بغيره و الفتوة إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق فهي ثلاثة منازل: منزلة التخلق وحسن الخلق ومنزلة الفتوة، ومنزلة المروءة، وقد تقدمت منزلة الخلق وهذه منزلة شريفة لم تعبر عنها الشريعة باسم الفتوة بل عبرت عنها باسم مكارم الأخلاق كما في حديث يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، وأصل الفتوة من الفتى وهو الشاب الحديث السن قال الله تعالى عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف: 13] وقال عن قوم إبراهيم أنهم ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60] وقال تعالى عن يوسف ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: 36] وقال لفتيانه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف:62] فاسم الفتى لا يشعر بمدح ولا ذم كاسم الشاب والحدث ولذلك لم يجيء اسم الفتوة في القرآن ولا في السنة ولا في لسان السلف وإنما استعمله من بعدهم في مكارم الأخلاق وأصلها عندهم: أن يكون العبد أبدا: في أمر غيره وأقدم من علمته تكلم في الفتوة جعفر بن محمد ثم الفضيل بن عياض والإمام أحمد وسهل بن عبد الله والجنيد ثم الطائفة فيذكر أن جعفر بن محمد سئل عن الفتوة فقال للسائل: ما تقول أنت فقال: إن أعطيت شكرت وإن منعت صبرت فقال: الكلاب عندنا كذلك فقال السائل: يا ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما الفتوة عندكم فقال: «إن أعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا» (وقال الفضيل بن عياض: الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان.
(وقال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية ابنه عبد الله عنه وقد سئل عن الفتوة فقال: ترك ما تهوى لما تخشى ولا أعلم لأحد من الأئمة الأربعة فيها سواه.
(وسئل الجنيد عن الفتوة فقال: لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا.
(وقال الحارث المحاسبي: الفتوة أن تنصف ولا تنتصف.
(وقال عمر بن عثمان المكي: الفتوة حسن الخلق.
(وقال محمد بن علي الترمذي: الفتوة أن تكون خصما لربك على نفسك.
(وقيل: الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك.
(وقال الدقاق: هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي وهو يقول: أمتي أمتي.
(وقيل: الفتوة كسر الصنم الذي بينك وبين الله تعالى وهو نفسك فإن الله حكى عن خليله إبراهيم عليه السلام: أنه جعل الأصنام جذاذا فكسر الأصنام له فالفتى من كسر صنما واحدا في الله.
(وقيل: الفتوة أن لا تكون خصما لأحد يعني في حفظ نفسك وأما في حق الله فالفتوة: أن تكون خصما لكل أحد ولو كان الحبيب المصافيا.
(وقال الترمذي: الفتوة أن يستوي عندكم المقيم والطارىء.
(وقال بعضهم: الفتوة أن لا يميز بين أن يأكل عنده ولي أو كافر.
(وقال الجنيد أيضا: الفتوة كف الأذى وبذل الندى.
(وقال سهل: هي اتباع السنة.
(وقيل: هي الوفاء والحفاظ.
(وقيل: فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها.
(وقيل: أن لا تحتجب ممن قصدك.
(وقيل: أن لا تهرب إذا أقبل العافي يعني طالب المعروف.
(وقيل: إظهار النعمة وإسرار المحنة.
(وقيل: أن لا تدخر ولا تعتذر.
(وقيل: تزوج رجل بامرأة فلما دخلت عليه رأى بها الجدري فقال: اشتكيت عيني ثم قال: عميت فبعد عشرين سنة ماتت ولم تعلم أنه بصير فقيل له في ذلك فقال: كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها فقيل له: سبقت الفتيان وقيل: ليس من الفتوة أن تربح على صديقك.
(واستضاف رجل جماعة من الفتيان فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم فانقبض واحد منهم وقال: ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال فقال آخر منهم: أنا منذ سنين أدخل إلى هذه الدار ولم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أو رجلا.
(وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى فقال الرجل: يا غلام قدم السفرة فلم يقدم فقالها ثانيا وثالثا فلم يقدم فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا فقال الرجل: لم أبطأت بالسفرة فقال الغلام: كان عليها نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد فلبثت حتى دب النمل فقالوا: يا غلام مثلك يخدم الفتيان.
(ومن الفتوة التي لا تلحق: ما يذكر أن رجلا نام من الحاج في المدينة ففقد هميانا فيه ألف دينار فقام فزعا فوجد جعفر بن محمد فعلق به وقال: أخذت همياني فقال: أي شيء كان فيه قال: ألف دينار فأدخله داره ووزن له ألف دينار ثم إن الرجل وجد هميانه فجاء إلى جعفر معتذرا بالمال فأبى أن يقبله منه وقال: شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدا فقال الرجل للناس: من هذا فقالوا: هذا جعفر بن محمد رضي الله عنه.
(فصلٌ في منزلة المروءة:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المروءة
المروءة فعولة من لفظ المرء كالفتوة من الفتى والإنسانية من الإنسان ولهذا كان حقيقتها: «اتصاف النفس بصفات الإنسان التي فارق بها الحيوان البهيم والشيطان الرجيم»،
(فإن في النفس ثلاثه دواع متجاذبة:
(داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان: من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى والفساد والغش.
(وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان وهو داعي الشهوة.
(وداع يدعوها إلى أخلاق المَلَك: من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة.
(فحقيقة المروءة: بغض ذينك الداعيين وإجابة الداعي الثالث وقلة المروءة وعدمها: هو الاسترسال مع ذينك الداعيين والتوجه لدعوتهما أين كانت، فالإنسانية والمروءة والفتوة: كلها في عصيان الداعيين وإجابة الداعي الثالث كما قال بعض السلف: خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة وخلق البهائم شهوة بلا عقول وخلق ابن آدم وركب فيه العقل والشهوة فمن غلب عقله شهوته: التحق بالملائكة ومن غلبت شهوته عقله: التحق بالبهائم «ولهذا قيل في حد المروءة: إنها غلبة العقل للشهوة»
وقال الفقهاء في حدها: «هي استعمال ما يجمل العبد ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه»
وقيل: المروءة استعمال كل خلق حسن واجتناب كل خلق قبيح.
مسألة: ما هو حقيقة المروءة؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
وحقيقة المروءة تجنب للدنايا والرذائل من الأقوال والأخلاق والأعمال،
(فمروءة اللسان: حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر.
(ومروءة الخلق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض.
(ومروءة المال: الإصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا.
(ومروءة الجاه: بذله للمحتاج إليه.
(ومروءة الإحسان: تعجيله وتيسيره وتوفيره وعدم رؤيته حال وقوعه ونسيانه بعد وقوعه فهذه مروءة البذل وأما مروءة الترك: فترك الخصام والمعاتبة والمطالبة والمماراة والإغضاء عن عيب ما يأخذه من حقك وترك الاستقصاء في طلبه والتغافل عن عثرات الناس وإشعارهم أنك لا تعلم لأحد منهم عثرة والتوقير للكبير وحفظ حرمة النظير ورعاية أدب الصغير.
مسألة: ما هي درجات المروءة؟
((قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
وهي على ثلاث درجات:
(الدرجة الأولى: مروءة المرء مع نفسه وهي أن يحملها قسرا على ما يجمل ويزين وترك ما يدنس ويشين ليصير لها مَلَكة في العلانية فمن أراد شيئا في سره وخلوته: ملكه في جهره وعلانيته فلا يكشف عورته في الخلوة ولا يتجشأ بصوت مزعج ما وجد إلى خلافه سبيلا ولا يخرج الريح بصوت وهو يقدر على خلافه ولا يجشع وينهم عند أكله وحده وبالجملة: «فلا يفعل خاليا ما يستحي من فعله في الملإ» إلا مالا يحظره الشرع والعقل ولا يكون إلا في الخلوة كالجماع والتخلي ونحو ذلك.
(الدرجة الثانية: المروءة مع الخلق بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخلق الجميل ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه وليتخذ الناس مرآة لنفسه فكل ما كرهه ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليجتنبه وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص وسيء الخلق وحسنه وعديم المروءة وغزيرها، وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها كما روي عن بعض الأكابر: أنه كان له مملوك سيء الخلق فظ غليظ لا يناسبه فسئل عن ذلك فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه ويكون بتمرين النفس على مصاحبته ومعاشرته والصبر عليه.
