فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 494-533

كتاب الزهد

صفحات 494-533
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(مِنْ صُلْبِ مَالِي) بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ: أَصْلِهِ، أَوْ خَالِصِهِ (حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ) أَيْ: مِمَّا فِيهِ مُلُوحَةٌ كَمَاءِ الْبَحْرِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ: مَاءٍ يُشْبِهُ الْبَحْرَ (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ) أَيْ: مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدِينَةِ " فَيَزِيدُهَا" أَيْ: تِلْكَ الْبُقْعَةَ (أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْمَسْجِدِ (كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ) بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ جَبَلٌ بِمَكَّةَ، وَفِي الْمِصْبَاحِ: جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَهُوَ يُرَى مِنْ مِنًى، وَهُوَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ثَبِيرٌ جَبَلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى، وَهُوَ جَبَلٌ كَبِيرٌ مُشْرِفٌ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ بِمَعْنًى، وَبِمَكَّةَ جِبَالٌ، كُلٌّ مِنْهَا اسْمُهُ ثَبِيرٌ (بِالْحَضِيضِ) أَيْ: أَسْفَلَ الْجَبَلِ وَقَرَارِ الْأَرْضِ (فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ) أَيْ: ضَرَبَهُ بِهَا " اسْكُنْ ثَبِيرُ " أَيْ: يَا ثَبِيرُ (قَالَ) أَيْ: عُثْمَانُ (اللَّهُ أَكْبَرُ) كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ عِنْدَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ وَتَبْكِيتِهِ تَعَجُّبًا مِنْ إِقْرَارِهِمْ بِكَوْنِهِ عَلَى الْحَقِّ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَاهُ (ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ خُصَمَاءَهُ عَلَى الْبَاطِلِ عَلَى طَرِيقٍ يُلْجِئُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ، أَوْرَدَ حَدِيثَ ثَبِيرِ مَكَّةَ وَأَنَّهُ مِنْ أَحَدِ الشَّهِيدَيْنِ مُسْتَفْهِمًا عَنْهُ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَأَكَّدُوا إِقْرَارَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ تَعَجُّبًا وَتَعْجِيبًا وَتَجْهِيلًا لَهُمْ وَاسْتِهْجَانًا لِفِعْلِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ: {أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ

اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَقُولُ: " هَذِهِ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ} (1) ". عثمان رضي الله عنه وقحط المطر:

عن ابن عباس قال: قحط المطر على عهد أبي بكر الصديق فاجتمع الناس إلى أبي بكر فقالوا: السماء لم تمطر والأرض لم تُنبت والناس في شدة شديدة فقال أبو بكر انصرفوا واصبروا فإنكم لا تُمسون حتى يُفرج الله الكريم عنكم، قال فما لبثنا أن جاء أجراء عثمان من الشام، فجاءته مائة راحلة بُراً- أو قال طعاماً- فاجتمع الناس إلى باب عثمان فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم عثمان في ملأ من الناس فقال: ما تشاءون؟ قالوا: الزمان قد قحط: السماء لا تمطر والأرض لا تنبت والناس في شدة شديدة، وقد بلغنا أن عندك طعاماً فبعنا حتى نوسع على فقراء المسلمين.
فقال عثمان: حباً وكرامة، ادخلوا فاشتروا، فدخل التجار فإذا الطعام موضوع في دار عثمان فقال يا معشر التجار كم تربحونني على شرائي من الشام؟ قالوا للعشرة اثنا عشر، قال عثمان قد زادوني قال التجار يا أبا عمر ما بقي بالمدينة تجار غيرنا فمن زادك؟ قال: زادني الله - تبارك وتعالى- بكل درهم عشرة أعندكم زيادة؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإني أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقة على فقراء المسلمين، قال ابن عباس فرأيت من ليلتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام وهو برذون أبلق الذي فيه سواد وبياض عليه حُلَّة من نور، في رجليه نعلان من نور وبيده قصبة من نور وهو مستعجل.
فقلت: يا رسول الله قد اشتَدّ شوقي إليك وإلى كلامك فأين تُبادر؟ قال: يا ابن عباس، إن عثمان قد تصدق بصدقة وإن الله قد قبلها منه وزوجه عروساً في الجنة وقد دعينا إلى عرسه.

عثمان رضي الله عنه وعتق رقبة كل جمعه:

1 كان عثمان رضي الله عنه يعتق كل جمعه رقبة في سبيل الله منذ أسلم فجميع ما اعتقه ألفان وأربعمائة رقبة تقريباً.
(تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان).
فقد أُثر عنه رضي الله عنه قوله: لقد اختبأتُ عند ربي عشراً: إني لرابع أربعة في الإسلام, وما تعتَّيْتُ ولا تمنيت, ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ولا مرت بي جمعةٌ منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة, إلا أن لا يكون عندي فأُعتقها بعد ذلك, ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط.
عثمان بن عفان رضي الله عنه وإسقاط الدين:

روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان له على طلحة بن عبيد الله - وكان من أجود الناس- خمسون ألفاً، فقال له طلحة يوماً:- قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال له عثمان رضي الله عنه: هو لك معونة على مروءتك.
(تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان) عثمان بن عفان رضي الله عنه وإطعام الطعام:

سن عثمان رضي الله عنه سنة جديدة، حيث كان يضع الطعام في المسجد في رمضان ويقول: هو للمتعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترين.
والمعتر هو: الفقير، المعترض للمعروف بدون سؤال.
كما بلغ عثمان رضي الله عنه أن أبا سمال الأسدي ومعه نفر من أهل الكوفة ينادي مناد لهم إذا قدم الميار (الميارهو جالب الميرة - والميرة: الطعام أن من كان من القبائل ليس لقومهم بالكوفة منزل، فمنزله على أبي سمال.
فاتخذ عثمان رضي الله عنه بعض الدور كمنازل للضيافة ينزل بها الغرباء ممن ليس لهم منزل، ومن هذه الدور منزل عبد الله بن مسعود في هذيل، وكان الأضياف ينزلون داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد.
(تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان) وقال الحسن: رأيت عثمان بن عفان-رضي الله عنه-يقيل ينام وقت الظهيرة في المسجد وهو يومئذ خليفة، وقد أثر الحصى بجنبه فنقول: هذا أمير المؤمنين! هذا أمير المؤمنين! وكان - رضي الله عنه- وهو خليفة يحمل حزمة الحطب على عاتقه.

أخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن شداد قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة دراهم، ورَيْطة كوفية مُمَشَّقة.
وعن الحسن وسئل عن القائلين في المسجد فقال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يقيل في المسجد وهو يومئذٍ خليفة، قال: ويقوم وأثر الحصى بجنبه.
قال: فيقال: هذا أمير المؤمنين هذا أمير المؤمنين وأخرجه أحمد كما في صفة الصفوة مثله.
وعن شرحبيل بن مسلم أن عثمان رضي الله عنه كان يطعم الناس طعم الإِمارة ويدخل بيته فيأكل الخلَّ والزيت.
وقال شرحبيل بن مسلم: كان عثمان -رضي الله عنه- يطعم الناس طعام الإمارة، وعندما يدخل بيته كان يأكل الخل والزيت.

سيرة علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - و صورٌ من زهده:

وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -:

قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء: سيد القوم، محب المشهود، ومحبوب المعبود، باب مدينة العلم والعلوم ورأس المخاطبات، ومستنبط الإشارات، راية المهتدين، ونور المطيعين، وولي المتقين، وإمام العادلين، أقدمهم إجابة وإيماناً، وأقومهم قضية وإيقاناً وأعظمهم حلماً، وأوقرهم علماً، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
قدوة المتقين، وزينة العارفين، المنبئ عن حقائق التوحيد، المشير إلى لوامع علم التفريد، صاحب القلب العقول، واللسان السؤول، والأذن الواعي، والعهد الوافي، فقاء عيون الفتن، ووقى من فنون المحن، فدفع الناكثين، ووضع القاسطين، ودمغ المارقين، الأخيشن في دين الله، الممسوس في ذات الله.
وقال أيضاً: وكان مزيناً من بين العباد، متحققاً بزينة الأبرار والزهاد.
وكان بذات الله عليماً، وعرفان الله في صدره عظيماً.

- اسم علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - ونسبه:

هو على بن أبى طالب (عبد مناف) 1 بن عبد المطلب، ويقال له شيبة الحمد 2 بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان 3, فهو ابن عم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم، وولده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان اسم علىٍّ عند مولوده أسد، سمته بذلك أمه رضي الله عنها باسم أبيها أسد بن هاشم، ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر حيث يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرة 4... كليث غابات كريه المنظرة 5 وكان أبو طالب غائبًا فلما عاد، لم يعجبه هذا الأسم وسماه عليًا 6.

  • مولد علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -:

وُلِد قبل البعثة بعشر سنين، وتربّى في حجر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يُفارقه.

