كتاب الزهد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
وهكذا فقد تميز فقهه أنه في العبادات لا يخرج عن الأثر قيد شعرة، فليس من المعقول عنده أن يعبد أحد ربه بالقياس أو بالرأي و كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، ويقول في الحج: " خذوا عني مناسككم ". كان الإمام أحمد شديد الورع فيما يتعلق بالعبادات التي يعتبرها حق لله على عباده وهذا الحق لا يجوز مطلقاً أن يتساهل أو يتهاون فيه.
أما في المعاملات فيتميز فقهه بالسهولة والمرونة و الصلاح لكل بيئة وعصر، فقد تمسَّك أحمد بنصوص الشرع التي غلب عليها التيسير لا التعسير.
مثال ذلك: " الأصل في العقود عنده الإباحة ما لم يعارضها نص "، بينما عند بعض الأئمة الأصل في العقود الحظر ما لم يرد على إباحتها نص.
وكان شديد الورع في الفتاوى وكان ينهى تلامذته أن يكتبوا عنه الأحاديث فإذا رأى أحداً يكتب عنه الفتاوى، نهاه وقال له: " لعلي أطلع فيما بعد على ما لم أطلع عليه من المعلوم فأغير فتواي فأين أجدك لأخبرك؟.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن علي بن المديني وأحمد بن حنبل أيهما أحفظ؟ فقال كانا في الحفظ متقاربين وكان أحمد أفقة إذا رأيت من يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي زرعة قال: أحمد بن حنبل أكبر من إسحاق وأفقة ما رأيت أحدا أكمل من أحمد.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن وارة قال: كان أحمد صاحب فقه صاحب حفظ صاحب معرفة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن النسائي قال: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصبر.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن محمد جزرة قال أفقه من أدركت في الحديث أحمد بن حنبل.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي عبيد القاسم ابن سلام قال: انتهى العلم إلى أربعة أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه وإلى ابن أبي شيبة وهو أحفظهم له وإلى علي بن المديني وهو أعلمهم به وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن ابراهيم البوشنجي وذكر أحمد بن حنبل فقال هو عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري وذلك أن سفيان لم يمتحن بمثل ما امتحن به أحمد ولا عِلْم سفيان ومن يقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل لأنه كان أجمع لها وأبصر بأغاليطهم وصدوقهم وكذوبهم قال ولقد بلغني عن بشر بن الحارث انه قال قام أحمد مقام الانبياء وأحمد عندنا امتحن بالسراء والضراء فكان فيهما معتصماً بالله.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي زرعة وقيل له اختيار أحمد وإسحاق أحب إليك أم قول الشافعي قال بل اختيار أحمد وإسحاق ما اعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد بن حنبل وما رأيت أحدا أجمع منه في فضله وتألهه وشمائله.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم الحربي قال: سئل أحمد عن المسلم يقول للنصراني أكرمك الله قال نعم ينوي بها الإسلام، وقيل سئل أحمد عن رجل نذر ان يطوف على اربع فقال يطوف طوافين ولا يطف على اربع.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قال ابن عقيل من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجُهَّال أنهم يقولون أحمد ليس بفقيه لكنه محدث قال وهذا غاية الجهل لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم وربما زاد على كبارهم.
قال الذهبي تعليقاً على هذا: قلت احسبهم يظنونه كان محدثا وبس بل يتخيلونه من بابه محدثي زماننا ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث ومالك والشافعي وأبي يوسف وفي الزهد والورع رتبة الفضل وابراهيم بن ادهم وفي الحفظ رتبة شعبة ويحيى القطان وابن المديني ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه فكيف يعرف رتبة غيره.
(6) عمل أحمد بن حنبل بالعلم:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: قال لي أحمد ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا فأعطيت الحجام دينارا حين احتجمت.
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن هاني: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام ثم قال: اطلب لي موضعاً حتى أتحول إليه.
قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله، قال: إذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعاً فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغار ثلاثة أيام، ثم تحول، وليس ينبغي أن نتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرخاء ونتركه في الشدة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن وقال صالح كان أبي إذا دعا له رجل قال ليس يحرز الرجل المؤمن إلا حفرته الأعمال بخواتيمها وقال أبي في مرضه أخرج كتاب عبد الله بن إدريس فقال اقرأ علي حديث ليث أن طاووسا كان يكره الأنين في المرض فما سمعت لأبي حتى مات وسمعه ابنه عبد الله يقول تمنيت الموت وهذا أمر أشد علي من ذلك ذاك فتنة الضرب والحبس كنت أحمله وهذه فتنة الدنيا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن أحمد قال مضيت مع أبي يوم جمعة إلى الجامع فوافقنا الناس قد انصرفوا فدخل إلى المسجد وكان معنا إبراهيم بن هانئ فتقدم أبي فصلى بنا الظهر أربعا وقال قد فعله ابن مسعود بعلقمة والأسود وكان أبي إذا دخل مقبرة خلع نعليه وأمسكهما بيده.
(7) حرص أحمد بن حنبل على نشر العلم:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن الجوزي قال: كان الإمام لا يرى وضع الكتب وينهي عن كتبة كلامه ومسائله ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة وصنف المسند وهو ثلاثون ألف حديث وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما، والتفسير وهو مئة وعشرون ألفا والناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدم والمؤخر في القرآن وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير وأشياء أخر.
قال الذهبي تعليقاً على هذا: قلت وكتاب الأيمان وكتاب الأشربة ورأيت له ورقة من كتاب الفرائض فتفسيره المذكور شيء لا وجود له ولو وجد لاجتهد الفضلاء في تحصيله ولاشتهر ثم لو ألف تفسيرا لما كان يكون أزيد من عشرة آلاف اثر ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات فهذا تفسير ابن جرير الذي جمع فيه فأوعى لا يبلغ عشرين ألفا وما ذكر تفسير أحمد أحد سوى أبي الحسين بن المنادي فقال في تاريخه لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد لأنه سمع منه المسند وهو ثلاثون ألفا والتفسير وهو مئة وعشرون ألفا سمع ثلثيه والباقي وجادة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند ما سمعه غيرنا وقال هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفا فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فارجعوا اليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة.
قال الذهبي تعليقاً على هذا: قلت في الصحيحين احاديث قليلة ليست في المسند لكن قد يقال لا ترد على قوله فان المسلمين ما اختلفوا فيها ثم ما يلزم من هذا القول ان ما وجد فيه ان يكون حجة ففيه جملة من الاحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها ولا يجب الاحتجاج بها وفيه احاديث معدودة شبه موضوعة ولكنها قطرة في بحر وفي غضون المسند زيادات جمة لعبد الله بن أحمد.
مصنفات أحمد بن حنبل رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن الجوزي قال: وله ـ يعني أبا عبد الله ـ من المصنفات كتاب نفي التشبيه مجلدة وكتاب الامامة مجلدة صغيرة وكتاب الرد على الزنادقة ثلاثة اجزاء وكتاب الزهد مجلدة كبير وكتاب الرسالة في الصلاة قلت هو موضوع على الإمام قال وكتاب فضائل الصحابة مجلدة قلت فيه زيادات لعبد الله ابنه ولأبي بكر القطيعي صاحبه وقد دون عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدة مجلدات كالمروذي والأثرم وحرب وابن هانئ والكوسج وأبي طالب وفوران وبدر المغازلي وأبي يحيى الناقد ويوسف بن موسى الحربي وعبدوس العطار ومحمد بن موسى بن مشيش ويعقوب بن بختان ومهني الشامي وصالح بن أحمد وأخيه وابن عمهما حنبل وأبي الحارث أحمد بن محمد الصائغ والفضل بن زياد وأبي الحسن الميموني والحسن بن ثواب وأبي السجستاني وهارون الحمال والقاضي أحمد بن محمد البرتي وأيوب بن إسحاق بن سافري وهارون المستملي وبشر بن موسى وأحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد ويعقوب بن العباس الهاشمي وحبيش بن سندي وأبي الصقر يحيى بن يزداد الوراق وأبي جعفر محمد بن يحيى الكحال ومحمد بن حبيب البزاز ومحمد بن موسى النهرتيري ومحمد بن أحمد بن واصل المقريء وأحمد بن اصرم المزني وعبدوس الحربي قديم عنده عن أحمد نحو من عشرة الاف مسالة لم يحدث بها وإبراهيم الحربي وأبي جعفر محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا وجعفر بن محمد بن الهذيل الكوفي وكان يشبهونه في الجلالة بمحمد بن عبد الله بن نمير وأبي شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله مطين وجعفر بن أحمد الواسطي والحسن بن علي الإسكافي والحسن بن علي بن بحر بن بري القطان والحسين بن إسحاق التستري والحسن بن محمد بن الحارث السجستاني قال الخلال يقرب من أبي داود في المعرفة وبصر الحديث والتفقه وإسماعيل بن عمر السجزي الحافظ وأحمد بن الفرات الرازي الحافظ وخلق سوى هؤلاء سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله نقلوا المسائل الكثيرة والقليلة وجمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع حتى حصل عنده من ذلك مالا يوصف كثرة ورحل إلى النواحي في تحصيله وكتب عن نحو من مئه نفس من أصحاب الإمام ثم كتب كثيرا من ذلك عن أصحاب أصحابه وبعضه عن رجل عن آخر عن الإمام أحمد ثم أخذ في ترتيب ذلك وتهذيبه وتبويبه وعمل كتاب العلم وكتاب العلل وكتاب السنة كل واحد من الثلاثة في
ثلاث مجلدات ويروي في غضون ذلك من الأحاديث العالية عنده عن أقران أحمد من أصحاب ابن عيينة ووكيع وبقية ما يشهد له بالامامة والتقدم وألف كتاب الجامع في بضعة عشر مجلدة أو أكثر وقد قال في كتاب أخلاق أحمد بن حنبل لم يكن أحد علمت عنى بمسائل أبي عبد الله قط ما عنيت بها أنا وكذلك كان أبو بكر المروذي رحمه الله يقول لي أنه لم يعن أحد بمسائل أبي عبد الله ما عنيت بها أنت إلا رجل بمهدان يقال له متويه واسمه محمد بن أبي عبد الله جمع سبعين جزءا كبارا ومولد الخلال كان في حياة الإمام أحمد يمكن أن يكون رآه وهو صبي.
