فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 15-54

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 15-54
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

إن علم الآداب له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، وهو نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، ثم إن الناس إذا تحلوا بمراعاة الأدب بينهم حصل الاطمئنان والأمن بينهم، فحقوقهم مكفولة وسمعتهم محترمة ومكانتهم محفوظة، فيطمئنون على أنفسهم لأن الأدب ينزع الأحقاد من صدور الناس وإذا التزم الناس بالآداب الشرعية صَفت النفوس فسادت الأخوّة والمحبة والألفة المجتمع، والناس جميعهم يحتاجون حاجَّةً ماسة إلى التحلي بالآداب وخاصةً الداعيةُ إلى الله تعالى يحتاجُ إلى التحلي بالآداب سيراً على منهج السلفِ الصالحِ في التعلم حيث كان منهجهم في التعلم (أن يتلقوْا العلمَ مع الأدب) لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه لأن الأدب طريقُ العلم النافع: فطالب العلم لن ينال العلم وبركته بدون أدب لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه، وقد حذّر السلف كثيراً من طلب العلم بدون أدب، فقال الإمام البوشنجي الفقيه المالكي (ت:291هـ) (من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله) سير أعلام النبلاء (13/ 586) للذهبي، وأورد الإمام بن الجزري في غاية النهاية في طبقات القُراء عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم، أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في صفة الصفوة عن ابن المبارك قال: كاد الأدب يكون ثلثي العلم، وأورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُزَيِّنْ عَمَلَهُ بِالْأَدَبِ، وقال أيضاً: قَالَ لِي مَخْلَدَةُ بْنُ الْحُسَيْنِ نَحْنُ إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْحَدِيثِ، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين (الأدب هو الدين كله) فمنزلة الأدب هي منزلة الدين عند العبد، وقال رحمه الله (أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استُجلب خيرُ الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب، فتأمل أحوال كل شقيٍّ ومُدبِرٍ كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان).

فمنزلة الأدب عظيمة ولذلك قال عبد الله ابن المبارك رحمه الله (من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السُنن ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين، وقال بكر أبو زيد في حلية طالب العلم صـ6 (لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلّي بمحاسن الأدب ومكارم الأخلاق سِمةُ أهل الإسلام وأن العلم لا يصل إليه إلا المُتحلي بآدابه المتخلي عن آفاته) أهـ، وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك بن أنس، يقول لفتى من قريش: يا ابن أخي تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم، فالحاصل أن الأدب مهم جداً للفرد وللمجتمع وخاصةً طالب العلم، وإنما أعني بالآداب أدب الدين والدنيا لأن َأَعْظَمُ الأمور خَطَرًا وَقَدْرًا وَأَعُمُّهَا نَفْعًا وَرِفْدًا مَا اسْتَقَامَ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا وَانْتَظَمَ بِهِ صَلاَحُ الآخرة والأولى؛ لِأَنَّ بِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ، وَبِصَلاَحِ الدُّنْيَا تَتِمُّ السَّعَادَةُ.

الآداب أكثر من أن تحصى

(قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا: اعْلَمْ أَنَّ الادَابَ مَعَ اخْتِلاَفِهَا بِتَنَقُّلِ الأحْوَالِ وَتَغَيُّرِ الْعَادَاتِ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهَا، وَلاَ يُقْدَرُ عَلَى حَصْرِهَا، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ كُلُّ إنْسَانٍ مَا بَلَغَهُ الْوُسْعُ مِنْ آدَابِ زَمَانِهِ، وَاسْتَحْسَنَ بِالْعُرْفِ مِنْ عَادَاتِ دَهْرِهِ، وَلَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لَكَانَ الأوَّلُ قَدْ أَغْنَى الثَّانِيَ عَنْهَا، وَالْمُتَقَدِّمُ قَدْ كَفَى الْمُتَأَخِّرَ تَكَلُّفَهَا، وَإِنَّمَا حَظُّ الاخِيرِ أَنْ يَتَعَانَى حِفْظَ الشَّارِدِ وَجَمْعَ الْمُفْتَرِقِ.
ثُمَّ يَعْرِضَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى حُكْمِ زَمَانِهِ، وَعَادَاتِ وَقْتِهِ، فَيُثْبِتَ مَا كَانَ مُوَافِقًا، وَيَنْفِيَ مَا كَانَ مُخَالِفًا، ثُمَّ يَسْتَمِدَّ خَاطِرَهُ فِي اسْتِنْبَاطِ زِيَادَةٍ وَاسْتِخْرَاجِ فَائِدَةٍ فَإِنْ أَسْعَفَ بِشَيْءٍ فَازَ بِدَرَكِهِ، وَحَظِيَ بِفَضِيلَتِهِ، ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا كَانَ مَأْلُوفًا مِنْ كَلاَمِ الْوَقْتِ وَعُرْفِ أَهْلِهِ فَإِنَّ لِأَهْلِ كُلِّ وَقْتٍ فِي الْكَلاَمِ عَادَةً تُؤْلَفُ، وَعِبَارَةً تُعْرَفُ؛ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَأَسْبَقَ إلَى الافْهَامِ.

تعريف الأدب

(تعريف الأدب:

قال السيوطي في لسان العرب (الأدب: الذي يتأدب به الأديب من الناس، سُميَ أدباً لأنه يأدب (يدعو) الناس إلى المحاميد وينهاهم عن المقابح).
وقال ابن القيم في مدارج السالكين (الأدب: اجتماع خصال الخير في العبد ومنه المأدبة وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس) وقال أيضاً (وحقيقة الأدب استعمال الخُلق الجميل) (ثم قال (قال بعض العلماء: الأدب هو استعمال ما يجمل من الأقوال والأعمال والأحوال) وقال بعضهم (الأدب هو أن تكون على تعاليم الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً) وقال ابن القيم رحمه الله (الأدب هو الدين كله فإنّ سِتر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابةِ من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب... ) مدارج السالكين.
(وفصل الخطاب في تعريف الأدب: أن الأدب هو اجتماع خِصال الخير في العبد وفق الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً.
فإذا أراد المسلم أن يكون مؤدباً فعليه أن يلتزم بالكتاب والسنة في عقيدته ومنهجه وعبادته واخلاقه وأفعاله وأقواله وصفاته ظاهراً وباطناً.

الباب الأول فضل العقل وذم الهوى

(عناصر الباب:

(

فضل العقل:

(

تعريف العقل:

(محل العقل: (أقسام العقل: (ما يزداد به العاقل من نماء عقله: (أول شعب العقل هو لزوم تقوى الله وإصلاح السريرة: (ذم الهوى: (تعريف الهوى: (الفَرْقُ مَا بَيْنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ: (ذم الهوى وأتباعه: (مدح مخالفة الهوى: (استحباب مخالفة الهوى وإن كان مباحاً: (صرف ما يقع بالقلب من غلبة الشهوة: (أحوال الإنسان مع الهوى: (أهمية علاج الهوى: (كيفية علاج الهوى: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (فضل العقل:

من أعظم نعم الله على عباده أن وهبهم العقل الذي يميزون به بين الأمور، ويسيّرون أمورهم به.
((قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:

اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ فَضِيلَةٍ أُسًّا وَلِكُلِّ أَدَبٍ يَنْبُوعًا، وَأُسُّ الْفَضَائِلِ وَيَنْبُوعُ الآداب هُوَ الْعَقْلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلدِّينِ أَصْلاً وَلِلدُّنْيَا عِمَادًا، فَأَوْجَبَ الدِّينَ بِكَمَالِهِ وَجَعَلَ الدُّنْيَا مُدَبَّرَةً بِأَحْكَامِهِ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ مَعَ اخْتِلاَفِ هِمَمِهِمْ وَمَآرِبِهِمْ، وَتَبَايُنِ أَغْرَاضِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ، وَجَعَلَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا وَجَبَ بِالْعَقْلِ فَوَكَّدَهُ الشَّرْعُ، وَقِسْمًا جَازَ فِي الْعَقْلِ فَأَوْجَبَهُ الشَّرْعُ فَكَانَ الْعَقْلُ لَهُمَا عِمَادًا.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: أَصْلُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ، وَحَسَبُهُ دِينُهُ، وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا اسْتَوْدَعَ اللَّهُ أَحَدًا عَقْلاً الا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْمًا مَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْعَقْلُ أَفْضَلُ مَرْجُوٍّ، وَالْجَهْلُ أَنْكَى عَدُوٍّ.
وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ وَعَدُوُّهُ جَهْلُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: خَيْرُ الْمَوَاهِبِ الْعَقْلُ، وَشَرُّ الْمَصَائِبِ الْجَهْلُ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، وَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ حَسَّانَ: يَزِينُ الْفَتَى فِي النَّاسِ صِحَّةُ عَقْلِهِ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ مَكَاسِبُهْ يَشِينُ الْفَتَى فِي النَّاسِ قِلَّةُ عَقْلِهِ وَإِنْ كَرُمَتْ أَعْرَاقُهُ وَمَنَاسِبُهْ يَعِيشُ الْفَتَى بِالْعَقْلِ فِي النَّاسِ إنَّهُ عَلَى الْعَقْلِ يَجْرِي عِلْمُهُ وَتَجَارِبُهْ وَأَفْضَلُ قَسْمِ اللَّهِ لِلْمَرْءِ عَقْلُهُ فَلَيْسَ مِنْ الأشْيَاءِ شَيْءٌ يُقَارِبُهْ إذَا أَكْمَلَ الرَّحْمَنُ لِلْمَرْءِ عَقْلَهُ فَقَدْ كَمُلَتْ أَخْلاَقُهُ وَمَآرِبُهْ.
أهـ (قيل لعطاء بن أبي رباح ما أفضل ما أعطى الإنسان؟ قال العقل عن الله تعالى.
وقال معاوية بن قرة إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم.
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن يوسف بن اسباط قال: العقل سراج ما بطن وملاك ما علن وسائس الجسد وزينة كل أحد ولا تصلح الحياة إلا به ولا تدور الأمور إلا عليه.

