مقدمة في فضل علم الآداب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: لما نزل (مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123] شق ذلك على المسلمين فشكوا ذلك إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال قاربوا وسددوا وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة حتى الشوكة يشاكها أو النكبة ينكبها.
((حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (لّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) [النساء: 123] وكل شيء عملناه جزينا به فقال: غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك اللأواء قال فقلت بلى، قال هو ما تجزون به.
وَلَيْسَ وَإِنْ نَالَ أَهْلُ الْمَعَاصِي لَذَّةً مِنْ عَيْشٍ أَوْ أَدْرَكُوا أُمْنِيَةً مِنْ دُنْيَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا وَنِقْمَةً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيمٌ على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج.
(قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافي التقوى وإن قلَّ إلا وجد عقوبته عاجلة أو آجلة.
ومن الاغترار أن تسيء، فترى إحساناً؛ فتظن أنك قد سومحت، وتنسى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123] (1)
(
أقسام المحرمات التي يمنع منها الشرع:
1 (الْمُحَرَّمَاتُ الَّتِي يَمْنَعُ الشَّرْعُ مِنْهَا وَاسْتَقَرَّ التَّكْلِيفُ، عَقْلاً أَوْ شَرْعًا، بِالنَّهْيِ عَنْهَا فَتَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ.
مِنْهَا مَا تَكُونُ النُّفُوسُ دَاعِيَةً إلَيْهَا، وَالشَّهَوَاتُ بَاعِثَةً عَلَيْهَا، كَالسِّفَاحِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَقَدْ زَجَرَ اللَّهُ عَنْهَا؛ لِقُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَيْهَا، وَشِدَّةِ الْمَيْلِ إلَيْهَا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الزَّجْرِ:
أَحَدُهُمَا: حَدٌّ عَاجِلٌ يَرْتَدِعُ بِهِ الْجَرِيءُ.
وَالثَّانِي: وَعِيدٌ آجِلٌ يَزْدَجِرُ بِهِ التَّقِيُّ.
(وَمِنْهَا مَا تَكُونُ النُّفُوسُ نَافِرَةً مِنْهَا، وَالشَّهَوَاتُ مَصْرُوفَةً عَنْهَا، كَأَكْلِ الْخَبَائِثِ وَالْمُسْتَقْذِرَات وَشُرْبِ السَّمُومِ الْمُتْلِفَاتِ، فَاقْتَصَرَ اللَّهُ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا بِالْوَعِيدِ وَحْدَهُ دُونَ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ مُسْتَعِدَّةٌ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا، وَمَصْرُوفَةٌ عَنْ رُكُوبِ الْمَحْظُورِ مِنْهَا.
(ثُمَّ أَكَّدَ اللَّهُ زَوَاجِرَهُ بِإِنْكَارِ الْمُنْكِرِينَ لَهَا فَأَوْجَبَ الأمرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ لِيَكُونَ الأمْرُ بِالْمَعْرُوفِ تَأْكِيدًا لِأَوَامِرِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ تَأْيِيدًا لِزَوَاجِرِهِ.
لِأَنَّ النُّفُوسَ الأشِرَةَ قَدْ أَلْهَتْهَا الصَّبْوَةُ عَنْ اتِّبَاعِ الأوَامِرِ، وَأَذْهَلَتْهَا الشَّهْوَةُ عَنْ تِذْكَارِ الزَّوَاجِرِ.
وَكَانَ إنْكَارُ الْمُجَالِسِينَ أَزْجَرَ لَهَا، وَتَوْبِيخُ الْمُخَاطَبِينَ أَبْلَغَ فِيهَا.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان.
((حديث أبي بكر الصديق الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.
((حديث أبي بكر الصديق الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الناس إذا رأوا المنكر و لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه.
(أحوال الناس فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ:
لا يَخْلُو حَالُ النَّاسِ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ، مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
(فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَجِيبُ إلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَيَكُفُّ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي.
وَهَذَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ أَهْلِ الدِّينِ، وَأَفْضَلُ صِفَاتِ الْمُتَّقِينَ.
فَهَذَا يَسْتَحِقُّ جَزَاءَ الْعَامِلِينَ، وَثَوَابَ الْمُطِيعِينَ.
رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدَائِنِيُّ.
فمن زرع خيراً حصد خيرا، ومن زرع الشوك لا يجني عنباً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كما لا يُجْتَنَى من الشوك العنب كذلك كذلك لا يُنْزَلُ الفُجَارُ مَنَازِلَ الأبرار، وهما طريقان فأيهما أخذتم أدركتم إليه.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَيُقْدِمُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَهِيَ أَخْبَثُ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ.
فَهَذَا يَسْتَحِقُّ عَذَابَ اللاَهِي عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَعَذَابَ الْمُجْتَرِئِ عَلَى مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: عَجِبْت لِمَنْ يَحْتَمِي مِنْ الطَّيِّبَاتِ مَخَافَةَ الدَّاءِ، كَيْفَ لاَ يَحْتَمِي مِنْ الْمَعَاصِي مَخَافَةَ النَّارِ.
وَقَالَ ابْنُ صَبَاوَةَ: إنَّا نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا الصَّبْرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَهْوَنَ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَجِيبُ إلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَيُقْدِمُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي.
فَهَذَا يَسْتَحِقُّ عَذَابَ الْمُجْتَرِئِ؛ لِأَنَّهُ تَوَرَّطَ بِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَى الإقْدَامِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ سَلِمَ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي فِعْلِ الطَّاعَةِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ تُفْسِدْ الشَّهْوَةُ دِينَهُ، وَلَمْ تَتْرُكْ الشُّبْهَةُ يَقِينَهُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: عَجِبْت لِمَنْ يَحْتَمِي مِنْ الأطْعِمَةِ لِمَضَرَّاتِهَا، كَيْفَ لاَ يَحْتَمِي مِنْ الذُّنُوبِ لِمَعَرَّاتِهَا.
وَقِيلَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رحمه الله: مَا أَعْجَبُ الاشْيَاءِ؟ فَقَالَ: قَلْبٌ عَرَفَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ عَصَاهُ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك رَجُلٌ قَلِيلُ الذُّنُوبِ قَلِيلُ الْعَمَلِ، أَوْ رَجُلٌ كَثِيرُ الذُّنُوبِ كَثِيرُ الْعَمَلِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لاَ أَعْدِلُ بِالسَّلاَمَةِ شَيْئًا».
وَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: مَا التَّقْوَى؟ فَقَالَ: أَجَزْتَ فِي أَرْضٍ فِيهَا شَوْكٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: كَيْفَ كُنْتَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ: كُنْتُ أَتَوَقَّى.
قَالَ: فَتَوَقَّ الْخَطَايَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رحمه الله: أَيَضْمَنُ لِي فَتًى تَرْكَ الْمَعَاصِي وَأَرْهَنُهُ الْكَفَالَةَ بِالْخَلاَصِ أَطَاعَ اللَّهَ قَوْمٌ وَاسْتَرَاحُوا وَلَمْ يَتَجَرَّعُوا غُصَصَ الْمَعَاصِي
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَيَكُفُّ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي فَهَذَا يَسْتَحِقُّ عَذَابَ اللاَهِي عَنْ دِينِهِ، الْمُنْذَرِ بِقِلَّةِ يَقِينِهِ.
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً كَانَ قَوِيًّا فَأَعْمَلَ قُوَّتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَانَ ضَعِيفًا فَكَفَّ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ عَبْدُ الأعلى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ رحمه الله تعالى: الْعُمْرُ يَنْقُصُ وَالذُّنُوبُ تَزِيدُ وَتُقَالُ عَثَرَاتُ الْفَتَى فَيَعُودُ هَلْ يَسْتَطِيعُ جُحُودَ ذَنْبٍ وَاحِدٍ رَجُلٌ جَوَارِحُهُ عَلَيْهِ شُهُودُ وَالْمَرْءُ يُسْأَلُ عَنْ سِنِيهِ فَيَشْتَهِي تَقْلِيلَهَا وَعَنْ الْمَمَاتِ يَحِيدُ.
(
آفات عمل الطاعة ومجانبة المعاصي:
اعْلَمْ رحمك الله تعالى أَنَّ لِأَعْمَالِ الطَّاعَاتِ وَمُجَانَبَةِ الْمَعَاصِي آفَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا تُكْسِبُ الْوِزْرَ والأخرى تُوهِنُ الأجر.
فَأَمَّا الْمُكْسِبَةُ لِلْوِزْرِ فَإِعْجَابٌ بِمَا سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِ، وَقَدَّمَ مِنْ طَاعَتِهِ؛ لِأَنَّ الإعْجَابَ بِهِ يُفْضِي إلَى حَالَتَيْنِ مَذْمُومَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْمُعْجَبَ بِعَمَلِهِ مُمْتَنٌّ بِهِ وَالْمُمْتَنُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى جَاحِدٌ لِنِعَمِهِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُعْجَبَ بِعَمَلِهِ مُدِلٌّ بِهِ وَالْمُدِلُّ بِعَمَلِهِ مُجْتَرِئٌ، وَالْمُجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ عَاصٍ.
(قَالَ مُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ: خَيْرٌ مِنْ الْعُجْبِ بِالطَّاعَةِ أَنْ لاَ يَأْتِيَ بِطَاعَةٍ.
(وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ضَاحِكٌ مُعْتَرِفٌ بِذَنْبِهِ، خَيْرٌ مِنْ بَاكٍ مُدِلٍّ عَلَى رَبِّهِ، وَبَاكٍ نَادِمٌ عَلَى ذَنْبِهِ خَيْرٌ مِنْ ضَاحِكٍ مُعْتَرِفٍ بِلَهْوِهِ.
(وَأَمَّا الْمُوهِنَةُ لِلْأَجْرِ فَالثِّقَةُ بِمَا أَسْلَفَ وَالرُّكُونُ إلَى مَا قَدَّمَ؛ لِأَنَّ الثِّقَةَ تَئُولُ إلَى أَمْرَيْنِ شَيْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُحْدِثُ اتِّكَالا عَلَى مَا مَضَى وَتَقْصِيرًا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ.
وَمَنْ قَصَّرَ وَاتَّكَلَ لَمْ يَرْجُ أَجْرًا وَلَمْ يُؤَدِّ شُكْرًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاثِقَ آمِنٌ.
وَالآمِنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ خَائِفٍ، وَمَنْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ تَعَالَى هَانَتْ عَلَيْهِ أَوَامِرُهُ، وَسَهُلَتْ عَلَيْهِ زَوَاجِرُهُ.
(وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: رَهْبَةُ الْمَرْءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(وَقَالَ مُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ: لأنْ أَبِيتَ نَائِمًا وَأُصْبِحَ نَادِمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَبِيتَ قَائِمًا وَأُصْبِحَ نَاعِمًا.
(وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: مَا بَيْنَك وَبَيْنَ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيك خَيْرٌ إلا أَنْ تَرَى أَنَّ فِيك خَيْرًا.
(وَقِيلَ لِرَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ رَحِمَهَا اللَّهُ: هَلْ عَمِلْت عَمَلاً قَطُّ تَرَيْنَ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْك؟ قَالَتْ: إنْ كَانَ شَيْءٌ فَخَوْفِي أَنْ يُرَدَّ عَلَيَّ عَمَلِي.
(وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ رَحِمَه اللَّهُ: إنَّا لِلَّهِ فِيمَا مَضَى مَا أَعْظَمَ فِيهِ الْخَطَرُ، وَإِنَّا لِلَّهِ فِيمَا بَقِيَ مَا أَقَلَّ مِنْهُ الْحَذَرُ.
(وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الزُّهَّادِ وَقَفَ عَلَى جَمْعٍ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الأغْنِيَاءِ لَكُمْ أَقُولُ: اسْتَكْثِرُوا مِنْ الْحَسَنَاتِ فَإِنَّ ذُنُوبَكُمْ كَثِيرَةٌ، وَيَا مَعْشَرَ الْفُقَرَاءِ لَكُمْ أَقُولُ: أَقِلُّوا مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّ حَسَنَاتِكُمْ قَلِيلَةٌ.
فَيَنْبَغِي ـ أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك بِالتَّوْفِيقِ ـ أَنْ لاَ تُضَيِّعَ صِحَّةَ جِسْمِك وَفَرَاغَ وَقْتِك بِالتَّقْصِيرِ فِي طَاعَةِ رَبِّك، وَالثِّقَةِ بِسَالِفِ عَمَلِك.
فَاجْعَلْ الاجْتِهَادَ غَنِيمَةَ صِحَّتِك، وَالْعَمَلَ فُرْصَةَ فَرَاغِك، فَلَيْسَ كُلُّ الزَّمَانِ مُسْتَسْعَدًا وَلاَ مَا فَاتَ مُسْتَدْرَكًا، وَلِلْفَرَاغِ زَيْغٌ أَوْ نَدَمٌ، وَلِلْخَلْوَةِ مَيْلٌ أَوْ أَسَفٌ.
(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «الرَّاحَةُ لِلرِّجَالِ غَفْلَةٌ وَلِلنِّسَاءِ غُلْمَةٌ».
(وَقَالَ بَزَرْجَمْهَرُ: إنْ يَكُنْ الشُّغْلُ مَجْهَدَةً، فَالْفَرَاغُ مَفْسَدَةٌ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إيَّاكُمْ وَالْخَلَوَاتِ فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الْعُقُولَ، وَتُعَقِّدُ الْمَحْلُولَ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: لاَ تُمْضِ يَوْمَك فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ، وَلاَ تُضِعْ مَالَك فِي غَيْرِ صَنْعَةٍ.
فَالْعُمُرُ أَقْصَرُ مِنْ أَنْ يَنْفَدَ فِي غَيْرِ الْمَنَافِعِ، وَالْمَالُ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُصْرَفَ فِي غَيْرِ الصَّنَائِعِ.
وَالْعَاقِلُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَفِنِي أَيَّامَهُ فِيمَا لاَ يَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعُهُ وَخَيْرُهُ، وَيُنْفِقَ أَمْوَالَهُ فِيمَا لاَ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ وَأَجْرُهُ.
(
أحوال الإنسان في عبادته:
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِيمَا كُلِّفَ مِنْ عِبَادَاتِهِ ثَلاَثَ أَحْوَالٍ:
(إحْدَاهَا: أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فِيهَا وَلاَ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا.
(وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُقَصِّرَ فِيهَا.
(وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا الْحَالُ الأولى: فَهِيَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى حَالِ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهَا، وَلاَ زِيَادَةِ تَطَوُّعٍ عَلَى رَاتِبَتِهَا.
فَهِيَ أَوْسَطُ الأحوال وَأَعْدَلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَيُذَمُّ، وَلاَ تَكْثِيرٌ فَيَعْجَزُ.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الدين يسر ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا و قاربوا و أبشروا و استعينوا بالغدوة و الروحة و شيء من الدلجة.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يُقَصِّرَ فِيهَا.
فَلاَ يَخْلُو حَالَ تَقْصِيرِهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: إحْدَاهُنَّ: أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَعْجَزَهُ عَنْهُ، أَوْ مَرَضٍ أَضْعَفَهُ عَنْ أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ.
فَهَذَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْمُقَصِّرِينَ، وَيَلْحَقُ بِأَحْوَالِ الْعَامِلِينَ، لِاسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ عَلَى سُقُوطِ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْعَجْزِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ اغْتِرَارًا بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ، وَرَجَاءَ الْعَفْوِ عَنْهُ.
فَهَذَا مَخْدُوعُ الْعَقْلِ مَغْرُورٌ بِالْجَهْلِ، فَقَدْ جَعَلَ الظَّنَّ ذُخْرًا وَالرَّجَاءَ عُدَّةٌ.
فَهُوَ كَمَنْ قَطَعَ سَفَرًا بِغَيْرِ زَادٍ ظَنًّا بِأَنَّهُ سَيَجِدُهُ فِي الْمَفَاوِزِ الْجَدْبَةِ فَيُفْضِي بِهِ الظَّنُّ إلَى الْهَلَكَةِ، وَهَلاَ كَانَ الْحَذَرُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ.
وَحُكِيَ أَنَّ إسْرَائِيلَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي قَالَ: لَقِيَنِي مَجْنُونٌ كَانَ فِي الْخَرَابَاتِ فَقَالَ: يَا إسْرَائِيلُ خَفْ اللَّهَ خَوْفًا يَشْغَلُك عَنْ الرَّجَاءِ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يَشْغَلُك عَنْ الْخَوْفِ، وَفِرَّ إلَى اللَّهِ وَلاَ تَفِرَّ مِنْهُ.
(وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ رحمه الله: ألا تَبْكِي؟ فَقَالَ: تِلْكَ حِلْيَةُ الآمَنِينَ.
وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا حَازِمٍ الأعْرَجَ أَخْبَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْمُذْنِبَيْنِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ.
فلا ينبغي للإنسان أن يَرْجُو الآخرة بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ بِطُولِ الأمل.
وَقَالَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ رحمه الله: أَخَافُ عَلَى الْمُحْسِنِ الْمُتَّقِي وَأَرْجُو لِذِي الْهَفَوَاتِ الْمُسِي فَذَلِكَ خَوْفِي عَلَى مُحْسِنٍ فَكَيْفَ عَلَى الظَّالِمِ الْمُعْتَدِي عَلَى أَنَّ ذَا الزَّيْغِ قَدْ يَسْتَفِيقُ وَيَسْتَأْنِفُ الزَّيْغَ قَلْبُ التَّقِيّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ لِيَسْتَوْفِيَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ بَعْدُ فَيَبْدَأُ بِالسَّيِّئَةِ فِي التَّقْصِيرِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ فِي الاسْتِيفَاءِ اغْتِرَارًا بالأمل فِي إمْهَالِهِ، وَرَجَاءً لِتَلاَفِي مَا أَسْلَفَ مِنْ تَقْصِيرِهِ وَإِخْلاَلِهِ، فَلاَ يَنْتَهِي بِهِ الأمل إلَى غَايَةٍ، وَلاَ يُفْضِي بِهِ إلَى نِهَايَةٍ؛ لِأَنَّ الأمل هُوَ فِي ثَانِي حَالٍ، كَهُوَ فِي أَوَّلِ حَالٍ.
فَإِذًا يُفْضِي بِهِ الأملُ إلَى الْفَوْتِ مِنْ غَيْرِ دَرَكٍ، وَيُؤَدِّيهِ الرَّجَاءُ إلَى الإهْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَلاَفٍ، فَيَصِيرُ الأمَلُ خَيْبَةً وَالرَّجَاءُ إيَاسًا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صلاحُ أولِ هذه الأمة بالزهد واليقين، وُيُهْلَكُ آخرها بالبخل والأمل.
(أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله قَالَ: مَا أَطَالَ عَبْدٌ الأمَلَ، إلا أَسَاءَ الْعَمَلَ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ بِالْبَصْرَةِ: أَلَكَ حَاجَةٌ بِبَغْدَادَ؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَبْسُطَ أَمَلِي إلَى أَنْ تَذْهَبَ إلَى بَغْدَادَ وَتَجِيءَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْجَاهِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى أَمَلِهِ، وَالْعَاقِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى عَمَلِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَانَ: دَخَلْت عَلَى الْمَأْمُونِ وَكُنْت يَوْمَئِذٍ وَزِيرَهُ فَرَأَيْته قَائِمًا وَبِيَدِهِ رُقْعَةٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرَأْت مَا فِيهَا؟ فَقُلْت: هِيَ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَرَمَى بِهَا إلَيَّ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: إنَّك فِي دَارٍ لَهَا مُدَّةٌ يُقْبَلُ فِيهَا عَمَلُ الْعَامِلِ أَمَا تَرَى الْمَوْتَ مُحِيطًا بِهَا قَطَعَ فِيهَا أَمَلَ الآمِلِ تَعْجَلُ بِالذَّنْبِ لِمَا تَشْتَهِي وَتَأْمُلُ التَّوْبَةَ مِنْ قَابِلِ وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَعْدَ ذَا بَغْتَةً مَا ذَاكَ فِعْلُ الْحَازِمِ الْعَاقِلِ فَلَمَّا قَرَأْتهَا قَالَ الْمَأْمُونُ رحمه الله تعالى: هَذَا مِنْ أَحْكَمِ شَعْرٍ قَرَأْته.
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ الأعْرَجُ: نَحْنُ لاَ نُرِيدُ أَنْ نَمُوتَ حَتَّى نَتُوبَ، وَنَحْنُ لاَ نَتُوبُ حَتَّى نَمُوتَ.
(وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ اسْتِثْقَالا لِلِاسْتِيفَاءِ، وَزُهْدًا فِي التَّمَامِ، وَاقْتِصَارًا عَلَى مَا سَنَحَ، وَقِلَّةَ اكْتِرَاثٍ فِيمَا بَقِيَ.
فَهَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ وَقَصَّرَ فِيهِ غَيْرَ قَادِحٍ فِي فَرْضٍ، وَلاَ مَانِعٍ مِنْ عِبَادَةٍ، كَمَنْ اقْتَصَرَ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى فِعْلِ وَاجِبَاتِهَا، وَعَمَلِ مُفْتَرَضَاتِهَا، وَأَخَلَّ بِمَسْنُونَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا.
فَهَذَا مُسِيءٌ فِيمَا تَرَكَ إسَاءَةَ مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّ وَعِيدًا وَلاَ يَسْتَوْجِبُ عِتَابًا؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ يُسْقِطُ عَنْهُ الْعِقَابَ، وَإِخْلاَلَهُ بِالْمَسْنُونِ يَمْنَعُ مِنْ إكْمَالِ الثَّوَابِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ تَهَاوَنَ بِالدِّينِ هَانَ، وَمَنْ غَالَبَ الْحَقَّ لاَنَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ مَفْرُوضِ عِبَادَتِهِ، لَكِنْ لاَ يَقْدَحُ تَرْكُ مَا بَقِيَ فِيمَا مَضَى كَمَنْ أَكْمَلَ عِبَادَاتٍ وَأَخَلَّ بِغَيْرِهَا.
فَهَذَا أَسْوَأُ حَالا مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ لِمَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ الْوَعِيدِ وَاسْتَوْجَبَهُ مِنْ الْعِقَابِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ مَفْرُوضِ عِبَادَتِهِ وَهُوَ قَادِحٌ فِيمَا عَمِلَ مِنْهَا كَالْعِبَادَةِ الَّتِي يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَيَكُونُ الْمُقَصِّرُ فِي بَعْضِهَا تَارِكًا لِجَمِيعِهَا فَلاَ يُحْتَسَبُ لَهُ مَا عَمِلَ لِإِخْلاَلِهِ بِمَا بَقِيَ.
فَهَذَا أَسْوَأُ أَحْوَالِ الْمُقَصِّرِينَ وَحَالُهُ لاَحِقَةٌ بِأَحْوَالِ التَّارِكِينَ، بَلْ قَدْ تَكَلَّفَ مَا لاَ يُسْقِطُ فَرْضًا وَلاَ يُؤَدِّي حَقًّا.