  • كنية علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -:

أبو الحسن، نسبه إلى أبنه الأكبر الحسن وهو من ولد فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويكنى أيضًا بأبى تراب، كنية كناه بها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما جاء في الحديث الآتي: (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: جاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت، فقال: (أين ابن عمك؟).
قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي.
فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإنسان: (أنظر أين هو؟).
فجاء فقال يا رسول الله هو في المسجد راقد.
فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسحه عنه ويقول: (قم أبا تراب، قم أبا تراب).
،

وكان - رضي الله عنه - يفرح إذا نودي بها، ومن كُنَاه: أبو الحسن والحسين وأبو القاسم الهاشمى (1), وأبو السبطين (2).

  • لقب علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -:

أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين (3).

  • إسلام علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -:

ذكر ابن إسحاق أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء وهما ـ أي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخديجة رضي الله عنها ـ يصلِّين، فقل علي: يا محمد، ما هذا؟ قال: "دين الله الذي اصطفَى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر اللات والعُزَّى"، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمراً حتى أُحدِّث به أبا طالب؛ فكره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يفشيَ عليه سرَّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علي، إذ لم تسلم فاكتم، فمكث عليٌّ تلك الليلة، ثم إنَّ الله أوقع في قلب عليَ الإِسلام فأصبح غادياً إلى رسول الله حتى جاءه، فقال: ماذا عرضت عليَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزَّى، وتبرأ من الأنداد"، ففعل عليٌّ وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم عليٌّ إسلامَه ولم يظهره، كذا في البداية.

- مناقب علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -:

للخليفة الراشد علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً مناقب علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - جملة ً:

(1) علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله بنص السنة الصحيحة:

2 علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منه بنص السنة الصحيحة: 3 علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - مولى من كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مولاه بنص السنة الصحيحة: (4) منزلة علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي: (5) لا يقضي دين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا هو أو علي:1

(6) لا يحب علي إلا مؤمن ولا يُبْغِضه إلا منافق بنص السنة الصحيحة: (7) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ بنص السنة الصحيحة: (8) علي أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ: (9) علي أحد العشرة المبشرين بالجنة بنص السنة الصحيحة: (10) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه زوج فاطمة البتول رضي الله عنها، سيدة نساء العالمين: (11) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه اجتمع له من الفضائل الجمّة ما لم يجتمع لغيره: (12) ومن مناقبه شدة تواضعه - رضي الله عنه -: (13) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أن قاتله أشقى الناس بنص السنة الصحيحة: (14) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه أقضى الصحابة بنص السنة الصحيحة: (15) ومن مناقبه - رضي الله عنه - شدة شجاعته: (16) ومن مناقبه - رضي الله عنه - كريم خُلقه: (17) ومن مناقبه - رضي الله عنه - شدة ابتلاؤه: (18) ومن مناقبه - رضي الله عنه - إنصافه لخصومه: (19) ومن مناقبه أن النبي بشره بالشهادة: (20) ومن مناقبه شدة ورعه في مال المسلمين: (21) ومن مناقبه إنكاره على من فضله على أبي بكر وعمر: (22) اعترافه بفضل عثمان وإنصافه له: ثانياً مناقب علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - تفصيلا ً:

(1) علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله بنص السنة الصحيحة:

كما في الحديث الآتي: (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله).
قال: فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: (أين علي ابن أبي طالب).
فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: (فأرسلوا إليه).
فأتي به فبصق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحد، خير لك من أن يكون لك حمر النعم.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

(يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) منها جواز الثناء على من فعل جميلاً واستحباب ذلك إذا ترتب عليه مصلحة.
(فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطاها): (فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن تكون لك حمر النعم): هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس هناك أعظم منه، وقد سبق بيان أن تشبيه أمور الاَخرة بإعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الإفهام وإلا فذرة من الاَخرة الباقية خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها لو تصورت، وفي هذا الحديث بيان فضيلة العلم والدعاء إلى الهدى وسن السنن الحسنة.
(حديث أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي) قَالَتْ: بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ قَالَتْ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ) أَيْ: حِينَ إِرْسَالِهِ، أَوْ عِنْدَ تَوَقُّعِ إِقْبَالِهِ " (اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي): ِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنَ الْإِمَاتَةِ أَيْ: لَا تَقْبِضْ رُوحِي.
(حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنَ الْإِرَاءَةِ، أَيْ: رُجُوعَهُ بِالسَّلَامَةِ.

(2) علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منه بنص السنة الصحيحة:

كما في الحديث الآتي:

(حديث عمران بن حصين رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيشا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب فمضى في السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا إذا لقينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبرناه بما صنع علي وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدءوا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم فلما قدمت السرية سلموا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام أحد الأربعة فقال يا رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا فأعرض عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والغضب يعرف في وجهه فقال ما تريدون من علي ما تريدون من علي ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (فَأَصَابَ جَارِيَةً) أَيْ: وَقَعَ عَلَيْهَا وَجَامَعَهَا، وَاسْتُشْكِلَ وُقُوعُ عَلِيٍّ عَلَى الْجَارِيَةِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا غَيْرَ بَالِغٍ وَرَأَى أَنَّ مِثْلَهَا لَا يُسْتَبْرَأُ كَمَا صَارَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَاضَتْ عَقِبَ صَيْرُورَتِهَا لَهُ ثُمَّ طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَدْفَعُهُ (فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ):أَيْ عَلَى عَلِيٍّ، وَوَجْهُ إِنْكَارِهِمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْمَغْنَمِ فَظَنُّوا أَنَّهُ غَلَّ.
(وَتَعَاقَدَ) أَيْ: تَعَاهَدَ فأقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والغضب يعرف في وجهه: جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فقال ما تريدون من علي ما تريدون من علي ما تريدون من علي

(إن عليا مني وأنا منه) أَيْ: فِي النَّسَبِ وَالصِّهْرِ، وَالْمُسَابَقَةِ، وَالْمَحَبَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَزَايَا، وَلَمْ يُرِدْ مَحْضَ الْقَرَابَةِ وَإِلَّا فَجَعْفَرٌ شَرِيكُهُ فِيهَا، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ ﴿قَوْلِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَأْنِ جُلَيْبِيبٍ - رضي الله عنه - " هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ "﴾ 1 مَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي اتِّحَادِ طَرِيقَتِهِمَا، وَاتِّفَاقِهِمَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
(حديث حبشي بن جنادة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (عليٌّ مني وأنا من عليٍّ) أي هو متصل بي وأنا متصل به في الاختصاص والمحبة وغيرهما ومن هذه تسمى اتصالية من قولهم فلان كأنه بعضه متحد به لاختلاطهما

(ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ) كان الظاهر أن يقال لا يؤدي عني إلا عليّ فأدخل أنا تأكيداً لمعنى الاتصال في قوله عليّ مني وأنا من عليّ وأخرج الطبراني عن وهب بن حمزة قال: صحبت علياً إلى مكة فرأيت منه بعض ما أكره فقلت: لئن رجعت لأشكونك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلما قدمت قلت: يا رسول اللّه رأيت من عليّ كذا وكذا فقال: لا تقل هذا فهو أولى الناس بكم بعدي رواه الطبراني قال الهيثمي: فيه دكين ذكره أبو حاتم ولم يضعفه أحد وبقية رجاله وثقوا اهـ. (تتمة) أخرج أحمد من طريق الأجلح الكندي عن ابن بريدة عن أبيه قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثين إلى اليمن على أحدهما عليّ والآخر خالد فقال: إذا التقيتما فعليّ على الناس وإن افترقتما فكل منكم على حده فظهر المسلمون فسبوا فاصطفى عليّ امرأة من السبي لنفسه فكتب خالد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك فلما أتيته دفعت الكتاب فقرئ عليه فرأيت الغضب في وجهه فقلت: يا رسول اللّه هذا مكان العائذ بك فقال: لا تقع في عليّ فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي قال جدنا للأم الزين العراقي: الأجلح الكندي وثقه الجمهور وباقيهم رجاله رجال الصحيح وروى الترمذي والنسائي من حديث عمران بن الحصين في قصة طويلة مرفوعاً ما تريدون من عليٍّ إن علياً مني وآنا من عليّ وهو ولي كل مؤمن بعدي وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

﴿تنبيه﴾: احْتَجَّ الشِّيعَةُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ﴿إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ﴾ 1 " عَلَى أَنَّ عَلِيًّا - رضي الله عنه - أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ عَلِيًّا مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ: " ﴿إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي﴾ 2 " وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ فِي غَيْرِ عَلِيٍّ.
قُلْتُ: زَعْمُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ جِدًّا فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ﴿إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي﴾ 3 " أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ حَقِيقَةً، بَلْ مَعْنَاهُ هُوَ مَا قَدْ عَرَفْتَ آنِفًا، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ فِي غَيْرِ عَلِيٍّ فَبَاطِلٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي شَأْنِ جُلَيْبِيبٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: " هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ "؟ قَالُوا نَعَمْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَالَ: " لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فَاطْلُبُوهُ " فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ.
فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: " قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ "4 وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ فِي شَأْنِ الْأَشْعَرِيِّينَ.

فَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ﴿إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرَمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ﴾ 1 ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.، وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ فِي شَأْنِ بَنِي نَاجِيَةَ، فَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبَنِي نَاجِيَةَ: " أَنَا مِنْهُمْ وَهُمْ مِنِّي "﴾ 2. رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ " وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي " كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِزِيَادَةِ مِنْ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا بَعْدِي بِحَذْفِ مِنْ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الشِّيعَةُ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا - رضي الله عنه - كَانَ خَلِيفَةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ منتعصب الشيعه للامام على - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ عَنْ هَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ مَدَارَهُ عَنْ صِحَّةِ زِيَادَةِ لَفْظِ بَعْدِي وَكَوْنُهَا صَحِيحَةً مَحْفُوظَةً قَابِلَةً لِلِاحْتِجَاجِ، وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا قَدْ تَفَرَّدَ بِهَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَهُوَ شِيعِيٌّ بَلْ هُوَ غَالٍ فِي التَّشَيُّعِ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: قَالَ الدُّورِيُّ: كَانَ جَعْفَرٌ إِذَا ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ شَتَمَهُ وَإِذَا ذَكَرَ عَلِيًّا قَعَدَ يَبْكِي، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي كَامِلٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِي أَبِي إِلَى جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ: بَلَغَنَا أَنَّكَ تَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ قَالَ: أَمَّا السَّبُّ فَلَا وَلَكِنِ الْبُغْضُ مَا شِئْتُ فَإِذَا هُوَ رَافِضِيٌّ الْحِمَارُ.

انْتَهَى فَسَبُّهُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- يُنَادِي بِأَعْلَى نِدَاءٍ أَنَّهُ كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ زَكَرِيَّاءَ السَّاجِيِّ: وَأَمَّا الْحِكَايَةُ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهُ فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ جَارَيْنِ كَانَا لَهُ قَدْ تَأَذَّى بِهِمَا يُكَنَّى أَحَدُهُمَا: أَبَا بَكْرٍ، وَيُسَمَّى الْآخَرُ عُمَرُ فَسُئِلَ عَنْهُمَا فَقَالَ: أَمَّا السَّبُّ فَلَا وَلَكِنْ بُغْضًا مَا لَكَ وَلَمْ يَعْنِ بِهِ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ كَمَا قَالَ.
انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ كَلَامُ ابْنِ عَدِيٍّ هَذَا صَحِيحًا فَغُلُوُّهُ مُنْتَفٍ، وَإِلَّا فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ شِيعِيًّا فَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ زَاهِدٌ لَكِنَّهُ كَانَ يَتَشَيَّعُ.
انْتَهَى، وَكَذَا فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَقْوَى بِهِ مُعْتَقَدُ الشِّيعَةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا رَوَى شَيْئًا يُقَوِّي بِهِ بِدْعَتَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي مُقَدِّمَتِهِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَتِهِ وَمُرَوِّجًا لَهُ رُدَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قُبِلَ إِلَّا أَنْ يَرْوِيَ شَيْئًا يُقَوِّي بِهِ بِدْعَتَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ قَطْعًا.
انْتَهَى.

(3) علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - مولى من كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مولاه بنص السنة الصحيحة: كما في الحديث الآتي:

(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: علي بن أبي طالب مولى من كنت مولاه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (علي بن أبي طالب مولى من كنت مولاه) قيل في معناه من كنت أتولاه فعليّ يتولاه قال الحرالي: والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما هو ليس بمستطيع له.

(4) منزلة علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي:

(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى تبوك، واستخلف عليا، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبي بعدي.
(حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (عليّ مني بمنزلة هارون من) أخيه (موسى) يعني متصل بي ونازل مني منزلته حين خلفه في قومه بني إسرائيل لما خرج إلى الطور فالباء زائدة كما قاله الكرماني ولما كان وجه الشبه مبهماً في الجملة بينه بقول (إلا أنه لا نبي بعدي) ينزل بشرع ناسخ لهذه الشريعة نفى الاتصال به من جهة النبوة فبقى من جهة الخلافة لأنها تلي النبوة في الرتبة ثم إنها محتملة لأن تكون في حياته أو بعد مماته فخرج بعد مماته لأن هارون مات قبل موسى بنحو أربعين سنة فتعين أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك كمسير موسى إلى مناجاة ربه ذكره جمع منهم القرطبي قال: وإنما قال إلا إلخ تحذيراً مما وقع فيه قوم موسى من غلاة الروافض فإنهم زعموا أن علياً نبي يوحى إليه وتناهى بعضهم في الغلو إلى أن صار في عليّ ما صارت إليه النصارى في المسيح قالوا: إنه الإله وقد حرق عليّ من قال ذلك فافتتن به جماعة منهم وزادهم ضلالاً فقالوا: الآن تحققنا أنه اللّه لأنه لا يعذب بالنار إلا اللّه، وهذه كلها أقوال عوامّ جهال سخفاء العقول لا يبالي أحدهم بما يقول فلا ينفع معهم البرهان لكن السيف والسنان.

(5) لا يقضي دين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا هو أو علي:

(حديث حبشي بن جنادة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (عليٌّ مني وأنا من عليٍّ) أي هو متصل بي وأنا متصل به في الاختصاص والمحبة وغيرهما ومن هذه تسمى اتصالية من قولهم فلان كأنه بعضه متحد به لاختلاطهما

(ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ) كان الظاهر أن يقال لا يؤدي عني إلا عليّ فأدخل أنا تأكيداً لمعنى الاتصال في قوله عليّ مني وأنا من عليّ وأخرج الطبراني عن وهب بن حمزة قال: صحبت علياً إلى مكة فرأيت منه بعض ما أكره فقلت: لئن رجعت لأشكونك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلما قدمت قلت: يا رسول اللّه رأيت من عليّ كذا وكذا فقال: لا تقل هذا فهو أولى الناس بكم بعدي رواه الطبراني قال الهيثمي: فيه دكين ذكره أبو حاتم ولم يضعفه أحد وبقية رجاله وثقوا اهـ. (تتمة) أخرج أحمد من طريق الأجلح الكندي عن ابن بريدة عن أبيه قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثين إلى اليمن على أحدهما عليّ والآخر خالد فقال: إذا التقيتما فعليّ على الناس وإن افترقتما فكل منكم على حده فظهر المسلمون فسبوا فاصطفى عليّ امرأة من السبي لنفسه فكتب خالد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك فلما أتيته دفعت الكتاب فقرئ عليه فرأيت الغضب في وجهه فقلت: يا رسول اللّه هذا مكان العائذ بك فقال: لا تقع في عليّ فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي قال جدنا للأم الزين العراقي: الأجلح الكندي وثقه الجمهور وباقيهم رجاله رجال الصحيح وروى الترمذي والنسائي من حديث عمران بن الحصين في قصة طويلة مرفوعاً ما تريدون من عليٍّ إن علياً مني وآنا من عليّ وهو ولي كل مؤمن بعدي وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: علي يقضي ديني.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (عليّ يقضي ديني) بفتح الدال أخرج الطبراني عن ذؤيب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما احتضر قالت له صفية: لكل امرأة من نسائك أهل تلجأ إليهم، وإنك أجليت أهلي فإن حدث حدث فإلى من ألجأ؟ قال: إلى عليّ.
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح وأخرج البزار عن جابر دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العباس فقال: اضمن عني ديني ومواعيدي قال: لا أطيق ذلك فوقع به ابنه عبد اللّه فقال: فعل اللّه بك من شيخ فقال: دعني فدعا عليّ بن أبي طالب فقال: نعم هي عليّ فضمنها فلما قدم على أبي بكر مال قال: هذا مال اللّه وما أفاء على المسلمين فحق ما قضى عن نبيه فقضاها قال الهيثمي: فيه إسماعيل بن يحيى متروك.

(6) لا يحب علي إلا مؤمن ولا يُبْغِضه إلا منافق بنص السنة الصحيحة: كما جاء في الحديث الآتي:

(حديث عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يُبْغِضُنِي إلا منافق.
قال جابر بن عبد الله: ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغضهم عليا.
(حديث عمرو بن شاس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من آذى عليا فقد آذاني.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (من آذى علياً) بن أبي طالب (فقد آذاني) قال ذلك ثلاثاً وقد كانت الصحابة يعرفون له ذلك، أخرج الدارقطني عن عمر أنه سمع رجلاً يقع في عليّ فقال: ويحك أتعرف علياً هذا ابن عمه ـ وأشار إلى قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ـ واللّه ما آذيت إلا هذا في قبره.
وروى الإمام أحمد في زوائد المسند بلفظ إنك إن انتقصته فقد آذيت هذا في قبره.
إنكار عمر على رجل نال من علي: وأخرج ابن عساكر عن عروة رضي الله عنه أن رجلاً وقع في علي بمحضر من عمر رضي الله عنهما.
فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره.
كذا في المنتخب.
وأخرج أبو يَعْلَى عن أبي بكر بن خالد بن عُرْفْطة أنه أتى سعد بن مالك رضي الله عنه فقال: بلغني أنكم تُعرَضون على سبِّ علي بالكوفة فهل سببته؟ قال: مَعاذ الله والذي نفس سعد بيده لقدسمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في علي شيئاً لو وُضع المنشار على مفرقي ما سببته أبداً.
قال الهيثمي: إسناده حسن.