وسئل ابن المبارك رحمه الله تعالى ما خير ما أعطى الرجل قال غريزة عقل قيل فإن لم يكن قال أدب حسن قيل فإن لم يكن قال أخ صالح يستشيره قيل فإن لم يكن قال صمت طويل قيل فإن لم يكن قال موت عاجل.
(قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى في ذكر فضيلة العقل: إنما تتبين فضيلة الشيء بثمرته وفائدته وقد عرفت ثمرة العقل وفائدته فإنه هو الذي دل على الإله وأمر بطاعته وامتثال أمره وثبت معجزات الرسل وأمر بطاعتهم وتلمح العواقب فاعتبرها فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها وقاوم الهوى فرد غربه وأدرك الأمور الغامضة ودبر على استخدام المخلوقات فاستخدمها وحث على الفضائل ونهى عن الرذائل وشد أسر الحزم وقوى أزر العزم واستجلب ما يزين ونفى ما يشين فإذا ترك وسلطانه أسر فضول الهوى فحصرها في حبس المنع وكفى بهذه الأوصاف فضل.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن حبيب الجلاب قال قيل لابن المبارك ما خير ما أعطى الرجل؟ قال غريزة عقل، قيل فإن لم يكن قال أدب حسن، قيل فإن لم يكن قال أخ صالح يستشيره قيل فإن لم يكن قال صمت طويل قيل فإن لم يكن قال موت عاجل.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابن المبارك قال سئل عقيل ما أفضل ما أعطى العبد قال غريزة عقل قال فإن لم يكن قال فأدب حسن قال فإن لم يكن قال فأخ شقيق يستشيره قال فإن لم يكون فطول الصمت قال فإن لم يكن قال فموت عاجل.
(وأورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابن عامر قال قلت لعطاء بن أبي رباح يا أبا محمد ما أفضل ما أعطى العبد قال العقل عن الله.
(ثم قال رحمه الله تعالى: قال أبو حاتم: فالواجب على العاقل أن يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسده من القوت لأن قوت الأجساد المطاعم وقوت العقل الحكم فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب وكذلك العقول إذا فقدت قوتها من الحكمة ماتت 0 والتقلب في الأمصار والأعتبار بخلق الله مما يزيد المرء عقلا وإن عدم المال في تقلبه 0 (ثم قال رحمه الله تعالى: قال أبو حاتم العقل دواء القلوب ومطية المجتهدين وبذر حراثة الآخرة، وتاج المؤمن في الدنيا وعدته في وقوع النوائب ومن عُِدمَ العقل لم يزده السلطان عزا ولا المال يرفعه قدرا ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه فكما أن أشد الزمانه الجهل كذلك أشد الفاقه عدم العقل.

والعقل والهوى متعاديان فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مسعفا ولهواه مسوفا فإذ أشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه لأن في مجانبته الهوى إصلاح السرائر وبالعقل تصلح الضمائر 0 (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن المداينى قال قال معاوية بن أبي سفيان لرجل من العرب عمر دهرا أخبرني بأحسن شيء رأيته قال عقل طلب به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة.
(ولله درُ من قال: إذا تم عقل المرء تمت أموره... وتمت أياديه وتم بناؤه فإن لم يكن عقل تَبَيَنَ نَقْصُه... ولو كان ذا مال كثيرا عطاؤه

(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن عمران بن خالد الخزاعي قال سمعت الحسن يقول ما تم دين عبد قط حتى يتم عقله.
﴿تنبيه﴾: (مما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء, و هي تدور بين الضعف و الوضع.
وقد قال العلامة ابن القيم في " المنار " (ص 25): أحاديث العقل كلها كذب.
و انظر الحديث (370 و 5644).

(

تعريف العقل:

((قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:

وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَفِي صِفَتِهِ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى.
فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ.
وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهِ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَحَلُّهُ الدِّمَاغُ؛ لِأَنَّ الدِّمَاغَ مَحَلُّ الْحِسِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَعْدِنُ الْحَيَاةِ وَمَادَّةُ الْحَوَاسِّ.
وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْعَقْلِ بِأَنَّهُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: إنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَمَاثِلَةٌ فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يُوجِبَ بَعْضُهَا مَا لاَ يُوجِبُ سَائِرُهَا.
وَلَوْ أَوْجَبَ سَائِرُهَا مَا يُوجِبُ بَعْضُهَا لاَسْتَغْنَى الْعَاقِلُ بِوُجُودِ نَفْسِهِ عَنْ وُجُودِ عَقْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَوْهَرَ يَصِحُّ قِيَامُهُ بِذَاتِهِ.
فَلَوْ كَانَ الْعَقْلُ جَوْهَرًا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَقْلٌ بِغَيْرِ عَاقِلٍ كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ جِسْمٌ بِغَيْرِ عَقْلٍ فَامْتَنَعَ بِهَذَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ جَوْهَرًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْعَقْلُ هُوَ الْمُدْرِكُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَقَائِقِ الْمَعْنَى.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِمَّا قَبْلَهُ فَبَعِيدٌ مِنْ الصَّوَابِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الإدْرَاكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيِّ، وَالْعَقْلُ عَرَضٌ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُتَلَذِّذًا أَوْ آلِمًا أَوْ مُشْتَهِيًا.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الْعَقْلُ هُوَ جُمْلَةُ عُلُومٍ ضَرُورِيَّةٍ وَهَذَا الْحَدُّ غَيْرُ مَحْصُورٍ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الإجْمَالِ، وَيَتَأَوَّلُهُ مِنْ الاحْتِمَالِ.
وَالْحَدُّ إنَّمَا هُوَ بَيَانُ الْمَحْدُودِ بِمَا يَنْفِي عَنْهُ الإجْمَالَ وَالاحْتِمَالَ.

وَقَالَ آخَرُونَ، وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ: «إنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْعِلْمُ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ».
وَذَلِكَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَا وَقَعَ عَنْ دَرَكِ الْحَوَاسِّ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مُبْتَدِئًا فِي النُّفُوسِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ وَاقِعًا عَنْ دَرَكِ الْحَوَاسِّ فَمِثْلُ الْمَرْئِيَّاتِ الْمُدْرَكَةِ بِالنَّظَرِ، وَالأصْوَاتِ الْمُدْرَكَةِ بِالسَّمْعِ، وَالطُّعُومِ الْمُدْرَكَةِ بِالذَّوْقِ، وَالرَّوَائِحِ الْمُدْرَكَةِ بِالشَّمِّ، وَالأجْسَامِ الْمُدْرَكَةِ بِاللَّمْسِ، فَإِذَا كَانَ الإنْسَانُ مِمَّنْ لَوْ أَدْرَكَ بِحَوَاسِّهِ هَذِهِ الأشْيَاءَ ثَبَتَ لَهُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ فِي حَالِ تَغْمِيضِ عَيْنَيْهِ مِنْ أَنْ يُدْرِكَ بِهِمَا وَيَعْلَمَ لاَ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْعَقْلِ مِنْ حَيْثُ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ لَعَلِمَ.
وَأَمَّا مَا كَانَ مُبْتَدِئًا فِي النُّفُوسِ فَكَالْعِلْمِ بِأَنَّ الشَّيْءَ لاَ يَخْلُو مِنْ وُجُودٍ أَوْ عَدَمٍ، وَأَنَّ الْمَوْجُودَ لاَ يَخْلُو مِنْ حُدُوثٍ أَوْ قِدَمٍ، وَأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ، وَأَنَّ الْوَاحِدَ أَقَلُّ مِنْ الاثْنَيْنِ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعِلْمِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْ الْعَاقِلِ مَعَ سَلاَمَةِ حَالِهِ، وَكَمَالِ عَقْلِهِ، فَإِذَا صَارَ عَالِمًا بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَهُوَ كَامِلُ الْعَقْلِ «وَسُمِّيَ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِعَقْلِ النَّاقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ الإنْسَانَ مِنْ الإقْدَامِ عَلَى شَهَوَاتِهِ إذَا قَبُحَتْ»، كَمَا يَمْنَعُ الْعَقْلُ النَّاقَةَ مِنْ الشُّرُودِ إذَا نَفَرَتْ.
وَلِذَلِكَ قَالَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ: «إذَا عَقْلُك عَقَلَك عَمَّا لاَ يَنْبَغِي فَأَنْتَ عَاقِلٌ».
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:

وَكُلُّ مَنْ نَفَى أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ جَوْهَرًا أَثْبَتَ مَحَلَّهُ فِي الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَحَلُّ الْعُلُومِ كُلِّهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الارْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46].
فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْعَقْلَ عِلْمٌ، وَالثَّانِي: أَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ.
وَفِي قوله تعالى: ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، تَأْوِيلاَنِ: أَحَدُهُمَا: يَعْلَمُونَ بِهَا، وَالثَّانِي يَعْتَبِرُونَ بِهَا.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْعَقْلِ الْغَرِيزِيِّ.
وَقَدْ قِيلَ: الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ حَتَّى قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَعْقَلِ النَّاسِ أَنَّهُ يَكُونُ مَصْرُوفًا فِي الزُّهَّادِ؛ لِأَنَّهُمْ انْقَادُوا لِلْعَقْلِ وَلَمْ يَغْتَرُّوا بِالأمَلِ.
أهـ (وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: اختلف الناس في ماهية العقل اختلافا كثيرا، فقال قوم هو ضرب من العلوم الضرورية.
وقال آخرون هو غريزة يتأتى معها درك العلوم.
وقال آخرون هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات.
وقال آخرون هو جوهر بسيط وقال قوم هو جسم شفاف.
وقال الحارث المحاسبي هو نور.
وبهذا قال أبو الحسن التميمي من أصحابنا وروى إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال العقل غريزة وقد روى عن المحاسبي أيضا مثله.
والتحقيق في هذا أن يقال العقل غريزة كأنها نور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء فيعلم جواز الجائزات واستحالة المستحيلات ويتلمح عواقب الأمور.
وذلك النور يقل ويكثر وإذا قوى ذلك النور قمع بملاحظة العواقب عاجل الهوى.
أهـ (وقال ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء: والعقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب والعلم باجتناب الخطأ فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديبا ثم أريبا ثم لبيبا ثم عاقلا كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قيل له شيطان فإذا عتا في الطغيان قيل مارد فإذا زاد على ذلك قيل عبقري فإذا جمع إلى خبثه شدة شر قيل عفريت.
وكذلك الجاهل يقال له في أول درجته المائق ثم الرقيع ثم الأنوك ثم الأحمق 0

وأفضل مواهب الله لعباده العقل ولقد أحسن الذي يقول... وأفضل قسم الله للمرء عقله... فليس من الخيرات شيء يقاربه... إذا أكمل الرحمن للمرء عقله... فقد كملت أخلاقه ومآربه... يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه... على العقل يجري علمه وتجاربه... يزيد الفتى في الناس جودة عقله... وإن كان محظورا عليه مكاسبه.
أهـ...

(

محل العقل:

(قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: أكثر أصحابنا يقولون محله القلب وهو مروي عن الشافعي رحمه الله تعالى، ودليلهم قوله تعالى قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ) [الحج: 46] وقوله تعالى: (إِنّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىَ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق: 37] قلب قالوا المراد لمن كان له عقل فعبر بالقلب عن العقل لأنه محله.
ونقل الفضل بن زياد عن أحمد رضي الله عنه أن محله الدماغ.
وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه.

(

أقسام العقل:

ينقسم العقل إلى قسمين: غريزي ومكتسب.
(فالغريزي هو العقل الحقيقي.
وله حد يتعلق به التكليف لا يجاوزه إلى زيادة ولا يقصر عنه إلى نقصان.
وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان، فإذا تم في الإنسان سمي عاقلاً وخرج به إلى حد الكمال، كما قال صالح بن عبد القدوس: إذا تم عقل المرء تمت أموره وتمت أمانيه وتم بناؤه.
(وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة، وصحة السياسة، وإصابة الفكرة.
وليس لهذا حد؛ لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل.
(حكى الأصمعي رحمه الله قال: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني فأمتعني بفصاحة وملاحة: أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم، وأنت أحمق؟ قال: لا والله.
قال: فقلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي.
فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه، واستنبط بجودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سنا، وأكثر تجربة.
وأحسن من هذا الذكاء والفطنة (حكى ابن قتيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير فهربوا منه إلا عبد الله.
فقال له عمر رضي الله عنه: ما لك؟ لم لا تهرب مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أكن على ريبة فأخافك، ولم يكن الطريق ضيقا فأوسع لك.
فانظر ما تضمنه هذا الجواب من الفطنة وقوة المنة وحسن البديهة.

كيف نفى عنه اللوم، وأثبت له الحجة فليس للذكاء غاية، ولا لجودة القريحة نهاية.
((قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا: وَاعْلَمْ أَنَّ بِالْعَقْلِ تُعْرَفُ حَقَائِقُ الأمُورِ وَيُفْصَلُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَقَدْ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: غَرِيزِيٍّ وَمُكْتَسَبٍ.
فَالْغَرِيزِيُّ هُوَ الْعَقْلُ الْحَقِيقِيُّ.
وَلَهُ حَدٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ لاَ يُجَاوِزُهُ إلَى زِيَادَةٍ وَلاَ يَقْصُرُ عَنْهُ إلَى نُقْصَانٍ.
وَبِهِ يَمْتَازُ الإنْسَانُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا تَمَّ فِي الإنْسَانِ سُمِّيَ عَاقِلاً وَخَرَجَ بِهِ إلَى حَدِّ الْكَمَالِ كَمَا قَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ: «إذَا تَمَّ عَقْلُ الْمَرْءِ تَمَّتْ أُمُورُهُ وَتَمَّتْ أَمَانِيهِ وَتَمَّ بِنَاؤُهُ» وَرَوَى الضَّحَّاكُ فِي قوله تعالى: ﴿لِيُنْذَرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70] أَيْ مَنْ كَانَ عَاقِلاً.

(

العلاقة بين العقل الغريزي والمكتسب:

((قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا: وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْلَ الْمُكْتَسَبَ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ الْعَقْلِ الْغَرِيزِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةٌ مِنْهُ.
وَقَدْ يَنْفَكُّ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ عَنْ الْعَقْلِ الْمُكْتَسَبِ فَيَكُونَ صَاحِبُهُ مَسْلُوبَ الْفَضَائِلِ، مَوْفُورَ الرَّذَائِلِ، كَالأنْوَكِ الَّذِي لاَ يَجِدُ لَهُ فَضِيلَةً، وَالأحْمَقُ الَّذِي قَلَّ مَا يَخْلُو مِنْ رَذِيلَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْحَاجَةُ إلَى الْعَقْلِ أَقْبَحُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْمَالِ، وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: دَوْلَةُ الْجَاهِلِ عِبْرَةُ الْعَاقِلِ، وَقَالَ أَنُوشِرْوَانَ لِبَزَرْجَمْهَرَ: أَيُّ الاشْيَاءِ خَيْرٌ لِلْمَرْءِ؟ قَالَ: عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَإِخْوَانٌ يَسْتُرُونَ عَيْبَهُ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَمَالٌ يَتَحَبَّبُ بِهِ إلَى النَّاسِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَعِيٌّ صَامِتٌ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: فَمَوْتٌ جَارِفٌ.

وَقَالَ سَابُورُ بْنُ أَرْدَشِيرَ: الْعَقْلُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَطْبُوعٌ، وَالآخَرُ مَسْمُوعٌ.
وَلاَ يَصْلُحُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلا بِصَاحِبِهِ، فَأَخَذَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ: رَأَيْتُ الْعَقْلَ نَوْعَيْنِ فَمَسْمُوعٌ وَمَطْبُوعُ وَلاَ يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ إذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ كَمَا لاَ تَنْفَعُ الشَّمْسُ وَضَوْءُ الْعَيْنِ مَمْنُوعُ.
وَقَدْ وَصَفَ بَعْضُ الأدَبَاءِ الْعَاقِلَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفَضَائِلِ، وَالأحْمَقَ بِمَا فِيهِ مِنْ الرَّذَائِلِ، فَقَالَ: الْعَاقِلُ إذَا وَالَى بَذَلَ فِي الْمَوَدَّةِ نَصْرَهُ، وَإِذَا عَادَى رَفَعَ عَنْ الظُّلْمِ قَدْرَهُ، فَيُسْعِدُ مَوَالِيَهُ بِعَقْلِهِ، وَيَعْتَصِمُ مُعَادِيهِ بِعَدْلِهِ.
إنْ أَحْسَنَ إلَى أَحَدٍ تَرَكَ الْمُطَالَبَةَ بِالشُّكْرِ، وَإِنْ أَسَاءَ إلَيْهِ مُسِيءٌ سَبَّبَ لَهُ أَسْبَابَ الْعُذْرِ، أَوْ مَنَحَهُ الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ.
وَالأحْمَقُ ضَالٌّ مُضِلٌّ إنْ أُونِسَ تَكَبَّرَ، وَإِنْ أُوحِشَ تَكْدَرَ، وَإِنْ اُسْتُنْطِقَ تَخَلَّفَ، وَإِنْ تُرِكَ تَكَلَّفَ.
مُجَالَسَتُهُ مِهْنَةٌ، وَمُعَاتَبَتُهُ مِحْنَةٌ، وَمُحَاوَرَتُهُ تَعَرٍّ، وَمُوَالاتُهُ تَضُرُّ، وَمُقَارَبَتُهُ عَمَى، وَمُقَارَنَتُهُ شَقَا.
وَكَانَتْ مُلُوكُ الْفُرْسِ إذَا غَضِبَتْ عَلَى عَاقِلٍ حَبَسَتْهُ مَعَ جَاهِلٍ.
وَالأحْمَقُ يُسِيءُ إلَى غَيْرِهِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ إلَيْهِ فَيُطَالِبُهُ بِالشُّكْرِ، وَيُحْسِنُ إلَيْهِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فَيُطَالِبُهُ بِالْوَتَرِ.
فَمَسَاوِئُ الأحْمَقِ لاَ تَنْقَضِي وَعُيُوبُهُ لاَ تَتَنَاهَى وَلاَ يَقِفُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى غَايَةٍ إلا لَوَّحَتْ مَا وَرَاءَهَا مِمَّا هُوَ أَدْنَى مِنْهَا، وَأَرْدَى، وَأَمَرُّ، وَأَدْهَى.
فَمَا أَكْثَرَ الْعِبْرَ لِمَنْ نَظَرَ، وَأَنْفَعَهَا لِمَنْ اعْتَبَرَ.
وَقَالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُحْفَظُ الأحْمَقُ إلا مِنْ نَفْسِهِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: إنَّ الدُّنْيَا رُبَّمَا أَقْبَلَتْ عَلَى الْجَاهِلِ بِالاتِّفَاقِ، وَأَدْبَرَتْ عَنْ الْعَاقِلِ بِالاسْتِحْقَاقِ.
فَإِنْ أَتَتْك مِنْهَا سُهْمَةٌ مَعَ جَهْلٍ، أَوْ فَاتَتْك مِنْهَا بُغْيَةٌ مَعَ عَقْلٍ، فَلاَ يَحْمِلَنَّكَ ذَلِكَ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الْجَهْلِ، وَالزُّهْدِ فِي الْعَقْلِ.
فَدَوْلَةُ الْجَاهِلِ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ، وَدَوْلَةُ الْعَاقِلِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.
وَلَيْسَ مَنْ أَمْكَنَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، كَمَنْ اسْتَوْجَبَهُ بِآلَتِهِ، وَأَدَوَاتِهِ.
وَبَعْدُ فَدَوْلَةُ الْجَاهِلِ كَالْغَرِيبِ الَّذِي يَحِنُّ إلَى النُّقْلَةِ، وَدَوْلَةُ الْعَاقِلِ كَالنَّسِيبِ الَّذِي يَحِنُّ إلَى الْوَصْلَةِ.
فَلاَ يَفْرَحُ الْمَرْءُ بِحَالَةٍ جَلِيلَةٍ نَالَهَا بِغَيْرِ عَقْلٍ، وَمَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ حَلَّهَا بِغَيْرِ فَضْلٍ.
فَإِنَّ الْجَهْلَ يُنْزِلُهُ مِنْهَا، وَيُزِيلُهُ عَنْهَا، وَيَحُطُّهُ إلَى رُتْبَتِهِ، وَيَرُدُّهُ إلَى قِيمَتِهِ، بَعْدَ أَنْ تَظْهَرَ عُيُوبُهُ، وَتَكْثُرَ ذُنُوبُهُ، وَيَصِيرَ مَادِحُهُ هَاجِيًا، وَوَلِيُّهُ مُعَادِيًا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ بِحَسَبِ مَا يُنْشَرُ مِنْ فَضَائِلِ الْعَاقِلِ، كَذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ رَذَائِلِ الْجَاهِلِ، حَتَّى يَصِيرَ مَثَلاً فِي الْغَابِرِينَ، وَحَدِيثًا فِي الآخِرِينَ، مَعَ هَتْكِهِ فِي عَصْرِهِ،

وَاسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً مِنْ كَلْبٍ فَذُكِرَ الْمَجُوسُ يَوْمًا عِنْدَهُ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْمَجُوسَ يَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ، وَاَللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ عَشْرَةَ الآفِ دِرْهَمٍ مَا نَكَحْت أُمِّي.
فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: ـ قَبَّحَهُ اللَّهُ ـ أَتَرَوْنَهُ لَوْ زَادُوهُ فَعَلَ؟ وَعَزَلَهُ وَوَلَّى الرَّبِيعَ الْعَامِرِيَّ ـ وَكَانَ مِنْ النَّوْكَى ـ عَلَى سَائِرِ الْيَمَامَةِ فَأَقَادَ كَلْبًا بِكَلْبٍ فَقَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ: شَهِدْت بِأَنَّ اللَّهَ حَقًّا لِقَاؤُهُ وَأَنَّ الرَّبِيعَ الْعَامِرِيَّ رَقِيعُ أَقَادَ لَنَا كَلْبًا بِكَلْبٍ وَلَمْ يَدَعْ دِمَاءَ كِلاَبِ الْمُسْلِمِينَ تَضِيعُ وَلَيْسَ لِمَعَارِّ الْجَهْلِ غَايَةٌ، وَلاَ لِمَضَارِّ الْحُمْقِ نِهَايَةٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ إلا الْحَمَاقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا.
أهـ