فَقَدْ سَاوَى التَّارِكِينَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَعِيدِ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ فِي تَكَلُّفِ مَا لاَ يُفِيدُ.
فَصَارَ مِنْ الأخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ.
ثُمَّ لَعَلَّهُ لاَ يَفْطِنُ لِشَأْنِهِ، وَلاَ يَشْعُرُ بِخُسْرَانِهِ، وَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا والآخرة، وَيَفْطِنُ لِلْيَسِيرِ مِنْ مَالِهِ إنْ وَهَى وَاخْتَلَّ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِيمَا كُلِّفَ.
فَهَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ رِيَاءً لِلنَّاظِرِينَ، وَتَصَنُّعًا لِلْمَخْلُوقَيْنِ، حَتَّى يَسْتَعْطِفَ بِهِ الْقُلُوبَ النَّافِرَةَ، وَيَخْدَعَ بِهِ الْعُقُولَ الْوَاهِيَةَ، فَيَتَبَهْرَجَ بِالصُّلَحَاءِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَيَتَدَلَّسَ فِي الأخيار وَهُوَ ضِدُّهُمْ.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.
يُرِيدُ بِالْمُتَشَبِّعِ بِمَا لاَ يَمْلِكُ الْمُتَزَيِّنَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ هُوَ الَّذِي يَلْبَسُ ثِيَابَ الصُّلَحَاءِ، فَهُوَ بِرِيَائِهِ مَحْرُومُ الاجْرِ، مَذْمُومُ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُؤْجَرَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَخْفَى رِيَاؤُهُ عَلَى النَّاسِ فَيُحْمَدَ بِهِ.
وقال تعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا) (الكهف /110)
قَالَ جَمِيعُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أَيْ لاَ يُرَائِي بِعَمَلِهِ أَحَدًا، فَجَعَلَ الرِّيَاءَ شِرْكًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى مَقْصُودًا بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديثُ أبي هريرةَ الثابت صحيح مسلم): أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ـ قال الله تعالى ـ: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه معي غيري تركته وَشِرْكَه.
((حديثُ جندب ابن عبد الله الثابت في الصحيحين): أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من سمَّعَ سمَّعَ الله به ومن يُرائي يُرائي الله به.
((حديثُ أبي أُمامة الثابت في صحيح النسائي): أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وَجهُهُ.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأُتِيَ به فَعَرَّفَه نِعَمَه فَعَرَفَهَا قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأُتِيَ به فَعَرَّفَه نِعَمَه فَعَرَفَهَا قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأُتِيَ به فَعَرَّفَه نِعَمَه فَعَرَفَهَا قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن يُنْفَقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقالَ هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله تعالى، فِي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِك وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾.
قَالَ: لاَ تَجْهَرْ بِهَا رِيَاءً، وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا حَيَاءً.
وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رحمه الله يَتَأَوَّلُ قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.
أَنَّ الْعَدْلَ اسْتِوَاءُ السَّرِيرَةِ وَالْعَلاَنِيَةِ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى، والإحسان أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ عَلاَنِيَتِهِ، وَالْفَحْشَاءَ وَالْمُنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عَلاَنِيَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ سَرِيرَتِهِ.
وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ: الْعَدْلُ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إلَهَ إلا اللَّهُ، والإحسان الصَّبْرُ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَطَاعَةُ اللَّهِ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، وَإِيتَاءُ ذِي الْقُرْبَى صِلَةُ الأرْحَامِ، وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ يَعْنِي الزِّنَا، وَالْمُنْكَرِ الْقَبَائِحَ، وَالْبَغْيِ الْكِبْرَ وَالظُّلْمِ.
وَلَيْسَ يَخْرُجُ الرِّيَاءُ بِالأعْمَالِ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقَبَائِحِ.
(أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ َقَالَ: «لاَ تَعْمَلْ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ رِيَاءً وَلاَ تَتْرُكْهُ حَيَاءً».
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ حَسَنَةٍ لَمْ يُرَدْ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلَتُهَا قُبْحُ الرِّيَاءِ، وَثَمَرَتُهَا سُوءُ الْجَزَاءِ.
أهـ
﴿تنبيه﴾: (وَرُبَّمَا سَاعَدَ النَّاسَ مَعَ ظُهُورِ رِيَائِهِ عَلَى الاسْتِهْزَاءِ بِنَفْسِهِ، كَاَلَّذِي حُكِيَ أَنَّ زَاهِدًا نَظَرَ إلَى رَجُلٍ فِي وَجْهِهِ سَجَّادَةٌ كَبِيرَةٌ وَاقِفًا عَلَى بَابِ السُّلْطَانِ فَقَالَ: مِثْلُ هَذَا الدِّرْهَمِ بَيْنَ عَيْنَيْك وَأَنْتَ وَاقِفٌ هَهُنَا؟ فَقَالَ: إنَّهُ ضُرِبَ عَلَى غَيْرِ السِّكَّةِ.
وَهَذَا مِنْ أَجْوِبَةِ الْخَلاَعَةِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا تَهْجِينَ الْمَذَمَّةَ.
وَلَقَدْ اسْتَحْسَنَ النَّاسُ مِنْ الاشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَوْلَهُ، وَقَدْ خَفَّفَ صَلاَتَهُ مَرَّةً، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ: خَفَّفْت صَلاَتَك جِدًّا.
فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يُخَالِطْهَا رِيَاءٌ.
فَتَخَلَّصَ مِنْ تَنْقِيصِهِمْ بِنَفْيِ الرِّيَاءِ عَنْ نَفْسِهِ، وَرَفْعِ التَّصَنُّعِ فِي صَلاَتِهِ.
وَقَدْ كَانَ النِّكَارُ لَوْلاَ ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ وَاللُّوَّمُ لاَحِقًا بِهِ.
وَمَرَّ أَبُو أُمَامَةَ بِبَعْضِ الْمَسَاجِدِ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَنْتَ لَوْ كَانَ هَذَا فِي بَيْتِك.
فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مِنْهُ حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِالرِّيَاءِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ صَارَ الرِّيَاءُ أَغْلَبَ صِفَاتِهِ، وَأَشْهَرَ سِمَاتِهِ، مَعَ أَنَّهُ آثِمٌ فِيمَا عَمِلَ، أَنَمُّ مِنْ هُبُوبِ النَّسِيمِ بِمَا حَمَلَ.
وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَفْضَلُ الزُّهْدِ إخْفَاءُ الزُّهْدِ.
وَرُبَّمَا أَحَسَّ ذُو الْفَضْلِ مِنْ نَفْسِهِ مَيْلاً إلَى الْمُرَاءَاةِ، فَبَعَثَهُ الْفَضْلُ عَلَى هَتْكِ مَا نَازَعَتْهُ النَّفْسُ مِنْ الْمُرَاءَاةِ فَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي فَضْلِهِ، كَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ أَحَسَّ عَلَى الْمِنْبَرِ بِرِيحٍ خَرَجَتْ مِنْهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي قَدْ مَثَلْت بَيْنَ أَنْ أَخَافَكُمْ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ أَنْ أَخَافَ اللَّهَ فِيكُمْ، فَكَانَ أَنْ أَخَافَ اللَّهَ فِيكُمْ أَحَبَّ إلَيَّ إلا وَإِنِّي قَدْ فَسَوْتُ، وَهَا أَنَا نَازِلٌ أُعِيدُ الْوُضُوءَ.
فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ زَجْرًا لِنَفْسِهِ لِتَكُفَّ عَنْ نِزَاعِهَا إلَى مِثْلِهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: عِظْنِي فَقَالَ: لاَ أَرْضَى نَفْسِي لَك وَاعِظًا؛ لِأَنِّي أَجْلِسُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَأَمِيلُ عَلَى الْفَقِيرِ وَأُوَسِّعُ لِلْغَنِيِّ، وَلِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَمَلِ لِوَجْهِهِ لاَ لِغَيْرِهِ.
وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا أَرَادُوا سَفَرًا فَحَادُوا عَنْ الطَّرِيقِ، فَانْتَهَوْا إلَى رَاهِبٍ فَقَالُوا: قَدْ ضَلَلْنَا، فَكَيْفَ الطَّرِيقُ؟ فَقَالَ: هَهُنَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى السَّمَاءِ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَ الزِّيَادَةَ اقْتِدَاءً بِغَيْرِهِ.
وَهَذَا قَدْ تُثْمِرُهُ مُجَالَسَةُ الأخيار الأفاضل، وَتُحْدِثُهُ مُكَاثَرَةُ الأتْقِيَاءِ الأمَاثِلِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
فَإِذَا كَاثَرَهُمْ الْمُجَالِسَ، وَطَاوَلَهُمْ الْمُؤَانِسَ، أَحَبَّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَيَتَأَسَّى بِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُقَصِّرَ عَنْهُمْ، وَلاَ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَيْرِ دُونَهُمْ، فَتَبْعَثُهُ الْمُنَافَسَةُ عَلَى مُسَاوَاتِهِمْ، وَرُبَمَا دَعَتْهُ الْحَمِيَّةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالْمُكَاثَرَةِ لَهُمْ فَيَصِيرُوا سَبَبًا لِسَعَادَتِهِ، وَبَاعِثًا عَلَى اسْتِزَادَتِهِ.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَوْلاَ الْوِئَامُ لَهَلَكَ الأنَامُ.
أَيْ لَوْلاَ أَنَّ النَّاسَ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَقْتَدِي بِهِمْ فِي الْخَيْرِ لَهَلَكُوا.
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مِنْ خَيْرِ الاخْتِيَارِ صُحْبَةُ الأخْيَارِ، وَمِنْ شَرِّ الاخْتِيَارِ مَوَدَّةُ الأشْرَارِ.
وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُصَاحَبَةِ تَأْثِيرًا فِي اكْتِسَابِ الأخْلاَقِ، فَتَصْلُحُ أَخْلاَقُ الْمَرْءِ بِمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الصَّلاَحِ وَتَفْسُدُ بِمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ.
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَفْعَلَ الزِّيَادَةَ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ الْتِمَاسًا لِثَوَابِهَا وَرَغْبَةً فِي الزُّلْفَةِ بِهَا.
فَهَذَا مِنْ نَتَائِجِ النَّفْسِ الزَّاكِيَةِ، وَدَوَاعِي الرَّغْبَةِ الْوَافِيَةِ، الدَّالَيْنِ عَلَى خُلُوصِ الدِّينِ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْعَامِلِينَ، وَأَعْلَى مَنَازِلِ الْعَابِدِينَ.
وَقَدْ قِيلَ: النَّاسُ فِي الْخَيْرِ أَرْبَعَةٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ ابْتِدَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ اقْتِدَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهُ اسْتِحْسَانًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهُ حِرْمَانًا.
فَمَنْ فَعَلَهُ ابْتِدَاءً فَهُوَ كَرِيمٌ، وَمَنْ فَعَلَهُ اقْتِدَاءً فَهُوَ حَكِيمٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ اسْتِحْسَانًا فَهُوَ رَدِيءٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ حِرْمَانًا فَهُوَ شَقِيٌّ.
ثُمَّ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُقْتَصِدًا فِيهَا، وَقَادِرًا عَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهَا.
فَهِيَ أَفْضَلُ الْحَالَتَيْنِ، وَأَعْلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ.
