مقدمة في فضل علم الآداب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في الصحيحين) قال، قال رجل يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوِّل بنا فلان فما رأيت رسول الله أشد غضباً من يومئذٍ فقال يا أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة.
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت: ما خير رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه، وما انتقم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله بها.
(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح السيرة النبوية) قال: طلع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه، فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: ((أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكم بالذبح)).
(أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشافعي قال: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن غضب فاسترضي فلم يرض فهو حمار.
(20) التكلم فيما لا يعنيه:
من أشدِّ آفات اللسان التكلم فيما لا يعنيه فإنه قد يهوي بصاحبه في الهوةِ السحيقة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قَالَ: اسْتُشْهِدَ رَجُلٌ مِنَّا يَومَ أُحدٍ فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنْ الجُوعِ فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُرَابَ عَنْ وَجْهِِهِ وَقَالَتْ هَنِيئَاً لَكَ يَا بُنَي الجَنَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُدْرِيِكِ لَعَلَهُ كَانَ يَتَكَلَمَ فِيمَا لَا يُعْنِيهِ وَيَمْنَعَ مَا لَا يَضُرُهُ.
((حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدَ كَعْبَاً فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا مَرِيضٌ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَى آتَاهُ فَلمَا دَخَلَ عَلَيهِ قَالَ أَبْشِرْ يَا كَعْبُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ هَنِيئَاً لَكَ الجَنَّةَ يَا كَعْبُ فَقَالَ: مَنْ هَذِه المُتَآلِيَةُ عَلَى اللهِ؟ قَالَ هِيَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ وَمَا يُدْرِيِكِ يَا أُمِّ كَعْب، لََعَلَ كَعْبَاً قَالَ مَا لَا يُعْنِيهِ أَو مَنَعَ مَا لَا يُغْنِيه.
((3) قل خيراً أو اصمت:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
(إنه أدب نبويٌ قولي للذين يهمون بالكلام أن يتريثوا ويتفكروا بكلامهم الذي يريدون أن يتكلموا به، فإن كان خيراً فنعم القول هو وليقله، وإن كان شراً فلينته عنه فهو خيرٌ له.
(قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:
وهذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فإذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر أو يئول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت (1).
((4) فضل الصمت وقلة الكلام وكراهية كثرته:
مسألة: ما هي أهمية الصمت وقلة الكلام؟
ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بالصمت إلا فيما فيه منفعة لأن في الصمت النجاة بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صمت نجا.
((حديث جابر بن سمرة الثابت في صحيح الترمذي) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طويل الصمت قليل الضحك.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ.
(1). فتح الباري (10/ 461)
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.
(أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن بشار قال: اجتمعنا ذات يوم في مسجد فما منا أحد إلا تكلم، إلا إبراهيم بن أدهم فإنه ساكت، فقلت: لم لا تتكلم؟ فقال: الكلام يظهر حمق الأحمق، وعقل العاقل، فقلت: لا نتكلم إذا كان هكذا الكلام، فقال: إذا اغتممت بالسكوت فتذكر سلامتك من زلل اللسان.
(ولله درُ من قال:
أقلل كلامك واستعذ من شره... إن البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من غيه... حتى يكون كأنه مسجون
وكل فؤادك باللسان وقل له... إن الكلام عليكما موزون
(الآثار الواردة في الصمت وقلة الكلام:
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن مالك بن أنس قال: كل شيء ينتفع بفضله إلا الكلام فإن فضله يضر.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي الدرداء قال: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين منصت واع أو متكلم عالم.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الفضيل بن عياض يقول شيئان يقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الأكل.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الأحنف بن قيس قال: الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه.
(ولله درُّ من قال:
ما ذل ذو صمت وما من مكثر... إلا يزل وما يعاب صموت
إن كان منطق ناطق من فضة... فالصمت در زانه الياقوت
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن وهيب بن الورد أن شابا كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب ويحسن الاستماع ثم ينصرف من قبل أن يتكلم ففطن له عمر فقال له إنك تحضر مجلسنا وتحسن الاستماع ثم تنصرف من قبل أن تتكلم فقال الشاب إني أحضر فأتوقى وأتنقى وأصمت فأسلم.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن كعب قال العافية عشرة أجزاء تسعة منها في السكوت.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الأوزاعي قال: ما بلى أحد في دينه ببلاء أضر عليه من طلاقة لسانه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من كثر كلامه كثر سقطه.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عبد الله بن عمرو: دع ما لست منه في شئ ولا تنطق فيما لا يعنيك واخزن لسانك كما تخزن ورقك.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن وهيب بن الورد رحمه الله قال كان يقال الحكمة عشر أجزاء فتسعة منها في الصمت والعاشرة عزلة الناس.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الأوزاعي قال قال سليمان بن داود صلى الله عليهما السلام إن كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن وهيب بن الورد رحمه الله قال: إن الرجل ليصمت فيجتمع إليه لبه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن النضر الحارثي قال كان يقال كثرة الكلام تذهب بالوقار.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن عبد الوهاب الكوفي قال: الصمت يجمع للرجل خصلتين السلامة في دينه والفهم عن صاحبه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عقيل بن مدرك أن رجلا قال لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه أوصني قال عليك بالصمت إلا في حق فإنك به تغلب الشيطان.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن كعب قال قلة المنطق حكم عظيم فعليكم بالصمت فإنه رعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عبد الرحمن بن شريح قال لو أن عبدا اختار لنفسه ما اختار شيئا أفضل من الصمت.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أبي مسهر رحمه الله قال الصمت وعاء الأخيار.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عن شيخ من قريش قال قيل لبعض العلماء إنك تطيل الصمت فقال إني رأيت لساني سبعا عقورا أخاف أن أخلي عنه فيعقرني.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان الحارث بن محمد التميمي من قريش قال كان رجل يجلس إلى الشعبي فيطيل السكوت فقيل له ما يمنعك من الكلام فقال أَسْكُتُ فَأَسْلَم وَأَسْمَعُ َفَأعْلَمُ.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان سفيان قال بلغنا أن فتى كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيستمع فيحسن الاستماع ثم يقوم من قبل أن يتكلم قال ففطن إلى ذلك عمر رضي الله عنه فقال له أراك تحضر المجلس فتحسن الاستماع ثم تقوم من قبل أن تتكلم مع القوم ولا تدخل في حديثهم فعم ذاك قال له الفتى إني والله أحب أن أحضر فأستمع فأحسن الاستماع ثم أتنقى هو وأتوقى وسلم وأصمت لعلي أسلم قال يقول له عمر رضي الله عنه يرحمك الله وأينا يفعل هذا؟
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن خاقان بن عبد الله قال سمعت ابن المبارك وسئل عن قول لقمان لابنه إن كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب فقال عبد الله لو كان الكلام بطاعة الله من فضة فإن الصمت عن معصية الله من ذهب.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن إبراهيم رحمه الله قال يهلك الناس في خلتين فضول المال وفضول الكلام.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن سلمان رضي الله عنه قال: أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم كلاما في معصية الله.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أنذركم فضول الكلام بحسب أحدكم ما بلغ حاجته.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عطاء بن أبي رباح قال: إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه أو تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها، قال تعالى: (وَإِنّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ) [الانفطار 10، 11]،و قال تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق 17، 18] أما يستحي أحدكم أنه لو نشرت عليه صحيفته التي أملى صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن علي رضي الله عنه قال لسان الإنسان قلم المَلَك وريقه مداده.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الأحنف بن قيس يقول قال الله عز وجل عن اليمين وعن الشمال قعيد فصاحب اليمين بكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال فإن أصاب العبد خطيئة قال أمسك فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها وإن أبى إلا أن يصر كتبها.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن زيد بن علي رضي الله عنه قال إذا خرجت الكلمة من فم الإنسان نظر الملك فإن كان أراد شرا أمضاها وإن كان لم يرد شرا وإنما كانت فلته قال له صاحبه لا تعجل لعله أن يستغفر الله منها فإن استغفر لم تكتب وكتب له حسنات الاستغفار.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الحسن قل يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان يكتبان عملك فأكثر ما شئت أو أقل.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الربيع بن خثيم قال: لا خير في الكلام إلا في تسع تهليل وتكبير وتسبيح وتحميد وسؤالك من الخير وتعوذك من الشر وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وقراءتك للقرآن.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن إبراهيم التيمي قال المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر فإن كان كلامه له تكلم وإلا أمسك عنه والفاجر إنما لسانه رسلاً رسلا.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عن نعيم كاتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال قال عمر بن عبد العزيز إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه قال من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه فإن في الاستماع سلامة وزيادة في العلم والمستمع شريك المتكلم في الكلام إلا من عصم الله ترمق وتزين وزيادة ونقصان.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن أحق ما طهر الرجل لسانه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أن أبا الدرداء رضي الله عنه رأى امرأة سليطة اللسان فقال لو كانت هذه خرساء كان خيرا لها.
﴿تنبيه﴾: (ينبغي للمسلم أن يكون منهجه في الكلام أن يكون إذا تكلم غنم وإذا سكت سلم.
(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رحم الله امرءاً تكلم فغنم أو سكت فسلم.
قال ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: ما شيء أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من لساني
وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: أنصف أذنيك من فيك فإنما جُعلت لك أذنان وفمٌ واحد لتسمع أكثر مما تتكلم به.
(وجاء الترغيب في الإقلال من الكلام في أيما حديث، وذلك لأن كثرته يكون سبباً في الوقوع في الإثم، فلا يأمن المُكثر منه، من فلتات لسانه وزلاته، فمن أجل ذلك جاء الترغيب في الإقلال من الكلام، والنهي عن كثرته، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث المغيرة بن شعبة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ.
(قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
وقوله: (وكره لكم... قيل وقال) فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم، قاله النووي (1).
(وأخبرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن الثرثارون من أبغض الناس إليه وأبعدهم منه مجلساً يوم القيامة.
((حديث جابر الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ (2) وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ.
معنى الثرثارون: كثيري الكلام
معنى المتشدقون: الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم (1). مسلم بشرح النووي.
المجلد السادس (12/ 10)
(2). في اللسان: الثرثار المتشدق كثير الكلام... والثرثرة في الكلام: الكثرة والترديد... تقول رجلٌ ثرثار وامرأه ثرثارة، وقومٌ ثرثارون.
وروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: أبغضكم إلي الثرثارون والمتفيهقون.
أي هم الذين يكثرون الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق.
(4/ 102) مادة (ثرر).
(قال أبو هريرة: لا خير في فضول الكلام.
وقال عمر بن الخطاب: من كثُر كلامه كثُر سقطه... وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لاخير في كثرة الكلام، واعتبر ذلك بالنساء والصبيان، أعمالهم أبداً يتكلمون ولا يصمتون..
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ بَعْضُ قُضَاةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ عَزَلَهُ لِمَ عَزَلْتَنِي؟ فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ كَلَامَكَ مَعَ الْخَصْمَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ.
وَتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ يَوْمًا فَأَكْثَرَ الْكَلَامَ وَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَإِلَى جَنْبِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ مَا تَعُدُّونَ الْبَلَاغَةَ؟ قَالَ: قِلَّةُ الْكَلَامِ.
وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَعِيبُ كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَيَقُولُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي النِّسَاءِ أَوْ الضُّعَفَاءِ.
وَقَالَ الْأَحْنَفُ: الْبَلَاغَةُ الْإِيجَازُ فِي اسْتِحْكَامِ الْحُجَّةِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ مَا يُكْتَفَى بِهِ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: لِرَجُلٍ كَثِيرٌ كَلَامُهُ: إنَّ الْبَلَاغَةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ, وَلَا بِخِفَّةِ اللِّسَانِ, وَلَا بِكَثْرَةِ الْهَذَيَانِ, وَلَكِنَّهُ إصَابَةُ الْمَعْنَى وَالْقَصْدُ إلَى الْحُجَّةِ.
أهـ
(ولله درُ من قال:
إنَّمَا الْعَاقِلُ مَنْ أَلْجَمَ فَاهُ بِلِجَامِ: مُتْ بِدَاءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ دَاءِ الْكَلَامِ.
((5) الكلمة الطيبة صدقة:
(أخبرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن الكلمة الطيبة صدقة وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.
(وربَّ كلمة طيبة أبعدت قائلها من النار، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (
((حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
((6) إذا حدث الرجل لأخيه بحديث ثم التفت فهي أمانة:
((حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ.
(هذا أدبٌ نبويٌ عظيم، حيث عدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم التفات الرجل عند كلامه يميناً وشمالاً قائماً مقام إيداع السر وحفظه وعدم نقله.
قال ابن رسلان: لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد وأنه قد خصه سره، كان الالتفات قائماً مقام: اكتم هذا عني، أي خذه عني واكتمه وهو عندك أمانه (1).
((7) تقديم الأكبر في الكلام:
((حديث رافع بن خَدِيج رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ـ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ ـ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَبِّرْ الْكُبْرَ» ـ قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ ـ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ ـ أَوْ قَالَ صَاحِبَكُمْ ـ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِهِ.
(1). عون المعبود.
المجلد السابع (13148)
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ.
((حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا.
((حديث أبي موسى الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من إجلالِ الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم و حاملَ القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرامَ ذي السلطان المقسط.
((حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من لم يجل كبيرنا و يرحم صغيرنا! ويعرف لعالمنا حقه.
((حديث جابر رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَمَرَنِي جِبْرِيْلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ.
((حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي.
(ولقد تطبّع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه وتقديره انقياداً لتعاليم دينهم، واتباعاً لسنة رسولهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من أشد الناس توقيراً لإخوانه ولمن هو أسن منه، فقد روى عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكباً على حماره، فأخذ له الإمام أحمد بالركاب.
وقال المروزي: رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ (1).
(وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال: ((حدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك)) 1، فهذا خُلُقُهُم - رحمهم الله - فالأسن مقدم ولو كان الفارق ليلة فكيف بسنة أو سنوات؟! فذلك من باب أولى، وروى الحسن بن منصور قال: كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يوماً نعود مريضاً فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني 2. ((8) عدم مقاطعة الحديث:
من الأدب عدم قطع حديث الناس، لأنهم قد يكونوا شغوفين بمتابعة الحديث، فإذا تكلم بعضهم وبتر كلامهم، فإن ذلك يشق عليهم ويوغر صدورهم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ.
الشاهد قوله: (فمضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدث) أي: ولم يقطع حديثه، وذلك لأن الحق لمن كان بالمجلس لا لهذا السائل، فناسب أن لا يقطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثه حتى يقضيه.
(ويستأنس أيضاً بقول ترجمان القرآن، ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن عباس لعكرمة: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين فإن أكثر فثلاث مرار ولا تملَّ الناس هذا القرآن.
ولا ألفينك تأتي القوم وهو في حديثٍ من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه.. الحديث (1). فقد بين ابن عباس-رضي الله عنهما- علة النهي عن قطع الحديث، وهو جلب الملالة والسآمة لهم، ثم أرشده بحسن الاستماع، وإذا طلبوا منك التحديث فحدثهم فإنه أدعى لقبول ما تقول حيئنذٍ.
((9) التأني في الكلام وعدم الإسراع فيه:
العجلة في الحديث مظنة عدم فهم الكلام على وجهه من لدن المستمع، ولذا كان كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا عجلة فيه يفهمه من جلس إليه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ.
((حديث عائشة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَتْ كَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ.
((حديث جابر الثابت في صحيح أبي داود) قَالَ: كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْتِيلٌ أَوْ تَرْسِيلٌ.
((10) يكرر كلامه ثلاثاً تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا.
((11) خفض الصوت عند الكلام:
قال تعالى: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: 19].
قوله تعالى: ﴿واغضض من صوتك﴾ أدباً مع الناس ومع الله.
(أَنكَرَ الأصْوَاتِ): أي أفضعها وأبشعها ﴿لصوت الحمير﴾.
فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار الذي قد علمت خسته وبلادته، قاله ابن سعدي (2). ولا شك أن رفع الصوت على الغير سوءٌ في الأدب، وعدم احترام للآخرين.
(قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية: (1).رواه البخاري (6337)
(2). تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (6/ 160)
قال الشيخ تقي الدين: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له... وقال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله الله للحمير (1). ((12) ألفاظ وكلمات تُجتنب:
تدور على ألسنة بعض المتكلمين عباراتٌ وألفاظٌ نهى الشرعٌ عنها، وقد لا يعلمون حكمها وهم الأكثر، وقد يُعلم حكمها ولكن تُقال نسياناً، وأشرهم الذي يتفوه بها عالماً عامداً.
وفي هذا المقام لا يمكننا الإحاطة بهذه الألفاظ، ولكن حسبنا بذكر بعضها على سبيل الاختصار، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
مسألة: بعض الناس يقول: تصحيح الألفاظ غير مهم مع سلامة القلب؟
الجواب: إن أراد بتصحيح الألفاظ إجراءها على اللغة العربية، فهذا صحيح فإنه لا يهم- من جهة سلامة العقيدة- أن تكون الألفاظ غير جارية على اللغة العربية ما دام المعنى مفهوماً وسليماً.
أما إذا أراد بتصحيح الألفاظ، ترك الألفاظ التي تدل على الكفر والشرك، فكلامه غير صحيح بل تصحيحها مهم، ولا يمكن أن نقول للإنسان أطلق لسانك في قول كل شيء ما دامت النية صحيحة بل نقول الكلمات مقيدة بما جاءت به الشريعة الإسلامية.
قاله ابن عثيمين (2).
أ- الفاظ التكفير والتبديع والتفسيق:
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا.
(وقليلٌ ممن أعمى الله بصيرتهم ولغوا في أعراض الناس تكفيراً وتبديعاً وتفسيقاً، وكأن الله تعبدهم بذلك، والواحد منهم يُطلق عبارة التكفير أو التبديع أو التفسيق وهو منشرحٌ بها صدره، مع أن السلف من الصحابة ومن سار على هداهم من أئمة الإسلام «كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد» كانوا يتحرجون من ذلك كثيراً، وخصوصاً في التكفير، حيث لم يتلفظوا بشيء من ذلك إلا بعد أن قامت لديهم أدلة لا تقبل الشك، وانتفت في حق المعين الموانع، وقامت عليه الحجة،
((حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَةِ الوَدَاعِ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَغَتْ.
(1). الآداب الشرعية (2/ 26)
(2). فتاوي العقيدة (دار الجيل، مكتبة السنة) ط. الثانية 1414هـ (ص 730)
(قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
فَجَمَعَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيغَارِ الصُّدُورِ، وَإِبْدَاءِ الشُّرُورِ، وَإِظْهَارِ الْبَذَاءِ، وَاكْتِسَابِ الأعداء، وَلاَ يَبْقَى مَعَ هَذِهِ الأمور وَزْنٌ لمرموقٍ وَلاَ مُرُوءَةٌ لِمَلْحُوظٍ ثُمَّ هُوَ بِهَا مَوْتُورٌ مَوْزُورٌ؛ وَلِأَجْلِهَا مَهْجُورٌ مَزْجُورٌ.
((حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمَنْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ.
(ومعنى اقترض: أي اقتطع، والمراد أنه نال من أخيه المسلم بالطعن فيه.
(أورد أبو الشيخ الأصبهاني رحمه الله تعالى في التوبيخ والتنبيه عن المحاربي قال: قيل للربيع بن خثيم: مالك لا تذم الناس؟ قال: والله ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم غيرها، إن الناس خافوا الله في ذنوب غيرهم، وأمنوه على ذنوبهم.
ب- قول الرجل هلك الناس:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ.
قوله: (فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) بالرفع: أي أشدهم هلاكاً، وبالفتح أي: جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا حقيقة (1).
(قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (1). انظر شرح صحيح مسلم.
المجلد الثامن (16/ 150)
واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس به، كما قال: لا أعرف من أمة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا أنهم يصلون جميعاً، هكذا فسره الإمام مالك وتابعه الناس عليه.
وقال الخطابي: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم والله أعلم (1).
ت -الحلف بغير الله تعالى:
((حديث عمر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ.
(والحلف بغير الله تعالى كأن يقسم بأي شيء من مخلوقاته، فهو الخالق المتصرف في ملكه، فالناس والجن والشجر والجبال والسماء والأرض خلقه فله أن يقسم بما شاء منها.
وأما الخلق فلا يقسموا بغير مليكهم وخالقهم.
(قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:
قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (2). (1). شرح مسلم.
المجلد الثامن (16/ 150)
(2). فتح الباري (11/ 540)
والحلف من المخلوقين يكون بأحد حروف القسم الثلاثة مضافة إلى الله: الواو والباء والتاء، تقول: تالله، وبالله، و والله.
أو الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته.
قال البخاري: باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته.
ثم قال... وقال أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبقى رجلٌ بين الجنة والنار فيقول يارب اصرف وجهي عن النار لا وعزتك لا أسألك غيرها (1). وقد يكون الحلف بإضافة شيء من مخلوقات الله إليه، كإضافة الكعبة والسماء والأرض إليه -سبحانه وتعالى-، كقولك: ورب الكعبة، ورب السماء ونحو ذلك، مع تنزيه الباري -جل وعلا- عن إضافة المخلوقات التي يستقبح ذكرها إليه، وإن كان هو خالقها، ولكن الأدب مع الله يقتضي ذلك، كما في دعاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المشهور: (والشر ليس إليك) (2). مع أنه خالق الخير والشر.
