فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 20-59

كتاب الرقائق

صفحات 20-59
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

أزكاها: أكثرها ثواباً وأطهرها، وأرفعها: أزيدها.
مليككم: أي ربكم ومالككم.
وأرفعها في درجاتكم: أي منازلكم في الجنة.
والورِق: بكسر الراء الفضة.
فيه بيان فضل الذكر وأنه خير من الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل ونفقة الأموال في سبيل الله.
قال المناوي في فيض القدير: لأن سائر العبادات من الإنفاق ومقاتلة العدو وسائل ووسائط يتقرب بها إلى اللّه تعالى والذكر هو المقصود الأسمى ورأس الذكر قول لا إله إلا اللّه وهي الكلمة العليا وهي القطب الذي يدور عليه رحى الإسلام والقاعدة التي بني عليها أركان الدين والشعبة التي هي أعلى شعب الإيمان بل هي الكل وليس غيره.
الله أكبر ما أعظم هذا الأجر! إنه أعظم من إنفاق الأموال وإزهاق الأرواح في سبيل الله، وتأمل كيف عرض النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا الحديث بطريقة تبرر وتؤكد عظمة هذا الأجر.
(لقد بدأ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالسؤال الذي يلفت النظر ويسترعي الانتباه، وجعل مضمون السؤال فيما يهم المؤمنين؛ حتى تتهيج النفوس وتتحفز المشاعر، ويكونوا بالإجابة متعلقين، وبالعلم بها شغوفين، وللعمل مبادرين، فقال لذلك كله: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم... ). (ثم انتقل بالمقارنة الملموسة بأعمال معروفة بعظمتها وكثرة أجرها، وجعل الذكر أكثر منها أجراً فقال: (وخير لكم من أعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم) فقارن الذكر وأجره بالإنفاق المالي، وهو عبادة متعدية النفع عظيمة الجر لاحتياجها إلى مجاهدة النفس، ومغالبة شحها وشهوتها في التملك والاستزادة، وكذلك قارن الذكر بالجهاد العملي الذي تبذل في المهج والأرواح.
ثم في آخر الحديث، وبعد تطلع الصحابة وتشوقهم قال لهم: (ذكر الله عز وجل)، فكانت طريقة عرضه أبلغ في إبراز المعنى والتأكيد على أهمية الذكر ورفعة مكانته.
ويؤكد مكانة الذكر أيضاً الحديث الآتي: (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله.
وقد بينت السنة الصحيحة أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرا لله عز وجل فأفضل الصائمين أكثرهم ذكرا لله عز وجل وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكرا لله تعالى وأفضل الحجيج أكثرهم ذكرا لله تعالى وهكذا سائر الأعمال

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: جاء الفقراء إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضلٌ من أموالاٍ يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركم أحدٌ بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثاً وثلاثين ونحمد ثلاثاً وثلاثين ونكبِّر ثلاثاً وثلاثين فرجعت إليه فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين.
أهل الدثور: أي أهل الأموال والدثور: بضم الدال وجمع دثر بفتحها وهو المال الكثير.
والبُضْع: هو بضم الباء ويطلق على الجماع ويطلق على الفرج نفسه، هو الجماع وقيل الفرج نفسه.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" وفي بضع أحدكم صدقة" وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعها جميعاً من النظر إلى الحرام أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة.
(وقد ظنّ الفقراء أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، وذكر في مقدّمة ذلك هؤلاء الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
فالذكر أفضل العمل و أسهل عمل، ولذلك تجد الذاكر في فراشه يسبق الجواد المنفق والشجاع المقاتل لأن قلبه ذاكر لمولاه سبحانه وتعالى فهنيئا لمن طابت ألسنتهم بذكر الله هنيئا لمن انشرحت صدورهم بذكر الله هنيئا لمن عمرت أوقاتهم بذكر الله هنيئا لمن سبقوا ذكر الناس وهو الدواء واغتياب الناس وهمز الناس وغمز الناس وعبدوا وذكروا رب الناس وسبحوا إله الناس وقدسوا ملك الناس.
لقد آن لنا أن نراجع الثواني والدقائق التي تمر: دقات قلب المرء قائلة له... إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذكر للإنسان عمر ثاني

ولسائل أن يسأل: ما سر تفضيل الذكر على سائر أنواع وأعمال البر مع أنه خفيف على اللسان ولا يحصل به تعب على الأبدان؟ والجواب: أن ذلك لأسباب عديدة منها ما يلي: (أولاً) أن الذكر يورث يقظة القلب وحياته وصلاحه، ولذلك قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:في الحديث الآتي: (حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت.
(حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا الموطأ، وإن إطلاق الحي والميت في وصف البيت إنما يراد به ساكن البيت، فشبه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة وباطنة بنور المعرفة وغير الذاكر بالبيت الذي ظاهره عاطل وباطنه باطل، وقيل موقع التشبيه بالحي والميت لما في الحي من النفع لمن يواليه والضر لمن يعاديه وليس ذلك في الميت.
اهـ فالذكر حياة القلوب وصلاحها فالذكر للقلب كالماء للزرع بل كالماء للسمك لا حياة له إلا به.
فإذا حييت القلوب وصَلَحت صلحت الجوارح واستقامت، ومن المعلوم شرعاً أن القلب ينصلح الجسد بصلاحه ويفسد بفساده كما بينه النبي في الحديث الآتي: (حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه و دينه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب.
(ثانياً) أن الله سبحانه جعل لسائر العبادات مقداراً، وجعل لها أوقاتاً محدودة، ولم يجعل لذكر الله مقداراً ولا وقتاً، وأمر بالإكثار منه بغير مقدار، ولأن رءوس الذكر هي الباقيات الصالحات.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خذوا جُنَّتَكم من النار قولوا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات و معقبات و مجنبات و هن الباقيات الصالحات.

(ثالثاً) لأنه ثبت بالسنة الصحيحة أن الذكر أنجى عملاً من عذاب الله تعالى: (حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما عمل امرؤ بعمل أنجى له من عذاب الله عز وجل من ذكر الله.
فيه أن ذكر الله تعالى من أفضل الأعمال، وأنه ينجي من عذاب الله تعالى.
ثم ليعلم كل مسلم صادق أن المؤثر النافع، هو الذكر باللسان على الدوام مع حضور القلب، لأن اللسان ترجمان القلب؛ والقلب حافظة مستحفظة للخواطر والأسرار، ومن شأن الصدر أن ينشرح بما فيه من ذكر، ويلذ على اللسان، ولا يكتفي بمخاطبة نفسه به في خلواته حتى يفضي به بلسانه، متأولاً قول الله عز وجل: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205] (فأما الذكر باللسان والقلب لاهٍ فهو قليل الجدوى: (حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاه.
(وكذا حضور القلب في لحظة بالذكر، والذهول عنه لحظات كثيرة، هو كذلك قليل الجدوى، لأن القلب لا يخلو من الالتفات إلى شهوات الدنيا، ومن المعلوم بداهة أن المتلبس لا يصل سريعاً.
(ولذا فإن حضور القلب على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على غيره من العبادات، بل به تشرف سائر العبادات، وهو غاية ثمرات العبادات العملية، ولذا فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حذر من أن تنفض المجالس دون أن يذكر الله عز وجل فيها (حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار و كان لهم حسرة.
فهذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمقت مجالس الغافلين، وينهى عن كل تجمع خلا من ذكر الله، وأن المجالس التي ينسى فيها ذكر الله وتنفض عن لغط طويل حول مطالب العيش وشهوات الخلق؛ في تهويش وتشويش وهمز ولمز، هي مجالس نتنة، لا شيء فيها يستحق الخلود، إنما الذي يخلد ما اتصل بالله سبحانه وتعالى.
(ولذا فقد حثنا صلوات الله وسلامه على كفارة المجلس:

(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كفارة المجلس أن يقول العبد: سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك.
(اشتمل هذا الدعاء على ثلاثة أمور: الأول: تنزيه الله عن كل نقص وحمده على كل فعل.
الثاني: إثبات الألوهية لله تعالى وحده لا شريك له وذلك من تمام العبادة لله وتمام المدح له.
الثالث: الرجوع والاستغفار والتوبة لمن ملكها وهو الله تعالى.
وثمرة هذا المدح والاستغفار والتوبة كفارة لمن قالها.
(10) ذكر الله هو أساس العبودية لله، لأنه عنوان صلة العبد بخالقه في جميع أوقاته وأحواله، ولقد وَصَفَ الله تَعَالَى أُولِي الألباب فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191] قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران/191] (حديث عمران بن حُصين الثابت في الصحيحين) قال: كانت بي بواسير فسألت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة فقال: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب.
أَيْ أن عباد الله تعالى لا يَقْطَعُونَ ذِكْره فِي جَمِيع أَحْوَالهمْ بِسَرَائِرِهِمْ وَضَمَائِرهمْ وَأَلْسِنَتهمْ، إن العابد لله تعالى هو الذي يكون نطقه ذكرًا، وصمته فكرًا، ونظره عبرًا؛ يذكر الله تعالى سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، فهو إن تكلم كان عابدًا لله، وإن صمت كان عابدًا لله، وإن نظر كان عابدًا لله، يتقلب في نعمة ذكر الله تعالى قائماً وقاعداً وعلى جنب.

ولقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان أذكر الناس لربه ومولاه جل في علاه فأنفاسه وجمله وكلامه ودروسه وخطبه وفتاويه وإرشاداته و نصائحه وكل ما قال أو أمر أو نهى أو قص على الناس كله ذكر له سبحانه وتعالى فهو سيد العابدين وأذكر الذاكرين لمولاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الله في كل أحيانه قائماً وقاعداً وعلى جنب.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت: كان رسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الله يذكر الله على كلِ أحيانه.
(ارتباط بالله حياة، واللجوء إليه نجاة، والقرب منه فوز ورضوان، والبعد عنه ضلال وخسران.
(11) الإكثار من ذكر الله تعالى براءةٌ من النفاق: فصفة المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً بنص القرآن الكريم.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء /142] (لأجل هذا ختم المولى تبارك وتعالى سورة "المنافقون" بالتحذير من الغفلة عن ذكر الله عز وجل مخالفةً لسبيل المنافقين فقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْنَاكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلآ أَخّرْتَنِيَ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصّدّقَ وَأَكُن مّنَ الصّالِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ اللّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون من 11:9] فعليكم عباد الله بالإكثار من ذكره سبحانه وعمارةِ الأوقات والأزمان بالأذكار والأوراد المطلقة والمقيدة كقول: لا إله إلا الله فإنها من خير الأقوال وأحبها إلى الله أو قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها خير مما طلعت عليه الشمس وغير ذلك من الأقوال التي تنمّى بها الحسنات وترفع بها الدرجات وتوضع السيئات, فإن قصرت همتك وضعفت قوتك عن تلك المنازل الكبار فلا أقل من أن تحافظ على الأذكار المؤقتة والمقيدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وأقل ذلك أي ما ينبغي على العبد المحافظة عليه من الأذكار أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره وعند أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام وأدبار الصلوات.
والأذكار المقيدة مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك وعند المطر والرعد وغير ذلك.
وشيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية له قصص وأخبار في الذكر فمرة يجلس من صلاة الفجر مكانه في مجلسه في المسجد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يقول لأصحابه وطلابه هذه غذوتي ولو لم أتغذ سقطت قواي يعني هذا مثل الإفطار له.
هذا هو غذاء الروح وهو بلسم للنفس للجسم غذاء لكن غذاء الروح أعظم فقوت الروح أرواح المعاني... وليس بأن أكلت ولا شربت إذا ما لم يفدك العلم خيرا... فليتك ثم ليتك ما علمت

كان شيخ الإسلام ابن تيمية يسبح كثيرا ويقول إنها تصعب علي المسألة فأستغفر الله ألف مرة فيفتحها الله علي وكان لسانه يتمتم بذكر الله فيقول له أصحابه يا أبا العباس ما تفتر فيقول قلبي كالسمكة إذا خرجت من الماء ماتت وأنا إذا تركت الذكر مات قلبي وكان يكرر سورة الفاتحة في الصباح حتى يتعالى النهار فقالوا له في ذلك فقال أنزل الله مائة وأربعة عشر كتابا جمعها في أربعة كتب في الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن ثم جمعها في القرآن ثم جمعها في الفاتحة ثم جمعها في إياك نعبد وإياك نستعين فكان يكرر هذه السورة التي هي أفضل سورة في كتاب الله عز وجل.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته)) قال ((أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسي ويشكر فلا يكفر.
وقال الحسن رحمه الله: أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرا واتقاهم قلبا.
قال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: "علامة حب الله كثرة ذكره؛ فإنك لن تحب شيئًا إلا تكثر ذكره"، وقال الموصلي: "المحب لله لا يغفل عن ذكره طرفة عين"، وقال إبراهيم الجنيد: "كان يقال من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان، وقلما ولع المرء بذكر الله إلا أفاد منه حب الله ". قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: كان لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه ألف عقدة في خيط ألف عقدة يسبح بها وقال أسبح بقدر ديتي وكان يسبح في اليوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة كل يوم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

وكان يسبح خالد بن معدان العابد الزاهد مائة ألف تسبيحة قال ذلك في كتابه جامع العلوم والحكم قال فلما مات وشيعه الناس وكان وليا كبيرا وعابدا زاهدا اقتربوا به من القبر فأخذته الملائكة من الناس ووضعته في القبر غفر الله له ورحمه الله.
ذكر ابن القيّم في الجواب الكافي: أن العبد ليأتي يوم القيامة بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله تعالى وما اتصل به.
وشكى رجل إلى الحسن البصري رحمه الله قسوة في قلبه فقال له: أذبه بذكر الله.
﴿تنبيه﴾: (... الذاكرون الله مولعون بذكر الله تعالى، لا ينقطعون عنه، (ولذلك لوجوه عدة: أ- أن الذاكر لله لا يغيب محبوبه عن قلبه، فلو كلف أن ينسى ذكره لما قدر، ولو كلف أن يكف عن ذكره لما صبر.
ب- كلما قويت المعرفة بالله صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة، ولذلك يلهم أهل الجنة التسبيح كما يلهمون النفس.
ت- لأن ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين، فذكر الله لذة قلوب العارفين، والمحبون يستوحشون من كل شاغل يشغل عن الذكر، فلا شيء أحب إليهم من الخلوة بحبيبهم.
ث- كلما قوي حال المحب لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان، فهو بين الخلق بجسمه، وقلبه معلق بالملأ الأعلى.
جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن (2). (نتائج الأفكار بآثار الإكثار من الأذكار: أ- الثبات على الإسلام والأمن في مواطن الخوف؛ كما في قوله -تعالى-: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأنفال: 45].
ب- سبب الفلاح والنجاح؛ كما في قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10] ت- سبب للمغفرة والأجر العظيم، كما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ المُسْلِمِين وَالمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله -تعالى-: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35] ث- يعطي الذاكر قوة: قال الإمام ابن قيم الجوزية في «الوابل الصيب»

(ص 185 - 186): «إن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه، وقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في مشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرًا عظيمًا.
وقد علَّم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته فاطمة وعليًّا -رضي الله عنهما- أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا أربعًا وثلاثين؛ لما سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي، والخدمة، فعلمها ذلك، وقال: «إنه خير لكما من خادم».
(حديث علي الثابت في الصحيحين) أن فاطمة أتت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى – وبلغها أنه قد جاءه رقيق – فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة، قال فجاء وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم له فقال على مكانكما فقعد بيني وبيننا حتى وجدت برد قدمه على بطني فقال ألا أدلكما على خيرٍ مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما - أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبِّرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم.
(ولا يزال المرء مُكْثِرَاً من ذكر الله تعالى حتى يظهر ذلك على جوارحه، بل إذا رؤي ذكر الله.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أولياء الله تعالى: الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى.
قال أبو عوانة: رأيت محمد بن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى.
وقال غسان بن الفضل: كان بشر بن منصور من الذين إذا رؤوا ذكر الله، وإذا رأيت وجهه ذكرت الآخرة.
(12) الذكر حصن حصين وحرزٌ متين من الشيطان اللعين: من تأمل نصوص الوحيين؛ كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ علم منهما أن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وتقسو كالحجارة، وتظمأ كما يظمأ الزرع؛ وأنها في حاجة إلى ما يزيل عنها الصدأ، ويلين قسوتها، ويروي ظمأها.
وهذا القلب المتقلب محاط بأعداء كثر، من النفس والهوى والشيطان، ولعاعة الدنيا.
فهذا يصيبه بالصدأ، وذاك يقسيه، وثالث يظمئه، حتى يُخْشَى عليه من العمى، أو الموت، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج/46)