(7) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ بنص السنة الصحيحة:

كما في الحديث الآتي: (حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ) أَيِ: الْمَفْتُوحَةِ فِي الْمَسْجِدِ (إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ﴿تنبيه﴾: وَضَعَتْ الرَّوَافِضُ هذا الحديث فِي مُعَارَضَةِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الآتي:

(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: خطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله).
فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر.
ورَدَّ الإمام ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لِحَدِيثِ عَلِيٍّ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ بَلَغَتْ بَعْضُهَا حَدَّ الصِّحَّةِ وَبَعْضُهَا مَرْتَبَةَ الْحَسَنِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ وَفَتْحِ بَابِ عَلِيٍّ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ بِسَدِّ الْخَوْخَاتِ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فِي مَرَضِهِ حِينَ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَقَلُّ.

(8) عليٌ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ:

(حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلِيٌّ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (أَوَّلُ مَنْ صَلَّى) أَيْ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ (عَلِيٌّ) أَيِ: ابْنُ أَبِي طَالِبٍ (حديث زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ) أَيْ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ (عَلِيٌّ) أَيِ: ابْنُ أَبِي طَالِبٍ

(9) علي أحد العشرة المبشرين بالجنة بنص السنة الصحيحة:

كما في الحديث الآتي: (حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.

(حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي يقول أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة.
قال الذهبي رحمه الله: قلت لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.
أهـ

(10) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه زوج فاطمة البتول رضي الله عنها، سيدة نساء العالمين:

وهو أبو السبطين الحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما.

(11) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه اجتمع له من الفضائل الجمّة ما لم يجتمع لغيره:

فمن ذلك ما أخرجه ابن عساكر أن علياً رضي الله عنه قال: محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحى يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي مَسُوطٌ لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي؟

(12) ومن مناقبه شدة تواضعه - رضي الله عنه -:

(حديث محمد ابن الحنفية رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.
قال عليّ رضي الله عنه: لا أوتي برجل فضلني على أبي بكر وعمر، إلا جلدته حد المفتري.
أخرج ابن عساكر، وأبو موسى المديني في كتاب استدعاء اللباس عن أصْبَغ بن نُباتة قال: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي إليك حاجة قد رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدتُ الله وشكرتُك، وإن لم تقضِها حمدت الله عذرتك؛ فقال علي: أكتب على الأرض؛ فإني أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال علي: عليَّ بحلّة، فأُتيَ بها فأخذها الرجل فلبسها ثم أنشأ يقول: كسوتني حلّة تبلَى محاسنها

فسوف أكسوك من حسن الثنا حُلَلا إِن نلت حسن ثنائي نلتَ مكرمة ولست تبغي بما قد قلتُه بدلا إنَّ الثناء لَيُحيي ذكر صاحبه كالغيث يُحيي نَدَاه السهل والجبلا لا تزهد الدهرَ في خير تُوفَّقُه فكل عبد سيُجزى بالذي عمِلا فقال علي: عليَّ بالدنانير فأُتي بمائة دينار فدفعها إليه، قال الأصبغ: فقلت: يا أمير المؤمنين، حلة ومائة دينار؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "أنزلوا الناس منازلهم" وهذه منزلة هذا الرجل عندي.
كذا في الكنز.

(13) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أن قاتله أشقى الناس بنص السنة الصحيحة:

كما في الحديث الآتي: (حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أحدثكم بأشقى الناس رجلين؟ أحيمر ثمود الذي عقر الناقة و الذي يضربك يا علي على هذه حتى يبل منها هذه.
(يضربك يا علي على هذه): حتى يبل منها هذه) يعني قرنه.
(حتى يبل منها هذه) من الدم _ يعني لحيته قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (ألا أحدثكم) في رواية أحمد والطبراني أحدثكما خطاباً لعمار وعليٌّ لما رآهما وقد اضطجعا في صور من النخل فناما فحركهما برجله وقال: ألا أحدثكما (بأشقى الناس؟ رجلين) عطف بيان وقال أبو البقاء: تمييز كما تقول هذا أشقى الناس رجلاً وجاز تثنيته وجمعه كما قالوا نعم الرجلين الزيدان ونعم رجالاً الزيدون وهم أفضل الناس رجالاً (أحيمر ثمود) تصغير أحمر وهو قدار بن سالف (الذي عقر الناقة) أي قتلها لأجل قول نبيهم صالح عليه السلام ﴿ناقة اللّه وسقياها﴾ أي احذروا أن تصيبوها بمكروه ولا تمنعوها عن شربها وكان أخبرهم أن لها شرب يوم ولهم شرب يوم وإنما قال أحيمر لأنه كان أحمر أشقر أزرق قصيراً ذميماً (والذي) أي وعبد الرحمن بن ملجم المرادي قبحه اللّه (يضربك يا علي) بن أبي طالب بالسيف (على هذه) يعني هامته (حتى يبل منها) بالدم

(هذه) يعني لحيته فمرض علي كرم اللّه وجهه بعد موت المصطفى صلى اللّه عليه وسلم فخرج فضالة بن عبيد الأنصاري له عائداً فقال: ما يقيمك بهذا المنزل لو هلكت به لم يسلك إلا أعراب جهينة فقال: لست ميتاً من مرضي هذا ثم ذكر الحديث رواه أحمد وعن أبي سنان الدولي أنه عاد علياً فقال: قد تخوفنا عليك قال: لكني بما ما تخوفت على نفسي سمعت الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم يقول: فذكر نحوه خرجه الطبراني وحسنه الهيثمي، واعلم أن هذا الحديث من معجزات المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لأنه إخبار عن غيب وقع، وذلك أنه لما كانت ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين استيقظ عليٌّ كرم اللّه وجهه سحراً فقال لابنه الحسن: رأيت الليلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وشكوت له ما لقيت من أمته من اللدد فقال لي: ادع اللّه عليهم فقلت: اللّهم أبدلني بهم خيراً وأبدلهم بي شراً لهم مني فدخل المؤذن على أثر ذلك فقال: الصلاة فخرج عليٌّ كرم اللّه وجهه من الباب ينادي الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل لدماغه فشد عليه الناس من كل جانب فأمسك وأوثق وأقام عليٌّ الجمعة والسبت وانتقل إلى رحمة اللّه ليلة الأحد فقطعت أطراف ابن ملجم ثم جعل في قوصرة وأحرق بالنار.

(14) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه أقضى الصحابة بنص السنة الصحيحة:

كما يلي: (حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
(حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي.

(15) ومن مناقبه - رضي الله عنه - شدة شجاعته:

(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: نزلت: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾.
في ستة من قريش: علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.

وفي اُحد قام طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟! فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه عليّ فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عمّ.
فكبر رسول الله وقال أصحاب عليّ لعلي: ما منعك أن تُجهز عليه؟ قال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه.
وبارز مَرْحَب اليهودي يوم خيبر فخرج مرحب يخطر بسيفه فقال: قد علمت خيبر أني مرحب = شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا الذي سمتني أمي حيدرة = كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة ففلق رأس مرحب بالسيف، وكان الفتح على يديه.
وعند الإمام أحمد من حديث بُريدة رضي الله عنه: فاختلف هو وعليٌّ ضربتين، فضربه على هامته حتى عض السيف منه بيضة رأسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته.
قال: وما تتامّ آخر الناس مع عليّ حتى فتح له ولهم.
وعند الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها يوم أُحد فقال: خذي هذا السيف غير ذميم.
فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لئن كنت أحسنت القتال لقد أحسنه سهل بن حُنَيْف وأبو دُجانة سِماك بن حَرَشَة" قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
انتهى.
قتله عمرو بن عبد ود: أخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن يزيدَ بن رومان عن عروة وعبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنهما قالا: لما كان يوم الخندق خرج عمرو بن عبد وعدّ مُعْلَماً ليُرى مشهدُه، فلما وقف هو وخيله قال له علي: يا عمرو، إنَّك قد كنت تعاهد الله لقريش ألا يدعوك رجل إلى خَلَّتين إلا اخترت إحداهما.
قال: أجَل.
قال فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام.
قال لا حاجة لي في ذلك، قال: فإني أدعوك إلى المبارزة.
قال: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك.
قال علي رضي الله عنه: ولكني ـ والله ـ أحب أن أقتلك.
فحمي عمرو عند ذلك، وأقبل إلى علي رضي الله عنه فتنازلا، فتجاولا، فقتله علي رضي الله عنه.
كذا في الكنز.
أشعار علي عند قتل عمرو بن عبد ود:

ثبت في البداية من طريق البيهقي عن ابن إسحاق قال: خرج عمرو بن عبد وعدّ وهو مقنَّع بالحديد، فنادى من يبارز؟ فقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: أنا لها يا نبي الله، فقال: "إنه عمرو، إجلس".
ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنّبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تُبرزون إِليّ رجلاً؟ فقام علي رضي الله عنه فقال: أنا يا رسول الله، فقال: "إجلس".
ثم نادى الثالثة.
فقال: فذكر شعره.
قال: فقام علي رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا.
فقال: "إنه عمرو".
فقال: "وإن كان عَمْراً.
فأذن له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمشى إليه حتى أتى وهو يقول: لا تعجلنَّ فقد أتاكْ مجيبُ صوتك غير عاجزْ في نية وبصيرة والصدق مَنْجَى كلِّ فائزْ إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائزْ من ضربة نَجْلاء يبقى ذكرها عند الهزاهزْ فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال: يا ابن أخي مِنْ أعمامك من هو أسنّ منك؛ فإني أكره أن أُهَريق دمك، فقال له علي رضي الله عنه: لكني ـ والله ـ لا أكره أن أهَريق دمك.
فغضب فنزل وسلَّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي رضي الله عنه مُغضَباً، واستقبله علي بدَرَقَته؛ فضربه عمرو في دَرَقَته، وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجّه.
وضربه علي رضي الله عنه على حبل عاتقه فسقط، وثار العَجاج؛ وسمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التكبير، فعرفنا أن علياً رضي الله عنه قد قتله؛ فثَمَّ يقول علي رضي الله عنه: أعليَّ تقتحم الفوارسُ هكذا عني وعنهم أخِّروا أصحابي اليوم يمنعني الفرارَ حفيظتي ومُصَمِّمٌ في الرأس ليس بنابي إلى أن قال: عبد الحجارة من سفاهة رأيه وعبدتُ ربَّ محمدٍ بصوابي فصدرت حين تركته متجدلاً كالجِذْع بين دكادكٍ وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المَقَطَّر بزّني أثوابي لا تحسبُنَّ الله خاذلَ دينه ونبيِّه يا معشرَ الأحزابِ قال: ثم أقبل علي رضي الله عنه نحو رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجهه يتهلّل، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هلا إستلبته درعه؟ فإنه ليس للعرب درع خير منها، فقال: ضربته فأقتاني بسوأته، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه.
انتهى.
قتله مرحب اليهودي وبطولته يوم خيبر:

وأخرج مسلم، والبيهقي ـ واللفظ له ـ عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ـ فذكر حديثاً طويلاً، وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فَزارة.
قال: فلم نمكث إلا ثلاثاً حتى خرجنا إلى خيبر.
قال: وخرج عامر رضي الله عنه فجعل يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا ونحن من فضلك ما استغنينا فأنزلنْ سكينةً علينا وثبِّتِ الأقدامِ إِن لاقينا قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "من هذا القائل؟ " فقالوا: عامر فقال: "غفر لك ربك".
قال: ما خصّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطُّ أحداً به إِلا استشهد ـ. فقال عمر رضي الله عنه ـ وهو على جمل ـ: لولا متَّعْتَنا بعامر.
قال: فقدمنا خيبر، فخرج مرحب وهو يخطِر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مَرْحَبْ شاكي السلاحِ بطل مُجَرّبْ إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبْ قال: فبرز له عامر رضي الله عنه وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاحِ بطل مغامر قال: فاختلفنا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر رضي الله عنه، فذهب يسعل له، فرجع على نفسه فقطع أكْحَله فكانت فيها نَفْسهُ.
قال سلمة رضي الله عنه: فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولون: بَطَل عَملُ عامر، قَتَلَ نفسَه.
قال: فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أبكي.
فقال: "ما لك؟ " فقلت: قالوا: إن عامراً بطل عمله فقال: "من قال ذلك؟ " فقلت: نفر من أصحابك.
فقال: "كذب أولئك، بل له الأجر مرّتين".
قال: وأرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى علي يدعو وهو أرمد؛ وقال: "لأُعْطِيَنَّ الراية اليوم رجلاً يحبُّ الله ورسولَه".
قال: فجئت به أقوده.
قال: فبصق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عينه فبرأ؛ فأعطاه الراية.
فبرز مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحبْ شاكي السلاحِ بطل مجرّبْ إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبْ قال فبرز له رضي الله عنه وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حَيْدَرَة كَلَيْثِ غاباتٍ كريهِ المنظرهْ أُوفيهم بالصاع كيل السَّنْدَره قال فضرب مرحباً ففلق رأسه فقلته، وكان الفتح.
هكذا وقع في هذا السياق: أنّ علياً هو الذي قتل مرحباً اليهودي ـ لعنه الله ـ. ومما يدلّ على شجاعته رضي الله عنه أنه نام مكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أراد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهجرة.

(16) ومن مناقبه - رضي الله عنه - كريم خُلقه:

ولأدل على ذلك الموقف الآتي:

أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك، فقال عليّ: اكتب حاجتك على الأرض، فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك.

(17) ومن مناقبه - رضي الله عنه - شدة ابتلاؤه:

فقد ابتُلي رضي الله عنه من قبل أقوام ادّعوا محبّته، فقد ادّعى أقوام من الزنادقة أن علياً رضي الله عنه هو الله! فقالوا: أنت ربنا! فاغتاظ عليهم، وأمر بهم فحرّقوا بالنار، فزادهم ذلك فتنة وقالوا: الآن تيقنا أنك ربنا! إذ لا يعذب بالنار إلا الله.
وقال رضي الله عنه: يهلك فيّ اثنان؛ محب يُقرّظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا إني لست بنبي ولا يوحى إليّ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحقّ عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم.
وقد قيل لعلي رضي الله عنه: إن هنا قوماً على باب المسجد يدّعون أنك ربهم، فدعاهم، فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا! فقال: ويلكم إنما أنا عبدٌ مثلكم؛ أكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وأرجعوا، فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم، فقالوا: كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم، فخدّ لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر.
وقال: احفروا فابعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال رضي الله عنه: لما رأيت الأمر أمراً منكراً... أوقدت ناري ودعوت قنبرا.
قال الحافظ في الفتح: وهذا سند حسن.

(18) ومن مناقبه - رضي الله عنه - إنصافه لخصومه:

فقد رأى عليٌّ رضي الله عنه طلحة رضي الله عنه في واد مُلقى، فنزل فمسح التراب عن وجهه وقال: عزيز عليّ أبا محمد بأن أراك مجدلا في الأودية تحت نجوم السماء.
إلى الله أشكو عجري وبجري.
يعني: سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي.

وقال طلحة بن مصرف انتهى علي رضي الله عنه إلى طلحة رضي الله عنه وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه، ومسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، وقال: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
وكان يقول: أني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله عز وجل: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي.
ولما سُئل عن أهل النهروان [من الخوارج] أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرُّوا.
قيل: أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا.
فقيل: فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بَغَوا علينا، فقاتلناهم ببغيهم علينا.
رواه ابن أبي شيبة والبيهقي.

(19) ومن مناقبه أن النبي بشره بالشهادة:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.
﴿تنبيه﴾: وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.

(20) ومن مناقبه شدة ورعه في مال المسلمين:

أخرج أبو نُعيم في الحلية عن علي بن ربيعة الوالبي (عن علي بن أبي طالب) قال: جاءه ابن النبَّاح فقال: يا أمير المؤمنين إمتلأ بيت مال المسلمين، من صفراء وبيضاء، فقال: الله أكبر فقام متوكئاً على ابن النبّاح حتى قام على بيت مال المسلمين، فقال: هذا جنيَ وخيارُه فيهْ وكلُّ جانٍ يَدُه إلى فيهْ يا ابن النبَّاح ليَّ بأشياع الكوفة، قال: فنُودي في الناس، فأعطى جميع ما في بيت مال المسلمين وهو يقول: يا صفراء، ويا بيضاء، غُرِّي غيري، ها، وها؛ حتى ما بقي منه دينار ولا درهم.
ثم أمره بنَضْحه وصلَّى فيه ركعتين.
وعن مُجَمَّع التَّيمي قال: كان علي رضي الله عنه يكنس بيت المال ويصلي فيه يتخذه مسجداً رجاءَ أن يشهد له يوم القيامة.
وأخرجه ابن عبد البرّ في الإستيعاب عن مُجَمِّع التَّيْمي نحوه.
وعن معاذ بن العلاء عن أبيه عن جده قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أصبت من فيئكم إلا هذه القارورة أهدها إليَّ الدِّهقان، ثم نزل إلى بيت المال ففرَّق كل ما فيه، ثم جعل يقول: أفلح من كانت له قوْصَرَّة يأكل منها كلّ يوم مرّة

وعن عنترة الشيباني قال: كان علي رضي الله عنه يأخذ في الجزية والخراج من أهل كل صناعة من صناعته وعمل يده، حتى يأخذ من أهل الابر، الإِبر، والمسال، والخيوط، والحبال، ثم يقسمه بين الناس؛ وكان لا يدع في بيت المال مالاً يبيت فيه حتى يقسمه؛ إلا أن يغلبه شغل فيصبح إِليه، وكان يقول: يا دنيا، لا تغريني وغُرِّي غيري، وينشد: هذا جنايَ وخيارُه فيهْ وكلُّ جانٍ يَدهُ إلى فيهْ وأخرج أبو عبيد عن عنترة قال: أتيت علياً رضي الله عنه يوماً فجاءه قنبر، فقال: يا أمير المؤمنين إنَّك رجل لا تليق شيئاً، وإنَّ لأهل بيتك في هذا المال نصيباً، وقد خبأت لك خبيئة، قال: وما هي؟ قال: إنطلق فانظر ما هي، قال: فأدخله بيتاً فيه باسنة مملوءة آنية ذهب وفضة مموَّهة بالذهب، فلما رآها علي قال: ثكلتك أمك لقد أردت أن تدخل بيتي ناراً عظيمة؟ ثم جعل يزنها ويعطي كل عريف بحصته؛ ثم قال: هذا جني وخيارُه فيهْ وكلُّ جانٍ يدهُ إلى فيهْ لا تغريني، وغرِّي غيري.
كذا في منتخب الكنز وأخرج أحمد في الزهد ومسدَّد عن مجمِّع نحو ما تقدم عن أبي نعيم في الحلية كما في المنتخب.
وأخرج أبو عبيد عن عنترة قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخَوَرْنَق وعليه قطيفة وهو يُرعد من البرد، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيباً في هذا المال وأنت تُرعد من البرد؟ فقال: إنِّي ـ والله ـ لا أرزأ من مالكم شيئاً، وهذه القطيفة هي التي خرجت من بيتي ـ أو قال من المدينة ـ، كذا في البداية.
وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في الحلية عن هارون بن عنترة عن أبيه نحوه.
حديثه فيما يحل للخليفة من مال الله: وأخرج أحمد عن عبد الله بن رزين قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الأضحى، فقرب إِلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك الله لو أطعمتنا هذا البط ـ يعني الإِوز ـ فإن الله قد أكثر الخير، قال: يا ابن رزين، إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو وأهله، وقصة يضعها بين يدي الناس".
كذا في البداية.

(21) ومن مناقبه إنكاره على من فضله على أبي بكر وعمر:

وأخرج خيثمة وابن عساكر عن أبي الزِّناد قال: قال رجل لعلي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين ما بال المهاجرين والأنصار قدَّموا أبا بكر وأنت أوفى منه مَنْقَبَة، وأقدم منه سِلماً، وأسبق سابقة؟ قال: إن كنت مقرشياً فأحسبك من عائذة، قال: نعم، قال: لولا أن المؤمن عائذ الله لقتلتك، ولئن بقيت ليأتينَّك مني روعة حصراء، ويحك إن أبا بكر سبقني إلى أربع: سبقني إلى الإِمامة، وتقديم الإِمامة، وتقديم الهجرة وإلى الغار، وإفشاء الإِسلام؛ ويحك إن الله ذمَّ الناس كلَّهم ومدح أبا بكر فقال: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (سورة التوبة، الآية 40) الآية.
كذا في منتخب الكنز.
وأخرجه العِشاري عن ابن عمر بمعناه، كما في المنتخب.
هَمُ عليٍ بقتل ابن سبأ لتفضيله إياه على الشيخين: أخرج أبو نعيم في الحلية عن أم موسى قالت: بلغ علياً رضي الله عنه أن ابن سبأ يفضله على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهمَّ علي بقتله، فقيل له: أتقتل رجلاً إنما أجلَّك وفضلك؟ فقال: لا جَرَم لا يساكنني في بلدة أنا فيها.
وأخرج العِشَاري واللألكائي عن إبراهيم قال: بلغ علياً رضي الله عنه أن عبد الله بن الأسود ينتقص أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فدعا بالسيف فهمَّ بقتله، فكُلم فيه، فقال: لا يساكنني في بلد أنا فيه، فنفاه إلى الشام.
كذا في المنتخب.
وأخرج العِشَاري عن الحسن بن كَثِير عن أبيه قال: أتى علياً رضي الله عنه رجل فقال: أنت خير الناس، فقال: هل رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا، قال: ما رأيت أبا بكر؟ قال: لا، قال: أما إنك لو قلت إنك رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقتلتك، ولو قلت رأيت أبا بكر وعمر لحددتك.
وأخرج ابن أبي عاصم وابن شاهين واللألكائي والأصبهاني وابن عساكر عن علقمة قال: خطبنا علي رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه بلغني أن ناساً يفضلوني على أبي بكر وعمر، ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت فيه، ولكني أكره العقوبة قبل التقدُّم، فمن قال شيئاً من ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري.
خير الناس بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو بكر، ثم عمر، ثم أحدَثْنا بعدهم أحداثاً يقضي الله فيها ما يشاء.
خطبة عظيمة لعلي في بيان فضل الشيخين:

وعند خيثمة واللألكائي وأبي الحسن البغدادي والشيرازي وابن مَنْده وابن عساكر عن سُويد بن غَفْلة قال: مررتُ بقوم يذكرون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وينتقصونهما.
فأتيت علياً رضي الله عنه فذكرت له ذلك فقال: لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووزيراه ثم صعد المنبر فخطب خطبة بليغة فقال: ما بال أقوام يذكرون سيدَي قريش وأبوَي المسلمين بما أنا عنه متنزه، وممَّا يقولون بريء، وعلى ما يقولون معاقب؟ والذي فَلَق الحبة وبرأ النَّسَمة إنه لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يُبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصدق والوفاء يأمران وينهيان ويعاقبان، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يرى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كرأيهما رأياً، ولا يحب حبهما حباً، مضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عنهما راضٍ والناس راضون، ثم وُلي أبو بكر الصلاة، فلما قبض الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاَّه المسلمون ذلك وفوَّضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ـ وكنت أولَ من يُسمَّى له من بني عبد المطلب ـ وهو لذلك كاره، يود أن يعضنا كفاه، فكان ـ والله ـ خير من بقي، أرأفه رأفة، وأرحمه رحمة، وأكيسه ورعاً، وأقدمه إسلاماً، شبهه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفواً ووقاراً، فسار بسيرة رسول الله حتى قبض رحمة الله عليه.

ثم وَلي الأمر من بعده عمر بن الخطاب، واستُأمر في ذلك الناس، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فكنت ممن رضي.
فو الله ما فارق عمر الدنيا حتى رضي من كان له كارهاً، فأقام الأمر على منهاج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبه، وناصر المظلوم على الظالم.
ثم ضرب الله بالحق على لسانه حتى رأينا أن مَلَكاً ينطلق على لسانه، وأعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قِواماً، وقذف في قلوب المؤمنين الحب له وفي قلوب المنافقين الرهبة له، شبهه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجبريل فظاً غليظاً على الأعداء، وبنوح حَنقاً ومغتاظاً على الكافرين.
فمن لكم بمثلهما؟ لا يُبلغ مبلغهما إلا بالحبِّ لهما واتباع آثارهما، فمن أحبهما فقد أحبني، و من أبغضهما فقد أبغضني وأنا منه بريء.
ولو كنت تقدمتُ في أمرهما لعاقبت أشد العقوبة، فمن أُتيت به بعد مقامي هذا فعليه ما على المفتري.
ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ثم الله أعلم بالخير أين هو.
أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولكم.
كذا في منتخب الكنز.

(22) اعترافه بفضل عثمان وإنصافه له:

أخرج ابن عساكر عن أبي إسحاق قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن عثمان ـ رضي الله عنه ـ في النار.
قال: ومن أين علمت؟ قال: لأَنَّه أحدث أحداثاً، فقال له علي: أتراك لو كانت لك بنت أكنت تزوجها حتى تستشير؟ قال: لا، قال: فرأي هو خير من رأي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابنتيه؟ وأخبرني عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكان إذا أراد أمراً يستخير الله أو لا يستخيره؟ قال: لا، بل كان يستخيره، قال: أفكان الله يخير له أم لا؟ قال: بل يخير له، قال: فيخبرني عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختار الله له في تزويجه عثمان أم لم يختر له؟ ثم قال: لقد تجردتُ لك لأضرب عنقك فأبى الله ذلك، أما والله لو قلت غير ذلك لضربت عنقك.
كذا في المتنخب.

ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه -:

لقد فهم علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي: (1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى: (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار: كما قال مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه: تعريف علي ابن أبي طالب رضي الله عنه للزهد:

قال على رضي الله عنه: الزهد بين كلمتين من القرآن، قال تعالى (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: 23] ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.
﴿تنبيه﴾: وفي كلمته هذه من تحديد الزهد ضمن إطار (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) لإفهام الناس معنى الزهد في هذه الدنيا وذلك بالهدوء وعدم الاهتياج فلا العُسر يبقى ولا اليُسر والمطلوب هو الصبر والشكر على كل حال، وتنبيه الناس عن الفهم السلبي للزهد بالابتعاد عن نِعَمِ الله تعالى وطيباته وزينته التي أخرج لعباده، كما هم عليه بعض الجاهلين الذين يحاولون إبعاد المسلمين عن أي اهتمام بالأمور المادية الدنيوية مع ما فيها من المفاسد من قبيل فتح المجال لسيطرة الآخرين من أعداء الإسلام على خيرات المسلمين وبركاتهم ومنابعهم المادية الغنية التي قل مثلها في غير بلاد المسلمين، فلتوعية المسلمين وغيرهم وإيصال المعنى المطلوب من الزهد: فليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا بتحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل، وألا تأسَ على ما فاتك ولا تفرح بما آتاك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق بن إبراهيم قال: من أراد أن يعرف معرفته بالله فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس بأيهما قلبه أوثق.
فلا بد من الاعتدال في كل شيء دون الإفراط والتفريط وعدم نسيان الآخرة قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص: 77] إذن ليس الزهد أن لا تملك شيئاً إنما أن لا يملك شيء.
قال على رضي الله عنه: طوبى للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً، و ترابها فراشاً، و ماءها طيباً، و الكتاب شعاراً، و الدعاء دثاراً، و رفضوا الدنيا رفضاً.
وقال أيضا: فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا حزت من أرضها شبرا.

وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه آيةً في الزهد ممتنعاً عن تناول الاطعمة الشهية فقد اقتصر على ما يسد الرمق من الأطعمة البسيطة كالخبز والملح وربما تعداه إلى اللبن أو الخل وكان في أيام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يربط الحجر على بطنه من الجوع وكان قليل التناول للحم وقد قال رضي الله تعالى عنه لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوانات".
كان وهو أمير المؤمنين يأكل الشعير الذي تطحنه امرأته بيديها.
وقد أُثر عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ¸أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب·.
وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفه إيثارًا للخِصَاص التي يسكنها الفقراء.
وقد كان من كرمه أن يؤثر الفقراء والمساكين على نفسه، وكثيرًا ما قدم طعامه الذي لا يملك غيره لمسكين أو يتيم أو أسير.
إن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه لم ينل من أطايب الطعام حتى وافته المنية، فقد افطر أخر يوم من حياته في شهر رمضان على خبز وجريش ملح، وأمر برفع اللبن الذي قدمته ابنته السيدة أم كلثوم، وهو في نفس الوقت كان رضي الله عنه يطعم اليتامى العسل بيده حتى قال بعض أصحابه، وددت أني كنت يتيماً.
لقد زهد الإمام في جميع متع الحياة الدنيا وتجرد تجرداً تاماً من جميع رغباتها، قال ابن أبي الحديد: انه ما شبع من طعام قط، وقد أتي له بفالوذج وهو حلواء تصنع من الدقيق والماء والعسل، فلما رآه قال: إنه طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم، ولكن اكره أن أُعَوَّدَ نفسي ما لم تعتد".
عن أبي صالح الذي كان يخدم أم كلثوم ابنة علي قال: دخلت على أم كلثوم وهي تمشط وستر بينها وبيني, فجلست أنتظرها حتى تأذن لي, فجاء حسن وحسين فدخلا عليها وهي تمشط, فقالا: ألا تطعمون أبا صالح شيئا؟ قالت: بلى, قال: فأخرجوا قصعة فيها مرق بحبوب, فقلت: أتطعمونني هذا وأنتم أمراء؟ فقالت أم كلثوم: يا أبا صالح, فكيف لو رأيت أمير المؤمنين وأتي بأترنج فذهب حسن أو حسين يتناول منه أترنجة فنزعها من يده ثم أمر به فقسم.
عن الحارث عن علي قال: أهديت فاطمة ليلة أهديت إلي وما تحتنا إلا جلد كبش.
عن الشَّعْبي قال: قال علي رضي الله عنه: لقد تزوجت فاطمة بنت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما لي ولها فراش غيرُ جلد كَبْش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، وما لي خادم غيرها.
كذا في الكنز.

روى صالح بن الاسود قال: رأيت علياً قد ركب حماراً وأدلى برجليه إلى موضع واحد وهو يقول: أنا الذي أهنت الدنيا.
أجل والله لقد احتقر الإمام الدنيا فلم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة والحكم، واتجه نحو الله تعالى، وعمل كل ما يقربه إليه زلفى.
وجاءه ابن التياح فقال: يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء.
فقال: الله أكبر فقام متوكئًا على ابن التياح حتى قام على بيت المال وهو يقول: يا صفراء ويا بيضاء غُري غيري، هاء وهاء، حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم.
ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين.
ودخل مرةً بيت المال فرأى فيه شيئًا، فقال: لا أرى هذا هنا وبالناس حاجة إليه، فأمر به فقُسّم، وأمر بالبيت فكنس، ونَضح فصلى فيه أو نام فيه.
وصعد رضي الله عنه يومًا المنبر وقال: من يشتري مني سيفي هذا، فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته، فقام إليه رجل وقال: أسلفك ثمن إزار.
واشترى مرة تمرًا بدرهم فحمله في ملحفته فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك فقال: أبو العيال أحق بحمله.
وعوتب في لباسه، فقال: مالكم وللباسي هذا هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم.
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن زيد بن وهب قال: قدم على عليَ وفد من أهل البصرة فيهم رجل من أهل الخوارج يقال له الجعد بن نَعجة.
فعاتب علياً في لَبوسه، فقال علي: مالك وللبوسي؟ إنَّ لبوسي أبعد من الكِبْر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم.
وعن عمرو بن قيس قال قيل لعليّ: يا أمير المؤمنين لم ترقع قميصك؟ قال: يخشع (به) القلب، ويقتدي به المؤمن.
وأخرجه هنّاد عن عمرو بن قيس مثله، كما في المنتخب.
وأخرجه ابن سعد عن عمرو نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة وهنّاد عن عطاء أبي محمد قال: رأيت على عليَّ قميصاً من هذه الكرابيس غير غسيل.
وعند هنَّاد وابن عساكر عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت على عليَ بن أبي طالب قميصاً رازيَّاً إذا مدَّ يده بلغ أطراف الأصابع، وإذا تركه رجع إلى قريب نصف الذراع.
كذا في المنتخب.
وأخرج بن عيينة في جامعه والعسكري في المواعظ وسعيد بن منصور والبيهقي وابن عساكر عن عليَ أنَّه كان يلبس القميص ثم يمدُّ الكم، حتى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضَل ويقول: لا فضل لكمَّين على اليدين.
كذا في الكنز.

وعند أبي نُعيم في الحلية عن أبي سعيد الأزدي ـ وكان إماماً من أئمة الأزد ـ قال: رأيت علياً رضي الله عنه أتى السوق وقال: من عند قميص صالح بثلاثة دراهم؟ فقال رجل: عندي، فجاء به فأعجبه قال: لعلَّه خير من ذلك، قال: لا، ذاك ثمنه؛ قال: فرأيت علياً يقرِض رباط الدراهم من ثوبه، فأعطاه فلبسه، فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه، فأمر به فقُطع ما فضَل عن أطراف أصابعه.
وأخرج أحمد في ازلهد عن مولى لأبي غُصعين قال: رأيت علياً خرج فأتى رجلاً من أصحاب الكرابيس، فقال له: عندك قميص سنبلاني؟ قال: فأخرج إليه قميصاً، فلبسه فإذا هو إلى نصف ساقيه، فنظر عن يمنيه وعن شماله فقال: ما أرى إلا قدراً حسناً، بكم هذا؟ قال: بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فحلَّها من إزاره فدفعها إليهثم انطلق.
كذا في البداية.
وهاك بعض أبيات من أنفس ما قاله أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في الزهد: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت... أن السعادة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها... إلا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير طاب مسكنة... وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها... ودورنا لخراب الدهر نبنيها أين الملوك التي كانت... مسلطنة... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها فكم مدائن في الأفاق... قد بُنيت... أمست خرابا وأفتى الموت أهليها لا تركنن إلى الدنيا... وما فيها... فالموت لاشك يفنينها ويفنيها لكل نفس وإن كانت على... وجلٍ... من المنية أمال تقويها المرء يبسطها والدهر يقبضها... والنفس تنشرها والموت يطويها إنما المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ... الدين أولها والعقل ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها... والجود خامسها والفضل سادسها والبر سابعها والشكر ثامنها... والصبر تاسعها واللين باقيها والنفس تعلم أني لا أصادقها... ولست أرشد إلا حين اعصيها واعمل لدارٍ غدا رضوان خازنها... والجار أحمد والرحمن ناشيها قصورها ذهب والمسك طينتها... والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن محض ومن العسل... والخمر يجري رحيقا في مجاريها والطير تجري على الأغصان عاكفة... تسبح الله جهرا في مغانيها من يشتري الدار في الفردوس يعمرها... بركعة في الظلام الليل يحييها من صور زهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في طعامه:

أخرج أبو نعيم في الحلية عن رجل من ثقيف أن علياً إستعمله على عُكَبرا قال: ولم يكن السَّواد يسكنه المصلون، وقال لي: إذا كان عند الظهر فَرُح إليَّ، فرحت إليه فلم أجد عنده حاجباً يحبسني عنه دونه، فوجدته جالساً وعنده قدح وكوز من ماء، فدعا بطينة فقلت في نفسي: لقد أمِنَني حتى يخرج إليَّ جوهراً ولا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم، فإذا فيها سَوِيق فأخرج منها فصبَّ في القدح فصب عليه ماء فشرب وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك؟ قال: أما والله ما أختم عليه بخلاً عليه، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره، وإنما حفظي لذلك، وأكره أن أدخل بطني إلا طيباً.
وعن الأعمش قال: كان علي رضي الله عنه يُغدِّي ويُعشِّي، ويأكل هو من شيء يجيئه من المدينة.
قول علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - لما أُتي بالفالوذج: وأخرج أيضاً عن عبد الله بن شريك عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أُتي بفالوذج فوضع قدامه بين يديه، فقال: إِنك طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم؛ لكن أكره أن أعوّد نفسي ما لم تعتده.
وأخرجه أيضاً عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده عن عبد الله بن شريك مثله، كما في المنتخب.
إِزار علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - رضي الله عنه: وأخرج ابن المبارك عن زيد بن وهب قال: خرج علينا علي رضي الله عنه وعليه رداء وإزار قد وثَّقه بخرقة فقيل له، فقال: إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزَّهْو، خيراً لي في صلاتي، وسنّة للمؤمن.
كذا في المنتخب.
وأخرج البيهقي عن رجل قال: رأيت على علي رضي الله عنه إزارا غليظاً، قال: إشتريته بخمسة دراهم، فمن أربحني فيه درهاً بعته إِياه.
كذا في منتخب الكنز.
بيع علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - سيفه لشراء الإِزار: وأخرج يعقوب بن سفيان عن مُجمِّع بن سمعان التيمي قال: خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسيفه إلى السوق فقال: من يشتري مني سيفي هذا فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إِزاراً ما بعته.
كذا في البداية.
وأخرج أبو القاسم البغوي عن صالح بن أبي الأسود عمَّن حدثه أنه رأى علياً رضي الله عنه قد ركب حماراً ودلَّى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنتُ الدنيا.
كذا في البداية.

سيرة طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -

و صورٌ من زهده:

وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:

أولاً: لمحات من سيرة طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه -:

قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء: من الأعلام الشاهرة، ص (4) الأحوال الزاهرة، الجواد بنفسه، الفياض بماله، طلحة بن عبيد الله، قضي نحبه، وأقرض ربه، كان في الشدة والقلة لنفسه بذولاً، وفي الرخاء والسعة بماله وصولاً.
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي المكي أبو محمد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة له، قال أبو عبد الله بن مندة كان رجلا آدم كثير الشعر ليس بالجعد القطط ولا بالسبط حسن الوجه إذا مشى أسرع ولا يغير شعره، موسى بن طلحة قال كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة مربوعا إلى القصر هو أقرب رحب الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم القدمين إذا التفت التفت جميعا.
وقال الذهبي رحمه الله: كان ممن سبق إلى الإسلام وأوذي في الله ثم هاجر فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام وتألم لغيبته فضرب له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسهمه وأجره قال أبو القاسم بن عساكر الحافظ في ترجمته كان مع عمر لما قدم الجابية وجعله على المهاجرين وقال غيره كانت يده شلاء مما وقى بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد.

- اسم طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - وكنيته:

طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي المكي أبو محمد.

  • قصة إسلام طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -:

لقد كان في تجارة له بأرض بصرى حين لقي راهبا من خيار رهبانها، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من بلاد الحرم، والذي تنبأ به الأنبياء الصالحون قد أهلّ عصره وأشرقت أيامه.. وحّر طلحة أن يفوته موكبه، فانه موكب الهدى والرحمة والخلاص.. وحين عاد طلحة إلى بلده مكة بعد شهور قضاها في بصرى وفي السفر، ألفى بين أهلها ضجيجا.. وسمعهم يتحدثون كلما التقى بأحدهم، أو بجماعة منهم عن محمد الأمين.. وعن الوحي الذي يأتيه.. وعن الرسالة التي يحملها إلى العرب خاصة، والى الناس كافة.. وسأل طلحة أول ما سأل أبي بكر فعلم أنه عاد مع قافلته وتجارته من زمن غير بعيد، وأنه يقف إلى جوار محمد مؤمنا منافحا، أوّابا.. وحدّث طلحة نفسه: محمد، وأبو بكر.. ؟؟ تالله لا يجتمع الاثنان على ضلالة أبدا.!! ولقد بلغ محمد الأربعين من عمره، وما عهدنا عليه خلال هذا العمر كذبة واحدة.. أفيكذب اليوم على الله، ويقول: أنه أرسلني وأرسل إلي وحيا.. ؟؟ وهذا هو الذي يصعب تصديقه.. وأسرع طلحة الخطى ميمما وجهه شطر دار أبي بكر.. ولم يطل الحديث بينهما، فقد كان شوقه إلى لقاء الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومبايعته أسرع من دقات قلبه.. فصحبه أبو بكر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث أسلم وأخذ مكانه في القافلة المباركة.. وهكذا كان طلحة من المسلمين المبكرين.

وعلى الرغم من جاهه في قومه، وثرائه العريض، وتجارته الناجحة فقد حمل حظه من اضطهاد قريش، اذ وكل به وبأبي بكر نوفل بن خويلد، وكان يدعى أسد قريش، بيد أن اضطهادهما لم يطل مداه، اذ سرعان ما خجلت قريش من نفسها، وخافت عاقبة أمرها.. وهاجر طلحة إلى المدينة حين أمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عدا غزوة بدر، فان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قد ندبه ومعه سعيد بن زيد لمهمة خارج المدينة.. ولما أنجزاها ورجعا قافلين إلى المدينة، كان النبي وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجهاد في أولى غزواته.. بيد أن الرسول أهدى إليهما طمأنينة سابغة، حين أنبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تماما، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها.. وتجيء غزوة أحد لتشهد كل جبروت قريش وكل بأسها حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمّن مصيرها بإنزال هزيمة نهائية بالمسلمين، هزيمة حسبتها قريش أمرا ميسورا، وقدرا مقدورا.. !! ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم.. ودارت الدائرة على المشركين.. ثم لما رآهم المسلمون ينسحبون وضعوا أسلحتهم، ونزل الرماة من مواقعهم ليحوزوا نصيبهم من الغنائم.. وفجأة عاد جيش قريش من الوراء على حين بغتة، فامتلك ناصية الحرب زمام المعركة.. واستأنف القتال ضراوته وقسوته وطحنه، وكان للمفاجأة أثرها في تشتيت صفوف المسلمين.. وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فألفاه قد صار هدفا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول.. وراح رضي الله عنه يجتاز طريقا ما أطوله على قصره.. ! طريقا تعترض كل شبر منه عشرات السيوف المسعورة وعشرات من الرماح المجنونة!! ورأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعيد يسيل من وجنته الدمو ويتحامل على نفسه، فجنّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين وأمام الرسول وجد ما يخشاه.. سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء.. ووقف طلحة كالجيش اللجب، يضرب بسيفه البتار يمينا وشمالا.. ورأى دم الرسول الكريم ينزف، وآلامه تئن، فسانده وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه..

كان يساند الرسول عليه الصلاة والسلام بيسراه وصدره، متأخرا به إلى مكان آمن، بينما بيمينه، بارك الله يمينه، تضرب بالسيف وتقاتل المشركين الذين أحاطوا بالرسول، وملؤا دائرة القتال مثل الجراد.. !! ولندع الصدّيق أبا بكر رضي الله عنه يصف لنا المشهد.. تقول عائشة رضي الله عنها:" كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد يقول: ذلك كله كان يوم طلحة.. كنت أول من جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لي الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأبي عبيدة بن الجرّاح: دونكم أخاكم.. ونظرنا وإذا به بضع وسبعون بين طعنة.. وضربة ورمية.. وإذا أصبعه مقطوع.
فأصلحنا من شأنه".

جارٍ التحميل