فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 414-453

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 414-453
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

يستحب أن تكون القراءة في موضعٍ نظيف ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة ومحصلاً لفضيلةٍ أخرى هي فضيلة الاعتكاف فإنه ينبغي لكلِ جالس في المسجد أن ينويه سواء كثر جلوسه أو قل، وهذا الأدب ينبغي أن يعتني به ويشاع ذكره ويعرفه الصغير والكبير فإنه مما يغفل عنه.
(32) يستحب للقارئ أن يقرأ وهو جالس مستحضراً عظمةَ من يناجيه:

(قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: يستحب للقارئ أن يقرأ وهو جالس مستحضراً عظمةَ من يناجيه خاشعاً متذللاً بين يدي الله تعالى، ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً في فراشه أو غير ذلك من الأحوال جاز: قال تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض ربنا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿آل عمران/191،190﴾ (حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكر الله على كل أحواله.
(33) احترام القرآن:

إن احترام القرآن من الأمور التي قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين، فيجب اجتناب الضحك واللغط (اختلاط الأصوات) والحديث خلال القراءة إلا كلاماً يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ) ﴿الأعراف/204﴾ وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأه.
ويجب كذلك اجتناب العبث بين يديه فإنه يناجي الله تعالى، وكذا يجب اجتناب النظر إلى ما يلهي القلب.
(34) يستحب له أن يقرأ القرآن على ترتيب المصحف:

يستحب له أن يقرأ القرآن على ترتيب المصحف لأن الله تعالى جعل هذا الترتيب لحكمةٍ بالغةٍ قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها، فينبغي له أن يحافظ على هذه الحكمة إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الفجر يوم الجمعة فإنه يقرأ في الركعة الأولى سورة السجدة وفي الثانية سورة الإنسان وكذلك سنة الفجر فإنه يقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص.

قيل لابن مسعودٍ رضي الله عنه إن فلاناً يقرأ القرآن منكوساً قال: ذلك منكس القلب.
(35) كراهية الاختلاف في كتاب الله تعالى:

(حديث جندب ابن عبد الله في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا.
(حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) قال سمعت رجلاً قرأ آيةً سمعت من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
(36) يستحب طلب القراءة الطيبة من إنسان حسن الصوت:

يستحب طلب القراءة من القارئ المجود حسن الصوت، ويتضح ذلك جلياً عندما أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن.
كما في الحديث الآتي: ((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (اقْرأ عَليَّ القُرْآن، فَإِنِّي أُحبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَى بَلَغَ قَولَهُ: ((فَكَيفَ إِذاَ جِئنَاَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَاَ بِكَ عَلى هَؤلاء شَهِيدا))، قَالَ: (حَسْبُكَ الآن).
فَالتَفَتُ إِلَيهِ فَإِذَاَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
وعبد الله بن مسعود هو الذي قاله فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) كما في الحديث الآتي: ((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح ابن ماجة) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَشَّرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ.
(وهو أحد الأربعة الذين أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأخذ القرآن عنهم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.

(37) تحريم الجدال في القرآن بغير حق:

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المراء في القرآن كفر.
﴿تنبيه﴾: (المقصود بالمراء هنا الجدال المشكك في القرآن والعياذ بالله تعالى من ذلك، وقيل الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها.
(38) استحباب دعاء ختم القرآن:

(قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: يستحب الدعاء عقب ختم القرآن استحباباً متأكداً، وكان عبد الله بن ا لمبارك إذا ختم القرآن أكثر دعائه للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ﴿تنبيه﴾: (لم يذكر الإمام النووي في ذلك دليلاً، وربما يستدلُ له بالحديث الآتي (حديث عمران بن حصين في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس.

(... آداب السلام:

(آداب السلام:

للسلام آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب السلام جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب السلام جملةً:

(1) فضل إقراء السلام: (2) صفة السلام: (3) كراهة الابتداء بـ (عليك السلام): (4) استحباب تكرار السلام ثلاثاً، إذا كان الجمع كثيراً، أو شُك في سماع المُسَّلم عليه: (5) من السنة الجهر بالسلام وكذلك الرد: (6) أن يسلم على من يعرف ومن لا يعرف من المسلمين: (7) استحباب ابتداء القادم بالسلام: (8) من السنة إلقاء السلام، أما رده فهو واجب: (9) من السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير.
(10) استحباب السلام على الصبيان: (11) السلام على الأيقاظ في موضع فيه نيام، حيث يخفض المُسَّلِم صوته، فيسمع يقظاناً ولا يوقظ نائماً: (12) استحباب السلام عند دخول البيت: (13) السلام إذا دخل على أهل بيت: (14) سلام الرجل إذا دخل بيته: (15) الترغيب في السلام قبل الكلام: (16) من السنة إلقاء السلام قبل مفارقة المجلس: (17) أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيرًا: (18) السلام قبل السؤال: (19) استحباب بَعْثُ السَّلَامِ وَيَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ تَبْلِيغُهُ: (20) رد السلام بتحيةٍ أحسن مثلها أو مثلها:

(21) عدم الاكتفاء بالإشارة باليد أو الرأس فإنه مخالف للسنة: (22) جواز السلام بالإشارة لعذر: (23) جواز السلام على المصلي، ورده بالإشارة: (24) يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلَامِ بِلَا فَائِدَةٍ وَرُبَّمَا آذَى: (25) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَنَعَهُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ مَانِعٌ أَنْ يَعْتَذِرَ إلَى الْمُسَلِّمِ وَيَذْكُرُ الْمَانِعَ لَهُ.
(26) جواز السلام على تالي القرآن، ووجوب رده: (27) كراهية السلام على المتخلي: (28) رد السلام على من حمل إليه السلام: (29) تقديم تحية المسجد على السلام من بالمسجد: (30) كراهية السلام حال خطبة الجمعة: (31) السلام على المرأة الأجنبية: (32) السلام على أهل المعاصي والمبتدعة: (33) النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام: (34) رد السلام على أهل الكتاب بـ (وعليكم): (35) جواز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين: (ثانيا آداب السلام تفصيلا:

(1) فضل إقراء السلام:

من أفضل الخصال التي يتحلى به المسلم إقراء السلام لأنه من أفضل خصال الإسلام بنص السنة الصحيحة، ثم إنه من الأمور التي تجلب المحبة وتنشرها بين الناس ويترتب عليها الأجر الوفير.
(حديث عبد الله ابن عمرو في الصحيحين) أن رجلاً سأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيُ الإسلام خير؟ قال: تُطعم الطعام وتُقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم (حديث عبد الله ابن سلام في صحيح الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أيها الناس أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
(حديث أنس في صحيح الأدب المفرد) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض فأفشوا السلام بينكم.
(حديث أبي هريرة في صحيح الأدب المفرد) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبخل الناس من بخل بالسلام وإن أعجز الناس من عجز بالدعاء, (حديث هانئ ابن يزيد في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من موجبات المغفرة بذلَ السلام وحسنَ الكلام.