والقلب في البدن بمنزلة الملك فأي وجهة توجه، كانت الجوارح تبعاً له.
(ومن هنا نعلم أن هذا القلب يحتاج إلى حرز يحميه، وحصن يؤيه، وليس ثم حرز أأمن، ولا حصن أمكن؛ من ذكر الله جل وعلا.
وقد جعل الله للذكر فائدة الحفظ للذاكر من وسواسة الشيطان، همزه ولمزه ونفخه، فلن يقترب الشيطان من الإنسان، ولن يكون قرينا له، أو مشاركا له في طعام أو شراب، أو أي عمل من الأعمال إلا إذا غفل عن ذكر الله، فمن خلى قلبه ولسانه من ذكر الله لزمه الشيطان ملازمة الظل.
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الحجر/42] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: على قدر غفلة العبد عن الذكر يكون بعده عن الله.
وقال أيضا: أن الغافل بينه وبين الله عز وجل وحشه لا تزول إلا بالذكر.
قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمََنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [الزخرف/36] قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس]

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة).
قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود).
فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنه سيعود).
فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أباهريرة ما فعل أسيرك).
قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود).
فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.
حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما فعل أسيرك البارحة).
قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي).
قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.
وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة).
قال: لا، قال: (ذاك شيطان).

(حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني اسرائيل أن يعملوا بهن فكأنه أبطأ بهن فأوحى الله الى عيسى: إما أن يبلغهن أو تبلغهن فأتاه عيسى فقال له انك أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني اسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن فقال له يا روح الله ان أخشى ان سبقتني أن أعذب أو يخسف بي فجمع يحيى بني اسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن, ثم ذكر التوحيد والصلاة والصيام والصدقة ثم ذكر الخامسة: وأمركم بذكر الله كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه, وان العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى.
فهذا الحديث مشتمل على فضيلة عظيمة للذكر, وأنه يطرد الشيطان وينجي منه, وأنه بمثابة الحصن الحصين والحرز المكين الذي لا يحرز العبد نفسه من هذا العدو اللدود إلا به.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى فانه لا يحرز نفسه من عدوه الا بالذكر ولا يدخل عليه العدو الا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع حتى يكون كالذباب ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله تعالى خنس أي كف وانقبض.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس, فإذا ذكر الله خنس.
الوابل الصيب (حديث أبي المليح في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت و يقول: بقوتي صرعته و لكن قل: باسم الله فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يصير مثل الذباب.
وحكى ابن القيم رحمه الله عن بعض السلف: أنهم قالوا: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه الإنسي كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي.

(فالذاكر محفوظ - بإذن الله تعالى- لا يمسّه أذى له من الذكر حصن حصين، وسياج متين؛ لأن في قلبه تذكر الله، وعلى لسانه ذكر الله، وإليك الإيضاح بالدليل: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب و كتبت له مائة حسنة و محيت عنه مائة سيئة و كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي و لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك.
(حديث عبد الله بن خُبيب في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قل (قل هو الله أحد والمُعَوِّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كلِ شيء) (حديث عثمان في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من عبد يقول في صباح كل يوم و مساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض و لا في السماء و هو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء.
في السماء و هو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء.
﴿تنبيه﴾: (يتحصن العبد المسلم بالله ويمضي في حياته على اسمه وبسم الله يحتمة به العبد من كل سوء من معنى أو عين أو دابة أو جني أو شيطان لأنه السميع لأحوالهم العليم بها في سائر أزمنتها فلا يقع شيء إلا بإذنه سبحانه وتعالى.
والإتيان بهذا الذكر يوقي بقدر الله جميع البأس والضر.
وجاء في نهاية الحديث:" وكان أبان قد أصابه طرف فالج فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه فقال له: مالك تنظر إلي؟! فو الله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني غضبت فنسيت أن أقولها.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا نودي لصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوّب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال إذا خرج من بيته: بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان.

(حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه.
(فتأمل معي هذا الأثر العظيم الذي تناله إن كنت من الذاكرين! قم انظر إلى ما حولك، ومن حولك فسترى من به مس من الجن، أو عطب من السحر، أو إغواء من الشيطان، وأنت بنعمة الله سالم من كل ذلك.
وما أجمل ما قاله أبو خلاد المصري في بيان تحصين الذكر حيث قال: " من دخل الإسلام دخل في حصن، ومن دخل المسجد فقد دخل في حصنين، ومن جلس في حلقة يذكر الله - عز وجل - فيها فقد دخل في ثلاثة حصون) [الوابل الصيب ص:180]. (13) الذكر طمأنينة وسكينة: قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] (فهذا إخبار من الله عن المؤمنين بأنهم تطمئن قلوبهم بذكره " أي يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها وحري أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أحلى، من محبة خالقها والأنس به ومعرفته " [تفسير السعدي 4/ 108] فلا تخش غماً، ولا تشك هماً، ولا يصبك قلق مادام قرينك هو ذكر الله.
والطمأنينة هي:" سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه، وسكون الذاكر إلى ربه دائم في كل الأحوال من السراء والضراء والشدة والرخاء.
(فالناس بعامة قد يقلقون في حياتهم أو يشعرون بالعجز أمام ضوائق أحاطت بهم من كل جانب، وهم أضعف من أن يرفعوها إذا نزلت، أو يدفعوها إذا أوشكت، ومع ذلك فإن ذكر الله عز وجل يحيى في نفوسهم استشعار عظمة الله وأنه على كل شيء قدير، وأن شيئاً لن يفلت من قهره وقوته، وأنه يكشف ما بالمُعنَّى إذا ألم به العناء، حينها يشعر الذاكر بالسعادة وبالطمأنينة يعمران قلبه وجوارحه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

(تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ): "تطمئن بإحساسها بالصلة بالله والأنس بجواره والأمن في جانبه وحماه، تطمئن من قلق الوحدة وحيرة الطريق بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل شر إلا بما يشاء الله مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة، يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم فاتصلت بالله، يعرفونها، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها؛ لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهشّ لها ويندَى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفردًا بلا أنيس، فكل ما حوله صديق إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه".
إن هناك لحظاتٍ في الحياة لا يصمد لها بشرٌ إلا أن يكون مرتكنًا إلى الله مطمئنًا إلى حماه، مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد، ففي الحياة لحظاتٌ تعصف بهذا كله فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.. هؤلاء المنيبون إلى الله المطمئنون بذكر الله يحسن الله مآبهم عنده كما أحسنوا الإنابة إليه وكما أحسنوا العمل في الحياة والحقيقة أن هناك مواقف سطَّرها التاريخ بأحرف من نور لدعاة كثيرين، كلها تؤيد هذا المعنى، وما كانوا ليصلوا لذلك المستوى وهذه الدرجة إلا بذكرهم لله الذي نتج عنه هذه الطمأنينة الهائلة التي صمدت أمام مواقف تتزلزل لها الجبال.
وإذا كان المراد بالذكر هنا" القرآن الكريم"- وهو الأصح- فإن القرآن هو الذي تكون به " طمأنينة قلوب المؤمنين؛ فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، لا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن؛ فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكره " [تهذيب المدارج ص:503]، فمن تعلّق بالقرآن وجد فيه قناعة العقل، وسكينة النفس، وسكون القلب بالأمن والإيمان.