(8) توقير أحمد بن حنبل لأصحاب الحديث:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن هارون قال: سئل أحمد أين نطلب البدلاء فسكت ثم قال إن لم يكن من أصحاب الحديث فلا أدري.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن إسماعيل الترمذي قال: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أحمد بن حنبل فقال له أحمد يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكه أصحاب الحديث فقال أصحاب الحديث قوم سوء فقام أبو عبد الله ينفض ثوبه ويقول زنديق زنديق ودخل البيت.
(9) منابذة أحمد بن حنبل لأهل الأهواء:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن شهاب الاسفراييني قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عمن نكتب في طريقنا فقال عليكم بهناد وبسفيان بن وكيع وبمكة ابن أبي عمر وإياكم أن تكتبوا يعني عن أحد من أصحاب الأهواء قليلا ولا كثيرا عليكم بأصحاب الآثار والسنن.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن البغوي قال: سمعت أحمد يقول من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح قال: سمعت أبي يقول الجهمية ثلاث فرق فرقة قلت القرآن مخلوق وفرقة قالوا كلام الله وسكتوا وفرقة قالوا لفظنا به مخلوق ثم قال أبي لا يصلي خلف واقفي ولا لفظي.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن زنجويه قال: سمعت أحمد يقول اللفظية شر من الجهمية.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: أخبرت أبا عبد الله أن أبا شعيب السوسي الرقي فَرَّقَ بين ابنته وزوجها لما وقف في القرآن فقال أحسن، عافاه الله وجعل يدعو له.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: ولما أظهر يعقوب بن شيبة الوقف حذر عنه أبو عبد الله وأمر بهجرانه، لأبي عبد الله في مسألة اللفظ نقول: فأول من أظهر مسألة اللفظ حسين بن علي الكرابيسي وكان من أوعية العلم ووضع كتابا في المدلسين يحط على جماعة فيه أن ابن الزبير من الخوارج وفيه أحاديث يقوي به الرافضة فأعلم أحمد فحذر منه فبلغ الكرابيسي فتنمر وقال لأقولن مقالة حتى يقول ابن حنبل بخلافها فيكفر فقال لفظي بالقرآن مخلوق فقال المروذي في كتاب القصص فذكرت ذلك لأبي عبد الله أن الكرابيسي قال لفظي بالقرآن مخلوق وأنه قال أقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات الا أن لفظي به مخلوق ومن لم يقل لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر فقال أبو عبد الله: بل هو الكافر قاتله الله وأي شيء قالت الجمهية إلا هذا وما ينفعه وقد نقض كلامه الأخير كلامه الأول ثم قال إيش خبر أبي ثور أوافقه على هذا قلت قد هجره قال أحسن لن يفلح أصحاب الكلام.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد قال: سئل أبي وانا اسمع عن اللفظية والواقفة فقال من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد الدورقي قال: قلت لأحمد بن حنبل ما تقول في هؤلاء الذين يقولون لفظي بالقرآن مخلوق؟ فرأيته استوى واجتمع وقال هذا شر من قول الجهمية من زعم هذا فقد زعم أن جبريل تكلم بمخلوق وجاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمخلوق.
قال الذهبي تعليقاً على هذا: فقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث خوفا من أن يتذرع به إلى القول بخلق القرآن والكف عن هذا أولى آمنا بالله تعالى وبملائكته وبكتبه ورسله وأقداره والبعث والعرض على الله يوم الدين ولو بسط هذا السطر وحرر فيها بأدلته لجاء في خمس مجلدات بل ذلك موجود مشروح لمن رامه والقرن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ والقراءة غير الشيء المقروء والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة ولم يحدث كلمات القرآن ولا ترتيبه ولا تأليفه ولا معانيه فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم ولم يات به كتاب ولا سنة بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق والله أعلم.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن أحمد قال: سمعت أبي يقول من زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: سمعت أبا عبد الله يقول من تعاطى الكلام لا يفلح من تعاطي الكلام لم يخل من أن يتجهم.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي مزاحم الخاقاني قال: قال لي عمي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان أمر المتوكل بمسألة أحمد عمن يقلد القضاء فسألت عمي أن يخرج إلي جوابه فوجه إلي نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم نسخة الرقعة التي عرضتها على أحمد بن محمد بن حنبل بعد أن سألته فأجابني بما قد كتبته سألته عن أحمد بن رباح فقال فيه جهمي معروف وأنه إن قلد شيئا من أمور المسلمين كان فيه ضرر عليهم وسألته عن الخلنجي فقال فيه كذلك وسألته عن شعيب بن سهل فقال جهمي معروف بذلك وسألته عن عبيد الله بن أحمد فقال كذلك وسألته عن المعروف بأبي شعيب فقال كذلك وسألته عن محمد بن منصور قاضي الأهواز فقال كان مع ابن أبي دواد وفي ناحيته وأعماله إلا أنه كان من أمثلهم وسألته عن علي بن الجعد فقال كان معروفا بالتجهم ثم بلغني أنه رجع وسألته عن الفتح بن سهل فقال جهمي من أصحاب المريسي وسألته عن الثلجي فقال مبتدع صاحب هوى وسألته عن إبراهيم بن عتاب فقال لا أعرفه إلا أنه كان من أصحاب بشر المريسي، وفي الجملة إن أهل البدع والأهواء لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أمور المسلمين مع ما عليه رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه من التمسك بالسنة والمخالفة لأهل البدع.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول من أحب الكلام لم يفلح لأنه يؤول أمرهم إلى حيرة، عليكم بالسنة والحديث وإياكم والخوض في الجدال والمراء أدركنا الناس وما يعرفون هذا الكلام عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير.
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: وللإمام أحمد كلام كثير في التحذير من البدع وأهلها وأقوال في السنة ومن نظر في كتاب السنة لأبي بكر الخلال رأى فيه علما غزيرا ونقلا كثيرا وقد أوردت من ذلك جملة في ترجمة أبي عبد الله في تاريخ الإسلام وفي كتاب العزة للعلي العظيم فترني عن إعادته هنا عدم النية فنسأل الله الهدي وحسن القصد وإلى الامام أحمد المنتهى في معرفة السنة علما وعملا وفي معرفة الحديث وفنونه ومعرفة الفقه وفروعه وكان رأسا في الزهد والورع والعبادة والصدق.
(10) استعفاف أحمد بن حنبل وغنى نفسه رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إسحاق بن راهويه يقول: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقصت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الحمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئاً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرزاق يقول: قدم علينا أحمد بن حنبل ها هنا فقام سنتين إلا شيئاً فقلت له: يا أبا عبد الله خذ هذا الشيء فانتفع به فإن أرضنا ليس بأرض متجر ولا مكسب، وأرانا عبد الرزاق كفه ومدها فيها دنانير.
قال أحمد: أنا بخير ولم يقبل مني.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أحمد بن سليمان الواسطي يقول: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن وأكرى نفسه من ناس من الحمالين عند خروجه وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فله يقبلها منه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حج أبي خمس حجج ماشياً واثنتين راكباً وأنفق في بعض حجاته عشرين درهماً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن موسى بن حماد اليزيدي قال: حمل إلى الحسن ابن عبد العزيز الجروي ميراثه من مصر مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، في كل كيس ألف دينار فقال: يا أبا عبد الله هذه من ميراث حلال فخذها واستعن بها على عيلتك.
قال: لا حاجة لي بها أنا في كفاية فردها ولم يقبل منها شيئاً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حمدان بن سنان الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل ومعه جماعة، قال: فنفدت نفقاتهم فأخذوا.
قال وجاء أحمد بن حنبل بفروة فقال: قل لمن يبيع هذه ويجيئني بثمنها فأتسع به، قال: فأخذت صرة دراهم فمضيت بها إليه فردها، فقالت امرأتي: هذا رجل صالح لعله لم يرضها فأضعفها.
قال: فأضعفتها فلم يقبل فأخذ الفروة مني وخرج.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أحمد ابن محمد التستري يقول: ذكروا أنه مر عليه ـ يعني أحمد بن حنبل ـ ثلاثة أيام ما كان طعم فيها، فبعث إلى صديق له فاستقرض شيئاً من الحقيق فعرفوا في البيت شدة حاجته إلى الطعام، فخبزوا بالعجلة، فلما وضع بين يديه قال: كيف عملتم؟ خبزتم بسرعة هذا؟ فقيل له: كان التنور في دار صالح ـ ابنه ـ مسجراً وخبزنا بالعجلة.
فقال: ارفعوا ولم يأكل، فأمر بسد بابه إلى دار صالح.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علي بن الجهم بن بدر قال: كان لنا جار فأخرج إلينا كتاباً فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل.
فقلنا له: كيف كتب ذلك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة فقصدنا أحمد بن حنبل أياماً فلم نره، ثم جئنا إليه لنسأل عنه فقال لنا أهل الدار التي هو فيها.
هو في ذلك البيت، فجئنا إليه والباب مردود عليه، وإذا عليه خلقان.