عَلَيْهَا انْقَرَضَ أَخْيَارُ السَّلَفِ، وَتَتَبَّعَهُمْ فِيهَا فُضَلاَءُ الْخَلَفِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) كانت عندي امرأةٌ من بني أسد فدخل عليَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال من هذه؟ قلت فلانة لا تنام من الليل ـ تذكر من صلاتها ـ فقال مَهْ؟ عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل الله حتى تملوا.
مَهْ: كلمة نهي وزجر بمعنى ما هذا؟
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: الْقَصْدُ وَالدَّوَامُ وَأَنْتَ السَّابِقُ الْجَوَادُ.
وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ صَحِيحَ الرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسَرَّةٌ إلا فِي طَاعَتِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْت لِرَاهِبٍ: مَتَى عِيدُكُمْ؟ قَالَ: كُلُّ يَوْمٍ لاَ أَعْصِي اللَّهَ فِيهِ فَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ.
اُنْظُرْ إلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَقَاصِدِ الطَّاعَةِ مَا أَبْلَغَهُ فِي حُبِّ الطَّاعَةِ، وَأَحَثَّهُ عَلَى بَذْلِ الاسْتِطَاعَةِ.
وَخَرَجَ بَعْضُ الزُّهَّادِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي هَيْئَةٍ رَثَّةٍ فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ النَّاسُ مُتَزَيِّنُونَ؟ فَقَالَ: مَا يُتَزَيَّنُ لِلَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ طَاعَتِهِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا اسْتِكْثَارَ مَنْ لاَ يَنْهَضُ بِدَوَامِهَا، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى اتِّصَالِهَا.
فَهَذَا رُبَّمَا كَانَ بِالْمُقَصِّرِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الاسْتِكْثَارَ مِنْ الزِّيَادَةِ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ أَدَاءِ اللاَزِمِ فَلاَ يَكُونُ إلا تَقْصِيرًا؛ لِأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِزِيَادَةٍ أَحْدَثَتْ نَقْصًا، وَبِنَفْلٍ مَنَعَ فَرْضًا.
وَإِمَّا أَنْ يَعْجَزَ عَنْ اسْتِدَامَةِ الزِّيَادَةِ وَيَمْنَعَ مِنْ مُلاَزَمَةِ الاسْتِكْثَارِ مِنْ غَيْرِ إخْلاَلٍ بِلاَزِمٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ فِي فَرْضٍ.
فَهِيَ إذًا قَصِيرَةُ الْمَدَى قَلِيلَةُ اللُّبْثِ، وَالْقَلِيلُ الْعَمَلِ فِي طَوِيلِ الزَّمَانِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تعالى مِنْ كَثِيرِ الْعَمَلِ فِي قَصِيرِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَكْثِرَ مِنْ الْعَمَلِ فِي الزَّمَانِ الْقَصِيرِ قَدْ يَعْمَلُ زَمَانًا وَيَتْرُكُ زَمَانًا فَرُبَّمَا صَارَ فِي زَمَانِ تَرْكِهِ لاَهِيًا أَوْ سَاهِيًا.
وَالْمُقَلِّلُ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ مُسْتَيْقِظُ الأفْكَارِ، مُسْتَدِيمُ التَّذْكَارِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لكل عمل شِرَّة ولكل شرةٍ فَتْرَة فمن كانت فَتْرَتُه إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فَتْرَتُه إلى غير ذلك فقد هلك.
فَجَعَلَ الاسْلاَمَ شِرَّةً وَهِيَ الإيغَالُ فِي الإكْثَارِ، وَجَعَلَ لِلشِّرَّةِ فَتْرَةً وَهِيَ الإهْمَالُ بَعْدَ الاسْتِكْثَارِ.
فَلَمْ يَخْلُ بِمَا أَثْبَتَ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَقْصِيرًا أَوْ إخْلالا وَلاَ خَيْرَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
الباب الرابع أدب الدنيا
(عناصر الباب: (حقيقة الدنيا: (
التحذير من الافتتان بالدنيا والركون إليها:
(ذم الدنيا: (أمرُ الدّنيا في جنب الآخرة قليل:
(الدنيا عمرها قد قارب على الانتهاء: (زوال الدنيا: (الآخرة هي الباقية، وهى دار القرار: (أقسام الناس في حبهم للدنيا: (أضرار حب الدنيا: (صلاحُ الدنيا: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (حقيقة الدنيا:
الدنيا دار سفر لا دار إقامة ودار ممرّ لا دار مقرّ، و دار عبور لا دار سرور، وأنت في الدنيا عُرْضَةُ الأَسْقَامِ وَرَهِينَةُ الأيامِ وأَسِير الْمَنَايَا وَقَرِينُ الرَّزَايَا وَصَرِيعُ الشَّهَوَاتِ وَنُصُب الآفاتِ وَخَلِيفَةُ الأَمْوَاتِ، لا يحرص على الدنيا لبيب، ولا يُسَرُّ بها أريب، وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، فكيف تنام عينُ من يخشى البيات وكيف تسكن نفس من تَوَقَّعَ في جميع أموره الممات.
(أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ رحمه الله تعالى أنه َمَرَّ بِقَوْمٍ فَقِيلَ: هَؤُلاَءِ زُهَّادٌ.
فَقَالَ: مَا قَدْرُ الدُّنْيَا حَتَّى يُحْمَدَ مَنْ زَهِدَ فِيهَا.
(وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله تعالى: أَمْسُ أَجَلٌ، وَالْيَوْمُ عَمَلٌ، وَغَدًا أَمَلٌ.
(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: النَّاسُ طَالِبَانِ يَطْلُبَانِ: فَطَالِبٌ يَطْلُبُ الدُّنْيَا فَارْفُضُوهَا فِي نَحْرِهِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدْرَكَ الَّذِي يَطْلُبُهُ مِنْهَا فَهَلَكَ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَطَالِبٌ يَطْلُبُ الآخِرَةَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبًا يَطْلُبُ الآخِرَةَ فَنَافِسُوهُ فِيهَا.
(وَدَخَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه الشَّامَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ اسْمَعُوا قَوْلَ أَخٍ نَاصِحٍ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ تَبْنُونَ مَا لاَ تَسْكُنُونَ، وَتَجْمَعُونَ مَا لاَ تَأْكُلُونَ.
إنَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ بَنَوْا مَشِيدًا، وَأَمَّلُوا بَعِيدًا، وَجَمَعُوا كَثِيرًا فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا، وَجَمْعُهُمْ ثُبُورًا، وَمَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا.
(وَحَفَرَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم فِي دَارِهِ قَبْرًا فَكَانَ إذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسْوَةً جَاءَ فَاضْطَجَعَ فِي الْقَبْرِ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون 99،100]
ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: قَدْ أَرْجَعْتُك فَجِدِّي.
فَمَكَثَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
(وَقِيلَ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ: مَا أَبْلَغُ الْعِظَاتِ؟ قَالَ: النَّظَرُ إلَى مَحَلَّةِ الأمْوَاتِ.
(وَقَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: لَنَا مِنْ كُلِّ مَيِّتٍ عِظَةٌ بِحَالِهِ، وَعِبْرَةٌ بِمَالِهِ.
(واعلم أن الدُّنْيَا خُلِقَت لِتَجُوزَهَا لا لِتَحُوزَهَا، ولِتَعْبُرَها لا لِتَعْمُرها فاقْتُلْ هَوَاكَ الْمَائِلَ إِلَيْهَا ولا تُعَوّلْ عَلَيهَا، واعْلَمْ أَنَّ الدُنْيَا مَزْرعةُ النَّوائِبِ ومَشْرَعَةُ المَصَائِبِ ومُفَرّقَةُ المَجَامِعِ ومُجْرِيَةُ المَدَامِعْ.
فلا تَغُرَّنكم الحياة الدنيا فإنها دارٌ بِالبَلاءِ مَحْفُوفَة، وَبِالفَنَاءِ مَعْرُوفَة، وَبِالغَدْرِ مَوْصُوفَة، وَكُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ وَهِيَ بَيْنَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وَسِجَال.
(لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلا تَسْلَمُ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا، بَيْنَا أَهْلُهَا فِي صَفِاءٍ وَرَخَاءِ إِذَا هُمْ مِنْهَا في كدرٍ و بَلاءٍ، وبينا هم في َسُرُورٍ وَحَبُور إِذَا هُمْ مِنْهَا فِي نَكَدٍ وَغُرُور، العَيْشُ فِيهَا مَذْمُوم وعِزُها لا يَدُوم وفناؤها محتوم.
(بَقَاؤُهَا قَلِيلٌ، وَعَزِيزُهَا ذَلِيل وَغَنِّيها فَقِير، َحَيُّهَا يَمُوت وودُّها يفوت، فلا يغرنَّك إِقْبَالُهَا فسريعٌ إِدْبَارِهَا.
(والدنيا ظلٍ زائلٍ وخيال حائر إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا وإن سرت يومًا أساءت دهرًا، جمعها على انصداع ووصلها على انقطاع، لا تصفو لشارب ولا تبقي لصاحب.
(وَمِقْدارُ اللُّبثِ في الدنيا قَلِيل، والحبسُ في القُبور طَوِيل، والعذابُ على مُوافَقَة الهَوى وبيل.
فأينَ لَذّةُ أَمْس؟! رَحَلَتْ وأَبْقَتْ نَدَمًا، وأينَ شَهْوةُ النفسِ؟ كم نَكَّسَتْ رَأْسًا، وَزَلَّتْ قَدَمًا، وما سَعِدَ مَن سَعِدَ إلا بِخِلاف هَواهُ، ولا شَقِيَ مَن شَقِيَ إلا بإيثار دُنياه، أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهر بعضها بَعْضًا، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها.
(فانظر إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها، وهي دار نفاد لا دار إخلاد ودار عبور لا دار حبور ودار فناء لا بقاء ودار انصرام لا دار دوام، جديدها يبلى وملكها يفنى وعزيزها يذل وكثيرها يقل ودها يموت وخيرها يفوت.
(إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، حالها انتقال وسكونها زوال، غَرَّارَةٌ خَدُوع مُعْطِيَةٌ مَنُوع نزوع، ويكفي في هوانها على الله أن الله تعالى لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
(كيف أمنت هذه الحالة؟!، وأنت صائر إليها لا محالة، أم كيف ضيعت حياتك وهى مطيتك إلى مماتك، أم كيف تهنأ بالشهوات، وهى مطية الآفات.
(عباد الله إن من نظر إلى الدُّنْيَا بعين البصيرة أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتها عناء، وعيشها نكد وصفوها كدر، وأهلها مَنْهَا على وجل إما بنعمة زائلة، أَوْ بلية نازلة أَوْ مَنيَّة قاضية.
(مسكين من اطمأن ورضي بدارٍ حلالها حساب، وحرامها عقاب، إن أخذه من حلال حوسب عَلَيْهِ، وإن أخذه من حرام عذب به، من استغنى فِي الدُّنْيَا فتن، ومن افتقر فيها حزن، من أحبها أذلته، ومن التفت إليها ونظرها أعمته.
(كَيْفَ يطمعُ عاقِلٌ في الإقامة بدار الرحيل، كيف يَضحَك من هو مَحْفُوفَ بمُوجبات البُكاء والعَويل، أسْمَعَنا النَّاصِحُ فَتَصَامَمْنَا، وَأيْقَظَتْنَا الغيَر فَتَنَاومْنَا، وَرَضِينَا بَالْحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخرِة، واشْتَرَيْنَا مَا يَفْنَى بِمَا يَبْقَى فَتِلْكَ إِذًا صفقَةٌ خَاسِرَة.