وهناك ألفاظ سُمعت من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي تندرج تحت الأقسام الثلاثة السابقة: كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وأيم الله) وقوله: (والذي نفسي بيده) وقوله: (لا ومقلب القلوب) (3).
(ومنه الحلف بالأمانة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث بريدة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا.
(ومن ذلك أيضاً الحلف بالنبي، وبالحياة، يقول: (وحياتك) أو (وحياة فلان) وغير ذلك من الحلف بغير الله.
ث- الحلف بالطلاق:
شاع عند بعض جهال الناس الحلف بالطلاق، فيقول: عليَّ الطلاق لا أفعلن كذا، أو عليَّ الطلاق ثلاثاً لا أفعله ونحو ذلك.
وهذا الجاهل قد يتسبب في خراب بيته، وظلمه لأهله الذين لا ذنب لهم، والذنب ذنب الأحمق الذي أطلق لسانه بدون روية أو تبصر بعاقبة الأمور.
وقد يكون المحلوف عليه بالطلاق أمراً ليس ذي بال، كحلف الرجل على الرجل لدخول بيته ونحو ذلك.
(والحلف بالطلاق اختلف أهل العلم في وقوعه عند الحنث فيه، فجمهورهم على أن الحانث فيمن حلف بالطلاق أنه يقع طلاقه، وطائفة من أهل العلم أجراه مجرى اليمين، فليزمه كفارة يمين عند الحنث.
(1). صحيح البخاري.
كتاب الأيمان والنذور.
(2). رواه مسلم (771)، وأحمد (805)، والترمذي (3422)، والنسائي (897)، وأبو داود (760)، والدارمي (1314)
(3). البخاري (6627)، (6628)، (6629)
(قال ابن عثيمين في جواب له: أما أن يحلفوا بالطلاق مثل عليَّ الطلاق أن تفعل كذا، أو علي الطلاق ألا تفعل كذا، أو إن فعلت كذا فامرأتي طالق، أو إن لم تفعل فامرأتي طالق، وما أشبه ذلك من الصيغ فإن هذا خلاف ما أرشد إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقد قال كثيرٌ من أهل العلم بل أكثر أهل العلم أنه إذا حنث في ذلك فإن الطلاق يلزمه وتطلق منه امرأته، وإن كان القول الراجح أن الطلاق إذا استعمل استعمال اليمين بأن كان القصد منه الحث على الشيء أو المنع منه أو التصديق أو التكذيب أو التوكيد، فإن حكمه حكم اليمين لقول الله تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ لِمَ تُحَرّمُ مَآ أَحَلّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلّةَ أَيْمَانِكُمْ) [التحريم 1، 2]
فجعل الله التحريم يميناً.
ثم ذكر الحديث الآتي:
((حديث عمر الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.
وهذا لم ينو الطلاق إنما نوى اليمين أو نوى معنى اليمين، فإذا حنث فإنه يجزأه كفارة يمين، هذا هو القول الراجح (1).
ج- قول الرجل للمنافق سيد أو ياسيدي:
((حديث بريدة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ.
(قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
قوله: (فإن يك سيداً) أي سيد قوم أو صاحب عبيد وإماء وأموال (فقد أسخطتم ربكم عزوجل) أي أغضبتموه لأنه يكون تعظيماً له وهو ممن لا يستحق التعظيم، فكيف إن لم يكن سيداً بأحد من المعاني فإنه يكون مع ذلك كذباً ونفاقاً... وقال ابن الأثير: لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن كان سيدكم وهو منافق، فحالكم دون حاله، والله لا يرضى لكم ذلك، قاله في عون المعبود (2). (1). فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين (2/ 796)
(2). شرح سنن أبي داود.
المجلد السابع (13/ 221) بتصرف يسير.
﴿تنبيه﴾: (درج كثيرٌ ممن يتكلم باللغة الإنجليزية من المسلمين على استخدام كلمة ( mister) في مخاطباتهم جرياً على عادة أهلها، والتي تعني سيد أو سيدي.
والنهي جاء في حق المنافق، فمن باب أولى ينهى عن خطاب المسلم ومناداته للكافر بهذا اللفظ، فالعبرة بالمعاني والمقصود لا بالمباني، والله أعلم.
قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة: فصل: خطاب الكتابي بسيدي ومولاي.
وأما أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحو ذلك فحرام قطعاً (1).
ح- سب الدهر:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
(كانت من عادة الجاهلية أنهم اذا أصيبوا بنازلة أو مصيبة أن يسبوا الدهر، وبعض هذه الأمة -وهم قلة- ممن اتصف بصفات أهل الجهل، تجده يحاكيهم عند نزول المصائب.
وفي الحديث نهيٌ عن سب الدهر؛ وذلك لأن سب الدهر هو سبٌ لخالق الدهر ومصرفه ومقلبه، فنهو عن سب الدهر لئلا يقعوا في سب خالقه (2).
مسألة: هل يقال هذا (زمان أقشر) أو (الزمن غدار) أو (يا خيبة الزمن الذي رأيتك فيه)؟
الجواب:
قال ابن عثيمين -حفظه الله- هذه العبارات التي ذكرت في السؤال تقع على وجهين:
الوجه الأول: أن تكون سباً وقدحاً في الزمن فهذا حرام.
ولا يجوز، لأن ما حصل في الزمن فهو من الله -عز وجل- فمن سبّه فقد سبّ الله، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدهر وأنا الدهر.
بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار.
والوجه الثاني: أن يقولها على سبيل الإخبار فهذا لا بأس به، ومنه قوله تعالى عن لوط، عليه الصلاة والسلام: ﴿وقال هذا يومٌ عصيب﴾ أي شديد، وكل الناس يقولون: هذا يومٌ شديد.
وهذا يومٌ فيه كذا وكذا من الأمور وليس فيه شئ.
وأما قول: (هذا الزمن غدار) فهذا سبّ لأن الغدر صفة ذم ولا يجوز.
وأما قول: (يا خيبة اليوم الذي رأيتك فيه) إذا قصد يا خيبتي أنا، فهذا لا باس فيه، وليس سباً للدهر، وإن قصد الزمن أو اليوم فهذا سبه له فلا يجوز (3).
خ- قول: (حرام عليك) أو (حرام عليك أن تفعل كذا): (1). (3/ 1322)
(2). انظر فتح الباري (8/ 438)، وشرح صحيح مسلم.
المجلد الثامن (15/ 4)
(3). فتاوي العقيدة ـ (ص 614 - 615)
لا يجوز أن يوصف شيء بالتحريم إلا أن يكون شيئاً حرمه الله أو رسوله، وذلك أن وصف شيء غير محرم بالحرمةـ ولو مع سلامة النية ـ فيه تعدي على جناب الربوبية، وفيه إيهام بأن ذلك الشيء محرم وهو ليس كذلك.
والأسلم للمرء في دينه أن يبتعد عن هذا اللفظ (1). ويُخشى على قائل ذلك أن يدخل في عموم قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هََذَا حَلاَلٌ وَهََذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) [النحل: 116].
قال الشوكاني: ومعناه أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قولٍ تنطق به ألسنتكم من غير حجة (2).
((13) لزوم الصدق ومجانبة الكذب:
(عناصر لزوم الصدق ومجانبة الكذب:
(الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين:
(تعريف الصدق:
(مراتب الصدق:
(من أقوال السلف في الصدق:
(حث الشريعة على التحلي بالصدق:
(شرح آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ):
(ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً:
(صور من حياة الأنبياء والصالحين مع الصدق:
(مجالات الصدق:
(دواعي الصدق:
(علامات الصدق:
(أمور مهمة في الصدق وأهله:
(الصدق المذموم:
(الحث على الاهتمام بتربية الأولاد على الصدق:
(الصدق في البيع والشراء:
(الكذب أضراره وعواقبه:
(تحريم الكذب في الرؤيا:
(عقوبة الكذب:
(تحذير السلف من الكذب:
(دواعي الكذب:
(تحريم الكذب في المزاح:
(لا تجمعن جوعا وكذبا:
(علامات الكذب:
(مواطن جواز الكذب:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: (1). انظر فتاوى الشيخ: محمد بن صالح العثيمين.
إعداد: أشرف عبد المقصود.
دار عالم الكتب.
ط. الثانية 1412هـ (1/ 200 - 201)
(2). فتح القدير (3/ 227)
منزلة الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: والصدق له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهي نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ المنازل كلها، والطريق الأقوم الذي من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين، به تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وأهل الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، هو روح الأعمال ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، وهو الباب الذي يدخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية على النبوة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكن النبيين تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخص الله المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119] وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) [النساء:69].
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان والإسلام، والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق، فقال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)
[البقرة:177]
وهذا صريح في أن الصدق في الأعمال الظاهرة والباطنة وأنه هو الإيمان والإسلام.
وأخبر سبحانه وتعالى أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذاب الله إلا صدقه، قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة:119].
وعقد البخاري رحمه الله تعالى في كتابه الجامع الصحيح باباً بعنوان: باب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] وما ينهى عن الكذب.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصدق
«وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين» «والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين» وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرْدَاه وَصَرَعَه، من صال به لم ترد صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال وَمَحَكُ الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، «وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين» ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين ومن مساكنهم في الجنات: تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين.
(وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين: وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69] «فهم الرفيق الأعلى وحسن أولئك رفيقا» ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا، ولهم مرتبة المعية مع الله فإن الله مع الصادقين ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين.
(وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له فقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد: 21]
(وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم: من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق فقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان.
(وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق فقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: 24]
(والإيمان أساسه الصدق والنفاق أساسه الكذب فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 34] فالذي جاء بالصدق: هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.
والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به: تكون صديقيته ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق و الصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق
فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل.
(وقد أمر الله تعالى رسوله أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [الإسراء: 80]
(وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أنه يهب له لسان صدق في الآخرين فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]
(وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2] وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54 - 55] فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ومخرج الصدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة وكذلك مدخله المدينة: كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ولا لله بل كان محادة لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب: أصابه معهم ما أصابهم «فكل مدخل معهم ومخرج كان بالله ولله وصاحبه ضامن على الله فهو مدخل صدق ومخرج صدق»
(وكان بعض السلف إذا خرج من داره: رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك، يريد أن لا يكون المخرج مخرج صدق ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه: بخروجه من مكة ودخوله المدينة، ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه وإلا فمداخله كلها مداخل صدق ومخارجه مخارج صدق «إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته» وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو مدخلا آخر إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل واحد ومدخله: لا يعدو الصدق والكذب والله المستعان.
((وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه من سائر الأمم بالصدق، ليس ثناء بالكذب كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ [مريم: 50]
والمراد باللسان ههنا: الثناء الحسن فلما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقا وَعَبَرَ به عنه فإن اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا واللغة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] وقوله: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22] وقوله: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] ويراد به الجارحة نفسها كقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16]
((وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة وفسر بمحمد وفسر بالأعمال الصالحة وحقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه يوم القيامة وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك فمن فسره بها أراد: ما يقدمون عليه ومن فسره بالأعمال وبالنبي: فلأنهم قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم فالثلاثة قدم صدق.
((وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق ودوامه ونفعه وكمال عائدته فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله فهو صدق غير كذب وحق غير باطل ودائم غير زائل ونافع غير ضار وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل.
((ومن علامات الصدق: طمأنينة القلب إليه، ومن علامات الكذب: حصول الريبة.
(ثم ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله الأحاديث الآتية:
(حديث علي الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة و الكذب ريبة.
(ثم قال رحمه الله تعالى:
فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها وهي غايته فلا ينال درجتها كاذب البتة لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله ولا سيما كاذب على الله في أسمائه وصفاته ونفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه عن نفسه فليس في هؤلاء صديق أبدا وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما حرمه وتحريم ما لم يحرمه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما لم يوجبه وكراهة ما أحبه واستحباب ما لم يحبه كل ذلك مناف للصديقية وكذلك الكذب معه في الأعمال: بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين والزاهدين المتوكلين وليس في الحقيقة منهم «فلذلك كانت الصديقية كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرا وباطنا» حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما وكذبهما يمحق بركة بيعهما كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما: محقت بركة بيعهما.
(تعريف الصدق:
الصدق هو: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه، فإذا طابق قولك ما في ضميرك والشيء الذي تخبر عنه فأنت صادق، والعكس بالعكس، فإذا انخرم شرط لم يكن صدقاً، بل إما أن يكون كذباً أو متردداً بينهما ـ يعني بين الصدق والكذب ـ كقول المنافق: محمد رسول الله، فهو من جهة المطابقة للمخبر عنه وهو النبي عليه الصلاة والسلام كذلك فإنه رسول الله حقاً، لكن من جهة ما يعتقده المنافق في ضميره فهو كذاب، ويصح أن يقال كذب؛ لمخالفة قوله لضميره.
وقد يستعمل الصدق والكذب في الاعتقاد وفي الفعل كما قال الصحابي للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إنا قوم صدق في القتال] في الحرب، ومنه قوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الصافات:105] عملنا بمقتضاها إذاً: هو قول الحق المطابق للواقع والحقيقة.
(مراتب الصدق:
والصدق على مراتب، والصادقون على مراتب، فالصدِّيق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب الصدق هي مرتبة الصديقية التي أشار الله إليها بقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ) [النساء:69] وسمي أبو بكر الصديق صديقاً لكثرة تصديقه للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(من أقوال السلف في الصدق:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
(قال عبد الواحد بن زيد: الصدق الوفاء لله بالعمل.
(وقيل: موافقة السر النطق.
(وقيل: استواء السر والعلانية يعني أن الكاذب علانيته خير من سريرته كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه:
(وقيل: الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة.
(وقيل: كلمة الحق عند من تخافه وترجوه.