فقلنا له: يا أبا عبد الله ما خبرك لم نرك منذ أيام؟ فقال: سرقت ثيابي.
فقلت: له معي دنانير، فإن شئت خذ قرضاً، وإن شئت صلة.
فأبى أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأخذه؟ قال: نعم، فأخرجت ديناراً فأبى أن يأخذه وقال: اشتر لي ثوباً واقطعه بنصفين، فأومئ أنه يأتزر بنصف ويرتدي بالنصف الآخر.
وقال: جئني ببقيته، ففعلت وجئت بورق وكاغد فكتب لي فهذا خطه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: دخلت علي أبي في أيام الواثق ـ والله يعلم في أي حالة نحن ـ وقد خرج لصلاة العصر، وقد كان له لبد يجلس عليها، قد أتت عليه سنون كثيرة، حتى قد بلي، فإذا تحته كتاب كاغد، وإذا فيه بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان لتقضي بها دينك وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي.
فقرأت الكتاب ووضعته فلما دخل قلت: يا أبت ما هذا الكتاب.
فاحمر وجهه وقال: رفعته منك، ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلي ونحن في عافية، فأما الدين فإنه لرجل لا يرهقنا وأما عيالنا فهم في نعمة والحمد لله.
فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فقال: ويحك لو أن أبا عبد الله قبل هذا الشيء ورمى به مثلا في الدجلة كان مأجوراً، لأن هذا رجل لا يعرف له معروف، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فرد عليه الجواب بمثل ما رد، فلما مضت سنة أو أقل أو أكثر ذكرناها فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الرمادي قال: سمعت عبد الرزاق وذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه فقال بلغني أن نفقته نفدت فأخذت بيده فأقمته خلف الباب وما معنا أحد فقلت له انه لا تجتمع عندنا الدنانير إذا بعنا الغلة اشغلناها في شيء وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها وأرجو أن لا تنفقها حتى يتهيأ شيء فقال لي يا أبا بكر لو قبلت من أحد شيئا قبلت منك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله قال: قلت لأبي بلغني أن عبد الرزاق عرض عليك دنانير قال نعم وأعطاني يزيد بن هارون خمس مئة درهم أظن فلم أقبل وأعطى يحيى بن معين وأبا مسلم فأخذا منه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن أحمد قال: شهدت ابن الجروي وقد جاء بعد المغرب فقال لأبي أنا رجل مشهور وقد أتيتك في هذا الوقت وعندي شيء قد اعتدته لك وهو ميراث فأحب أن تقبله فلم يزل به فلما أكثر عليه قام ودخل قال صالح فأخبرت عن ابن الجروي انه قال قلت له يا أبا عبد الله هي ثلاثة آلاف دينار فقام وتركني.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن سنان قال بلغني أن أحمد ابن حنبل رهن نعله عند خباز باليمن وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يقبلها وبعث ابن طاهر حين مات أحمد بأكفان وحنوط فأبى صالح أن وقال إن أبي قد اعد كفنه وحنوطه ورده فراجعه فقال إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله مما يكره وهذا مما يكره فلست أقبله.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح قال قلت لأبي إن أحمد الدورقي أعطى ألف دينار فقال يا بني (وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [طه: 131].
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ادريس الحداد قال كان أحمد ابن حنبل إذا ضاق به الأمر آجرنفسه من الحاكه فسوى لهم فلما كان أيام المحنة وَصُرِفَ إلى بيته حُمِلَ إليه مال فرده وهو محتاج إلى رغيف فجعل عمه إسحاق يحسب ما يرد فإذا هو نحو خمس مئه ألف قال فقال يا عم لو طلبناه لم يأتنا وإنما أتانا لما تركناه.
(11) اجتهاد أحمد بن حنبل في العبادة رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وكان قرب الثمانين.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد قال: كان أبي يقرأ في كل يوم سُبْعًاً يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال، سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي عشاء الآخرة ينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: رأيت أبا عبد الله يقوم لِوِرْدِهِ قريباً من نصف الليل حتى يقارب السحر ورأيته يركع فيما بين المغرب والعشاء.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عاصم بن عصام البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء بحاله فقال سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له وردٌ في بالليل.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم وكان يكثر الدعاء ويخفيه ويصلي بين العشاءين فإذا صلى عشاء الآخرة ركع ركعات صالحة ثم يوتر وينام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي وكانت قراءته لينة ربما لم أفهم بعضها وكان يصوم ويدمن ثم يفطر ما شاء الله ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن شماس قال كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيى الليل.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد خرج أبي إلى طرسوس ماشيا وحج حجتين أو ثلاثا ماشيا وكان أصبر الناس على الوحدة وبشر لم يكن يصبر على الوحدة كان يخرج إلى ذا وإلى ذا.
(12) ورع أحمد بن حنبل رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن محمد بن يعقوب يقول: جاءه يوماً رسول من داره ـ يعني أحمد بن حنبل ـ يذكر له أن أبا عبد الرحمن عليل واشتهى الزبد، فناول رجلا من أصحابه قطعة وقال: اشتر له بها زبداً، فجاء به على ورق سلق، فلما أن نظر إليه قال: من أين هذا الورق؟ قال: أخذته من عند البقال.
فقال: استأذنته في ذلك.
قال: لا قال: رده.
(13) تواضع أحمد بن حنبل رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معين يقول: ما رأيت مثل أحمد ابن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت أبي الوفاة لجلست عنده وبيدي الخرقة وهو في النزع لأشد لحييه، فكان يغرف حتى نظن أن قد قضي، ثم يفيق ويقول: لا بعد لا بعد بيده، ففعل ها مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبت إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ فقال لي: يا بني ما تدرس؟ فقلت: لا فقال: إبليس لعنه الله، قام بحذائي عاضاً علي أنامله يقول: يا أحمد فُتَّنِّي وأنا أقول: لا بعد.
حتى أموت.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن العباس بن محمد الدوري حدثني علي بن أبي حرارة ـ جار لنا ـ قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل فاسأله أن يدعو الله لي.
فسرت إليه فدققت عليه الباب وهو في دهليزه فلم يفتح لي وقال: من هذا؟ فقلت: أنا رجل من أهل ذاك الجانب سألتني أمي وهي زمنة مقعدة أن أسألك أن تدعو الله لها، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال: نحن أحوج إلى أن تدعو الله لنا.
فوليت منصرفاً فخرجت امرأة عجوز من داره فقالت: أنت الذي كلمت أبا عبد الله قلت: نعم قالت: قد تركته يدعو الله لها.
قال فجئت من فوري إلى البيت فدققت الباب فخرجت أمي على رجليها تمشي حتى فتحت الباب فقالت: قد وهب الله لي العافية.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: قلت لأبي عبد الله ما أكثر الداعي لك قال أخاف أن يكون هذا استدراجا بأي شيء هذا وقلت له قدم رجل من طرسوس فقال كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء ادعوا لأبي عبد الله وكنا نمد المنجنيق ونرمي عن أبي عبد الله ولقد رمي عنه بحجر والعلج على الحصن متترس بدرقه فذهب برأسه وبالدرقة قال فتغير وجه أبي عبد الله وقال ليته لا يكون استدراجا قلت كلا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: رأيت طبيبا نصرانيا خرج من عند أحمد ومعه راهب فقال إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله وأدخلت نصرانيا على أبي عبد الله فقال له إني لأشتهي أن أراك منذ سنين ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم بل للخلق جميعا وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك فقلت لأبي عبد الله إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار فقال يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى بن معين ما رأيت مثل أحمد صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الميموني قال: كثيرا ما كنت اسأل أبا عبد الله عن الشيء فيقول لبيك لبيك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد كان مائلا إليهم مقصرا عن أهل الدنيا وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول وكان كثير التواضع تعلوه السكينة والوقار وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن موسى قال رأيت أبا عبد الله وقد قال له خراساني الحمد لله الذي رأيتك قال اقعد أي شيء ذا من أنا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن رجل قال: رأيت أثر الغم في وجه أبي عبد الله وقد أثنى عليه شخص وقيل له جزاك الله عن الإسلام خيرا قال بل جزى الله الإسلام عني خيرا من أنا وما أنا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن عبد الصمد الطيالسي قال مسحت يدي على أحمد بن حنبل وهو ينظر فغضب وجعل ينفض يده ويقول عمن أخذتم هذا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن خطاب بن بشر قال: سألت أحمد بن حنبل عن شيء من الورع فتبين الاغتمام عليه ازدراء على نفسه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: سمعت أبا عبد الله ذكر أخلاق الورعين فقال اسأل الله أن لا يمقتنا أين نحن من هؤلاء.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: أَدْخَلْتُ إبراهيم الحصري على أبي عبد الله وكان رجلاً صالحاً فقال: إن أمي رأت لك مناما هو كذا وكذا وذكرت الجنة فقال: يا أخي إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا وخرج إلى سفك الدماء وقال الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن الحسن الترمذي قال رأيت أبا عبد الله يشتري الخبز من السوق ويحمله في الزنبيل ورأيته يشتري الباقلاء غير مرة ويجعله في خرقة فيحمله آخذا بيد عبد الله ابنه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: قلت لأبي عبد الله قال لي رجل من هنا إلى بلاد الترك يدعون لك فكيف تؤدي شكر ما أنعم الله عليك وما بث لك في الناس فقال أسأل الله أن لا يجعلنا مرائين.