(14) إن الذاكرين هم أهل الانتفاع بآيات الله وهم أولو الألباب والعقول كما بين ذلك رب العزة والجلال قال تعالى: (إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ) [آل عمران:191،190] (15) ذكر الله تعالى شفاء ورحمة للمؤمنين: قال تعالى: (وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظّالِمِينَ إَلاّ خَسَاراً) [الإسراء / 82] (16) الذكر غراس الجنة: (حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
قيعان: جمع قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر.
غراس جمع غرس وهو: ما يستر الأرض من البذر ونحوه.
(بين الحديث أن ذكر الله سبب لدخول الجنة وكلما أكثر العبد من ذكر الله كثرت غراسه في الجنة.
(17) لا بد من ذكر الله على الدوام، إذ لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت عليهم في الدنيا لم يذكروا الله عز وجل فيها.
(إن دوام الذكر يعني دوام الصلة بالله).
إن ذكر الله تعالى من أهم ما ينبغي أن يجتهد فيه العبد المؤمن الذي يهتم بإرضاء ربه عز وجل لكي ينجو يوم القيامة من عذاب أليم ويفوز بالنعيم المقيم وقد وجه الله سبحانه وتعالى عباده إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم وقد نهى القرآن الكريم المؤمنين أن يلهيهم شيء من أمر الدنيا ومشاغلها الكثيرة عن ذكر ربهم فيغفلوا عن هذه العبادة العظيمة كما ينادي سبحانه وتعالى للمؤمنين بقوله الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون /9] قال النووي رحمه الله تعالى:

أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم والدعاء، بخلاف قراءة القرآن.
﴿تنبيه﴾: (ليس المقصود: بذكر الله هو التمتمة بكلمة أو كلمات والقلب غافل وَلاهٍ عن تعظيم الله وطاعته، فالذكر باللسان لابد أن يصحبه التفكر والتأثر بمعاني كلماته، قال تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) [الأعراف:20] (فلا بد أن يَعيَ الإنسان الذاكر ما يقول، فيجتمع ذكر القلب مع ذكر اللسان ليرتبط الإنسان بربه ظاهراً وباطناً.
(18) الذكر سبب لرفع البلاء: قال تعالى: (فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات 143: 144] (19) الذكر سبب في جلب الخيرات: قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لّكُمْ أَنْهَاراً) [نوح من 10: 12] (20) الذكر سبب في تفريج الكرب: قال تعالى: (وَذَا النّونِ إِذ ذّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لّن نّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىَ فِي الظّلُمَاتِ أَن لاّ إِلََهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء 87، 88] (21) الذكر سبب في حفظ الذرية من الشيطان: (حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو أن أحدكم إذا أتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضره شيطانٌ أبداً) (22) ذكر الله تعالى أكبر الأعمال بنص القرآن الكريم: قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت / 45] والآية واضحة الدلالة في أن الذكر ليس كبيراً فحسب بل هو أكبر، وذلك يدل على أهمية كبرى، ومكانة عظمى.

ذكر العلماء والمفسرون عدة معانٍ جديرة بالاهتمام توضح كون الذكر أكبر، وهاهي أقدمها لك واضحة ميسرة: الأول: ذكر الله أكبر من كل شيء، فهو أفضل العبادات؛ لأن المقصود بالطاعات كلها: إقامة ذكره، فهو سر الطاعات وروحها؛ لأن حقيقته هي التعلق بالله واستحضار عظمته، واستشعار مراقبته، واستذكار نعمته، والعبادات كلها - بهذا المعنى – ذكر.
الثاني: أن المعنى أنكم إذا ذكرتموه ذكركم، فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له، وهذا معنى عظيم فأنت أيها الإنسان الضعيف العاجز يذكر الله القوي القادر، أنت الفقير الحقير يذكر الله الغني العظيم، فما أعظمه من ذكر! وما أسماها من مكانة!.
الثالث: ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر، بل إذا تم الذكر محق كل خطيئة ومعصية، فيالله ما أكبر هذا الذكر [انظر تهذيب المدارج ص:463]. وسئل ابن عباس أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله.
وقال ثابت البناني: إن أهل ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وأن عليهم من الآثام كأمثال الجبال؛ وإنهم ليقومون من ذكر الله عطلاً ما عليهم منها شيء.
وقال مكحول: من أحيى ليلة في ذكر الله أصبح كيوم ولدته أمه.
وقال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام (فزكريا مع صومه عن الكلام لم يرخص له في ترك الذكر) ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (آل عمران/41) ولو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص للذين يقاتلون في سبيل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ (الأنفال/45) وقال مجاهد: ما من ميت يموت إلا عرض عليه أهل مجلسه إن كان من أهل الذكر فمن أهل الذكر وإن كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو.
وقال عون بن عبد الله: إن لكل رجل سيداً من عمله وإن سيد عملي الذكر.
وقال رحمه الله: ذاكر الله في غفلة الناس كمثل الفئة المنهزمة يحميها الرجل لولا ذلك الرجل هزمت الفئة ولولا من يذكر الله في غفلة الناس هلك الناس.

وقال أبو عبد الله الترمذي: والعبد ما دام في الذكر فالرحمة دائمة عليه كالمطر، فإذا قحط فالصدر في ذلك الوقت كالسنة الجدباء.
(23): أنه يحط الخطايا ويذهبها، فإنه من أعظم الحسنات والحسنات يذهبن السيئات.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر).
(24) أنه سبب لنزول الرحمة والسكينة: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
(وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله): المراد به المسجد فإن بيوت الله هي المساجد قال الله تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [النور36/] و قال تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن/18] و قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [البقرة/114] فأضاف المساجد إليه؛ لأنها موضع ذكره.
قوله (يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم) يتلونه: يقرءونه و يتدارسونه أي: يدرس بعضهم على بعض.
(إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة): نزلت عليهم السكينة يعني: في قلوبهم و هي الطمأنينة و الاستقرار، و غشيتهم الرحمة: غطتهم و شملتهم.
و حفتهم الملائكة: صارت من حولهم.
- و ذكرهم الله فيمن عنده- أي: من الملائكة.
ومن فوائد الحديث: فضيلة اجتماع الناس على قراءة القرآن لقوله - و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله.. الخ.
ومن فوائد الحديث: أن حصول هذا الثواب لا يكون إلا إذا اجتمعوا في بيت الله أي: في مسجد من المساجد لينالوا بذلك شرف المكان لأن أفضل البقاع مساجدها.

ومن فوائد الحديث: بيان حصول هذا الأجر العظيم تنزل عليهم السكينة و هي الطمأنينة القلبية و تغشاهم الرحمة أي: تغطيهم و تحفهم الملائكة أي: تحيط بهم من كل جانب و يذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة لأنهم يذكرون الله تعالى عن ملأ، و قد قال الله تعالى في الحديث القدسي -من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم-.
(حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كان رجلٌ يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له، فقال: (تلك السكينة تنزلت بالقرآن.
(25) الذكر كنزٌ من كنوز الحسنات: المسلم حريص على الثواب، ويستكثر من الحسنات، ويجتهد في الطاعات، وأنت – أخي القارئ - ما من شك أنك كثيراً ما تفكر في كيفية زيادة رصيدك من الحسنات، مع كثرة الأعمال والمشكلات، وتعاظم الملهيات والمغريات، ومن هنا أقول لك وبكل قوة ووضوح إن الذكر من أعظم أبواب الأجر، وإذا اجتهد المرء في ذكر الله فاق كل أرباب الأعمال الصالحة، فلن يدرك درجته مجاهد ولا صائم ولا متصدق، إذا ذكر الصائمون فأفضلهم الذاكر، وإذا ذكر المصلون فأفضلهم الذاكر؛ وأفضل الحجاج الذاكر؛ (ولعلي أعرض لك طائفة يسيرة من النصوص الكاشفة عن الجر العظيم والثواب الجزيل للذكر وهي غيض من فيض ونقطةٌ من بحر: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين و حمد الله ثلاثا و ثلاثين و كبر الله ثلاثا و ثلاثين فتلك تسع و تسعون و قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير غفرت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب و كتبت له مائة حسنة و محيت عنه مائة سيئة و كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي و لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك.