(الدرجة الثالثة: المروءة مع الحق سبحانه بالاستحياء من نظره إليك وإطلاعه عليك في كل لحظة ونفس وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان فإنه قد اشتراها منك وأنت ساع في تسليم المبيع وتقاضي الثمن وليس من المروءة: تسليمه على ما فيه من العيوب وتقاضي الثمن كاملاً أو رؤية مِنَتَه في هذا الإصلاح وأنه هو المتولي له لا أنت فيغنيك الحياء منه عن رسوم الطبيعة والاشتغال بإصلاح عيوب نفسك عن التفاتك إلى عيب غيرك وشهود الحقيقة عن رؤية فعلك وصلاحك.
(فصلٌ في منزلة الأدب:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأدب
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]
قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم وهذه اللفظة مؤذنة بالاجتماع فالأدب: اجتماع خصال الخير في العبد ومنه المأدبة وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس
وعلم الأدب: هو علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه وتحسين ألفاظه وصيانته عن الخطاء والخلل وهو شعبة من الأدب العام والله أعلم.
مسألة: ما هي أنواع الأدب؟
((قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
والأدب ثلاثة أنواع:
(أدب مع الله سبحانه:
(وأدب مع رسوله وشرعه:
(وأدب مع خلقه:
(أولاً الأدب مع الله تعالى:
مسألة: ما معنى الأدب مع الله تعالى؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
الأدب مع الله تبارك وتعالى: «هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا»
مسألة: متى يستقيم الأدب مع الله تعالى؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء:
(معرفته بأسمائه وصفاته.
(ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره.
(ونفسٌ مستعدةٌ قابلةٌ لينةٌ متهيئةٌ لقبول الحق علما وعملا وحالا.
(ثانياً الأدب مع الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
فالقرآن مملوء به:
فرأس الأدب معه: «كمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق» دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولا» «أو يحمله شبهة أو شكا أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم» فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره وإلا فإن طلب السلامة: أعرض عن أمره وخبره وفوضه إليهم وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه: تأويلا وحملا فقال: نؤوله ونحمله فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء فقلت له: سألتك بالله لو قدر أن الرسول حي بين أظهرنا وقد واجهنا بكلامه وبخطابه: أكان فرضا علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم فقال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه فقلت: فما الذي نسخ هذا الفرض عنا وبأي شيء نسخ فوضع إصبعه على فيه وبقي باهتا متحيرا وما نطق بكلمة هذا أدب الخواص معه لا مخالفة أمره والشرك به ورفع الأصوات وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم وعزل كلامه عن اليقين وأن يستفاد منه معرفة الله أو يتلقى منه أحكامه بل المعول في باب معرفة الله: على العقول المنهوكة المتحيرة المتناقضة وفي الأحكام: على تقليد الرجال وآرائها والقرآن والسنة إنما نقرؤهما تبركا لا أنا نتلقى منهما أصول الدين ولا فروعه ومن طلب ذلك ورامه عاديناه وسعينا في قطع دابره واستئصال شأفته {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ
يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون/ 73:63]
(والناصح لنفسه العامل على نجاتها: يتدبر هذه الآيات حق تدبرها ويتأملها حق تأملها وينزلها على الواقع: فيرى العجب ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا فالحديث لك واسمعي يا جارة والله المستعان
(من مظاهر الأدب مع الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
(ومن الأدب مع الرسول: أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم قال مجاهد رحمه الله: لا تفتاتوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.
وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر ولا تنهوا حتى ينهى.
(ومن الأدب معه: أن لا ترفع الأصوات فوق صوته فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به أترى ذلك موجبا لقبول الأعمال ورفع الصوت فوق صوته موجبا لحبوطها.
(ومن الأدب معه: أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: 63] وفيه قولان للمفسرين:
أحدهما: أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا بل قولوا: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا نبي الله فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول أي دعاءكم الرسول الثاني: أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا إن شاء
أجاب وإن شاء ترك بل «إذا دعاكم لم يكن لكم بد من أجابته ولم يسعكم التخلف عنها البتة» فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل أي دعاؤه إياكم
(ومن الأدب معه: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62] فإذا كان هذا مذهبا مقيدا بحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله وفروعه دقيقه وجلبله هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] [الأنبياء: 7]
(ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا نعم هو مجهول وعن الصواب معزول ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد فكل هذا من قلة الأدب معه وهو عين الجرأة.
(ثالثاً الأدب مع الخلق:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
الأدب مع الخلق: فهو «معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم» فلكل مرتبة أدب والمراتب فيها أدب خاص فمع الوالدين: أدب خاص وللأب منهما: أدب هو أخص به ومع العالم: أدب آخر ومع السلطان أدب يليق به وله مع الأقران أدب يليق بهم ومع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه ومع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته ولكل حال أدب: فللأكل آداب وللشرب آداب وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آداب وللبول آداب وللكلام آداب وللسكوت والاستماع آداب.
وأدب المرء: عنوان سعادته وفلاحه وقلة أدبه: عنوان شقاوته وبواره فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب
فانظر إلى الأدب مع الوالدين: كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة والإخلال به مع الأم تأويلا وإقبالا على الصلاة كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحشة.
وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان وانظر قلة أدب عوف مع خالد: كيف حرمه السلب بعد أن برد بيديه وانظر أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة: أن يتقدم بين يديه فقال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف أورثه مقامه والإمامة بالأمة بعده فكان ذلك التأخر إلى خلفه وقد أومأ إليه أن: اثبت مكانك جمزا وسعيا
(أقوال السلف في الأدب:
قال أبو علي الدقاق: العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة ويصل بأدبه في طاعته إلى الله، وقال: رأيت من أراد أن يمد يده في الصلاة إلى أنفه فقبض على يده.
وقال ابن عطاء: الأدب الوقوف مع المستحسنات فقيل له: وما معناه فقال: أن تعامله سبحانه بالأدب سرا وعلنا ثم أنشد
إذا نطقت جاءت بكل ملاحة وإن سكتت جاءت بكل مليح
وقال أبو علي: من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل.
وقال يحيى بن معاذ: إذا ترك العارف أدبه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين.
وقال أبو علي: ترك الأدب يوجب الطرد فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب.
وقال يحيى بن معاذ: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله وقال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم
وسئل الحسن البصري رحمه الله عن أنفع الأدب فقال: التفقه في الدين والزهد في الدنيا والمعرفة بما لله عليك.
وقال سهل: القوم استعانوا بالله على مراد الله وصبروا لله على آداب الله.
وقال ابن المبارك: طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون وقال: «الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف»
وقال أبو حفص لما قال له الجنيد: لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن فالأدب مع الله حسن الصحبة معه بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء كحال مجالس الملوك ومصاحبهم.
وقال أبو نصر السراج: الناس في الأدب على ثلاث طبقات: أما أهل الدنيا: فأكبر آدابهم: في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار الملوك وأشعار العرب، وأما أهل الدين: فأكثر آدابهم: في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات، وأما أهل الخصوصية: فأكبر آدابهم: في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب.
وقال سهل: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص.
وقال عبد الله بن المبارك: قد أكثر الناس القول في الأدب ونحن نقول: إنه معرفة النفس ورعوناتها وتجنب تلك الرعونات.
وقال الشبلي: الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب وقال بعضهم: الحق سبحانه يقول: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي: ألزمته الأدب ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي: ألزمته العطب فاختر الأدب أو العطب ويشهد لهذا: أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة الذات.