(14) إيثار أحمد بن حنبل للوحدة عن فضول المخالطة:
كان أحمد بن حنبل يؤثر الوحدة، هروبا من الشهرة، وتحصيلا للمعرفة، وتجنبا للقيل والقال، فهو يرى الخلوة أروح لقلبه؛ تذكره بربه ودونك بعض الآثار الدالة على ذلك:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: كنت جالساً عند أبي رحمه الله يوماً فنظر إلى رجلي وهما لَيِّنَتَان ليس فيها شقاق، فقال لي: ما هذان الرجلان، لم لا تمشي حافياً حتى تصير رجلين خشنين قال عبد الله: وخرج إلى طرسوس ماشياً على قدميه، قال عبد الله: وكان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد خرج أبي إلى طرسوس ماشيا وحج حجتين أو ثلاثا ماشيا وكان أصبر الناس على الوحدة وبشر لم يكن يصبر على الوحدة كان يخرج إلى ذا وإلى ذا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي وذكر لأحمد أن رجلا يريد لقاءه فقال أليس قد كره بعضهم اللقاء يتزين لي وأتزين له لقد استرحت ما جاءني الفرج إلا منذ حلفت أن لا أُحَدِث وليتنا نترك الطريق ما كان عليه بشر بن الحارث فقلت له إن فلانا قال لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها قال زهد في الناس فقال ومن أنا حتى أزهد في الناس، الناس يريدون أن يزهدوا في، وسمعته يكره للرجل النوم بعد العصر يفاف على عقله وقال لا يفلح من تعاطي الكلام ولا يخلو من أن يتجهم وسئل عن القراءة بالألحان فقال هذه بدعة لا تسمع.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابراهيم الحربي قال: كان أحمد يجيب في العرس والختان ويأكل وذكر غيره أن أحمد ربما استعفى من الإجابة وكان إن رأى إناء فضة أو منكرا خرج وكان يحب الخمول والانزواء عن الناس ويعود المريض وكان يكره المشي في الأسواق ويؤثر الوحدة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن فتح بن نوح قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول اشتهي مالا يكون أشتهي مكانا لا يكون فيه أحد من الناس.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الميموني قال: قال أحمد رأيت الخلوة أروح لقلبي.
(15) إيثار أحمد بن حنبل للخمول وإنكار الذات:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبيد القاري قال دخل على أحمد عمه فقال يا ابن أخي إيش هذا الغم وإيش هذا الحزن فرفع رأسه وقال يا عم طوبي لمن أخمل الله ذكره.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال لي أحمد قل لعبد الوهاب أخمل ذكرك فإني أنا قد بليت بالشهرة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن الحسن بن هارون قال: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد.
قال الذهبي تعليقاً على هذا: قلت إيثار الخمول والتواضع وكثرة الوجل من علامات التقوى والفلاح.
(16) ذم أحمد بن حنبل للمدح رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: قلت لأبي عبد الله الرجل يقال في وجهه أحببت السنة قال هذا فساد لقلبه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن موسى قال رأيت أبا عبد الله وقد قال له خراساني الحمد لله الذي رأيتك قال اقعد أي شيء ذا من أنا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن رجل قال: رأيت أثر الغم في وجه أبي عبد الله وقد أثنى عليه شخص وقيل له جزاك الله عن الإسلام خيرا قال بل جزى الله الإسلام عني خيرا من أنا وما أنا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن عبد الصمد الطيالسي قال مسحت يدي على أحمد بن حنبل وهو ينظر فغضب وجعل ينفض يده ويقول عمن أخذتم هذا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن أحمد قال: كان أبي إذا دعا له رجل يقول الأعمال بخواتيمها.
(17) رفض أحمد بن حنبل تولي القضاء:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأثرم قال: أخبرت أن الشافعي قال لأبي عبد الله إن أمير المؤمنين يعني محمدا سألني أن التمس له قاضيا لليمن وأنت تحب الخروج إلى عبد الرزاق فقد نلت حاجتك وتقضي بالحق فقال للشافعي: يا أبا عبد الله إن سمعت هذا منك ثانية لم ترني عندك فظننت انه كان لأبي عبد الله ثلاثين سنة أو سبعا وعشرين.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشافعي أنه كان كثيرا عند محمد بن زبيدة يعني الأمين فذكروا له محمد يوما اغتمامه برجل يصلح للقضاء صاحب سنة قال قد وجدت قال ومن هو؟ فذكر أحمد بن حنبل قال فلقيه أحمد فقال أخمل هذا واعفني وإلا خرجت من البلد.
(18) خشية أحمد بن حنبل رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: قلت لأحمد أكان أغمي عليك أو غشي عليك عند ابن عيينة قال نعم في دهليزه زحمني الناس فأغمي علي وروي أن سفيان قال يومئذ كيف أحدث وقد مات خير الناس.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت خنقته العبرة وكان يقول الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب وإذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا، إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ما أعدل بالفقر شيئا ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر، وقال أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا اعرف قد بليت بالشهرة إني أتمنى الموت صباحا ومساء.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول وددت أني نجوت من هذا الأمر كفانا لا علي ولا لي.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: بال أبو عبد الله في مرض الموت دماً عبيطاً فأريته الطبيب فقال هذا رجل قد فتت الغم أو الخوف جوفه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال قلت لأحمد كيف أصبحت؟ قال كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض ونبيه يطالبه بأداء السنة والملكان يطالبانه بتصحيح العمل ونفسه تطالبه بهواها وإبليس يطالبه بالفحشاء وملك الموت يراقب قبض روحه وعياله يطالبونه بالنفقة.
(19) حُسْنُ أدب أحمد بن حنبل وسَمْتِه رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الحسين بن إسماعيل عن أبيه قال كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمس مئة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي بكر بن المطوعي قال: اختلفت إلى أبي عبد الله ثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده فما كتبت عنه حديثاً واحدا إنما كنت أنظر إلى هديه واخلاقه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حميد بن عبد الرحمن الرواسي قال: يقال لم يكن أحد من الصحابة أشبة هدياً وسمتاً ودلاً من ابن مسعود بالنبي صلى اللة علية وسلم وكان أشبة الناس بة علقمة وكان أشبة الناس بعلقمة إبراهيم وكان أشبههم بإبراهيم منصور بن المعتمر وأشبة الناس به سفيان الثوري وأشبة الناس بة وكيع وأشبة الناس بوكيع فيما قالة محمد بن يونس الجمال أحمد بن حنبل.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المنادي عن جدة أبي جعفر قال كان أحمد من أحيى الناس وأكرمهم وأحسنهم عشرة وأدبا كثير الإطراق لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث وذكر الصالحين في وقار وسكون ولفظ حسن وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه وكان يتواضع للشيوخ شديدا وكانوا يعظمونه وكان يفعل بيحيى بن معين ما لم أره يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل كان يحيى أكبر منه بسبع سنين.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف بدنا ولا أشد تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوبا بشدة بياض من أحمد بن حنبل رضي الله عنه كان ثيابه بين الثوبين تسوى ملحفته خمسه عشر درهما وكان ثوب قميصه يؤخذ بالدينار ونحوه لم يكن له دقة تنكر ولا غلط ينكر ولا غلط ينكر وكان ملحفته مهذبة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبدوس العطار وجهت بابني مع الجارية يسلم على أبي عبد الله فرحب به وأجلسه في حجره وساءله واتخذ له خبيصا وقال للجارية كلي معه وجعل يبسطه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الميموني كان أبو عبد الله حسن الخلق دائم البشر ويحتمل الأذى من الجار.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إسحاق بن هانئ قال: كنا عند أحمد بن حنبل في منزله ومعه المروذي ومهنى فدق داق الباب وقال المروذي ها هنا فكان المروذي كره أن يعلم موضعه فوضع مهنى أصبعه في راحته وقال ليس المروذي ها هنا وما يصنع المروذي ها هنا فضحك أحمد ولم ينكر.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حمدان بن علي قال: لم يكن لباس أحمد بذاك إلا أنه قطن نظيف.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضل بن زياد قال: رأيت على أبي عبد الله في الشتاء قميصين وجبة ملونة بينهما وربما قميصا وفروا ثقيلا ورأيته عليه عمامة فوق القلنسوة وكساء ثقيلا فسمعت أبا عمران الوركاني يقول له يوما يا أبا عبد الله هذا اللباس كله فضحك ثم قال أنا رقيق في البرد وربما لبس القلنسوة بغير عمامة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضل بن زياد قال: رأيت على أبي عبد الله في الصيف قميصا وسراويل ورداء وكان كثيرا ما يتشح فوق القميص.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الميموني قال: ما رأيت أبا عبد الله طيلسان قط ولا رداء إنما هو إزار صغير.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي داود قال: كنت أرى إذار أبي عبد الله محلولة ورأيت عليه من النعال ومن الخفاف غير زوج فما رأيت فيه محضرا ولا شيئا له قبالان.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي داود قال: رأيت على أبي عبد الله نعلين حمراوين لهما قبال واحد.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الملك الميموني قال: ما رأيت عمامة أبي عبد الله قط إلا تحت ذقنه ورأيته يكره غير ذلك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد قال: كان أبي إذا أتى البيت من المسجد ضرب برجله حتى يسمعوا صوت نعله وربما تنحنح ليعلموا به.