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير بعد ما يصلي الغداة عشر مرات كتب الله له عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان له بعدل عتق رقبتين من ولد إسماعيل، وإن قالها حين يمسي كان له مثل ذلك وكن له حجاباً من الشيطان حتى يصبح.... (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أيعجز أحكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة، فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب كل يوم؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة.
(حديث ابن عمر في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال حين يدخل السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد يُحيي ويُميت وهو حيٌ لا يموت بيده الخير و هو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحى عنه ألف ألف سيئةٍ وبنى له بيتاً في الجنة.
(حديث عبادة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ حسنة.
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو مُوبِقها.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) قال كنا مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزاةٍ فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبطُ في وادٍ إلا رفعنا صوتنا بالتكبير فدنا منا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيرا، ثم قال: يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمةً هي من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله.
(26) أن دوام ذكر الرب تعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان نفسه ومصالحها

قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر /19] وإذا نسى العبد نفسه أعرض عن مصالحها ونسيها واشتغل عنها فهلكت وفسدت، كمن له زرع أو بستان أو ماشية أو غير ذلك مما صلاحه وفلاحه بتعاهده والقيام عليه فأهمله ونسيه واشتغل عنه بغيره فإنه يفسد ولابد.
(27) أن الذكر يوجب صلاة الله تعالى وملائكته على الذاكر، ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح، وفاز كل الفوز: قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قال تعالى: (هُوَ الّذِي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) [الأحزاب 41: 43] (28) أن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته: من شرف مجالس الذكر وعلو مكانتها عند الله أنه سبحانه وتعالى يباهي بالذاكرين ملائكته، إن أهل الذكر ليسوا سابقين للبشر فحسب، بل هم في مقام المباهاة والمضاهاة للملائكة الكرام: ﴿الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾، الملائكة المفطورون على الطاعة، والمجبولون على العبادة الذين ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾؛ لأن أصل خلقهم وغاية وجودهم الذكر والتنسك، ومع ذلك كله؛ فإن أهل الذكر من المؤمنين في مكانة رفيعة عالية حتى باهى الله بهم ملائكته، ويكفي في شرف الذكر أن الله يباهي ملائكته بأهله [تهذيب المدارج ص 466]. (حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أقل عنه حديثًا مني، وإن رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ((ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علينا بك، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله تبارك وتعالى يباهي بكم الملائكة.

قال النووي شرح صحيح مسلم: قوله: "لم أستحلفكم تهمة لكم" هى بفتح الهاء واسكانها، وهى فعلة وفعلة من الوهم والتاء بدل من الواو واتهمته به إذا ظننت به ذلك.
وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن الله عز وجل يباهى بكم الملائكة" معناه يظهر فضلكم لهم ويريهم حسن عملكم ويثنى عليكم عندهم، وأصل البهاء الحسن والجمال، وفلان يباهى بماله أي يفخر ويتجمل به على غيره ويظهر حسنه.
اهـ. (والمباهاة: المفاخرة [النهاية1/ 169] فالله يفاخر بهؤلاء الذاكرين ملائكته المقربين.
(29) أن إدامته تنوب عن الطاعات وتقوم مقامها حيث لا تنوب جميع التطوعات عن ذكر الله عز وجل.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: جاء الفقراء إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضلٌ من أموالاٍ يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركم أحدٌ بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثاً وثلاثين ونحمد ثلاثاً وثلاثين ونكبِّر ثلاثاً وثلاثين فرجعت إليه فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين.
أهل الدثور: أي أهل الأموال والدثور: بضم الدال وجمع دثر بفتحها وهو المال الكثير.
والبُضْع: هو بضم الباء ويطلق على الجماع ويطلق على الفرج نفسه، هو الجماع وقيل الفرج نفسه.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" وفي بضع أحدكم صدقة" وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعها جميعاً من النظر إلى الحرام أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة.
(وقد ظنّ الفقراء أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، وذكر في مقدّمة ذلك هؤلاء الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: " لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل ". (30) أن الذكر يعطي الذاكر قوة في قلبه وفي بدنه حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد عَلَّم النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ابنته فاطمة وعليًا ـ رضي الله عنهما ـ أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا ثلاثًا وثلاثين، ويكبرا ثلاثًا وثلاثين لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة فعلمها ذلك، وقال: ((إنه خير لكما من خادم) (فالذكر قوت القلب والروح فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم الضعيف قال ابن القيم رحمه الله تعالى: جئت شيخ الإسلام ابن تيمية صلاة الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إلى وقال هذه غذوتي ولو لم أتغذ الغذاء لسقطت قوى.
(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما (قل هو الله وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات.
(حديث علي في الصحيحين) أن فاطمة أتت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى – وبلغها أنه قد جاءه رقيق – فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة، قال فجاء وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم له فقال على مكانكما فقعد بيني وبيننا حتى وجدت برد قدمه على بطني فقال ألا أدلكما على خيرٍ مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما - أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبِّرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم.
(فقيل إن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه تغنيه عن خادم.
(31) صلة الذكر بالعبادات أوثق: إن الذكر لبّ الطاعات، وجوهر العبادات، وهو أساس كثير من الفرائض والشعائر الظاهرة، إنه يكون قبلها تهيئة لأدائها، ويكون معها كجزء من أعمالها وأركانها، ويكون بعد الفراغ منها ختام لها.
ولنضرب المثل بالصلاة؛ فإن الذكر يسبقها، فالآذان ذكر يشتمل على التكبير والتهليل والنطق بالشهادتين، ومن السنة متابعة المؤذن، وبعد الفراغ من الأذان يسن قول الذكر المأثور عن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من قال حين يسمع النداء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله رضيت بالله ربا و بمحمد رسولا و بالإسلام دينا غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
(حديث جابر في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفا عتي يوم القيامة.
وقبل الصلاة الوضوء وهو من شروطها، وبعد الفراغ منه ذكر أيضاً (حديث عُمر الثابت في صحيح مسلم) أن النبي قال: - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما من أحدٍ يتوضأ فيُبلغ أو يسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
(حديث عمر الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
(والصلاة غايتها الذكر بنص القرآن في قوله تعالى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه/14) وركنها الأول: " تكبيرة الإحرام" ذكر، وركنها الأعظم: "قراءة الفاتحة" ذكر، وفي ركوعها تسبيح باسم الله العظيم، وفي سجودها تسبيح باسمه الأعلى، وفي الرفع من الركوع حمد وذكر، وفيما بين السجدتين استغفار وذكر.
(وبعد الصلاة وانقضائها أمر بالذكر ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء/103) وثبت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يستغفر ثلاثاً بعد السلام عليكم، كما في حديث ثوبان الآتي: (حديث ثوبان الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ثم قال: اللهم أنت السلام و منك السلام تباركت يا ذا الجلال و الإكرام.
، والأذكار الواردة في أعقاب الصلوات كثيرة، فهذه الصلاة كلها ذكر وثناء، وتضرع ودعاء.