(وقال الجنيد: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة، وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وقد يسبق إلى الذهن خلافه وأن الكاذب متلون لأن الكذب ألوان فهو يتلون بتلونه والصادق مستمر على حالة واحدة فإن الصدق واحد في نفسه وصاحبه لا يتلون ولا يتغير لكن مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا فإن المعارضات والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكاذب المرائي بل هو فارغ منها فإنه لا يرد عليه من قبل الحق موارد الصادقين على الكاذبين المرائين ولا يعارضهم الشيطان كما يعارض الصادقين فإنه لا أرب له في خربة لا شيء فيها وهذه الواردات توجب تقلب الصادق بحسب اختلافها وتنوعها فلا تراه إلا هاربا من مكان إلى مكان ومن عمل إلى عمل ومن حال إلى حال ومن سبب إلى سبب لأنه يخاف في كل حال يطمئن إليها ومكان وسبب: أن يقطعه عن مطلوبه فهو لا يساكن حالة ولا شيئا دون مطلوبه فهو كالجوال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء والأحوال والأسباب تتقلب به وتقيمه وتقعده وتحركه وتسكنه حتى يجد فيها ما يعينه على مطلوبه وهذا عزيز فيها فقلبه في تقلب وحركة شديدة بحسب سعة مطلوبه وعظمته وهمته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حال أو يساكن شيئا غيره فهو كالمحب الصادق الذي همته التفتيش على محبوبه، وكذا حال الصادق في طلب العلم وحال الصادق في طلب الدنيا فكل صادق في طلب شيء لا يستقر له قرار ولا يدوم على حالة واحدة وأيضا: فإن الصادق مطلوبه رضا ربه وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أين توجهت ركائبها ويستقل معها أين استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع ثم في أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو في قيام بسبب فيه عمارة الدين والدنيا ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم إن أمكن إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع فهو في تفرق دائم لله وجمعية على الله لا يملكه رسم ولا عادة ولا وضع ولا يتقيد بقيد ولا إشارة ولا بمكان معين يصلى فيه لا يصلى في غيره وزي معين لا يلبس سواه وعبادة معينة لا يلتفت إلى غيرها مع فضل غيرها عليها أو هي أعلى من غيرها في الدرجة وبعد ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض فإن البلاء والآفات والرياء والتصنع وعبادة النفس وإيثار مرادها والاشارة إليها: كلها في هذه الأوضاع والرسوم والقيود التي
حبست أربابها عن السير إلى قلوبهم فضلا عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه وزيه وقيده وإشارته ولو إلى أفضل منه استهجن ذلك ورآه نقصا وسقوطا من أعين الناس وانحطاطا لرتبته عندهم وهو قد انحط وسقط من عين الله
وقد يحس أحدهم ذلك من نفسه وحاله ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيه وقيوده: أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه وهذا شأن الكذاب المرائي الذي يبدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه العامل على عمارة نفسه ومرتبته وهذا هو النفاق بعينه ولو كان عاملا على مراد الله منه وعلى الصدق مع الله: لأثقلته تلك القيود وحبسته تلك الرسوم ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه ولما بالى أي ثوب لبس ولا أي عمل عمل إذا كان على مراد الله من العبد فكلام أبي القاسم الجنيد حق كلام راسخ في الصدق عالم بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب وأيضا «فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم» فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل «والرياء والكذب خفيف كالريشة» لا يجد له صاحبه ثقلا البتة فهو حامل له في أي موضع اتفق بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله.
(وقال بعضهم: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره.
(وقال بعضهم: الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سره لو كشف قال الله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 94] قلت: هذه الآية فيها للناس كلام معروف قالوا: إنها معجزة للنبي أعجز بها اليهود ودعاهم إلى تمني الموت وأخبر: أنهم لا يتمنونه أبدا وهذا علم من أعلام نبوته إذ لا يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بأخبار الغيب ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا.
(وقال سهل بن عبد الله: أول خيانة الصديقين: حديثهم مع أنفسهم.
(وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أضرب بسيفي في سبيل الله.
(وقال الحارث المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطِّلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من علامات الصديقين وفي هذا نظر لأن كراهته لاطلاع الناس على مساوىء عمله من جنس كراهته للضرب والمرض وسائر الآلام وهذا أمر جبلي طبيعي ولا يخرج صاحبه عن الصدق لا سيما إذا كان قدوة متبعا فإن كراهته لذلك من علامات صدقة لأن فيها مفسدتين: مفسدة ترك الاقتداء به واتباعه على الخير وتنفيذه ومفسدة اقتداء الجهال به فيها فكراهيته لاطلاعهم على مساوئ عمله: لا تنافي صدقه بل قد تكون من علامات صدقه نعم المنافي للصدق: أن لا يكون له مراد سوى عمارة حاله عندهم وسكناه في قلوبهم تعظيما له فلو كان مراده تنفيذا لأمر الله ونشرا لدينه وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ودعوة إلى الله: فهذا الصادق حقا والله يعلم سرائر القلوب ومقاصدها وأظن أن هذا هو مراد المحاسبي بقوله: ولا يكره اطلاع الناس على السيء من عمله فإنهم يريدون ذلك فضولا ودخولا فيما لا يعني فرضي الله عن أبي بكر الصديق حيث قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقا أو عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاتلتهم عليه فهذا وأمثاله يعدونه ويرونه من سيء الأعمال عند العوام والجهال.
(وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت قيل: وما الفرض الدائم قال: الصدق.
(وقيل: من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل.
(وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك.
(وقيل: ما أملق تاجر صدوق:
(أورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن الأستاذ القشيري رحمه الله قال: الصدق عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، قال: وأقل الصدق استواء السر والعلانية.
(وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن " سهل " رحمه الله تعالى قال: " لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره ".
(وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن ذي النون رحمه الله أنه قال: الصدق سيف الله، وما وضع على شيء إلا قطعه.
(وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن الإمام العارف الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى قال: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه؛ ولا يحب إطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله؛ ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم؛ وليس هذا من إخلاص الصديقين!
(وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن الجنيد رضي الله عنه قال: " الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة ". والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة! ".
(قال النووي رحمه الله تعالى:
قلت: معناه أن الصادق يدور مع الحق كيف كان؛ فإذا رأى الفضل الشرعي في أمر عمل به، وإن خالف ما كانت عليه عادته، وإذا عرض أهم منه في الشرع ولا يمكن الجمع بينهما، انتقل إلى الأفضل، ولا يزال هكذا، وربما كان في اليوم الواحد على مائة حال، أو ألف أو أكثر، على حسب تمكنه في المعارف وظهور الدقائق له واللطائف.
وأما المرائي: فيلزم حالة واحدة بحيث لو عرض له مهم يرجحه الشرع عليها في بعض الأحوال لم يأت بهذا المهم؛ بل يحافظ على حالته لأنه يرائي بعبادته وحاله المخلوقين، فيخاف من التغير ذهاب محبتهم إياه فيحافظ على بقائها!
«والصادق يريد بعبادته وجه الله تعالى، فحيث رجح الشرع حالًا صار إليه»، ولا يعرج على المخلوقين.
(أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عاملوا الله عز وجل بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبداً أسكن محبته في قلوب العباد.
(أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: ما تزين الناس بشيء أفضل من الصدق، والله عز وجل يسأل الصادقين عن صدقهم، منهم عيسى بن مريم عليه السلام، كيف بالكذابين المساكين، ثم بكى وقال: أتدرون في أي يوم يسأل الله عز وجل عيسى ابن مريم عليه السلام؟ يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين آدم فمن دونه، ثم قال: وكم من قبيح تكشفه القيامة غداً.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الفضيل بن عياض يقول ما من مضغة أحب إلى الله من لسان صدوق وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أسعد بن عبيد الله المخزومي قال أمرني عبد الملك بن مروان أن أعلم بنيه الصدق كما أعلمهم القرآن.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن علي رضي الله عنه قال زين الحديث الصدق.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أبي حصين أن رجلا أتى ابن مسعود رضي الله عنه فقال علمني كلمات نوافع جوامع فقال تعبد الله وتشرك به شيئا وتزول مع القرآن أين ما زال ومن جاءك بالصدق من صغير أو كبير وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه ومن أتاك يكذب من صغير أو كبير وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه.
(حث الشريعة على التحلي بالصدق:
وقد حثت الشريعة على التحلي بهذا الخلق العظيم، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موضحاً ما أمر الله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119]
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن مسعودٍ الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر و إن البر يهدي إلى الجنة و ما يزال الرجل يصدق و يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار و ما يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.
((حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم و أوفوا إذا وعدتم و أدوا إذا ائتمنتم و احفظوا فروجكم و غضوا أبصاركم و كفوا أيديكم.
(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خير الناس ذو القلب المخموم و اللسان الصادق قيل: ما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه و لا بغي و لا حسد قيل: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن.
فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة: ومفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا.
إذاً: صاحب اللسان الصادق والقلب المخموم، السليم من الإثم والبغي والحسد هو خير الناس.
وقد كان أحب الحديث إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصدقه، وورد ذلك في صحيح البخاري: لما جاء وفد هوازن مسلمين فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم؛ لأن أموالهم وسبيهم قد أخذت من قبل المسلمين في المعركة، لكن القوم الكفار أسلموا بعد ذلك، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (معي من ترون وأحب الحديث إليَّ أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبي وإما المال.) إلى آخر الحديث الذي فيه تنازل المسلمين عن السبي لصالح وفد هوازن الذين جاءوا مسلمين.
(شرح آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ):
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119] الأمر بالكون مع أهل الصدق حسنٌ بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا، هذه الآية قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119] كانت بعد ذكر قصة الثلاثة الذي خلفت التوبة عليهم وأرجأ الله أمرهم امتحاناً لهم ولبقية المؤمنين، وجاء المنافقون من الأعراب يعتذرون ويكذبون، وهؤلاء الثلاثة صدقوا الله ورسوله فأرجأ الله التوبة عليهم وسموا بالمخلفين وكان مما أمر الله به في الآيات التي جاءت تعقيباً على تلك القصة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119].
(قال القرطبي رحمه الله تعالى: الأمر بالكون مع أهل الصدق حسنٌ بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا حين نفعهم صدقهم وذهب بهم عن منازل المنافقين.
قال مطرف: سمعت مالك بن أنس يقول: [قل ما كان رجل صادقاً لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف] هذا من فوائد الصدق.
وقوله تعالى: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119] اختلف فيهم: فقيل خطاب لمن آمن من أهل الكتاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119] أي: المؤمنين والصادقين قيل: خطاب لمن آمن من أهل الكتاب، وقيل: هو خطاب لجميع المؤمنين أن اتقوا مخالفة الله وكونوا مع الصادقين الذي خرجوا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا مع المنافقين، وقيل: كونوا على مذهب الصادقين وسبيلهم، وقيل: هم الأنبياء، أي: كونوا معهم بالأعمال الصالحة فتدخلوا الجنة بسببها فتكونوا معهم أيضاً.
ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً:
والحديث العظيم المشهور في الصدق الذي يبين فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصدق ويوصيهم به: (فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً).
والكذب -أيضاً- (لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار).
قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الآخر: (عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار، وسلوا الله اليقين والمعافاة).
وهذا الحديث الذي فيه قوله: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة) عليكم بالصدق أي: الزموه، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق -يعني- في قوله وعمله ويبالغ ويجتهد حتى يكتب عند الله صديقاً، فهذا يعني أن الصدق لا يصل إليه الإنسان إلا بالمجاهدة، ولا يزال يصدق ويتحرى الصدق، يتعمد ويتحرى ويقصد الصدق، ولا يزال ديدنه وعادته حتى يصل إلى المرحلة العظيمة وهي أنه عند الله صديقاً، يكتب أي: يثبت عند الله.
قال الإمام النووي معلقاً على الحديث: فيه فضيلة الصدق وملازمته وإن كان فيه مشقة فإن عاقبته خير.
(حتى يكتب عند الله صديقاً) فيه إشارة إلى حسن خاتمة هذا الرجل؛ لأنه قال: (ولا زال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) فإذا كتب عند الله صديقاً فهذه إشارة إلى حسن خاتمته، وإشارة إلى أن الصدق مأمول العواقب.
(ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً:
والجولة الآن مع الأنبياء والصالحين في الصدق كما حكى الله تعالى عنهم.
أمر الله رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) [الإسراء:80].
وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يهب له لسان صدقٍ في الآخرين، فقال: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء:84].
وبشر الله عباده بأن لهم قدم صدق عند ربهم، وأنه لهم مقعد صدق، فقال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [يونس:2] وقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر:54 - 55].
((قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهذه خمسة أشياء: مدخل صدق، ومخرج صدق، ولسان صدق، وقدم صدق، ومقعد صدق، فأما مدخل الصدق ومخرج الصدق بأن يكون دخوله وخروجه حقاً شرعياً موافقاً للكتاب والسنة في أي أمر من الأمور، وهو ضد مخرج الكذب ومدخل الكذب الذي لا غاية له يوصل إليها، فمخرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو وأصحابه في غزوة بدر هو مخرج صدق، ومخرج الأعداء من كفار قريش إلى غزوة بدر هو مخرج كذب، ومدخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة كان مدخل صدق في الله وابتغاء مرضاة الله، هاجر وترك الوطن والأهل ابتغاء مرضاة الله؛ فاتصل به التأييد والظفر والنصر، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن لله ولا بالله، بل كان محاداً لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار.
وفسر مدخل الصدق ومخرجه بخروجه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة ودخوله المدينة وهذا مثال على ذلك وليس هو كل مدخل الصدق ومخرج الصدق وإنما هو مثال عليه.
والنبي عليه الصلاة والسلام مداخله ومخارجه كلها كانت مداخل صدق ومخارج صدق، لا يخرج من المدينة ويدخل بلداً، أو يدخل في أمرٍ أو يخرج من أمرٍ إلا لله وبالله، وما خرج أحدٌ من منزله ودخل سوقه أو مدخلاً آخر إلا بصدقٍ أو كذب، فمدخل كل واحد منا ومخرجه لا يعدو الصدق والكذب، كلنا الآن نغدو ونذهب، ندخل في أمر ونخرج من آخر، ندخل في مكان ونخرج من آخر، ولذلك الدعاء بأن يدخلنا الله مدخل صدق ويخرجنا مخرج صدق هو في الحقيقة دعاء لله أن يسددنا في جميع أقوالنا وأعمالنا، وأن يكون إقدامنا على الأمور وخروجنا من الأمور موافقاً للكتاب والسنة.
أما لسان الصدق الذي جاء في دعاء الخليل إبراهيم فهو الثناء الحسن عليه من سائر الأمم صدقاً لا كذباً، وقد استجاب الله له فصار الناس يثنون على إبراهيم بعد موت إبراهيم بآلاف السنين، يثنون عليه ويذكرون سيرته ويتأسون به.
وأما قدم الصدق الذي وعد الله به المؤمنين فقد فسر بالجنة، وحقيقة القدم ما قدموه في الدنيا من الأعمال والإيمان، وما يقدمون عليه في الآخرة وهي الجنة التي هي جزاؤهم وهو مقعد الصدق (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) [القمر:54 - 55] أي: هي الجنة عند الرب تبارك وتعالى.
((صور من حياة الأنبياء والصالحين مع الصدق:
(من صفات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصادق الأمين:
كان من صفات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصادق الأمين وساعده ذلك في دعوته لما قام يدعو الكفار، كما جاء في صحيح البخاري، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾.
ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى صعد الصفا، فهتف: (يا صباحاه).
فقالوا: من هذا، فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي).
قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد).
قال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام.
فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾.
صدق الرجل يساعد في نشر دعوته: «ما جربنا عليك كذبا» قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1 - 5]).
وكان من الأشياء التي استدلت بها خديجة على صدق النبي عليه الصلاة والسلام في بعثته وأن الله لم يتخل عنه أنه بعدما جاءه الملك في غار حراء وقال له: اقرأ فرجع خائفاً مضطرباً، فقالت له خديجة لما قال لها لقد خشيت على نفسي، قالت: «كلا فوالله لا يخزيك الله أبداً، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
إذاً: هذا الصدق منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان معيناً له في دعوته، وكان من أدلة صدقه في بعثته وفيما أخبر به عن نبوته.
(يوسف الصديق عليه السلام:
ويوسف عليه السلام كان صادقاً؛ لذلك اعترف له الرجل الذي جاء يستفتيه فقال: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ) [يوسف:46] فأرسلوا أحد السجينين اللذين كانا مع يوسف إلى يوسف في السجن ليسأله لأنه قال لهم: أنا آتيكم بالجواب، ذهب إليه فقال: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) [يوسف:46] وصفه بالمبالغة في الصدق حسبما علمه وجربه من أحواله في مدة إقامته في السجن، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمستفتي أن يعظم المفتي: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ [يوسف:46].
(أبو بكر الصديق مع الصدق:
(حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كنت جالسا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما صاحبكم فقد غامر).
فسلم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: (يغفر الله لك يا أبا بكر).
ثلاثا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر، فقالوا: لا، فأتى إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسلم، فجعل وجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق.
وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي).
مرتين، فما أوذي بعدها.
(أبو ذر مع الصدق:
ومن الصحابة المشهورين بالصدق أيضاً أبو ذر رضي الله تعالى عنه،
(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر.
(كعب بن مالك وصدقه في حادثة تبوك:
وكذلك من الصحابة المشهورين بالصدق كعب بن مالك رضي الله عنه، قال حين تخلف عن تبوك: (والله ما أنعم الله علي من نعمة بعد إذ هداني أعظم من صدقي لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا حين أُنزل الوحي: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة:95]) الحديث في البخاري.
وفي البخاري أيضاً عن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب بن مالك لما عمي قال: [سمعت كعب بن مالك يحدث فينا حين تخلف عن قصة تبوك فقال: والله ما أعلم أحداً أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى يومي هذا كذباً أبداً] سنوات طويلة، وأنزل الله عز وجل على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:117 - 119].
(مجالات الصدق:
وللصدق مجالات عديدة منها: (أولاً: الصدق في الأقوال:
الصدق يكون في الأقوال كما قلنا سابقاً، وهو: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، فحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه ولا يتكلم إلا بالصدق.
وصدق اللسان أشهر أنواع الصدق وأظهرها، وأن يتحرز من الكذب ومن المعاريض التي تجانس الكذب، وينبغي أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، فإن كان قلب العبد منصرفاً عن الله منشغلاً عن الدنيا وهو يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض في الصلاة في الاستفتاح فهو كاذب.
ومن الأقوال التي ينبغي الحرص على الصدق فيها: الحلف والقسم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق و من حلف له بالله فليرض و من لم يرض بالله فليس من الله.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (رأى عيسى بن مريم رجلا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا، والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت عيني).
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق و من حلف له بالله فليرض و من لم يرض بالله فليس من الله.
(اليمين على نية المستحلف:
فلا يجوز لك أن توري فيه، ولا تجوز التورية في القسم عند القاضي أو عند الشخص الذي تريد أن تقسم له إذا كان صاحب حق، فلا تنفعك توريتك في اليمين، وهي حرام والواجب أن تكون يمينك على ما يصدقك به صاحبك ويفهم من كلامك، فلو حلف أنه مثلاً لم يأخذ منه مالاً ونوى في نفسه أنه لم يأخذ منه مالاً في هذا المجلس فلا ينفعه ذلك ولا يجعل المال حلالاً له، يمينك على ما صدقك به صاحبك، والحقوق لا يجوز لك أبداً التورية فيها.
((حديث عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وما أعظم هذا الحديث.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اليمين على نية المستحلف.
(ثانياً: الصدق في الأفعال:
ومن مجالات الصدقِ الصدق في الأفعال: وهو استواء الفعل على الأمر والمتابعة كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام وكما أمر، كاستواء الرأس على الجسد، وهو أن تصدق السريرة العلانية حتى لا تدل أعمالهم الظاهرة من الخشوع ونحوه على أمر في باطنه، والباطن بخلافه، فالمراءون أعمالهم الظاهرة بخلاف بواطنهم، فلذلك ليسوا بصادقين في أعمالهم، والأعمال منها ما يكون أعمال قلب ومنها ما يكون أعمال جوارح.
(والأمثلة في الصدق مع الله والإخلاص لله كثيرة ومنها: قصة الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار فقال بعضهم لبعض: إنه والله لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق الله فيه، توسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فكان كل واحد يذكر أرجى ما عمل في حياته لله وأصدق ما حصل منه لله حتى كان السبب في انفراجها ذلك الرجل الذي وفر أجرة الأجير وحفظها كأمانة ونماها له أيضاً حتى صارت وادياً من المال وجاء الأجير فصدقه في هذا المال المحفوظ عنده وأعطاه إياه وسلمه كاملاً بعد تنميته.
هل أخذ أجرة على التنمية؟ بل هل التنمية واجبة عليه؟ لا.
لكنه نماه مجاناً ولم يأخذ أجرة على التنمية ولم يذكر في الحديث أنه قال له: جزاك الله خيراً أو أثنى عليه، فاستاقه فلم يبقِ منه شيئاً، حتى ما قال: خذ نصفه أو خذ أرباحه وأعطني أجرتي فقط، أخذه فلم يبقِ منه شيئاً فكان الفرج بسبب الدعوة الأخيرة مع الدعوات السابقة.