(20) جود أحمد بن حنبل وسخاؤه:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال قدم رجل من الزهاد فأدخلته على أحمد وعليه فرو خلق وخريقة على رأسه وهو حافٍ في بردٍ شديد فَسَلَّمَ وقال يا أبا عبد الله قد جئت من موضعٍ بعيد وما أردت إلا السلام عليك وأريد عبادان وأريد إن أنا رجعت أُسَلِّمَ عليك فقال إن قدر فقام الرجل وَسَلَّمَ وأبو عبد الله قاعد فما رأيت أحدًا قام من عند أبي عبد الله حتى يقوم هو إلا هذا الرجل فقال لي أبو عبد الله ما ترى ما أشبهه بالأبدال أو قال إني لأذكر به الأبدال وأخرج إليه أبو عبد الله أربعة أرغفٍ مشطورة بكامخ وقال لو كان عندنا شيء لواسيناك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد قال: قال أبو سعيد بن أبي حنيفة المؤدب كنت آتي أباك فيدفع إلي الثلاثة دراهم وأقل وأكثر ويقعد معي فيتحدث وربما أعطاني الشيء ويقول أعطيتك نصف ما عندنا فجئت يوما فأطلت القعود أنا وهو قال ثم خرج ومعه تحت كسائه أربعة أرغفة فقال هذا نصف ما عندنا فقلت هي أحب إلي من أربعة آلاف من غيرك.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن هارون المستملي قال: لقيت أحمد بن حنبل فقلت ما عندنا شيء فأعطاني خمسة دراهم وقال ما عندنا غيرها.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن روذي قال: رأيت أبا عبد الله قد وهب لرجل قميصه وقال ربما واسى من قوته وكان إذا جاءه أمر يهمه من أمر الدنيا لم يفطر وواصل وجاءه أبو سعيد الضرير وكان قال قصيدة في ابن أبي داود فشكى إلى أبي عبد الله فقال يا أبا سعيد ما عندنا الا هذا الجذع فجيء بحمال قال فبعته بتسعة دراهم ودانقين وكان أبو عبد الله شديد الحياء كريم الأخلاق يعجبه السخاء.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الروذي قال: سمعت أبا الفوارس ساكن أبي عبد الله يقول: قال لي أبو عبد الله يا محمد ألقى الصبي المقراض في البئر فنزلت فأخرجته فكتب لي إلى البقال أعطه نصف درهم قلت هذا لا يساوي قيراط والله لا أخذته قال فلما كان بعد دعاني فقال كم عليك من الكراء فقلت ثلاثة أشهر قال أنت في حل، ثم قال أبو بكر الخلال فاعتبروا يا أولي الألباب والعلم هل تجدون أحدا بلغكم عنه هذه الأخلاق.
(21) حسن خلق أحمد بن حنبل رحمه الله:
كان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - خيار الناس، وأكرمهم نفسا، وأحسنهم عشرة وأدبا، كثير الإطراق والغض، معرضا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث وذكر الصالحين والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعا شديدا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه، وكان قدوة عالية لأهل زمانه بعلمه وخلقه وورعه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي بكر المروذي حدثهم في آداب أبي عبد الله قال كان أبو عبد الله لا يجهل وان جهل عليه حلم واحتمل ويقول يكفي الله ولم يكن بالحقود ولا العجول كثير التواضع حسن الخلق دائم البشر لين الجانب ليس بفظ وكان يحب في الله ويبعض في الله وإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه وكان يحتمل الأذى من الجيران.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حنبل قال: صليت بأبي عبد الله العصر فصلى معنا رجل يقال له محمد بن سعيد الختلي وكان يعرفه بالسنة فقعد أبو عبد الله بعد الصلاة وبقيت أنا وهو والختلي في المسجد ما معنا رابع فقال لأبي عبد الله نهيت عن زيد بن خلف أن لا يكلم قال كتب إلى أهل الثغر يسألوني عن أمره فكتبت إليهم فأخبرتهم بمذهبه وما أحدث وأمرتهم أن لا يجالسوه فاندفع الختلي على أبي عبد الله فقال والله لأزدنك إلى محبسك ولأدقن أضلاعك في كلام كثير فقال لي أبو عبد الله لا تكلمه ولا تجبه وأخذ أبو عبد الله نعليه وقام فدخل وقال: مُرْ السكان أن لا يكلموه ولا يردوا عليه فما زال يصيح ثم خرج فلما كان بعد ذلك ذهب هذا الختلي إلى شعيب وكان قد ولي على قضاء بغداد وكانت له في يديه وصية فسألته عنها ثم قال له شعيب يا عدو الله وثبت على أحمد بالأمس ثم جئت تطلب الوصية إنما أردت أن تتقرب إلي بذا فزبره ثم أقامه فخرج بعد إلى حسبة العسكر.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن هارون بن سفيان المستملي قال جئت إلى أحمد بن حنبل حين أراد أن يفرق الدراهم التي جاءته من المتوكل فأعطاني مائتي درهم فقلت لا تكفيني قال ليس هنا غيرها ولكن هو ذا اعمل بك شيئا أعطيك ثلاث مائة تفرقها قال فلما أخذتها قلت ليس والله أعطي أحدا منها شيئا فتبسم.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن حنبل قال: حدثني أبي قال قيل لأبي عبد الله لما ضُرِبَ وبرئ وكانت يده وجعة مما علق وكانت تضرب عليه فذكروا له الحمام وألحوا عليه فقال أبي: يا أبا يوسف كلم صاحب الحمام يخليه لي ففعل ثم امتنع وقال ما أريد أن أدخل الحمام.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله قال: ما رأيت أبي دخل الحمام قط.
(22) بُعْدُ أحمد بن حنبل عن التنعم و إيثاره لخشونة العيش:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: كنت جالساً عند أبي رحمه الله يوماً فنظر إلى رجلي وهما لَيِّنَتَان ليس فيها شقاق، فقال لي: ما هذان الرجلان، لم لا تمشي حافياً حتى تصير رجلين خشنين قال عبد الله: وخرج إلى طرسوس ماشياً على قدميه، قال عبد الله: وكان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي إسحاق الجوزجاني قال كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق فسها فسأل عنه عبد الرزاق فأخبر انه لم يأكل منذ ثلاثة أيام شيئا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح قال ربما رأيت أبي يأخذ الكسر ينفض الغبار عنها ويصيرها في قصعة ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح وما رأيته اشترى رمانا ولا سفرجلا ولا شيئا من الفاكهة إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز وعنبا وتمرا وقال لي كانت والدتك في الظلام تغزل غزلا دقيقا فتبيع الأستار بدرهمين أقل أو أكثر فكان ذلك قوتنا وكنا إذا اشترينا الشيء نستره عنه كيلا يراه فيوبخنا وكان ربما خبز له فيجعل في فخارة عدسا وشحما وتمرات شهريز فيجيء الصبيان فيصوت ببعضهم فيدفعه إليهم فيضحكون ولا يأكلون وكان يأتدم بالخل كثيرا.
(23) عظيم صبر أحمد بن حنبل ورضاه:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي القاسم البغوي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول في سنة ثمان وعشرين ومائتين وقد حدث بحديث معونة في البلاء اللهم رضينا اللهم رضينا.
(24) كان أحمد بن حنبل مستجاب الدعوة رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن العباس بن محمد الدوري حدثني علي بن أبي حرارة ـ جار لنا ـ قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل فاسأله أن يدعو الله لي.
فسرت إليه فدققت عليه الباب وهو في دهليزه فلم يفتح لي وقال: من هذا؟ فقلت: أنا رجل من أهل ذاك الجانب سألتني أمي وهي زمنة مقعدة أن أسألك أن تدعو الله لها، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال: نحن أحوج إلى أن تدعو الله لنا.
فوليت منصرفاً فخرجت امرأة عجوز من داره فقالت: أنت الذي كلمت أبا عبد الله قلت: نعم قالت: قد تركته يدعو الله لها.
قال فجئت من فوري إلى البيت فدققت الباب فخرجت أمي على رجليها تمشي حتى فتحت الباب فقالت: قد وهب الله لي العافية.
(25) هيبة أحمد بن حنبل رحمه الله:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المروذي قال: قال جارنا فلان دخلت على إسحاق بن ابراهيم الأمير وفلان وفلان ذكر سلاطين ما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل صرت الية أكلمة في شيء فوقعت علي الرعدة من هيبتة ثم قال المروذي ولقد طرقة الكلبي صاحب خبر السر ليلا فمن هيبتة لم يقرعوا ودقوا باب عمة.
(26) جهاد أحمد بن حنبل ومرابطته:
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن أحمد يقول خرج أبي إلى طرسوس ورابط بها وغزا ثم قال أبي رأيت العلم بها يموت.
(27) محنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:
اعتقد المأمون برأي المعتزلة في مسألة خلق القرآن، وطلب من ولاته في الأمصار عزل القضاة الذين لا يقولون برأيهم.
وقد رأى أحمد بن حنبل ان رأي المعتزلة يحوِّل الله سبحانه وتعالى إلى فكرة مجرّدة لا يمكن تعقُّلُها فدافع ابن حنبل عن الذات الإلهية ورفض قبول رأي المعتزلة، فيما أكثر العلماء والأئمة أظهروا قبولهم برأي المعتزلة خوفاً من المأمون وولاته.
وألقي القبض على الإمام ابن حنبل ليؤخذ إلى الخليفة المأمون، وطلب الإمام من الله أن لا يلقاه، لأنّ المأمون توعّد بقتل الإمام أحمد.
وفي طريقه إليه، وصل خبر وفاة المأمون، فتم ردّ الإمام أحمد إلى بغداد وحُبس ووَلِيَ الخلافة المعتصم، الذي امتحن الإمام، وتمّ تعرضه للضرب بين يديه.
وقد ظل الإمام محبوساً طيلة ثمانية وعشرين شهراً، ولما تولى الخلافة الواثق، وهو أبو جعفر هارون بن المعتصم، أمر الإمام أن يختفي، فاختفى إلى أن توفّي الواثق.
وحين وصل المتوكّل ابن الواثق إلى السلطة، خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد بخلق القرآن، ونهى عن الجدل في ذلك، وأكرم المتوكل الإمام أحمد ابن حنبل، وأرسل إليه العطايا، ولكنّ الإمام رفض قبول عطايا الخليفة.
قصة محنة خلق القرآن:
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
كان الناس امة واحدة ودينهم قائما في خلافة أبي بكر وعمر فلما استشهد قفل باب الفتنة عمر رضي الله عنه وانكسر الباب قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرا وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل ثم وقعة صفين فظهرت الخوارج وكفرت سادة الصحابة ثم ظهرت الروافض والنواصب وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المئتين فظهر المأمون الخليفة وكان ذكيا متكلما له نظر في المعقول فاستجلب كتب الأوائل وعرب حكمة اليونان وقام في ذلك وقعد وخب ووضع ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها بل والشيعة فانه كان كذلك وآل به الحال أن حمل الأمة على القول بخلق القران وامتحن العلماء فلم يمهل وهلك لعامه وخلى بعده شرا وبلاء في الدين فإن الأمة ما زالت على أن القران العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله لا يعرفون غير ذلك حتى نبغ لهم القول بأنه كلام الله مخلوق مجعول وانه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله فأنكر ذلك العلماء ولم تكن الجمهية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون كان منهم وأظهر المقالة.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن نوح قال: إن الرشيد قال بلغني أن بشر بن غياث المريسي يقول القرآن مخلوق فلله علي إن أظفرني به لأقتلنه قال الدورقي وكان متواريا أيام الرشيد فلما مات الرشيد ظهر ودعا إلى الضلالة قلت ثم إن المأمون نظر في الكلام وناظر وبقي متوقفا في الدعاء إلى بدعته، قال أبو الفرج بن الجوزي خالطه قوم من المعتزلة فحسنوا له القول بخلق القران وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ ثم قوي عزمه وامتحن الناس.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن اكثم قال: قال لنا المأمون لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين ومن يزيد حتى يتقي فقال ويحك إني أخاف إن أظهرته فيرد علي يختلف الناس وتكون فتنة وأنا اكره الفتنة فقال الرجل فأنا أخبر ذلك منه قال له نعم فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد وقال يا أبا خالد إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك إني أريد أن أظهر خلق القران فقال كذبت على أمير المؤمنين أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه فان كنت صادقا فاقعد فإذا اجتمع الناس في المجلس فقل، قال فلما أن كان الغد اجتمعوا فقام فقال كمقالته فقال يزيد كذبت على أمير المؤمنين إنه لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به احد قال فقدم وقال يا أمير المؤمنين كنت أعلم وقص عليه قال ويحك يلعب بك.
دخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة قرأ علينا كتاب الذي صار إلى طرسوس يعني المأمون فكان فيما قرئ علينا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11] و (هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ) [الأنعام: 102] فقلت (وَهُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11] قال صالح ثم امتحن القوم ووجه بمن امتنع إلى الحبس فأجاب القوم جميعا غير أربعة أبي ومحمد بن نوح والقواريري والحسن بن حماد سجادة ثم أجاب هذان وبقي أبي ومحمد في الحبس أياما ثم جاء كتاب من طرسوس بحملهما مقيدين زميلين.
ثبات قلب أحمد بن حنبل على الحق ورباطة جأشه:
يقف الإمام أحمد بين يدي الخليفة المعتصم ثابت الجنان قوي الإيمان، وقد ازدحم الناس ليشاهدوا مشهدا رهيبا؛ فهذا الخليفة وحوله جنوده، وهذا أحمد في قيوده، الأول سلاحه البطش والجبروت، والثاني سلاحه القرآن والسنة يستعذب العذاب في سبيل الله، ويسأله وحده العفو والمغفرة، ويرجوه رضاه ورضوانه يجلس الخليفة على كرسيه، ويقف الإمام أحمد بين يديه والسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والأتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، يريدون إرهابه وهو قد باع نفسه لربه، وبكل ما يصنعون وأكثر لا يأبه.
يرد على الخليفة بالبرهان الساطع والدليل القاطع، ويعجز الخليفة في ترغيبه أو ترهيبه ليقول بكلام المعتزلة القرآن مخلوق والعياذ بالله، ويحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فيناظرونه بحضرته ثلاثة أيام، وهو يناظرهم ويقهرهم، فيقول ابن أبي دؤاد وبشر المريسي للخليفة: اقتله حتى نستريح منه.
ولكن المعتصم يقيم مباراة بين الجلادين لقتله بالسياط الموجعة، ويحدثونه في الرجوع عن إصراره، ولكنه يقول لهم في صلابة: أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله أقول به.
ويستمر الضرب وتزداد شدته، حتى يقع الإمام أحمد - رحمه الله - على الأرض في غيبوبة، لا يدري ما يفعلون به.
وعندما عادت لأحمد ذاكرته، تقدم إليه ابن أبي دؤاد، وقال له: يا أحمد قل في أذني القرآن مخلوق حتى أخلصك من يد الخليفة؛ فقال له الإمام أحمد: يا بن أبي دؤاد قل في أذني القرآن كلام الله وليس بمخلوق حتى أخلصك من عذاب الله عز وجل، فقال المعتصم: أدخلوه إلى الحبس، فحمل إلى الحبس وانصرف الناس
وهكذا واجه الإمام أحمد بن حنبل المحنة في صبر جميل وشجاعة نادرة، يقول أحد جلاديه: "ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته فيلا لهدمته"
وينتصر الدين بصاحب العقيدة القوية، ويتحمله في سبيل نصرة دين الله على كل بلية، وترفع راية الإسلام عالية ويندحر أصحاب البدعة والضلالة.
ويصفح الإمام أحمد رضوان الله عليه عن المعتصم، راجيا غفران ربه، وحسن ثوابه، مستجيبا لأوامره؛ (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [النور: 22]، ولقوله عز وجل: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40]
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن أبي اسامة قال: حكي لنا أن أحمد قيل له أيام المحنة يا أبا عبد الله أولا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل قال كلا إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة وقلوبنا بعد لازمة للحق.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي جعفر الأنباري قال: لما حُمِلَ أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه فقال يا أبا جعفر تعنيت فقلت يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك فو الله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت لابد من الموت فاتق الله ولا تجب فجعل أحمد يبكي ويقول ما شاء الله ثم قال يا أبا جعفر أعد علي فأعدت عليه وهو يقول ما شاء الله.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن صالح بن أحمد بن حنبل، قال أبي: لما كان في شهر رمضان لليلة سبع عشرة خلت منه حولت من السجن إلى دار إسحاق ابن إبراهيم وأنا مقيد بقيد واحد يوجه إلي في كل يوم رجلان سماهما أبي، قال أبو الفضل: وهما أحمد بن رباح، وأبو شعيب الحجاج، يكلماني ويناظراني، فإذا أرادا الانصراف دعوا بقيد فقيدت به، فمكثت على هذه الحال ثلاثة أيام فصار في رجلي أربعة أقياد، فقال لي أحدهما في بعض الأيام في كلام دار بيننا وسألته عن علم الله فقال: علم الله مخلوق.
فقلت له: يا كافر كفرت، فقال لي الرسول الذي كان يحضر معهم من قبل إسحاق: هذا رسول أمير المؤمنين، قال: فقلت له: إن هذا زعم أن علم الله مخلوق، فنظر إليه كالمنكر عليه ما قال ثم انصرفا.
قال أبي: وأسماء الله في القرآن والقرآن من علم الله، فمن زعم إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقه فقد كفر.
قال أبي رحمه الله: فلما كانت ليلة الرابعة بعد العشاء الآخرة وجه المعتصم بنا إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي يأمره بحملي، فأدخلت على إسحاق فقال لي: يا أحمد إنها والله نفسك إنه حلف أن لا يقتلك بالسيف وأن يضربك ضرباً بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قد قال الله عز وجل: (إِنّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [الزخرف: 3] الزخرف 3.
فيكون مجعولا إلا مخلوق.
قال أبي: فقلت له: قد قال: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مّأْكُولِ) [الفيل: 5].
أفخلقهم، فقال: اذهبوا به،
قال أبي: فأنزلت إلى شاطئ دجلة فأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان ومعي بغا الكبير ورسول من قبل إسحاق.
قال: فقال بغا لمحمد المحاربي بالفارسية: ما تريدون من هذا الرجل.
قال: يريدون منه أن يقول القرآن مخلوق.
فقال: ما أعرف شيئاً من هذه الأقوال، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقرابة أمير المؤمنين من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال أبي: فلما صرنا إلى الشط أخرجت من الزورق فجعلت أكاد أخر علي وجهي حتى انتهي بي إلى الدار، فأدخلت ثم عرج بي إلى الحجرة فصيرت في بيت منها وأغلق علي الباب وأقعد عليه رجل، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج.
فاحتجت إلى الوضوء فمددت يدي أطلب شيئاً فإذا أنا بإناء فيه ماء وطشت فتهيأت للصلاة وقمت أصلي، فلما أصبحت جاءني الرسول فأخذ بيدي وأدخلني الدار وإذا هو جالس وابن أبي دؤاد حاضر، قد جمع أصحابه والدار غاصة بأهلها، فلما دنوت سلمت فقال لي: ادن، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس، فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت هنيهة قلت: تأذن في الكلام؟ فقال: تكلم، فقلت: إلى ما دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قال: قلت أنا أشهد أن لا إله إلا الله.
ثم قلت له: إن جدك ابن عباس يحكي أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بالإيمان بالله، قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من الغنم.
قال أبو الفضل: حدثناه أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني أبو حمزة قال: قال: سمعت ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بالإيمان بالله فذكر الحديث.