(والحج مثل ثانٍ، ففيه يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ﴾... (البقرة/198) وهو من مبدئه ذكر إذ عند الإحرام يبدأ بالتلبية، (وهي ذكر ترفع به الأصوات معلنة التوحيد، والاستجابة لرب الأرض والسماوات، والطواف والسعي ذكر وتكبير وتهليل، وموقف عرفات كله أذكار ودعوات، وفيه قال الرسول الكريم – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (خير ما قلت أنا والنبيين من قبلي: لا إله إلا الله).
(حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وفي ختام الحج وصية بالذكر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ﴾ (البقرة/200) بل حتى في الجهاد، وعند التحام الصفوف، وقعقعة السيوف، ولقاء الحتوف، يأتي الأمر بالذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ (الأنفال/45) (32) الذكر أنجى عملاً للنجاة من عذاب الله عز وجل.
(حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما عمل امرؤ بعمل أنجى له من عذاب الله عز وجل من ذكر الله.
(33) ذكر الله سلاح مقدم على أسلحة الحروب الحسية التي لا تكلم: فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فتح القسطنطينية من حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم : ﴿فإذا جاءوها، نزلوا فلم يقاتلوا بالسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله اكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون﴾ (34) الذكر رأس الشكر فما شكر الله تعالى من لم يذكره:

(حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ بيده وقال يا معاذ والله إني لأحبك والله إني لأحبك فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
فجمع بين الذكر والشكر فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح فأكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله إذ أن في القلب قسوة لا يزيلها ويذيبها إلا ذكر الله تعالى فحلي بنا أن ندوي قسوة القلب بذكره سبحانه وتعالى فالذكر شفاء القلب ودواؤه والغفلة مرضه (35) مجالس الذكر سبب عظيم بل هي سبب رئيسي من أسباب حفظ اللسان: فإن العبد لا بد له من أن يتكلم فإن رَوَّضَ نَفْسَه على الكلام بالخير صار ذلك طبعاً له لا تكلفاً فإنه من يتحرَّ الخير يُعْطَه ومن يتق الشر يُوَقَّه.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوَقَّه.
إن مجالس الذكر هي أزكى المجالس وأشرفها وأنفعها وهي أعلى المجالس قدرا عند الله وأجلها مكانة عنده سبحانه وتعالى, فمجالس الذكر حياة للقلوب وزيادة للأيمان وصلاح وزكاء للعبد بخلاف مجالس الغفلة التي لا يقوم منها الجالس إلا بنقص في الإيمان وتكون عليه حسرة وندامة من أجل ذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك السلف رحمهم الله يهتمون بهذه المجالس أعظم الاهتمام وغاية العناية, فكان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يأخذ بيد النفر من أصحابة فيقول ((تعالوا نؤمن ساعة تعالوا فلنذكر الله ونزداد إيماناً بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته.
(فإن لم يتكلم بذكر الله وذكر أوامره بالخير والفائدة تكلم ولا بد ببعض المحرمات من غيبة ونميمة, فمن عود لسانه على ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو فلا سبيل إلي السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك فمن عود لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو ومن يبس لسانه عن ذكر الله ترطب بكل باطل ولغو وفحش ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال مكحول: ذكر الله شفاء وذكر الناس داء.
نسأل الله أن يشغل مجالسنا بذكره وشكره وحسن عبادته وأن يقينا من مجالس الغفلة وللهو والباطل.
(36) أن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته:

والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ولا تحصل يقظته إلا بذكر الله تعالى.
ولذا أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت".
(حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت.
(37) أن الذكر مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله للعبد يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (سَبْعَةٌ يُظِلّهُمُ الله في ظِلّهِ يَوْمَ لاَ ظِلّ إِلاّ ظِلّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلّقٌ في المَسْاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في الله اجْتَمعَا عَلَيه وَتَفَرّقَا عليه، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذَاتُ منصبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَهُ) (38) الذكر يوازى ثواب صلاة الضحى صلاة الضحى هي صدقة عن 360 مفصل في جسم الإنسان: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة و كل تحميدة صدقة و كل تهليلة صدقة و كل تكبيرة صدقة و أمر بالمعروف صدقة و نهي عن المنكر صدقة و يجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى.
الشاهد: أن ركعتان من الضحى تجزئ عن ثلاثمائة وستين صدقة، وذلك أن لكل إنسان ثلاثمائة وستين مفصل ينبغي عليه أن يتصدق عن كل مفصل من مفاصله التي بلغت ثلاثمائة وستين مفصل شكراً لله تعالى على أن جعل هذه المفاصل تنثني وتريحه في الحركة والقيام والقعود و يجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى وصلاة الضحى توازي الذكر.
(39) الذكر سبب لنيل شفاعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(حديثُ أبي هريرة صحيح البخاري): قال.
قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسأ لني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منك لما رأيتُ من حرصكَ على الحديث، أسعدُ الناسِ بشفاعتي يوم القيامةِ من قال لا إ له إ لا الله خالصاً من قِبِلِ نفسه.
(40) الذكر أفضل بطاقة في الميزان: (حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يُصاحُ برجلٍ من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق فينشر له تسعة و تسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك و تعالى: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب ثم يقول: ألك عذر ألك حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة و إنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة و البطاقة في كفة فطاشت السجلات و ثقلت البطاقة.
(41) الذكر يكفر الذنوب وإن كانت مثل زبد البحر: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال: سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين و حمد الله ثلاثا و ثلاثين و كبر الله ثلاثا و ثلاثين فتلك تسع و تسعون و قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير غفرت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما على الأرض أحد يقول لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا كفرت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر.
(41) الذكر يجزئ عن القرآن في حق من لا يحسن القرآن:

(حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال يا رسول الله هذا لله عز وجل فما لي قال قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما هذا فقد ملأ يده من الخير.
(42) حلق الذكر هي رياض الجنة: (حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا".
قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر.
الرتع: هو الأكل والشرب في خصب وسعة.
قال المناوي في فيض القدير: "إذا مررتم برياض الجنة": جمع روضة وهي الموضع المعجب بالزهر سميت به لاستراضة الماء السائل إليها.
"فارتعوا": أي ارتعوا كيف شئتم وتوسعوا في اقتناص الفوائد قالوا: أي الصحابة أي بعضهم.
"وما رياض الجنة": أي ما المراد بها "قال حلق الذكر" بكسر ففتح جمع حلقة بفتح فسكون، وهي جماعة من الناس يستديرون لحلقة الباب وغيره والتحلق تفعل منها وهو أن يتعمد ذلك.
قال النووي رحمه الله: كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله وقد تظاهرت على ذلك الأدلة.
اهـ. ﴿تنبيه﴾: (اتضح مما سبق فضل ذكر الله تعالى وبان بياناً شافياً، ولذا يجب على طالب العلم أن يتمسك بالذكر ويعض عليه بالنواجذ، ويقبل عليه إقبال الظامئ إقبال الظامئ على المورد العذب، فالذكر قوت القلوب وسبب لنيلِ رضا علام الغيوب، وهو بذلك يكون قد تأسى بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الذكر فقد كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتقلب في ذكر الله تعالى ويذكر الله تعالى على كل أحيانه قائماً وقاعداً وعلى جنب.
(هل الذكر أفضل أم الدعاء؟

قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب: الذكر أفضل من الدعاء، لأن الذكر ثناء على الله عز وجل بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاء سؤال العبد حاجته، فأين هذا من هذا؟ ﴿تنبيه﴾: (أما حديث) من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.
فهو ضعيف في سلسلة الأحاديث الضعيف المجلد العاشر رقم 4989.

(ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى، والثناء عليه بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته، وقد أخبر النبي أن الدعاء يستجاب إذا تقدمه الثناء والذكر، وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء، أنه يجعل الدعاء مستجاباً.
(حديث فضالة ابن عُبيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله تعالى و الثناء عليه ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد بما شاء.
(حديث عمر في صحيح الترمذي موقوفاً) قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء إلى السماء حتى تصلي على نبيك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال الإمام النووي رحمه الله في الأذكار ص 176: (أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك تختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة مرفوعة).
فالدعاء الذي يتقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته، وافتقاره واعترافه، كان أبلغ في الإجابة وأفضل.
(هل قراءة القرآن أفضل أم الذكر؟

قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب: قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، هذا من حيث النظر إلى كل منهما مجرداً.
وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل، بل يعينه، فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل، وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود، فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما، بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة، وكذلك الذكر عقب السلام من الصلاة - ذكر التهليل، والتسبيح، والتكبير، والتحميد - أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذلك إجابة المؤذن.
وهكذا الأذكار المقيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القران، مثاله: أن يتفكر في ذنوبه، فيحدث ذلك له توبةً واستغفاراً، أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن، فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تحصنه وتحوطه.
فهكذا قد يكون اشتغاله بالدعاء والحالة هذه أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجراً.
وهذا باب نافع يحتاج إلى فقه نفس، فيعطي كل ذى حق حقه، ويوضع كل شيء موضعه.