(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن اليهود ليحسدونكم على السلام والتأمين.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام و عيادة المريض و اتباع الجنائز و إجابة الدعوة و تشميت العاطس.
(حديث عمران ابن حصين في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال جاء رجلٌ إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال السلام عليكم فقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عشر حسنات، وجاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال ثلاثون.
(2) صفة السلام:

(أفضلها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(يليها: السلام عليكم ورحمة الله.
(يليها: السلام عليكم.
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عمران ابن حصين الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرٌ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ عِشْرُونَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ ثَلَاثُونَ.
((حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كُتِبَتْ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً وَمَنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ كُتِبَتْ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً.
(أما صفة الرد فإنه يكون بمثل السلام أو بأحسن منه لقوله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ) [النساء: 86] ويكون الرد بضمير الجمع وإن كان المسلِم واحداً؛ فيقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مسألة: إذا انتهى المبتدئ بالسلام عند وبركاته، فهل يشرع الزيادة عليها طلباً لظاهر الآية ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ كأن يقال: ومغفرته وإحسانه.. الخ.
الجواب: لا يزاد بعد البركة شيء، عند الرد على السلام، ولو كان المبتدئ انتهى إلى البركة، وإن استحسن هذا بعض العلماء بناءً على ظاهر الآية؛ ولكن اتباع السنة أولى.
قال ابن عبد البر: وقال ابن عباس وابن عمر: انتهى السلام إلى البركة، كما ذكر الله عز وجل عن صالح عباده: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾.
وكانا يكرهان أن يزيد أحد في السلام على قوله: وبركاته (1). (3) كراهة الابتداء بـ (عليك السلام):

((حديث أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى.
فدل الحديث على كراهة الابتداء بـ (عليك السلام).
ولبعض العلماء تفريع على ذلك، أغنانا عن إيراده وضوح النص وصراحته.
(4) استحباب تكرار السلام ثلاثاً، إذا كان الجمع كثيراً، أو شُك في سماع المُسَّلم عليه:

((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا.
(قال النووي رحمه الله بعد هذا الحديث: وهذا محمولٌ على ما إذا كان الجمع كثيراً (2). وأضاف ابن حجر: وكذا لو سلم وظن أنه لم يسمع فتسن الإعادة فيعيد مرة ثانية وثالثة ولا يزيد على الثالثة (3) (5) من السنة الجهر بالسلام وكذلك الرد:

ولقد كان هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السلام أن يرفع صوته بالسلام، وكذلك في الرد، فلا يحصل بالإسرار الأجر؛ إلا ما استثني وسيأتي.
(1).التمهيد (5/ 293) (2). أي ولم يسمع بعضهم وقصد الاستيعاب (قاله ابن حجر -فتح الباري11/ 29) وكلام النووي في رياض الصالحين (باب كيفية السلام ص291) ط. دار عالم الكتب.
الطبعة الحادية عشر 1409هـ. (3). فتح الباري حديث رقم (6244) (11/ 29). وانظر كذلك زاد المعاد (2/ 418) ط. مؤسسة الرسالة.

فأخرج البخاري في أدبه أثراً عن ابن عمر: عن ثابت بن عبيد قال: أتيت مجلساً فيه عبد الله بن عمر فقال: إذا سلَّمت فأسمع فإنها تحية مباركة طيبة (1). (وذكر ابن القيم: أن من هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يُسمع المسلم رده عليه (2). (وقال ابن حجر: واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سراً بل يشترط الجهر، وأقله أن يسمع في الابتداء والجواب ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه (3). (وقال النووي: وأقل السلام الذي يصير به مسلِّماً مؤدياً سنة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتياً بالسلام، فلا يجب الرد عليه.
وأقل ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الرد (4). (6) أن يسلم على من يعرف ومن لا يعرف من المسلمين:

((حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في الصحيحين) أن رجلاً سأل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي الإسلامُ خير؟ قال: تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
(هذا الحديث فيه الحث على إفشاء السلام ونشره بين الناس، لما فيه من المصالح العظيمة، لعل من أعظمها: التأليف بين المسلمين، وسلامة قلوبهم لبعض.
وبضده السلام على الخاصة، أي: أن لا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وهذا فعل غير محمود؛ بل إن سلام الخاصة من علامات الساعة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة.
وفي رواية: أن يسلَّم الرجل على الرجل، لا يسلم عليه إلا للمعرفة).
وفي رواية في السلسلة الصحيحة (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة... الحديث).
(وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ السَّلَامِ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ هو إفشاء السلام الذي هو سبب المحبة.
(1). الأدب المفرد (1005) وقال الألباني: صحيح الإسناد، وكذا قال الحافظ (11/ 18). صحيح الأدب المفردص385 (2).زاد المعاد (2/ 419) (3). فتح الباري (11/ 21) (4). الأذكار ص 354،355. وقد أكثرت النقل، لكثرة من يتساهل في رد السلام، فليعتن المسلم بذلك حتى يسقط عنه الإثم.

((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
((حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يأيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
(7) استحباب ابتداء القادم بالسلام:

وهذا أمر مشهور، ومنتشر بين الناس، وتشهد له النصوص الكثيرة، حيث أن استحباب السلام متوجه للقادم دون المقدوم عليه.
((حديث عمران ابن حصين الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرٌ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ عِشْرُونَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ ثَلَاثُونَ.
(قال النووي رحمه الله... أما إذا ورد على قعود أو قاعد، فإن الوارد يبدأ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً (1). (8) من السنة إلقاء السلام، أما رده فهو واجب:

ودليل السنية كثيرة جداً، وقد سبق قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حق المسلم على المسلم ست:... إذا لقيته فسلم عليه.. الحديث، وكذلك فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفعل صحابته رضوان الله عليهم.
وشهرة ذلك تغنينا عن إيراد النصوص.
(وأما رد السلام فهو واجب، يتعين على المُسَّلم عليه الرد وإلا أثم، وأدلة فرضيتها كثيرة منها ما يلي: قال تعالى: (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ) [النساء: 86] وقد ذكر ابن حزم وابن عبد البر والشيخ تقي الدين الإجماع على وجوب الرد (2). مسألة: إذا سلم رجل على جماعة، فهل يتعين الرد عليهم كلهم، أم يجزئ الواحد عنهم؟ (1).الأذكار ص370 (2). انظر الآداب الشرعية (1/ 356) ط. مؤسسة الرسالة.

الجواب: إن سلم رجل على جماعة، فإن ردوا كلهم فهو أفضل، وإن رد واحدٌ منهم، سقط الحرج عن الباقين، ولا إثم (1). ((حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ وَيُجْزِئُ عَنْ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ.
(9) من السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير.
وفي ذلك أحاديث صحاح، منها: ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير.
(وقد ذكر بعض أهل العلم الحكمة من ابتداء هؤلاء المذكورين بالسلام، فقالوا: سلام الصغير على الكبير: لحق الكبير من التوقير والتكريم وهو الأدب الذي ينبغي سلوكه، وسلام الراكب على الماشي: حتى يحمل السلامُ الراكبَ على التواضع وعدم التكبر، وسلام الماشي على القاعد: لشبهه بالداخل على أهل المنزل، وسلام القليل على الكثير: لحق الكثير فحقهم أعظم (2). مسألة: هل يترتب على المخالفة حكم، فيما لو سلم الكبير على الصغير، أو سلم الماشي على الراكب، أو سلم الكثير على القليل، أو سلم القاعد على الماشي؟ الجواب: لا يلحق المخالف في ذلك إثم، ولكنه تاركٌ للأولى.
قال المازري: ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة، بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركاً للمستحب والآخر فاعلاً للسنة، إلا إن بادر فيكون تاركاً للمستحب أيضاً (3). مسألة: إذا تقابل ماشيان أو راكبان، فمن يبدأ بالسلام؟ الجواب: يستحب أن يبدأ اصغرهما للحديث السابق.
فإن كانا في السن سواء، واستويا من جميع الجهات فخيرهما الذي يبدأ بالسلام لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) (4) من حديث المتهاجرين، ولحديث جابر قال: (الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل) (5)(1). انظر النووي شرح صحيح مسلم حديث رقم (2160) ط. دار الفكر، فتح الباري حديث رقم (6231) ط. دار الريان.
والآداب الشرعية (2). انظر فتح الباري (11/ 19) (3).فتح الباري (11/ 19) (4). رواه البخاري (6077) (5). رواه البخاري في الأدب المفرد (994). وصحح سنده ابن حجر في الفتح (11/ 18). ولم أجده في صحيح الأدب المفرد ولا ضعيفه، للشيخ الألباني.