قال أبو الفضل قال أبي: فقال لي عند ذلك لولا أن وجدتك في يد من كان قبلي ما تعرضت لك، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق فقال له: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة،
قال أبي: فقلت في نفسي: الله أكبر، إن في هذا فرجاً للمسلمين.
قال: ثم قال: ناظروه وكلموه، ثم قال: يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قال: قلت ما تقول في علم الله.
فسكت.
قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا فأرد علي هذا وأكلم هذا، ثم أقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام أقول به.
أراه قال: فيقول ابن أبي دؤاد: فأنت ما تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسوله.
قال: فقلت تأولت تأويلا فأنت أعلم وما تأولت تحبس عليه وتقيد عليه، قال: فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم، فيقول: ما تقولون فيه؟ فيقولون: يأتك والفقهاء فسلهم، فيقول: ما تقولون فيه؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين هو ضال مضل مبتدع.
قال: ولا يزالون يكلموني، قال وجعل صوتي يعلو أصواتهم، وقال إنسان منهم قال الله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رّبّهِمْ مّحْدَثٍ) [الأنبياء: 2].
أفيكون محدثاً إلا مخلوقاً؟ قال: فقلت له: قال الله تعالى: (صَ وَالْقُرْآنِ ذِي الذّكْرِ) [ص: 1].
فالقرآن هو الذكر والذكر هو القرآن، ويلك ليس فيها ألف ولام، قال: فجعل ابن سماعة لا يفهم ما أقول، قال: فجعل يقول لهم: ما يقول؟ قال: فقالوا: إنه يقول كذا وكذا، قال: فقال لي إنسان منهم حديث خباب: تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه،
قال أبي: فقلت لهم نعم هكذا هو.
فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه ويلحظه متغيظاً عليه.
قال أبي: وقال بعضهم أليس قال: قال تعالى: (خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ) [الأنعام: 102]. قلت: قد قال: تدمر كل شيء الأحقاف 25.
فدمرت إلا ما أراد الله.
قال: فقال بعضهم فما تقول وذكر حديث عمران ابن حصين: إن الله كتب الذكر فقال: إن الله خلق الذكر.
فقلت: هذا خطأ حدثناه غير واحد إن الله كتب الذكر.
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فتكلم.
فلما قارب الزوال قال لهم: قوموا ثم حبس عبد الرحمن ابن إسحاق فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول: أما تعرف صالحاً الرشيدي كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالساً وأشار إلى ناحية من الدار قال فتكلم وذكر القرآن فخالفني فأمرت به فسحب ووطئ ثم جعل يقول لي ما أعرفك ألم تكن تأتينا، فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والحج والجهاد معك وهو ملازم لمنزله.
قال: فجعل يقول: والله إنه لفقيه وإنه لعالم وما يسوءني أن يكون معي يرد على أهل الملك، ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، لأطأن عقبه ولأركبن إليه بجندي.
قال: ثم يلتفت إلي فيقول: ويحك يا أحمد ما تقول، قال: فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فلما طال بنا المجلس ضجر فقام فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه ثم وجه إلي برجلين إحداهما وهما صاحب الشافعي وغسان من أصحاب ابن أبي دؤاد يناظراني فيقيمان معي حتى إذا حضر الإفطار وجه إلينا بمائدة عليها طعام فجعلا يأكلان وجعلت أتعلل حتى ترفع المائدة، وأقاما إلى غدو في خلال ذك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد يقول لك أمير المؤمنين ما تقول، فأقول له: أعطوني شيئاً من كتاب الله عز وجل أو سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أقول به، فقال لي ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة فمحوته ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه والله ليس السيف إنه ضرب بعد ضرب، ثم يقول لي: ما تقول فأرد عليه نحواً مما رددت عليه.
ثم يأتيني رسوله فيقول أين أحمد بن عمار أجب الرجل الذي أنزلت في حجرته فيذهب ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول فأرد عليه نحواً مما رددت على ابن أبي دؤاد فلا تزال رسله تأتي أحمد بن عمار وهو يختلف فيما بيني وبينه، ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
قال: فلما كان في اليوم الثاني أدخلت عليه، فقال: ناظروه وكلموه، قال: فجعلوا يتكلمون هذا من هاهنا وهذا من هاهنا فأرد علي هذا وهذا فإذا جاؤا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب الله عز وجل ولا سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا فيه خبر ولا أثر، قلت: ما أدري ما هذا؟ قال: فيقولون: يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا وثب وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا، قال: فيقول: ناظروه ثم يقول: يا أحمد إني عليك شفيق.
فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله فقال له: ما تقول في قول الله تعالى: قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11].
فقال: خص الله بها المؤمنين، قال: فقلت له: ما تقول إن كان قاتلا أو عبداً أو يهودياً أو نصرانياً فسكت،
قال أبي: وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن ولقوله تنتحل الحديث وكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين والله لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار ومائة ألف دينار فيعدد ما شاء الله من ذلك.
ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام وخلا بي وبعبد الرحمن فيدور بيننا كلام كثير وفي خلال ذلك يقول ندعو أحمد ابن دؤاد؟ فأقول ذلك إليك فيوجه إليه فيجيء فيتكلم.
فلما طال بنا المجلس قام ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي بالأمس فجعلا يتكلمان فدار بيننا كلام كثير فلما كان وقت الإفطار جيء بطعام على نحو ما أتي به في أول ليلة فأفطروا فتعللت وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار فيمضي إليه فيأتيني برسالة على نحو ما كان لي أول ليلة، وجاء ابن أبي دؤاد فقال إنه قد حلف أن يضربك ضرباً وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس، فقلت له: فما صنع؟ حتى إذا كدت أن أصبح قلت لخليق أن يحدث في هذا اليوم من أمري شيء، وقد كنت خرجت تكتي من سراويلي فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليه فقلت لبعض من كان معي الموكل بي أريد لي خيطاً، فجاءني بخيط فشددت به الأقياد وأعدت التكة في سراويلي ولبستها كراهية أن يحدث شيء من أمري فأتعرى.
فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه والقوم حضور فجعلت أدخل من دار إلى دار وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط وغير ذلك من الزي والسلاح وقد حشيت الدار بالجند ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء حتى إذا صرت إليه قال ناظروه وكلموه فعادوا لمثل مناظرتهم فدار بيننا وبينهم كلام كثير حتى إذا كان في الوقت الذي كان يخلو بي فيه فجاءني ثم اجتمعوا فشاورهم ثم نحاهم ودعاني فخلا بي وبعبد الرحمن فقال لي: ويحك يا أحمد وأنا والله عليك شفيق وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني، فأجبني، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئاً من كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فلما ضجر وطال المجلس قال عليك لعنة الله لقد طمعت فيك، خذوه اخلعوه واسحبوه.
قال فأخذت فسحبت ثم خلعت ثم قال العقابين والسياط، فجيء بعقابين والسياط.
قال أبي: وقد كان صار إلي شعرتان من شعر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصررتهما في كم قميصي، فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي فوجه إلي: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت شعر من شعر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فسعى بعض القوم إلى القميص ليحرقه في وقت ما أقمت بين القابين فقال لهم لا تحرقوه وانزعوه عنه قال أبي فظنت أنه بسبب الشعر الذي كان فيه.
ثم صيرت بين العقابين وشدت يدي وجيء بكرسي فوضع له وابن أبي دؤاد قائم على رأسه والناس اجتمعوا وهم قيام ممن حضر فقال لي إنسان ممن شدني خذ أي الخشبتين بيدك وشد عليها.
فلم أفهم ما قال.
قال فتخلعت يدي لما شدت ولم أمسك الخشبتين قال أبو الفضل ولم يزل أبي رحمه الله يتوجع منها من الرسغ إلى أن توفي ثم قال للجلادين تقدموا فنظر إلى السياط فقال ائتوا بغيرها، ثم قال لهم تقدموا فقال لأحدهم أدنه أوجع قطع الله يدك.
فتقدم فضربني سوطين ثم تنحى، فلم يزل يدعو واحداً بعد واحد فيضربني سوطين ويتنحى ثم قام حتى جاءني وهم محمقون به فقال: ويحك يا أحمد تقتل نفسك.
ويحك أجبني حتى أطلق عنك بيدي.
فقال فجعل بعضهم يقول ويحك إمامك على رأسك قائم، قال: وجعل يعجب وينخسني بقالم سيفه ويقول تريد أن تغلب هؤلاء كلهم وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول ويلك الخليفة على رأسك قائم: قال ثم يقول بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي قال ثم رجع فجلس على الكرسي ثم قال للجلاد: أدنه شد ـ قطع الله يدك ـ ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد فيضربني سوطين ويتنحى وهو يقول له شد قطع الله يدك ثم قام لي الثانية فجعل يقول: يا أحمد أجبني وجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول لي: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا يحيى بن معين وهذا أبو خيثمة وابن أبي...... وجعل يعدد علي من أجاب، وجعل هو يقول: ويحك أجبني، قال: فجعلت أقول نحواً مما كنت أقول لهم، قال: فرجع فجلس ثم جعل يقول للجلاد: شد ـ قطع الله يدك ـ
قال أبي: فذهب عقلي وما عقلت إلا وأنا في حجرة طلق عني الأقياد، فقال إنسان ممن حضر: إنا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك سارية ودسناك،
قال أبي: فقلت: ما شعرت بذلك.
قال: فجاؤني بسويق، فقالوا لي: اشرب وتقيا، فقلت: لا أفطر ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم،
قال أبي: فنودي بصلاة الظهر فصلينا الظهر، قال ابن سماعة صليت والدم يسيل من ضربك.
فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثعب دماً فسكت ثم خلى عنه ووجه إليه برجل ممن يبصر الضرب والجراحات ليعالج فيها، فنظر إليه فقال لنا: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط ما رأيت ضرباً أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه ثم أدخل ميلا في بعض تلك الجراحات، وقال: لم يثعب فجعل يأتيه ويعالجه وقد كان أصاب وجهه غير ضربة ثم مكث يعالجه ما شاء الله ثم قال: إن هاهنا شيئاً أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين معه وهو صابر لذلك يحمد الله في ذلك فبرأه منه ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بيناً في ظهره إلى أن توفي رحمه الله.
قال أبو الفضل: سمعت أبي يقول: والله لقد أعطت المجهود من نفسي ولوددت إن أنجو من هذا الأمر كفافاً لا علي ولا لي،
قال أبو الفضل: فأخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه وقد كان هذا الرجل ـ يعني صاحب الشافعي ـ صاحب حديث قد سمع ونظر ثم جاءني بعد، فقال لي: يا ابن أخي رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحداً يشبهه، قد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع مسغبة، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولني فناوله قدحاً فيه ماء وثلج فأخذه فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه،
قال: فجعلت أعجب إليه من صبره على الجوع والعطش وما هو فيه من الهول، قال أبو الفضل: وكنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاماً أو رغيفاً أو رغيفين في هذه الأيام فلم أقدر على ذلك وأخبرني رجل حضره، قال: تفقدته في هذه الأيام وهم يناظرونه ويكلمونه فما لحن في كلمة وما ظننت أن أحداً يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أحمد بن الفرج: كنت أتولى شيئاً من أعمال السلطان فبينما أنا ذات يوم قاعد في مجلس إذا أنا بالناس قد أغلقوا أبواب دكاكينهم وأخذوا أسلحتهم، فقلت: مالي أرى الناس قد استعدوا للفتنة.
فقالوا: إن أحمد بن حنبل يحمل ليمتحن في القرآن، فلبست ثيابي وأتيت حاجب الخليفة وكان لي صادقاً، فقلت: أريد أن تدخلني حتى أنظر كيف يناظر أحمد الخليفة؟ فقال: أتطيب نفسك بذلك؟ فقلت: نعم فجمع جماعة وأشهدهم علي وتبرأ من إثمي ثم قال لي: امض فإذا كان يوم الدخول بعثت إليك.
فلما أن كان اليوم الذي أدخل فيه أحمد على الخليفة أتاني رسوله، فقال: البس ثيابك واستعد للدخول فلبست قباء فوقه قفطان وتمنطقت بمنطقة وتقلدت سيفاً وأتمت الحاجب فأخذ بيدي وأدخلي إلى الفوج الأول مما يلي أمير المؤمنين وإذا أنا بابن الزيات وإذا بكرسي من ذهب مرصع بالجوهر قد غشي أعلاه بالديباج فخرج الخليفة فقعد عليه ثم قال: أين هذا الذي يزعم أن الله عز وجل يتكلم بجارحتين؟ علي به.
فأدخل أحمد وعليه قميص هروي وطيلسان أزرق وقد وضع يداً على يد وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، حتى وقف بين يدي الخليفة، فقال: أنت أحمد بن حنبل، فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل، فقال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؟ من أين قلت هذا؟ قال أحمد: من كتاب الله تعالى وخبر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: وما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الله كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة وثلاث عشرة كلمة فكان الكلام من الله والاستماع من موسى.
فقال موسى: أي رب أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال الله تعالى: يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك، قال: كذبت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال أحمد: فإن يك هذا كذباً مني على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد قال الله تعالى: (وَلََكِنْ حَقّ الْقَوْلُ مِنّي لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: 13] فإن يكن القول من غير الله فهو مخلوق، وإن كان مخلوقاً فقد ادعى حركة لا يطيق فعلها، فالتفت إلى أحمد وابن الزيات، فقال: ناظروه قالوا: يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في أعناقنا، قال فرفع يده فلطم حر وجهه فخر مغشياً عليه فتفرق وجوه قواد خراسان وكان أبوه من أبناء قواد خراسان، فخاف الخليفة على نفسه منهم فدعا بكوز من ماء فجعل يرش على وجهه.
فلما أفاق رفع رأسه إلى عمه وهو واقف بين يدي الخليفة فقال: يا عم لعل هذا الماء الذي صب على وجهي غضب صاحبه عليه، فقال الخليفة: ويحكم ما ترون ما يهجم علي من هذا الحديث، وقرابتي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا رفعت عنه السوط حتى يقول القرآن مخلوق.
ثم دعا بجلاد يقال له أبو الدن، فقال: في كم تقتله؟ قال: في خمسة أو عشرة أو خمسة عشرة أو عشرين، فقال: أقتله فكلما أسرعت كان أخفى للأمر، ثم قال: جردوه، قال: فنزعت ثيابه ووقف بين العقابين وتقدم أبو الدن قطع الله يده فضربه بضعه عشر سوطاً فأقبل الدم من أكتافه إلى الأرض، وكان أحمد ضعيف الجسم، فقال إسحاق بن إبراهيم: يا أمير المؤمنين إنه إنسان ضعيف الجسم، فقال: قد سمعت قولي، وقرابتي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا رفعت السوط عنه حتى يقول كما أقول.
فقال: يا أبا عبد الله البشري إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول لا إله إلا الله.
فقال أحمد: كلمة الإخلاص وأنا أقول لا إله إلا الله، فقال: يا أمير المؤمنين إنه قد قال كما تقول.
فقال: خل سبيله.
وارتفعت بالباب، فقال: أخرج فانظر ما هذه الضجة.
فخرج ثم دخل فقال: يا أمير المؤمنين إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج أحمد بن حنبل إني لك من الناصحين فأخرج وقد وضع طيلسانه وقميصه على يده وكنت أول من وافى الباب، فقال الناس: ما قلت يا أبا عبد الله حتى نقول، قال: وما عسى أن أقول أكتبوا يا أصحاب الأخبار واشهدوا يا معشر العامة أن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
قال أحمد بن الفرج: وكنت أنظر إلى أحمد بن حنبل والسوط قد أخذ كتفيه وعليه سراويل فيه خيط فانقطع الخيط ونزل السراويل فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك، فقال: نعم إنه لما انقطع الخيط قلت: اللهم إلهي وسيدي واقفتني هذا الموقف فلا تهتكني على رءوس الخلائق فعاد السراويل كما كان.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق قال يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدا وإن عشت حميدا فقوى قلبي، قال صالح بن أحمد: قال أبي فلما صرنا إلى أذنة ورحلنا منها في جوف الليل وفتح لنا بابها إذا رجل قد دخل فقال البشرى قد مات الرجل يعني المأمون قال أبي وكنت أدعو الله أن لا أراه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: تبينت الإجابة في دعوتين دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون ودعوته أن لا أرى المتوكل فلم أر المأمون مات بالبذندون قلت وهو نهر الروم وبقي أحمد محبوسا بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه فرد أحمد إلى بغداد وأما المتوكل فانه نوه بذكر الإمام أحمد والتمس الاجتماع به فلما أن حضر أحمد دار الخلافة بسامراء ليحدث ولد المتوكل ويبرك عليه جلس له المتوكل في طاقة حتى نظر هو وأمه منها إلى أحمد ولم يره أحمد.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أَقْوَمُ بأمر الله من محمد بن نوح إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير قال لي ذات يوم يا أبا عبد الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدي بك قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا فمات وصليت عليه ودفنته أظن قال بعانة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً، ما ذاق إلا مقدار ربع سويق، كل ليلة كان يشرب شربة ماء.
وفي كل ثلاث ليال يستف حفنة من السويق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيت موقيه دخلتا في حدقتيه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن أبي سمينة عن شابا من التائب قال لقد ضرب أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته على فيل لهدته.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أحمد بن حنبل قال: قيل لي اكتب ثلاث كلمات ويخلى سبيلك فقلت هاتوا قالوا: اكتب الله قديم لم يزل قال فكتبت فقالوا اكتب كل شيء دون الله مخلوق وقالوا اكتب الله رب القرآن، قلت: أما هذه فلا ورميت بالقلم فقال بشر بن الحارث لو كتبها لأعطاهم ما يريدون.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المهتدي بالله محمد بن الواثق قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحدا أحضرنا فأتي بشيخ مخضوب مقيد فقال أبي ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه يعني ابن أبي داود قال فأدخل الشيخ فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال لا سلم الله عليك فقال يا أمير المؤمنين بئس ما ادبك مؤدبك قال الله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ إِنّ) [النساء: 86] فقال ابن أبي داود الرجل متكلم قال له كلمه فقال يا شيخ ما تقول في القرآن قال لم ينصفني ولي السؤال قال سل قال ما تقول في القرآن قال مخلوق قال الشيخ: هذا شيء علمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ قال شيء لم يعلموه، فقال سبحان الله شيء لم يعلمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علمته أنت فخجل فقال أقلني قال المسألة بحالها قال نعم علموه فقال علموه ولم يدعوا الناس اليه قال نعم قال أفلا وسعك ما وسعهم قال فقام أبي فدخل مجلسا واستلقى وهو يقول شئ لم يعلمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت سبحان الله شيء علموه ولم يدعوا الناس اليه أفلا وسعك ما وسعهم ثم أمر برفع قيوده وأن يعطي أربع مئة دينار وَيُؤْذَنُ له في الرجوع وسقط من عينه ابن أبي داود ولم يمتحن بعدها احدا.