ولما كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه، كانت أفضل من كل من القراءة والذكر والدعاء بمفرده، لجمعها ذلك كله مع عبودية سائر الأعضاء.
فهذا أصل نافع جداً، يفتح للعبد باب معرفة مراتب الأعمال وتنزيلها منازلها، لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها، فيربح إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها وإن كان ذلك وقته، فتفوته مصلحته بالكلية، لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثواباً وأعظم أجراً، وهذا يحتاج إلى معرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها، وفقه في إعطاء كل عمل منها حقه، وتنزيله في مرتبته.
(التحذير من ترك الذكر:

لا شك أن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد, وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء, فإذا ترك صدئ, فإذا ذكر جلاه, وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب.
وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.
فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه.
وصدأه بحسب غفلته, وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه, فيرى الباطل في صورة الحق, والحق في صورة الباطل.
لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه, فإذا تراكم عليه الصدأ واسوَّد وركبه الران فَسَدَ تصورُه وإدراكه فلا يقبل حقا ولا ينكر باطلا وهذا أعظم عقوبات القلب، ولذا فإن الذكر من أنفع العبادات وأعظمها، والغفلة عنه خطرٌ كبير وشرٌ مستطير على قلب العبد، إن الغفلة عن ذكر الله تورث قسوة القلب، فيصدأ القلب، ويغلفه الران، حتى يصبح الغافل على شفا جرفٍ هارٍ ينهار به في أتون النفاق المفضي إلى الدرك الأسفل من النار، ولا ينقذنا من هذه الهاوية إلا الله عز وجل نحتمي به ونعتصم به من الضلالة، وقد حذر الله تعالى عباده من ترك ذكره في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(أما في كتاب الله الكريم:

فقد قال تعالى: ﴿ومَنْ يَعْشُ عن ذكر الرحمن نُقَيّضْ له شيطاناً فهو له قرين وإنَّهم لَيَصُدُّونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾ [الزخرف: 36ـ37] قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس]

(حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني اسرائيل أن يعملوا بهن فكأنه أبطأ بهن فأوحى الله الى عيسى: إما أن يبلغهن أو تبلغهن فأتاه عيسى فقال له انك أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني اسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن فقال له يا روح الله ان أخشى ان سبقتني أن أعذب أو يخسف بي فجمع يحيى بني اسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن, ثم ذكر التوحيد والصلاة والصيام والصدقة ثم ذكر الخامسة: وأمركم بذكر الله كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه, وان العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى.
فهذا الحديث مشتمل على فضيلة عظيمة للذكر, وأنه يطرد الشيطان وينجي منه, وأنه بمثابة الحصن الحصين والحرز المكين الذي لا يحرز العبد نفسه من هذا العدو اللدود إلا به.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى فانه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع حتى يكون كالذباب ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله تعالى خنس أي كف وانقبض.
قال ابن عباس رضي الله عنه: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس, فإذا ذكر الله خنس.
الوابل الصيب فالتارك للذكر، الناسي له؛ فهو ميت لا يبالي الشيطان أن يلقيه في أي مزبلة شاء.
وحكى ابن القيم رحمه الله عن بعض السلف: أنهم قالوا: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه الإنسي كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي.
وقال تعالى: ﴿واذكر ربَّك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغُدُوِّ والآصالِ ولا تكُنْ مِنَ الغافلين﴾ [الأعراف / 205] وقال في ذم المنافقين: (وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء /142]

(لأجل هذا ختم المولى تبارك وتعالى سورة "المنافقون" بالتحذير من الغفلة عن ذكر الله عز وجل مخالفةً لسبيل المنافقين فقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْنَاكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلآ أَخّرْتَنِيَ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصّدّقَ وَأَكُن مّنَ الصّالِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ اللّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون 11:9] (وأما في سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار و كان لهم حسرة.
معنى (إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار): أي مجلس نتن كجيفة حمار لخلوه من ذكر الله تعالى، لأن المجالس لا تعمرُ إلا بذكر الله تعالى.
(إن الذي يمعن النظر في الوحيين الشريفين يجد أن لترك الذكر آثاراً سلبية وعواقب وخيمة منها: (1) إذا فرَّط الدعاة في ذكر الله ولم يداوموا عليه فلا بد أن يصابوا ببعض ما حذَّر الله منه؛ لأنهم لم يأخذوا تحذيراته سبحانه كما ينبغي ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه/124] ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن/17] ذلك أن غذاء القلب وراحة النفس وسمو الروح إنما يكون في المداومة على ذكر الله، وقلته تسبب اضطرابًا وقلقًا نفسيًّا.
(2) القعود عن أداء الواجب أو على الأقل الفتور: زاد المسلم على الطريق إنما هو ذكر الله، فمن فرَّط في ذلك فقد يبقى من غير زاد، فما بالنا في الداعية الذي تبوأ مقعد الصدارة ويدعو إلى الله بلا زاد، فسيكون ذلك بدايةَ تقصيره في أداء واجبه وفتوره وتقصيره.
(3) الحرمان من العون والتوفيق الإلهي: إن عون الله وتوفيقه لا يظفر بهما العبد إلا إذا كان على صلة طيبة بربه ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل/128]

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت/69] (4) فقد الهيبة والتأثير في الناس: فمن ضيع منزلته عند ربه فقد ضاعت منزلته عند الناس.
(لذا ينبغي على المسلم أن يتمسك بالذكر ويعض عليه بالنواجذ في كل وقتٍ وحين: قال سماحة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: ويشرع لكل مسلمٍ ومسلمة أن يقول هذا في صباح كل يوم؛ حتى يكون حرزاً له من الشيطان، فلنداوم على الأذكار، ولنحرص عليها ولا نعرضها بتهاونٍ أو بأعمالٍ أو أشغال.
قال النووي رحمه الله: ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقتٍ من ليلٍ أو نهار، أو عقب صلاةٍ أو حالةٍ من الأحوال، ففاتته أن يتداركها، وأن يأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها، والاقتصار على الوارد المأثور الثابت الصحيح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه غنيةٌ وبركة.
قال ابن سعدي رحمه الله: وكن ذاكراً لله في كل حالةٍ فليس لذكر الله وقتٌ مقيدٌ فقد أخبر المختار يوماً لصحبه بأن كثير الذكر في السبق مفردُ وأخبر أن الذكر غرسٌ لأهله بجناتٍ عدنٍ والمساكن تمهدُ وأخبر أن الذكر يبقى بجنةٍ وينقطع التكليف حين يخلدُ وينهى الفتى عن غيبةٍ ونميمةٍ وعن كل قولٍ للديانة مفسدُ ولكننا من جهلنا قل ذكرنا كما قلّ منا للإله التعبدُ أسأل الله جل وعلا أن يمنّ علينا بذكره، وأن يكرمنا بشكره، وأن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً (فليحذر المسلم من ترك الذكر وليرطب لسانه بذكر الله في كل وقت، وفي كل مكان، حتى إذا جاءت لحظة الفراق فإذا هو ينطق بـ لا إله إلا الله وتكون آخر كلامه، فهنيئاً لمن وفقه الله وختم له بخاتمة السعداء.
(حديث معاوية الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة.
(أنواع الذكر:

((قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب: الذكر نوعان: (النوع الأول من الذكر: ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته، والثناء عليه بهما، وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى وهذا أيضاً نوعان: [1]: إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه، نحو (سبحان الله عدد خلقه.

