مقدمة في فضل علم الآداب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) الواو بمعنى أو فالتحذير من كل منهما وحده فيتعين أن يعامل كلاً منهما بما يليق به فيعطى الصغير حقه من الرفق به والرحمة والشفقة عليه ويعطى الكبير حقه من الشرف والتوقير، قال الحافظ العراقي: فيه التوسعة للقادم على أهل المجلس إذا أمكن توسعهم له سيما إن كان ممن أمر بإكرامه من الشيوخ شيباً أو علماً أو كونه كبير قوم كما في حديث جرير المار إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
(حديث أبي موسى في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم و حامل القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرام ذي السلطان المقسط.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(إن من إجلال اللّه) أي تبجيله وتعظيمه
(إكرام ذي الشيبة المسلم) أي تعظيم الشيخ الكبير صاحب الشيبة البيضاء الذي عمره في الإيمان وتوقيره في المجالس والرفق به والشفقة عليه
(وحامل القرآن) أي قارئه
(غير الغالي فيه) أي غير المتجاوز الحد في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه وفي حدود قراءته ومخارج حروفه
(والجافي عنه) أي التارك له البعيد عن تلاوته والعمل بما فيه
(وإكرام ذي السلطان) أي سلطان لأنه ذي قهر وغلبة من السلاطة وهي التمكن من القهر قال اللّه تعالى ﴿ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم﴾ ومنه سمي السلطان وقيل ذي حجة لأنه يقام به الحجج.
(المقسط) بضم الميم العادل في حكمه بين رعيته قال ابن الأثير: وقيد بقوله غير الغالي إلخ لأن من أخلاقه التي أمر بها القصد في الأمور والغلو التشديد في الدين ومجاوزة الحد والتجافي البعد عنه.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَمَرَنِي جِبْرِيْلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ.
(حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي.
ولقد تطبّع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه وتقديره انقياداً لتعاليم دينهم، واتباعاً لسنة رسولهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من أشد الناس توقيراً لإخوانه ولمن هو أسن منه، فقد روى عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكباً على حماره، فأخذ له الإمام أحمد بالركاب.
وقال المروزي: رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ (1).
وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال: ((حدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك)) (2)، فهذا خُلُقُهُم - رحمهم الله - فالأسن مقدم ولو كان الفارق ليلة فكيف بسنة أو سنوات؟! فذلك من باب أولى، وروى الحسن بن منصور قال: كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يوماً نعود مريضاً فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني 3.
(45) أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فطوبى فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه و ويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه.
(حديث أنس في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من الناس ناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر و إن من الناس ناسا مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه و ويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس ناساً مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى) أي حسنى أو خيراً وهو من الطيب أي عيش طيب
(لمن جعل اللّه مفاتيح الخير على يديه وويل) شدة حسرة ودمار وهلاك
(لمن جعل اللّه مفاتيح الشر على يديه) قال الحكيم: فالخير مرضاة اللّه والشر سخطه فإذا رضى اللّه عن عبد فعلامة رضاه أن يجعله مفتاحاً للخير فإن رؤى ذكر الخير برؤيته وإن حضر حضر الخير معه وإن نطق نطق بخير وعليه من اللّه سمات ظاهرة لأنه يتقلب في الخير بعمل الخير وينطق بخير ويفكر في خير ويضمر خيراً فهو مفتاح الخير حسبما حضر وسبب الخير لكل من صحبه والآخر يتقلب في شر ويعمل شراً وينطق بشر ويفكر في شر ويضمر شراً فهو مفتاح الشر لذلك فصحبة الأول دواء والثاني داء.
(46) مشورة أهل الصلاح:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق مشورة أهل الصلاح لأن من شاور الناس فقد شاركهم في عقولهم.
قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ) [سورة: آل عمران - الآية: 159]
الشاهد: قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ]
(وشاورهم) استخرج آراءهم
(في الأمر) أي شأنك من الحرب وغيره تطييبا لقلوبهم وليستن بك وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثير المشاورة لهم.
و قال تعالى: (وَالّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [سورة: الشورى - الآية: 38]
الشاهد: قوله تعالى [وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ]
(وأمرهم شورى بينهم) يتشاورون فيه ولا يعجلون، فالمشورة من صفات المؤمنين بنص القرآن الكريم.
مسألة: ما هو واجب المستشار؟
يجب على المستشار شيئين متلازمين إذا أراد النجاة هما:
[^fn2058] أداء الأمانة في المشورة لأنه مؤتمن بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المستشارُ مُؤتَمَن.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[المستشارُ مُؤتَمَن]
(المستشار مؤتمن) أي أمين على ما استشير فيه فمن أفضى إلى أخيه بسره وأمنه على نفسه فقد جعله بمحلها فيجب عليه أن لا يشير عليه إلا بما يراه صواباً.
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من أُفْتِىَ بغير علمٍ كان إثْمُه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ أن الرشدَ في غيرهِ فقد خانَه.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[و من أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ أن الرشدَ في غيرهِ فقد خانَه].
- يجب على المستشار كذلك أن لا يكن همه رضا من استشاره وليكن همه رضا الله تعالى ولو بسخط الناس.
(حديث معاوية في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، و من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس.
(47) اجتناب العصبية فإنها هلاكٌ مُحَقَّق:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب العصبية فإنها هلاكٌ مُحَقَّق
(حديث ابن مسعود في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعيرِ الذي تردى فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فهو كالبعيرِ الذي تردى فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه]
[فهو كالبعيرِ الذي تردى]: أي كالبعير الذي سقط وهلك في البئر
[فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِه]: أي يُرْفع من البئر بذَنبه أي بذيله فهو هلاك محقق.
(48) اجتناب الغش والخداع للمسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب الغش والخداع للمسلمين فإنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حمل علينا السلاح فليس منا و من غشنا فليس منا.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[و من غشنا فليس منا]
(من غش) أي خان والغش ستر حال الشيء
(فليس منا) أي من متابعينا.
ليس المعنى نفيه عن الإسلام بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين أي ليس هو على سنتنا أو طريقتنا في مناصحة الإخوان كما يقول الإنسان لصاحبه أنا منك يريد الموافقة والمتابعة قال تعالى عن إبراهيم ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن النَّجَش.
(نهى عن النَّجش) الزيادة في ثمن السلعة لا لرغبة الشراء بل ليخدع غيره من المسلمين ويوقعه فيها وهو خداع وغش والعياذ بالله.
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من خَبَّبَ امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[ليس منا من خَبَّبَ امرأةً على زوجها أو عبداً على سيده]
(ليس منا من خبب امرأة على زوجها) أي خدعها وأفسدها عليه
قال النووي في الأذكار: فيحرم أن يحدث قِن رجل أو زوجته أو ابنه أو غلامه أو نحوهم بما يفسدهم به عليه إذا لم يكن أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.
ومعنى (ليس منا): أي ليس من متابعينا.
ليس المعنى نفيه عن الإسلام بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين أي ليس هو على سنتنا أو طريقتنا في مناصحة الإخوان كما يقول الإنسان لصاحبه أنا منك يريد الموافقة والمتابعة قال تعالى عن إبراهيم {فمن تبعني فإنه مني.
(حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا مَنَّانٌ وَلَا بَخِيلٌ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا
(خِبٌّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ خَدَّاعٌ يُفْسِدُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْخِدَاعِ
(وَلَا بَخِيلٌ) يَمْنَعُ الْوَاجِبَ مِنَ الْمَالِ البخل
(وَلَا مَنَّانٌ) مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ يَمُنُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ الْعَطَاءِ أَوْ مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ لِمَا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يُجْعَلَ طَاهِرًا مِنْهَا إِمَّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ بِالْعُقُوبَةِ بِقَدْرِهَا تَمْحِيصًا فِي الْعُقْبَى, أَوْ بِالْعَفْوِ عَنْهُ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا
(49) اجتناب الغدر للمسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب الغدر للمسلمين فإنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب، وهو من صفات المنافقين والعياذ بالله.