وقال أبو عثمان: «إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب»
وقال النوري رحمه الله: «من لم يتأدب للوقت فوقته مقت»
وقال ذو النون: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب: فإنه يرجع من حيث جاء وتأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله وخطابهم وسؤالهم كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به قال المسيح عليه السلام: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: 116] ولم يقل: لم أقله وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال: تعلم ما في نفسي ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال: ولا أعلم ما في نفسك ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها فقال: إنك أنت علام الغيوب ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به وهو محض التوحيد فقال: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ [المائدة: 117] ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم وأن الله عز وجل وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم فقال ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 117] ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم فقال: وأنت على كل شيء شهيد ثم قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: 118] وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام أي شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك فإذا عذبتهم مع كونهم عبيدك فلولا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد وأعتاهم على سيدهم وأعصاهم له: لم تعذبهم لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته فلماذا يعذب أرحم الراحمين وأجود الأجودين وأعظم المحسنين إحسانا عبيده لولا فرط عتوهم وإباؤهم عن طاعته وكمال استحقاقهم للعذاب وقد تقدم قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116] أي هم عبادك وأنت أعلم بسرهم وعلانيتهم فإذا عذبتهم: عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه فليس في هذا استعطاف لهم كما يظنه الجهال ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة كما تظنه القدرية وإنما هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله وكمال علمه بحالهم واستحقاقهم للعذاب ثم قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] ولم يقل الغفور الرحيم وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى فإنه قاله في وقت غضب الرب
عليهم والأمر بهم إلى النار فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة بل مقام براءة منهم فلو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأشعر باستعطافه ربه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم فالمقام مقام موافقة للرب في غضبه على من غضب الرب عليهم فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم والمعنى: إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم ليست عن عجز عن الانتقام منهم ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم وهذا لأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه ولجهله بمقدار إساءته إليه والكمال: هو مغفرة القادر العالم وهو العزيز الحكيم وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عين الأدب في الخطاب وفي بعض الآثار: حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ وكذلك قول إبراهيم الخليل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 7880] ولم يقل وإذا أمرضني حفظا للأدب مع الله وكذلك قول الخضر عليه السلام في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79] ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82] وكذلك قول مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن: 10] ولم يقولوا: أراده ربهم ثم قالوا: أم أراد بهم ربهم رشدا وألطف من هذا قول موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] ولم يقل أطعمني وقول آدم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] ولم يقل: رب قدرت علي وقضيت علي وقول أيوب عليه السلام: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83] ولم يقل فعافني واشفني وقول يوسف لأبيه وإخوته: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ
أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100] ولم يقل: أخرجني من الجب حفظا للأدب مع إخوته وتفتيا عليهم: أن لا يخجلهم بما جرى في الجب وقال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ ولم يقل: رفع عنكم جهد الجوع والحاجة أدبا معهم وأضاف ما جرى إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه فقال:
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
ومن هذا أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرجل: أن يستر عورته وإن كان خاليا لا يراه أحد أدبا مع الله على حسب القرب منه وتعظيمه وإجلاله وشدة الحياء منه ومعرفة وقاره.
وقال بعضهم: الزم الأدب ظاهرا وباطنا فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهرا وما أساء أحد الأدب باطنا إلا عوقب باطنا.
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن»
«ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض» «ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة»
وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل (ولهذا كان الأدب: استخراج ما في الطبيعة من الكمال من القوة إلى الفعل
فإن لله سبحانه هيأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهلية والاستعداد التي جعلها فيه كامنة كالنار في الزناد فألهمه ومكنه وعرفه وأرشده وأرسل إليه رسله وأنزل إليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7 - 10] فعبر عن خلق النفس بالتسوية والدالة على الاعتدال والتمام ثم أخبر عن قبولها للفجور والتقوى وأن ذلك نالها منه امتحانا واختبارا ثم خص بالفلاح من زكاها فنماها وعلاها ورفعها بآدابه التي أدب بها رسله وأنبياءه وأولياءه وهي التقوى ثم حكم بالشقاء على من دساها فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور والله سبحانه وتعالى أعلم.
(منزلة الأدب في الدين:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: والأدب هو الدين كله فإن ستر العورة من الأدب والوضوء وغسل
الجنابة من الأدب والتطهر من الخبث من الأدب حتى يقف بين يدي الله طاهرا ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته للوقوف بين يدي ربه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة فقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] فعلق الأمر بأخذ الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له: أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة وكان لبعض السلف حُلْةٌ بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول: «ربي أحق من تجملت له في صلاتي»، ومعلوم: أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لا سيما إذا وقف بين يديه فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا.
(ومن الأدب: نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصلي: أن يرفع بصره إلى السماء فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا من كمال أدب الصلاة: أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقاً خافضاً طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق قال: والجهمية لما لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه ظنوا أن هذا دليل أن الله ليس فوق سمواته على عرشه كما أخبر به عن نفسه واتفقت عليه رسله وجميع أهل السنة قال: وهذا من جهلهم بل هذا دليل لمن عقل عن الرسول على نقيض قولهم إذ من الأدب مع الملوك: أن الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض ولا يرفع بصره إليهم فما الظن بملك الملوك سبحانه وسمعته يقول في نهيه عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: إن القرآن هو أشرف الكلام وهو كلام الله وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد فمن الأدب مع كلام الله: أن لا يقرأ في هاتين الحالتين ويكون حال القيام والانتصاب أولى به.
(ومن الأدب مع الله: أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة كما ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم والصحيح: أن هذا الأدب: يعم الفضاء والبنيان كما ذكرنا في غير هذا الموضع.
(ومن الأدب مع الله: في الوقوف بين يديه في الصلاة: وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة ففي الموطأ لمالك عن سهل بن سعد: أنه من السنة و: كان الناس يؤمرون به ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء فعظيم العظماء أحق به.
(ومنها: السكون في الصلاة وهو الدوام الذي قال الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 23]
قال عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة: حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن أبا الخير أخبره قال: سألنا عقبة بن عامر عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ أهم الذين يصلون دائما قال: لا ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه.
قلت: هما أمران الدوام عليها والمداومة عليها فهذا الدوام والمداومة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: 34] وفسر الدوام بسكون الأطراف والطمأنينة وأدبه في استماع القراءة: أن يلقي السمع وهو شهيد وأدبه في الركوع: أن يستوي ويعظم الله تعالى حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه ويتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء.
(فصلٌ في منزلة اليقين:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة اليقين «وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد»، وبه تفاضل العارفون وفيه تنافس المتنافسون وإليه شمر العاملون وعمل القوم إنما كان عليه وإشاراتهم كلها إليه «وإذا تزوج الصبر باليقين وُلِدَ بينهما حصول الإمامة في الدين» قال الله تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24] (وخص سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين فقال وهو أصدق القائلين: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) [الذرايات: 20] (وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 4 - 5] (وأخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: 32] «فاليقين روح أعمال القلوب» التي هي أرواح أعمال القلوب التي هي من أعمال الجوارح وهو حقيقة الصديقية وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره.
وإن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.
(واليقين قرين التوكل ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين
والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته ولهذا حسن اقتران الهدى به قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: 79] فالحق: هو اليقين وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: 12] ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهم وغم فامتلأ محبة لله وخوفا منه ورضي به وشكرا له وتوكلا عليه وإنابة إليه فهو مادة جميع المقامات والحامل لها.
أهـ
(سبحان من أيقظ المتقين، وخلع عليهم خلع اليقين، وألحقهم بتوفيقه بالسابقين، فباتوا في جلباب الجد متسابقين.
(رزق الله المتقين اليقين فشهدوا، ونصبوا أقدامهم في الليل فسهروا، وأراهم عيب الدنيا فرفضوها وزهدوا.
مسألة: هل اليقين كسبي أم موهبي؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
واختلف فيه: هل هو كسبي أو موهبي فقيل: هو العلم المستودع في القلوب يشير إلى أنه غير كسبي.
وقال سهل: اليقين من زيادة الإيمان ولا ريب أن الإيمان كسبي، والتحقيق: «أنه كسبي باعتبار أسبابه موهبي باعتبار نفسه وذاته» أهـ
((أقوال السلف في اليقين:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
(قال ذو النون: اليقين يدعو إلى قصر الأمل وقصر الأمل يدعو إلى الزهد والزهد يورث الحكمة وهي تورث النظر في العواقب قال: وثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس في العشرة وترك المدح لهم في العطية والتنزه عن ذمهم عند المنع وثلاثة من أعلامه أيضا: النظر إلى الله في كل شيء والرجوع إليه في كل أمر والاستعانة به في كل حال.
(وقال الجنيد: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب.
(وقال ابن عطاء: على قدر قربهم من التقوى أدركوا من اليقين وأصل التقوى مباينة النهي وهو مباينة النفس فعلى قدر مفارقتهم النفس: وصلوا إلى اليقين.
(وقيل: اليقين هو المكاشفة وهو على ثلاثة أوجه: مكاشفة في الأخبار ومكاشفة بإظهار القدرة ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلا وهذا نهاية الإيمان وهو مقام الإحسان وقد يريدون بها أمرا آخر وهو ما يراه أحدهم في برزخ بين النوم واليقظة عند أوائل تجرد الروح عن البدن ومن أشار منهم إلى غير هذين: فقد غلط ولبس عليه.
(وقال السري: اليقين سكونك عند جولان الموارد في صدرك لتيقنك أن حركتك فيها لا تنفعك ولا ترد عنك مقضيا.
(وقال أبو بكر الوراق: اليقين ملاك القلب وبه كمال الإيمان وباليقين عرف الله وبالعقل عقل عن الله.
(وقال الجنيد: قد مشى رجال باليقين على الماء ومات بالعطش من هو أفضل منهم يقينا.