[2]: الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته، نحو قولك: الله عز وجل يسمع أصوات عباده.
وأفضل هذا النوع: الثناء عليه بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى به عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.
وهذا النوع أيضاً ثلاثة أنواع: (أ) حمد.
(ب) ثناء.
(ج) مجد.
فالحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله سبحانه وتعالى مع محبته والرضا به، فإن كرر المحامد شيئاً بعد شيء كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجداً.
وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله: ﴿حمدني عبدي﴾، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال: ﴿أثنى عليّ عبدي﴾، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: ﴿مجّدني عبدي﴾ (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة رضي الله عنه إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد! < الحمد لله رب العالمين >! قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال! < الرحمن الرحيم >! قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال! < مالك يوم الدين >! قال مجدني عبدي وقال مرة فوض إلي عبدي فإذا قال! < إياك نعبد وإياك نستعين >! قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال! < اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين >! قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
معنى خداج: أي فاسدة (النوع الثاني من الذكر: ذكر أمره ونهيه وأحكامه: وهو أيضاً نوعان: [1]: ذكره بذلك إخباراً عنه بأنه أمر بكذا، ونهيه عن كذا.
[2]: ذكره عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه فائدة.
فهذا الذكر من الفقه الأكبر، وما دونه أفضل الذكر إذا صحت فيه النية.
(ومن ذكره سبحانه وتعالى: ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه، ومواقع فضله على عبيده، وهذا أيضاً من أجل أنواع الذكر.

(فهذه خمسة أنواع، وهي تكون بالقلب واللسان تارة، وذلك أفضل الذكر.
وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة، وهي الدرجة الثالثة.
فأفضل الذكر: ما تواطأ عليه القلب واللسان وتدبر الذاكر معانيه، واعلموا أن هذا الفضل العظيم والأجر الكثير ليس معلقاً على ذكر الشفة واللسان فحسب بل لا يثبت هذا الأجر الموعود إلا على ذكر يتواطأ فيه القلب واللسان فذكر الله إن لم يخفق به القلب وإن لم تعش به النفس وإن لم يكن مصحوباً بالتضرع والتذلل والمحبة لله تعالى فلن يكون سبباً لتحصيل هذه المزايا والفضائل.
(وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده، لأن ذكر القلب يثمر المعرفة بالله، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويزغ عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً من هذه الآثار، وإن أثمر شيئاً منها فثمرة ضعيفة.
انتهى وذكر الله هو أعظم ما فتق عنه لسان وتدبره جنان.
فلا بد من اجتماع اللسان والجنان حتى يؤتي الذكر ثماره ويستشعر العبد آثاره.
فقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فهم جمعوا بين ذكر الله تعالى في كل أحوالهم ودعائه، والتفكر في خلق السماوات والأرض.
مسألة: هل الذكر الخفي أفضل أم الذكر الجهري؟ القول الذي دلت عليه السنة الصحيحة أن هل الذكر الخفي أفضل من الذكر الجهري للأدلة الآتية: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً.

ثم يبين ربنا سبحانه وتعالى أن الذكر له نوعان: خفي وجهري, فإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم, إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, فأيهما أرفع درجة وأفضل حالاً؟ هل الذي يذكر الله في نفسه فيذكره الله في نفسه, أم الذي يذكر الله في ملإ فيذكره الله في ملإ خير منهم؟ قد يقول المرء بل الذي يذكره في ملإ لأن الله تعالى سيشهر أمره وسيرفع ذكره في السماء, فيذكره في ملإ خير منهم, نعم ولكن أن يذكر الله تعالى العبد في نفسه هذا أسمى بكثير لأن هذا يعني أن سراً بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد قد نشأ وهذا أسمى من أن يشتهر أمر العبد بصلاحه وتقواه عند أهل السماء.
ومن هنا كان الذكر الخفي أفضل من الذكر الجهري والأدلة على ذلك كثيرة؛ ومنها الحديث الآتي: (حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يحب العبد التقي النقي.
بل الآية الكريمة صريحة في تبيان أن الذكر الخفي هو الأصل, وهي قوله تعالى ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف /205] (حديث أبي موسى في الصحيحين) قال كنا مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزاةٍ فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبطُ في وادٍ إلا رفعنا صوتنا بالتكبير فدنا منا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيرا، ثم قال: يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمةً هي من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله.
(فنهاهم عن رفع الأصوات بالذكر، والذكر في أصله عمل قلبي فهو ضد النسيان, كما بينت الآية: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف /205] فالذكر يتنافى مع الغفلة.
وتمام الذكر القلبي التلفظ اللساني على ألا يعلى الصوت فيه، وذلك لفوائد وحكم منها ما يلي: أولاً: الذكر الخفي أقرب إلى الخشوع, فمن أسمع نفسه كان أخشع.
ثانياً: الذكر القلبي أقرب إلى الإخلاص, فالذي يرفع صوته بالذكر لا يأمن على نفسه أن يرائي, وأما إن أسر بالذكر فإنه أقرب إلى الإخلاص, وإن كان في الحالين معرضاً لوجود شرك خفي.

ثالثاً: الذكر الخفي ممكن في كل الأحوال بخلاف الذكر الجهري, فقد تجلس في مجلس الناس يتحادثون فيه ولا تملك أن تتحدث معهم, ولكنك تملك أن تذكر الله تعالى الذكر الخفي ولا يمنعك من ذلك أحاديث من حولك ولا يمنعك من ذلك أي سبب عائق, قد تمنع من الذكر الجهري ولكن لا يمنعك أحد من الذكر الخفي, لأن قلبك ولسانك ملك لك, فالله تعالى ملكهما لتحسن استثمارهما بما يرضي الله تعالى, فاللسان موضع ثانوي للذكر والموضع الأولي هو القلب, ﴿فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم﴾ والله تعالى أعلم, والحمد لله رب العالمين.
((كنوز الأذكار:

الكنز الأول: قراءة القرآن الكنز الثاني: أذكار اليوم والليلة الكنز الثالث: الباقيات الصالحات مجتمعة الكنز الرابع: التسبيح الكنز الخامس: الحمد الكنز السادس: التكبير الكنز السابع: التهليل الكنز الثامن: الاستغفار الكنز التاسع: الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكنز العاشر: لا حول ولا قوة إلا بالله الكنز الحادي عشر: الدعاء وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (الكنز الأول قراءة القرآن:

(فضل القرآن الكريم:

إن من المعلوم شرعاً وعقلاً وبداهةً أن القرآن الكريم أكبر منةٍ امتن الله تعالى بها على هذه الأمة، ففيه حياةُ القلوب ويحصل بالتمسك به سعادة الدارين، لم تظفر الدنيا كلها بكتاب أجمع للخير كله، وأهدى للتي هي أقوم، وأوفى بما يُسْعد الإنسانية، من هذا القرآن المجيد الذي فتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، وهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وأخرج به من الظلمات إلى النور، هذا الكتاب العظيم الذي ضمن للإنسانية الأمن والسعادة في دنياهم وأخراهم، إذا هم آمنوا به وتلوه حقَّ تلاوته، وتفهموا سوره وآياته، وتفقهوا جمله وكلماته، ووقفوا عند حدوده وَأْتمروا بأوامره، وانتهوا بنواهيه، وتخلقوا بأخلاقه، وطبقوا مبادئه ومُثُله وقيمه على أنفسهم وأهليهم ومجتمعاتهم، والقرآن الكريم هو: كتاب الله الذي منه بدأ وإليه يعود، نزل به الروح الأمين على قلب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلسان عربي مبين، وصفه الله تعالى بقوله (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت 41 - 42]. كما وصفه -جلت قدرته- بقوله: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود1/] (حقا، إن آيات القرآن الكريم في غاية الدقة والإحكام، والوضوح والبيان، أحكمها حكيم، وفصَّلها خبير، وسيظل هذا الكتاب معجزًا من الناحية البلاغية والتشريعية والعلمية والتاريخية وغيرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم يتطرق إليه أدنى شيء من التحريف؛ تحقيقا لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر/9] (فالدنيا كلها لم تظفر بكتاب أجمع للخير كله، وأهدى للتي هي أقوم، وأوفى بما يُسْعد الإنسانية، من هذا القرآن المجيد، الذي قال الله فيه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9] (هذا القرآن الكريم أنزله الله على رسوله محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [إبراهيم:1]

جارٍ التحميل