(

ما يزداد به العاقل من نماء عقله:

(قال ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء: والذي يزداد به العاقل من نماء عقله هو التقرب من أشكاله والتباعد من أضداده0 (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبى مالك الغزي قال سمعت أبي يقول جالسوا الألباء أصدقاء كانوا أو أعداء فإن العقول تلقح العقول.
قال أبو حاتم مجالسة العقلاء لا تخلو من أحد معنيين إما تذكر الحالة التي يحتاج العاقل إلى الانتباه لها أو الإفادة بالشيء الخطير الذي يحتاج الجاهل إلى معرفتها0 فقرب العاقل غنم لأشكاله وعبره لأضداده على الأحوال كلها ولا يجب لمن تسمى به أن يتدلل إلا على من يحتمل دلاله ويقبل إلا على من يحب إقباله ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر والأخر التثبت0 جعلنا الله ممن ركب فيه حسن وجود العقل فسلك بتمام النعم مسلك الخصال التي تقربه إلى ربه في دارى الأمد والأبد إنه الفعال لما يريد0

(

أول شعب العقل هو لزوم تقوى الله وإصلاح السريرة:

أول شعب العقل هو لزوم تقوى الله وإصلاح السريرة لأن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته0 (ولله درُ من قال: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل على رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة... ولا أن ما يخفى عليه يغيب

(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن مالك بن دينار قال اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة0

(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن عون بن عبد الله قال قال عمر بن الخطاب جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة 0 (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن عطاء الأزرق قال قال رجل للحسن يا أبا سعيد كيف أنت وكيف حالك قال كيف حال من أمسى وأصبح ينتظر الموت ولا يدري ما يصنع به.

(

ذم الهوى:

(

تعريف الهوى:

مسألة: ما هو الهوى؟ (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: الهوى: ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خُلِقَ في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه فالهوى مستجلب له ما يفيد كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذى فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق وإنما يذم المُفْرِطُ من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار.
ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع أطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس وإذا فهم تعذر وجود العمل به وندر مثاله أن شهوة المطعم إنما خلقت لاجتلاب الغذاء فيندر من يتناول بمقتضى مصلحته ولا يتعدى فإن وجد ذلك انغمر ذكر الهوى في حق هذا الشخص وصار مستعملا للمصالح وأما الأغلب من الناس فإنهم يوافقون الهوى فإن حصلت مصلحة حصلت ضمنا وتبعا فلما كان هذا هو الغالب ذكرت في هذا الباب ذم الهوى والشهوات مطلقا ووسمت كتابي ب (ذم الهوى) لذلك المعنى.
وقد روى عن ابن عباس أنه قال ما ذكر الله تعالى الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه وقال الشعبي إنما سمي هوى لأنه يهوى بصاحبه.
(وقال أيضاً: واعلم أن الهوى يسري بصاحبه في فنون ويخرجه من دار العقل إلى دائرة الجنون.
وقد يكون الهوى في العلم فيخرج بصاحبه إلى ضد ما يأمر به العلم.
وقد يكون في الزهد فيخرج إلى الرياء.

(الفَرْقُ مَا بَيْنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ:

((قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:

فَأَمَّا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ مَعَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ، وَاتِّفَاقِهِمَا فِي الدَّلاَلَةِ وَالْمَدْلُولِ، فَهُوَ أَنَّ الْهَوَى مُخْتَصٌّ بِالأرَاءِ وَالاعْتِقَادَاتِ، وَالشَّهْوَةَ مُخْتَصَّةٌ بِنَيْلِ اللَّذَّةِ.
«فَصَارَتْ الشَّهْوَةُ مِنْ نَتَائِجِ الْهَوَى وَهِيَ أَخَصُّ»، وَالْهَوَى أَصْلٌ هُوَ أَعَمُّ.
وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكْفِيَنَا دَوَاعِيَ الْهَوَى، وَيَصْرِفَ عَنَّا سُبُلَ الرَّدَى، وَيَجْعَلَ التَّوْفِيقَ لَنَا قَائِدًا، وَالْعَقْلَ لَنَا مُرْشِدًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ: مَا مَنْ رَوَى أَدَبًا فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ: وَيَكُفَّ عَنْ زَيْغِ الْهَوَى بِأَدِيبِ حَتَّى يَكُونَ بِمَا تَعَلَّمَ عَامِلاً: مِنْ صَالِحٍ فَيَكُونَ غَيْرَ مَعِيبِ وَلَقَلَّمَا تُغْنِي إصَابَةُ قَائِلٍ أَفْعَالُهُ: أَفْعَالُ غَيْرِ مُصِيبِ وَقَالَ آخَرُ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ: هَلاَ لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى: كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا: فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى: بِالْقَوْلِ مِنْك وَيُقْبَلُ التَّعْلِيمُ لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ: عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

حَكَى أَبُو فَرْوَةَ أَنَّ طَارِقًا صَاحِبَ شُرْطَةِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ مَرَّ بِابْنِ شُبْرُمَةَ وَطَارِقٍ فِي مَوْكِبِهِ فَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: أَرَاهَا وَإِنْ كَانَتْ تَخُبُّ كَأَنَّهَا سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَقَشَّعُ اللَّهُمَّ لِي دِينِي وَلَهُمْ دُنْيَاهُمْ.
فَاسْتُعْمِلَ ابْنُ شُبْرُمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ: أَتَذْكُرُ قَوْلَك يَوْمَ كَذَا إذْ مَرَّ بِك طَارِقٌ فِي مَوْكِبِهِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّهُمْ يَجِدُونَ مِثْلَ أَبِيك وَلاَ يَجِدُ أَبُوك مِثْلَهُمْ.
«إنَّ أَبَاك أَكَلَ مِنْ حَلاَوَتِهِمْ، فَحَطَّ فِي أَهْوَائِهِمْ».
أَمَا تَرَى هَذَا الدَّيِّنَ الْفَاضِلَ كَيْفَ عُوجِلَ بِالتَّقْرِيعِ وَقُوبِلَ بِالتَّوْبِيخِ مِنْ أَخَصِّ ذَوِيهِ، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَبَرِّ بَنِيهِ.
فَكَيْفَ بِنَا وَنَحْنُ أَطْلَقُ مِنْهُ عَنَانًا، وَأَقْلَقُ مِنْهُ جَنَانًا.
إذَا رَمَقَتْنَا أَعْيُنُ الْمُتَتَبِّعِينَ، وَتَنَاوَلَتْنَا أَلْسُنُ الْمُتَعَتِّبِينَ.
هَلْ نَجِدُ غَيْرَ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى مَلاَذًا، وَسِوَى عِصْمَتِهِ مَعَاذًا؟ أهـ

(

ذم الهوى وأتباعه:

((قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا: وَأَمَّا الْهَوَى فَهُوَ عَنْ الْخَيْرِ صَادٌّ، وَلِلْعَقْلِ مُضَادٌّ؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ مِنْ الأخْلاَقِ قَبَائِحَهَا، وَيُظْهِرُ مِنْ الأفْعَالِ فَضَائِحَهَا، وَيَجْعَلُ سِتْرَ الْمُرُوءَةِ مَهْتُوكًا، وَمَدْخَلَ الشَّرِّ مَسْلُوكًا.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «الْهَوَى إلَهٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ».
ثُمَّ تَلاَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23] وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي بِالشَّهَوَاتِ ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ يَعْنِي فِي أَمْرِ اللَّهِ ﴿وَغَرَّتْكُمْ الامَانِيُّ﴾ يَعْنِي بِالتَّسْوِيفِ ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الْمَوْتَ ﴿وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يَعْنِي الشَّيْطَانَ.

(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: اقْدَعُوا هَذِهِ النُّفُوسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا فَإِنَّهَا طَلاَعَةٌ تَنْزِعُ إلَى شَرِّ غَايَةٍ.
إنَّ هَذَا الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ، وَتَرْكُ الْخَطِيئَةِ خَيْرٌ مِنْ مُعَالَجَةِ التَّوْبَةِ وَرُبَّ نَظْرَةٍ زَرَعَتْ شَهْوَةً، وَشَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلاً.
(وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَيْنِ: اتِّبَاعَ الْهَوَى وَطُولَ الأمَلِ.
فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنْ الْحَقِّ وَطُولَ الأمَلِ يُنْسِي الاخِرَةَ.
(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّمَا سُمِّيَ الْهَوَى هَوًى؛ لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ.
(وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: الْهَوَى هَوَانٌ وَلَكِنْ غَلِطَ بِاسْمِهِ، فَأَخَذَهُ الشَّاعِرُ وَقَالَ: إنَّ الْهَوَانَ هُوَ الْهَوَى قُلِبَ اسْمُهُ فَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيت هَوَانَا وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ، أَعْطَى عَدُوَّهُ مُنَاهُ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «الْعَقْلُ صَدِيقٌ مَقْطُوعٌ، وَالْهَوَى عَدُوٌّ مَتْبُوعٌ».
(وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَصَى هَوَاهُ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ مَنْ رَفَضَ دُنْيَاهُ.
(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَك الْهَوَى إلَى كُلِّ مَا فِيهِ عَلَيْك مَقَالُ قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ رحمه الله: لَمْ يَقُلْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سِوَى هَذَا الْبَيْتِ.
(قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «الْهَوَى مَلِكٌ غَشُومٌ، وَمُتَسَلِّطٌ ظَلُومٌ».
(وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: الْهَوَى عَسُوفٌ، وَالْعَدْلُ مَأْلُوفٌ.
(وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ جِهَادُ الْهَوَى.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَعَزُّ الْعِزِّ الامْتِنَاعُ مِنْ مِلْكِ الْهَوَى.
(وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: الْهَوَى عَمًى.