مسألة: إذا كان هناك ماشيان ثم حال بينهما حائل، كشجرة أو جدار ونحو ذلك؛ فهل يشرع لهما السلام إذا التقيا مرة أخرى؟ الجواب: نعم.
يشرع لهما السلام ولو تكرر ذلك مرات، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه.
(10) استحباب السلام على الصبيان:

وذلك لتعويدهم وتدريبهم منذ الصغر على آداب الشريعة، وفاعله متأسياً بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله.
(وفي السلام على الصبيان حمل النفس على التواضع، وسلوك لين الجانب.
مسألة: إذا سلم بالغٌ على صبي، أو سلم صبيٌ على بالغ، فهل يجب رد السلام عندئذٍ؟ الجواب: إذا سلم بالغٌ على صبي فإنه لا يلزم الصبي الرد، وذلك لأنه ليس من أهل الفروض.
أما إذا سلم الصبي على البالغ، فإنه يتعين عليه الرد وهو قول الجمهور (1). (11) السلام على الأيقاظ في موضع فيه نيام، حيث يخفض المُسَّلِم صوته، فيسمع يقظاناً ولا يوقظ نائماً: ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث المقدام بن الأسود رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجيء من الليل فيسلم, ويسمع اليقظان.
جاء ذلك في حديث المقداد بن الأسود -رضي الله عنه-، وفيه قال:... فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصيبه.
قال: فيجيءُ من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان... (2). ((حديث الْمِقْدَادِ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ (1).أنظر شرح صحيح مسلم للنووي (المجلد السابع/ الجزء الثالث عشر/ص123)، وفتح الباري (11/ 35) (2).رواه مسلم (2055) وهو جزء من حديث طويل.

أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنْ الْجَهْدِ فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا قَالَ فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبَهُ قَالَ فَيَجِيءُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ قَالَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي فَقَالَ مُحَمَّدٌ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ قَالَ نَدَّمَنِي الشَّيْطَانُ فَقَالَ وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَايَ وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّوْمُ وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ قَالَ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي قَالَ فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ أَيُّهَا أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ وَإِذَا هُنَّ

حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ قَالَ فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمْ اللَّيْلَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْرَبْ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْرَبْ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَكَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذِهِ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ أَفَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا قَالَ فَقُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَنْ أَصَابَهَا مِنْ النَّاسِ.
(وفي هذا أدب نبويٌ رفيع، حيت يُراعى فيه حال النائم فلا يكدر عليه نومه، وفي الوقت نفسه لا تفوت فضيلة السلام!.
(12) استحباب السلام عند دخول البيت:

يستحب السلام عند دخول البيت فإن كان البيت خالياً، فقد استحب بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن يسلم الرجل على نفسه إن كان البيت خالياً.
((حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الأدب المفرد موقوفاً) قال: (إذا دخل البيت غير المسكون فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).
(قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: ويدخل في عموم إفشاء السلام، السلام على النفس لمن دخل مكاناً ليس فيه أحد، لقوله تعالى قال تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ) [النور: 61] (1). (وإن كان البيت ليس فيه إلا أهلك فيستحب لك أن تسلم عليهم أيضاً.
((حديث جابراً رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد موقوفاً) قال: يقول: (إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة).. (1).فتح الباري (11/ 22)

(والسلام عند دخول البيت ليس واجباً، قال ابن جريج: قلت لعطاء أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا.
ولا أوثر وجوبه عن أحد ولكن هو أحب إلي وما أدعه إلا ناسياً (1). ولكن لا ينبغي للمسلم أن ينأى عنه بعد أن يعلم فضله؛ وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاثةٌ كلُّهمْ ضامنٌ على الله إن عاش رُزقِ وكُفِيَ, وإن ماتَ أدخلَهُ اللهُ الجنّة, من دخل بيتَه فَسَلَّمَ، فهو ضامنٌ على الله ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله.
(13) السلام إذا دخل على أهل بيت:

((حديث قتادة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا دَخلتم بيتاً فسلموا على أهلِه, فإذا خرجتم, فأودِعوا أهلهُ بالسلام.
(14) سلام الرجل إذا دخل بيته:

((حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء.
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الكلم الطيب) قال: قال لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يا بُني إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك".
((حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاثةٌ كلُّهمْ ضامنٌ على الله إن عاش رُزقِ وكُفِيَ, وإن ماتَ أدخلَهُ اللهُ الجنّة, من دخل بيتَه فَسَلَّمَ، فهو ضامنٌ على الله ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله.
(15) الترغيب في السلام قبل الكلام:

الذي عليه سلف الأمة وخلفها أنهم كانوا يقدمون السلام قبل كلامهم، وسؤال حاجاتهم.
قال النووي: السنة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في هذا الفصل، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). تفسير ابن كثير (3/ 305)

((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه.
(16) من السنة إلقاء السلام قبل مفارقة المجلس:

فكما أنه يسن السلام عند القدوم على المجلس، فكذلك من السنة أن يُلقى السلام عند مفارقة ذلك المجلس، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليُسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى أحق من الثانية.
(17) أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيرًا:

((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه.
(18) السلام قبل السؤال:

((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه.
(19) استحباب بَعْثُ السَّلَامِ وَيَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ تَبْلِيغُهُ:

((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام).
قلت: وعليه السلام ورحمة الله، قالت: وهو يرى ما لا نرى.
(20) رد السلام بتحيةٍ أحسن مثلها أو مثلها:

امتثالاً لقوله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ) (النساء / 86) (21) عدم الاكتفاء بالإشارة باليد أو الرأس فإنه مخالف للسنة:

إلا إذا كان المسلَّم عليه بعيدًا فإنه يسلم بلسانه ويشير بيده ولا يكتفي بالإشارة.
((حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف».
(22) جواز السلام بالإشارة لعذر:

الأصل في السلام بالإشارة النهي، لأنه من فعل أهل الكتاب ونحن أمرنا بمجانبتهم، وعدم التشبه بهم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (

((حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف».
(لكن يجوز قرن الإشارة بالتلفظ بالسلام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد) قَالَتْ: أَلْوَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ إِلَى النَّسَاءِ بِالسْلَام.
قال النووي بعد حديث الترمذي: فهذا محمولٌ على أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين اللفظ والإشارة، يدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته: (فسلم علينا) (1). (2). وقال الحافظ: والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً، وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس، وكذا السلام على الأصم (3). (23) جواز السلام على المصلي، ورده بالإشارة:

من الجائز السلام على المصلي، وهذا ثابت من لإقرار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصحابته، حيث كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة ولم ينكر عليهم ذلك، فدل إقراره جوازه.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ (قَالَ قُتَيْبَةُ: يُصَلِّي) فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ: (إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي) وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ.
((حديث صُهَيْبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إِشَارَةً قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ إِشَارَةً بِأُصْبُعِهِ.
(ففي هذه الأحاديث وغيرها دليل على جواز إلقاء السلام على المصلي، ورده بالإشارة.
مسألة: ما صفة السلام بالإشارة في الصلاة؟ (1). رواه أبو داود (5204). (2). الأذكار ص 356 (3).فتح الباري (11/ 16)

الجواب: ليست هناك صفة محددة لرد السلام بالإشارة في الصلاة، والوارد في ذلك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متنوع فمرة كانت الإشارة بالأصبع كما في حديث صهيب المتقدم، ومرة كانت الإشارة باليد كما في حديث جابر (1)،ومرة كانت الإشارة بالكف كما في حديث عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار، فسلموا عليه، وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يقول هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق (2).. قال في عون المعبود: واعلم أنه ورد الإشارة لرد السلام في هذا الحديث بجميع الكف، وفي حديث جابر باليد، وفي حديث ابن عمر عن صهيب بالإصبع، وفي حديث ابن مسعود عند البيهقي بلفظ فأومأ برأسه، وفي رواية له فقال برأسه يعني الرد، ويجمع بين هذه الروايات بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل هذا مرة وهذا مرة فيكون جميع ذلك جائزاً.
والله أعلم (3). (24) يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلَامِ بِلَا فَائِدَةٍ وَرُبَّمَا آذَى:

((حديث المقدام بن الأسود رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجيء من الليل فيسلم, ويسمع اليقظان.
(25) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَنَعَهُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ مَانِعٌ أَنْ يَعْتَذِرَ إلَى الْمُسَلِّمِ وَيَذْكُرُ الْمَانِعَ لَهُ.
(1). أخرجه أبو داود (926)، وهو نفس حديث مسلم المتقدم (540)، وإنما ذكرت رواية أبي داود لأن فيها التصريح بذكر اليد.
(2). رواه أبو داود 927). وقال الألباني: حسن صحيح.
صحيح أبي داود رقم (820) (3). عون المعبود.
شرح سنن أبي داود 0 (المجلد الثاني/ الجزء الثالث/ ص138) ط. دار الكتب العلمية.

((حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: بعثني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ علي أني أبطأت عليه؟.
ثم سلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: (إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي).
وكان على راحلته، متوجها إلى غير القبلة.
(26) جواز السلام على تالي القرآن، ووجوب رده:

السلام على المشتغل بتلاوة القرآن منعه بعض العلماء وأجازه بعضهم، والصواب مع من أجازه، فلا دليل على إخراج تالي القرآن من عمومات النصوص التي تحث على إفشاء السلام، وعلى وجوب رده.
وكونه مشتغلاً بأعلى أنواع الذكر وهو قراءة القرآن؛ لا يمنع من إلقاء السلام عليه، ولا يسقط عنه واجب الرد.
(قالت اللجنة الدائمة في ردها على أحد الأسئلة: يجوز بدء قارئ القرآن بالسلام وعليه أن يرد السلام؛ لأنه لم يثبت دليل شرعي على المنع من ذلك والأصل عموم الأدلة في مشروعية البدء بالسلام والرد على من سلم حتى يثبت ما يخصص ذلك من الأدلة (1). (27) كراهية السلام على المتخلي:

وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبُولُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
((حديث المهاجر بن قُنفد الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجه) أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ.
فعلى هذا فإن المتخلي ببول أو غائط يكره له رد السلام باتفاق أهل العلم (2)، (ويستحب لمن أُلقي عليه السلام وهو يقضي حاجته أن يرد السلام بعد الوضوء تأسياً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (4/ 83) (2). انظر شرح مسلم للنووي (المجلد الثاني/ الجزء الرابع / ص55)

((حديث المهاجر بن قُنفد الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجه) أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ.
فعلى هذا فإن المتخلي ببول أو غائط يكره له رد السلام باتفاق أهل العلم (1)، (28) رد السلام على من حمل إليه السلام:

وهذا قد وردت به السنة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام).
قلت: وعليه السلام ورحمة الله، قالت: وهو يرى ما لا نرى.
والحاصل أن رد السلام على حامل السلام ليس بواجب بل هو مندوب إليه.
قال ابن حجر: ولم أر في شيء من طرق حديث عائشة أنها ردت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدل على أنه غير واجب (2). ﴿فائدة﴾: (قال ابن عبد البر: قال رجل لأبي ذر: فلان يقرئك السلام، فقال: هديةٌ حسنة ومحمل خفيف (3). (29) تقديم تحية المسجد على السلام من بالمسجد:

فالداخل للمسجد يستحب له أن يقدم تحية المسجد قبل تحية أهله، وفي حديث المسيء في صلاته ما يدل لذلك: (1). انظر شرح مسلم للنووي (المجلد الثاني/ الجزء الرابع / ص55) (2).فتح الباري (11/ 41) (3). الآداب الشرعية (1/ 393).

((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّلَامَ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ الرَّجُلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي قَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد، ثم يجيءُ فيسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق لله تعالى، والسلام على الخلق حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم... ثم ساق حديث المسيء في صلاته متسدلاً به على قوله، وقال: فأنكر عليه صلاته، ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ما بعد الصلاة (1). (فتبين لنا من إقرار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذا الصحابي أن السنة في تقديم تحية المسجد على السلام على أهله.
(30) كراهية السلام حال خطبة الجمعة:

والأصل في ذلك الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ.
وعلى هذا لا يشرع السلام حال الخطبة لأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المأمومين بالإنصات حال خطبة الإمام.
مسألة: لو سلم أحد الداخلين إلى المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة، هل يجب على المأمومين رد السلام؟ (1). زاد المعاد 2/ 413،414)

الجواب: قالت اللجنة الدائمة: لا يجوز لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة إذا كان يسمع الخطبة أن يبدأ بالسلام من في المسجد، وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب، ولكن إن رد عليه بالإشارة جاز (1). مسألة: ماذا يلزم المأموم إذا سلم عليه من بجانبه وصافحه أثناء خطبة الجمعة؟ الجواب: قالت اللجنة الدائمة: يصافحه بيده ولا يتكلم، ويرد عليه السلام بعد انتهاء الخطيب من الخطبة الأولى، وإن سلم والإمام يخطب الخطبة الثانية فأنت تسلم عليه بعد انتهاء الخطيب من الثانية (2). (31) السلام على المرأة الأجنبية:

(سلام الرجل على المرأة الأجنبية، منعه بعض أهل العلم، وأجازه البعض بقيد أمن الفتنة، وبعضهم فصل فقال: إن كانت شابة جميلة لم يجز، وإن كانت عجوزاً جاز، وبعضهم أطلق فمنعه في الشابة، وأجازه مع الكبيرة، وهذا هو منصوص أحمد -رحمه الله- قال صالح: سألت أبي: يسلم على المرأة؟ فقال: أما الكبيرة، فلا بأس، وأما الشابة فلا تستنطق (3). وصوب ابن القيم في هذه المسألة: أنه يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن (4). وهو المختار، وعلة المنع ظاهرة، وهي سد الذريعة، وخشية الافتتان.
وما ورد عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، فهو معصوم مأمون من الفتنة.
وما ورد عن الصحابة، يحمل على أمن الفتنة.
ومثاله الحديث الآتي: ((حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاللَّهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ.
﴿تنبيه﴾: (يجوز السلام على مجموعة من النساء: ((حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: مرّ علينا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نسوة ٍ فسلَّم علينا.
(1). فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (8/ 243) (2).فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (8/ 246) (3). الآداب الشرعية (1/ 352) (4). انظر زاد المعاد 2/ 411،412)

إذا كانت المرأة واحدة فالأولى ألا يسلم عليها مخافة الفتنة ولا سيما إن كانت شابة لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أنه ما ترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء.
مسألة: ما حكم (32) السلام على أهل المعاصي والمبتدعة:

أما أهل المعاصي فهم يسلم عليهم ويرد عليهم سلامهم.
(قال النووي رحمه الله في الأذكار: اعلم أن الرجل المسلم الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يسلِّم ويسلَّم عليه، فيسن له السلام ويجب الرد عليه (1). ولكن إن كان العاصي مشهوراً بفسقه ومعصيته، فهل يقال بترك السلام عليه؟ الجواب: إذا كان في ترك السلام عليه مصلحة راجحة، كأن يرتدع العاصي عن معصيته إذا لم يُسلم عليه أو لا يرد عليه سلامه، فإن كان في ذلك مصلحة تُرك السلام عليه لعله ينتهي، أما إن كان العكس وغلب على ظننا أنه معصيته تزيد؛ فإننا نسلم عليه ونرد عليه سلامه تقليلاً للمفسدة لأنه لا مصلحة من ترك السلام عليه.
وهذا ينبني على (مسألة الهجر: وأما أهل البدع؛ فإن من البدع ما يكون مكفراً، ومنها دون ذلك.
فصاحب البدعة المكفرة لا يسلم عليه بحال، وصاحب البدعة غير المكفرة فإنه يأخذ حكم أهل المعاصي كما سبق بيانه.
وسنورد كلام الشيخ ابن عثيمين في بيان هجر أهل البدع، وكلامه ينزل على مسألة السلام عليهم، ولا فرق فإن الهجر يتضمن ترك السلام إلقاءً ورداً.
قال الشيخ: أما هجرهم [أي المبتدعة] فهذا يترتب على البدعة، فإذا كانت البدعة مكفِّرة وجب هجره، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره إن كان في هجره مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (2)(1).الأذكار.
ص364 (2). فتاوي العقيدة.
ص 614