(وقال أبو بكر الوراق: اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر ويقين دلالة ويقين مشاهدة يريد بيقين الخبر: سكون القلب إلى خبر المخبر وتوثقة به وبيقين الدلالة: ما هو فوقه: وهو أن يقيم له مع وثوقه بصدقه الأدلة الدالة على ما أخبر به وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر ومن جهة الدليل فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة وهي يقين المكاشفة بحيث يصبر المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب: كنسبة المرئي إلى العين وهذا أعلى أنواع المكاشفة وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيس في قوله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وليس هذا من كلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا من قول علي كما يظنه من لا علم له بالمنقولات.
إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي.
أهـ
(معنى حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين:
سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن قوله تعالى حق اليقين وعين اليقين و علم اليقين فما معنى كل مقام منها وأي مقال أعلى؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة منها أن يقال علم اليقين ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر وعين اليقين ما شاهده وعاينه بالبصر وحق اليقين ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار فالأولى مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده والثاني مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا أعلى كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس المخبر كالمعاين كتاب الزهد والورع والعبادة، الجزء 1، صفحة 77.
(فصلٌ في منزلة الأنس بالله:
((قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأنس بالله
قال صاحب المنارل رحمه الله: وهو روح القرب ولهذا صدر منزلته بقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: 186] فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف: يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى وقربه منه يوجب له الأنس و الأنس ثمرة الطاعة والمحبة فكل مطيع مستأنس وكل عاص مستوحش كما قيل:
فإن كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس
والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبة.
أهـ
((كل طائع مستأنس، وكل عاص مستوحش:
من أبرز العلامات الدالة على صحة القلب وسلامته أن صاحبه يأنس بالله وطاعته وذكره سبحانه.
((قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره، إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر" إغاثة اللهفان.
فالأنس بالله تعالى روح القرب منه جل وعلا، والأنس بالله تعالى حالة وجدانية تحمل على التنعم بعبادة الرحمن، والشوق إلى لقاء ذي الجلال والإكرام..
((قال أحد السلف:" مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها.
قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته".
وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة، فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه وأنسه به أعظم.
فالأنس بالله مقام عظيم من مقامات الإحسان الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:" أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
((قال أحد السلف:" من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص".
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعليقا على الحديث والأثر:" فهذان مقامان: أحدهما: الإخلاص وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه.
الثاني: أن يعمل العبد على مشاهدة الله بقلبه وهو أن يتنور قلبه بنور الإيمان" " استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس".
يشير ابن رجب رحمه الله بكلامه هذا إلى منزلة المراقبة ومقام المشاهدة أو المعاينة كما يسميه بعض أهل العلم.
ف"المشاهدة" ناتجة عن معاينة آثار أسمائه وصفاته تعالى في الكون، بحيث يترتب عن ذلك تنور القلب وتعلقه بالرب، وهذه المنزلة هي التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام:" أن تعبد الله كأنك تراه" فهي رؤية حكمية.
أما "المراقبة" فهي العلم واليقين باطلاع الحق سبحانه على ظاهر العبد وباطنه، وهي التي قال فيها عليه الصلاة والسلام:" فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعد كلامه السابق:" يتولد عن هذين المقامين: الأنس بالله والخلوة لمناجاته وذكره واستثقال ما يشغل عنه من مخالطة الناس والاشتغال بهم" " استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس".
فمنزلة المراقبة إذا تحققت في العبد حصل له الأنس بالله تعالى.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:" متى تحققت المراقبة حصل الأنس" صيد الخاطر.
ووجه ذلك أنه إذا حصلت المراقبة يحصل القرب من الرب سبحانه، والقرب منه جل وعلا يوجب الأنس.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:" والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبة" مدارج السالكين.
(ويقول كذلك رحمه الله:" وقوة الأنس وضعفه على حسب قوة القرب فكلما كان القلب من ربه أقرب كان أنسه به أقوى، وكلما كان منه أبعد كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد" المدارج.
وإذا ارتقى العبد إلى تحقيق مقام المشاهدة والمعاينة لآثار أسمائه وصفاته في الكون بحيث يتنور قلبه حصل الأنس، ووجهه أن منشأ الأنس بالله تعالى ومبدؤه التعبد بمقتضى أسمائه تعالى وصفاته بعد التفهم لمعانيها.
((قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
:
" هذا الأنس المذكور مبدؤه الكشف عن أسماء الصفات التي يحصل عنها الأنس ويتعلق بها كاسم الجميل، والبر، واللطيف، والودود، والحليم، والرحيم، ونحوها" المدارج.
قال ابن عطاء رحمه الله:" المعرفة على ثلاثة أركان: الهيبة، والحياء، والأنس".
وزيادة في الإيضاح نقول: أن التفهم لمعاني الأسماء والصفات يحمل العبد على معاملة ربه بالمحبة والرجاء وغيرهما من أعمال القلوب.
قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله:"فهم معاني أسماء الله تعالى وسيلة إلى معاملته بثمراتها من: الخوف، والرجاء، والمهابة، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات" شجرة المعارف والأحوال.
ويقول العلامة السعدي رحمه الله:"إن معرفة الله تعالى تدعوا إلى محبته وخشيته ورجائه وإخلاص العمل له، وهذا عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته، والتفقه في فهم معانيها.. " تيسير الكريم الرحمن.
وتحقق كل من الرجاء في الله الذي يحمل على الطمع في الوصول إليه تعالى، وتحقيق مقام المحبة الذي يحمل على الشوق إليه سبحانه وغيرهما مما يتولد عن التفهم للأسماء والصفات والتعبد بمقتضى ذلك كما مر قريبا، سبيل إلى الأنس والاستئناس بالله.
قال ابن القيم رحمه الله:".. ولما كان الطلب بالهمة قد يعرى عن الأنس، وكان المحب لا يكون إلا مستأنسا بجمال محبوبه، وطمعه بالوصول إليه.
فمن هذين يتولد الأنس: وجب أن يكون المحب موصوفا بالأنس" المدارج.
وعليه فالعبد إذا ارتقى بالعلم النافع والعمل الصالح إلى مقام الإحسان واستقرت قدمه فيه أنس بالله تعالى والتذ بطاعته وذكره.
قال العلامة السعدي رحمه الله مقررا ذلك في منظومته واصفا أهل السير إلى الله والدار الآخرة:
عبدوا الإله على اعتقاد حضورهفتبوءوا في منزل الإحسان.
ثم قال شارحا رحمه الله:" وهذه المنزلة من أعظم المنازل وأجلها، ولكنها تحتاج إلى تدريج للنفوس شيئا فشيئا.
ولا يزال العبد يعودها نفسه حتى تنجذب إليها وتعتادها فيعيش العبد قرير العين بربه، فرحا مسرورا بقربه".
ولذا فإن الأنس بالله تعالى ثمرة الطاعات والتقرب إلى رب الأرض والسماوات كما قال ابن القيم رحمه الله:" فكل طائع مستأنس، وكل عاص مستوحش كما قيل:
فإذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس " المدارج.
((قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
إنما يقع الأنس بتحقيق الطاعة لأن المخالفة توجب الوحشة والموافقة مبسطة المستأنسين، فيا لذة عيش المستأنسين، ويا خسارة المستوحشين" صيد الخاطر.
قيل للعابد الرباني وهيب بن الورد رحمه الله: هل يجد طعم العبادة من يعصيه؟ قال: "لا، ولا من يهم بالمعصية".
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول:" من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية".
وعليه كان السلف الصالح الكرام، والأئمة الأعلام يتشوقون إلى فعل الطاعات، و يحرصون على تقديم القربات لرب الأرض والسماوات، ولا يسأمون من العبادات لأنسهم برب البريات.
قال الوليد بن مسلم رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس.
وهذا عامر بن عبد القيس التابعي لما أدرك في هذه الحياة الأنس بالطاعة بكى عند احتضاره، فقيل له ما يبكيك؟ قال: لا أبكي خوفا من الموت أو جزعا منه ولا حرصا على الدنيا، قال: أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل.
وسئل الشعبي عن الإمام الأسود بن يزيد النخعي فقال: كان صواما قواما حجاجا.
وهذا أبو عائشة الإمام التابعي مسروق بن الأجدع كان يصلي حتى تتورم قدماه.
قالت زوجته: فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه.
ولما حضرته الوفاة قال: ما آسى على شيء إلا على السجود لله تعالى.
وقال عطاء: رأيت مصلى مرة الهمداني مثل مبرك البعير.