(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا و من كانت فيه خَصْلَةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان و إذا حدَّث كذب و إذا عاهد غدر و إذا خاصَم فجر.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[و إذا عاهد غدر] فعدها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من صفات المنافقين والعياذ بالله
(وإذا عاهد غدر) أي نقص العهد
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة، يُقالُ هذه غَدْرَةُ فلانٍ بن فلان.
(لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة) لتزداد فضيحته وتتضاعف استهانته
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خَصْمُهُم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر و رجلٌ باع حراً فأكل ثمنه و رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه و لم يُعْطِهِ أجره.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[رجلٌ أعطى بي ثم غدر]
(رجل أعطى بي ثم غدر) أي أعطى يمينه بي أي عاهد عهداً وحلف عليه ثم نقضه.
(50) اجتناب ظلم العباد:
ومن أفضل الآداب في الصحبة ومعاشرة الخلق اجتناب ظلم العباد فإنه بئس الزاد ليوم الميعاد، فالظلم ظلماتٌ يوم القيامة، ودعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب.
قال تعالى: (مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [سورة: غافر - الآية: 18]
(ما للظالمين من حميم) محب
(ولا شفيع يطاع) تقبل شفاعته لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا فما لنا من شافعين أوله مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا
و قال تعالى: (وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ) [سورة: الحج - الآية: 71]
(وما للظالمين) بالإشراك
(من نصير) يمنع عنهم عذاب الله
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب]
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(اتقوا دعوة المظلوم) أي اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم فهو أبلغ من قوله لا تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقاً ثم بين وجه النهي بقوله.
(فإنها تُحمل على الغمام) أي يأمر الله برفعها حتى تجاوز الغمام أي السحاب الأبيض حتى تصل إلى حضرته تقدس
(يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك) بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة وفتح الكاف أي لأستخلصن لك الحق ممن ظلمك
(ولو بعد حين) أي أمد طويل بل دل به سبحانه على أنه يمهل الظالم ولا يهمله
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة) كناية عن سرعة الوصول لأنه مضطر في دعائه وقد قال سبحانه وتعالى ﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ وكلما قوي الظلم قوي تأثيره في النفس فاشتدت ضراعة المظلوم فقويت استجابته والشرر ما تطاير من النار في الهواء شبه سرعة صعودها بسرعة طيران الشرر من النار.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(دعوة المظلوم مستجابة) أي يستجيبها اللّه تعالى يعني فاجتنبوا جميع أنواع الظلم لئلا يدعو عليكم المظلوم فيجاب
(وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه) ولا يقدح ذلك في استجابة دعائه لأنه مضطر ونشأ من اضطراره صحة التجائه إلى ربه وقطعه قلبه عما سواه وللإخلاص عند اللّه موقع وقد ضمن إجابة المضطر بقوله تعالى: (أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ) [النمل: 62].
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي و العقوق.
(بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا) أي قبل موت فاعليها
(البغي) أي مجاوزة الحد والظلم
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة.
(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا]
(قال اللّه تعالى يا عبادي إني حرّمت) أي منعت
(الظلم على نفسي) أي تقدست وتعاليت عنه لأنه مجاوزة والتصرف في ملك الغير وكلاهما في حقي كالمحرم فهو استعارة مصرحة تبعية شبه تنزهه عنه بتحرز المكلف عما نهى عنه
(وجعلته محرماً بينكم) أي حكمت بتحريمه عليكم
(فلا تظالموا) أي لا تتظالموا أي لا يظلم بعضكم بعضاً
(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم و حملهم على أن سفكوا دماءهم و استحلوا محارمهم.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة]
(اتقوا الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه ونحو ذلك قال بعضهم: ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم
(فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما أوقع قدمه في وهدة فهو في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى تجنب سبل الردى فإذا سعى المتقون بنورهم الحاصل بسبب التقوى احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته حتى لا يغني عنه ظلمه شيئاً.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار.
(حديث ابن عمر في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
(من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به) أي هوى به إلى أسفلها، أي بالأخذ غصباً لتلك الأرض المغصوبة
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
(إن اللّه تعالى لَيملي) بفتح اللام الأولى أي ليمهل والإملاء الإمهال والتأخير وإطالة العمر (للظالم) زيادة في استدراجه ليطول عمره ويكثر ظلمه فيزداد عقابه ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ فإمهاله عين عقابه
(حتى إذا أخذه) أي أنزل به نقمته
(لم يُفلته) أي لم يفلت منه.
(والعقوق) للوالدين وإن عليا أو أحدهما أي إيذاؤهما ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الظلم ثلاثة فظلم لا يغفره الله و ظلم يغفره و ظلم لا يتركه فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله: (إن الشرك لظلم عظيم)، و أما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم و بين ربهم و أما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدبر لبعضهم من بعض.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(الظلم) قال ابن حجر: وهو وضع الشيء في غير موضعه الشرعي
(ثلاثة) من الأنواع والأقسام
(فظلم لا يغفره اللّه وظلم يغفره وظلم لا يتركه فأمّا)
الأول وهو (الظلم الذي لا يغفره اللّه فالشرك قال اللّه ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وأمّا) الثاني وهو (الظلم الذي يغفره اللّه فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم) ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ قالوا: نكرة في سياق چ
الشرط فعم كل ما فيه ظلم النفس وقال ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ فهذا لا يدخل
فيه الشرك الأكبر قال ابن مسعود: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا
إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على الصحب وقالوا: يا رسول اللّه أينا لم يظلم
نفسه قال: إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (وأما) الثالث وهو (الظلم الذي لا يتركه اللّه فظلم
العباد بعضهم بعضاً حتى يدير لبعضهم من بعض) علم من هذا ما نقله الذهبي
عن بعض المفسرين أن الظلم المطلق هو الكفر المطلق ﴿والكافرون هم الظالمون
﴾ فلا شفيع لهم غداً ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ والظلم المفيد قد يختص بظلم العبد نفسه وظلم بعضهم بعضاً فالأول من الثاني مغفور إن شاء اللّه والثاني تنصب له موازين العدل فمن سلم من [ص 296] أصناف
الظلم فله الأمن التام ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه فله الأمن ولا بد أن يدخل
الجنة (تنبيه) قال ابن عربي: من ظلم العباد أن يمنعهم حقهم الواجب
عليه أداؤه وقد يكون ذلك بالحال لما يراه على المسكين وهو قادر واجد لسد
خلته ودفع ضرورته.
أهـ
أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا أَنَّ الرَّشِيدَ حَبَسَ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ فَكَتَبَ عَلَى حَائِطِ الْحَبْسِ:
أَمَا وَاَللَّهِ إنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ: وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
إلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي: وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
سَتَعْلَمُ فِي الْمَعَادِ إنْ الْتَقَيْنَا: غَدًا عِنْدَ الْمَلِيكِ مَنْ الظَّلُومُ
فَأُخْبِرَ الرَّشِيدُ بِذَلِكَ فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا، وَدَعَا بِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ فَاسْتَحَلَّهُ وَوَهَبَ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَهُ.
﴿تنبيه﴾: وينبغي على المسلم إن زلت قدمه ووقع في ظلم أن يرد المظالم إلى أهلها وأن يتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.
قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ) [إبراهيم: 42]
تشخص أبصار الخلائق لظهور الأهوال: فلا تغمض الويل لأهل الظلم من ثقل الأوزار، ذكرهم بالقبائح قد ملأ الأقطار، يكفيهم أنهم قد وسموا بالأشرار، ذهبت لذاتهم بما ظلموا وبقي العار، وداروا إلى دار العقاب وملك الغير الدار، وخلوا بالعذاب في بطون تلك الأحجار فلا مغيث ولا أنيس ولا رفيق ولا جار، ولا راحة لهم ولا سكون ولا مزار، سالت دموع أسفهم على سلفهم كالأنهار، شيدوا بنيان الأمل فإذا به قد انهار، أما علموا أن الله جار المظلوم ممن جار، فإذا قاموا في القيامة زاد البلاء على المقدار، سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) لا يغرنك صفاء عيشهم كل الأخير أكدار (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)
قل للمشغولين بالفساد، الواقفين مع العناد، إلى متى ظلم العباد (إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
﴿تنبيه﴾: ويجب عليه أيضاً إن وجد أخاً له وقع في الظلم فإن يجب عليه أن يحجزه ويمنعه من الظلم.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل يا رسول الله: أنصره إن كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره]
(تحجزه عن الظلم) أي تمنعه منه وتحول بينه وبينه
(فإن ذلك نصرة) له أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه الأمارة بالسوء.
(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.
(حديث أبي سفيان في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي و هو غير متعتع.
(51) اجتناب مجالس الظالمين:
وعلى المسلم أن يجتنب اجتناب مجالس الظالمين لئلا يصيبهم العذاب فيصبه ذلك العذاب معهم.
(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسفُ بأولهم و آخرهم، قال قلت يا رسول الله! كيف يُخسفُ بأولهم و آخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يُخسفُ بأولهم و آخرهم ثم يبعثون على نياتهم.
(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.
(52) اجتناب إيذاء المسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب إيذاء المسلمين.
قال تعالى: (وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً) [سورة: الأحزاب - الآية: 58]
(والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) يرمونهم بغير ما عملوا
(فقد احتملوا بهتانا) تحملوا كذبا
(وإثما مبينا) بينا
(حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[: المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده]
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فإيذاء المسلم من نقصان الإسلام والإيذاء ضربان ضرب ظاهر بالجوارح كأخذ المال بنحو سرقة أو نهب وضرب باطن كالحسد والغل والبغض والحقد والكبر وسوء الظن والقسوة ونحو ذلك فكله مضر بالمسلم مؤذ له، وقد أمر الشرع بكف النوعين من الإيذاء وهلك بذلك خلق كثير.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رءوسهنَّ كأسنمةِ البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها و إن ريحَها لتوجد من مسيرة كذا و كذا.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[صنفان من أهل النار لم أرهما: رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس].
(صنفان من أهل النار) أي نار جهنم
(لم أرهما) الضم أي حدثا بعد ذلك العصر
رجالٌ معهم سِياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس.
وهم أعوان والي الشرطة المعروفون بالجلادين فإذا أمروا بالضرب تعدوا المشروع في الصفة والمقدار وربما أفضى بهم الهوى وما جبلوا عليه من المظالم إلى إهلاك المضروب أو تعظيم عذابه.
(حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا ضرر و لا ضرار.
(لا ضرر) أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه
(ولا ضرار) فعال بكسر أوله أي لا يجازي من ضره بإدخال الضرر عليه بل يعفو فالضرر فعل واحد والضرار فعل اثنين.
وفيه تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل لأن النكرة في سياق النفي تعم.
(حديث خالد بن الوليد في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة.
[أشد الناس عذابا للناس في الدنيا أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة] أي كما تدين تدان.
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن الربيع بن خثيم قال: " الناس رجلان: مؤمن فلا تؤذه، وجاهل فلا تجاهله "
﴿تنبيه﴾: يحرم إيذاء المسلمين حتى لو بالإشارة.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يشرْ أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار.
(53) اجتناب احتقار المسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب احتقار المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب لأنه من الكبر الذي يهلك صاحبه لا محالة.
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَىَ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىَ أَن يَكُنّ خَيْراً مّنْهُنّ وَلاَ تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لّمْ يَتُبْ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) [سورة: الحجرات - الآية: 11]
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم "
قيل عند الله وقيل (خيراً منهم) أي معتقداً وأسلم باطناً، والسخرية الاستهزاء.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تحاسدوا و لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و لا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره التقوى هاهنا - و أشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخْذُلُه و لا يَحْقره]
(المسلم أخو المسلم) أي يجمعهما دين واحد ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فهم كالأخوة الحقيقية وهي أن يجمع الشخصين ولادة من صلب أو رحم أو منهما بل الأخوة الدينية أعظم من الحقيقة لأن ثمرة هذه دنيوية وتلك أخروية.
ثم بين مقتضيات هذه الأخوة وحقوقها.
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس]
[بَطَرُ الحقِ]: دفعه وعدم قبوله
[و غَمطُ الناس]: أي احتقارهم وازدرئهم
(حديث جندب بن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك.]
فانظر رحمك الله تعالى كيف كان احتقار المسلم العاصي سبباً في إحباط عمل الذي احتقره واستقل شأنه.
أخرج أبو عبيد عن الحسن أن قوماً قدموا على أبي موسى رضي الله عنه، فأعطى العرب وترك الموالي.
فكتب إليه عمر رضي الله عنه: ألا سويتَ بينهم؟ بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم.
كذا في الكنز.
(54) اجتناب التجسس على المسلمين:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان اجتناب التجسس على المسلمين فإنه داءٌ وبيل بل إنه من قبائح الذنوب وفواحش الذنوب
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [سورة: الحجرات - الآية: 12]
الشاهد: قوله تعالى [وَلاَ تَجَسّسُواْ]
(ولا تجسسوا) حذف منه إحدى التاءين لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[ولا تجسسوا]
مسألة: ما الفرق بين التحسس بالحاء والتجسس بالجيم؟
التجسس البحث عما يكتم عنك، والتحسس (بالحاء) طلب الأخبار والبحث عنها، وقيل: إن التجسس (بالجيم) هو البحث، ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء: هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه.
(55) الاقتصاد في العزلة والمخالطة:
ومن أفضل آداب معاشرة الإخوان الاقتصاد في العزلة والمخالطة، وجدير بالذكر أن لكل من العزلة والمخالطة فوائد وغوائل، وأكثر الزهاد اختاروا العزلة منهم سفيان الثوري والفضيل وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي، ومنهم من اختار المخالطة كسعيد بن المسيب وشُريح والشعبي، وهاك صفوة مسائل الاقتصاد في العزلة والمخالطة: معنى العزلة والخلطة: ضوابط العزلة والخلطة: متى تشرع العزلة؟ معنى التقية وأقسامها: وسطية أهل السنة فى باب التَقِيَّة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: معنى العزلة والخلطة:
أولاً معنى العزلة: قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة: ولسنا نريد ـ رحمك الله ـ بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات وترك حقوقهم في العبادات وإفشاء السلام ورد التحيات وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم فإنها مستثناة بشرائطها جارية على سيلها ما لم يحل دونها حائل شغل ولا يمنع عنها مانع عذر.
إنما نريد بالعزلة "ترك فضول الصحبة" ونبذ الزيادة منها وحط العلاوة التي لا حاجة بك عليها فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شغف النفوس وإلف العادات وترك الاقتصاد فيها والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه كان جديرا ألا يحمد غبه وأن تستوخم عاقبته وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعهن ويأخذ منه فوق قدر حاجته فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة وأسقام متلفة وليس من علم كمن جهل ولا من حرب وامتحن كمن ماد وخاطر.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خذوا بحظكم من العزلة.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: في العزلة راحة من خليط السوء.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة:
ومن مناقب العزلة أنها خالعة عنك ربقة ذل الآمال وقاطعة رق الأطماع ومعيدة عز اليأس من الناس فإن من صحبهم وكان فيهم ومعهم لم يكد يخلو من أن يحدث نفسه بنوع من الطمع فيهم إما في مال أو جاه والطمع فقر حاضر وذل صاغر.