(أَيْنَ الآذَانُ الْواعِية، أيْنَ الأعْيُنُ البَاكِية، قَوْلٌ بلا فِعَال وأمْرٌ بلا امتثال، رُسُلُ مَلَكِ الموت في كُل نَفَس تَدْنُوا إلى أنْفُسِنَا وأجْسَادُ أَحِبَّتِنَا تحتَ أطباق الثرى هَامدة.
(وتأمل في قول الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الذي وعى حقيقة الدنيا، تأمله بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(
قَالَ عَلِيّ رَضيَ اللهُ عَنْهُ لِعَمَّارٍ عَلاَمَ تَتَأَوَّهُ؟ إن ْكَانَ عَلَى الدُّنْيَا فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُكَ، وإنْ كانَ علَى الآخِرَةِ فَقَدْ رَبِحَتْ تِجَارَتُكَ، يَا عَمَّارُ إنَّيْ وَجَدْتُ لَذّاتِ الدُّنْيَا في أَحْقَرِ الأشْيَاءِ الطَّعَامِ وَأَفْضَلُهُ العَسَلُ وَهُوَ مِنْ حَشَرَةِ، المَشْرُوْبَاتِ وَأَفْضَلْهَا سَائِرَةٌ في الهَوَاءِ، المَلْبُوْسَاتُ وَأَفْضلُهَا الحَرِيْرُ وَهُوَ مِنْ دُوْدِ القَزِّ، المَشْمُوْمَاتُ وَأَفْضَلُهَا المِسْكُ وَهُوَ مِنْ فَأرَةٍ، المَسْمُوْعَاتُ وَهِيَ أعْرَاضٌ سَائِرَةٌ في الهَوَاءِ، النِّكَاحُ وَهُوَ مَبَالٌ في مَبَالٍ وَحَسْبُكَ أَنَّ المَرْأةَ تَتَزَيَّا بأَقْبَحِ شَئٍ فِيْهَا: هَذِهِ العِظَةُ تَكْشِفُ لَنَا عَنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ حَيْثُ جَعَلَ لَذَّاتِهَا في أحْقَرِ الأَشياء والله أعلم
(فلا تَغُرنّكُم الحَياةُ الدنيا فإنها داٌر بالبلاء مَحفُوفةٌ، وبالفناء معروفة، وبِالغَدر مَوْصُوفَةٌ، كُلُ ما فيها زَوال وهي بينَ أهلِها دُوَلٌ وسِجَال، لا تَدُومُ أهوالُها، ولن يَسْلَمَ مِن شرِها نُزَّالهُا، بينا أهلِها منها في رَخَاءٍ وسُرور، إِذا هم مِنها في بلاء وغُرُور، أَحْوَالٌ مُخْتَلِفة، وتاراتٌ مُتَصَرّفَةٌ.
(العيشُ فيها مَذْمُوم، والرخاءُ فيها لا يَدُوم، وإنما أهلهُا فيها أغراضٌ مُسْتَهْدفَة تَرْمِيهم بسهامِها، وتقصِمُهم بِحِمامِها، حتفُه فيها مَقْدُور وحظُّه فيها مَوْفُور.
واعلموا عِبَادَ اللهِ أن ما أنتم فيه مِن زهرةِ الدُنيا على سبيل مَن قد مَضَى مِمَّنْ كان أطولَ منكم أعماراً، وأَشَدَّ مِنكم بَطْشاً، وأَعمَرَ دِياراً، وأبعدَ آثاراً.
فأصْبَحَتْ أموالُهم هامِدَةً مِن بعدِ نُقْلَتِهِم، وأَجْسَادُهُم بالِية وَدِيارُهُم خَالِية، وآثارُهُم عافِية،
فاستبدلُوا بالقُصور الْمُشَيَّدَةِ والنمارِقِ الْمُمَّهَدَةِ الصُّخُورَ والأحجارَ في القُبور التي قَدْ بُنيَ على الخراب فِناؤُهَا، وشُيِّدَ بالتراب بِنَاؤُهَا.
فَمَحَلُّهَا مُقْتَرب، وساكنها مُغْتَرب، بينَ أَهْلَ عِمَارَةٍ مُوْحِشِين، وأَهْلِ مَحَلَّةٍ مُتَشَاغِلِين، لا يَسْتأْنِسُونَ بالعُمْران، ولا يَتَواصَلُون تَواصُلَ الجِيران والإِخوان، على مَا بينهُم مِن قُرْبِ الجِوار، ودُّنُوّ الدار.
وكَيْفَ يكونُ بَيْنَهُم تَواصُلٌ وقد طَحَنَهُم بِكَلْكَلِةِ البِلَى وأَظَلَّتْهُمُ الجَنَادِلُ والثرَّى، فَأَصْبَحُوا بعد الحياة أَمْوَاتاً، وبَعْدَ غَضَارَةِ العَيشِ رُفَاتاً.
فُجِعَ بِهِم الأَحْبَاب، وسَكَنُوا التُراب، وظَعَنُوا فليسَ لهم إِياب، هَيْهَاتَ هَيْهاتَ، ﴿كَلاّ إِنّها كَلمةٌ هو قائلها ومنِ وَرَائِهمْ بَرزَخٌ إلى يومِ يُبْعَثُون﴾ [المؤمنون: 100]
وكأن قد صِرْتُم إلى مَا صَارُوا إِليه مِن البِلى، والوَحْدَةِ في دَارِ المَثْوَى، وارْتُهِنْتم في ذلك المَضْجَع، وضَمَّكُم ذلك الْمُسْتَودَع.
(فكيف بكم لو قَدْ تَنَاهَت الأُمُور، وبُعثِرتِ القُبور، وحُصّلَ ما في الصُدور، وَوَقَفْتُم لِلَّتحْصِيل، بين يَدَي الملِكِ الجَليلِ.
فَطَارَتِ القُلُُُوبِ، لإِشْفَاقِها مِن سَالفِ الذُنُوبِ، وهُتَكَتْ عَنكُم الحُجُب و الأَسْتَار، وظَهَرتْ مِنكم العُيوبُ والأَسْرَار.
هُنَالِكَ ﴿تُجْزى كلُّ نَفْسٍ بِما كسَبتْ﴾ [غافر: 17] ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31]
وقال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَي الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).
[الكهف: 49]
فِي صَلاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَنِكَاحِهِمْ وَمُكْثِهِمْ فِي الأَمْلاكِ الْمَسْكُونَة قَهْرًا وَغَضْبًا؟ أَيْنَ الْمُتَفَقِّدُونَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الذِينَ لَيْسَ لَهُم مَوَارِدٌ؟
عَثَرَتْ واللهِ بِهِمْ العَوَاثِرُ وَأَبَادَتْهُمْ السِّنِينُ الغَوَابِرُ، وَبَتَرَتْ أَعْمَارُهُم الحَادِثَاتُ البَوَاتِرُ وَاخْتَطَفَهَمُ عَقَبَاتٌ كَوَاسِر، وَخَلَتْ مِنْهُمْ الْمَشَاهِدُ وَالْمَحَاضِرُ وَعُدِمَتْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ تِلْكَ الجَوَاهِرُ وَطَفِئَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ الأَنْوَارُ الزَّوَاهِرُ وَابْتَلَعَتْهُمْ الحُفَرُ وَالْمَقَابِرُ إِلي يَوْمِ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَلَوْ كُشِفَتْ عَنْهُمْ أَغْطِيَةُ القُبُورِ بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثِ لَيَالٍ لَرَأَيْتَ الأَحْدَاقَ عَلَى الخُدُودِ سَائِلَةٌ وَالأوْصَال بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ مَائِلَةٌ وَدِيدَانَ الأَرْضِ فِي نَوَاعِمِ تَلْكَ الأَبْدَانِ جَائِلَةٌ وَالرُّؤُوسَ الْمُوَسَّدَةُ عَلَى الإِيمَانِ زَائِلَةً يُنْكِرُهَا مَنْ كَانَ عَارِفًا بِهَا وَيَنْفُرُ عَنْهَا مَنْ لَمْ يَزَلْ آلِفًا بِهَا، فَلا يُعْرَفُ السَّيدُ مِنْ الْمَسُودِ وَلا الْمَلِكُ مِنْ الْمَمْلُوكِ وَلا الذَّكِيُّ مِنْ البَلِيدِ وَلا الغَنيُّ مِنْ الفَقِيرِ فَرَحِمَ اللهُ عَبْدًا بَادَرَ بالإقْلاعِ عَنْ السَّيِّئَاتِ وَوَاصَلَ الإِسْرَاعَ وَالْمُبَادَرَةَ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ قَبْلَ انْقِطَاعِ مُدَدِ الأَوْقَاتِ وَطَيِّ صَحَائِفِ الْمُسْتَوْدَعَاتِ وَنَشْرِ فَضَائِحِ الاقْتِرَافَاتِ وَالجِنَايَاتِ فَلا تَغْتَرُّوا بِحَيَاةٍ تَقُودُ إلى الْمَمَاتِ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّمَا تُوْعَدُونَ لآتٍ فَالبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ أَنْ تَتَمَنَّوا الْمُهْلَةَ وَهَيْهَاتَ.
(قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
اعْلَمْ ـ جَعَلَ اللَّهُ الْعِلْمَ حَاكِمًا لَك وَعَلَيْك، وَالْحَقَّ قَائِدًا لَك وَإِلَيْك ـ أَنَّ الدُّنْيَا إذَا وَصَلَتْ فَتَبِعَاتٌ مُوبِقَةٌ، وَإِذَا فَارَقَتْ فَفَجَعَاتٌ مُحْرِقَةٌ.
وَلَيْسَ لِوَصْلِهَا دَوَامٌ وَلاَ مِنْ فِرَاقِهَا بُدٌّ، فَرُضْ نَفْسَك عَلَى قَطِيعَتِهَا لِتَسْلَمَ مِنْ تَبِعَاتِهَا، وَعَلَى فِرَاقِهَا لِتَأْمَنَ فَجِعَاتِهَا.
فَقَدْ قِيلَ: الْمَرْءُ مُقْتَرِضٌ مِنْ عُمُرِهِ الْمُنْقَرِضِ.
مَعَ أَنَّ الْعُمُرَ وَإِنْ طَالَ قَصِيرٌ، وَالْفَرَاغَ وَإِنْ تَمَّ يَسِيرٌ.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
واعلم أن مَنْ أَشْرَبَ قَلْبَهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَرَكَنَ إلَيْهَا الْتَاطَ مِنْهَا بِشُغْلٍ لاَ يَفْرُغُ عَنَاهُ، وَأَمَلٍ لاَ يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَحِرْصٍ لاَ يُدْرِكُ مَدَاهُ.
(أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ َقَالَ: مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سُمُّهَا، فَأَعْرِضْ عَمَّا أَعْجَبَك مِنْهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُك مِنْهَا، وَضَعْ عَنْك هُمُومَهَا لِمَا أَيْقَنْت مِنْ فِرَاقِهَا، وَكُنْ أَحْذَرَ مَا تَكُونُ لَهَا وَأَنْتَ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ مِنْهَا إلَى سُرُورٍ أَشْخَصَهُ عَنْهَا مَكْرُوهٌ، وَإِنْ سَكَنَ مِنْهَا إلَى إينَاسٍ أَزَالَهُ عَنْهَا إيحَاشٌ.
(وأورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ َقَالَ: لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ، فَإِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ.
يَعْجَزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ، وَيَنْهَى النَّاسَ وَلاَ يَنْتَهِي، وَيَأْمُرُ بِمَا لاَ يَأْتِي.
يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلاَ يَعْمَلُ بِعَمَلِهِمْ، وَيُبْغِضُ الطَّالِحِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الدُّنْيَا لاَ تَصْفُو لِشَارِبٍ، وَلاَ تَبْقَى لِصَاحِبٍ، وَلاَ تَخْلُو مِنْ فِتْنَةٍ، وَلاَ تُخَلِّي مِحْنَةً، فَأَعْرِضْ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ تُعْرِضَ عَنْك، وَاسْتَبْدِلْ بِهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَبْدِلَ بِك، فَإِنَّ نَعِيمَهَا يَتَنَقَّلُ، وَأَحْوَالَهَا تَتَبَدَّلُ، وَلَذَّاتِهَا تَفْنَى، وَتَبِعَاتِهَا تَبْقَى.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: اُنْظُرْ إلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِ الْمُفَارِقِ لَهَا، وَلاَ تَتَأَمَّلْهَا تَأَمُّلَ الْعَاشِقِ الْوَامِقِ بِهَا.
(وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: إنَّ الدُّنْيَا تُقْبِلُ إقْبَالَ الطَّالِبِ، وَتُدْبِرُ إدْبَارَ الْهَارِبِ، وَتَصِلُ وِصَالَ الْمَلُولِ، وَتُفَارِقُ فِرَاقَ الْعُجُولِ، فَخَيْرُهَا يَسِيرٌ، وَعَيْشُهَا قَصِيرٌ، وَإِقْبَالُهَا خَدِيعَةٌ، وَإِدْبَارُهَا فَجِيعَةٌ، وَلَذَّاتُهَا فَانِيَةٌ، وَتَبِعَاتُهَا بَاقِيَةٌ، فَاغْتَنَمَ غَفْوَةَ الزَّمَانِ، وَانْتَهَزَ فُرْصَةَ الإمْكَانِ، وَخُذْ مِنْ نَفْسِك لِنَفْسِك، وَتَزَوَّدْ مِنْ يَوْمِك لِغَدِكَ.
(وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: مَثَلُ الدُّنْيَا والآخرة مَثَلُ ضَرَّتَيْنِ إنْ أَرْضَيْت إحْدَاهُمَا أَسْخَطْت الأخْرَى.
(وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: الدُّنْيَا مَنَازِلُ، فَرَاحِلٌ وَنَازِلٌ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الدُّنْيَا إمَّا نِقْمَةٌ نَازِلَةٌ، وَإِمَّا نِعْمَةٌ زَائِلَةٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الدُّنْيَا كُلُّهَا غَمٌّ فَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ سُرُورٍ فَهُوَ رِيحٌ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الدُّنْيَا كَثِيرَةُ التَّغْيِيرِ، سَرِيعَةُ التَّنْكِيرِ، شَدِيدَةُ الْمَكْرِ، دَائِمَةُ الْغَدْرِ، فَاقْطَعْ أَسْبَابَ الْهَوَى عَنْ قَلْبِك، وَاجْعَلْ أَبْعَدَ أَمْلِكَ بَقِيَّةَ يَوْمِك، وَكُنْ كَأَنَّك تَرَى ثَوَابَ أَعْمَالِك وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الدُّنْيَا إمَّا مُصِيبَةٌ مُوجِعَةٌ، وَإِمَّا مَنِيَّةٌ مُفْجِعَةٌ،
(
التحذير من الافتتان بالدنيا والركون إليها:
(يا أَيُّهَا النَّاس إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ التواء لا دَارُ استواء، ومَنزل تَرَح، لا منزل فَرَح، مَنْ عَرَفَهَا لَمْ يَفْرَحِ لِرَخَاءٍ، وَلَمْ يحزَن لشقاء أَلا وَإِنَّ الله عَزَّ وجل خلَقَ َالدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى، والآخرةَ دَارِ عُقْبَى فجعلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثوابِ الآخرةِ سَبَبًا وَثَوَابَ الآخرة مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضًا، فيأخذ لِيُعْطي، وَيُبْتَلى لِيَجْزي، إِنَّهَا لَسَرِيعَةُ الذَّهَابِ، وَشِيكَةُ الانْقِلاب، فاحْذَرُوا حَلاوَةَ رِضَاعِهَا لِمَرَارَةِ فِطَامِهَا، وَاهْجُرُوا لَذِيذَ عَاجِلِها لِكَرِيهِ آجِلِهَا وَلا تَسْعَوا فِي عُمْرَانِ دَارٍ قَدْ قَضَى الله خَرَابَها وَلا تُوَاصِلُوهَا، وَقَدْ أَرَادَ الله مِنْكُمْ اجْتِنَابِهَا، فَتَكُونُوا لِسُخْطِهِ مُتَعَرِّضِينَ، وَلِعُقُوبَتِه مُسْتَحِقِّينَ.
(واعلم رحمك الله تعالى أن من أحوال رياضتك أَنْ تَأْمَنَ الاغْتِرَارَ بِمَلاَهِيهَا فَتَسْلَمَ مِنْ عَادِيَةِ دَوَاهِيهَا، فَإِنَّ اللاَهِيَ بِهَا مَغْرُورٌ، وَالْمَغْرُورُ فِيهَا مَذْعُورٌ.
(واعلم رحمك الله تعالى أن من أحوال رياضتك لَهَا أَنْ تُصَدِّقَ نَفْسَك فِيمَا مَنَحَتْك مِنْ رَغَائِبِهَا، وَأَنَالَتْك مِنْ غَرَائِبِهَا فَتَعْلَمَ أَنَّ الْعَطِيَّةَ فِيهَا مُرْتَجَعَةٌ، وَالْمِنْحَةَ فِيهَا مُسْتَرَدَّةٌ، بَعْدَ أَنْ تُبْقِي عَلَيْك مَا احْتَقَنَتْ مِنْ أَوْزَارِ وُصُولِهَا إلَيْك، وَخُسْرَانِ خُرُوجِهَا عَنْك، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي برزة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه وعن عمره فيما أفناه و عن ماله من أين اكتسبه و فيما أنفقه و عن علمه ما فعل فيه.
((حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت, النار أولى به يا كعب بن عجرة، الناس غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد موبقها.
(وَدَخَلَ أَبُو حَازِمٍ عَلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَا الْمَخْرَجُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: تَنْظُرْ مَا عِنْدَك فَلاَ تَضَعْهُ إلا فِي حَقِّهِ، وَمَا لَيْسَ عِنْدَك فَلاَ تَأْخُذْهُ إلا بِحَقِّهِ.
قَالَ: وَمَنْ يُطِيقُ هَذَا يَا أَبَا حَازِمٍ؟ قَالَ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مُلِئَتْ جَهَنَّمُ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
(وَقِيلَ لِأَبِي حَازِمٍ رضي الله عنه: مَا مَالُك؟ قَالَ: شَيْئَانِ: الرضا عَنْ اللَّهِ، وَالْغِنَى عَنْ النَّاسِ.
وَقِيلَ لَهُ: إنَّك لَمِسْكِينٌ.
فَقَالَ: كَيْفَ أَكُونُ مِسْكِينًا وَمَوْلاَيَ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الارْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى.
(وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الزُّهْدُ بِصِحَّةِ الْيَقِينِ، وَصِحَّةُ الْيَقِينِ بِنُورِ الدِّينِ، فَمَنْ صَحَّ يَقِينُهُ زَهِدَ فِي الثَّرَاءِ، وَمَنْ قَوِيَ دِينُهُ أَيْقَنَ بِالْجَزَاءِ، فَلاَ تَغُرَّنَّكَ صِحَّةُ نَفْسِك، وَسَلاَمَةُ أَمْسِك، فَمُدَّةُ الْعُمُرِ قَلِيلَةٌ، وَصِحَّةُ النَّفْسِ مُسْتَحِيلَةٌ.
(واعلم رحمك الله تعالى أن من أحوال رياضتك لَهَا أَنْ تَكْشِفَ لِنَفْسِك حَالَ أَجَلِك، وَتَصْرِفَهَا عَنْ غُرُورِ أَمَلِكَ حَتَّى لاَ يُطِيلُ لَك الأمَلُ أَجَلاً قَصِيرًا، وَلاَ يُنْسِيك مَوْتًا وَلاَ نُشُورًا.
فإنَّ الأيام تُطْوَى، وَالاعْمَارَ تَفْنَى، وَالابْدَانَ تُبْلَى، وَإِنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَتَرَاكَضَانِ كَتَرَاكُضِ الْبَرِيدِ، يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيُخْلِقَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَفِي ذَلِكَ عِبَادَ اللَّهِ مَا أَلْهَى عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَرَغَّبَ فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ.
وكَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا وَلَيْسَ يَسْتَكْمِلُهُ، وَمُنْتَظِرٍ غَدًا وَلَيْسَ مِنْ أَجَلِهِ.
وَلَوْ رَأَيْتُمْ الأجَلَ وَمَسِيرَهُ، لأبْغَضْتُمْ الأمَلَ وَغُرُورَهُ.
(وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إنْ قُلْتُمْ سَمِعَ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ الَّذِي إنْ هَرَبْتُمْ أَدْرَكَكُمْ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ.
(وَقَالَ الْعَلاَءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَيْسَ قَبْلَ الْمَوْتِ شَيْءٌ إلا وَالْمَوْتُ أَشَدُّ مِنْهُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ شَيْءٌ إلا الْمَوْتُ أَيْسَرُ مِنْهُ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ لِلْبَاقِي بِالْمَاضِي مُعْتَبَرًا، وَلِلْآخِرِ بِالأوَّلِ مُزْدَجَرًا، وَالسَّعِيدُ لاَ يَرْكَنُ إلَى الْخُدَعِ، وَلاَ يَغْتَرُّ بِالطَّمَعِ.
(وَقَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: إنَّ بَقَاءَك إلَى فَنَاءٍ، وَفَنَاءَك إلَى بَقَاءٍ، فَخُذْ مِنْ فَنَائِك الَّذِي لاَ يَبْقَى؛ لِبَقَائِك الَّذِي لاَ يَفْنَى.
(وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَيُّ عَيْشٍ يَطِيبُ، وَلَيْسَ لِلْمَوْتِ طَبِيبٌ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: كُلُّ امْرِئٍ يَجْرِي مِنْ عُمُرِهِ إلَى غَايَةٍ تَنْتَهِي إلَيْهَا مُدَّةُ أَجَلِهِ، وَتَنْطَوِي عَلَيْهَا صَحِيفَةُ عَمَلِهِ، فَخُذْ مِنْ نَفْسِك لِنَفْسِك، وَقِسْ يَوْمَك بِأَمْسِك، وَكَفَّ عَنْ سَيِّئَاتِك، وَزِدْ فِي حَسَنَاتِك قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَ مُدَّةَ الأَجِل وَتُقَصِّرْ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي السَّعْيِ وَالْعَمَلِ.
(وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: مَا لِلْمَقَابِرِ لاَ تُجِيبُ إذَا دَعَاهُنَّ الْكَئِيبُ حُفَرٌ مُسَقَّفَةٌ عَلَيْهِنَّ الْجَنَادِلُ وَالْكَثِيبُ فِيهِنَّ وِلْدَانٌ وَأَطْفَالٌ وَشُبَّانٌ وَشِيبُ كَمْ مِنْ حَبِيبٍ لَمْ تَكُنْ نَفْسِي بِفُرْقَتِهِ تَطِيبُ غَادَرْته فِي بَعْضِهِنَّ مُجَنْدَلاً وَهُوَ الْحَبِيبُ وَسَلَوْت عَنْهُ وَإِنَّمَا عَهْدِي بِرُؤْيَتِهِ قَرِيبُ.
(وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: لاَ تَأْمَنْ الْمَوْتَ فِي لَحْظٍ وَلاَ نَفَسِ وَإِنْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجَّابِ وَالْحَرَسِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ قَاصِدَةٌ لِكُلِّ مُدَرَّعٍ مِنْهَا وَمُتَّرَسِ تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ.
((واعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن «حب الدنيا رأس كل خطيئة»
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري.
قال قال عيسى بن مريم عليه السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والمال فيه داء كثير، قيل: يا روح الله: ما داؤه؟ قال: لا يؤدي حقه، قالوا: فإن أدى حقه.
قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء، قالوا: فإن سلم من الفخر والخيلاء؟ قال: يشغله استصلاحه عن ذكر الله.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: والله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرحمن تعالى بحبهم الدنيا.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم قال: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، وَنُهِيْتُم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكنزتموها دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها ومنتكم، فأنفذتم خاضعين لأمنيتها تتمرغون في زهواتها، وتتمتعون في لذاتها، وتتقلبون في شهواتها، وتتلوثون بتبعاتها، تنشبون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها، وتبنون بالغفلة في أماكنها وتحصنون بالجهل في مساكنها، تريدون أن تجاوروا الله في داره، وتحطوا رحالكم بقربه، بين أوليائه وأصفيائه، وأهل ولايته، وأنتم غرقى في بحار الدنيا حيارى، ترتعون في زهواتها، وتتمتعون في لذاتها، وتتنافسون في غمراتها، فمن جَمْعِها ما تشبعون، ومن التنافس فيها ما تَمِلُّون، كذبتم والله أنفسكم وغرتكم ومنتكم الأماني، وعللتكم بالتواني، حتى لا تعطوا اليقين من قلوبكم، والصدق من نياتكم، وتتنصلون إليه من مساوىء ذنوبكم وتعصوه في بقية أعماركم، أما سمعتم الله تعالى يقول في محكم كتابه: (أَمْ نَجْعَلُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتّقِينَ كَالْفُجّارِ) [ص: 28].
لا تنال جنته إلا بطاعته، ولا تنال ولايته إلا بمحبته، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته، فإن الله تعالى قد أعد المغفرة للأوابين، وأعد الرحمة للتوابين، وأعد الجنة للخائفين، وأعد الحور للمطيعين، وأعد رؤيته للمشتاقين، قال تعالى: (وَإِنّي لَغَفّارٌ لّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمّ اهْتَدَىَ) [طه: 82].
من طريق العمى إلى طريق الهدى.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن بشار قال: ما رأيت في جميع من لقيته من العباد والعلماء والصالحين والزهاد أحداً يبغض الدنيا ولا ينظر إليها مثل إبراهيم بن أدهم، ربما مررنا على قوم قد هدموا حائطا أو دارا أو حانوتا فيحول وجهه ولا يملأ عينيه من النظر إليه، فعاتبته على ذلك، فقال: يا ابن بشار اقرأ ما قال الله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك: 2] و لم يقل أيكم أحسن عمارة للدنيا وأكثر حبا وذخرا وجمعا لها، ثم بكى وقال: صدق الله عز اسمه فيما يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] و لم يقل وما خلقت الجن والأنس إلا ليعمروا الدنيا ويجمعوا الأموال، ويبنوا الدور ويشيدوا القصور ويتلذذوا ويتفكهوا، ويجعل يومه أجمع يردد ذلك ويقول: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90].
قال تعالى: (وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلاّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ) [البينة: 5] وسمعته يقول: قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني.
وكان يقول: إياكم والكبر، إياكم والأعجاب بالأعمال، أنظروا إلى من دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، من ذلل نفسه رفعه مولاه، ومن خضع له أعزه، ومن اتقاه وقاه،، ومن أقبل إليه أرضاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن سأله أعطاه، ومن أقرضه قضاه، ومن شكره جازاه فينبغي للعبد أن يزن نفسه قبل أن يوزن، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويتزين ويتهيأ للعرض على الله العلي الأكبر.
قال: وسمعت إبراهيم يقول: اشغلوا قلوبكم بالخوف من الله، وأبدانكم بالدأب في طاعة الله، ووجوهكم بالحياء من الله، وألسنتكم بذكر الله، وغضوا أبصاركم عن محارم الله، فإن الله تعالى أوحى إلى نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا محمد كل ساعة تذكرني فيها فهي لك مذحورة، والساعة التي لا تذكرني فيها فليست لك، وهي عليك لا لك.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيقٍ البلخي قال: عملت في القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا عن الآخرة فأصبته في حرفين وهو قوله تعالى: (وَمَآ أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [القصص: 60]
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: ليست الدار دار إقامة، وإنما أهبط آدم إليها عقوبة، ألا ترى كيف يزويها عنه ويمرر عليه بالجوع مرة وبالعرى مرة وبالحاجة مرة؟ كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها، تسقيه مرة حضيضا ومرة صبرا وإنما تريد بذلك ما هو خير له.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفيض بن إسحاق: اشتريت دارا وكتبت كتابا وأشهدت عدولا فبلغ ذلك الفضيل بن عياض فأرسل إلي يدعوني فلم أذهب، ثم أرسل إلي فمررت إليه، فلما رآني قال: يا ابن يزيد بلغني أنك اشتريت داراً وكتبت كتاباً وأشهدت عدولا، قلت: قد كان ذلك، قال: فإنه يأتيك من لا ينظر في كتابك ولا يسأل عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا، يسلمك إلى قبرك خالصاً، فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالك، أو ورثت مالا من غير حله، فتكون قد خسرت الدنيا والآخرة، ولو كنت حين اشتريت كتبت على هذه النسخة: هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت قد أزعج بالرحيل، اشترى منه دارا تعرف بدار الغرور، حد منها في زقاق الفناء إلى عسكر الهالكين، ويجمع هذه الدار حدود أربعة: الحد الأول ينتهي منها إلى دواعي العاهات، والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي منها إلى دواعي الآفات، والحد الرابع ينتهي إلى الهوى المردى، والشيطان المغوي، وفيه يشرع باب هذه الدار على الخروج من عز الطاعة إلى الدخول في ذل الطلب، فما أدركك في هذه الدار فعلى مبلبل أجسام الملوك، وسالب نفوس الجبابرة، ومزيل ملك الفراعنة، مثل كسرى وقيصر، وتبع وحمير، ومن جمع المال فأكثر، واتحد ونظر بزعمه الولد، ومن بني وشيد وزخرف، وأشخصهم إلى موقف العرض إذا نصب الله عز وجل كرسيه لفصل القضاء، وخسر هنالك المبطلون، يشهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى، ونظر بالعينين إلى زوال الدنيا، وسمع صارخ الزهد عن عرصاتها، ما أبين الحق لذي عينين، إن الرحيل أحد اليومين، فبادروا بصالح الأعمال فقد دنا النقلة والزوال.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين فاتأني فخرجت مسرعاً، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلى أتيتك، فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء فأنظر لي رجلاً أسأله، فقلت: هاهنا سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ فقال: نعم، قال: أبا عباس اقض دينه، فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، أنظر لي رجلا أسأله، قلت: هاهنا عبد الرزاق بن همام، قال: امض بنا إليه، فاتيناه فقرعنا الباب فخرج مسرعاً فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: خذ لما جئناك له، فحادثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم قال: أبا عباس اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، أنظر لي رجلاً أسأله، قلت: هاهنا الفضيل بن عياض قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها، فقال: اقرع الباب، فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: مالي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله، أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ليس للمؤمن بذل نفسه فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كف، ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله عز وجل.
فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلامٍ تقي من قلبٍ نقي، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي، فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من الله فصم الدنيا وليكن إفطارك منها الموت، وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المؤمنين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك، وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت، وإني أقول لك فإني أخاف عليك أشد الخوف يوماً تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هذا؟ أو من يشيرعليك بمثل هذا فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشى عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟ ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكى إليه فكتب إليه عمر: يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون أخر العهد وانقطاع الرجاء، قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل، قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله أمِّرْنِّي على إمارة، قال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل، فبكى هارون بكاء شديداً، فقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة.
فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم اللهم حجتي.
قال: إنما أعني من دين العباد، قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال جل وعز (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات 56: 58]. فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادتك، فقال: سبحان الله أنا أدلك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك.
ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين، فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: ياهذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به؟ فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه، فيبنا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله، فانصرفنا.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معاذ قال: الدنيا أمير من طلبها، وخادم من تركها، الدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلبها رفضته ومن رفضها طلبته، الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها، ليس من العقل بنيان القصور على الجسور، الدنيا عروس وطالبها ماشطتها، وبالزهد ينتف شعرها ويسود وجهها ويمزق ثيابها.
ومن طلق الدنيا فالآخرة زوجته.
فالدنيا مطلقة الأكياس لا تنقضي عدتها أبداً، فخل الدنيا ولا تذكرها، واذكر الآخرة ولا تنسها، وخذ من الدنيا ما يبلغك الآخرة، ولا تأخذ من الدنيا ما يمنعك الآخرة.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معاذ قال: اعلموا أنه لا يصح الزهد والعبادة ولا شيء من أمور الطاعة لرجل أبداً وفيه للطمع بقية، فإن أردتم الوصول إلى محض الزهد والعبادة فأخرجوا من قلبكم هذه الخصلة الواحدة وكونوا رحمكم الله من أبناء الآخرة وتعاونوا واصبروا وأبشروا تظفروا إن شاء الله.
واعلموا أن ترك الدنيا هو الربح نفسه الذي ليس بعده أمر أشد منه، فإن ذبحتم بتركها نفوسكم أحييتموها، وإن أحييتم أنفسكم بأخذها قتلتموها، فارفضوها من قلوبكم تصيروا إلى الروح لراحة في الدنيا والآخرة، وتصيبوا شرف الدنيا والآخرة، وعيش الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون.
عذبوا أنفسكم في طاعة الله بترك شهواتها قبل أن تلقي الشهوة منها أجسامكم في دبار عاقبتها، واعلموا أن القرآن قد ندبكم إلى وليمة الجنة ودعاكم إليها فأسرع الناس إليها أتركهم لدنياه، وأوجدهم لذة لطعم تلك الوليمة أشدهم تجويعاً لنفسه ومخالفة لها فإنه ليس أمر من أمور الطاعة إلا وأنتم تحتاجون أن تخرجوه من بين ضدين مختلفين بجهد شديد، وسأظهر لكم هذا الأمر، فإني وجدت أمر الإنسان أمراً عجيباً، قد كلف الطاعة على خلاف ما كلف سائر الخلق من أهل الأرض والسماء فأحسن النظر فيه وليكن العمل منك فيه على حساب الحاجة منك إليه، واستعن بالله فنعم المعين، واعلم أنك لم تسكن الدنيا لتتنعم فيها جاهلاً وعن الآخرة غافلاً، ولكنك أسكنتها لتتعبد فيها غافلاً وتمتطي الأيام إلى ربك عاملاً، فإنك بين دنيا وآخرة ولكل واحدة منهما نعيم، وفي وجود احداهما بطول الأخرى، فانظر أن تحسن طلب النعيم، فقد حكى عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: غلط الملوك، طلبوا النعيم فلم يحسنوا.
وعلى حسب اقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من الله، وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من الله، وكما كان معدوماً وجود نفسك في مكانين فكذلك معدوم وجود قلبك في دارين، فإن كنت ذا قلبين فدونك اجعل أحدهما للدنيا وأحدهما للآخرة، وإن كنت ذا قلب واحد فاجعله لأولى الدارين بالنعيم والمقام والبقاء والإنعام.
