فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 494-533

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 494-533
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ " الْغِيبَةُ أَنْ تَقُولَ فِي الرَّجُلِ مَا فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَإِنْ قَالَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَهَذَا بُهْتٌ ", وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَحْمَدُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ السَّلَفِ وَبِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ مَا نَقَلَ عَنْ الْأَثْرَمِ, وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُعْرَفُ بِلَقَبِهِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ الْأَعْمَشُ إنَّمَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ هَكَذَا فَسَهْلٌ فِي مِثْل هَذَا إذَا كَانَ قَدْ شَهُرَ.
قَالَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ يَجُوزُ ذِكْرُ الرَّاوِي بِلَقَبِهِ وَصِفَتِهِ وَنَسَبِهِ الَّذِي يَكْرَهُهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ تَعْرِيفَهُ لَا تَنَقُّصَهُ لِلْحَاجَةِ كَمَا يَجُوزُ الْجَرْحُ لِلْحَاجَةِ.
أهـ (ما ينبغي لمن سمع غيبة أخيه المسلم:

(قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد، ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر) 1. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي الدرداء الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
((حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيْهِ بِالغَيْبَةِ كَانَ حَقَاً عَلَى اللهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنْ النَّارِ.

((حديث جابر الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ.
(الأسباب الباعثة على الغيبة:

عندما ينظر الإنسان المسلم العاقل ويفكر في الأسباب التي تدفع المغتاب إلى الغيبة وتدفع النمام إلى النميمة فسوف يجد لذلك أسباباً منها ما يأتي: (السبب الأول: هو محاولة الانتصار للنفس والسعي في أن يشفي المغتاب الغيظ الذي في صدره على غيره فعند ذلك يغتابه أو يبهته، أو ينقل عنه النميمة.
(السبب الثاني: الحقد للآخرين والبغض لهم فيذكر مساوئ من يبغض؛ ليشفي حقده ويبرِّد صدره بغيبة من يبغضه ويحقد عليه.
وهذا ليس من صفات المؤمنين كاملي الإيمان نسأل الله العافية.
(السبب الثالث: إرادة رفعة النفس وخفض غيره كأن يقول: فلان جاهل، أو فهمه ضعيف، أو سقيم، أو عبارته ركيكة تدرجاً إلى لفت أنظار الناس إلى فضل نفسه وإظهار شرفه بسلامته عن تلك النقائص التي ذكرها في مَنْ اغتابه.
وهذا من الإعجاب بالنفس نعوذ بالله من ذلك وهو من المهلكات التي بيّنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
(السبب الرابع: موافقة الجلساء والأصحاب، والأصدقاء ومجاملتهم فيما هم عليه من الباطل؛ لكي يُكسَب رضاهم حتى ولو كان ذلك بغضب الله عز وجل وهذا من ضعف الإيمان وعدم مراقبة الله عز وجل.
(السبب الخامس: إظهار التعجب من أصحاب المعاصي: كأن يقول الإنسان: ما رأيت أعجب من فلان كيف يخطئ وهو رجل عاقل أو كبير أو عالم أو غير ذلك وكان من حقه عدم التعيين.
(السبب السادس: السخرية والاستهزاء بالآخرين والاحتقار لهم: (السبب السابع: الظهور بمظهر الغضب لله على من يرتكب المنكر فيظهر غضبه ويذكر اسمه مثل أن يقول فلان لا يستحيي من الله يفعل كذا وكذا ويقع في عرضه بالغيبة.

(السبب الثامن: الحسد فيحسد المغتاب من يُثني عليه الناس ويحبونه فيحاول المغتاب الحسود قليل الدين والعقل أن يزيل هذه النعمة فلا يجد طريقاً إلى ذلك إلا بغيبته والوقوع في عرضه حتى يزيل نعمته أو يقلل من شأنه عند من يثنون عليه.
وهذا من أقبح الناس عقلاً وأخبثهم نفساً نسأل الله العافية، نسأل الله تعالى أن يرزقنا القلب المخموم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خير الناس ذو القلب المخموم و اللسان الصادق قيل: ما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه و لا بغي و لا حسد قيل: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن.
(السبب التاسع: إظهار الرحمة والتّصنُّع بمواساة الآخرين كأن يقول لغيره من الناس: مسكين فلان قد غمني أمره وما هو فيه من المعاصي... (السبب العاشر: التصنع، واللعب، والهزل، والضحك فيجلس المغتاب خبيث النفس فيذكر عيوب غيره مما يضحك به الناس فيضحك الناس فعند ذلك يرتاح ويزيد من الكذب والغيبة على سبيل الهزل والنكت والإعجاب بالنفس.
وهذا ينطبق عليه الحديث الآتي: ((حديث معاوية ابن حيدة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ويلٌ للذي يُحَدِّثُ فيكذبُ ليضحك به القوم ويلٌ له ويلٌ له.
(السبب الحادي عشر: هو أن ينسب إليه فعلاً قبيحاً فيتبرأ منه ويقول: فلان الذي فعله ومحاولة إلقاء اللوم والتقصير على غيره؛ ليظهر بمظهر البريء من العيوب.
(السبب الثاني عشر: الشعور بأن غيره يريد الشهادة عليه أو تنقيصه عند كبير من الكبراء، أو صديق من الأصدقاء، أو سلطان فيسبقه إلى هذا الكبير ويغتابه؛ ليسقط من عينه، وتسقط عدالته، أو مروءته 1. (علاج الغيبة:

الغيبة لها علاجان:

(العلاج الأول: هو أن يعلم الإنسان أنه إذا وقع في الغيبة فهو متعرض لسخط الله تعالى ومقته كما دلت عليه الأحاديث السابقة وغيرها من الأحاديث الصحيحة كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ.
(ويعلم أن حسناته يؤخذ منها يوم القيامة لمن اغتابه بدلاً عما استباح من عرضه فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه فربما ترجح كفة سيئاته فيدخل النار وقد يحصل ذلك للإنسان بإذهاب حسنة واحدة من حسناته أو بوضع سيئة واحدة من سيئات خصمه وعلى تقدير أن لا يحصل هذا الرجحان فكفى بنقص الحسنات عقاباً مع المخاصمة والمطالبة، والسؤال، والجواب، والحساب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإذا آمن الإنسان المسلم بالأخبار الواردة في الغيبة وتدبرها حق التدبر لم ينطق لسانه بغيبة، وتدبر نفسه، وعيوبها، وتقصيرها، وأن يتدبر في إصلاح نفسه عن عيوب الناس والكلام فيهم، وعلى من به عيب أن يستحيي من الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية حين يرى نفسه على العيوب ويذكر عيوب غيره بل ينبغي له أن يلتمس لأخيه عذراً ومخرجاً ويعلم أن عجزه عن تطهير نفسه من ذلك العيب كعجزه هو عن تطهير نفسه من عيوبها فإن كان الذم له بأمر خَلْقي كان ذماً للخالق؛ فإن ذم الصنعة يستلزم ذم صانعها فليتق الله عز وجل ويصلح نفسه عن عيوبها وكفى بذلك شُغلاً! (العلاج الثاني: عليه أن ينظر في السبب الباعث له على الغيبة فإن علاج العلة إنما يتم بقطع سببها المستمدة هي منه.
فإذا كان سبب الغيبة الغضب فعليه أن يقول: إن أمضيت غضبي عليه فأنا أخشى الله أن يمضي غضبه عليَّ بسبب الغيبة فإن الله قد نهاني عنها فعصيته واستخففت بنهيه.

وإذا كان سبب الغيبة موافقة للآخرين وطلب رضاهم فعليك أن تعلم أن الله يغضب عليك إذا طلبت سخطه برضا المخلوقين، فكيف ترضى لنفسك أن تسخط مولاك من أجل إرضاء المخلوقين الذين لا ينفعون ولا يضرون وإن كان الغضب لله فلا تذكر المغضوب عليه بسوء لغير ضرورة بل ينبغي أن تغضب على من اغتابه إلا إذا كان من باب تحذير المسلمين عن الشر.
وهذا سيأتي فيما يجوز من الغيبة.
وإذا كان سبب الغيبة: هو تنزيه النفس ونسبة الخيانة إلى غيرك.
فاعلم أن التعرض لمقت الله أشد من التعرض لمقت الخلق وأنت بالغيبة قد تعرضت لسخط الله يقيناً ولا تدري هل تسلم من سخط الناس أو لا تسلم والذي يرضي الناس بسخط الله يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس... ! وإذا كان: سبب الغيبة هو الرغبة في أن تزكي نفسك بزيادة الفضل وذلك بقدحك في غيرك حتى تشعر الناس أنك تتصف بخلاف ما يتصف به من اغتبته فاعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله تعالى إن كان لك فضل وأنت من اعتقاد الناس فضلك لست على يقين وعلى تقدير أنهم يفضلونك فأنت سينقص فضلك أو يزول بالكلية إذا عرفوك بغيبة الناس والوقوع في أعراضهم فأنت بعت ما عند الله يقيناً بما عند الناس وهماً ولو اعتقدوا فضلك لم يغنوا عنك من الله شيئاً لأن قلوبهم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء فعليك أن تتدبر دقائق الأمور ولا تغتر بظواهرها.
وإذا كان الباعث على الغيبة: هو الحسد فأنت قد جمعت بين عذابين؛ لأنك حسدته على نعمة الدنيا فكنت معذباً بالحسد وذلك لأن الحاسد يجد الهم والغم وضيق الصدر ثم لا يقنع بذلك حتى يضاف إليه عذاباً آخر يوم القيامة فالحاسد قد جمع خسران الدنيا والآخرة وهو في الحقيقة صديق للمحسود عدو لنفسه؛ لأنه يضيف حسناته إلى حسنات المحسود ويتحمل من سيئاته إن لم يكن للحاسد حسنات مع أن الحسد، والغيبة لا تضر المحسود بل ربما كان ذلك سبباً لانتشار فضله.
وإذا كان البعث على الغيبة هو الاستهزاء والسخرية فينبغي للحاسد أن يعلم أنه متى استهزأ بغيره عند الناس فإن ذلك يكون مخزياً لنفسه عند الله ثم عند خلقه وهذه هي الخسارة بعينها.
وإذا كان المغتاب يقصد بغيبته الرحمة لغيره فهذا مقصود فاسد؛ لأنه أراد الرحمة فوقع في الغيبة المحرمة فلو كان صادقاً في رحمته لنصح له ووجّهه وأرشده..

أما إذا كان السبب الباعث على الغيبة هو التعجب والضحك، فإنه ينبغي للمغتاب أن يتعجب من نفسه كيف أهلك نفسه بنفس غيره وكيف نقص دينه بكمال دين غيره أو بدنياه.
فهو مع ذلك لا يأمن عقوبة الدنيا ويخشى على المغتاب أن يهتك الله ستره ويفضحه في الدنيا قبل الآخرة كما هتك بالتعجب ستر أخيه.
فإذا نظر الإنسان العاقل في أسباب الغيبة وعلاجها واستعمل هذا الدواء الذي ذكر هنا سلم إن شاء الله من ضرر الغيبة وكان ممن اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره، وصان لسانه عن النطق إلا بالخير فبذلك يفوز بخيري الدنيا والآخرة.
وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلنا جميعاً ممن يقول بالحق ويكون أسبق الناس إلى العمل به كما يحب ربنا ويرضى إنه أكرم مسؤول 1. (طريق التوبة من الغيبة: وطريق التوبة بالنسبة لمن اغتاب المسلمين هو أن يتحلله ويطلب منه العفو إذا أمِنَ الفتنة أما إذا كان هذا يسبب الشحناء أو يسبب منكراً آخر أو فتنة فإن المغتاب يذكره بالخير الذي فيه في المجالس التي ذكره فيها بسوء ويرد عنه الغيبة بجهده وطاقته فتكون تلك بتلك إن شاء الله مع مراعاة شروط التوبة وبالله التوفيق 2. (ما يباح من الغيبة:

قال الله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 148] قال النووي رحمه الله تعالى: تباح الغيبة لغرضٍ صحيحٍ شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهي ستة أسباب: (1) التظلم: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولايةٌ أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلانٌ بكذا.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: قالت هند بنت عتبة يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.
(2) الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه أو نحو ذلك.

((حديث زيد ابن أرقم الثابت في الصحيحين) قال: خرجنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ من حوله وقال ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ فأتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل قالوا كذب زيد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله عز وجل تصديقي في ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فدعاهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم.
(3) الاستفتاء: بأن يقول للمفتي ظلمني فلان بكذا، فهل له ذلك وما الطريق في دفع ظلمه عني.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: قالت هند بنت عتبة يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (4) تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين للحاجة.
ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو معاملته أو مجاورته أو غير ذلك، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة لأن المستشار مؤتمن بنص السنة الصحيحة ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المستشار مؤتمن.
ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد على مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم فعليه أن ينصحه ببيان حاله قاصدا النصيحة.
ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت استأذن رجل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه.
(5) أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر.

((حديث فاطمة بنت قيس الثابت في صحيح مسلم) قالت: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له.
(6) التعريف: فإذا كان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج والقصير والأعمى ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصاً ولو أمكن تعريفه بغيرها كان أولى.
(ولله درُ من قال: والذم ليس بغيبة في ستة... متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن... طلب الإِعانة في إِزالة منكر

(2) النميمة:

مسألة: ما هي النميمة، وما خطرها، وما أدلة تحريمها؟ النميمةُ نقل الكلام بين الناس بغرضِ الإفساد.
(تعريف النميمة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى نقلاً عن الإمام الغزالي (رحمه الله) ما ملخصه: (النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه ولا اختصاص لها بذلك، بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولاً، أم فعلاً، وسواء كان عيباً أم لا، حتى لو رأى شخصاً يخفي ماله فأفشى كان ينميه) 1. وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (... في رواية لا يدخل الجنة نمام وفي أخرى قتات وهو مثل الأول فالقتات هو النمام.
ثم قال: قال الجوهري وغيره يقال: (نم الحديث ينمه، وينُمه، بكسر النون وضمها، نما، والرجل نمّامٌ، وقته يقته بضم القاف قتا.
قال العلماء: النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم) 2. والنم إظهار الحديث بالوشاية.
وأصل النميمة الهمس والحركة 3. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى باباً قال فيه: (باب ما يكره من النميمة).
ثم قال ابن حجر رحمه الله تعالى: كأنه أشار بهذه الترجمة إلى بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرًا مثلاً، كما يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرهم) 4. (حكم النميمة:

النميمة محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة 5. (الترهيب من الوقوع في النميمة:

قال الله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم 12،11] وقال سبحانه: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) [الهمزة: 1] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث حذيفة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لا يدخل الجنة قتَّات.
((حديث حذيفة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ.
(والقتات هو النمام.
ووقع في رواية أبي وائل عن حذيقة عند مسلم 1 وقيل.
الفرق بين القتات والنمام أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يستمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه 2. (قال الحافظ ابن حجر: قوله: "لا يدخل الجنة" أي في أول وهلة كما في نظائره 3.أهـ (وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بشيء من المعاصي ما لم يستحله، إلا ما خصه الدليل.
((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) قال: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.
((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أنبئكم ما العَضَةُ؟ هي النميمةُ القالةُ بين الناس.
وعن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: إن محمداً صلّى الله عليه وسلّم قال: ”ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس“ وأن محمداً صلّى الله عليه وسلّم قال: ”إنَّ الرجل يصدق حتى يكتب صديقاً.
ويكذب حتى يكتب كذاباً“ 4.

(وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: ”يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة“ والنميمة من أنواع السحر، لأنها تشارك السحر في التفريق بين الناس وتغيير قلوب المتحابين وتلقيح الشرور 1. (ما ينبغي لمن حملت إليه النميمة:

قال الإمام النووي: (وكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا فعليه ستة أمور: الأول: أن لا يصدق، لأن النمام فاسق.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من أبغضه الله تعالى.
الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته عنه فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نماماً، ويكون آتياً ما نهى عنه... ) 2. (ذو الوجهين:

تأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.
(قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: "إِنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ شَرّ النَّاس لِأَنَّ حَاله حَال الْمُنَافِق إِذْ هُوَ مُتَمَلِّقٌ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاس".
(وقال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: "هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا فَيُظْهِر لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِف لِضِدِّهَا وَصَنِيعه نِفَاق وَمَحْض كَذِب وَخِدَاع وَتَحَيُّل عَلَى الِاطِّلَاع عَلَى أَسْرَار الطَّائِفَتَيْنِ وَهِيَ مُدَاهَنَة مُحَرَّمَة".
((حديث عمار ابن ياسر الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار.

((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الأدب المفرد) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً.
((حديث أَبِي الشَّعْثَاءِ رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ إنَّا نَدْخُلُ عَلَى أَمِيرِنَا فَنَقُولُ الْقَوْلَ فَإِذَا خَرَجْنَا قُلْنَا غَيْرَهُ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النِّفَاقِ " ((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مَثَلُ المنافق كَمَثَلِ الشاةِ العَائِرةِ بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير في هذه مرة وفي هذه مرة لا تدري أيها تتبع.
(كمثل الشاة العائرة): المترددة المتحيرة.
(تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة): أي تعطف على هذه وعلى هذه.
(لا تدري أيهما تتبع) لأنها غريبة ليست منهما، فكذا المنافق لا يستقر بالمسلمين ولا بالكافرين بل يقول لكل منهم أنا منكم.
(الدوافع الباعثة على الوقوع في النميمة:

لا شك أن دوافع النميمة هي دوافع الغيبة كما تقدم.
ويضاف إلى الدوافع السابقة: الكراهة، والتقرب للمحكي له، والرغبة في إشعال النيران، وإثارة الفتن، وتفريق المجتمعات، وزرع البغضاء في قلوب الناس.
(علاج النميمة:

علاج النميمة هو علاج الغيبة كما تقدم.
(النميمة لها علاجان: (العلاج الأول: هو أن يعلم الإنسان أنه إذا وقع في النميمة فهو متعرض لسخط الله تعالى ومقته كما دلت عليه الأحاديث السابقة وغيرها من الأحاديث الصحيحة كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ.

(ويعلم أن حسناته يؤخذ منها يوم القيامة لمن نم عليه بدلاً عما استباح من عرضه فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه فربما ترجح كفة سيئاته فيدخل النار وقد يحصل ذلك للإنسان بإذهاب حسنة واحدة من حسناته أو بوضع سيئة واحدة من سيئات خصمه وعلى تقدير أن لا يحصل هذا الرجحان فكفى بنقص الحسنات عقاباً مع المخاصمة والمطالبة، والسؤال، والجواب، والحساب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإذا آمن الإنسان المسلم بالأخبار الواردة في النميمة وتدبرها حق التدبر لم ينطق لسانه بالنميمة، وتدبر نفسه، وعيوبها، وتقصيرها، وأن يتدبر في إصلاح نفسه عن عيوب الناس والكلام فيهم، وعلى من به عيب أن يستحيي من الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية حين يرى نفسه على العيوب ويذكر عيوب غيره بل ينبغي له أن يلتمس لأخيه عذراً ومخرجاً ويعلم أن عجزه عن تطهير نفسه من ذلك العيب كعجزه هو عن تطهير نفسه من عيوبها فإن كان الذم له بأمر خَلْقي كان ذماً للخالق؛ فإن ذم الصنعة يستلزم ذم صانعها فليتق الله عز وجل ويصلح نفسه عن عيوبها وكفى بذلك شُغلاً! (العلاج الثاني: عليه أن ينظر في السبب الباعث له على النميمة فإن علاج العلة إنما يتم بقطع سببها المستمدة هي منه.
فإذا كان سبب النميمة الغضب فعليه أن يقول: إن أمضيت غضبي عليه فأنا أخشى الله أن يمضي غضبه عليَّ بسبب النميمة فإن الله قد نهاني عنها فعصيته واستخففت بنهيه.
وإذا كان سبب النميمة موافقة للآخرين وطلب رضاهم فعليك أن تعلم أن الله يغضب عليك إذا طلبت سخطه برضا المخلوقين، فكيف ترضى لنفسك أن تسخط مولاك من أجل إرضاء المخلوقين الذين لا ينفعون ولا يضرون وإن كان الغضب لله فلا تذكر المغضوب عليه بسوء لغير ضرورة بل ينبغي أن تغضب على من اغتابه إلا إذا كان من باب تحذير المسلمين عن الشر.
وهذا سيأتي فيما يجوز من الغيبة.
وإذا كان سبب النميمة: هو تنزيه النفس ونسبة الخيانة إلى غيرك.
فاعلم أن التعرض لمقت الله أشد من التعرض لمقت الخلق وأنت النميمة قد تعرضت لسخط الله يقيناً ولا تدري هل تسلم من سخط الناس أو لا تسلم والذي يرضي الناس بسخط الله يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس... !

وإذا كان: سبب النميمة هو الرغبة في أن تزكي نفسك بزيادة الفضل وذلك بقدحك في غيرك حتى تشعر الناس أنك تتصف بخلاف ما يتصف به من نممت عليه فاعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله تعالى إن كان لك فضل وأنت من اعتقاد الناس فضلك لست على يقين وعلى تقدير أنهم يفضلونك فأنت سينقص فضلك أو يزول بالكلية إذا عرفوك بالنميمة الناس والوقوع في أعراضهم فأنت بعت ما عند الله يقيناً بما عند الناس وهماً ولو اعتقدوا فضلك لم يغنوا عنك من الله شيئاً لأن قلوبهم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء فعليك أن تتدبر دقائق الأمور ولا تغتر بظواهرها.
وإذا كان الباعث على النميمة: هو الحسد فأنت قد جمعت بين عذابين؛ لأنك حسدته على نعمة الدنيا فكنت معذباً بالحسد وذلك لأن الحاسد يجد الهم والغم وضيق الصدر ثم لا يقنع بذلك حتى يضاف إليه عذاباً آخر يوم القيامة فالحاسد قد جمع خسران الدنيا والآخرة وهو في الحقيقة صديق للمحسود عدو لنفسه؛ لأنه يضيف حسناته إلى حسنات المحسود ويتحمل من سيئاته إن لم يكن للحاسد حسنات مع أن الحسد، والغيبة لا تضر المحسود بل ربما كان ذلك سبباً لانتشار فضله.
وإذا كان البعث على النميمة هو الاستهزاء والسخرية فينبغي للحاسد أن يعلم أنه متى استهزأ بغيره عند الناس فإن ذلك يكون مخزياً لنفسه عند الله ثم عند خلقه وهذه هي الخسارة بعينها.
وإذا كان النميمة يقصد بغيبته الرحمة لغيره فهذا مقصود فاسد؛ لأنه أراد الرحمة فوقع في الغيبة المحرمة فلو كان صادقاً في رحمته لنصح له ووجّهه وأرشده.. أما إذا كان السبب الباعث على النميمة هو التعجب والضحك، فإنه ينبغي للمغتاب أن يتعجب من نفسه كيف أهلك نفسه بنفس غيره وكيف نقص دينه بكمال دين غيره أو بدنياه.
فهو مع ذلك لا يأمن عقوبة الدنيا ويخشى على المغتاب أن يهتك الله ستره ويفضحه في الدنيا قبل الآخرة كما هتك بالتعجب ستر أخيه.
فإذا نظر الإنسان العاقل في أسباب النميمة وعلاجها واستعمل هذا الدواء الذي ذكر هنا سلم إن شاء الله من ضرر الغيبة وكان ممن اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره، وصان لسانه عن النطق إلا بالخير فبذلك يفوز بخيري الدنيا والآخرة.
وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلنا جميعاً ممن يقول بالحق ويكون أسبق الناس إلى العمل به كما يحب ربنا ويرضى إنه أكرم مسؤول 1. (ما يباح من النميمة:

(قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (فإن دعت حاجة... (إلى النميمة) فلا مانع منها وذلك كما إذا أخبره أن إنساناً يريد الفتك به، أو بأهله أو بماله، أو أخبر الإمام، أو من له ولاية بأن إنساناً يفعل كذا ويسعى بما فيه مفسدة.
ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته.
فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام وقد يكون بعضه واجباً، وبعضه مستحباً على حسب المواطن والله أعلم) 1. (قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: (باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه) ثم ساق بسنده عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته، فتمعر وجهه وقال: ”رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر“ 2. (والمذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد وأما من يقصد النصيحة، ويتحرى الصدق، ويجتنب الأذى فلا، وقل من يفرق بين البابين فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك، مما لا يباح الإمساك عن ذلك... 3. (الفرق بين الغيبة والنميمة:

(قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (واختُلِفَ في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان: والراجع التغاير وأن بينهما عموماً وخصوصاً وجيهاً.
وذلك؛ لأن النميمة نقل حال شخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أم بغير علمه.
والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه فامتازت النميمة بقصد الإفساد ولا يشترط ذلك في الغيبة.
وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركا في ما عدا ذلك.
ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائباً والله أعلم 4. (3) القول على الله بغير علم:

(إن القول على الله بغير علم داءٌ عضال وسمٌ قتال من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، القول على الله بغير علم أصل البدع والعصيان، والبغي والعدوان، وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة

قال تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هََذَا حَلاَلٌ وَهََذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) [النحل: 116] قال تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 36] (أورد ابنُ كثيرٍ رحمه الله في تفسيره عن ابن عباس: يقول: لا تقل.
((حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ.
((حديث عُمَرَ رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ.
(فعلى المسلم أن يحذر من القول على الله بغير علم فيقتصر على ما يعلمه، ويقول: (الله أعلم) فيما يجهله، فإنها نصف العلم، فالذي يقول بغير علم: قد يكون ذنبه أكبر من الشرك، لأنه ينصب نفسه مشرعا، وحاكما، وقد حرم الله سبحانه وتعالى القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء «وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها» قال تعالى: (قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 33] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين عن رب العالمين:

مراتب المحرمات أربع مراتب وقد بدأ بأسهلها وهو الفواحش ثم ثنى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم ثم ثلث بما هو أعظم تحريماً منهما وهو الشرك بالله سبحانه ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بغير علم وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه [الإعلام 1/ 38] (وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعِدَّ له عدته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدوره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّسَآءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) [النساء: 127] وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ) [النساء: 176] وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسئول غداً وموقوف بين يدي الله [الأعلام 1/ 11] (قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل الجاهلية: قاعدة الضلال: القول على الله بلا علم) ا. هـ وقد يكون القول على الله بلا علم من الشرك كما قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33)﴾ سورة الأعراف.

(لقد رسم السلف الصالح رحمهم الله المسلك الوضَّاء في هذه القضية، ديانةً وتثبتاً وورعاً، فهذا أعلم الأمة وسيدها وإمامها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يسأل عما لم ينزل عليه فيه وحي، فينتظر حتى ينزل عليه الوحي، وآيات يسألونك في الكتاب العزيز غير قليلة، وهكذا كان الأجلاء من صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذا أبو بكر رضي الله عنه وقد سأل عن معنى آيه من كتاب الله يقول: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟» وهذا عمر رضي الله عنه تنزل به الحادثة فيجمع لها أكابر الصحابة ويستشيرهم فيها.
(قال ابن سيرين رحمه الله: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر.
(وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن استطعت أن تكون أنت المُحَدَّثَ فافعل.
(وقال رضي الله عنه: إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه لمجنون.
(وقال أيضاً: من سئل عن علم يعلمه فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم.
(ورحم الله الإمام الشعبي حينما سئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقال له أصحابه: إنا نستحي لك من كثرة ما تسأل فتقول: لا أدري، فقال رحمه الله: لكن ملائكة الرحمن لم يستحيوا إذ سئلوا عما لا علم لهم به فقالوا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32].
(وكان عطاء بن أبي رباح يقول: لا أدري نصف العلم.
وقال بعضهم: إذا نسي العالم كلمة لا أدري فقد أصيبت مقاتله.
(تدافع الفتوى وذم المسارعة إليها:

(أورد ابن عبد البر رحمه الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتوى.

(وهذا إمام دار الهجرة رحمه الله يقدم عليه رجل من مسافة بعيدة، فيعرض عليه أربعين مسألة، فيجيب عن أربع منها ويقول في ست وثلاثين مسألة منها: الله أعلم.
فيقول له الرجل: أنت مالك بن أنس، إليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد، وقد جئتك من مسافة بعيدة وتقول: الله أعلم! ماذا أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟! قال: تقول لهم: إن مالكاً يقول: الله أعلم.
(وكان الإمام أحمد رحمه الله كثيراً ما يسأل فيتوقف، أو يقول: لا أدري، أو نحو ذلك.

(وقال سفيان بن عيينة: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً.
(وقال البراء: لقد رأيت ثلاثمائة من أصحاب بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا.
(رأى رجل ربيعة بن عبد الرحمن يبكي فقال: ما يبكيك؟ فقال: استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم.
ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق.
وقال الإمام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي بعدما ساق هذا الأثر: فكيف لو رأى زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا مع قلة خبرته وسوء سيرته وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة ومماثلة الفضلاء والنبلاء والمشهورين المستورين والعلماء الراسخين والمتجردين السابقين، ومع هذا فهم يفهمون فلا ينتهون وينبهون فلا ينتبهون قد أملي لهم بانعكاف الجهال عليهم وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم فمن أقدم على ما ليس له أهلا من فتيا أو قضاء أو تدريس أثم فإن أكثر منه وأصر واستمر فسق.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(وقال سحلول بن سعيد: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه.
وكان إذا سئل رحمه الله يقول: إنما يفتي الناس مفت أو أحمق، وأنا لست بمفت ولا أريد أن أكون الآخر.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كل من حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها، إلا قل توفيقه واضطرب في أمره، وإن كان كارهاً لذلك غير مختار له وما وجد ممدوحة عنه، وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في فتاويه وجوابه أغلب.
(أسباب القول على الله بغير علم:

وللقول على الله بغير علم أسباب كثيرة، من أبينها وأوضحها وأخطرها أمران: الأول: الجهل.
الثاني: الخصومات في الدين.
(السبب الأول: الجهل.
لقد نفرت الشريعة من الجهل في الدين، وحضت على العلم وطلبه، وبينت الفرق بين الفريقين فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]، وقد فرق رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين العالم والجاهل، وجعل فضل العالم على العابد كفضله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على أدنى رجل من أمته، وكفضل القمر على سائر الكواكب.
وما ذاك إلا لخطورة آثار الجهل في الدين وما ينتج عنه من عبادة الله بغير ما شرع، وإنشاء البدع والمحدثات.
والقائل على الله بلا علم لا يعدو حاله أمرين: الجهل، أو الهوى والابتداع.

أما الجاهل فقد يكون جهله عامَّا، وقد يكون جزئياً منحصرا في مسألته التي قال فيها بغير علم، فإنه إذا كان مريدا للحق ولكن حبه للخير وإخلاصه لله دفعاه للقول على الله بلا علم، فإنه غالبا إذا نصح، وأخبر بأن ما قاله مخالف للشريعة، فإنه سرعان ما يرجع للحق وينيب إلى الله، أما صاحب الهوى، فإنه لا تعييه كثرة السبل، ولا يردعه الخوف من الله، ولكن تسيره الأهواء كورق الشجر حيث مال الهوى والشهوة مال معه وانقاد.
(وإنك لتعجب لجهل بعض الناس، تجده جاهلا معرضا عن العلم وأهله، منقادا لكل ناشئ ومحدث من القول، متتبعا للرخص الباطلة والزلات التي لا يتابع فيها أصحابها، فاقدا لأداة التمييز بين الأدلة المتعارضة، ومع ذلك تجده متفيهقا، متعالما، كالورم الخبيث، تراه تحسبه صحة، فإذا ما تفحصت الأمر وجدته سما زعافا، وقيحا منتناًً.
وهذا هو ما يسمه أهل العلم بـ: (الجاهل المركب).
والبلاء كل البلاء يأتي من هؤلاء.
وهؤلاء غالبا، لا تنفع معهم الموعظة، إنما ينفع معهم قهر السلطان، لأنهم كثيرا ما يُغلِّبون الهوى والرأي على الدليل والحق.
وسرعان ما تجد المحدثات في الدين، والأقوال الضالة تخرج من جيوبهم، ومن تحت أقدامهم.
وهذا هو الجاهل الذي لا يدري أنه جاهل.
وآخرون جهلة مقرون بجهلهم، ولكن قد عرفوا قدر أنفسهم، فلم يتحملوا ما لا يطيقون حمله، وإن زل أحدهم رجع عن قوله بعد علمه بخطئه، وهذا هو ما يسميه أهل العلم بالجاهل البسيط وهو الجاهل الذي يدري أنه جاهل، وهذا سرعان ما تتقدم به المعرفة والعلم ويرتفع عن جهله شيئا فشيئا ما دامت هذه حاله، حتى يصل إلى ما هو خير مما هو عليه؛ ذلك لأن من عود نفسه اتباع الحق متى علمه فإن الله سبحانه وتعالى يهديه للحق، ويزيده هدى وعلما.
ومن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ولقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
(فالجهل في الدين خطره عظيم، لأنه أصل في القول على الله بلا علم، ولقد قال العلامة ابن جبرين -حفظه الله- في رسالة له بعنوان: (الجهل وآثاره السيئة ص: 9): (الجهل ينقسم إلى قسمين: الأول جهل بالله وبعبادته، والثاني جهل بالشريعة وبالحقوق التي على الإنسان لربه سواء مما أمر بفعله أو أمر بتركه.
والواجب أن يزيل هذا الجهلة) ا. هـ وقال -حفظه الله- محذّرا من الجهل بالعقيدة (ص10): (لا يجوز للعبد أن يبقى على هذا الجهل الذي هو الجهل بالعقيدة) ا. هـ.

وقال -حفظه الله- مبينا آثار الجهل بالدين (ص11): (كثير من الناس أعرضوا عن التعلم الذي هو تعلمهم الشرائع فوقعوا في بدع ومنكرات، أو تعلموا ضد ما أمروا به فوقعت منهم تلك البدع والخرافات) ا. هـ. (إنه من الخطورة بمكان على المسلم أن يصدّر نفسه للقول في دين الله بما لا يعلم، أو متتبعا للرخص الباطلة، أو مجادلاً في دين الله تعالى بغير حجة ولا برهان، ومن هذا الباب نشأت الفرق الضالة، ومن أسهل الأمور أن يقول الإنسان الكلمة، ومن أصعبها الرجوع عنها، وليت المسألة تقف عند قولها ثم الرجوع عنها، ولكن ما يدري القائل في دين الله بلا علم أن يأخذ بقوله جاهل أو صاحب هوى، فيطير قوله في الآفاق، وعند هذا يكون هذا القائل على الله بلا علم ارتكب محاذير عدّة منها: 1 أنه سن في الإسلام سنة سيئة.
2 أنه شرع في الدين ما لم يأذن به الله.
(3) أنه معول هدم للشريعة ومفتاح شر.
(4) إنه يُخشى عليه من الدخول في الوعيد المترتب على الكاذب على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما في الحديث: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
(السبب الثاني: الخصومات والجدال في الدين: والخصومات في الدين وكثرة الجدال بغير مصلحة شرعية باب شر على مريد الحق، لاسيما إذا كان جاهلا، قليل البضاعة من العلم الشرعي.
فقد ثبت عن بعض السلف رحمهم الله قول: (من عرض نفسه للخصومات أكثر التنقل) ا. هـ. وهذا بين واضح.
فمن أعظم أبواب القول على الله بلا علم الخصومات والجدال في الدين.
فمن دخل فيها وليس معه علم شرعي كاف، أو كان جاهلا، فإنه سرعان ما يتنقل من قول إلى قول، وسينشئ أقوالا لا دليل عليها، أو سيتتبع أقوالا مهجورة وشذوذات في بطون الكتب مطمورة، وذلك كله ليغلب خصم.
(ولهذا فإن الواجب على مريد الحق الكف عن الخصومات والجدال في الدين ما لم يكن معه حجة ودليل صالح للاستدلال، وليدع ما لم يعلم لمن يعلم وليتق الله أن يَضل أو يُضل.
(قال العلامة صالح الفوزان -حفظه الله- في تعليقه على نونية ابن القيم المسمى: (التعليق المختصر على القصيدة النونية 1 - 76): (إذا تسلحت بالكتاب والسنة والعلم النافع فاطلب المبارزة من المخالفين، أما قبل أن تتسلح فلا تدخل في المناظرة، فالإنسان يتعلم قبل أن يدخل في ميدان المناقشة والرد والمجادلة) ا. هـ.

(وقال -حفظه الله- (ص 79): (تعرَ من الجهل بتعلم العلم، لأن الجهل داء قاتل، والجاهل لا يُصلح) ا. هـ وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في مسائل الجاهلية: (المسألة التاسعة عشر بعد المائة: مخاصمتهم فيما ليس لهم به علم) قال العلامة صالح الفوزان تعليقاً على هذه المسألة في كتاب: (شرح مسائل الجاهلية: ص 293): (الواجب أن الإنسان لا يجادل إلا بعلم، أما ما لا يعلمه فإنه يسكت عنه) ا. هـ. (وخلاصة القول: إن الجهل والخصومات في الدين هما بريد الابتداع، وأصل الضلال، ومنشأ القول على الله بلا علم.
(صفات من يقول على الله بغير علم:

إن من يتأمل أحوال هؤلاء الناس الذين يتصدرون في دين الله بغير علم يجد الواحد منهم لا يخلو من إحدى ست خصال أو من كلها: (1) يحاول أن يظهر التعالم بين الناس، فما يكاد من حوله يثيرون مسألة أو يتكلمون في مبهمة إلا ويتفيهق ويتشدق ليظهر نفسه أمامهم في مظهر المثقف العارف المتعلم، نعوذ بالله من فتن المضلين.
(2) يجده قليل الاستشهاد في كلامه على النصوص الشرعية، من كتاب أو سنة وأكثر كلامه في الدين برأيه وفكره ومزاجه وذوقه دون تدليل وبرهان شرعي وما ذاك إلا نه قد قعدت به همته عن طلب العلم وحفظ الآيات والأحاديث، والأمر كما قال: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t: إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم.
(3) كما أن هذا النوع من الناس قليل الرجوع العلماء فهو كثيراً ما يفتي نفسه بنفسه.. وسبحان ربي العظيم، لو نزل بهذا الرجل مرض لما اجتهد رأيه في أخذ الدواء بل يبحث عن الطبيب الناصح ليسأله في مرضه.. أما دينه فلا يحتاط له هذه الحيطة.
ما بال دينك ترضى أن تدنسه وثوبك الدهر مغسول من الدنس (4) كما أن هذا النوع من الناس يكون مستكبراً عن قبول الحق إذا بين له وقليل الرجوع عن قوله أو رأيه.

(5) وهو مع ذلك كله يحب الظهور والشهرة بل زد على ذلك أنه متعصب لرأيه يرى أنه دائماً على الصواب وغيره على الخطأ.
عباد الله: فليكن الواحد منا أحرص على فتواه منه على درهمه.. وليعلم أن علماء كباراً تهيبوا عن الكلام في الدين والتوقيع عن رب العالمين.. جاء رجل إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر فسأله عن شيء فقال: لا أحسنه.
فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي.. والله ما أحسنه.. والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي.
وسئل الشعبي عن شيء فقال: لا أدري فقيل له: ألا تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه أهل العراق فقال:" لكن الملائكة لم تستح حين قالت: لا علم لنا إلا ما علمتنا.
وقد نبّه الشاعر على ذلك بقوله: وإن بدت بين أناس مسألة معروفة في العلم أو مفتعلة فلا تكن إلى الجواب سابقا حتى ترى غيرك فيها ناطقا والصمت فاعلم بك حقا أزين إن لم يكن عندك علم متقن وقل إذا أعياك ذاك الأمر ما لي بما تسأل عنه خير فذاك شطر العلم عند العلما كذاك ما زالت تقول الحكما.
(صفات من يتصدر للفتيا: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: (الأولى: أن تكون له نية صالحة، وهي أن يخلص لله تعالى في كلامه ولا يقصد تصوراً ولا ظهوراً ولا مدحاً أو ثناء "، بل يقصد بذلك تبليغ دين الله للناس وتعليمهم ورفع الجهل عنهم.
(والثانية: أن يكون له حلم ووقار.. وأن لا يتعجل الجواب وإن كان صحيحا لأن الفتيا أمر عظيم.
قال أبوبكر الخطيب رحمه الله: قلَّ من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أمره.
وقال الخليل بن أحمد: إن الرجل ليسأل عن المسألة قد يعجل في الجواب فيصيب فأذمه، ويسأل عن مسألة فيثبت في الجواب فيخطئ فأحمده.

(الثالثة: أن يكون على علم ومعرفة لما سئل عنه وإن عرض نفسه لخطر عظيم وإذا سئل عن مسألة لا يعلمها فليتذكر بالحصن الحصين: لا أدري ولا يستحي من قولها.. فقد روى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن محمد بن جبر بن مطعم عن أبيه أنه أتى النبي r فقال: يا رسول الله: أي البلدان شرٌ؟ فقال: لا أدري، فلما أتاه جبريل عليه السلام قال: يا جبريل: أي البلدان شرٌ؟ قال: لا أدري حتى أسال ربي عز وجل، فانطلق جبريل عليه السلام ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم جاء فقال: يا محمد إنك سألتني أي البلدان شر فقلت: لا أدري وإني سألت ربي عز وجل: أي البلدان شر؟ فقال أسواقها.
وقال الشعبي: لا أدري هي نصف العلم.
وقال الإمام أحمد: ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه وذكر أحاديث للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسأل فيقول: لا أدري حتى أسأل جبريل.
(الرابعة: الكفاية هي أن لا يسأل الناس ما في أيديهم.
(الخامسة: معرفته بالناس، وأن يكون بصيراً بمكرهم وخداعهم لئلا يوقعوه في مكروه.
﴿تنبيه﴾: (ينبغي للرجل إذا أراد أن يتكلم في مجلس من المجالس في مسألة من المسائل: أن يمسك عن الكلام إن كان في المجلس من هذا علم منه.
قال يحي بن معين: الذي يحدث بالبلدة وبها من هو أولى منه بالحديث فهو أحمق.
كما أنه ينبغي أن ينسب الأقوال ما استطاع إلى أهلها فإذا نقل كلاماً عن عالم نسبه إلى قائله؛ لأن في ذلك تعلق للعامة بأهل العلم خاصة العلماء الأحياء، لكن ينبغي له أن يتبين في نقله فلا ينسب إلى أهل العلم ما لم يقولوه.
اللهم إنا نسألك أن تعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمتنا وأن يرزقنا العمل بما علمناه يا رب العالمين.
اللهم احفظ علماءنا ودعاتنا ومشايخنا ووفقهم بتوفيقك.
(4) القذف: (تعريف القذف: يقال: قذف بالحجارة (أي) رمى بها، والمحصنة رماها بزنية... والتقاذف الترامي... (1). وهو في الأصل رمي الشيء بقوة ثم استعمل في الرمي بالزنا ونحوه (2). (الترهيب من الوقوع في القذف: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور 6:4]

وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور 9:6] وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور 42،23]

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:11] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ.
((حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت.
(قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: (والغرض – من هذا الحديث- بيان تحريم العرض – الذي هو موضع المدح والذم من الشخص – أعم من أن يكون في نفسه، أو نسبه، أو حسبه) 1.

((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخْذُلُه ولا يَحْقره التقوى هاهنا ـ و أشار إلى صدره ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله وعرضه.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ.
(5) الخصومات والجدال بالباطل:

(الخصومة والنزاع: قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة 206:204] ((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن أبغض الرجال عند الله الألدُ الخَصِم.
والألدُّ: هو شديد اللدد كثير الخصومة.
والخَصِمُ الذي يخصم أقرانه ويحاجهم بالباطل ولا يقبل الحق 1. ((حديث جابر الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب وركن في التحريش بينهم.
معنى أيس: أي يأس (فالشيطان يحرش بين المصلين بالخصومات والشحناء، والحروب، والإغراء بين الناس بأنواع المعاصي والفتن وغيرها 2. ((حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلٍ جواظ جعظري مستكبر.
((حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر، جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون.

(العتل): الغليظ الجافي.
(الجواظ): الذي جمع ومنع، (المستكبر): المتعاظم في نفسه، الذي يرد الحق، ويحتقر الناس كما في الحديث الآتي: ((حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلٍ جواظ جعظري مستكبر.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب في الأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بالدنيا جاهل بالآخرة.
(الجعظري): الفظُّ الغليظُ المتكبر.
(والجوّاظ): الجموع المنوع.
(سخاب في الأسواق): والسخاب: كالصخاب: كثير الضجيج والخصام المتكبر.
(جيفة بالليل):جيفة: أي كالجيفة؛ لأنه يعمل كالحمار طوال النهار لدنياه، وينام طوال ليله كالجيفة التي لا تتحرك 1. ((حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر، جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون.
(المستكبر): المتعاظم في نفسه، الذي يرد الحق، ويحتقر الناس كما في الحديث الآتي: ((حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبُه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غمطُ الناس.
بَطَرُ الحقِ: التكبر على الحق وعدم قبوله غمطُ الناس: احتقارهم وازدرائهم ((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ما من رجل يتعاظم في نفسه و يختال في مشيته إلا لقي الله تعالى و هو عليه غضبان.
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في الصحيحين) قال لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقَاً.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت استأذن رجل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه.

((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ.
والفاحش الذي يرسل لسانه بما لا ينبغي، وذو الفحش وهو القبيح في الأقوال والأفعال.
والمتفحش: الذي يتكلف ذلك ويتعاطاه ويستعمله 1. ((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس المؤمن بالطعان و لا اللعان و لا الفاحش و لا البذيء.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياكم والظلم فإن الظلم هو ظلمات يوم القيامة وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفاحش والمتفحش وإياكم والشح فإن الشح دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.
(علاج الخصومات والغضب: من أسباب السلامة من اللجاج والخصومات كظم الغيظ والابتعاد عن الغضب وأسبابه.
وعلاج الغضب بالأدوية المشروعة يكون بطريقتين: الطريق الأول: الوقاية ومعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وتحصل الوقاية من الغضب قبل وقوعه باجتناب أسبابه والابتعاد عنها ومن هذه الأسباب التي ينبغي لكل مسلم أن يطهر نفسه منها: الكبر، والإعجاب بالنفس، والافتخار، والتيه، والحرص المذموم، والمزاح في غير مناسبة، أو الهزل، أو ما شابه ذلك 2. الطريق الثاني: العلاج إذا وقع الغضب هناك عدة أدوية نافعةٌ بإذن الله تعالى لعلاج الغضب منها: (1) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة: الأعراف - الآية: 200] ((حديث سليمان بن صرد الثابت في الصحيحين) قال: استب رجلان عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبَّاً قد احمر وجهه فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
(2) تغيير الحالة التي كان عليها الغضبان: ((حديث أبي ذرٍ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع.

(3) استحضار ما ورد في ثواب كظم الغيظ: ((حديث معاذ بن أنس الجُهَنِّي الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنَفِّذَهُ دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء.
وَهُوَ قادرٌ على أَنْ يُنَفِّذَهُ: بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ يُمْضِيَهُ.
(أخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي المتوكل أن أبا هريرة رضي الله عنه كانت له زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها السوط يوماً فقال: لولا القصاص لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت لله.
(4) أن يسكت: ((حديث ابن عباس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا غضب أحدكم فليسكت.
(5) أن يُروِّض نفسه على الحلم والأناة وكظم الغيظ فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتقِ الشر يُوَقَّه.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يوقه.
(الجدال بالباطل: الجدل اللدد في الخصومة والقدرة عليها 1 يقال: جادل مُجادلةً وجدالاً: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب 2. (والجدال نوعان: (النوع الأول: الجدال المحمود الممدوح: وهو كل جدال أيّد الحق أو أوصل إليه بنية صالحة خالصة وطريق صحيح 3. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقال عز وجل: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46] والمجادلة بالتي هي أحسن هي التي تكون عن علم، وبصيرة، وبحسن الخلق، ولطف، ورفق، ولين، وحسن خطاب، ودعوة إلى الحق، وتحسينه، ورد الباطل وبيان قبحه بأقرب طريق موصل إلى ذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المغالبة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق 4.

(النوع الثاني: الجدال المذموم: وهو كل جدال أيد الباطل أو أوصل إليه أو كان بغير علم وبصيرة.
وهذا النوع هو من أعظم آفات اللسان قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج 4،3] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ 1. [الحج 9،8] وقال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾ 2.). [الكهف:56] وقال تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ 3. [البقرة:197] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث جابر الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء و لا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار.
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا قوله تعالى (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) [الزخرف: 58] ((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن أبغض الرجال عند الله الألدُ الخَصِم.
(وقد ضمن النبي صلّى الله عليه وسلّم بيتاً في الجنة لمن ترك الجدال بالباطل من أجل الله عز وجل: ((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
(الأسباب الباعثة على الجدال بالباطل: لا شك أن الأسباب الباعثة على الجدال بالباطل كثيرة منها: 1 - الغرور، والكبرياء، والخيلاء.

2 - إظهار العلم والفضل.
3 - الاعتداء على الغير بإظهار نقصه وقصد أذاه.
وعلاج ذلك بالتوبة إلى الله تعالى، وبأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والعدوان الباعث على احتقار غيره وتنقصه 1. (6) بذاءة اللسان:

(الترهيب من الوقوع في بذاءة اللسان: قال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114] قال ابن كثير - رحمه الله -: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ يعني كلام الناس 2. وقال سبحانه: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 148] أي ولا يحب الله الفحش قي القول ولا الإيذاء باللسان، إلا المظلوم فإنه يباح له أن يجهر بالدعاء على ظالمه، وأن يذكره بما فيه من السوء.
قال ابن عباس (رضي الله عنهما): (المعنى لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً) 3. وقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
((حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أفضل المؤمنين إسلاما من سلم المسلمون من لسانه و يده وأفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا و أفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله تعالى عنه وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز و جل.
((حديث أسود بن أصرم رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال لا تبسط يدك إلا إلى خير ولا تقل بلسانك إلا معروفا.

((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحَها لتوجد من مسيرة كذا و كذا.
((حديث ابن عباس الثابت في صحيح ابن ماجة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يُشرْ أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ.
(7) الحلف بغير الله تعالى:

يجب حفظ اللسان من الحلف بغير الله لوجهين: الأول: أن الحلف بغير الله شركٌ لفظي الثاني: أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والتعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى ((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق ومن حُلِفَ له بالله فليرض ومن لم يرض بالله فليس من الله.
((حديث عمر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ.

وعن ابن عمر (رضي الله عنهما) أنه سمع رجلاً يقول لا والكعبة.
فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك“ 1. ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ.
(حديث بريدة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حلف بالأمانة فليس منا.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعالَ أقامرك فليتصدق.
(حديث بريدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حلف فقال إني برئٌ من الإسلام! فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً.
(8) الحلف بالله كذبا ومنه اليمين الغموس:

يجب حفظ اللسان عن الحلف بالله كذباً فإن من حلف بالله كذباً لم عظم الله تعالى حق تعظيمه.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض و عنقه مثنيِّة تحت العرش و هو يقول: سبحانك ما أعظمك! فيرد عليه: لا يعلم ذلك من حلف بي كاذبا.
(ومن الحلف بالله كذبا اليمين الغموس والعياذ بالله: (حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الكبائر: الإشراك بالله و عقوق الوالدين و قتل النفس و اليمين الغموس.
(حديث أبي أمامة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار و حرم عليه الجنة و إن كان قضيبا من أراك.
(9) استخدام الفصاحة في قلب الحقائق:

((حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يُبْغِضُ البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخللَ الباقرةِ بلسانها.

وهو الذي يظهر التفاصح تيهاً على الغير، وتفاصحاً واستعلاءً ووسيلة إلى الاقتدار على تصغير عظيم، أو تعظيم حقير، أو بقصد تعجيزه، أو تزيين الباطل في صورة الحق أو عكسه، أو يقصد إجلال الحكام له ووجاهته وقبول شفاعته.
وهو يتشدق بلسانه كما تتشدق البقرة بلسانها.
ووجه الشبه: إدارة لسانه حول أسنانه وفمه حال التكلم كما تفعل البقرة بلسانها حال الأكل.
وهذا كله ما كان على جهة الإعجاب والتعاظم 1. (10) التحديث بكل ما سُمع:

وذلك لأن الحديث المسموع من الناس فيه الكذب والصدق، فإذا حدث الرجلُ بكل ما سمع، فإنه سيحدث بالكذب جزماً، ولذا كان المحدث بكل ماسمع كذاباً بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
(قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: الزَّجْرُ عَنْ التَّحْدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ فِي الْعَادَةِ الصِّدْقَ, وَالْكَذِبَ فَإِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَقَدْ كَذَبَ لِإِخْبَارِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ.

((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا.
(شبه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من لم يتثبت في كلامه بمن ركب مطية مذمومة غير محمودة وذلك لأنه يجب عليه أن يتثبت قبل أن يتكلم.
(حديث المغيرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
الشاهد من الحديث: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكره لكم قيل وقال، وهو التحديث بهذه الصيغة التي تسبه زعموا والتي تفيد التحدث بدون تثبت.
(11) الغناء:

قال تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّخِذَهَا هُزُواً أُوْلََئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ) [لقمان / 6] (أورد الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قالا: أن لهو الحديث في الآية هو الغناء.

(حديث أبي مالك الأشعري في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف.
معنى يستحلون الحر: الحِر أي الفروج، يستحلون الحر أي يستحلون الفروج أي الزنا والعياذ بالله، والمعازف آلات اللهو ﴿تنبيه﴾: (هذا الحديث ذكره البخاري تعليقاً وهو موصولاً في صحيح أبي داوود.
ونهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع القينات أي المغنيات وعن شرائهن وبين أن ثمنهن حرام (حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تبيعوا القينات و لا تشتروهن و لا تعلموهن و لا خير في تجارة فيهن و ثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية ﴿و من الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية.
(وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ظهور المغنيات والمعازف من أسباب حلول العذاب في هذه الأمة من الخسف والمسخ والقذف (حديث عمران ابن حُصَين في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في هذه الأمة خسف و مسخ و قذف فقال رجلٌ من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ إذا ظهرت القيان و المعازف و شربت الخمور.
معنى القيان: أي المغنيات (فالغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، بريد الزنا ورقيته.
وحب القرآن وألحان الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان! قال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 414) عن الغناء: «ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور» ا. هـ. (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان:

ومن مكايد عدو الله ومصايده، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء، والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقة غاية المُنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكراً منه وغروراً، وأوحى إليها الشُبَهَ الباطلة على حُسْنِهِ فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجوراً، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك، «وقد خالط خمارة النفوس، ففعل فيها أعظم ما تفعله حُمَّيه الكؤوس»، فلغير الله، بل الشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخَزَ في صدورهم وخزاً.
وأزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا، فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسُيَطْ الديار.

«فيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام»، ويا شماتة أعداء الإسلام، بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطرباً، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكناً، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجداً، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زنداً، حتى إذا تُلِيَ عليه قرآن الشيطان، وولج مزمور سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان، عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد، عند قراءة القرآن المجيد؟ وهذه الأحوال السنيات، عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدراً وشرعاً، والمشاكلة سبب الميل عقلاً وطبعاً، فمن هذا أين الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللاً؟ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُريتَهُ أَوْلِياَءَ مِنْ دُونِى وَهُمْ لكُمْ عَدُو بِئْسَ لِلظّالمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: 50].
ولقد أحسن القائل: تُلِيَ الكتَابُ، فأطْرَقُوا، لا خِيفَةً لكِنَّهُ إِطْرَاقُ سْاهٍ لاهِي وأتَى الغِنَاءُ، فكالحَمير ِتَنَاهَقُوا وَاللهِ مَا رَقَصُوا لأجْلِ اللهِ دُفٌ وَمِزْمَارٌ، وَنغْمَةُ شَاذِنٍ فمتَى رَأَيتَ عِبَادَةً بملاهي؟ ثَقُلَ الكِتَابُ عليهمُ لَمَّا رَأوْا تَقْيِيدَهُ بأَوَامِرٍ وَنَوَاهِي سَمِعُوا له رَعْدًا وبَرْقاً، إِذْ حَوَى زَجْرًا وتخْوِيفاً مَنَاهِي وَرَأَوْهُ أَعْظمْ قاطعٍ لِلنَّفسِ عَنْ شهَوَاتِها، يا ذبحها المُتَناهِي وَأتى السماعُ مُوافِقاً أَغْرَاضَها فَلأَجْلَ ذاكَ غَدَا عَظِيمَ الجاهِ أيْنَ المُسَاعِد ُلِلْهَوَى مِنْ قاطعٍ أَسْبَابَهُ، عِنْدَ الجَهُولِ السّاهي إنْ لَمْ يَكُنْ خَمَر الجُسُومِ، فإنَّهُ خَمْرُ العُقولِ مُمَاثِلٌ وَمُضَاهِي فانظْر إِلى النّشْوان عِنْدَ شَرَابَه وانْظُرْ إلى النَّسْوَانِ عِنْدَ مَلاهِي

وانظُرْ إِلى تمْزِيقِ ذَا أَثوَابَهُ مِن بَعْدِ تمزيقِ الفُؤَادِ اللاهِي واحكم فأيَّ الخمرتين أحق بالتحريم، والتأثيم عند الله؟ وقال آخر: برِئْنَا إِلَى اللهِ منْ مِعْشَرٍ يهِمْ مَرَضٌ مِنْ سَمَاعِ الغِنَا وكم قلْتُ يَا قَوْمُ، أَنْتُمْ عَلَى شَفَا جُرُفٍ مَابِهِ مِنْ بِنَا شَفَا جُرُفٍ تحْتَهُ هُوَّة إِلى دَرَكٍ، كم بِهِ مِنْ عَنا وتَكْرَارُ النُّصْحِ مِنا لهم لنُعْذِرَ فِيهِمْ إِلى ربَّنا فَلمَّا اسْتَّهانُوا بَتَنْبِيهنا رَجَعْنَا إِلى اللهِ فى أَمْرِنا فعِشْنَا عَلَى سُنَّةِ المُصْطَفَى وَمَاتوُا عَلَى تِنْتِنَا تِنْتِنا ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى، تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتحذر من سلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم من، جميع طوائف الملة.
(قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه، في تحريم السماع: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونسأله أن يرينا الحق حقاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه.
وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهاراً، ثم ازداد الأمر إدباراً، حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين ـ وفقنا الله وإياهم ـ استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو، وسماع الطقطقة والنقير، واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقَّت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِين نُوَلهِ مَا تَوَلّى وَنُصْلِه جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 115]. فرأيت أن أوضح الحق، وأكشف عن شبه أهل الباطل، بالحجج التي تضمنها كتاب الله، وسنة رسوله، وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصي الأرض ودانيها، حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها.
والله ولى التوفيق.
ثم قال: (أما مَالِكٌ فإنه نهى عن الغناء، وعن استماعه، وقال: "إذا اشترى جارية فوجدها مغنية له أن يردها بالعيب".
(وسئل مالك رحمه الله: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: "إنما يفعله عندنا الفساق".
قال: ("وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب"،

(وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي، وغيرهم، لا اختلاف بينهم فى ذلك، ولا نعلم خلافاً أيضاً بين أهل البصرة فى المنع منه.
قلت: مذهب أبى حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال.
وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق، وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق، والتلذذ به كفر، هذا لفظهم، ورووا في ذلك حديثاً لا يصح رفعه.
قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به، أو كان في جواره وقال أبو يوسف، في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: "أدخل عليهم بغير إذنهم، لأن النهي عن المنكر فرض"، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض".
قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه و ضربه سياطاً، وإن شاء أزعجه عن داره.
(وأما الشافعي: فقال في كتاب "أدب القضاء": "إن الغناء لهوٌ مكروه، يشبه الباطل والمحال.
ومن استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته".
وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله، كالقاضي أبى الطيب الطبري، والشيخ أبى إسحاق، وابن الصباغ.
قال الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه": "ولا تصح الإجارة على منفعة محرمة، كالغناء، والزمر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافاً".
وقال في "المهذب": "ولا يجوز على المنافع المحرمة، لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم".
فقد تضمن كلام الشيخ أمورا.
أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل بمنزلة أكله عوضاً عن الميتة والدم.
الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله في مقابلة محرم.
وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.
الخامس: أن الزمر حرام.
وإذا كان الزمر، الذي هو أخف آلات اللهو، حراماً، فكيف بما هو أشد منه؟ كالعود، والطنبور، واليراع، «ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك».
فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور.
وكذلك قال أبو زكريا النووي في "روضته".
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وأما مذهب الإمام أحمد؛ فقال عبد الله ابنه: "سألت أبى عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني"، ثم ذكر قول مالك: "إنما يفعله عندنا الفساق".

(وقال أيضاً رحمه الله تعالى: فلعمر الله، كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشاياً، وكم من معافى تعرّض له فأمسى، وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان، فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا، وكم جرّع من غصة وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (15/ 313): «ومن أقوى ما يهيج الفاحشة إنشاد أشعار الذين في قلوبهم مرض من العشق! ومحبة الفواحش، ومقدماتها بالأصوات المطربة، فإن المغني إذا غنى بذلك حرك القلوب المريضة إلى محبة الفواحش، فعندها يهيج مرضه ويقوى بلاؤه!! وإن كان القلب في عافيه من ذلك جعل فيه مرضاً! كما قال بعض السلف: الغناء رقية الزنا» ا. هـ. وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 442): «ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب ومن طرق أهله سماع رقية الزنا، فهو أعلم بالاسم الذي يستحقه! ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذٍ تعطي الليان!! فلعمر الله، كم من حرة صارت بالغناء من البغايا! وكم من حر أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل اسماً قبيحاً بين البرايا! وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا! وكم من معافى تعرض له، فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا! وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان، فلم يجد بداً من قبول تلك الهدايا! وكم جرع من غصة، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه إحدى العطايا! وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة!» ا. هـ. مختصراً.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتاب نزهة الأسماع في مسألة السماع (460): «والغناء المشتمل على وصف ما جبلت النفوس على حبه، والشغف به من الصور الجميلة يثير ما كمن في النفوس من تلك المحبة، ويشوق إليها، ويحرك الطبع ويزعجه عن الاعتدال، ويؤزه إلى المعاصي أزاً، ولهذا قيل: إنه رقية الزنا! وقد افتتن بسماع الغناء، خلق كثير فأخرجهم استماعه إلى العشق! وفتنوا في دينهم، فلو لم يرد نص صريح في تحريم الغناء بالشعر، الذي توصف فيه الصور الجميلة لكان محرماً بالقياس على النظر إلى الصور الجميلة! التي حرم النظر إليها بالشهوة، بالكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من علماء الأمة».
وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 442) مبيناً أحوال المغنين: «فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه! ويثب وثبات الدباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان! ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين!» ا. هـ. وقال ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (1/ 284): «الغناء يخرج من الإنسان عن الإعتدال, ويغير العقل, وبيان هذا أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صحته من غيره من تحريك رأسه, وتصفيق يديه, ودق الأرض برجليه إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة, والغناء يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل فينبغي أن يقع المنع منه».
(وسماع الغناء يضاد سماع القرآن: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتاب نزهة الأسماع في مسألة السماع (417): «واعلم أن سماع الأغاني يضاد سماع القرآن من كل وجه! فإن القرآن كلام الله، ووحيه ونوره الذي أحيا الله به القلوب الميتة، وأخرج العباد به من الظلمات إلى النور، والأغاني وآلاتها مزامير الشيطان، فإن الشيطان قرآنه الشعر، ومؤذنه المزمار ومصائده النساء.
كذا قال قتادة وغيره من السلف» ا. هـ. (وقال رحمه الله (474): «ويوجب أيضاً سماع الملاهي النفرة عن سماع القرآن! كما أشار إليه الشافعي رحمه الله، وعدم حضور القلب عند سماعه، وقلة الانتفاع بسماعه، ويوجب أيضاً قلة التعظيم لحرمات الله! فلا يكاد المدمن لسماع الملاهي، يشتد غضبه لمحارم الله تعالى إذا انتهكت!» ا. هـ. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أحمد بن يحيى الوزير.
قال: خرج الشافعي يوماً من سوق القناديل متوجهاً إلى حجرته، فتبعناه فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم، فالتفت إلينا الشافعي فقال: نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم، ولو رددت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقي بها قائلها.
(أسماء الغناء في الشرع:

جارٍ التحميل