إنه التابعي الجليل مرة الطيب، ويقال مرة الخير لعبادته وخيره وعلمه.
يقول الذهبي عنه: بلغنا أنه سجد لله تعالى حتى أكل التراب جبهته.
((واعلم أنه من علامات مرض القلوب، وضعف التعلق بعلام الغيوب عدم طاعة الله بالاستئناس، مع الأنس بالناس.
حتى قال أحد السلف:" علامة الإفلاس الاستئناس بالناس".
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:" من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف، ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول، ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود، ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله" الفوائد.
فاحرص على بلوغ منزلة الإحسان وفق العلم الأثري، والهدي النبوي، حتى ترزق الأنس عند الطاعات، ولا تستوحش إذا خلوت بذكر رب الأرض والسماوات، فليس العجب ممن لم يأنس بالله ولم يرزق التوفيق، وإنما العجب ممن أدرك ذلك وانحرف عنه إلى بنيات الطريق.
(فصلٌ في منزلة الذكر:
(عناصر الفصل: (الذِكْرُ من منازلِ السائرين إلى رب العالمين: (تعريف الذكر: (فضل الذكر: (هل الذكر أفضل أم الدعاء؟ (هل قراءة القرآن أفضل أم الذكر؟ (التحذير من ترك الذكر: (أنواع الذكر: ((كنوز الأذكار: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (الذِكْرُ من منازلِ السائرين إلى رب العالمين:
((قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الذكر وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يتجرون وإليها دائما يترددون و الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننتكس به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات إذا أظلمهم البلاء فإليه ملجؤهم وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم فهو رياض جنتهم التي فيها يتقبلون ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا ويوصل الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورا وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة و الذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا وإذا واطأ في ذكره
قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء وحفظ الله عليه كل شيء وكان له عوضا من كل شيء به يزول الوقر عن الأسماع والبكم عن الألسن وتنقشع الظلمة عن الأبصار زين الله به ألسنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين فاللسان الغافل: كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق، وبالذكر: يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا فيقال: قد مسه الإنسي وهو روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه.
(تعريف الذكر:
الذكر: ضد الغفلة والنسيان، والغفلة: ترك الذكر عمداً، وأما النسيان: فتركه عن غير عمد.
ولذا فالغفلة مذكورة في القرآن الكريم في معرض النهي والتحذير كما في قوله تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) [الأعراف:20]
وكقوله جل وعلا: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (الكهف/28)
بينما النسيان ليس كذلك لعدم صدوره عن قصد ومن هنا جاء التوجيه القرآني العظيم ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف/24)
والذكر يشمل معنيين:
الأول: بمعنى التذكر واستحضار الشيء في الذهن كقولك ذكرت حادثة كذا وكذا إذا استحضرتها في ذهنك، ومرت دقائقها بمخيلتك، وهذا المعنى ضد النسيان، ومنه قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران/135)
فأصل الذكر: التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له ومنه قوله تعالى: ﴿َ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ِ﴾ [البقرة/40]
أي تذكروها [المفهم7/ 6].
والثاني: هو النطق باللسان، وهو استعمال غالب، فإذا قلت: فلان يواظب على الأذكار، أي يتلفظ بها ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب/41)
والذكر عندنا هنا يشتمل على المعنيين، فالذكر بمعنى التذكر مقصود به تذكر الله واستحضار عظمته وخشيته، ومراقبته ونعمته حتى يكون القلب له معظماً، ومنه خائفاً وله مراقباً، ولنعمته شاكراً.
وكذلك الذكر اللساني إذ هو ثمرة ذلك، وشاهد عليه، ومترجم عنه، فمن عظّم الله في قلبه سبّح وهلّل وكبّر بلسانه، ومن خافه تضرع ودعا " وسمي القول باللسان ذكراً؛ لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق إلى الفهم " [المفهم7/ 6].
وذكر الله هو أعظم ما فتق عنه لسان وتدبره جنان.
ولا بد من اجتماع اللسان والجنان حتى يؤتي الذكر ثماره ويُحَقِّقُ آثاره.
فقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران /191]
فهم جمعوا بين ذكر الله تعالى في كل أحوالهم ودعائه، والتفكر في خلق السماوات والأرض.
(فضل الذكر:
ذكر الله نعمة كبرى، ومنحة عظمى، فالذكر أمره عظيم ونفعه عميم فهو يشرح الصدور وينير القلوب ويرفع الدرجات خفيف على اللسان ثقيل في الميزان حبيب إلى الرحمن، وهو قوت القلوب، ويمحو الله به الإثم والحوب، وسببٌ عظيمٌ لنيل رضا علاّم الغيوب، فالذكرُ قوت قلوب الذاكرين وهو قرة عيون الموحدين وهو عدتهم الكبرى وسلاحهم الذي لا يبلى وهو دواء أسقامهم الذي متى تركوه أصيبت منهم المقاتل فانتكسوا على أعقابهم خاسرين، والذكرُ حياة القلب وسبيلٌ لانشراح الصدر، والذكرُ قُرَة العيون، وسرور النفوس، إن ذكر الإنسان لربه يملأ قلبه سرورا ويكسو وجهه نورا، والذكر روح الحياة، وحياة الأرواح، ذكر الله تعالى أشرف ما يخطر بالبال، وأطهر ما يمر بالفم و أفضل ما يتخلق به الإنسان وينطق به اللسان وتتحرك به الشفتان، وأسمى ما يتعلق به العقل المسلم الواعي، به تُسْتَجْلَبُ النِعَم، وبمثله تُسْتَدفَعُ النِقَم، فبالذكر يستدفع الذاكرون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم المصيبات فإليه الملجأ إذا ادْلَهَمَت الخطوب وإليه المفزع عند توالي الكوارث والكروب به تنقشع الظلمات والأكدار وتحل الأفراح والمسرات.
والذكر له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، وله فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وللذكر أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وَسُلَّمُ الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، فهو نعمة عظمى ومنحة كبرى، والذكر هو المنزلة الكبرى التي منها يتزود العارفون، وفيها يتجرون وإليها دائمًا يترددون، وهو قوت قلوب العارفين التي متى فارقتها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب، به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلَّهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم، فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون، يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدع الذاكر مذكورًا، وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة (والذكر) عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور خراب وهو عمارتها وأساسها، وهو جلاء القلوب وصقالتها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا ازداد محبة إلى لقائه للمذكور واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه نسى في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء، وبالذكر يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار، زيَّن الله به ألسنة الذاكرين، كما زين بالنور أبصار الناظرين؛ فاللسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصماء، واليد الشلاء، والذكر هو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته.
قال ابن القيم رحمه الله:
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟!
والإنسان مهما قوي فهو ضعيف، ومهما علم فعلمه قاصر، وحاجته إلى ربه أشد من حاجته إلى الماء والهواء،
ومن المعلوم شرعاً أن قلوب البشر طراً كغيرها من الكائنات الحية، التي لا غنى لها عن أي مادة من المواد التي بها قوام الحياة والنماء، ويتفق العقلاء جميعاً أن القلوب قد تصدأ كما يصدأ الحديد، وأنها تظمأ كما يظمأ الزرع، وتجف كما يجف الضرع، ولذا فهي تحتاج إلى تذليل وري، يزيلان عنها الأصداء والظمأ، والمرء في هذه الحياة محاط بالأعداء من كل جانب، نفسه الأمارة بالسوء تورده موارد الهلكة، وكذا هواه وشيطانه، فهو بحاجة ماسة إلى ما يحرزه ويؤمنه، ويسكن مخاوفه، ويطمئن قلبه، وإن من أكثر ما يزيل تلك الأدواء، ويحرز من الأعداء ذكر الله والإكثار منه لخالقها ومعبودها، فهو جلاء القلوب وصقالها، ودواءها إذا غشيها اعتلالها،
(ولهذا زين الله به ألسنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين، فاللسان الغافل
كالعين العمياء، والأذن الصماء واليد الشلاء.
وهو باب الله الأعظم بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته،
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى:
" تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق، له لذة لا يدركها إلا من ذاقها
قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل، فليس شيء من الأعمال أخف مئونة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجا للقلب من ذكر الله.
، عَبِّر عنها أحدهم فقال: "والله إنا لفي لذة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".
ما أشد حاجة العباد إليه، وما أعظم ضرورتهم إليه، لا يستغني عنه المسلم بحال من الأحوال، وإن الله أمرنا بالإكثار من ذكره لشدة حاجة العبد إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه حسرة يوم القيامة ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد, وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء, فإذا ترك صدئ, فإذا ذكر جلاه, وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب.
وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.
فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه.
وصدأه بحسب غفلته, وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه, فيرى الباطل في صورة الحق, والحق في صورة الباطل.
لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه, فإذا تراكم عليه الصدأ واسوَّد وركبه الران فَسَدَ تصورُه وإدراكه فلا يقبل حقا ولا ينكر باطلا وهذا أعظم عقوبات القلب.
قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه:
لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل، ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك الذكر صدئ، فإذا ذكره جلاه.
وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.
ومن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه بحسب غفلته فحري بنا أن لا يفتُر لساننا من ذكر الله تعالى.
قال ابن القيم رحمة الله:
حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله وأن لا يزال لهجا بذكره.
فالغفلة واتباع الهوى يطمسان نور القلب ويعميان بصيرته
قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُط [الكهف:28]
قال ابن القيم بعد تفسيره الآية:
فحري بالعبد إذا أراد أن يقتدي برجل فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي فإن كان الحاكم عليه الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطا، وَفُسِّرَ معنى فرطا بالتضييع أي ضيع أمره الذي يجب أن يلزمه و يقوم به وبه رشده وفلاحة.
(والذكر أفضل الطاعات وأجل القربات.
وقد أمر الله تعالى الطائفة المؤمنة بأن يذكروا الله تعالى ذكراً كثيراً قال تعالى (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)
[الأحزاب:41، 42] قال الإمام الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله اذكروا الله بقلوبكم، وألسنتكم، وجوارحكم ذكرا كثيرا فلا تخلو أبدانكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم ذلك، وسبحوه بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
اهـ. 1.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
الذكر هو العبادة المطلوبة بلا حد ينتهي إليه ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ وبلا وقت تختص به ﴿ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾ وبلا حال تستثنى منه ﴿الذي يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾.
وقوله تعالى: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً: أي أول النهار وآخره.
وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ: الصلاة من الله الثناء، ومن الملائكة الدعاء.
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: أي من رحمته بالمؤمنين ولطفه بهم، أن جعل من صلاته عليهم وثنائه، وصلاة ملائكته ودعائهم، ما يخرجهم من ظلمات الذنوب والجهل، إلى نور الإيمان والتوفيق والعلم والعمل، فهذا أعظم نعمة أنعم بها على عباده الطائعين، تستدعي منهم شكرها، والإكثار من ذكر الله الذي لطف بهم ورحمهم.
اهـ. 2
فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
وقال ابن قيم الجوزية في تعليقه على هذه الآية: فهذه الصلاة منه تبارك وتعالى ومن ملائكته إنما هى سبب الإخراج لهم من الظلمات إلى النور، وإذا حصلت لهم الصلاة من الله تبارك وتعالى وملائكته وأخرجوهم من الظلمات إلى النور فأي خير لم يحصل لهم وأي شر لم يندفع عنهم فيا حسرة الغافلين عن ربهم ماذا حرموا من خيره وفضله وبالله التوفيق.
اهـ. 3
(وإليك غيضٌ من فيض مما ورد في فضل الذكر جملةً وتفصيلا:
(أولاً فضل الذكر جملةً:
(1) الذكر سبب في جلب المغفرة والأجر العظيم:
(2) أن الله تعالى يذكر من يذكره:
3) الذكر حياة القلوب:
4) أصحاب الذكر هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم:
5) وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الذاكر لله تعالى يفوز بمعية الله تعالى، ومن كان معه الله فمن عليه!
6) بين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أهل الذكر هم أهل السبق:
7) ورغَّبنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الاجتماع على الذكر:
8) وحذر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من خلو أي مجلسٍ من ذكر الله تعالى:
- ذكر الله تعالى خير أعمالنا وأزكاها عند الله تعالى وأرفعها في درجاتنا وخيرٌ من إنفاق الذهب والفضة.
(10) ذكر الله هو أساس العبودية لله: (11) الإكثار من ذكر الله تعالى براءةٌ من النفاق: (12) الذكر حصن حصين وحرزٌ متين من الشيطان اللعين: (13) الذكر طمأنينة وسكينة: (14) إن الذاكرين هم أهل الانتفاع بآيات الله وهم أولو الألباب: (15) ذكر الله تعالى شفاء ورحمة للمؤمنين: (16) الذكر غراس الجنة: (18) الذكر سبب لرفع البلاء: (19) الذكر سبب في جلب الخيرات: (20) الذكر سبب في تفريج الكرب: (21) الذكر سبب في حفظ الذرية من الشيطان: (22) ذكر الله تعالى أكبر الأعمال بنص القرآن الكريم: (23): أنه يحط الخطايا ويذهبها: (24) أنه سبب لنزول الرحمة والسكينة: (25) الذكر كنزٌ من كنوز الحسنات: (26) أن دوام ذكر الرب تعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده: (27) أن الذكر يوجب صلاة الله تعالى وملائكته على الذاكر، ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح، وفاز كل الفوز: (28) أن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته: (29) أن إدامته تنوب عن الطاعات وتقوم مقامها: (30) أن الذكر يعطي الذاكر قوة في قلبه وفي بدنه: (31) صلة الذكر بالعبادات أوثق: (32) الذكر أنجى عملاً للنجاة من عذاب الله عز وجل.
(33) ذكر الله سلاح مقدم على أسلحة الحروب الحسية التي لا تكلم: (34) الذكر رأس الشكر فما شكر الله تعالى من لم يذكره: (35) مجالس الذكر سبب عظيم بل هي سبب رئيسي من أسباب حفظ اللسان: (36) أن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته: (37) أن الذكر مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله للعبد يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
(38) الذكر يوازى ثواب صلاة الضحى صلاة الضحى هي صدقة عن 360 مفصل في جسم الإنسان: (39) الذكر سبب لنيل شفاعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (40) الذكر أفضل بطاقة في الميزان: (41) الذكر يكفر الذنوب وإن كانت مثل زبد البحر: (41) الذكر يجزئ عن القرآن في حق من لا يحسن القرآن: (42) حلق الذكر هي رياض الجنة: (ثانياً فضل الذكر تفصيلا: 1 الذكر سبب في جلب المغفرة والأجر العظيم: قال تعالى: (وَالذّاكِرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) [الأحزاب / 35]
أي: كثيراً.
ففيه الأمر بالذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فالإنسان لا يستغني لا يستغني عن ربه طرفة عين ولا أقل من ذلك، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يردد كثيرا: " لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
(حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.
فقيراً جئتُ بابك يا إلهي......... ولستُ إلى عبادك بالفقيرِ
غنياً عنهمُ بيقينِ قلبي........... وأطمعُ منك في لفضلِ الكبيرِ
الهي ما سألتُ سواك عونا...... فحسبي العونُ من ربٍ قديرِ
الهي ما سألتُ سواك عفوا..... فحسبي العفوُ من ربٍ غفورِ
الهي ما سألتُ سواك هديا..... فحسبي الهديُ من ربٍ بصيرِ
إذا لم أستعن بك يا الهي...... فمن عونيِ سواك ومن مجيرِ
إن الفرار إلى الله، واللجوء إليه في كلِ حالٍ وفي كل كربٍ وهم، هو السبيلُ للتخلصَ من ضعفنا وفتورنا وذلنا و هواننا.
يا من يرى ما في الضمير و يسمعوا
أنت المعد لكل ما يتوقعٌ
يا من يرجى للشدائد كلها
يا من إليه المشتكي و المفزعٌ
يا من خزائن رزقه في قول كن فيكون
و الخير كله عندك أجمعٌ
مالي سواء فقري إليك وسيلة
فالافتقار إليك فقري إليك أرفعٌ
مالي سواء قرعي لبابك حيلة
فلئن رددت أي باب أقرعٌ
و من ذا الذي أدعوه و أهتف باسمه
إن كان فضلك عن فقيرك يمنعٌ
إن في هذه الدنيا مصائبَ ورزايا، ومحناً وبلايا، آلامُ تضيقُ بها النفوس، ومزعجاتُ تورث الخوفَ والجزع، كم في الدنيا من عينٍ باكيةٍ؟
وكم فيها من قلب حزين؟
وكم فيها من الضعفاءِ والمعدومين، قلوبُهم تشتعل، ودموعُهم تسيل؟ هذا يَشْكُ علةً وسقما، عزيزٌ قد ذل، وغنيٌ افتقر، وصحيحٌ مرض، رجل يتبرم من زوجه وولده، وآخرُ يشكُ ويئنُ من ظلمِ سيده.