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: رَكَّبَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ مِنْ عَقْلٍ بِلاَ شَهْوَةٍ، وَرَكَّبَ الْبَهَائِمَ مِنْ شَهْوَةٍ بِلاَ عَقْلٍ، وَرَكَّبَ ابْنَ آدَمَ مِنْ كِلَيْهِمَا؛ فَمَنْ غَلَّبَ عَقْلَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ، وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ فَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْبَهَائِمِ.
(قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: إيَّاكُمْ وَتَحْكِيمَ الشَّهَوَاتِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّ «عَاجِلَهَا ذَمِيمٌ، وَآجِلَهَا وَخِيمٌ»، فَإِنْ لَمْ تَرَهَا تَنْقَادُ بِالتَّحْذِيرِ وَالإرْهَابِ، فَسَوِّفْهَا بِالتَّأْمِيلِ وَالإرْغَابِ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى النَّفْسِ ذَلَّتْ لَهُمَا وَانْقَادَتْ.
(وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: كُنْ لِهَوَاك مُسَوِّفًا، وَلِعَقْلِك مُسْعِفًا، وَانْظُرْ إلَى مَا تَسُوءُ عَاقِبَتُهُ فَوَطِّنْ نَفْسَك عَلَى مُجَانَبَتِهِ فَإِنَّ تَرْكَ النَّفْسِ وَمَا تَهْوَى دَاؤُهَا، وَتَرْكَ مَا تَهْوَى دَوَاؤُهَا، فَاصْبِرْ عَلَى الدَّوَاءِ، كَمَا تَخَافُ مِنْ الدَّاءِ.
(«الْهَوَى عاجِلُه ذميم وآجِلُه وخيم»، «الْهَوَى مَطِيَّةُ الْفِتْنَةِ، وَدَارُ الْمِحْنَةِ» (أخي الحبيب: (احذر أفاعي الهوى وعقارب اللذات وارجع إلى ربك قبل الممات، قبل أن تتمنى المهلة وهيهات.
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي برزة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى.
الغي: الضلال والانهماك في الشر.
المضلات: كل ما يبعد الناس عن الحق ويميلهم إلى الباطل ويهلكهم الهوى: كل ما يريده الإنسان ويختاره ويرضاه ويشتهيه ويميل إليه.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث منجيات: خشيةُ الله تعالى في السر و العلانية والعدلُ في الرضا والغضب والقصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات: هوى متبع و شحٌ مطاع وإعجاب المرء بنفسه.
(قال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران، فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه.

(

مدح مخالفة الهوى:

(قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ: لله درُّ نفس تطهرت من أجناس هواها، وتجلببت جلباب الصَّبر عند دنياها، وشغلها ما رأى قلبها عما رأت عيناها، وإن مالت إلى الدنيا نهاها نُهاها، وإن مالت إلى الهوى شفاها شفاها، سهرت تطلب رضا المولى فرضي عنها وأرضاها، وقامت سوق المجاهدة على سوق هداها، فباعت حرصها بالقناعة فظفرت بغناها، وفوقت سهام العزائم إلى أهداف المحارم تبتغي علاها، ورمت نجائب الأسحار فساقها حادي الاستغفار إذ عناها، وقطعت بيداء الجد بآلة المستعد فبلغت مُنَاها، فمن أجلها ينزل القطر وينبت الزرع من جزاها، ولولاها لم تثبت الأرض بأهل دنياها، وما أعطَى الصَبابَة ما استَحقَت عَليهِ ولا قَضَى حق المنازل ملاحظها بعين غُرِّى غيري وزائراها بجسم غير ناحل.
(مدح الله تعالى مخالفة الهوى فقال تعالى: (وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ) [النازعات 40: 41] قال المفسرون: هو نهي النفس عما حرم الله عليها.
وقال مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها.
قال تعالى: (وَاتّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف: 176] وقال تعالى: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف: 28] وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلََهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) [الفرقان: 43] وقال تعالى: (بَلِ اتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلّ اللّهُ) [الروم: 29] وقال تعالى: (فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ مِمّنْ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ) [القصص: 50] قال بعض الحكماء: «الهوى ملك عسوف وسلطان ظالم دانت له القلوب وانقادت له النفوس.» وقال آخر: إن لكل شيء أبا جاد وإن أبا جاد الحكمة طرد الهوى ووزن الأعمال.
(قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه اللطائف: الناسُ مِنَ الهَوى عَلى أَصنافِ هَذا ناقِضُ العَهدِ وَهَذا وافي، هَيهَات مِنً الكُدورِ تَبغي الصافي، ما يَصلُحُ لِلحَضرَةِ قَلبٌ جافي.

(وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ: قال تعالى: (وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ) [النازعات 40: 41] والمراد بالهوى هنا: ما يهوى العبد من المحارم فيذكر مقامه للحسنات.
واعلم: أن من تفكر عند إقدامه على الخطيئة في نظر الحق إليه رده فكره خجلاً مما هم به، فالناس في ذلك على مراتب فمنهم من يتفكر عند جولان الهم بالذنب فيستحي من مساكنة ذلك الخاطر وهذا مقام أهل الصفا، ومنهم من قويت أسباب غفلته فهو ساكن ذلك الهم إلا أنه لا يعزم عليه، ومنهم من يعزم لقوة غفلته فهو يستسقي إقدامه فيما عزم عليه ومنهم من زاد على ذلك بمقارنته المحظور ومداناته ثم تدركه اليقظة وإنما يكون هذا على مقدار تكاثف الغفلة وقلتها فيفكر عند خاطره في عظمته من قد علم وعند يقظه في جلال من قد سمع وعند فعله في عزة من قد رأى وهذا الفكر إنما نبت عن إصرار راسخ من الإيمان في القلب راعاه الحق إليه حذار علته ومعاملة صادقة في الخلوة.
مسألة: ما هو التفسير الشرعي للغفلة عن التذكرة والسعي على جادة الهوى؟ (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ: الغفلة عن التذكرة والسعي على جادة الهوى غشي على القلب وران عليه، فإذا هم بخطيئة أو قاربها اقتلب مراعاة الحق إليه: خذ مراعاته بحق الحق قبل ذلك كما قال تعالى: (فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات 143: 144] وقال (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: 82] وكما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
فما ينفر طائر قلبه من (وسخ العزم على الذنب) ثم عام في (بحر الحياة) خجلاً مما هَمَّ به يخرج نقياً بعد الوسخ طاهراً بعد النجس لأن الأصل محفوظ بالصدق ومرهون بالإيمان، ولولا لطف الحق لكشف حجب الغفلة لبراقع الذنب غير أنه أراه برهان الهدى فرجع وأقام له هاتف التقوى فخشع، والقلوب تحن إلى ما اعتادت وألفت وتنازع إلى ما مرنت عليه وعرفت 0 (وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن وهب بن منبه قال: «قالت امرأة العزيز ليوسف: القيطون، فادخل معي.
قال: إن القيطون لا يسترني من ربي»

(أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن محمد بن يحيى قال: سمعت شيخا يكنى أبا عبد الرحمن العتبي يحدث عن أعرابي قال: «خرجت في بعض ليالي الظلام، فإذا أنا بجارية كأنها علم، فأردتها عن نفسها، فقالت: ويلك أما كان لك زاجر من عقل، إذ لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت: إنه والله ما يرانا إلا الكواكب.
قالت: فأين مكوكبها؟»

(استحباب مخالفة الهوى وإن كان مباحاً:

(قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: قد كان أهل الحزم يعودون أنفسهم مخالفة هواها وإن كان مباحا، ليقع التمرين للنفس على ترك الهوى مطلقا وليطلب الأرباح في المعاملة بترك المباح.
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن عبد الله بن أبي عثمان قال كان عبد الله بن عمر اعتق جاريته التي يقال لها رميثة وقال إني سمعت الله قال في كتابه (لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ) [آل عمران: 92] وإني والله إن كنت لأحبك في الدنيا اذهبي فأنت لوجه الله.
(أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن ثابت البناني قال: «بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال: ما هذه التي أراها عليك؟ قال: هذه الشهوات، أصيد بها بني آدم.
قال له: لي فيها شيء؟ قال: لا.
قال: فهل تصيب مني من شيء؟ قال: ربما شبعت فثقلت عن الصلاة والذكر.
قال: غير هذا؟ قال: لا.
قال: لا جرم لا أشبع أبدا» لا جرم: هذه كلمة تَرِد بمعْنى تَحْقِيق الشَّيء.
وقد اخْتُلف في تقديرها، فقِيل: أصْلُها التَّبْرِئة بمعنى لا بُدَّ، ثم اسْتُعْمِلت في معْنى حَقًّا.
وقيل جَرَم بمعْنى كسَبَ.
وقيل بمعْنى وجَبَ وحُقَّ.

(وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن عن الهيثم بن عدي قال: كانت لفاطمة ابنة عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز جارية ذات جمال فائق، وكان عمر رحمه الله معجبا بها قبل أن تقضى إليه الخلافة، فطلبها منها وحرص فأبت دفعها إليه، وغارت من ذلك، فلم تزل في نفس عمر بن عبد العزيز، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت ثم حليت، فكانت حديثا في حسنها وجمالها، ثم دخلت فاطمة على عمر فقالت: «يا أمير المؤمنين، إنك كنت بفلانة جاريتي معجبا وسألتنيها فأبيت ذلك عليك، وإن نفسي قد طابت لك بها اليوم، فدونكها، فلما قالت ذلك استبان الفرح في وجهه، ثم قال: ابعثي بها إلي، ففعلت، فلما دخلت عليه نظر إلى شيء أعجبه، فازداد بها عجبا، فقال لها: ألقي ثوبك، فلما همت أن تفعل قال: على رسلك (1)، اقعدي، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين أنت لفاطمة؟ قالت: كان الحجاج بن يوسف أغرم عاملا كان له من أهل الكوفة مالا، وكنت في رقيق ذلك العامل، فاستصفاني عنه مع رقيق له وأموال، فبعث بي إلى عبد الملك بن مروان وأنا يومئذ صبية، فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة.
قال: وما فعل العامل؟ قالت: هلك.
قال: وما ترك ولدا؟ قالت: بلى.
قال: وما حالهم؟ قالت: سيئة.
قال: شدي عليك ثوبك.
ثم كتب إلى عبد الحميد عامله (2) أن شرح إلى فلان ابن فلان على البريد، فلما قدم قال له: ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج إياك.
فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، فلما أخذ بيدها قال: إياك وإياها فإنك حديث السن، ولعل أباك أن يكون قد وطئها (3). فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، هي لك.
قال: لا حاجة لي فيها.
قال: فابتعها مني.
قال: لست إذا ممن ينهى النفس عن الهوى.
فمضى بها الفتى، فقالت له الجارية: فأين موجدتك بي يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنها لعلى حالها، ولقد ازدادت، فلم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات»

(

صرف ما يقع بالقلب من غلبة الشهوة:

((حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

ومعنى الحديث أنه يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن يأتي امرأته أو جاريته إن كانت له فليواقعها ليدفع شهوته وتسكن نفسه ويجمع قلبه على ما هو بصدده.
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان" قال العلماء: معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء وإِلالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له، ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها أن لا تخرج بين الرجال إلا لضرورة، وأنه ينبغي للرجال الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقاً.
((حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها.