والأصل في ذلك كله حديث كعب بن مالك-رضي الله عنه- الطويل في تخلفه عن الغزو مع رسول الله صلى اله عليه وسلم وتوبة الله عليه- وفيه قال كعب: (ونهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف.
فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟) (1). (33) النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام:

مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا أَلَّا يُبْدَأَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالسَّلَامِ: ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تبدءوا اليهود و لا النصارى بالسلام و إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه.
(ولا كلام لأحد بعد هذا النهي الصريح.
مسألة: إذا دعت الحاجة للسلام على أهل الكتاب، فهل يجوز السلام عليهم؟ الجواب: الحديث السابق ظاهر في المنع، ولكن إن احتيج لذلك، فليكن بغير السلام، ككيف أصبحت، أو كيف أمسيت ونحو ذلك.
(قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية: قال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلامٍ غير السلام مما يُؤنسه به، فلا بأس بذلك (2) (قال (النووي رحمه الله في الأذكار: قال أبو سعد-المتولي-: لو أراد تحية ذمي، فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك.
قلت [أي: النووي]: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبحت بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرة، أو ما أشبه ذلك.
وأما إذا لم يحتج إليه، فالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورن بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا نظهره.
والله أعلم (3). (34) رد السلام على أهل الكتاب بـ (وعليكم)(1). رواه البخاري (4418). وتلاحظ أني أطلت قليلاً في إيراد الشاهد، وذلك من أجل بيان أن الهجر وترك السلام متلازمان وكل منهما يتضمن الآخر.
(2). الآداب الشرعية (1/ 391). (3). الأذكار ص366 - 367

((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ.
(فالحديث بين لنا أن صفة الرد على أهل الكتاب أن نقول وعليكم.
مسألة: إذا سمعنا الكتابي يقول: (السلام عليكم) بلفظ واضح، فهل نرد عليه بـ (وعليكم) عملاً بظاهر الحديث، أم نرد عليه سلامه ونقول: (وعليكم السلام)؟ الجواب: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تحققنا من لفظ السلام ولم نشك فيه فإنه ينبغي علينا أن نرد السلام.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له، وعليك السلام.
فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾.
فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما أمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة -رضي الله عنها- فقال: (ألا ترينني قلت: وعليكم، لما قالوا: السّام عليك) ثم قال: (إذ ا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه.
قال الله تعالى: ﴿وإذا جاءوك حيَّوك بما لم يحيِّك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول﴾.
فإذا زال السبب، وقال الكتابي: (سلام عليكم ورحمة الله) فالعدل في التحية أن يرد عليه نظير سلامه.
اهـ (1). (35) جواز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين:

هو مأخوذ من فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). أحكام أهل الذمة.
(1/ 425 - 426) رمادي للنشر.
ط. الأولى 1418هـ. وانظر فتاوي العقيدة لابن عثمين ص235 - 236. والسلسلة الصحيحة للألباني (2/ 327 - 330)

((حديث أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَسَارَ حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ وَفِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ قَالَ لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَفَ وَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ... الحديث).
والابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار مجمع على جوازه؛ قاله النووي (1). ولا يعكر على هذا؛ حديث المنع من ابتداء أهل الكتاب بالسلام، فإن ذلك الحديث في ما إذا كان المُسَّلم عليه ذمياً أو كانوا جماعة من أهل الكتاب، أما هنا فإن المجلس فيه مسلمون، ولذلك فإنه يجوز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين بنية السلام على المسلمين فقط.
قيل للإمام أحمد رضي الله عنه: نعامل اليهود والنصارى ونأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون، أُسلم عليهم؟ قال: نعم، وتنوي السلام على المسلمين (2). وقال النووي: إذا مرَّ واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار، فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم (3). مسألة: هل يقال لجماعة فيهم مسلمون وكفار عند السلام: السلام على من اتبع الهدى؟ الجواب: لا يقال (السلام على من اتبع الهدى) لجماعة فيهم مسلمون وكفار، بل يسلم عليهم كما سبق وينوي بذلك المسلمين.
وحول هذا المعنى قال ابن عثيمين: وإذا كانوا مسلمين ونصارى فإنه يسلم عليهم بالسلام المعتاد يقول السلام عليكم يقصد بذلك المسلمين (4).

(آداب الاستئذان:

(آداب الاستئذان: (1).شرح صحيح مسلم (المجلد السادس/الجزء الثاني عشر/ ص125) (2). الأدآب الشرعية (1/ 390) (3).الأذكار للنووي ص367 (4).فتاوي العقيدة.
ص237. ط. دار الجيل.

(للاستئذان آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب الاستئذان جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب الاستئذان جملةً: (1) السنة أن تقديم السلام قبل الاستئذان: (2) إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر و يقول السلام عليكم السلام: (3) يحرم نظر الرجل في بيت غيره إلا بإذنه: (4) الاستئذان ثلاثاً فإن أُذن وإلا رجع المستأذن: (5) لا يقل المستأذن (أنا) إذا قيل من هذا: (6) ينبغي للمستأذن أن لا يدق الباب بعنف: (7) إذا قال رب البيت للمستأذن ارجع، فليرجع: (8) لا يدخل المستأذن الدار إن لم يكن بها أحد: (9) أن من دعي أو أُرسل إليه رسول، فإنه لا يحتاج إلى الاستئذان: (10) الاستئذان عند إرادة القيام والانصراف من المجلس: (11) الاستئذان على الأم والأخت ومن في حكمهما: (12) استحباب تنبيه الزوجة عند الدخول: (13) الطوافون مما ملكت الأيمان والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ يستأذنون في ثلاثة أوقات: (ثانيا آداب الاستئذان تفصيلا: (1) السنة أن تقديم السلام قبل الاستئذان:

((حديث كِلْدَةَ بن الحنبل الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد دخلت عليه ولم أُسَلِّم فقال: ارجع فقل السلام عليكم أأدخل.
((حديث عُمَرَ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ.
مَشْرُبَةٍ: بضم الراء وفتحها: غرفة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(2) إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر و يقول السلام عليكم السلام: وذلك حتى لا يقع بصره على موضع لا يحل له النظر إليه، أو على شيء يكره رب الدار لأحد رؤيته.
(حديث عبد الله بن بسر في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه و لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم السلام عليكم.

(حديث سهل بن سعد في الصحيحين) قال: اطَّلع رجلٌ من جحرٍ في حجرِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِدْرى يحكُ به رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.
(3) يحرم نظر الرجل في بيت غيره إلا بإذنه:

وذلك لأن الاستئذان لم يشرع إلا من أجل البصر، ومن تعدى واطلع ببصره على ما لا يحل له بغير إذنٍ؛ ففقئت عينه، فإنه لا قصاص ولا دية.
((حديث سهل بن سعد في الصحيحين) قال: اطَّلع رجلٌ من جحرٍ في حجرِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِدْرى يحكُ به رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ.
(4) الاستئذان ثلاثاً فإن أُذن وإلا رجع المستأذن: ((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع.
مسألة: إذا استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمعه، فما ذا يفعل المستأذن في هذه الحالة؟ الجواب: قالوا: يرجع عملاً بظاهر الحديث.
وقيل: له أن يزيد حتى يتحقق أن صوته سُمع (1). قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأساً أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع (2). (5) لا يقل المستأذن (أنا) إذا قيل من هذا:

وسبب ذلك أن قول المستأذن (أنا) ليس فيه تعريف بالمستأذن، فالإبهام باقٍ على حاله، وقوله (أنا) لم تفد شيئاً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). انظر فتح الباري (11/ 29) حديث رقم 6245، ومسلم بشرح النووي (المجلد السابع- الجزء الرابع عشر / 108) حديث رقم 2153. (2). التمهيد لا بن عبد البر (3/ 192)

((حديث جابر الثابت في الصحيحين) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في دَيْنٍ كان عليّ، فدققت الباب فقال من ذا؟ قلت: أنا، فقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنا أنا! كأنه كرهها.
(ولا بأس أن يقول المستأذن: أنا فلان، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث بريدة رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: خرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المسجد وأبو موسى يقرأ، فقال: (من هذا)؟ فقلت: أنا بريدة جُعلتُ فداك فقال: (قد أعطي هذا مزماراً من مزامير آل داود).
(ولا بأس أن يقول المستأذن: أن أبو فلان وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ قَالَتْ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ.
(ولا بأس أن يقول أنا القاضي فلان أو الشيخ فلان إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه.
قاله النووي (1). ﴿تنبيه﴾: (إذا كان اسم المستأذن لا يحصل به التعريف، لاشتراك شخص آخر معه في نفس الاسم، ولم يمكن تمييز الصوت، فإنه يستحب للمستأذن أن يزيل هذا الإبهام ليحصل التعريف، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). وقال: وعليه يحمل حديث أم فلان، ومثله لأبي قتادة وأبي هريرة، والأحسن في هذ ا أن يقول أنا فلان المعروف بكذا والله أعلم.
(شرح مسلم حديث رقم 2155)

((حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ.
(الشاهد قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ (6) ينبغي للمستأذن أن لا يدق الباب بعنف:

لما في ذلك من سوء الأدب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد) أنه قال: (إن أبواب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت تقرع بالأظافير).
(قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب، وهو حسن لمن قرب محله من بابه، أما من بعد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه (1). (أورد ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية عن الميموني قال: إن أبا عبد الله دقَّت عليه امرأة دقاً فيه بعض العنف فخرج وهو يقول: ذا دقُّ الشُرطِ! (2). (7) إذا قال رب البيت للمستأذن ارجع، فليرجع: (1). فتح الباري (11/ 38) حديث رقم 6250. (2). الآداب الشرعية (1/ 73).

لقوله تعالى: (وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىَ لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [النور: 28].
قال قتادة: قال بعض المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض أخوتي فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط! (1). (8) لا يدخل المستأذن الدار إن لم يكن بها أحد:

لأن ذلك تعدي على حقوق الآخرين.
قال ابن كثير: وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه فإن شاء أذن وإن شاء لم يأذن (2). (9) أن من دعي أو أُرسل إليه رسول، فإنه لا يحتاج إلى الاستئذان:

وذلك أن توجيه الدعوة وإرسال الرسول يتضمن الأذن، فاستغني بالدعوة والرسول عن الاستئذان.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ.
(واستثنى بعض أهل العلم ما إذا تأخر المدعو عن وقت الدعوة، أو كان في مكان يُحتاج معه في العادة إلى الأذن؛ فإنه يستأذن (3). (10) الاستئذان عند إرادة القيام والانصراف من المجلس: وهذا أدبٌ نبوي رفيع، يوجه الزائر إلى سلوك الأدب في الانصراف، فكما أن دخولك كان بإذن فليكن انصرافك بإذن أيضاً.
ولعل العلة في ذلك هو خشية وقوع البصر على شيء لا يحل النظر إليه، أو غير مرغوب في رؤيته.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده، فلا يقومن حتى يستأذنه.
(وفي الحديث تنبيه على أدب رفيع وهو أن الزائر لا ينبغي أن يقوم إلا بعد أن يستأذن المزور، وقد أخل بهذا التوجيه النبوي الكريم كثير من الناس في بعض البلاد العربية، فتجدهم يخرجون من المجلس دون استئذان، وليس هذا فقط بل وبدون سلام أيضاً، وهذه مخالفة لأدب إسلامي آخر، قاله الألباني (4)(1). تفسير ابن كثير (3/ 281) سورة النور آية 29.
(2). تفسير ابن كثير (3/ 281) (3). انظر شرح سنن أبي داود للحديث رقم (5189،5190)، وشرح الأدب المفرد للحديث رقم (1074) (4). السلسلة الصحيحة (1/ 306)

(11) الاستئذان على الأم والأخت ومن في حكمهما:

وذلك لكي لا يقع البصر على عورة، أو هيئة تكره النساء أن يراهن أحد وهن على تلك الحالة.
((حديث علقمة الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: جاء رجل إلى عبد الله قال: أأستأذن على أمي؟ فقال: (ما على كل أحيانها تحب أن تراها.
((حديث مسلم بن نذير الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: سأل رجل حذيفة فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: (إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره.
((حديث عطاء الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: سألت ابن عباس فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أُختان في حجري، وأنا أُموِّنهما، وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: (نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟!).
(12) استحباب تنبيه الزوجة عند الدخول:

كي لا يرى الزوج ما يبغضه في زوجه، أو تكون الزوجة على حال لا تود أن يراها زوجها وهي على تلك الحال.
(أورد الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره عن زينب امرأة ابن مسعود-رضي الله عنها- قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه (1). (أورد ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية عن أحمد قال: إذا دخل على أهله يتنحنح.
وقال منها: سألت أحمد عن الرجل يدخل منزله، ينبغي له أن يستأذن؟ قال: يحرك نعله إذا دخل (2). (13) الطوافون مما ملكت الأيمان والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؛ يستأذنون في ثلاثة أوقات: (الأولى: قبل صلاة الفجر.
(الثانية: وقت القيلولة.
(الثالثة: بعد صلاة العشاء.
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّىَ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ) [النور: 27] وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ) [النور: 58] وقال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا اسْتَأْذَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [النور: 59] (1).ذكره ابن كثير في تفسيره (3/ 280) وقال: إسناده صحيح.
(2). الآداب الشرعية (1/ 424،425)

وما عداها فلا جناح عليهما.
قال ابن كثير: أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم ولا عليهم إن رأوا شيئاً في غير تلك الأحوال لأنه قد أذن لهم في الهجوم ولأنهم طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك... [ثم ساق أثر ابن عباسٍ]: عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في ثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله.
ثم جاء الله بعد بالستور فبسط الله عليهم الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به (1).

(... آداب لقاء الإخوان:

(آداب لقاء الإخوان:

(للقاء الإخوان آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب لقاء الإخوان جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب لقاء الإخوان جملةً:

(1) استحباب المصافحة: (2) استحباب عدم نزع اليد عند المصافحة حتى يكون الآخر هو البادئ بذلك: (3) القيام تحية للقادم: (4) هل يقبل الرجلُ الرجلَ عند لقائه؟: (5) تحريم الانحناء أو السجود عند التحية: (ثانيا آداب لقاء الإخوان تفصيلا:

(1) استحباب المصافحة:

تكون سبباً في غفران الذنوب، والمصافحةُ رغب فيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعمل بها صحابته-رضوان الله عليهم-، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة ((حديث البراء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا.
(1). تفسير ابن كثير (3/ 303) سورة النور آية (85). وقال بعد أثر ابن عباس: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس.
وفي رواية أبي داود رقم (5192) بلفظ: أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى في هذه الآية... الحديث.
قال الألباني: حسن الإسناد- موقوف).
وساقه ابن عبد البر أيضاً بسنده إلى ابن عباس نفس سياق أبي داود.
(التمهيد 16/ 233)

((حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا لقي المسلم أخاه المسلم، فأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما من بين أصابعهما كما يتناثر ورق الشجر بالشتاء.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال لا قلنا أيعانق بعضنا بعضا قال لا ولكن تصافحوا.
((حديث أنس أبن مالك رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا.
((حديث قَتَادَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ.
((حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: لَمَّا جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَاءَكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ.
((حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد موقوفا) قال: (من تمام التحية أن تصافح أخاك).
(والمصافحة سنة عند التلاقي، وهو توكيد للسلام.
جاء في الأدب المفرد: واعلم أن التصافح عند الملاقاة للتأنيس وتوكيد التسليم القولي، فإن التسليم إيذان بالأمن قولاً والتصافح نحو بيعة وتلقين على ذلك وتوكيد لما تلفظاه بالتسليم ليكون كل من المتلاقيين على أمن من صاحبه (1). وبعد ذكر الآثار الدالة على جواز المصافحة، والمرغبة فيها، فلا نظنُ بمسلمٍ يبخل على نفسه بخيرٍ، أو يرغب عن سنة!.
مسألة: اعتاد بعض الناس أن يسلموا على من بجانبهم أدبار الصلوات المكتوبات، فهل ذلك الفعل مشروع؟ الجواب: السلام أدبار الصلوات المكتوبات، ليس بمشروع، ولم يعهد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن الخلفاء الراشدين، ولا عن صحابته الكرام، والعمل بها إحداث في الدين لم يأذن به الله.
(1). نقله شارح الأدب المفرد من فيض الباري (4/ 412). انظر شرح الأدب (2/ 432) ط. المكتبة السلفية.

قال فضل الله الجيلاني: قال ابن عابدين: إن المواظبة عليها بعد الصلوات الخمس خاصة قد تؤدي بالجهلة إلى اعتقاد سنيتها في خصوص هذا المواضع، وأن لها خصوصية زائدة على غيرها، مع أن ظاهر كلامه أنه لم يفعلها أحد من السلف في هذه المواضع.
وفي الملتقط: تكره المصافحة بعد أداء الصلاة بكل حال، لأن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يفعلوا ذلك، ولأنها من سنن الروافض.
وعن الشافعية أنها بدعة: لا أصل لها في الشرع، وأنه ينهى فاعلها أولاً ويعزر ثانياً.
وفي المدخل: أنها من البدع، وموضع المصافحة في الشرع هو إنما عند لقاء المسلم لأخيه، لا في أدبار الصلوات، فحيث يضعها الشرع يضعها.
فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى به خلاف السنة (1). ﴿فائدة﴾: (عند البخاري في الأدب المفرد عن سلمة بن وردان قال: (رأيت أنس ابن مالك-رضي الله عنه- يسلم على الناس، فسألني من أنت؟ فقلت: مولى لبني ليث، فمسح على رأسي ثلاثاً وقال: (بارك الله فيه) (2). فعلى هذا يستحب السلام على الصبيان لما فيه من الرحمة بهم، والحنو عليهم، وتعويدهم على الخير.
وفي مسح أنس -رضي الله عنه- على رأس الغلام دليل على شفقته ورحمته بالصبيان.
(تحريم مصافحة المرأة الأجنبية: ((حديث معقل ابن يسار في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأن يُطعنَ في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خيرٌ له من أن يمس امرأة لا تحل له.
((حديث أميمة بنت رقيقة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إني لا أصافح النساء.
(قال ابن عبد البر: في قوله: (أني لا أصافح النساء)، دليل على أنه لا يجوز لرجل أن يباشر امرأة لا تحل له، ولا يمسها بيده، ولا يصافحها (3)(1). شرح الأدب المفرد (2/ 430 - 431) (2). حديث رقم (966). وبوب عليه البخاري باب: مصافحة الصبيان.
وقال الألباني: حسن الإسناد.
(3). التمهيد (12/ 243)

﴿فائدة﴾: (يعتقد بعض الناس أنه يجوز مصافحة المرأة الأجنبية من وراء حائل ونحوه، وهذا اعتقاد خاطئ، فلا يجوز مصافحة النساء الأجنبيات مطلقاً.
نعم، هناك آثار وردت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يبايع النساء من فوق ثوبه، ولكنها مراسيل لا تقوى على دفع الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تمنع من مصافحة الاجنبيات.
قال الألباني: وقد روي في ذلك بعض الروايات الأخرى ولكنها مراسيل كلها ذكرها الحافظ في الفتح (8/ 488)، فلا يحتج بشيء منها لا سيما وقد خالفت ما هو أصح منها... (1). (2) استحباب عدم نزع اليد عند المصافحة حتى يكون الآخر هو البادئ بذلك:

لما رواه أنس بن مالك-رضي الله عنه- أنه قال: (كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجلُ الذي ينزع... الحديث) (2). وفي الحديث استحباب المصافحة وإطالة المعاقدة بحيث لا يكون فيه مشقة.
مسألة: لو تصافح اثنان وأطالا المعاقدة فمن ينزع أولاً؟ (قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية: قال الشيخ تقي الدين: الضابط أن من غلب على ظنه أن الآخر سينزع أمسك، وإلا فلو استحب الإمساك لكل منهما أفضى إلى دوام المعاقدة، لكن تقييد عبد القادر حسن (3) أن النازع هو المبتدئ (4). (3) القيام تحية للقادم:

القيام على ثلاثة أنحاء: الأول: قيام على رأس الرجل وهو فعل الجبابرة، والثاني: قيام إليه عند قدومه ولا بأس به، والثالث: قيام عند رؤيته وهو المتنازع فيه، قاله ابن القيم (5). فدليل الأول: الحديث الآتي: (1). السلسلة الصحيحة (2/ 53) (2). رواه الترمذي (2490)، وابن ماجه (3716). وصحح الألباني الحديث بمجموع طرقه.
قال: والحديث صحيح بهذه الطرق، ولاسيما وله شواهد.
ثم ساقها.
(السلسلة الصحيحة (2485) (5/ 635). (3). يشير ابن تيمية إلى قول عبد القادر الجيلاني (ويكره... نزع يده من يد من صافحه قبل نزعه هو) ذكره ابن مفلح في آدابه (2/ 251) (4). الآداب لابن مفلح (2/ 251) (5). حاشية السنن (... ) بتصرف.

((حديث جَابِرٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ فَلَا تَفْعَلُوا ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا.
(وهذا القيام منهي عنه بلا ريب والحديث صريح في منع قيام الناس على أكابرها وعظمائها، وهو فعل الجبابرة.
إلا إذا دعت الحاجة لذلك، كأن يخاف على الرجل أن يعتدى عليه فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة العدو، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- واقفاً على رأس الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيده السيف تعظيماً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة، قاله ابن عثيمين (1). ودليل الثاني: ما رواه مالك في موطأه في قصة إسلام عكرمة ابن أبي جهل -وفيه-: (... فأسلم وقدم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الفتح، فلما رآه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وثب إليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه... الحديث) (2). وسبق ذكر قصة توبة كعب وفيه قيام طلحة له مهنئاً.
قال: (دخلت المسجد فإذا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني) (3) ودليل الثالث-المتنازع فيه وهو القيام عند الرؤية -: ((حديث معاوية الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار.
(1).شرح رياض الصالحين (1/ 260). دار الوطن.
ط الأولى 1415هـ (2). التمهيد (12/ 52) (3). علقه البخاري في كتاب الاستئذان.
باب المصافحة، وهو موصولٌ عنده من قصة كعب في المغازي (4418)