ثانياً: معنى الخلطة:
اما الخلطة فهى المازجة والمداخلة، تقول: خلطت الشىء بغيره فاختلط ورجل مخلط، اى: حسن المداخلة للامور، وعكسه المزيل (انظرمعجم مقاييس اللغه)
ضوابط العزلة والخلطة:
ورد عن النبي صلى الله وعليه وسلم، أحاديث في فضل العزلة، وأخرى في فضل الخلطة، وقد يستشكل بعض الناس كيفية فهم كل من هذه الأحاديث والجمع بينهما ومعرفة ضوابط العزلة والخلطة:
وفصل الخطاب في مسألة العزلة والخلطة أن يقتصد الإنسان في العزلة والمخالطة على التفصيل الآتي:
أولاً يأخذ بحظه من العزلة ليصون وقته الذي هو عمره ويستأنس بمناجاة ربه تعالى ويدارس الكتاب والسنة، وعليه يحمل الأحاديث الآتية:
(حديث أبي سعيد في الصحيحين) قال: قيل يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: رجلٌ يجاهد بنفسه وماله ورجلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد الله ويدعُ الناس من شره.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[ورجلٌ في شعبٍ من الشعاب يعبد الله ويدعُ الناس من شره]
(حديث عقبة ابن عامر في صحيح الترمذي) قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك ولْيسعك بيتُك وابكِ على خطيئتك.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خذوا بحظكم من العزلة.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: في العزلة راحة من خليط السوء.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ابن إبراهيم يقول: لو لم يكن في العزلة أكثر من أنك لا تجد أعوانا على الغيبة لكفى.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن الفضيل بن عياض يقول: من خالط الناس لم يسلم من أحد اثنين إما أن يخوض معهم إذا خاضوا في الباطل أو يسكت إن رأى منكرا فيأثم.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سفيان بن عيينة قال: رأيت الثوري في المنام فقلت له أوصني فقال أقل معرفة الناس أقل معرفة الناس.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن بكر محمد العابد يقول قال لي داود الطائي يا بكر استوحش من الناس كما تستوحش من السبع.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي ذر قال كان الناس ورقا لا شوك فيه فهم اليوم شوك لا ورق فيه.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن مكحول قال: إن كان في مخالطة الناس خير فالعزلة أسلم.
أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابراهيم البخاري يقول دخلت المسجد الحرام بعد المغرب فإذا فضيل جالس فجئت فجلست إليه فقال من هذا فقلت إبراهيم قال ما جاء بك قلت رأيتك وحدك فجلست إليك قال تحب أن تغتاب أو تتزين أو ترائي قلت لا قال قم عني.
وقال داود الطائي رحمه الله تعالى: فِر من الناس كما تفر من الأسد.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن الإمام أحمد: كَانَ أَبِي أَصْبَرَ النَّاسِ عَلَى الْوَحْدَةِ وَقَالَ لَمْ يَرَ أَحَدٌ أَبِي إلَّا فِي مَسْجِدٍ أَوْ حُضُورِ جِنَازَةٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَكَانَ يَكْرَهُ الْمَشْيَ فِي الْأَسْوَاقِ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ: رَأَيْتُ الْوَحْدَةَ أَرْوَحَ لِقَلْبِي.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: ذَكَرْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَلَى أَنْ يَلْتَقِيَا فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ اللِّقَاءَ وَقَالَ يَتَزَيَّنُ لِي وَأَتَزَيَّنُ لَهُ, وَكَفَى بِالْعُزْلَةِ عِلْمًا, وَالْفَقِيهُ الَّذِي يَخَافُ اللَّهَ، وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قُلْ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ أُخْمِلَ ذِكْرُكَ, فَإِنِّي أَنَا قَدْ بُلِيت بِالشُّهْرَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: أَشْتَهِي مَا لَا يَكُونُ, أَشْتَهِي مَكَانًا لَا يَكُونُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أَنْ آتِيَك فَأُسَلِّمَ عَلَيْك وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْرَهَ الرَّحْلَ, فَقَالَ: إنَّا لَنَكْرَهُ ذَلِكَ.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ السَّلَفِ يُؤْثِرُونَ الْعُزْلَةَ عَلَى الْخِلْطَةِ وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى نَفْعِ النَّاسِ بِمَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ مَعَ الْقِيَامِ بِحُدُودِ الشَّرْعِ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْعُزْلَةِ إنْ كَانَ لَا يَشْتَغِلُ فِي عُزْلَتِهِ إلَّا بِنَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ, وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ انْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ عَمَلٍ بِالْقَلْبِ بِدَوَامِ ذِكْرٍ أَوْ فِكْرٍ فَذَلِكَ الَّذِي لَا يُعْدَلُ بِهِ أَلْبَتَّةَ.
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَطْيَبُ مِنْ تَنَزُّهِ الْعَالِمِ بِالْعِلْمِ فَهُوَ أَنِيسُهُ وَجَلِيسُهُ, وَقَدْ قَنِعَ بِمَا يَسْلَمُ بِهِ دِينُهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ الْحَاصِلَةِ لَا عَنْ تَكَلُّفٍ وَلَا عَنْ تَضْيِيعِ دِينٍ, وَارْتَدَى بِالْعُزْلَةِ عَنْ الذُّلِّ لِلدُّنْيَا وَأَهْلِهَا, وَالْتَحَفَ بِالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَثِيرِ فَيَسْلَمُ دِينُهُ وَدُنْيَاهُ, وَاشْتِغَالُهُ بِالْعِلْمِ يَدُلُّهُ عَلَى الْفَضَائِلِ وَيُفَرِّجُهُ فِي الْبَسَاتِينِ, فَهُوَ يَسْلَمُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالسُّلْطَانِ وَالْعَوَامِّ بِالْعُزْلَةِ, وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ هَذَا إلَّا لِلْعَالِمِ, فَإِنَّهُ إذَا اعْتَزَلَ الْجَاهِلُ فَاتَهُ الْعِلْمُ فَتَخَبَّطَ.
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
فَإِذَا عَرَفْت فَوَائِدَ الْعُزْلَةِ وَغَوَائِلِهَا تَحَقَّقْت أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا خَطَأٌ, بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى الشَّخْصِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْخَلْطِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْبَاعِثِ عَلَى مُخَالَطَتِهِ وَإِلَى الْفَائِتِ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ مِنْ الْفَوَائِدِ, وَيُقَاسُ الْفَائِتُ بِالْحَاصِلِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِانْقِبَاضُ عَنْ النَّاسِ مَكْسَبَةُ الْعَدَاوَةِ, وَالِانْبِسَاطُ لَهُمْ مَجْلَبَةٌ لِقُرَنَاءِ السُّوءِ, فَكُنْ بَيْنَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ, وَمَنْ ذَكَرَ سِوَى هَذَا فَهُوَ قَاصِرٌ, وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ فِي الْحَالِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّمَعُ فَقْرٌ وَالْيَأْسُ غِنًى, وَالْعُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ, وَقَرِينُ الصِّدْقِ خَيْرٌ مِنْ الْوَحْدَةِ.
وقال أيضاً خَالِطُوا النَّاسَ فِي مَعَايِشِكُمْ وَزَائِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَصُونُ دِينَهُ وَعِرْضَهُ, وَإِيَّاكُمْ وَالْأَسْوَاقَ فَإِنَّهَا تُلْغِي وَتُلْهِي.
وقال أيضاً كَانَ النَّاسُ وَرَقًا لَا شَوْكَ فِيهِ وَهُمْ الْيَوْمَ شَوْكٌ لَا وَرَقَ فِيهِ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ إنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ فَضْلٌ فَإِنَّ فِي الْعُزْلَةِ سَلَامَةً.
أهـ
﴿تنبيه﴾: لا تكون العزلة محمودة إلا بعد التفقه في الدين.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن إبراهيم النخعي قال: تفقه ثم اعتزل.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ربيع بن خثيم قال: تفقه ثم اعتزل.
وسُئِلَ بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ قال: خبالٌ ووبال، فقيل له: فالعالِم؟ فقال: مالك ولها؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها.
﴿تنبيه﴾: هذا الكلام غايةٌ في الصدق والتوفيق حيث شبه عزلة العالم بضالة الإبل، فكما أن ضالة الإبل لا يُخشى عليها الضياع لأن معها حذاؤها وسقاؤها، فكذا عزلة العالم لا يُخشى عليها الضياع لأن معه الكتاب والسنة.
ثانياً: يأخذ بحظه من المخالطة: وعليه يحمل الحديث الآتي:
(حديث ابن عمر في صحيح الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المؤمنُ الذي يُخالطُ الناسَ و يصبرُ على أذاهُم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالطُ الناس و لا يصبرُ على أذاهم.
﴿تنبيه﴾: ويجب على المسلم أن لا يخالط إلا من ينتفع بمخالطته فلا يخالط إلا إحدى ثلاث.
- عالماً يتعلم منه.
- متعلماً يعلمه شيءٌ يبتغي به وجا الله تعالى
- أحد إخوانه ممن يُحس فيهم الصدق والتقوى فيذكرون ويخبرونه بعيوبه وينصحونه نصائح أُخوية صادرةٌ عن إخلاصٍ وحسنِ طوية عساها أن تجد له في سمعه مسمعاً وفي قلبه موقعا، عسى الله أن ينفعه بها ويوفقه إلى تطبيقها.
ولله در من قال: لقاءُ الناسِ ليس يفيدُ شيئا... سوى الهذيان من قِل وقال فاقلل من لقاءِ الناس إلا... لأخذِ العلمِ أو إصلاحِ حال متى تشرع العزلة؟
هناك حالات خاصة تشرع فيها العزلة، وينبغى أن يُلْحَظ ان الحديث سيكون عن الحالات العامة التى تشرع فيها العزلة، والتى سبب مشروعيتها فيها تغير عام يقع فى المجتمع، أما العزلة التى تشرع بسبب خاص فقد مضت الإشارة إليها، وهى التى تكون بسبب الفرد ذاته، إما لعدم قدرته على احتمال رؤية المعاصى والمفاسد، أو الخوف على نفسه من الوقوع فيها خوفاً ظاهراَ قويا، وإما لتخلقه بطبائع وخلائق سيئة، من الحِدة والشدة، أو التعجيل والهوج، أو غيرها مما يلحق الضرر بالآخرين، دون تحصيل فائدة تذكر، إلى أسباب أخرى يكون متعلقها ذاته، وليس الحال العام، والحالات التي تشرع فيها العزلة ثلاثة هي كما يلي: الحالة الاولى: عند فساد الزمان:
أشار النبى صلى الله علية وسلم، إلى الزمان الذي يتعذر فيه إصلاح العامة، لاختلاف الناس وتناحرهم وتطاحنهم، وخفة أحلامهم وأمأناتهم، ومروج عهودهم ونذورهم ووصف، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أهل ذلك الزمان بأنهم "حثالة"من الناس، والحثالة من كل شىء هى رديئه ومنه حثالة الشعير والأرز والتمر وكل ذى قشر،
وحثالة الناس: أراذلهم، فهو اشارة إلى استقرار الانحراف العام، والغربة الشاملة، وغلبة الشر والفساد غلبة لايُطْمَعُ معها فى إصلاح العامة.
وقد بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه يُشْرَعُ للمرء حينئذ أن يُقْبَِلَ على خاصة نفسه ويذَرَ أمر العامة كما في الحديث الآتي:
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم و خفت أماناتهم و كانوا هكذا ـ و شبك بين أصابعه ـ فالزم بيتك و املك عليك لسانك و خذ بما تعرفه و دع ما تنكر و عليك بأمر خاصة نفسك و دع عنك أمر العامةودع عنك أمر العامة.
قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
أي الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار.
أهـ
(حديث مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:
حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ: قال الخطابي الحثالة بالفاء وبالمثلثة الرديء من كل شيء،
وقال بن التين الحثالة سقط الناس وأصلها ما يتساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما وقال الداودي ما يسقط من الشعير عند الغربلة ويبقى من التمر بعد الأكل
لا يباليهم الله بالة: قال الخطابي أي لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تتمثل بهذين البيتين:
ذَهبَ الَّذَينَ يُعاشُ في أَكنافِهِم وَبَقيتُ في جِلدٍ كَجَلدِ الأَجرَبِ
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن أبي مسلم الخولاني قال: كان الناسُ ورقاً لا شوكَ فيه وإنهم اليوم شوكٌ لا ورقَ فيه.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ابن أبي ليلى: قال سيأتي على الناس زمان يقال له زمان الذئاب فمن لم يكن في ذلك الزمان كلبا أكلوه قال أبو سليمان قال قتيبة: هو هذا الزمان.
ما جاء في فساد الخاصة وما جاء في علماء السوء وذكر آفاتهم:
(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة:
قد أعلم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن آفة العلم ذهاب أهله وانتحال الجهال وترؤسهم على الناس باسمه وحذر الناس أن يقتدوا بمن كان من أهل هذه الصفة وأخبر أنهم ضلال مضلون وأنذر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث آخر.
أهـ
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ.
(حديث عُمَرَ رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة:
يريد ـ والله أعلم ـ ظهور الجهال المنتحلين للعلم المترئسين على الناس به قبل أن يتفقهوا في الدين ويرسخوا في علمه.
أهـ
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا يريد أن من لم يخدم العلم في صغره استحيى أن يخدمه في كبر السن وادراك السؤدد.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن سفيان الثوري أنه قال: من ترأس في حداثته كان أدني عقوبته أن يفوته حظ كبير من العلم.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن أبي حنيفة رحمة الله عليه أنه قال: من طالب الرياسة بالعلم قبل أوانه لم يزل في ذل ما بقي.
ما جاء في فساد الأئمة وما جاء في الإقلال من صحبة السلاطين:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لكعب بن عجرة: (أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء.
قال وما إمارة السفهاء قال أمراء يكونون بعدي لا يهدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم بكذبهم ولم ينعهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي.
يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت أبدا النار أولى به.
يا كعب بن عجرة الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها أو بائعها فموبقها).
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة:
إنما كان هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان على أمل من الظفر بعدوه ولا يتيقن العجز عنه لأنه لا يعلم يقينا أنه مغلوبن وهذا يعلم أن يد سلطانه أقو من يده فصارت المثوبة فيه على قدر عظيم المؤونة.
الحالة الثانية: عند الفتنة:
الفتنة ماخوذة من "ف ت ن "الدال على الابتلاء والاختبار، وقيل هو بمعنى الاحراق.
ولها معان كثيرة، منها: العذاب، والشرك، والكفر، والإثم والبلاء، والمحنة، والقتل، والهلاك، والصد عن الصراد المستقيم، والحيرة، والضلال وغيرها.
والمقصود هنا ما يعرض للفرد والجماعة من إثار الشبهات والشهوات من انحراف واختلاف وتقاتل.
وقد جاءت السنة كثيرا بإطلاقها على الاختلاف والتفرق الواقع بين المسلمين، وما يترتب عليه من تحزب وقتال وقتل، وشاع استعمالها بهذا المعنى.
قال الحافظ ابن حجر:"والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف فى طلب الملك، حيث لا يعلم المُحِقَّ من المُبْطِل".وقد وردت أحاديث فى التحذير من الفتن عموما، والحث على الفرار منها، واعتزالها بالكلية.
أهـ
وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة
قال الله تعالى ذكره حكاية عن إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَعتَزَلَكُم وَما تَدعونَ مِن دونِ اللَهِ وَأَدعو رَبي عَسى أَلا أَكونَ بِدُعاءِ رَبي شَقِياً) [مريم: 48]
اعتصم خليل الله سبحانه بالعزلة واستظهر بها على قومه عند جفائهم إياه وخلافهم له في عبادة الأصنام ومعاندة الحق وكفاه الله تعالى أمرهم وعصمه من شرهم وأثابه على ذلك بالموهبة الجزيلة وعوضه النصرة بالذرية الطيبة،
قال تعالى: (فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاّ جَعَلْنَا نَبِيّاً) [مريم: 49]
وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام (وَإِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ وَإِن لّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ) [الدخان 20، 21] فزع نبي الله تعالى إلى العزلة حين ظهر له عنادهم في قبول الدعوة وإصرارهم على منابذة الحق.
وقال تعالى ذكره في قصة أصحاب الكهف: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبّكُم مّن رّحْمَتِهِ وَيُهَيّىءْ لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقاً) [الكهف: 16]
وكانوا قوما كرهوا المقام بين ظهراني أهل الباطل ففروا من فتنة الكفر وعبادة الأوثان فصرف الله تعالى عنهم شرهم ودفع عنهم بأسهم ورفع في الصالحين ذكرهم.
وقد اعتزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قومه قريشا لما جفوه وآذوه فدخل الشعب وأمر أصحابه باعتزالهم والهجرة إلى أرض الحبشة ثم تحول إلى المدينة مهاجرا حتى تلاحق به أصحابه وتوافوا بها معه فأعلى الله تعالى كلمته وتولى إعزازه ونصره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا.
اما الأحاديث الوارادة فى الاختلاف والتنازع بين المسلمين، وما يتبعه من قتال وتطاحن وسفك للدماء فهى كثيرة جدا، منها ما يلي:
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قِسِيِّكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل يعني على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم.
قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
(كقطع الليل المظلم) بكسر القاف وفتح الطاء ويسكن أي كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها
قال الطيبي رحمه الله يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها
(فيها) أي في تلك الفتن
ويصبح كافرا الظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء تقلب الناس فيها وقت دون وقت لا بخصوص الزمانين فكأنه كناية عن تردد أحوالهم وتذبذب أقوالهم وتنوع أفعالهم من
عهد ونقض وأمانة وخيانة ومعروف ومنكر وسنة وبدعة وإيمان وكفر
(القاعد فيها خير من القائم والماشي فيه خير من الساعي) أي كلما بعد الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها واختلاط أهلها لما سيؤل أمرها إلى محاربة أهلها فإذا رأيتم الأمر كذلك
(فكسروا قِسِيِّكم) بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة لأن باب التفعيل للتكثير
(وقطعوا) من التقطيع
(أو تاركم) جمع وتر بفتحتين
قال القارىء فيه زيادة من المبالغة إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير
(واضربوا سيوفكم بالحجارة) أي حتى تنكسر أو حتى تذهب حدتها وعلى هذا القياس الأرماح وسائر السلاح
(فإن دخل) بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله
(على أحد منكم) من بيانية
(فليكن) أي ذلك لأحد
(كخير ابني آدم) أي فليستسلم حتى يكون قتيلا كهابيل ولا يكون قاتلا كقابيل
(حديث خالد بن عرفطة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ستكون أحداث و فتنة و فرقة و اختلاف فإن استطعت أن تكون المقتول لا القاتل فافعل.
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته.
(حديث أبي بكرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه.
فهذه الأحاديث تدل على مشروعية الاعتزال فى الفتنة، وتجنب الخوض فيها، ولذلك لما وقع القتال بين على ومعاوية رضى الله عنهما اعتزل عدد كبير من الصحابة، وأبوْا الدخول فى قتال بين المسلمين مع اعترافهم ببيعة أمير المؤمين على بن ابى طالب رضى الله عنه وخلافته.
فاعتزل محمد بن مسلمة، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو بكر نفيع بن الحارث، وأبو مسعود الانصارى، وسلمة بن الاكوع، وأبو موسى الاشعرى، وغيرهم.
قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة:
" والعزلة عند الفتنة سنة الأنبياء وعصمة الأولياء وسيرة الحكماء والأولياء" فلا أعلم لمن عابها عذرا لا سيما في هذا الزمان القليل خيره البكيء دره وبالله نستعيذ من شره وريبه.
أهـ
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث عقبة بن عامر الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك.
(حديث ثوبان رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طوبى لمن ملك لسانه وَوَسِعَه بَيْتَهُ وبكى على خطيئته.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم و خفت أماناتهم و كانوا هكذا ـ و شبك بين أصابعه ـ فالزم بيتك و املك عليك لسانك و خذ بما تعرفه و دع ما تنكر و عليك بأمر خاصة نفسك و دع عنك أمر العامةودع عنك أمر العامة.
قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
أي الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار.
أهـ
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا.
أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص قال: كان سعد في إبل له وغنم فأتاه ابنه عمر بن سعد فلما رآه قال: أعوذ بالله من هذا الراكب فلما انتهى إليه قال: يا أبت أرضيت أن تكون أعرابيا في إبلك وغنمك والناس يتنازعون في الملك قال فضرب سعد صدر عمر بيده وقال: اسكت يا بني فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)
قال الخطابي رحمه الله: كان سعد رحمه الله ممن اعتزل أيام الفتنة فلم يكن مع واحد من الفريقين فأرادوه على الخروج فأبى وضرب لذلك مثلا.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ميمون بن مهران قال: إن سعداً لما دعوه إلى الخروج معهم أبى عليهم ثم قال: لا إلا أن تعطوني سيفا له عينان بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فاقتله والمؤمن فاكف عنه وضرب لهم مثلا فقال: مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء فينا هم كذلك يسيرون هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق والتبس عليهم فقال بعضهم: الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وضلوا وقال آخرون: الطريق ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وقال آخرون: كنا في الطريق حيث هاجت الريح فنيخ فأناخوا فأصبحوا فذهب الريح وتبين الطريق فهؤلاء هم الجماعة قالوا: نلزم ما فارقنا عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نلقاه ولا ندخل في شيء من الفتن.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن داود بن شابور قال: كان طاوس قد جلس في بيته فقلنا له في ذلك فقال: فساد الناس وحيف الأئمة.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ابن سيرين قال: العزلة عبادة.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن هشام بن عروة قال: لما بنى عروى قصره بالعقيق لزمه قيل له: مالك لزمت هذا القصر وتركت مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في فجاجكم عالية وكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن سفيان بن عيينة قال: قالوا لعبد الله بن عروة بن الزبير: ألا تأتي المدينة فقال: ما بقي بالمدينة إلا حاسد لنعمة أو فرح بنقمة.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن خلف بن تميم قال: جئت أطلب إبراهيم بن أدهم في مطير فاطلعت فلم أره فأعدت النظر فإذا هو قاعد تحت السرير وقد فر من الوكف فلما نظر إليَّ قال: قَلب الناسِ كَيفَ شِئتَ تَجِدُهُم عَقارِبا.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: كفى بالله محبا وبالقرآن مؤنسا وبالموت واعظا اتخذ الله صاحبا وذر الناس الناس جانبا.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن أبي الربيع الزاهد قال قلت لداود الطائي: أوصني.
قال: صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة وفر من الناس فرارك من الأسد.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن ابن السماك قال: كتب إلينا صاحب لنا (أما بعد فإن الناس كانوا دواء يتداوى به فأصبحوا داء لا يقبل الدواء ففر منهم فرارك من الأسد واتخذ الله تعالى مؤنسا والسلام.
وأورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن وعيب بن الورد قال: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت والعاشرة في عزلة الناس.