(

أحوال الإنسان مع الهوى:

للإنسان مع الهوى ثلاثة أحوال كما يقول أحد السلف: (الحالة الأولى: أن يغلبه الهوى، فيملكه، ولا يستطيع له خلافاً، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله فيه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23].
(الحالة الثانية: أن يكون الحرب بينهما سجالاً، تارةً له اليد، وتارةً عليه اليد، تارةً يغلب الهوى، وتارةً يغلب الإنسان هواه.
(الحالة الثالثة: أن يغلب الإنسان هواه، فيصير مستولياً عليه؛ مستولياً على هذا الهوى لا يقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير والنعيم الحاضر، قال عليه الصلاة والسلام: (ما من أحدٍ إلا وله شيطان) أي: يأمر بالشر، حتى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمره بالشر، الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في الحديث الصحيح: (إلا أن الله أعانني عليه فأسلم) ((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من عندها ليلاً قالت: فغِرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع فقال: «ما لك يا عائشة أغِرْتِ» فقلت: ما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لقد جاءك شيطانك»، قلت: يا رسول الله أمعي شيطان؟ قال: «نعم»، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم»، ولكن أعانني الله حتى أسلم»

قيل: إن هذا الشيطان أسلم أي: صار مسلماً، وقيل: المعنى: فأسلم أنا من شره، أي: حتى الشيطان للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسلم، فصار الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا أحد يأمره بالشر.
فإذاً هذا منتهى النعيم العظيم أن الإنسان يسيطر على هواه، فلا يدخل الهوى عليه، ولا يجد عليه سبيلاً.

(

أهمية علاج الهوى:

إن علاج الهوى هو لب الموضوع، وهي الثمرة والفائدة المراد معرفتها من طرق هذا الموضوع، وإن كان جزءٌ كبيرٌ من العلاج يكون في اكتشاف الحالات التي يقع فيها الهوى، لأنه كثيراً من الأحيان لا يدري الإنسان أن هذا التصرف الذي وقع به هو عبارة عن هوى، قال الشاطبي رحمه الله تعالى: مخالفة ما تهوى الأنفس شاقٌ عليها، وصعبٌ خروجها عنه، ولذلك بلغ الهوى بأهله مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهداً على ذلك حال المحبين، وحال من بعث إليهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المشركين وأهل الكتاب، وغيرهم ممن صمم على ما هو عليه حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، كفار قريش خرجوا في معركة بدر وأهلكوا النفوس والأموال في سبيل الهوى الذي استقر في نفوسهم، وتمكن من قلوبهم، فحرمهم الاستفادة والاستجابة لدعوة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الهوى سواءً كان عند أبي جهل وغيره هو: حب الرئاسة، وسواءً كان عند سدنة الأصنام هو: حب الأصنام، وسواءً عند الغوغائيين والتبع هو: حب من يعتقدون أنه قدوتهم وأنه من أئمتهم وهم من أئمة النار في الحقيقة.
فإذاً هؤلاء رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفة الهوى، أليس كذلك؟ حتى قال الله تعالى في شأنهم: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الجاثية:23] وقال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد:14] (قال ابن القيم رحمه الله مبيناً أهمية تخليص الأعمال من الهوى، يقول في شأن القلب وحال الإنسان: ولا تتم له سلامته مطلقاً حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص.

(

كيفية علاج الهوى:

علاج الهوى يكون بالرجوع إلى الكتاب والسنة وترك مناهج أهل الضلال:

ونحن في علاجنا للهوى يجب أن نتوجه إلى دين الله نستمد من نوره نورا ومن ضيائه لمعاناً يضيء لنا الطريق في سيرنا إلى الله تعالى، وإلا فلو أننا تركنا لأنفسنا من أن نضع منهجاً لعلاج الهوى، فإننا لن نحل المعضلة، بل سنزيدها تعقيداً، لذلك كان لا بد من الذهاب إلى القرآن والسنة لمعرفة المنهج الذي على أساسه نحارب الهوى ونسيطر عليه.
وقد وضع أقوامٌ من البشر مناهج يعالجون فيها الهوى، فضلوا أيما ضلال، وارتكبوا أخطاء شنيعة، ومن هؤلاء الأقوام الصوفية ومن نحا منحاهم في طريقة علاجهم للهوى، فإنهم أتوا بأشياء لم ينزل الله بها من سلطان، وابتدعوا في دين الله أشياء عجيبة، فمن ذلك أن أحدهم قال لمريد تابع له: إن أردت استخراج الهوى من نفسك، واستخراج الكبر، والاستعلاء على البشر، فعليك أن تفعل هذا الذي آمرك به، ما هو هذا الشيء؟ قال له: اذهب الساعة إلى الحجام، واحلق رأسك ولحيتك، وانزع عنك هذا اللباس، وابرز بعباءة، وعلق في عنقك حقيبة، واملأها جوزاً، واجمع حولك صبياناً، وقل بأعلى صوتك: يا صبيان! من يصفعني صفعةً فأعطيه جوزةً، وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه، هذا هو علاج الهوى عند هذا الرجل، حلق الرأس واللحية، ولبس الثياب البالية، ويعطي الأطفال جوزاً، ويقول: من يصفعني صفعة أعطيه جوزة.

فهذا المنهج الضال الذي لم ينزل الله به سلطاناً ليس هو المنهج الصحيح في علاج الهوى، وهذا آخر من البشر غلبه هواه فنظر إلى جارية، فلم يفعل ما يأمره الله به من التوبة والاستغفار، وإنما ماذا حصل؟ قلع عينه التي نظر بها إلى المحرم، هذا هو العلاج!! أن يقلع عينه التي نظر بها إلى المحرم، هل هذا هو العلاج الذي أمر الله به من ينظر إلى المحرمات؟! فإذاً أيها الإخوة! الناس إذا ابتعدوا عن منهج الله، يأتون بأشياء مبتدعة غير صحيحة وهذه من جملتها، لذلك كان لا بد من التمعن في طريقة القرآن والسنة في علاج الهوى، ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم، وكان كل وقت تحدث عليه الحوادث من هذا الهوى جعل فيه حاكمان: حاكم العقل، وحاكم الدين وهما لا يتناقضان، ولا يتعارضان، إذ أن الصحيح من الشرع لا يعارض الصريح من العقل مطلقاً كما دلت على ذلك قواعد القرآن والسنة، معرفة أن هذا الهوى ابتلاء من الله عز وجل مهم جداً، معرفة أن هذا الذي تميل إليه نفسك من المحرمات أنه ابتلاء يبتليك الله به حتى يعلم مدى صمودك، ومدى ثباتك، ومدى مقاومتك لنفسك في سلوك الطريق المحرم.

(

وهاك طرق علاج الهوى:

(1) الاستعانة بالله عز وجل وربط القلب به سبحانه: أول ما يحتاج الإنسان في معالجته الاستعانة بمولاه على هذا الأمر، من هو مولانا الذي نستعين به على الشدائد وعلى الأهواء التي نكابدها ونلاقيها؟ إنه الله عز وجل، ولذلك كان لا بد من فتح الطريق مباشرةً بين العبد وبين ربه في استعانته بمولاه على هذا الهوى الذي يصيبه، ومن ضمن الأشياء التي يشتمل عليها هذا المنهج في الاتصال بين العبد وربه الدعاء؛ فإنه من أنفع الأمور التي تنفع العبد في التغلب على الهوى، ولذلك كان من دعاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء،) كما في الحديث الآتي: ((حديث قطبة بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء "

فهذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي أسلم شيطانه، فسلم من شره، ولم يعد أحدٌ يوسوس إليه بالشر، وهو المعصوم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستعيذ من الأهواء، فما بالنا نحن الضعفاء الذين لا يقارن حالنا بحال رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وربط القلب بالله عز وجل خوفاً وطمعاً، ورهبةً ورغبةً، والوقوف بين يدي الله تعالى من أكبر الأشياء التي تنفع في مقاومة الهوى، والدليل على ذلك قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40 - 41] قال مجاهد: هو العبد يهوى المعصية، فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة، فيتركها لله: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40 - 41]. إذاً من أين أتى نهي النفس عن الهوى؟ كيف حصل للإنسان أن ينهى نفسه عن الهوى؟ حصل له هذا الشيء بالخوف من الله عز وجل، لأن الله قال: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40 - 41] ولذلك كان نهي النفس عن الهوى هي نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة، فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية، وهو سبب البلوى، وينبوع الشر، وقلَّ أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى.
(2) العزيمة والخوف من الله:

خوف الإنسان من الله عز وجل، خوفه من عقاب الله في الدنيا، ومن عذاب الله في الآخرة هو الوسيلة حقيقةً لأن ينهى الإنسان نفسه عن الهوى، وقد عقد العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه في كتابه: روضة المحبين، فصلاً في آخر الكتاب ذكر فيه أموراً كثيرةً من الأشياء التي تعين على مقاومة الهوى، ولخص بعضها من كتاب: ذم الهوى لابن الجوزي رحمه الله تعالى، فقال: ويمكن التخلص منه بأمور بعون الله وتوفيقه: أولاً: عزيمة حرٍ يغار لنفسه وعليها.
والمشكلة أن قوانا تضعف وتخور أمام مواجهة الأهواء والشهوات، فلا بد من العزيمة التي تملأ النفس صموداً وثباتاً ومقاومةً لهذه الأهواء والشهوات، ولا بد من جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة، لأن امتناع الإنسان عن ولوج المعصية وقت المعصية طعمه مر، وقت حصول المعصية وأنت تواجهها لا تستطيع أن تنزع نفسك بسهولة، بمشقة شديدة جداً، ولكن عندما تطعم نفسك هذا الصبر الذي يكون علقماً في بعض الأحيان مثل: الدواء للمريض، يكون الدواء في بعض الأحيان مراً، ولكن لا بد منه وهو علاجٌ نافعٌ، فلا بد من تناوله، فأنت حين تقاوم وتجاهد، ستشعر بمرارة فراق المعصية، ولكن إذا تجاوزت هذه المرحلة، فإن الله يعقب في نفسك حلاوةً عظيمةً تجدها في نفسك بعد انتصارك على نفسك.
لحظات المعركة يكون الوقع شديداً ليس سهلاً، لا تأتي الفرحة مباشرةً، ويأتي السرور مباشرة، لا بد من لحظات مجاهدة شديدة على النفس وشاقة وصعبة، بعد الانتصار يعقب الله في نفس العبد حلاوة الطاعة وحلاوة ترك المعصية، فالذي يصبر على العلقم في البداية يجد الحلاوة في النهاية، ولا بد من قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة، ولا بد من ملاحظة حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة، أنت تعرف أن مقاومة الهوى ليست سهلة، تعرف أن الامتناع عن المعصية صعب، لكن أنت إذا جلست تفكر في العاقبة التي ستكون لك بعد امتناعك عن الوقوع في هذه المحرمات وفي هذه الشهوات، هذا يسهل عليك الأمر، وإذا جلست تفكر في الحلاوة التي ستجدها بعد المرارة، وفي النعيم الذي ستجده في الآخرة، سيسهل عليك الأمر، وكذلك يتفكر الإنسان أنه لم يخلق للهوى، وإنما هو لأمرٍ عظيمٍ لا يناله إلا بمعصيته للهوى كما قال الشاعر: قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ

لما يفكر الإنسان أنه ما خلق من أجل أن يتبع أهواءه، وإنما خلق من أجل طاعة ربه.
هناك هدف عظيم، هناك من الناس من لا يختلفون مطلقاً عن الدواب، يمشي كالبهيمة يتبع شهواته وأهواءه، لما يفكر الإنسان أنه وجد على هذه الأرض لا لاتباع الهوى، وإنما لاتباع شيء آخر.
قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ قد هيئوك: أنت أيها العبد المسلم قد هيئت لأمر عظيم وهو عبادة الله.
لو فطنت له: المشكلة أن أكثر الناس لا يفطنون له.
فاربأ بنفسك: ارتفع بنفسك.
أن ترعى مع هذا الهمل، ومع هذه الحيوانات التي ليس لها همٌّ إلا اتباع الهوى والشهوات.
(3) ألا يختار لنفسه أن تكون الحيوانات أحسن منه:

وكذلك ألا يختار لنفسه أن يكون الحيوان أحسن حالاً منه، ولهذا تساق الحيوانات إلى منحرها وهي منهمكة في شهواتها، أنت الآن عندما تنظر إلى حال رعاة الغنم تجد أنهم يسوقون القطعان إلى المنحر وإلى المجزرة، القطيع وهو يمشي على الأرض إلى المنحر، ويكون في الطريق أعشاب ماذا يحدث؟ يأكل من هذه الأعشاب وهو يمشي إلى المنحر، وإلى المكان الذي ستزهق فيه روحه، ويذبح ويهلك فيه وهو يأكل حتى آخر لحظة من هذه الحشائش الموجودة في الأرض.
إذاً: لا نريد أن نساق إلى جهنم، ونحن قد جعلت على أعيننا غشاوة الهوى والمسكرات من المنكرات؛ لأن الشهوات والمنكرات تسكر، فلا يعيش الإنسان في حالة وعي؛ فيساق إلى جهنم، فلا يكون الحيوان أحسن حالاً من الإنسان، يجب على الإنسان أن يرتفع فوق مستوى البهائم، ولو فكر العاقل لحظة قضاء وطره وقارنها بما سيعقب بعد ذلك من الحسرة التي سيقضي فيها بقية عمره؛ لما اقترب من هذا الوطر ولو أعطي الدنيا، والطريق الأعظم في الحذر ألا يتعرض لسبب الفتنة ولا يقاربه، كم من معصية مضت في ساعتها كأنها لم تكن، ثم بقيت آثارها، ولذلك فإنه لا بد للمسلم أن يسير بقلبه في عواقب الهوى، فيتأمل كم فوتت هذه المعصية من فضيلة! وكم أوقعت في رذيلة! وكم أكلة منعت أكلات!! الآن بعض الناس يأكلون بغير حساب؛ فيضر كثرة الأكل أجسامهم، فيذهب إلى الطبيب يشتكي، فيمنعه الطبيب من قائمة كثيرة من الأكلات، ويحدد له أكلات قصيرة، أكلات ضئيلة قليلة، يحرمه من تلك الأكلات، ما الذي منعه من هذه الأكلات الطيبات؟ إنه كان يأكل بغير نظام في الماضي، فلذلك كم من شهوةٍ كسرت جاهاً، ونكست رأساً، وأورثت ذماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يغسله الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء!! هذه المعاصي أيها الإخوة! الله عز وجل جعل سنته في الكون أن العاصي لا بد أن يعاقب في الدنيا، فكم من شهوةٍ كسرت جاهاً بسبب هذه المعاصي، حتى أن الإنسان وأمام الناس ليس له وجه، المعصية كسرت جاهه، وأوقعته من مكانته أمام الناس، ونكست رأسه، فلا يستطيع أن يرفع رأسه أمام الناس، وأورثت له ذماً، وأعقبت له ذلاً، وألزمته عاراً لا يغسله الماء بسبب الغشاوة التي على أعين متبعي الهوى.
(4) التأمل في العاقبة:

وكذلك مما يعين على علاج الهوى: أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه، ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر، هب أن رجلاً أراد أن يزني وجاءه هوى الشهوة، فعليه أن يفكر قبل أن يقع في الزنا، يفكر لو أنه قضى وطره من هذه المرأة المحرمة، ماذا سيكون بعد ذلك؟ تأمل العاقبة مهم جداً؛ لأنه هو الذي يمنعك من الوقوع في البداية، والله سبحانه وتعالى قد شبه من يتبعون أهواءهم بأخس الحيوانات وأذلها وأحقرها ألا وهو الكلب، فقال عز وجل عن الرجل الذي أعرض عن آيات الله عز وجل: (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) [الأعراف:176] فالرجل الذي يتبع الهوى عندما يتصور بأن حاله مثل حال الكلب، هل يا ترى يقدم على هذه الجريمة، وعلى هذه الشهوة؟! وشبههم الله تعالى مرة بالحمير، فقال: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:50 - 51]. (5) أن يتأمل آيات الله عز وجل:

وكذلك إذا تأمل متبع الهوى حاله من بعض الآيات كقول الله عز وجل: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة:124] لو تأمل هذه الآية سيجد أن عز وجل حرم الإمامة على متبع الهوى، لماذا؟ لأن الله يقول في آية أخرى: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الروم:29] وهناك قال: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة:124] فالظالم يتبع الهوى، والظالم قد حرم من الإمامة، فمتبع الهوى قد حرم من الإمامة في الدين، فلا يمكن أن يجعله الله عز وجل إماماً يؤتم به في الدين وهو متبع للهوى، فهو ليس بأهل لأن يطاع، ولا أن يكون إماماً ولا متبوعاً في الخير.
وجعل الله متبع الهوى بمثابة عابد الوثن، فقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الجاثية:23] وجعل الله حظار جهنم ـ الشيء الذي يحوط جهنم ـ الهوى والشهوات، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره) كما في الحديث الآتي (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره.

وجعل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتباع الهوى من المهلكات، كما في الحديث الآتي ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات: هوى متبع و شح مطاع و إعجاب المرء بنفسه.
ولو تأمل صاحب الهوى، أو الذي يأتيه الهوى ما له من العاقبة الحسنة إذا خالفه هواه، ومن النور الذي يدخله الله في قلبه، لثبت عند هذا ووقف، قال بعض السلف: الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده.
تأمل! الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده، فتح مدينة بأكملها من شخص واحد أمر عسير جداً، لكن أعسر منه أن يخالف الإنسان هواه.
وكذلك جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه، قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين؛ فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً، ثم يخرج إليهم.
(6) المجاهدة والصبر على مقاومة الهوى:

وكذلك الذي يمتنع عن الهوى كأنه سيأخذ دواءً مراً، ولا بد أن يصبر على هذا الدواء، ولا بد أن يتبع نظاماً في الحمية من الهوى كما يتبع الرجل الذي يأكل الأكل المضر نظاماً في الحمية، ولذلك قال عبد الملك بن قريب: مررت بأعرابي به رمد شديد في عينيه، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: ألا تمسح عينيك؟ قال: نهاني الطبيب عن ذلك، وقال لي: إذا مسحت عينيك، يزداد الألم، ويزداد المرض شدة.
ولا خير فيمن إذا زجر لا ينزجر، وإذا أمر لا يأتمر، فعلاً الآن الذين يصيبهم الرمد هذا مثل حرق العين يريد أن يحك عينه، وقد يكون الطبيب نهاه عن هذا الفعل، وأخبره إن هو حك عينه، أن المرض سينتشر وسيشتد، فماذا يفعل؟ تجد الإنسان قوي الإرادة كأنه قد ربط بحبل يقاوم يده أن تمتد إلى عينه مع أنها تحرقه جداً، لكنه يقاوم أن يمد يده إلى عينه، قد يصيب جلد الإنسان حساسية أو حبوب, فيخبره الطبيب ألا يحك جلده مطلقاً؛ لأنه إذا حكها سينتشر، ماذا يكون شعور الإنسان في تلك الحالة؟ الشخص العاقل يحس بأن هناك دافعاً قوياً لأن يحك جلده، لكنه يصبر على الحك، لأن الحك سيجعل الأمر أسوأ من ذي قبل، كذلك حال الذي يأتيه الهوى، إذا اتبع الهوى سيكون الأمر أسوأ، ولذلك هو يصبر كما يصبر هذا الرجل الذي به رمد شديد وحرقة في عينيه، فلا يحك عينه لأنه أمر بهذا، يقول عبد الملك بن قريب: فقلت لهذا الأعرابي: ألا تشتهي شيئاً؟ قال: بلى، ولكني أحتمي، عندي نظام في الحمية، الطبيب نهاني عن أكلات، يقول الأعرابي: إن أهل النار غلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا، الله عز وجل أمرهم أن يمتنعوا عن أشياء، يتبعوا نظام الحمية من أشياء معينة، فغلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا.
(قال الفضيل بن عياض في كلام على أن اتباع الهوى يحرم العبد من إصابة الحق، ومن معرفة الدليل، ومن التوفيق في أمور الدنيا والآخرة، يقول: من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات، انقطعت عنه موارد التوفيق، فالذي ينغمس في الهوى لا يكاد الله يوفقه إلى خيرٍ أبداً، بل تجد بأن الطرق بينه وبين الخير مسدودة، والعوائق موجودة، لا يستطيع أن يصل إلى الخير؛ لأنه متبع للشهوات والهوى، ما اتخذ الأسباب فكيف يهديه الله؟! (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69] والذين لم يجاهدوا فينا، ماذا ستكون عاقبتهم؟ وكذلك كان بعضهم يطوف في البيت، فنظر إلى امرأة جميلة، فمشى إلى جانبها، ثم قال:

أهوى هوى الدين واللذات تعجبني... فكيف لي بها واللذات والدين قال: أنا أهوى الدين، لكن اللذات التي أراها تعجبني، فكيف أجمع بين هوى اللذات وبين الدين؟ فقالت المرأة: دع أحدهما تنل الآخر، فعلاً دع الدين تنل الهوى، الإنسان عنده هذه الإرادة: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد:1] طريق الخير وطريق الشر، أنت مخير، لا أحد يرغمك على سلوك أحد الطريقين، دَعْ أحدهما تنل الآخر، وهذا ترك الهوى، الآن لحظات تمر على الإنسان يعاين فيها مواقفاً من الشهوات والهوى، فإذا هو قاوم نفسه هذه المقاومة فإن هذه المواقف في الدنيا التي يقاوم فيها الهوى لا تنسى عند الله يوم القيامة مطلقاً، في ذلك الموقف الذي تزل فيه الأقدام، والذي تدنو فيه الشمس من الخلائق، لا ينسى الله تعالى لعبده أبداً هذه المواقف التي وقفها في الدنيا.
أحدهم ترك شهوات وأهواء ولذائذ كثيرة في الدنيا محرمة من أجل الله عز وجل، فلا ينساها الله تعالى له يوم القيامة،