وثالثٌ كسدة وبارت تجارته، شاب أو فتاة يبحث عن عروس، وطالب يشكو كثرة الامتحانات والدروس.
هذا مسحور وذاك مدين، وأخر ابتليَ بالإدمان والتدخين، ورابعُ أصابه الخوفُ ووسوسةُ الشياطين.
وذاك حاجةً وفقرا.
وآخر هماً وقلقا.
تلك هي الدنيا، تضحكُ وتبكي، وتجمعُ وتشتت، شدةُ ورخاءُ وسراءٌ وضراءُ.
وصدق الله العظيم: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).
[الحديد / 23]
(2) أن الله تعالى يذكر من يذكره:
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة /152]
قال الحسن البصري في معناها: "قال: فاذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي"،
وقال سعيد بن جبير: "فاذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ورحمتي".
وإذا كان الإنسان يُسَرَّ كثيراً حين يبلغه أن ملكاً من الملوك ذكره في مجلسه فأثنى عليه، فكيف يكون حاله إذا ذكره الله تعالى ملك لملوك، في ملأ خير من الملأ الذين يذكره فيهم؟
فيا له من شرف وفضل؛ أن يذكر الربُّ العظيمُ العبدَ الضعيف، أن يذكر الربُّ القويُّ العبدَ الضعيفَ، أن يذكر الربُّ الغنيُّ العبدَ الفقيرَ.
إنه ذكر ما بعده ذكر؛ فاذكروني بالتذلل أذكركم بالتفضل.
اذكروني بالأسحار أذكركم بالليل والنهار.
اذكروني بالجهد أذكركم بالجود.
اذكروني بالثناء أذكركم بالعطاء.
اذكروني بالندم أذكركم بالكرم.
اذكروني في دار الفناء أذكركم في دار البقاء.
اذكروني في دار المحنة أذكركم في دار النعمة.
اذكروني في دار الشقاء أذكركم في دار النعماء
يقول يحيى بن معاذ:
"يا غفول يا جهول، لو سمعت صرير الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند ذكرك مولاك لمِتَّ شوقًا إلى مولاك".
ويبلغ الكرم منتهاه ويبلغ التفضل ذروته، حين يخبرنا الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقول رب العزة سبحانه وتعالى: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً.
(وأنا معه إذا ذكرني): وهذه المعية هي معية خاصة وهي معية الحفظ والتثبيت والتسديد كقوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه/ 46]
وكقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل /128] فهي معية مع المتقين والمحسنين.
وقوله: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة /153] فهي معية مع الصابرين بحفظهم وكلاءتهم وحفظهم وتوفيقهم.
وهي غير المعية العامة، التي هي معية الله تعالى مع الخلق كلهم.
كما قال تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) [الحديد/4]
مع الخلق بإحاطته ونفوذ قدرته ومشيئته وعلمه وإطلاعه ونفوذ بصره فيهم، فهي تشمل الخلق كلهم، مؤمنهم وكافرهم، فالله -تعالى- معهم بالعلم لا يخفى عليه شيء من عباده.
كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة /7]
فافتتح أول الآية بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أن المعية معية العلم والإحاطة، والاطلاع والقدرة والمشيئة.
فيجتمع في حق المؤمن المعية الخاصة والعامة، فهو مع الذاكرين بعلمه وإحاطته وإطلاعه، ومعهم معية خاصة بتوفيقه وإعانته، وينفرد الكافر بالمعية العامة.
(ولكن الإنسان من طبعه الغفلة والنسيان.
وما أتعسه إذا نسي ربه؛ فيكون الجزاء من جنس العمل كما أخبر تعالى ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة /67]
وما أقساها عقوبة! وما أشده جزاء! فيا شقاء من نسيه الله؛ فلن يكون له ذكر في الأرض ولا في الملأ الأعلى؛ فهو من الضائعين في الدنيا والآخرة.
ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه / 124:126]
فنسيان آيات الله في الدنيا سبب لنسيان العبد في الآخرة.
والأشد من ذلك أن يُنسي اللهُ العبدَ نفسه؛ ولذلك حذر سبحانه وتعالى عباده فقال: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر /19]
3) الذكر حياة القلوب:
الذكر حياة القلوب، والغفلة مواتها، فالذكر يحي القلوب بإحياء المعاني الإيمانية، ودوام الصلة بالله، فبفضل ذكر الله يصبح القلب لينا لا قاسيا، ويكون من أصحاب القلوب الحية التي بحياتها تحيا جميع الجوارح وتستنير، ولن يكون هناك انشغال بغير الله تعالى، فذكر الله تعالى سبب للحياة الكاملة التي يتعذر معها أن يرمي صاحبها بنفسه في أتون الجحيم، أو غضب وسخط الرب العظيم، وعلى الضد من ذلك التارك للذكر، الناسي له؛ فهو ميت لا يبالي الشيطان أن يلقيه في أي مزبلة شاء.
قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمََنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [الزخرف/36]
(ونحن لا نقصد بالحياة هنا الحياة المحسوسة التي يشترك فيها الإنسان مع باقي الكائنات الحية؛ وإنما نقصد بها حياة الروح وروح الحياة، حياة القلب وقلب الحياة، نقصد الحياة التي عبر عنها الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال /24]
فهذه الحياة متحققة بالاستجابة لأمر الله ورسوله.
وقد أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت".
(حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت.
ومن مظاهر هذه الحياة اطمئنان القلب ويقينه في الله تعالى، واستكمال الآية الكريمة آنفة الذكر: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
[الأنفال /24]
وهذا يعني أن هناك علاقة قوية ومباشرة بين هذه الحياة والقلب؛ فحيلولة الله بين المرء وقلبه تعني موات هذا القلب وعدم انتفاعه بالموعظة.
وذكر الله عز وجل هو الطريق الرئيسي لتحقيق هذا اليقين القلبي، ومصداق ذلك قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد/28]
ومن أول صفات المخبتين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال /2]
(وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ): إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر الله عز وجل في أمر أو نهي، فتتغشاه جلالة، وتنتفض مخافته ويتمثل عظمة الله ومهابته إلى جانب تقصيره هو وذنبه، فينبعث إلى العمل والطاعة".
وتوعد سبحانه وتعالى القلب الميت الذي لا يتأثر بالذكر ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر /22]
وعلاقة اطمئنان القلب بالذكر أن العبد إذا ذكر من أسماء الله وصفاته: الرزاق الفتاح الوهاب الكريم الباسط؛ اطمأن على رزقه.
وإذا ذكر من أسمائه تعالى: الغفور الرحيم التواب العفو؛ اطمأن على مغفرة ذنوبه وتكفير سيئاته.
وإذا ذكر من أسمائه: العليم الخبير السميع البصير؛ اطمأن على أن ما أصابه فإنما هو بقدر الله وعلمه.
وإذا ذكر من أسمائه: القادر المنتقم الجبار؛ اطمأن على قدرة الله تعالى على الانتقام من المتجبرين ورد كيد المعتدين ودفع الظالمين.
وهكذا فالعيش مع أسماء الله وصفاته يكسب القلب طمأنينة ويقينا، وينزل على النفس بردا وسلاما.
ويكتمل اليقين القلبي بالتغلب على الشيطان الذي أخذ على نفسه العهد أن يضل الإنسان، وأن يوسوس له ويزعزع إيمانه ويقينه في ربه.
إذن فحياة القلب الذي ينصلح الجسد بصلاحه ويفسد بفساده متحققة بذكر الله، والتفكر في أسمائه وصفاته، والعيش في رحابه.
ثم نأتي إلى نوع آخر من الحياة في رحاب الذكر؛ ألا وهو حياة اللسان.
وتتمثل هذه الحياة في الوصية الغالية التي وصى بها الحبيب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد أصحابه قائلا: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله"
(حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به قال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله.
قال صاحب تحفة الأحوذي:
إن شرائع الإسلام قد كثرت علي: أي غلبت علي بالكثرة حتى عجزت عنها لضعفي فأخبرني بشيء قال الطيبي التنكير في بشيء للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم كقوله تعالى ورضوان من الله أكبر، ومعناه أخبرني بشيء يسير مستجلب لثواب كثير.
أتشبث به: أي أتعلق به وأستمسك ولم يرد أنه يترك شرائع الإسلام رأسا بل طلب ما يتشبث به بعد الفرائض عن سائر ما لم يفترض عليه.
لا يزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى: أي طريا مشتغلا قريب العهد منه وهو كناية عن المداومة على الذكر.