وهذا الحديث انقسم أهل العلم في فهمه إلى ثلاثة فرق، الأولى: ذهبت إلى أن هذا الحديث دليل على كراهة القيام على العظماء كما يُفعل عند عظماء فارس والروم، والحقوا هذا الحديث بحديث مسلم في كراهة القيام على رأس الجالس كما تفعله الأعاجم بعظمائها.
والفرقة الثانية: استدلت به على كراهة القيام للقادم، وذهبت إلى أن النص صريحٌ في ذلك، فمعاوية -رضي الله عنه- أورد هذا الحديث عندما قام ابن عامر لرؤيته، فإيراده لهذا الحديث عند هذا الحدث قرينةٌ قوية تبين المراد من الحديث.
ثم إن عدم إنكار ابن الزبير على معاوية-رضي الله عنهما- دليل على استقرار ذلك عنده أيضاً.
وردت هذه الفرقة على من حمل حديث معاوية، بأنه قيام على رأس الجالس، بأوجه منها: [الوجه الأول:] إن العرب لم يكونوا يعرفون هذا-أي القيام على رأس الجالس-، وإنما هو من فعل فارس والروم.
[الوجه الثاني:] ولأن هذا لا يقال له: قيام للرجل، إنما هو قيام عليه.
ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه: المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة عند العرب، قاله ابن القيم (1). والفرقة الثالثة: فصَّلت في ذلك فقالت: إن كان القيام على وجه التعظيم فمكروه، وإن كان على وجه الإكرام فلا يكره، قاله الغزالي، وحسن قوله ابن حجر (2). وجماع هذا الأمر أوجزه ابن تيمية -رحمه الله- فقال: لم تكن عادة السلف على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفائه الراشدين: أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك (3).ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له، كما روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قام لعكرمة، وقال للإنصار لما قدم سعد بن معاذ، (قوموا إلى سيدكم) (4). وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه.
(1). شرح ابن قيم على سنن أبي داود (عون المعبود 14/ 95) ط. دار الكتب العلمية.
(2). فتح الباري (11/ 56) (3). أخرجه البخاري في الأدب المفرد (946)، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
وقال الألباني: صحيح.
(4). رواه البخاري (6262)

والذي ينبغي للناس: أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى، وهدي خير القرون إلى ما هو دونه.
وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.
وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن.
وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا اعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة: فليس في ترك ذلك إيذاء له (1). (وقال ابن حجر رحمه الله في الفتح: وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام (2). (4) هل يقبل الرجلُ الرجلَ عند لقائه؟:

لم تكن عادة السلف من الصحب ومن بعدهم، أن يقبلوا بعضهم بعضاً عند اللقاء كما هو الحال اليوم، والآثار التي فيها ذكر التقبيل عند اللقاء لا تقوى على رد الحديث الصريح الذي ينهى عن التقبيل عند اللقاء، ورد الألباني على هذه الأحاديث من وجهين مفادهما: أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها ((حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ قَالَ نَعَمْ.
(والحديث صريح في النهي عن الإنحناء والتقبيل عند اللقاء المعتاد.
ولكن لا يمنع من المعانقة عند لقاء المسافر والغائب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث جابر رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: لما قدم جعفر من الحبشة عانقه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿فائدة﴾: (قبلة الوالد لولده من تمام العطف والمحبة، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبل أولاده، وقبل الحسن والحسين، وقبل أبو بكر ابنته عائشة، وهذه أخبار مشهورة، استغنينا بشهرتها عن تخريجها وردها إلى مصادرها.
﴿فائدة2﴾: (تقبيل اليد، أجازها بعض العلماء على طريق التدين.
(1). مجموع الفتاوي (1/ 374 - 375) (2). فتح الباري (11/ 56)

(أورد ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية عن المروذي قال: سألتُ أبا عبد الله عن قبلة اليد فقال: إن كان على طريق التدين، فلا بأس؛ قد قَبَّلَ أبو عبيدة يدَ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلا رجلاً يخاف سيفه وسوطه... وقال عبد الله بن أحمد: رأيتُ كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبَّلونه -يعني أباه-: بعضهم يده وبعضهم رأسه (1). وكره آخرون تقبيل اليد وسموها السجدة الصغرى.
قال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى، وأما ابتداءُ الإنسان بمدِّ يده للناس ليقبلوها وقصده لذلك، فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائناً من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل هو المبتدئ بذلك (2). (5) تحريم الانحناء أو السجود عند التحية:

وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال: لا، قلنا أيعانق بعضنا بعضا قال لا ولكن تصافحوا.
(والحديث صريح في النهي، ولا صارف له، وهو يقتضي التحريم.
فلا يجوز الانحناء لمخلوق أبداً لأن ذلك لا يكون إلا للخالق جل وعلا، والسجود من باب أولى.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما الانحناء عند التحية: فينهى عنه، كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا) ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل (3)(1). الآداب لابن مفلح (2/ 247) (2). الآداب (2/ 248) (3).مجموع الفتاوى (1/ 377)

وأما السجود فلا يرتاب عاقل في صرفه لله-سبحانه وتعالى- دون غيره، وفيه من العبودية ما ليس في الانحناء، فإنه ليس من هيئة يجتمع فيها معاني الذل والخضوع والاستكانة والعبودية كما في السجود؛ ولذا جاء في حديث ابن عباس عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم) (1). وقوله: (قمنٌ) أي حقيق وجدير أن يستجاب هذا الدعاء.
ولما كان السجود فيه من التعظيم ما فيه كان فعله لغيره حراماً.
والدليل على ذلك أنه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (ما هذا يا معاذ؟) قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك.
فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فلا تفعلوا فإني لوكنتُ آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه) (2). فائدة في السجود: يضع المسلم وجهه وهو أكرم الأعضاء وأشرفها عنده على الأرض التي هي مواطئ الأقدام، إجلالاً لله وتعظيماً لله وعبودية لله، ويجد المؤمن في قلبه من اللذة عند التضرع إلى الله حال السجود ما لا يجده في موضع آخر.
فسبحان من سجد له المصلون في الأرض ونزهوه عن السفول بقولهم: (سبحان ربي الأعلى).

(... آداب زيارة الإخوان:

(آداب زيارة الإخوان:

(لزيارة الإخوان آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب زيارة الإخوان جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب زيارة الإخوان جملةً: (1) أن تكون الزيارة في غير الأوقات الثلاثة التي في آية الاستئذان: (2) لا يؤم الزائر صاحب البيت ولا يجلس على فراشه إلا بإذنه: (3) إغباب الزيارة: (ثانيا آداب زيارة الإخوان تفصيلا:

(1) أن تكون الزيارة في غير الأوقات الثلاثة التي في آية الاستئذان: (1). رواه مسلم (479)، وأحمد (1903)، والنسائي (1045)، وأبو داود (876)، وابن ماجه (3899)،والدارمي (1325) (2). رواه أحمد (18913)، وابن ماجه (1853) واللفظ له، وقال الألباني حسن صحيح برقم (1515)

قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ مّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مّنَ الظّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ) [النور: 58] أرشد الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يمنعوا خدمهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، من الدخول عليهم في أوقات العورات الثلاثة، وهي: من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ومن بعد صلاة العشاء.
والعلة في ذلك أن هذه الأوقات مظنة النوم، والإخلاد إلى الراحة، والإفضاء إلى الأهل، فلذلك حصل المنع من الدخول في هذه الأوقات إلا بإذن.
والزيارة في أحد هذه الأوقات الثلاثة لا شك أنها تعكر على أهل البيت صفوهم، وتقلق راحتهم، وتسبب لهم الحرج لأن الناس في الغالب لا يكونون مستعدين لاستقبال أحد في هذه الأوقات.
ويخرج من ذلك ما لو كان الإنسان مدعواً لوليمة طعام الغداء أو العشاء فهذا ليس من هذا.
ولعلنا نستأنس في هذا بحديث وأثر.
((حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الثابت في صحيح البخاري) قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ.
الشاهد: هو قدوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وقتٍ ليس بوقت زيارة، وهو وقت القيلولة، وتعجب أبو بكر من قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الساعة دلالة على أن هذا الوقت ليس بوقت زيارة عندهم.
(وأما الأثر ما رواه ابن عباس عن نفسه وفيه: (قال: فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائلٌ فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح على وجهي التراب... ) (1). الشاهد: أن ابن عباس مع حرصه على طلب العلم، واغتنام الأوقات، إلا أنه آثر أن ينتظر حتى يخرج إليه من يريد، لأن مجيئه كان في وقت القيلولة وهو وقت راحة القوم.
(1). الدارمي (570)

جارٍ التحميل