(قال عبد الرحمن بن مهدي: رأيت سفيان الثوري رحمه الله تعالى في المنام ـ بعض المنامات التي ترى للصالحين لا بأس من حكايتها، إذا لم يرد فيها مخالفات شرعية، فبعض المنامات أو الرؤى التي رآها صالحون لأناس صالحين، كان السلف رحمهم الله يدرجونها في كتبهم، ويكتبونها وينشرونها، لأنها تؤثر، الرؤيا الصالحة عاجل بشرى المؤمن ـ فقال عبد الرحمن بن مهدي وهو من كبار أئمة الدين: رأيت سفيان الثوري رحمه الله تعالى في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى، فحاسبني حساباً يسيراً، ثم أمر بي إلى الجنة، فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حساً ولا حركةً إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد؟ فقلت: سفيان بن سعيد، فقال: تحفظ أنك آثرت الله عز وجل على هواك يوماً؟ فقلت: إي والله، فأخذني النثار من كل جانب ـ النثار في اللغة: هو ما يرش على العروس في ليلة العرس من الزينة، أو الذهب، أو الزهور، إلى آخر ذلك.
نسأل الله تعالى أن تكون هذه من الرؤى الصالحة التي رئيت لسفيان الثوري رحمه الله، فإنه كان من المجاهدين في الله حق جهاده في العلم والتقوى، ونال الإمامة في الدين.
يقول ابن القيم رحمه الله في حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) كيف نالوا هذا الظل؟ يقول: إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وجدتهم نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى، فإن الإمام المسلط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه؛ لأن عنده من القوة والنفوذ والسيطرة ما يستطيع به بسهولة أن يتابع هواه، فلما قاوم نفسه وقاوم هواه، وحكم شرع الله تعالى، ولم يتبع شهواته، وعدل بين الرعية كان له الظل يوم أن تدنو الشمس من رءوس العباد.
والشاب المؤثر عبادة الله على داعي الشباب لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك، لولا أن هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله خالف هواه لما نشأ في طاعة الله، والرجل الذي قلبه معلقٌ بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة هواه الداعي له إلى أماكن اللذات، خالف الهوى الذي يدعوه إلى الذهاب إلى أماكن اللذات، وصار يذهب إلى أماكن العبادة والمساجد، أعقب الله عز وجل له الأجر الجزيل بأن أظله في ظل عرشه.

والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه (هوى الرياء) وهوى أن يشاهده الناس، وأن يتحدثوا عن كرمه لم يقدر على ذلك، لو ما خالف هذا الهوى لما صار في هذا المكان يوم القيامة.
والذي دعته المرأة الشريفة الجميلة، فخاف الله عز وجل وخالف هواه، نال نفس الكرامة.
والذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه من خشيته، إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه، فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيلاً عليهم يوم القيامة.
(7) تأمل اللذة التي تنتج عن مخالفة الهوى:

ومن الأشياء التي تعين في علاج الهوى: تأمل اللذة التي تنتج عن مخالفة الهوى، فإن في قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة، وغالب الهوى يكون قوي القلب عزيزاً؛ لأنه قهر هواه، بينما الذي يتبع الهوى يكون ذليلاً؛ لأنه اتبع هواه، فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحسن.
أحياناً يُزَين الشيطانُ المعصيةَ للإنسان، فيراها جميلة جداً، فينظر إلى المعاصي بعين الحسن، المفروض أن ينظر إلى المعاصي بعين الاستقباح وعين الكراهية لهذا الأمر، كما أن اللص يرى لذة أخذ المال من الحرز الذي يأخذه بكل يسر وسهوله، لكنه لا يرى بعين الفكر قطع اليد، فلذلك يسرق.
وما مثل الهوى إلا كسبع في عنقه سلسلة، فإن استوثق منه ضابطه كفه، الهوى مثل السبع، ومثل الأسد، إذا ربطته بسلسلة قوية، ما ينفلت منك.
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة، ومنهم من يكفه بخيط.
(8) أنه إذا جاءك الهوى فخالفه:

ومن الأمور المهمة في معالجة الهوى: أنه إذا جاءك الهوى في مسألة فخالفه، النفس الأمارة بالسوء، أو الشيطان يأمرك أن تفعل هذا الأمر، فعليك بمخالفته فوراً، (قال أحد السلف: «اعلم أن البلاء كله في الهوى، والشفاء كله في مخالفتك إياه»

(وقال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران، فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه.
مثلاً: الإنسان موقفه من الأحكام الشرعية يحتار هل هذا هو الصحيح، أم هذا هو الصحيح؟ أحياناً يكون الإنسان صادقاً ومخلصاً ويريد أن يصل إلى الحق، فيحتار ما هو الحل؟ فمن ضمن الأشياء التي ترجح قولاً على آخر أن ينظر الإنسان ويدقق ويفتش في نفسه، فينظر أي القولين أقرب إلى هواه فيخالفه ويأخذ الآخر، لماذا؟ لأن النفس في العادة تميل إلى المحرمات، وتميل إلى الخطأ، تميل إلى الأسهل، تميل إلى ما يشبع رغبتها، تميل إلى الحكم الذي لا يكلف الإنسان عناءً ولا مشقةً، لذلك ترى كثيراً من الناس يتبعون أهواءهم في الأحكام الفقهية، فيأخذ الحكم الذي لا يكلفه، لنفترض أن رجلاً من الناس قد وقف أمام حكمين في مسألة فقهية لم يستطع أن يرجح أحدهما على الآخر، فما هي أحد المرجحات التي يستطيع أن يستخدمها؟ أن ينظر نفسه إلى أي قول من هذه الأقوال تميل، فينظر القول الذي تلين له نفسه، ثم يتركه ويأخذ الآخر، إذا اشتبه عليك أمران، فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه.
أحياناً في بعض التصرفات الإنسان قد يشتبه عليه أكلة من الأكلات، هل هذه الأكلة فيها شيء محرم، أم ليس فيها شيء محرم؟ وليس عنده دليل يقطع فيها بأنها محرمة، فهل يأكل، أو لا يأكل؟ ينظر ماذا تميل إليه نفسه، غالباً يجد أن نفسه تميل إلى الأكل، فإذاً يخالف الهوى ولا يأكل؛ لأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (اتقوا الشبهات) وغالباً ما تهوى النفس الوقوع في الشبهات، فلذلك لا بد من المخالفة، وهذا من أكبر العلاجات، ويقول ابن الجوزي رحمه الله: تأملت أمراً عجيباً وهو انهيال الابتلاء على المؤمن، وعرض صور اللذات عليه مع قدرته على فعلها، فقلت: سبحان الله! هاهنا يتبين أثر الإيمان لا في صلاة ركعتين، عندما تقف أمام الهوى أو الشهوة.
كما أرجو -أيها الإخوة- عندما أذكر في كلامي الشهوة، لا يعني شهوة الجنس فقط، لا فقد تكون شهوة المال، وقد تكون شهوة الوقوع في الغيبة والنميمة، وقد تكون شهوة الجور في الحكم بين الأولاد، أو بين الناس، أشياء كثيرة كلها شهوات في الحقيقة، شهوة الجاه والمنصب.

أقول: سبحان الله! هاهنا يبين أثر الإيمان فعلاً عند الوقوف أمام المحك، أمام المنعطف، هنا يبين أثر الإيمان، لا يبين في صلاة ركعتين مثلما يبين في هذا الموقف، والله ما صعد يوسف عليه السلام ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام، تأملوا حاله لو كان وافق هواه، فعلاً، تأمل حال يوسف وفكر لما دعته امرأة العزيز وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] يوسف الآن أمام هذا الموقف، امرأة جميلة وصاحبة منصب وهي سيدة، وهو عبدٌ, وهو غريبٌ عن بلده وشابٌ، وهو أعزبٌ، وقد غلقت الأبواب، وغاب الرقيب، وسيدها ليس له غيرة، لأنه قال بعد ذلك: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [يوسف:29] ليس للسيد غيرة، وليس هناك أحدٌ يشاهد، واجتمعت دواعي وقوع الفاحشة أمام يوسف عليه السلام مما لا يجتمع مثله بين رجل وامرأة قط، لما حدث هذا الأمر تأمل لو أن يوسف عليه السلام وافق هواه ووقع على تلك المرأة، هل سيصبح نبياً صديقاً؟! ولكن وقوف يوسف عليه السلام في تلك المحنة أمام شهوته هو الذي أوصله إلى ذلك المقام: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].. قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23].
ولذلك كان سؤال الله الصراط المستقيم في الصلاة أكثر من مرة دائماً: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فيه تذكير للإنسان بألا يتبع الهوى، ويسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم: الطريق المستقيم لا طريق الهوى.

الباب الثاني أدب العلم

(عناصر الباب:

(

المقصود بالعلم:

(

فضل العلم:

(

حكم تعلم العلم:

(ماذا نعني بالعلم، وكيف يطلب؟ (آداب طالب العلم: (فضل بعض العلوم التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها: ودونك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (المقصود بالعلم:

مسألة: ما المقصود بالعلم؟ العلم هو ما قام عليه الدليل ويقصد به علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة - رضي الله عنهم -، فالعلم مسائل ودلائل بفهم سلف الأمة - رضي الله عنهم -: العلم قال الله قال رسوله... قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة... بين الرسول وبين قول فقيه (فضل العلم:

للعلم فضلٌ عظيم، وأجرٌ جسيم، العلم أثمن درة في تاج الشرع المطهر ولا يخفى على كل مسلم أن العلم مهم، حتى إن كل إنسان يدعيه لنفسه حتى الجاهل لا يرضى أن يقال عنه جاهل، ويفرح أن يقال عنه عالم! قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه وكفى بالجهل ذمّاً أن يتبرأ منه من هو فيه، العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجدَّ فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة العلم وهذه المنزلة إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعة في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه: فسلوكه على غير طريق وهو مقطوع عليه طريق الوصول مسدود عليه سبل الهدى والفلاح مغلقة عنه أبوابها وهذا إجماع من الشيوخ العارفين ولم ينه عن العلم إلا قطاع الطريق منهم ونواب إبليس وشرطه.
(قال سيد الطائفة وشيخهم الجنيد بن محمد رحمه الله: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار الرسول وقال: «من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر» لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة وقال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة.
(وقال أبو حفص رحمه الله: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال.
(وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.
(وقال سهل به عبد الله رحمه الله: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء طاعة كان أو معصية فهو عيش النفس وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء: فهو عذاب على النفس.
(وقال السري: التصوف اسم لثلاثة معان: لا يطفيء نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله

جارٍ التحميل