اهـ. (1)
والرطوبة في الزرع علامة على النضارة والاخضرار والحياة، ورطوبة اللسان علامة على استمرار مقومات الحياة له، وعكس الرطوبة اليبس والجمود، وهو يعني التحجر والموت والقساوة.
ومن مظاهر الحياة في رحاب الذكر حياة العينين، وعلامة هذه الحياة الدمع من خشية الله.
كما ذكر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
"وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له؛ ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه".
وقال بعض أهل العلم:
"من رأى مبتلى فدمعت عيناه فهو من الذاكرين الله؛ لأن من المبتلين إذا رآهم المؤمن تدمع عيناه؛ لأنه يذكر نعمة الله عليه فهذا كأنه ذكر الله بلسانه".
4) أصحاب الذكر هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن لله ملائكة يطوفون في الطرقات يلتمسون الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجاتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم و هو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك و يكبرونك و يحمدونك و يمجدونك فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا و الله ما رأوك فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة و أشد لك تمجيدا و أكثر لك تسبيحا فيقول: فما يسألوني؟ فيقولون: يسألونك الجنة فيقول: و هل رأوها؟ فيقولون: لا و الله يا رب ما رأوها فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا و أشد لها طلبا و أعظم فيها رغبة قال: فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار فيقول الله: هل رأوها؟ فيقولون: لا و الله يا رب ما رأوها فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا و أشد لها مخافة فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة! فيقول: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.
(وفي الحديث من الفوائد:
فضيلة الذكر وفضيلة مجالسه والجلوس مع أهله وإن لم يشاركهم، وفضيلة مجالسة الصالحين وبركتهم.
قوله: فضلاً: قال العلماء: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم وإنما مقصودهم حلق الذكر.
وقوله: "هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم"
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في الوابل الصيب: فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم فلهم نصيب من قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.
1 فهكذا المؤمن مبارك أين حل، والفاجر مشئوم أين حل، فمجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين وكل مضاف الى شكله واشباهه فكل امرئ يصير الى ما يناسبه.
اهـ. 2
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
فهؤلاء الذين هم من أفضل أولياء الله كان مطلوبهم الجنة ومهربهم من النار.
اهـ. 3
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
قالوا والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من أمته ليكونا دائما على ذكر منهم فلا ينسونهما، ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة، والعمل على حصول الجنة والنجاة من النار هو محض الإيمان.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: قلت يا رسول الله ما غنيمة مجالس الذكر؟ قال: "غنيمة مجالس الذكر الجنة".
الغنيمة: هو الفوز بالشيء وحيازته، وهو مافيه من الأجر والثواب.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم منادٍ من السماء أن قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات.
5) وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الذاكر لله تعالى يفوز بمعية الله تعالى، ومن كان معه الله فمن عليه!
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً.
6) بين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أهل الذكر هم أهل السبق:
ولأن روائع الفكر في مجامع الذكر سبق المفردون بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سبق المُفَرِدون، قالوا وما المفردون؟ قال الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
وقد تضمن هذا الحديث غرر الفوائد، ودرر الفرائد، ولذلك سنسلكها قلائد تزين رياض الذاكرين.
(معنى المفردين:
قال ابن قتيبة: " الذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله تعالى "، وقال ابن الأعرابي: " فرد الرجل إذا تفقه واعتزل وخلا بمراعاة الأمر والنهي "، وأما الأزهري فقال: " هم المتخلقون من الناس بذكر الله تعالى " [انظر مسلم بشرح النووي17/ 4 والمفهم 7/ 9] والمقصود أنهم متميزون عن غيرهم، ومنفردين عن سواهم بخصلة مهمة جعلتهم السابقين ألا وهي كثرة الذكر.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوًا وعشيًا أي صباحًا ومساءً، وفي المضاجع أي عند النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله أي في دخوله وخروجه والمعنى أنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم.
قال ابن الصلاح:
إذا واظب المسلم على الأذكار المأثورة الثابتة صباحا ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهارًا كان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، وفي الحديث الذي رواه الأربعة
(بيان حقيقة السابقين:
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:
«ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث؛ فإنه لما سبق الركب، وتخلف بعضهم؛ نبه على أن السابقين هم الذين يديمون ذكر الله، ويولعون به، ومن هذا المعنى قول عمر بن عبد العزيز ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة: «ليس السابق اليوم من سبق بعيره، وإنما السابق من غفر له»
﴿تنبيه﴾: (حقيقة الانفراد عن الأقران والتميز عن الخلان المداومة على طاعة الرحمن؛ فإن المنفردين هم الذين هلك أقرانهم، وبقوا يذكرون الله.
ولذلك حض الله –سبحانه وتعالى- على المسارعة إلى الخيرات، واستباق الصالحات والتنافس في الطاعات؛ كما في قوله تعالى: (وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة/ 148]
وقوله تعالى: (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ) [آل عمران/ 133]
وقوله تعالى قال تعالى: (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلََكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىَ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة / 48] وأما التنافس في الدنيا فهو مشغلة عن طاعة الرحمن، وحبالة الشيطان، وحبها جامع لكل شر.
وإنما صار حب الدنيا رأس الخطايا ومفسداً للدين من وجوه:
أ- أن حبها يقتضي تعظيمها وهي حقيرة.
ب- أن حبها يجعلها غاية، فيصير يتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إلى الدار والآخرة، فعكس الأمر، وقلب الحكمة.
ت- أن حبها يعترض بين العبد وفعل الخيرات.
ث- أن محبتها تجعلها أكبر هم العبد.
ج- أن محبتها يؤثرها على الآخرة.
فيا عباد الله لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم عبيداً، واعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزناً طويلاً، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه، فارض يا عبد الله بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا.
مسألة: متى يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات؟
يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات في الأحوال الآتية:
[^fn1031] إذا ذكر الله في جميع أحواله.
قال ابن عباس: المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوًّا وعشيًّا، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله؛ ذكر الله تعالى»
(2) إذا ذكر الله قائمًا وقاعدًا وعلى جنب.
قال مجاهد: «لا يكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا».
(3) إذا استيقظ من الليل، وأيقظ أهله وصليا جميعًا،
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أيقظ الرجل أهله فصليا -أو صلى- ركعتين جميعًا؛ كتبا في الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.
7) ورغَّبنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الاجتماع على الذكر:
إلا الترمذي "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعا، كتبا في الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات" ذكر ذلك النووي في الأذكار.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله فيمن عنده.
(وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله): المراد به المسجد فإن بيوت الله هي المساجد قال الله تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [النور36/]
و قال تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن/18]
و قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [البقرة/114]
فأضاف المساجد إليه؛ لأنها موضع ذكره.
قوله (يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم) يتلونه: يقرءونه و يتدارسونه أي: يدرس بعضهم على بعض.
(إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة): نزلت عليهم السكينة يعني: في قلوبهم و هي الطمأنينة و الاستقرار، و غشيتهم الرحمة: غطتهم و شملتهم.
وحفتهم الملائكة: صارت من حولهم
و ذكرهم الله فيمن عنده أي: من الملائكة.
(وقد تضمن هذا الحديث غرر الفوائد، ودرر الفرائد
(فمن فوائد الحديث: فضيلة اجتماع الناس على قراءة القرآن لقوله - و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله.. الخ.
(ومن فوائد الحديث: أن حصول هذا الثواب لا يكون إلا إذا اجتمعوا في بيت الله أي: في مسجد من المساجد لينالوا بذلك شرف المكان لأن أفضل البقاع مساجدها.
(ومن فوائد الحديث: بيان حصول هذا الأجر العظيم تنزل عليهم السكينة و هي الطمأنينة القلبية و تغشاهم الرحمة أي: تغطيهم و تحفهم الملائكة أي: تحيط بهم من كل جانب و يذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة لأنهم يذكرون الله تعالى عن ملأ، و قد قال الله تعالى في الحديث القدسي -من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم-.
8) وحذر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من خلو أي مجلسٍ من ذكر الله تعالى:
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار و كان لهم حسرة.
(معنى (إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار): أي مجلس نتن كجيفة حمار لخلوه من ذكر الله تعالى، لأن المجالس لا تعمرُ إلا بذكر الله تعالى.
(معنى (وكان لهم حسرة): أي كان هذا المجلس ندامة لهم يوم القيامة لخلوه من الذكر
9) ذكر الله تعالى خير أعمالنا وأزكاها عند الله تعالى وأرفعها في درجاتنا وخيرٌ من إنفاق الذهب والفضة.
(حديث أبي الدر داء في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب و الورق و خيرٌ لكم من أن تلقوْا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى، قال: ذكر الله.