واعلم أن النفس والهوى لا يقهران بشيء أفضل من الصوم الدائم، وهو بساط العبادة ومفتاح الزهد وطلع ثمرات الخير، وأجساد العمال من شجراته دائم الجذاذ دائم الإطعام، وهو الطريق إلى مرتبة الصديقين، وما دونه فمزرعة الأعمال، فثمر غرسها وربيع بذرها في تركها، وفقدها في أخذها، وليس معنى الترك الخروج من المال والأهل والولد، ولكن معنى الترك العمل بطاعة الله وإيثار ما عند الله عليها مأخوذة ومتروكة، فهذا معنى الترك لا ما تدعيه المتصوفة الجاهلون.
أنت من الدنيا بين منزلتين فإن زويت عنك كفيت المؤنة، وإن صرفت إليك ألزمتها طاعة مولاك، وإن كانت طاعتك لله في شأنها تصلحها ومعصيتك لله في أمرها يفسدها، فدع منك لوم الدنيا واحفظ من نفسك وعملك ما فيه صلاحها، فإن المطيع فيها محمود عند الله إنما تلزمه التهمة وعيب الأخذ لها إذا خان الله فيها، لأن الدنيا مال الله والخلق عباد الله.
وهم في هذا المال صنفان: خونة وأمناء، فإذا وقع المال في أيدي الخائنين فهو سبب دمارهم ولا عتب على المال إنما العتب على فعلهم بالمال، وإذا وقع في أيدي الأمناء كان سبب شرفهم وخلاصهم، ولا معنى للمال إنما كسب لهم الشرف عند الله فعلهم بالمال أمانة الله في أموالهم فلحق بهم نفع المال.
لا ذنب للمال، الذنب لك، الذنوب إنما تكتسب بالجوارح وليس للضيعة والحانوت جوارح، إنما الجوارح لك وبها تكتسب الذنوب فعلك بمالك أسقطك من عين ربك لا مالك، وفعلك بمالك يصحبك إلى قبرك لا مالك، وفعلك بما لك يوزن يوم القيامة لا مالك.
(فالكيِّس الفطِن هو الذي يجعل نصبَ عينيه أن الدّنيا دارُ اختبارٍ وبلاء، وأنّها مزرَعةٌ للآخرة، وأن الله تعالى استخلفنا فيها فينظر كيف نعمل بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء.
وما يزرعه النّاس فيها اليومَ يحصدوه غدًا في الآخرة إن شاء الله تعالى، فمن زرع الطاعة رجا المغفرة، ومن زرع الشوك لا يجني عنباً، قال الله تعالى: الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2]، وهي صائرةٌ إلى فناءٍ وزوال، قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلْالِ وَالإكْرَامِ [الرحمن:26، 27].
(
ذم الدنيا:
إن الذي يُمْعِنُ النظر في كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة إذا تفكَّر جليا وتأمل مليا يعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن الدنيا مذمومة في الوحيين الشريفيين.
قال تعالى: وَفَرِحُواْ بِالْحياةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحياةُ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ [الرعد:26]
قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: 20]
ووصف القرآن الكريمُ الدنيا كزهرةٍ تزهِر بنضارَتها، تسحَر الألباب، تستهوي القلوبَ، ثمّ لا تلبث إلا برهةً حتى تذبُل فتتلاشى تلك النضَارة، وتحطّمها الريح، كأنّها لم تكن، هكذا مثل الدّنيا، زهرةٌ فتّانة غرّارة تغدر وتُغوي، فإذا أقبلت عليها النفوس وتعلّقت بها الألباب ذوَت أيّامها واستحالت نضرتُها إلى هشيم، فغدت نعمتُها غرورًا، وصدق الله: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحياةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرّياحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحياةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً [الكهف:45، 46].
(إنّ هذا التصويرَ البليغ يُجلِّي حقيقةَ الدنيا في ميزان الإسلام، كيلا يصبِح الناس عبيدًا لها، تستهويهم خضرتها، ويؤثرونها على نعيمِ الآخرة، وليس مِن سداد الرّأي أن يبيعَ العبدُ دينَه بدنياه، فيتكثّر بالحرامِ وجَمع الحُطام.
وتراكض الناس في طلب الدنيا خوفًا من فواتها وطمعًا في المزيد، ويبذلون الأوقات النفيسةَ ويقاسون شدّةَ الطلب، بينما قد يفرّطون في الصّلاة ويقعدون عن الجماعة ويتساهلون في الطّاعة وتلاوة القرآن ويتثاقلون في البذل والإنفاق.
إنّ الحياةَ الدّنيا مهما بلغ شأوُ نعيمِها لا يزن ذرّةَ رملٍ من معين الدّار الآخرة، وإنّ أعظمَ ما في الدّنيا من مصائبَ وشدائد يهون أمامَ نعيم دار الآخرة ولا يعادِل مقدارَ شرارةٍ صغيرةٍ من عذاب جهنّم.
وبيَّن الله تبارك وتعالى في القرآن حقارة الدنيا وسرعة زوالها واستصغار شأنها، وحثهم على عمل ما خلقوا لأجلها وهي العبادة فقال تعالى: (يَأَيَّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورْ) [فاطر:5].
وقال أيضاً: (وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَإِنَّ الدَارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون) [العنكبوت:64]
وقال تعالى: (المَالُ وَالبَنُونَ زِيْنَةُ الحَيَاةِ الدًّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابَاً وَخَيْرٌ أَمَلاً) [الكهف:64]
وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين، وحذرنا مثل مصارعهم وذم من رضي بها واطمأن إليها، ولعلمه أن وراءها داراً أعظم منها قدراً وأجل خطراً، وهي دار البقاء، يضاف إلى ذلك معرفته وإيمانه الحق بأن زهده في الدنيا لا يمنعه شيئاً كتب له منها، وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها، فمتى تيقن ذلك ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة، فأما ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:87]
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، فيا قوم أضروا بالفاني للباقي).
وقال بعض السلف: الدنيا والآخرة ضرتان، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.
(وتأمل أخي التقي النقي العفيف الحييّ الحر الأبيّ في الأحاديث الآتية بعين البصيرة لتطلع على حقيقة الدنيا وضآلةِ حجمها عند الله تعالى وعند رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء.
﴿تنبيه﴾: (إن العاقل هو من تنبه لحقيقة الدنيا وأنزلها منه بمنزلة الدنيا ولم يأخذ منها إلا ما يُقيمه، وما أحسن قول الإمام وكيع ابن الجراح في ذلك فتأمله بعين البصيرة، وتقبله بقبولٍ حسن وأعِرْهُ سمعك وبصرك واجعل له في سمعك مسمعاً وفي قلبك موقعاً عسى الله أن ينفعك به ويوفقك إلى تطبيقه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد البيهقي، قال: سمعت وكيعا يقول، وقد جاءه رجل يناظره في شيء من أمر المعاش أو الورع: فقال له وكيع: من أين تأكل؟ قال: ميراثا ورثته عن أبي، قال: من أين هو لأبيك؟ قال: ورثه عن أبيه.
قال: من أين هو كان لجدك؟ قال لا أدري.
فقال له وكيع: لو أن رجلا نذر لا يأكل إلا حلالاً ولا يلبس إلا حلالاً ولا يمشي إلا في حلال لقلنا له اخلع ثيابك وارم بنفسك في الفرات، ولكن لا تجد إلا السعة.
ثم قال وكيع: لو أن رجلا بلغ في ترك الدنيا مثل سلمان وأبي ذر وأبي الدرداء ما قلنا له زاهدا، لأن الزهد لا يكون إلا على ترك الحلال المحض، والحلال المحض لا نعرفه اليوم، فالدنيا عندنا حلال وحرام وشبهات، فالحلال حساب، والحرام عذاب، والشبهات عتاب.
فأنزل الدنيا بمنزل الميتة، خذ منها ما يقيمك، فإن كانت حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كانت حراما كنت قد أخذت منها ما يقيمك لأنه لا يحل لك من الميتة إلا قدر ما يقيمك، إن كانت شبهات كان فيها عتاب يسير.
(وما أحسن قول يحيي ابن معاذ في ذلك فتأمله بعين البصيرة:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معاذ قال: الدنيا أمير من طلبها، وخادم من تركها، الدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلبها رفضته ومن رفضها طلبته، الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها، ليس من العقل بنيان القصور على الجسور، الدنيا عروس وطالبها ماشطتها، وبالزهد ينتف شعرها ويسود وجهها ويمزق ثيابها.
ومن طلق الدنيا فالآخرة زوجته.
فالدنيا مطلقة الأكياس لا تنقضي عدتها أبداً، فخل الدنيا ولا تذكرها، واذكر الآخرة ولا تنسها، وخذ من الدنيا ما يبلغك الآخرة، ولا تأخذ من الدنيا ما يمنعك الآخرة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معاذ الرازي قال: الناس ثلاثة: فرجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الصالحين، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده فتلك درجة الهالكين.
(ولو تفكر الإنسان في عاقبة الدنيا إذا شغلت عن طاعة الله تعالى لزهد فيها.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت نعيماً قط، ويؤتي بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت بؤساً قط.
(أمرُ الدّنيا في جنب الآخرة قليل:
قال تعالى: وَفَرِحُواْ بِالْحياةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحياةُ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ [الرعد:26]
(حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم؛ فلينظر بم يرجع.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال نام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حصير فقام وقد أثر في جنبه قلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
(حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: دخلت على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على حصير قال فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع وقرظ في ناحية في الغرفة وإذا إهاب معلق فابتدرت عيناي فقال ما يبكيك يا ابن الخطاب فقال يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك قال: يا ابن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت بلى.
(والدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا.
فَقَالَ: أَتُرَوْنَ هذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَ؟ فَوَ الَّذِي نَفْسِي يِيَدِهِ! لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ، مِنْ هذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا قَطْرَةً أَبَداً.
(حديث أبي ابن كعب رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن من هوان الدنيا) أي احتقارها
(على اللّه أن يحيى) من الحياة سمي به لأن اللّه أحيا قلبه فلم يذنب ولم يهم وفي خبر ما من آدمي إلا قد أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى
(ابن زكريا) النبي ابن النبي عليهما أفضل الصلاة والسلام
(قتلته امرأة) بغي من بغايا بني إسرائيل ذبحته بيدها ذبحاً أو ذبح لرضاها وأهدى رأسه إليها في طست من ذهب كما في الربيع وفي المستدرك عن ابن الزبير من أنكر البلاء فإني لا أنكره لقد ذكر أن قتل يحيى بن زكريا عليهما السلام في زانية وفي البيهقي عن ابن عباس قصة قتله أن بنت أخ للملك سألته ذبحه فذبحه حين حرم نكاح بنت الأخ وكانت [ص 543] تعجب الملك ويريد نكاحها اهـ. وكما أن ذلك من هوان الدنيا على اللّه وهو تحفة ليحيى عليه السلام وإذا أراد اللّه تعالى أن يتحف عبداً سلط عليه من يظلمه ثم يرزقه التسليم والرضى فيكتب في ديوان الراضين حتى يستوجب غداً الرضوان الأكبر والفردوس الأعظم الأفخر قال الزمخشري: وهذا تسلية عظيمة لفاضل يرى الناقص الفاجر يظفر من الدنيا بالحظ الأسنى والعيش الأهنئ كما أصابت تلك الفاجرة تلك الهدية العظيمة الفاخرة.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(
الدنيا عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(زوال الدنيا: