كتاب الزهد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
وأن يبدل طعامه الخشن الرخيص، بطعام مترف لذيذ، فقال القوم: ليس لتحقيق هذه المهمة، وتنفيذ هذا الغرض، إلا علي بن أبي طالب، فإنه أجرأ الناس عليه، فعرضوا الأمر على علي كرم الله وجهه فأبى، ولكن قال لهم: عليكم بأزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنهن أمهات المؤمنين، يجترئن عليه، ولعلهن يستطعن أن يعدلن رأيه.
قال الأحنف بن قيس فسألوا عائشة وحفصة وكانتا مجتمعتين، فقالت عائشة: إني سائلة أمير المؤمنين ذلك، وقالت حفصة ما أرى أمير المؤمنين يحقق لنا رغبتنا وينفذ طلبتنا، ثم دخلتا على عمر أمير المؤمنين، فاحتفل بهما وأدنا إليه مجلسهما، فقالت عائشة: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الكلام معك؟ قال: تكلمي يا أم المؤمنين، قالت: إن النبي الكريم مضى لسبيله، إلى جنة ربه ورضوانه، لم يرد الدنيا ولم ترده، وكذلك مضى أبو بكر على أثره لسبيله، بعد أن أحيا سنن النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعد أن قاتل المكذبين، وأدحض حجة المبطلين مع عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وإرضائه رب البرية، ثم قبضه الله إلى رحمته ورضوانه، وألحقه بنبيه في الملأ الأعلى، لم يرد الدنيا ولم ترده، وأما أنت يا أمير المؤمنين، فقد فتح الله على يديك كنوز كسرى وقيصر، ودانت لك أطراف المشرق والمغرب، ونرجو لك وللمسلمين من الله المزيد، وها هي رسل العجم يأتونك، ووفود العرب يردون، وعليك هذه الجبة الخلقة، وقد رقعتها اثنتي عشرة رقعة، فلو غيرتها بثوب لائق جميل، يهاب فيه منظرك، ولو استبدلت طعامك الخشن، بطعام طيب لذيذ، ليقوى بدنك، وينشط جسدك على حمل أعباء الأمة والرعية.
فما أتمت عائشة كلامها حتى بكى عمر بن الخطاب بكاءً شديداً.
ثم قال يا عائشة، سألتك بالله، هل تعلمين أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شبع من خبز بر ثلاثة أيام؟ أو جمع بين عشاء وغذاء في يوم واحد حتى لقي الله؟ قالت عائشة لا.
قال يا عائشة.
هل تعلمين أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبس جبة من الصوف.
ربما حك جلده من خشونتها؟
أتعلمان ذلك يا عائشة ويا حفصة؟ قالتا: اللهم نعم، قال: يا عائشة هل تعلمين أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان فراشه الذي ينام عليه عباءة، تمد له على طاق واحد؟ أما كان جلد في بيتك يا عائشة، كان لكم في النهار بساطاً، وفي الليل فراشاً؟ وكنا ندخل على النبي الكريم، فنرى أثر الحصير على جنبه.
ثم التفت عمر إلى حفصة ابنته، أم المؤمنين، فقال لها: ألم تحدثيني يا حفصة أنك ثنيت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عباءته ذات ليلة لينام عليها؟ فوجد لينها فنام ولم يستيقظ إلا بأذان بلال.
فقال لك يا حفصة ماذا صنعت أثنيت العباءة والمهاد ليلتي هذه، حتى ذهب بي النوم إلى الصباح؟ مالي وللدنيا، وكيف شغلتموني بلين العباءة عن مناجاة ربي؟ يا حفصة أما تعلمين أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وكان يمضي جائعاً، ويرقد لله ذاكراً، ولم يزل لله راكعاً وساجداً وباكياً ومتضرعاً، آناء الليل وأطراف النهار، إلى أن قبضه الله إلى رحمته ورضوانه؟ فلا أكل عمر طيباً، ولا لبس ليناً، إنما مثلي ومثل صاحبيَّ قبلي كثلاثة نفر سلكوا طريقاً، فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ، ثم أتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى ووصل إليه، ثم أتبعهما الثالث، فإن سلك طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يصل إليهما ولم يجتمع بهما.
فلما سمعت حفصة وعائشة من عمر ما سمعتا، رجعتا إلى الصحابة وأخبرتهم بما سمعتا، ولم يزل عمر على تلك الحال حتى لقي ربه.
ومن الصور المشرقة لزهد عمر - رضي الله عنه - ما أخرج ابن عبد الحكم عن أبي صالح الغِفاري قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: إنا قد خَططْنا لك داراً عند المسجد الجامع.
فكتب إليه عمر: إنَّى لرجل من الحجاز تكون له دار بمصر، وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين.
كذا في الكنز.
من الصور المشرقة لزهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه رغبة بعض الصحابة بزيادة رزق عمر ورفضه ذلك:
وأخرج الطبري عن سالم بن عبد الله قال: لما ولي عمر رضي الله عنه قعد على رزق أبي بكر رضي الله عنه الذي كانوا فرضوا له، فكان بذلك فاشتدت حاجته، فاجتمع نفر من المهاجرين منهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير رضي الله عنهم.
فقال الزبير؛ لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه، فقال علي؛ وددنا قَبل ذلك، فانطلقوا بنا، فقال عثمان: إنّه عمر فهلُّموا فلنستبرىء ما عنده من وراء، نأتي حفصة فنسأله ونستكتمها.
فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر ولا تسمِّي له أحداً إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها.
فلقيت عمر في ذلك فعرفت الغضب في وجهه، وقال: من هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك، فقال: لو علمت من هم لسؤت وجوههم، أنت بيني وبينهم، أنشدك بالله: ما أفضل ما اقتنى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيتك من الملبس؟ قالت؛ ثوبين مُمَشَّقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع.
قال: فأيُّ الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: خبزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عُكَّة لنا، فجعلناها هشَّة دسمة، فأكل منها وتطعَّم منها إستطابة لها.
قال: فأيُّ مبسط كان يبسطه عندك كان أوطأ؟ قالت: كساء لنا ثخين كنا نربِّعه في الصيف فنجعله تحتنا، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثَّرنا بنصفه.
قال: يا حفصة، فأبلغيهم عني أن رسول الله قَدَّر فوضع الفُضول مواضعها وتبلغ بالتزجية، وإني قدرت فو الله وضعنَّ الفُضول مواضعها لأتبلغنَّ بالتزجية، وإنما مثلي ومثل صاحبيَّ كثلاثة سلكوا طريقاً، فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ ثم اتَّبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم اتَّبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما.
وأخرجه أيضاً ابن عساكر عن سالم بن عبد الله فذكر نحوه، كما في منتخب الكنز.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري قال: أتيت مجلساً في جامع البصرة، فإذا أنا بنفر من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتذاكرون زهد أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما وما فتح الله عليهما من الإِسلام وحسن سيرتهما، فدنَوت من القوم، فإذا فيهم الأحنف بن قيس التميمي رضي الله عنه (جالس) معهم، فسمعته يقول: أخرَجنا عمر بن الخطاب في سرية إلى العراق ففتح الله علينا العراق وبلد فارس، فأصبنا فيها من بياض فارس، وخراسان، فجعلناه معنا واكتسينا منها.
فلما قدمنا على عمر أعرض عنا بوجهه وجعل لا يكلمنا، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتينا إبنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو جالس في المسجد، فشكونا إليه ما نزل بنا من الجفاء من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فقال عبد الله: إن أمير المؤمنين رأى عليكم لباساً لم يرَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبسه ولا الخليفة من بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فأتينا منازلنا فنزعنا ما كان علينا وأتيناه في البِزة التي كان يعهدنا فيها، فقام يسلم علينا على رجل رجل، ويعانق منَّا رجلاً رجلاً؛ حتى كأنه لم يرنا قبل ذلك، فقدَّمنا إليه الغنائم فقسمها بيننا بالسوية، فعُرض عليه في الغنائم سلال من أنواع الخبيص من أصفر وأحمر، فذاقه عمر فوجده طيبَ الطعم طيبَ الريح، فأقبل علينا بوجهه وقال: والله يا معشر المهاجرين والأنصار ليقتلن منكم الابن أباه والأخ أخاه على هذا الطعام ثم أمر به فحُمل إلى أولاد من قُتلوا بين يديّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المهاجرين والأنصار.
ثم إنَّ عمر قام منصرفاً فمشى وراءه أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أثره، فقالوا: ما ترون يا معشر المهاجرين والأنصار إلى زهد هذا الرجل وإلى حِلْيته؟ لقد تقاصرت إِلينا أنفسنا مذ فتح الله على يديه ديار كسرى وقيصر، وطرفي المشرق والمغرب، ووفود العرب والعجم يأتونه فيَرون عليه هذه الجبَّة وقد رقعها إثنتي عشرة رقعة، فلو سأَلتم معاشر أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وأنتم الكبراء من أهل المواقف والمشاهد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسابقين من المهاجرين والأنصار ـ يغير هذه الجبة بثوب ليِّن يُهاب فيه منظره، ويُغدَى عليه بجفنة من الطعام، ويُراح عليه بجفنة يأكله ومن حضره من المهاجرين والأنصار.
فقال القوم بأجمعهم: ليس لهذا القول إلا علي بن أبي طالب فإنه أجرأ الناس عليه وصهره على إبنته، أو إبنته حفصة فإنها زوجة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مُوجب لها لموضعها من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكلموا علياً، فقال عليٌّ: لست بفاعل ذلك، ولكن عليكم بأزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنهن أمهات المؤمنين يجترئن عليه.
قال الأحنف بن قيس: فسألوا عائشة وحفصة رضي الله عنهما وكانتا مجتمعتين.
فقالت عائشة: إني سائلة أمير المؤمنين ذلك، وقالت حفصة: ما أراه يفعل وسيبِينُ لك ذلك.
فدخلتا على أمير المؤمنين فقرَّبهما وأدناهما، فقالت عائشة: يا أمير المؤمنين، أتأذن أكلمك؟ قال: تكلَّمي يا أمَّ المؤمنين.
قالت: إنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضى لسبيله إلى جنته ورضوانه لم يُرد الدنيا ولم تُرده، وكذلك مضى أبو بكر رضي الله عنه على إثره لسبيله بعد إحياء سنن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَتَل المكذبين، وأدحض حجة المبطلين بعد عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وإِرضاء رب البرية، فقبضه الله إلى رحمته ورضوانه وألحقه بنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرفيع الأعلى لم يرد الدنيا ولم ترده.
وقد فتح الله على يديك كنز كسرى وقيصر وديارهما، وحُمل إليك أموالهما ودانت لك أطراف المشرق والمغرب ونرجو من الله المزيد وفي الإِسلام التأييد، ورسل العجم يأتونك ووفود العرب يردون عليك وعليك هذه الجبة قد رقعتها إثنتي عشرة رقعة فلو غيَّرتها بثوب لين يُهاب فيه منظرك، ويُغدى عليك بجفنة من الطعام ويُراح عليك بجفنة تأكل أنت ومن حضرك من المهاجرين والأنصار.
فبكى عمر عند ذلك بكاءً شديداً، ثم قال: سألتك بالله هل تعلمين أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبع من خبز برَ عشر أيام أو خمسة أو ثلاثة، أو جمع بين عشاء وغداء حتى لحق بالله؟ فقالت: لا، فأقبل على عائشة فقال: هل تعلمين أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرِّب إليه طعام على مائدة في ارتفاع شبر من الأرض، كان يأمر بالطعام فيوضع على الأرض ويأمر بالمائدة فتُرفع؟ قالتا: اللهمَّ نعم.
فقال لهما: أنتما زوجتا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمهات المؤمنين ولكما على المؤمنين حق وعليَّ خاصة؛ ولكن أتيتما ترغِّباني في الدنيا وإِنِّي لأعلم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبس جبة من الصوف فربما حك جلده من خشونتها، أتعلمان ذلك؟ قالتا اللهمَّ نعم، فقال: هل تعلمين أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرقد على عباءة على طاقة واحدة وكان مِسْحاً في بيتك يا عائشة، تكون بالنهار بساطاً وبالليل فراشاً، فندخل عليه فنرى أثر الحصير على جنبه؟ ألا يا حفصة أنت حدثتيني أنك ثنيت له ذا ليلة فوجد لينها فرقد فلم يستيقظ إلا بأذان بلال، فقال لك: "يا حفصة ماذا صنعت؟ أَثَنيت المهاد ليلتي حتى ذهب بي النوم إلى الصباح؟ ما لي وللدنيا وما لي شغلتموني بلين الفراش" يا حفصة أما تعلمين أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مغفوراً له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أمسى جائعاً، ورقد ساجداً، ولم يزل راكعاً وساجداً وباكياً ومتضرعاً في آناء الليل والنهار إِلى أن قبضه الله برحمته ورضوانه لا أكل عمر طيباً، ولبس ليِّناً، فله أُسوة بصاحبيه، ولا جمع بين أُدْمين إلا الملح والزيت، ولا أكل لحماً إلا في كل شهر ينقضي ما انقضى من القوم.
فخرجتا فخبَّرتا بذلك أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزّ وجلّ.
كذا في منتخب كنز العمال.
ذم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الدنيا أمام أصحابه:
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: مرّ عمر رضي الله عنه على مَزبلة فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذِّوا بها.
فقال: هذه دنياكم التي تحرصون عليها ـ أو تتكلون عليها ـ.
كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي الدرداء لما ابتنى بدمشق قنطرة:
وأخرج ابن عساكر عن سَلَمة بن كلثوم أن أبا الدرداء رضي الله عنه إبتنى بدمشق قنطرة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة، فكتب إليه: يا عُويمر بن أم عويمر، أما كان لك في بنيان فارس، والروم ما يكفيك حتى تبني البنيانات؟ وإِنما أنتم يا أصحاب محمد قدوة.
وعنده أيضاً وهَنَّاد والبيهقي عن راشد بن سعد قال: بلغ عمر أنَّ أبا الدرداء ـ رضي الله عنه ـ ابتنى كنيفاً بحمص، فكتب إليه: أما بعد: يا عُويمر، أما كنت لك كفاية فيما بَنَت الروم عن تزيين الدنيا وقد أمر الله بخرابها كذا في كنز العمال.
وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن راشد بن سعد مثله، وزاد بعد قوله تزيين الدنيا: وتجديدها وقد آذن الله بخرابها، إذا أتاك كتابي هذا فانتقل من حمص إلى دمشق.
قال سفيان: عاقبه بهذا.
كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إِلى عمرو بن العاص - رضي الله عنه - في هدم غرفة خارجة بن حذافة:
وأخرج ابن عبد الحكم عن يزيد بن أبي حبيب قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة رضي الله عنه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه:
سلام، أما بعد فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بني غرفة، ولقد أراد خارجة أن يطَّلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إِن شاء الله، والسلام".
كذا في الكنز.
أم طلق ووصية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
وأخرج بن سعد، والبخاري في الأدب عن عبد الله الرومي قال: دخلتُ على أمِّ طَلْق بيتها، فإذا سقف بيتها قصير، فقلت: ما أقصر سقف بيتك يا أم طَلْق؟ قالت: يا بنيّ إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إِلى عماله أن لا تطيلوا بناءكم؛ فإن شر أيامكم يوم تُطيلون بناءكم.
كذا في الكنز.
كتابه إِلى سعد حين استأذنه في بناء بيت:
وأخرج بن أبي الدنيا، والدِينَوَري عن سفيان بن عُيَينة قال: كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ وهو على الكوفة يستأذنه في بناء بيت يسكنه، فوقَّع في كتابه: ابن ما يسترك من الشمس، ويكنّك من الغيث، فإن الدنيا دار بُلْغة.
وكتب إلى عمر بن العاص رضي الله عنه وهو على مصر: كان لرعيتك كما تحب أن يكون لك أميرك.
كذا في منتخب الكنز.
إِنكار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على رجل بني بالآجر:
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن سفيان قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً بنى بالآجر فقال: ما كنت أحسب أنَّ في هذه الأمة مثل فرعون قال: يريد قوله: "فأوقد لي يا هامانُ على الطين فاجعل لي صَرْحاً".
زهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الأكل:
أخرج عبد الرزاق، وابن عساكر عن عكرمة بن خالد أنَّ حفصة، وابن مطيع، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم كلَّموا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: لو أكلت طعاماً طيِّباً كان أقوى لك على الحق، فقال: قد علمت أنه ليس منكم إلا ناصح، ولكني تركت صاحبيَّ ـ يعني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر رضي الله عنه ـ على جادّة فإنْ تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل.
كذا في منتخب الكنز.
وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف رضي الله عنهما قال: مكث عمر رضي الله عنه زماناً طويلاً لا يأكل من المال شيئاً حتى دخلت عليه في ذلك خَصاصة، وأرسل إلى أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستشارهم، فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه.
فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: كل وأطعم.
وقال ذلك سعيد بن (زيد بن) عمرو بن نفيل رضي الله عنه، وقال: لعلي رضي الله عنه: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء.
فأخذ بذلك عمر.
كذا في منتخب الكنز.
وأخرج عبد بن حُمَيد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً، وألينكم لباساً، لكن أستبقي طيباتي.
وذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب لمَّا قدم الشام صُنع له طعام لم يَرَ قبله مثله، قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال عمر بن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عَينا عمر وقال: لئن كان حظُّنا من هذا الحطام وذهبوا بالجنة لقد بانوا بَوْناً عظيماً.
كذا في المنتخب.
وأخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يومئذٍ أمير المؤمنين يُطرح له صاع من تمر فيأكلها حتى يأكل حشفها.
وعن السائب بن يزيد قال: ربما تعشَّيت عند عمر بن الخطاب فيأكل الخبز واللحم، ثم يمسح يده على قدمه، ثم يقول: هذا منديل عمر وآل عمر.
وعند الدينوَرَي عن ثابت قال: أكل الجارود عند عمر بن الخطاب فلما فرغ قال: يا جارية هلمِّي الدستار ـ يعني المنديل يمسح يده ـ فقال عمر: إمسح يدك بإستِك.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قدم على عمر رضي الله عنه ناس من أهل العراق فرأى كأنهم يأكلون تعذيزاً، فقال هذا يا أهل العراق، لو شئت أن يُدَهْمق لي كما يُدَهمق لكم؛ ولكنا نستبقي من دنيانا نجده في آخرتنا، أما سمعتم الله عزّ وجلّ قال لقوم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (الأحقاف: 20)؟.
وعنده أيضاً وهنَّاد عن حبيب بن أبي ثابت عن بعض أصحابه عن عمر رضي الله عنه أنه قدم عليه ناس من أهل العراق فيهم جرير بن عبد الله رضي الله عنه فأتاهم بجفنة قد صنعت بخبز وزيت، فقال لهم: خذوا، فأخذوا أخذاً ضعيفاً، فقال لهم عمر: قد أرى ما تفعلون، فأي شيء تريدون؟ أحلواً وحامضاً وحاراً وبارداً، ثم قَذْفاً في البطون كذا في منتخب الكنز.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حُمَيد عن حُمَيد بن هلال أنَّ حفص بن أبي العاص رضي الله عنه كان يحضر طعام عمر رضي الله عنه وكان لا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ قال: إن طعامك خشن غليظ، وإني راجع إلى طعام ليِّن قد صنع لي فأصيب منه.
قال: أتراني أعجز أن آمر بشاة فيُلقى عنها شعرها، وآمر بدقيق فينخل في خرقة، ثم آخر به فيخبز خبزاً رُقاقاً، وآمر بصاع من زبيب فيقذف في سُعْن، ثم يُصبُّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال؟ فقال حفص: إني لأراك عالماً بطيِّب العيش.
فقال عمر: أجل، والذي نفسي بيده لولا كراهية أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في (ليِّن) عيشكم.
كذا في منتخب الكنز.
وعند أبي نُعيم في الحلية عن سالم عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: والله ما نعبأ بلذت العيش، أن نأمر بصغار المِعزى فتُسمط لنا.
ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينتبذ لنا في الأسعان، حيى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا، وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيّباتنا لأنا سمعنا الله تعالى يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ـ الآية ـ.
إنكار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على ابنه عبد الله حين رأى عنده اللحم:
وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في الزهد، والعسكري في المواعظ، وابن عساكر عن الحسن قال: دخل عمر على ابنه عبد الله رضي الله عنهم وإنَّ عنده لحماً، فقال: ما هذا اللحم؟ قال: إشتهيت، قال: وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟ كفى بالمرء سَرَفاً أن يأكل كل ما اشتهاه.
كذا في منتخب الكنز.
وصية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليزيد بن أبي سفيان:
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير قال: بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يَرْفَأ: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه أعلمه أتى عمر فسلَّم واستأذن فأذن له فدخل، فقُرِّب عشاؤه، فجاء بثريد ولحم فأكل عمر معه، ثم قُرِّب شواء فبسط يزيد يده وكف عمر، ثم قال عمر: الله يا يزيد بن أبي سفيان أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنّتهم ليخالَفَنَّ بكم عن طريقهم.
كذا في منتخب كنز العمال.
لباس عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ونفقته وبعض سيرته في ذلك:
وأخرج الطبري عن عروة قال: لما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنه أيْلة ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصاً له من كرابيس قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير إلى الأُسقُف، وقال: إغسل هذا وارقعه، فانطلق الأُسقُف بالقميص ورقعه وخاط له آخر مثله، فراح به إلى عمر فقال: ما هذا؟ قال الأُسقْف: أما هذا فقميصك قد غسلته ورقعته، وأما هذه فكسوة لك مني؛ فنظر إليه عمر ومسحه ثم لبس قميصه ورد عليه ذلك القميص، وقال: هذا أنشفهما للعرق.
وأخرجه ابن المبارك عن عروة عن عامل لعمر رضي الله عنه بنحوه؛ كما في المنتخب.
وأخرج الدينَوري وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا عمر رضي الله عنه ـ وهو خليفة ـ يلبس جبة من صوف مرقوعة بعضها بأَدَم، ويطوف بالأسواق وعلى عاتقه الدِّرَّة يؤدب الناس ويمر بالنِكث والنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا به.
وعند أحمد في الزهد وهَنَّاد، وابن جرير، وأبي نُعيم عن الحسن قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس ـ وهو خليفة ـ وعليه إزار فيه اثنا عشر رقعة.
كذا في المنتخب.
وعند مالك عن أنس رضي الله عنه قال: رأيت عمر رضي الله عنه ـ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين ـ وقد رقّع بين كتفيه برقاع ثلاث لبَّد بعضها على بعض.
كذا في الترغيب.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان عمر يقوت نفسه أهله، ويكتسي الحلَّة في الصيف، ولربما خُرق الإِزار حتى يرقعه فما يبدل مكانه حتى يأتي الإِبّان، وما من عام يكثر فيه المال إلا كسوته فيما أرى أدنى من العام الماضي؛ فكلَّمَتْه في ذلك حفصة رضي الله عنها فقال: إنما أكتسي من مال المسلمين وهذا يُبَلِّغني.
كذا في المنتخب.
إرشاد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للمرأة التي طلبت الكسوة منه لأن درعها تخَّرق:
وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: يا أمير المؤمنين إن دِرعي مخرَّق، قال: ألم أكسُك؟ قالت: بلى ولكنه تخرَّق، فدعا لها بدرع نجيب وخيط، وقال لها: البسي هذا ـ يعني الخَلَق ـ إذا خبزت وإذ جعلت البُرمة، والبسي هذا إذا فرغت؛ فإنه لا جديد لمن لا يلبس الخَلَق.
كذا في الكنز.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله.
كذا في المنتخب.
سيرة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - و صورٌ مشرقة من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
وثالث القوم القانت ذو النورين، والخائف ذو الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
كان من الذين: اتّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمّ اتّقَواْ وّأَحْسَنُواْ) [المائدة: 93] فكان ممن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
غالب أحواله الكرم والحياء، والحذر والرجاء، حظه من النهار الجود والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبشر بالبلوى، ومنعم بالنجوى.
وقال أيضاً: كان رضي الله تعالى عنه مبشراً بالمحن والبلوى، ومحفوظا فيها من الجزع والشكوى، يتحرز من الجزع بالصبر، ويتبرر في المحن بالشكر، وكان بالمال إلى رضاء الله متوصلاً، وببذله لعباد الله متنفلاً، ولحظ نفسه منه متقللاً، وفي لباسه متعللاً.
- اسم عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - ونسبه:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب 1, ويلتقي نسبه بنسب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عبد مناف.
وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
2 وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي شقيقة عبد الله والد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويقال: إنهما ولدا توأما (حكاه الزبير بن بكار)، فكان ابن بنت عمة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن خال والدته.
وقد أسلمت أم عثمان وماتت في خلافة ابنها عثمان, وكان ممن حملها إلى قبرها 3، وأما أبوه فهلك في الجاهلية.
- كنية عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولد له من رقية بنت رسول الله غلام سماه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله 4.
- لقب عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
كان عثمان - رضي الله عنه - يلقب بذي النورين، وقد ذكر بدر الدين العيني 1 في شرحه على صحيح البخاري، أنه قيل للمهلب بن أبي صفرة 2: لم قيل لعثمان ذو النورين؟ فقال: لأنا لا نعلم أحدا أرسل سترا على بنتي نبي غيره.
3 وقال عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي: قال لي خالي حسين الجعفي: يا بني، أتدري لِمَ سمي عثمان ذا النورين؟ قلت: لا أدري، قال: لم يجمع بين ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمي ذا النورين.
4 وقيل: سمي بذي النورين لأنه كان يكثر من تلاوة القرآن في كل ليلة في صلاته، فالقرآن نور وقيام الليل نور 5.
- مولد عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
ولد في مكة بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح 6، وقيل: ولد في الطائف، فهو أصغر من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنحو خمس سنين 7.
- صفة عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - الْخَلْقيَّة:
كان رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل، رقيق البشرة، كث اللحية عظيمها، عظيم الكراديس 1، عظيم ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفِّر لحيته.
وقال الزهري: كان عثمان رجلا مربوعا، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع، أروح الرجلين 2, وأقنى 3, خدل الساقين 4, طويل الذراعين، قد كسا ذراعيه جعد الشعر، أحسن الناس ثغرا، جُمَّته 5 أسفل من أذنيه، حسن الوجه، والراجح أنه أبيض اللون، وقد قيل:
أسمر اللون 6.
- مكانة عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - في الجاهلية:
كان عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه؛ فهو عريض الجاه ثري، شديد الحياء، عذب الكلمات، فكان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه.
لم يسجد في الجاهلية لصنم قط ولم يقترف فاحشة قط، فلم يشرب خمرا قبل الإسلام وكان يقول: إنها تُذْهب العقل والعقل أسمى ما منحه الله للإنسان، وعلى الإنسان أن يسمو به، لا أن يصارعه.
وفي الجاهلية كذلك لم تجذبه أغاني الشباب ولا حلقات اللهو، ثم إن عثمان كان يتعفف عن أن يرى عورة 1. ويرحم الله عثمان - رضي الله عنه - فقد يسر لنا سبيل التعرف عليه؛ حيث قال: ما تغنيت، ولا تمنيت، و لا مسست ذكري بيمني منذ بايعت بها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا شربت خمرًا في جاهلية ولا إسلام، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام.
2 وكان - رضي الله عنه - على علم بمعارف العرب في الجاهلية ومنها الأنساب والأمثال وأخبار الأيام، وساح في الأرض فرحل إلى الشام والحبشة، وعاشر أقواما غير العرب فعرف من أحوالهم وأطوارهم ما ليس يعرفه غيره.
3 واهتم بتجارته التي ورثها عن والده، ونمت ثرواته, وأصبح يعد من رجالات بني أمية الذين لهم مكانة في قريش كلها، فقد كان المجتمع المكي الجاهلي الذي عاش فيه عثمان يقدر الرجال حسب أموالهم، ويهاب فيه الرجال حسب أولادهم وإخوتهم ثم عشيرتهم وقومهم، فنال عثمان مكانة مرموقة في قومه، ومحبة كبيرة.
ومن أطرف ما يروى عن حب الناس لعثمان لما تَجَمَّع فيه من صفات الخير أن المرأة العربية في عصره كانت تغني لطفلها أغنية تحمل تقدير الناس له وثناءهم عليه، فقد كانت تقول:
أحبك والرحمن... حبَّ قريش لعثمان 4
- إسلام عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
كان عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - قد ناهز الرابعة والثلاثين من عمره حين دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام، ولم يعرف عنه تكلؤ أو تلعثم بل كان سباقا أجاب على الفور دعوة الصديق، فكان بذلك من السابقين الأولين حتى قال أبو إسحاق: كان أول الناس إسلاما بعد أبى بكر وعلي وزيد بن حارثة عثمان.
1 فكان بذلك رابع من أسلم من الرجال، ولعل سبقه هذا إلى الإسلام كان نتيجة لما حدث له عند عودته من الشام، وقد قصه - رضي الله عنه - على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين دخل عليه هو وطلحة بن عبيد الله، فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن، وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله فآمنا وصدقا، فقال عثمان: يا رسول الله، قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام فإذا منادٍ ينادينا: أيها النيام هبوا، فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك.
2
لا شك أن هذه الحادثة تترك في نفس صاحبها أثرًا إيجابيًا لا يستطيع أن يتخلى عنه، عندما يرى الحقيقة ماثلة بين عينيه، فمن ذا الذي يسمع بخروج النبي قبل أن يصل إلى البلد الذي يعيش فيه، حتى إذا نزله ووجد الأحداث والحقائق تنطق كلها بصدق ما سمع به ثم يتردد في إجابة الدعوة؟ لا يستطيع الإنسان مهما كان مكابرا إلا أن يذعن للحق، ومهما أظهر الجفاء فإن ضميره لا يزال يتلجلج في صدره حتى يؤمن به أو يموت، فيتخلص من وخز الضمير وتأنيبه, ولم تكن سرعة تلبيته عن طيش أو حمق، ولكنها كانت عن يقين راسخ وتصديق لا يتطرق إليه شك.
3 فقد تأمل في هذه الدعوة الجديدة بهدوء كعادته في معالجة الأمور، فوجد أنها دعوة إلى الفضيلة، ونبذ الرذيلة، دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك، دعوة إلى العبادة وترهيب من الغفلة، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وترهيب من الأخلاق السيئة، ثم نظر إلى قومه، فإذا هم يعبدون الأوثان، ويأكلون الميتة، ويسيئون
الجوار، ويستحلون المحارم من سفك الدماء وغيرها.
1 وإذا بالنبي محمد بن عبد الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صادق أمين يعرف عنه كل خير, ولا يعرف عنه شر قط، فلم تعهد عليه كذبة ولم تحسب عليه خيانة، فإذا هو يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى صلة الرحم، وحسن الجوار، والصلاة والصوم, وألا يعبد غير الله 2, فأسلموا على يد أبي بكر الصديق، ومضى في إيمانه قُدُمًا قويا هاديا، وديعا صابرا, عظيما راضيا، عفوا كريما، محسنا رحيما، سخيًّا باذلا، يواسي المؤمنين، ويعين المستضعفين، حتى اشتدت قناة الإسلام.
3
- مناقب عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
لقد حاز عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - شرفاً ما حازه غيره رضي الله عنه، ونال مكانة سامية ومنزلة عليّة بين أصحاب رسول الهدى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنه من شرفت به الدنيا وسمت به في أفياء العلياء، صاحب الإنفاق والبذل، وكريم النفس والسجايا، مع مكانته ومنزلته نتوقف، وفي أفياء النبوة الطاهرة نستمتع بذكر شيء من قدر ذي النورين رضي الله عنه؛ ذو النورين رضي الله عنه رجل حكم المسلمين بالعدل والإحسان، وسار فيهم سيرة سيد الأنام وطبّق فيهم شريعة سيد ولد عدنان عليه الصلاة والسلام، فقد كان كصاحبيه إحساناً وتقوى، وهدىً وعلماً.
حكم الأمة الإسلامية اثنا عشرة سنة، كثرت في عهده الفتوحات، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وجمع القرآن في عهده على حرف واحد ونشر في الأمصار،
ذو النورين رضي الله عنه؛ كان رابع أربعة دخلوا في الإسلام، إنه أمير البررة وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، ومنصور من نصره إنه صاحب الهجرتين، وزوج ابنتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذو النورين أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة.
ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار، فكان ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين.
إنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أبو عمرو وأبو عبد الله القرشي أمير المؤمنين.
لقد جمع الله لعثمان من الفضائل والمكارم ما جعله بحق أن يكون في الدرجة الثالثة في الإسلام بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في فضل عثمان جملةً وتفصيلاً أولاً
مناقب عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -
جملة ً:
(1) عثمان ذو النورين:
(2) حياء عثمان رضي الله عنه:
(3) عثمان - رضي الله عنه - أحد العشرة المبشرين بالجنة: (4) عثمان - رضي الله عنه - ابن عمة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (5) عثمان - رضي الله عنه - من السابقين الأولين في الإسلام: (6) بشارات لعثمان رضي الله عنه: (7) منزلة عثمان بين الصحابة: (8) إنفاقه في سبيل الله تعالى: (9) عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - جامع القرآن العظيم: (10) رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شهد لعثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أنه يُقتل مظلوما: (11) أشاد النبي بخلافة عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - وأمره بالتمسك بها وإن أراد المنافقون أن يُعْزَلَ منها: (12) ابن عمر يشهد ببراءة عثمان مما اتهم به: (13) عدل عثمان ذي النورين رضي الله عنه: ثانياً مناقب عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - تفصيلا ً: (1) عثمان ذو النورين:
قال علي رضي الله عنه: ذاك امرؤ يُدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، كان ختن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنتيه.
(حديث عقبة بن أوس رضي الله عنه الثابت في ظلال الجنة تخريج السنة) قال كنا عند عبد الله بن عمرو فقال أبو بكر الصديق أصبتم اسمه عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه وعثمان بن عفان ذو النورين قتل مظلوما أوتي كفلين من الرحمة.
قال الحسن البصري: سمي عثمان ذا النورين لأنه لا نعلم أحداً أغلق بابه على ابنتي نبيّ غيره.
لقد أكرمه الله تعالى بالزواج من بنت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رقية، وقصة ذلك أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان قد زوجها من عتبة بن أبي لهب، وزوج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت سورة المسد (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) " [المسد: 1 - 5]. قال لهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية "حَمَّالَةَ الْحَطَبِ" فارقا ابنتي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من الله تعالى لهما، وهوانًا لابني أبي لهب (1), وما كاد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يسمع بخبر طلاق رقية حتى استطار (2) فرحا، وبادر فخطبها من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فزوجها الرسول الكريم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منه، وزفتها (3) أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وقد كان عثمان من أبهى قريش طلعة، وكانت هي تضاهيه قسامة وصباحة، فكان يقال لها حين زفت إليه: أحسن زوجين رآهما إنسان... رقية، وزوجها عثمان (4) ظنت أم جميل بنت حرب وزوجها أبو لهب أنهما بتسريح رقية وأم كلثوم -رضي الله عنهما- سيصيبان من البيت المحمدي مقتلا أو سيوهنانه، ولكن الله -عز وجل- اختار لرقية وأم كلثوم الخير، وباءت أم جميل وأبو لهب بغيظهما لم ينالا خيرا, وكفى الله البيت النبوي شرهما، وكان أمر الله قدرا مقدورا (5).
(2) حياء عثمان رضي الله عنه:
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.12345
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الأدب المفرد): أن أبا بكر استأذن على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مضطجع على فراش عائشة، لابسا مرط عائشة- فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف.
ثم استأذن عمر رضي الله عنه، فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف.
قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس.
وقال لعائشة: "" اجمعي إليك ثيابك "".
فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت.
قال: فقالت عائشة: يا رسول الله! لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت أن أذنت له- وأنا على تلك الحال- أن لا يبلغ إلي في حاجته.
استحياء الملائكة من عثمان رضي الله عنه:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) قالت كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسوى ثيابه قال محمد ولا أقول ذلك في يوم واحد فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
(دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا تهتش بالتاء بعد الهاء، وفي بعض النسخ الطارئة بحذفها وكذا ذكره القاضي وعلى هذا فالهاء مفتوحة يقال هش يهش كشم يشم، وأما الهش الذي هو خبط الورق من الشجر فيقال منه هش يهش بضمها، قال الله تعالى: ﴿وأهش بها﴾ قال أهل اللغة: الهشاشة والبشاشة بمعنى طلاقة الوجه وحسن اللقاء، ومعنى لم تباله لم تكترث به وتحتفل لدخوله.
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة" هكذا هو في الرواية أستحي بياء واحدة في كل واحدة منهما، قال أهل اللغة: يقال استحيي يستحيي بياءين واستحي ويستحي بياء واحدة لغتان الأولى أفصح وأشهر وبها جاء القرآن،
وفيه فضيلة ظاهرة لعثمان وجلالته عند الملائكة، وأن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة.
(3) عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أحد العشرة المبشرين بالجنة:
(حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي يقول أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.
أهـ
(4) عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - ابن عمة النبي -
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
أمه أروى بنت كريز بن ربيعة كانت عمة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبذلك نال فضل القربة إلى رسول الله كما نال فضل الصهر والصحبة.
(5) عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - من السابقين الأولين في الإسلام:
كان عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - من السابقين الأولين في الإسلام كان رابع أربعة دخلوا في الإسلام.
قال ابن إسحاق: عثمان أول الناس إسلاماً بعد أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة، كما كان ممن تحمل وصبر على الإيمان، فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً، وقال: ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك أبداً حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.
(6) بشارات لعثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
(حديث أبي موسى رضي الله عنه قال الثابت في الصحيحين): كنت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (افتح له وبشره بالجنة).
ففتحت له، فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (افتح له وبشره بالجنة).
ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: (افتح له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه).
فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحمد الله، ثم قال: الله المستعان.
(حائط من حيطان المدينة) أَيْ: بُسْتَان
(افتح له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه).
أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا إِلَى مَا أَصَابَ عُثْمَانَ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ يَوْمَ الدَّارِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أبو بكر وعمر وعثمان وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفَضِيلَةٌ لِأَبِي مُوسَى، وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِخْبَارِهِ بِقِصَّةِ عُثْمَانَ، وَالْبَلْوَى من معجزات رسول الله، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْهُدَى.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صعد أحدا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وِصِدِّيْق، وشهيدان).
(فَرَجَفَ) أَيْ: تَحَرَّكَ أُحُدٌ وَاضْطَرَبَ
" اثْبُتْ" أَمْرٌ مِنَ الثَّبَاتِ، وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ " أُحُدُ" بِضَمِّ الدَّالِ مُنَادَى قَدْ حُذِفَ حَرْفُ نِدَائِهِ تَقْدِيرُهُ: يَا أُحُدُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَنِدَاؤُهُ وَخِطَابُهُ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ اثْبُتْ.
انْتَهَى
" وَصِدِّيقٌ" هُوَ أَبُو بَكْرٍ وفضله - رضي الله عنه - " وَشَهِيدَانِ" هُمَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-.
﴿تنبيه﴾: وَالْمُرَادُ: شُهَدَاءُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَعِظَمِ ثَوَابِ الشُّهَدَاءِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ الصحابة هَؤُلَاءِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّمْيِيزِ فِي الْحِجَارَةِ وَجَوَازُ التَّزْكِيَةِ وَالثَّنَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إِذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.
﴿تنبيه﴾: وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
(7) منزلة عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - بين الصحابة:
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: كنا في زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا نفاضل بينهم.
وَفِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(8) إنفاق عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - في سبيل الله تعالى:
علم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه رضي الله عنهم كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ولقد ضرب عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أروع المثل في ذلك فعلى الرغم أنه كان تاجراً موفقاً ومن أصحاب الدخول الرغيدة إلا أنه كان آيةً في الإنفاق في سبيل الله تعالى وآيةً في تحقيق الزهد لأن الزهد ليس أن تملك المال، بل الزهد أن تملك الدنيا بأسرها لكنها تكون في يديك ولا تقترب من قلبك، وكان عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - مثلاً أعلى في ذلك، وهاك بعض مواقفه الدالة على ذلك: حفر بئر رومة وتجهيز جيش العسرة:
علم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
وقد ضرب عثمان بن عفان ذو النورين عمر أروع المثل في ذلك في مشاهد كثيرة منها حفر بئر رومة وتجهيز جيش العسرة و توسعة المسجد النبوي.
(حديث أبي عبد الرحمن رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن عثمان رضي الله عنه حين حوصر أشرف عليهم وقال: (أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألستم تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته؟ قال فصدقوه بما قال.
(حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال جاء عثمان إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقلبها في حجره ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(يُقَلِّبُهَا) أَيِ: الدَّنَانِيرَ "
﴿مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ﴾ 1 " أَيْ: فَلَا عَلَى عُثْمَانَ بَأْسُ الَّذِي عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا مَغْفُورَةٌ مُكَفَّرَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ﴾ 2
يقول ابن شهاب الزهري:
قَدّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذه.
توسعة المسجد النبوي:
بعد بناء مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانتشار الإسلام وزيادة عدد المسلمين، ضاقت مساحة المسجد النبوي بالمسلمين، فرغب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تضم إلى المسجد حتى يتسع لأهله، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من صلب ماله وهكذا كان عثمان بن عفان سباقاً للخير ووسع على المسلمين ونال شرف أن يجري الله أول توسعة للمسجد النبوي على يديه رضي الله عنه وأرضاه.
(حديث ثمامة بن حزن القشيري رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي والنسائي) قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذَيْنِ ألْبَاكُم عليَّ قال فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران قال فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم المدينة وليس بها ماء يُسْتَعْذَبُ غيرُ بئر رومة فقال من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب حتى أشرب من ماء البحر قالوا اللهم نعم،
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين قالوا اللهم نعم،
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي قالوا اللهم نعم ثم قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال فركضه برجله وقال اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان قالوا اللهم نعم قال الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثا.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(فَقَالَ ائْتُونِي بِصَاحِبَيْكُمُ الَّذَيْنِ أَلَّبَاكُمْ عَلَيَّ) مِنْ أَلَّبْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ أَيْ: جَمَعْتُهُمْ عَلَيْهِ وَحَمَلْتُهُمْ عَلَى قَصْدِهِ فَصَارُوا عَلَيْهِ إِلْبًا وَاحِدًا أَيِ: اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَقْصِدُونَهُ (أَنْشُدُكُمْ) بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ: أَسْأَلُكُمْ (بِاللَّهِ، وَالْإِسْلَامِ) أَيْ: بِحَقِّهِمَا يُقَالُ: نَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ إِذَا قُلْتُ لَهُ نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَيْ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ كَأَنَّكَ ذَكَّرْتَهُ إِيَّاهُ.
(وَلَيْسَ بِهَا) أَيْ: بِالْمَدِينَةِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ) أَيْ: يُعَدُّ عَذْبًا أَيْ: حُلْوًا (غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ وقف عثمان له) بِرَفْعِ غَيْرُ وَجُوِّزَ نَصْبُهُ، وَالْبِئْرُ مَهْمُوزٌ وَيُبْدَلُ " فَيُجْعَلُ دَلْوُهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ" بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ دَلْوٍ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَقْفِ الْعَامِّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ السِّقَايَاتِ، وَعَلَى خُرُوجِ الْمَوْقُوفِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ سَوَاءً.
وَفِيهِ جَوَازُ تَحَدُّثِ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ، أَوْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفَاخَرَةِ، وَالْمُكَاثَرَةِ، وَالْعُجْبِ.
(مِنْ صُلْبِ مَالِي) بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ: أَصْلِهِ، أَوْ خَالِصِهِ (حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ) أَيْ: مِمَّا فِيهِ مُلُوحَةٌ كَمَاءِ الْبَحْرِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ: مَاءٍ يُشْبِهُ الْبَحْرَ (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ) أَيْ: مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدِينَةِ " فَيَزِيدُهَا" أَيْ: تِلْكَ الْبُقْعَةَ (أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْمَسْجِدِ (كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ) بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ جَبَلٌ بِمَكَّةَ، وَفِي الْمِصْبَاحِ: جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَهُوَ يُرَى مِنْ مِنًى، وَهُوَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ثَبِيرٌ جَبَلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى، وَهُوَ جَبَلٌ كَبِيرٌ مُشْرِفٌ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ بِمَعْنًى، وَبِمَكَّةَ جِبَالٌ، كُلٌّ مِنْهَا اسْمُهُ ثَبِيرٌ (بِالْحَضِيضِ) أَيْ: أَسْفَلَ الْجَبَلِ وَقَرَارِ الْأَرْضِ (فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ) أَيْ: ضَرَبَهُ بِهَا " اسْكُنْ ثَبِيرُ " أَيْ: يَا ثَبِيرُ (قَالَ) أَيْ: عُثْمَانُ (اللَّهُ أَكْبَرُ) كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ عِنْدَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ وَتَبْكِيتِهِ تَعَجُّبًا مِنْ إِقْرَارِهِمْ بِكَوْنِهِ عَلَى الْحَقِّ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَاهُ (ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ خُصَمَاءَهُ عَلَى الْبَاطِلِ عَلَى طَرِيقٍ يُلْجِئُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ، أَوْرَدَ حَدِيثَ ثَبِيرِ مَكَّةَ وَأَنَّهُ مِنْ أَحَدِ الشَّهِيدَيْنِ مُسْتَفْهِمًا عَنْهُ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَأَكَّدُوا إِقْرَارَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ تَعَجُّبًا وَتَعْجِيبًا وَتَجْهِيلًا لَهُمْ وَاسْتِهْجَانًا لِفِعْلِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ: {أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ
اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَقُولُ: " هَذِهِ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ} (1) ".
(9) عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - جامع القرآن العظيم:
عثمان ذو النورين، جامع القرآن العظيم، والإمام الخاشع البكاء الشجاع، كان مكثراً من تلاوة وتدبر كلام الله رب العالمين، كان المنهج التربوي الذي تربى عليه عثمان بن عفان وكل الصحابة الكرام هو القرآن الكريم، المنزل من عند رب العالمين، فهو المصدر الوحيد للتلقي، فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر التلقي وتفرده، وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج الذي يتربى عليه الفرد المسلم والأسرة المسلمة والجماعة المسلمة، فكانت الآيات الكريمة التي سمعها عثمان - رضي الله عنه - من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مباشرة لها أثرها في صياغة شخصية ذي النورين الإسلامية؛ فقد طهرت قلبه، وزكت نفسه، وتفاعلت معها روحه؛ فتحول إلى إنسان جديد بقيمه ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته.
2
وقد تعلق عثمان - رضي الله عنه - بالقرآن الكريم، وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي كيف تعلمه من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وله أقوال تدل على حبه الشديد للعيش مع كتاب الله تعالى؛ فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة (3), وذلك أن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) [ص: 29] وقد روى عثمان - رضي الله عنه - عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قوله: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
31
وقد عرض القرآن الكريم كاملا على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل وفاته.
ومن أشهر تلاميذ عثمان في تعلم القرآن الكريم أبو عبد الرحمن السلمي، والمغيرة بن أبي شهاب وأبو الأسود، وزر بن حبيش.
1 وقد حفظ لنا التاريخ بعض أقوال عثمان - رضي الله عنه - في القرآن الكريم منها ما يلي:
قال عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله عز وجل.
2
وقال أيضاً: إني لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر فيه إلى عهد الله 3 (يعني المصحف).
وقال أيضاً: حُبب إليَّ من الدنيا ثلاث: إشباع الجيعان، وكسوة العريان، وتلاوة القرآن.
4
وقال أيضاً: أربعة ظاهرهن فضيلة وباطنهن فريضة: مخالطة الصالحين فضيلة والاقتداء بهم فريضة، وتلاوة القرآن فضيلة والعمل به فريضة، وزيارة القبور فضيلة والاستعداد للموت فريضة، وعيادة المريض فضيلة واتخاذ الوصية منه فريضة.
(5) وقال - رضي الله عنه -: أضيع الأشياء عشرة: عالم لا يُسْأل عنه، وعلم لا يعمل به، ورأي صواب لا يقبل، وسلاح لا يستعمل، ومسجد لا يصلى فيه، ومصحف لا يقرأ فيه، ومال لا ينفق منه، وخيل لا تُرْكب، وعلم الزهد في بطن من يريد الدنيا، وعمر طويل لا يتزود صاحبه فيه لسفره.
6
وكان - رضي الله عنه - حافظا لكتاب الله، وكان حجره لا يكاد يفارق المصحف، فقيل له في ذلك فقال: إنه مبارك جاء به مبارك.
7 وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم 8 النظر فيه.
وقالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فوالله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة 9, وقد ذكر عنه أنه قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها 10, وقد تحقق فيه قول الله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا5
يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) [الزمر: 9].
لقد تشرب عثمان - رضي الله عنه - بالمنهج القرآني وتتلمذ على يدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعرف من خلال القرآن الكريم من هو الإله الذي يجب أن يعبده، وكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يغرس في نفسه معاني تلك الآيات العظيمة، فقد حرص - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يربي أصحابه على التصور الصحيح عن ربهم وعن حقه عليهم، مدركا أن هذا التصور سيورث التصديق واليقين عندما تصفى النفوس وتستقيم الفطرة، فأصبحت نظرة ذي النورين إلى الله عز وجل، والكون والحياة والجنة والنار، والقضاء والقدر، وحقيقة الإنسان، وصراعه مع الشيطان مستمدة من القرآن الكريم وهدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(10) رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شهد لعثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أنه يُقتل مظلوما:
(حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِتْنَةً فَقَالَ يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا مَظْلُومًا لِعُثْمَانَ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
" يُقْتَلُ" بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ " هَذَا" أَيْ: عُثْمَانُ " فِيهَا " أَيْ: فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ (لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) بَيَانُ هَذَا.
(11) أشاد النبي بخلافة عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - وأمره بالتمسك بها وإن أراد المنافقون أن يُعْزَلَ منها:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه يقول ذلك ثلاث مرات.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه: أَيْ: حَمَلُوكَ عَلَى نَزْعِهِ " فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ " يَعْنِي إِنْ قَصَدُوا عَزْلَكَ عَنِ الْخِلَافَةِ فَلَا تَعْزِلْ نَفْسَكَ عَنْهَا لِأَجْلِهِمْ لِكَوْنِكَ عَلَى الْحَقِّ وَكَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، فَلِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَا عَزَلَ نَفْسَهُ حِينَ حَاصَرُوهُ يَوْمَ الدَّارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَعَارَ الْقَمِيصَ لِلْخِلَافَةِ وَرَشَّحَهَا بِقَوْلِهِ عَلَى خَلْعِهِ.
(12) ابن عمر يشهد ببراءة عثمان مما اتهم به:
(حديث عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالُوا قُرَيْشٌ قَالَ فَمَنْ هَذَا الشَّيْخُ قَالُوا ابْنُ عُمَرَ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي أَنْشُدُكَ اللَّهَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ أَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْ قَالَ نَعَمْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ أَوْ تَحْتَهُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكَ أَجْرُ رَجُلٍ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمُهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلُفَ عَلَيْهَا وَكَانَتْ عَلِيلَةً وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَانَ عُثْمَانَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُثْمَانَ إِلَى مَكَّةَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ وَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ هَذِهِ لِعُثْمَانَ قَالَ لَهُ اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوهِبٍ)، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ وَسَطٌ وَهُوَ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقِهِمْ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا) أَيْ: جَالِسِينَ (فَمَنْ هَذَا الشَّيْخُ) أَيْ: فَمَنْ هَذَا الْعَالَمُ الْكَبِيرُ (أَنْشُدُكَ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَسْأَلُكَ (أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ الفتنة بين الصحابة إِلَخْ) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ مِمَّنْ يَتَعَصَّبُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَرَادَ بِالْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ أَنْ يُقَرِّرَ مُعْتَقَدَهُ وَلِذَلِكَ كَبَّرَ مُسْتَحْسِنًا لِمَا أَجَابَهُ بِهِ ابْنُ عُمَرَ (فَلَمْ يَشْهَدْهَا) أَيْ: فَلَمْ يَحْضُرْهَا (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ الْحَاجُّ (اللَّهُ أَكْبَرُ) كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ عِنْدَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ وَتَبْكِيتِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ تَعَالَ حَتَّى أُبَيِّنَ لَكَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ) كَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنْهُ مُرَادَهُ لَمَّا كَبَّرَ وَإِلَّا لَوْ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ سُؤَالِهِ لَقَرَنَ الْعُذْرَ بِالْجَوَابِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَابَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَأَظْهَرَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ الْعُذْرَ عَنْ جَمِيعِهَا، أَمَّا الْفِرَارُ فَبِالْعَفْوِ، وَأَمَّا التَّخَلُّفُ فَبِالْأَمْرِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ تَرَتُّبِ الْأَمْرَيْنِ الدُّنْيَوِيِّ وَهُوَ السَّهْمُ، وَالْأُخْرَوِيِّ وَهُوَ الْأَجْرُ، وَأَمَّا الْبَيْعَةُ فَكَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَيَدُ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرٌ لِعُثْمَانَ مِنْ يَدِهِ (فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ) يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى
(عِنْدَهُ، أَوْ تَحْتَهُ) أَيْ: تَحْتَ عَقْدِهِ وَ أَوْ لِلشَّكِّ (ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) هِيَ رُقَيَّةُ فَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ﴿خَلَّفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُثْمَانَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَلَى رُقَيَّةَ فِي مَرَضِهَا لَمَّا خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ فَمَاتَتْ رُقَيَّةُ حِينَ وَصَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِالْبِشَارَةِ وَكَانَ عُمْرُ رُقَيَّةَ لَمَّا مَاتَتْ عِشْرِينَ سَنَةً﴾ (فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ) أَيْ: عَلَى مَنْ بِهَا مَكَانَ عُثْمَانَ أَيْ: بَدَلَهُ (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ) أَيْ: بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عُثْمَانَ لِيُعْلِمَ قُرَيْشًا أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا لَا مُحَارِبًا فَفِي غَيْبَةِ عُثْمَانَ شَاعَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَعَرَّضُوا لِحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَعَدَّ الْمُسْلِمُونَ لِلْقِتَالِ وَبَايَعَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَئِذٍ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَذَلِكَ فِي غَيْبَةِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: بَلْ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبَيْعَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ الْيُمْنَى) أَيْ: أَشَارَ بِهَا (هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ) أَيْ: بَدَلَهَا (وَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ) أَيِ: الْيُسْرَى (وَقَالَ هَذِهِ لِعُثْمَانَ) أَيْ: هَذِهِ الْبَيْعَةُ عَنْ عُثْمَانَ من مناقب عثمان (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (لَهُ) أَيْ: لِلرَّجُلِ الْحَاجِّ السَّائِلِ (اذْهَبْ بِهَذَا الْآنَ مَعَكَ) اقْرِنْ هَذَا الْعُذْرَ بِالْجَوَابِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَكَ فِيمَا أَجَبْتُكَ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَا كُنْتَ تَعْتَقِدُهُ مِنْ غَيْبَةِ عُثْمَانَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ تَحَكُّمًا بِهِ أَيْ: تَوَجَّهْ بِمَا تَمَسَّكْتَ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ بَعْدَمَا بَيَّنْتُ لَكَ قَوْلُهُ.
﴿تنبيه﴾: وهذا موقف جليل، وشهادة صدق من ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، يقدم رجل من بلاد مصر، وقد نبتت عنده نبتة فتنة، وترسخ في قلبه جذر شبهة، وتنامى على لسانه حديث لوثته الشائعات وقبحته الأهواء.
(13) عدل عثمان ذي النورين رضي الله عنه:
أخرج السمَّان في الموافقة عن أبي الفرات قال: كان لعثمان رضي الله عنه عبد، فقال له: إني كنت عركت أُذنك فاقتصَّ مني، أخذ بأذنه ثم قال عثمان رضي الله عنه: أشدد، يا حبذا قصص في الدنيا، لا قصاص في الآخرة.
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري.
مقتل عثمان - رضي الله عنه -:
أخرج أبو أحمد عن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه قال: لما اشتد الحصار بعثمان رضي الله عنه يوم الدار أشرف على الناس فقال: يا عباد الله، قال: فرأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه خارجاً من منزله، معتماً بعمامة رسول الله، متقلداً سيفه، أمامه الحسن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ في نفر من المهاجرين والأنصار حتى حملوا على الناس وفرقوهم.
ثم دخلوا على عثمان رضي الله عنه فقال له عليٌّ رضي الله عنه: السلام عليك يا أمير المؤمنين، إنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يَلْحَق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإني ـ والله ـ لا أرى القوم إلا قاتليك، فمرنا فلنقاتل.
فقال عثمان رضي الله عنه:
"أنشد الله رجلاً رأى لله حقاً، وأقر أنَّ لي عليه حقاً؛ أن يُهريق في سببي ملء حجمة من دم، أو يهريق دمه فيَّ".
فأعاد عليٌّ رضي الله عنه عليه القول.
فأجابه بمثل ما أجابه.
قال: فرأيت علياً خارجاً من الباب وهو يقول: اللهمَّ إِنَّك تعلم أنا بذلنا المجهود.
ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة.
فقالوا له: يا أبا الحسن، تقدَّم فصلِّ بالناس.
فقال: لا أصلِّي بكم والإِمام محصور، ولكن أصلِّي وحدي، فصلّى وحده وانصرف إلى منزله، فلحقه إبنه وقال: والله يا أبت قد اقتحموا عليه الدار.
قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هم والله قاتلوه.
قالو: أين هو يا أبا الحسن؟ قال: في الجنة ـ والله ـ زلفى.
قالوا: وأين هم يا أبا الحسن؟ قال: في النار والله ـ ثلاثاً ـ. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
وأخرح أبو أحمد عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال: دخل أبو قَتادة ورجل آخر على عثمان ـ رضي الله عنهم ـ وهو محصور، فاستأذناه في الحج فأذن لهم.
فقالا له: إن غلب هؤلاء القوم مع من نكون؟ قال: عليكم بالجماعة.
قال: فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك مع من نكون؟ قال: فالجماعة حيث كانت، فخرجنا فاستقبلنا الحسن بن علي رضي الله عنهما عند باب الدار داخلاً على عثمان رضي الله عنه، فرجعنا معه لنسمع ما يقول: فسلَّم على عثمان ثم قال: يا أمير المؤمنين مرني بما شئت، فقال عثمان:
"يا ابن أخي، إرجع واجلس حتى يأتي الله بأمره".
فخرج وخرجنا عنه، فاستقبلنا ابن عمر رضي الله عنهما داخلاً إلى عثمان رضي الله عنه، فرجعنا معه نسمع ما يقول، فسلَّم على عثمان رضي الله عنه ثم قال: يا أمير المؤمنين، صحبتُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ أبا بكر رضي الله عنه فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ عمر رضي الله عنه فسمعتُ وأطعتُ ورأيتُ له حقَّ الوالد وحقَّ الخلافة، وها أنا طوع يديك، فمرني بما شئت، فقال عثمان رضي الله عنه:
"جزاكم الله يا آل عمر خيراً ـ مرتين ـ لا حاجة لي في إِراقة الدم.
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
وأخرج أبو عمر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إِني لمحصور مع عثمان رضي الله عنه في الدار.
قال: فرُمِيَ رجل منَّا، فقلت: يا أمير المؤمنين الآن طاب الضِّراب، قتلوا منا رجلاً.
قال: "عزمتُ عليك يا أبا هريرة إِلا رميتَ سيفك، فإنما تُراد نفسي وسَأقِي المؤمنين بنفسي".
قال أبو هريرة رضي الله عنه: فرميت سيفي لا أدري أين هو حتى الساعة.
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
وصية عثمان ذي النورين - رضي الله عنه -:
أخرح الفضائلي الرازي عن العلاء بن الفضل عن أمه قال: لما قُتل عثمان رضي الله عنه
تَّشوا خزانته، فوجدوا فيها صندوقاً مقفلاً، ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوب فيها:
"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم.
عثمان بن عفان يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ الجنة حق، وأنَّ النار حق، وأنَّ الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيي، وعليها يموت وعليها يُبعث إن شاء الله".
وأخرجه أيضاً نظام المُلْك وزاد: ووجدوا في ظهرها مكتوباً:
غنى النفس يُغني النفس حتى يُجلَّها
وإِن غضَّها حتى يَضُرَّ بها الفقرُ
وما عُسرة فاصبر لها إِن لقيتها
بكائنة إِلا سيتبعها يُسْرُ
ومن لم يقاسِ الدهر لم يعرف الأسَى
وفي غَيَر الأيام ما وعد الدهرُ.
صورٌ مشرقة من زهد عثمان ابن عفان - رضي الله عنه -:
عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - هو ثالث الخلفاء الراشدين، كان أزهد الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكرٍ وعمر، لقد فهم عثمان ابن عفان رضي الله عنه من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه:
- يتجلى زهد عثمان رضي الله عنه في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى: فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويتجلى ذلك في المواقف الآتية:
حفر بئر رومة وتجهيز جيش العسرة:
(حديث أبي عبد الرحمن رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن عثمان رضي الله عنه حين حوصر أشرف عليهم وقال: (أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألستم تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته؟ قال فصدقوه بما قال.
(حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال جاء عثمان إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقلبها في حجره ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(يُقَلِّبُهَا) أَيِ: الدَّنَانِيرَ "
﴿مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ﴾ 1 " أَيْ: فَلَا عَلَى عُثْمَانَ بَأْسُ الَّذِي عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا مَغْفُورَةٌ مُكَفَّرَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ﴾ 2
يقول ابن شهاب الزهري:
قَدّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذه.
توسعة المسجد النبوي:
بعد بناء مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانتشار الإسلام وزيادة عدد المسلمين، ضاقت مساحة المسجد النبوي بالمسلمين، فرغب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تضم إلى المسجد حتى يتسع لأهله، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من صلب ماله وهكذا كان عثمان بن عفان سباقاً للخير ووسع على المسلمين ونال شرف أن يجري الله أول توسعة للمسجد النبوي على يديه رضي الله عنه وأرضاه.
(حديث ثمامة بن حزن القشيري رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي والنسائي) قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذَيْنِ ألْبَاكُم عليَّ قال فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران قال فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم المدينة وليس بها ماء يُسْتَعْذَبُ غيرُ بئر رومة فقال من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب حتى أشرب من ماء البحر قالوا اللهم نعم،
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين قالوا اللهم نعم،
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي قالوا اللهم نعم ثم قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال فركضه برجله وقال اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان قالوا اللهم نعم قال الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثا.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(فَقَالَ ائْتُونِي بِصَاحِبَيْكُمُ الَّذَيْنِ أَلَّبَاكُمْ عَلَيَّ) مِنْ أَلَّبْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ أَيْ: جَمَعْتُهُمْ عَلَيْهِ وَحَمَلْتُهُمْ عَلَى قَصْدِهِ فَصَارُوا عَلَيْهِ إِلْبًا وَاحِدًا أَيِ: اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَقْصِدُونَهُ (أَنْشُدُكُمْ) بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ: أَسْأَلُكُمْ (بِاللَّهِ، وَالْإِسْلَامِ) أَيْ: بِحَقِّهِمَا يُقَالُ: نَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ إِذَا قُلْتُ لَهُ نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَيْ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ كَأَنَّكَ ذَكَّرْتَهُ إِيَّاهُ.
(وَلَيْسَ بِهَا) أَيْ: بِالْمَدِينَةِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ) أَيْ: يُعَدُّ عَذْبًا أَيْ: حُلْوًا (غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ وقف عثمان له) بِرَفْعِ غَيْرُ وَجُوِّزَ نَصْبُهُ، وَالْبِئْرُ مَهْمُوزٌ وَيُبْدَلُ " فَيُجْعَلُ دَلْوُهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ" بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ دَلْوٍ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَقْفِ الْعَامِّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ السِّقَايَاتِ، وَعَلَى خُرُوجِ الْمَوْقُوفِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ سَوَاءً.
وَفِيهِ جَوَازُ تَحَدُّثِ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ، أَوْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفَاخَرَةِ، وَالْمُكَاثَرَةِ، وَالْعُجْبِ.