ويقول اخر لمن طلب منه الخروج فى قتال فتنة: إن أبى وعمى شهدا بدرا، وإنهما عهدا الى ألا أقاتل أحد يقول: لاإله إلا الله، فإن أنت جئتنى ببراءة من النار قاتلت معك، ثم يقول:
ولست بقاتل رجلا يصلى... على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلى إثمي... معاذ الله من جهل وطيش
أأقتل مسلما فى غير جرم... فليس بنافعي ما عشت عيشي
وفى موقف هولاء المعتزلين يقول الإمام الخطابي رحمه الله تعالى:
"قال ميمون: فصار الجماعة والفئة التى تدعي فيه الإسلام ما كان عليه سعد بن أبي وقاص وأصحابه الذين اعتزلوا الفتن، حتى أذهب الله الفُرْقَةَ وجمع الألفة، فدخلوا الجماعة ولزموا الطاعة، وانقادوا، فمن فعل ذلك ولزمه نجا، ومن لم يلزمه وقع فى المهالك "
ولذك تمنى عدد من الصحابة الذين خاضوا فى الفتنة ان لو كان فى موقف هولاء المعتزلين، ومن كبار قادة الفئتين الذين تمنوا ذلك: عمروبن العاص رضى الله عنه حين رأى على - رضي الله عنه - قال "لله در بنى عمرو بن مالك لئن كان تخلقهم عن هذا الأمر خيرا كان خيرا مبررا، ولئن كان ذنبا مغفورا"
وكذلك على بن أبى طالب - رضي الله عنه - كان يقول "لله در مقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، إن كان براٍ إن اجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطأه ليسير"
وما من شك ان دافع الصحابة كلهم - رضي الله عنهم - هو الاجتهاد، ولكن هذا لا يمنع أن يكون بعضهم أولى بالحق، وأقرب إليه من بعض، وأن يكون منهم فاضل ومفضول، وقد يكون اعتزال المعتزلين لعدم تبين الأمر لهم، وقتال المقاتلين لقناعتهم بأن الحق فى القتال، ومما يدل على ذلك قول سعد السابق، والذى شبه المتوقفين عن القتال فيه بمن هاجت عليهم عجابة فضيعوا الطريق، فوقفوا حيث هم حتى يستبين لهم الأمر.
يقول الحافظ ابن حجر فى شرح حديث أبي بكرة الآتي: (حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
يقول الحافظ ابن حجر: واستدل به على امتثال قوله تعالى (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات: 9]،ففيها الامر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل علياً كانوا بغاة.
وهؤلاء ـ مع هذا التصويب ـ متفقون أنه لا يُذَمُ واحد من هولاء، بل يقولون اجتهدوا فاخطاوا.. "
كيف تكون العزلة فى الفتنة؟
اتتضح من الأحاديث التى سبقت وضوحاً جلياً أن العزلة فى الفتنة تكون على احد وجهين:
الأول: العزلة التامة، فى مكان بعيد عن الناس، بحيث يشتغل المعتزل بغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، أو إبل يرعاها، أو أرض يزرعها ويصلحها، أو غير ذلك مما يحقق له العزلة الكلبة التامة عن الناس.
الثاني: العزلة الجزئية، بحيث يعتزل الفتنة وأهلها، ولا يدخل فيها أو يشترك فى قتالها، وإن كان مقيما بين ظهراني الناس.
وقد تنوعت مواقف المعتزالين للفتنة من الصحابة وغيرهم، فمنهم من اعتزل اعتزالا كليا كسعد بن ابى وقاص، ومحمد بن مسلمة.
ومنهم من تجنب الخوض فى الفتنة، ولم يعتزل الناس كأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبي مسعود الأنصارى، وأبى موسى الأشعري والذى يحدد هذا النوع من العزلة او ذاك أمران هما:
أولهما: الحاجة والمصلحة، فقد لا يستطيع المرء اعتزال الفتنة إلا باعتزال الناس كلهم، او يخشى ان يُقْحَمَ فيها فَيُنْطَلَق به حتى يكون بين الصفين، وقد يرى أن العزلة الكلية عن القتال أو الاختلاف هي بلوغ السلامة.
وثانيهما: القدرة والاستطاعة، فقد لا يستطيع المرء اعتزال الناس لحاجته اليهم، فى أمور دينه أو فى أمور دنياه، ولذلك أمر النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من لم يكن له إبل ولاغنم ولا أرض أن يعمد الى سيفه فيدقه بحجر، ثم يبحث عن النجاة ما استطاع، وقال سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته.
الحالة الثالثة اعتزال السلطان عند فساده:
إن السلطان لابد له من أعوان ومستشارين وعمال ووزراء، يعينونه على ما تولى من شئون رعاياه الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية.
وقد كان وجوه الصحابة من المهاجرين والأنصار هم بطانة الخلفاء الأربعة، وما زال كثير من الفقهاء الذين يرون فى أنفسهم القدرة على توجيه السلطان والتأثير عليه، ولا يخشون من فتنة وضرر، يغشون مجالسهم أمرين بالمعروف والعدل، ناهين عن المنكر والظلم، قاضين لحوائج الناس، ولهم فى ذلك كله مواقف مشهورة.
أما حين يكون غشيان السلاطين طلبا لنفع دنيوى عاجل، أو لتحقيق مصالح شخصية، وتزول منه نية الاحتساب,والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يكون فتنة على صاحبه.
وقد غلبت على أحوال السلاطين ـ بعد عصر الراشدين ـ وجود شيء من الظلم والجور وإيثار العاجل على الآجل، حتى لا يكاد مخالطهم والملازم لهم يسلم من رؤيه منكر لا يستطيع له تغيرا، أو ظلم لا يستطيع له رفعا، أو حق مسلوب لا يستطيع له ردا.
وقد حذر النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من إتيان السلاطين وملازمتهم فى مثل تلك الحال، حيث يفوته من الخير أعظم مما حقق، بل ربما لم يحقق نفعا بالكلية.
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث بن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(ومن أتى السلطان افتتن) لأنه إن وافقه في مرامه فقد خاطر بدينه وإن خالفه فقد خاطر بروحه ولأنه يرى سعة الدنيا فيحتقر نعمة اللّه عليه وربما استخدمه فلا يسلم من الإثم في الدنيا والعقوبة في العقبى.
(حديث رجلٍ من سليم في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إياكم و أبواب السلطان فإنه قد أصبح صعبا هبوطا.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إياكم وأبواب السلطان) أي اجتنبوها ولا تقربوا باباً منها
(فإنه) يعني باب السلطان الذي هو واحد الأبواب
(قد أصبح صعباً) أي شديداً
(هبوطاً) أي منزلاً لدرجة من لازمه مذلاً له في الدنيا والآخرة ثم إن لفظ هبوطاً بالهاء وهو ما وقفت عليه في نسخ هذا الجامع والذي وقفت عليه في نسخ البيهقي والطبراني حبوطاً بحاء مهملة أي يحبط العمل والمنزلة عند اللّه تعالى.
قال الديلمي: وروي خبوطاً بخاء معجمة والخبط أصله الضرب والخبوط البعير الذي يضرب بيده على الأرض اهـ وإنما كان كذلك لأن من لازمها لم يسلم من النفاق ولم يصب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينه أغلا منه وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم سيما من له لهجة مقبولة وكلام عذب وتفاصح وتشدق إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أن في دخولك لهم ووعظهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم الشرع ثم إذا دخل لم يلبث أن يداهن ويطري وينافق فيهلك ويهلك.
أهـ
والحاصل أن الفتنة التى تعرض لملازم السلطان هى فتنة الدين أو الدنيا، فإنه إن وافقه فيما يأتي وما يذر فقد خاطر بدينه، وإن خالفه خاطر بروحه، وهى فتنة السراء بتعرضه للدنيا وزينتها، وفتنة الضراء بتعرضه للإهانة والضرب والقتل وسائر المخاطر.
وهذا الضرر الحاصل لمن دخل عليه ولازمه، قد يكون ضرر محضا لا يقابله تحصيل مصلحة شرعية، سواء كان الضرر دينيا او دنيويا، بالخير وبالشر.
وقد تقابله مصلحة شرعية أقل منه، أو مثله، او أعظم منه، وتندرج هذه المسألة تحت قاعدة المصالح والمفاسد.
ولذلك يقول الامام الفتنى فى شرحه للحديث السابق:"وهذا لمن دخل مداهنة، ومن دخل آمرا وناهيا وناصحاً كان دخوله افضل".
أي: لأنه يدخل فى هذه الحال فى باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن تعرض للقتل كان مخاطرا بنفسه فى ذات الله، وقد بين الرسول، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن افضل الجهاد كلمة عدل أو حق عند سلطان جائر.
مسألة: هل يجوز الخروج على الحاكم إذا وُجِد منه فساداً أو انحرافاً عن العدل؟
الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدله أنه لا يجوز الخروج عن الحاكم مالم نرى منه كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، بل يجب علينا السمع والطاعة لهم ما داموا مسلمين مُصَلِيْن، وعدم قتالهم أو الخروج عليهم حتى نرى منهم الكفر البواح الذى عندنا من الله فيه برهان، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ستكون أثرة وأمور تنكرونها.
قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم.
(حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: دعانا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحاً، عندكم من الله فيه برهان.
فلابد من السمع والطاعة فى المنشط والمكره، والعسر واليسر، وفى حال الاستئثار وحجب بعض الحقوق عن أهلها، ولا تجوز منازعة الحاكم أو الوالى إلا فى حالة الكفر البواح الصراح، أما فيما يتعلق بكراهية ما هم عليه، والإنكار عليهم، وقول كلمة الحق أمامهم، ونصحهم، والبراءة من انحرافهم فجاء فيه أحاديث كثيرة منها ما يلي:
(حديث أم سلمة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنه سيكون عليكم أئمة تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد بريء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقيل يا رسول الله أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلوا.
فأشار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى فساد السلطان، بوجود الأثرة التى يحجب فيها الحق عن أصحابه الذين هم أولى به من غيرهم، ووجود المنكرات المتعلقة بالولاة من الظلم، والتوسع فى الأكل والمشارب والمساكن وغيرها، وما شابه ذلك من المعاصي التى لا تصل الى الكفر البواح.
وبين قدراً من الواجب تجاه هذا الانحراف، وهو أداء الحقوق المتعلقة بهم للسلاطين من السمع والطاعة والمناصحة والجهاد ونحوها، سواء تعلقت هذه الحقوق بالنفس أو المال.
والصبر على فوات الحقوق الواجبة الراعية، والمتمثلة فى الاستئثار عليهم بالمال والحكم وغيرها، بحيث يسألونها الله عز وجل بأن يصرف قلوبهم الى العدل والانصاف فى الرعية، وإسناد الأمور إلى أهلها، أو يبدلهم خيراً منهم، ممن هو أحق بهذا الأمر وأولى به.
معنى التقية وأقسامها:
مسألة: ما معنى التقية؟
قال تعالى: (لاّ يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَن تَتّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرْكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: 28]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
نهى الله تبارك وتعالى، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: من يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله.
وقوله: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: "إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ".
وقال الثوري: قال ابن عباس، رضي الله عنهما: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية، وأبو الشعثاء والضحاك، والربيع بن أنس.
ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (7)﴾ [النحل: 106]. أهـ
وعن الضحاك قال: التقية باللسان، من حمل على أمر يتكلم به، وهو لله معصية، فتكلم مخافة على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه إنما التقية باللسان، وورد نحو هذا المعنى عن جمع من السلف.
وهذه الآثار تدل على أنه يدخل فى الآية الكتمان والاستسرار وعدم الجهر بالدين والحق، ويدخل يها ـ أيضا ـ مصانعة المشركين ومخالفتهم وإظهار موالاتهم باللسان دون العمل إذا تحققت شروط الإكراه.
وفى آية النحل ذكر الله تعالى الكفر بعد الايمان، وتوعد فاعليه بالغضب والعذاب العظيم، واستتثنى من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان قال تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالإِيمَانِ وَلََكِن مّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: 106]
فهذه الآية نص فى رفع الحرج عن المكره على النطق بكلمة الكفر، مع اطمئنان قلبه بالإيمان.
وسبب نزولها يؤكد هذا المعنى ويجليه، حيث نزلت فى عمار بن ياسر حين ضربه المشركون حتى باراهم فى بعض ما يريدون، ونال من النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذكر آلهتهم بخير.
وقد نقل الحافظ ابن عبد البر، والحافظ ابن حجر إجماع العلماء على ان هذا هو سبب النزول.
فإن عمارا - رضي الله عنه - أكره على النطق بكلمة الكفر، وسب النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد عذره الله تعالى فى هذه الآية، وبين أنه غير داخلٍ فى الوعيد.
أقسام التقية:
القسم الأول من أقسام التقية (المدارة):
فقد عد قوم من باب التقية مدارة الكفار والفسقة والظلمة، وإلانة الكلام، والتبسم فى وجوهم، والانبساط معهم، وإعطائهم، لِكَفِ أذاهم، وقطع لسانهم، وصيانة العرض منهم، ولتألف قلوبهم على الإسلام والاتباع.
والمدارة لا تعارض النصح الرفيق البعيد عن الإغلاظ والشدة.
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: "المدارة من أخلاق المؤمنين، وهى خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم فى القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وهى الرفق بالجاهل فى التعليم، وبالفاسق فى النهى عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك"
وقد عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى فى كتاب الأدب من صحيحه بابا بعنوان" باب المدارة مع الناس "،وساق تحته أثرا معلقا عن أبي الدرداء رضى الله عنه قال " إنا لَنَكْشُرُ في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم.
ثم ساق الحديث الآتي:
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت استأذن رجل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو بن العشيرة فلما دخل ألان له الكلام قلت يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام قال أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه.
ومن هذا ـ وغيره ـ يتضح أن المداراة هى التلطف فى المعاملة، ومحاذرة آثارة سخط الناس، بقصد جلب مصلحة شرعية، أو دفع مفسدة شرعية.
وقد تكون المداراة بالقول، كلين الكلام، وقد تكون بالفعل تفويت مصلحة شرعية_ وقد تصبح واجبة إذا ترتب على تركها مفسدة من ردة أو فسق، أو ظلم مسلم، أو نحو ذلك.
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عمرو بن تغلب رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: أعطى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوما ومنع آخرين، فكأنهم عَتَبُوا عليه، فقال: (إني أعطي قوما أخاف ظلعهم وجزعهم، وَأَكِلُ أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغناء، منهم عمرو بن تغلب).
فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمر النعم.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: أعطى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رهطا وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم رجلا لم يعطه، وهو أعجبهم إلي، فقمت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فساررته، فقلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنا؟ قال: (أو مسلما).
قال فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنا؟ قال: (أو مسلما).
قال: فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنا قال: (أو مسلما).
يعني: فقال: (إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه).
ومن الظاهر ان النبي، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يكن ليمنع المال من هو أحق به وأولى من أهل السابقة الفقراء، ويعطيه من كان إلى وقت قريب حرباً على الإسلام، إلا لسببٍ يوجب ذلك، من تألف قلوبهم على الإسلام، وتثبيتهم عليه لئلا يرتدوا، ودفع أذاهم عن المسلمين، أو طعما في الإسلام من وراءهم من قومهم.
وَيُلْحَظُ فى المداراة أنها قد تكون في حالات ضعف المسلمين وخوفهم، وقد تكون في بداية مرحلة التمكين، وقد تكون في أثناء التمكين، والأمثلة السابقة توضح ذلك.
القسم الثانى من أقسام التقية (الكتمان والاستسرار):
هذا القسم من أولى الأقسام دخولا فى معنى التقية، ولكن لا يلزم من ذلك حصر معنى التقية فيه.
وقد ساق الله تعالى فى كتابه قصة مؤمن ءال فرعون، وطريقته فى مواجهة بعض المواقف الصعبة المحرجة، قال تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رّبّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ يَقَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ) [غافر 28: 29] الى قوله تعالى: (وَقَالَ الّذِيَ آمَنَ يَقَوْمِ اتّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرّشَادِ يَقَوْمِ إِنّمَا هََذِهِ الْحَيَاةُ الدّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنّ الاَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يُجْزَىَ إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلََئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَيَقَوْمِ مَا لِيَ أَدْعُوكُمْ إِلَى النّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيَ إِلَى النّارِ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ لاَ جَرَمَ أَنّمَا تَدْعُونَنِيَ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدّنْيَا وَلاَ فِي الاَخِرَةِ وَأَنّ مَرَدّنَآ إِلَى اللّهِ وَأَنّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوقَاهُ اللّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ قال تعالى: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ) [غافر 38: 46] لقد أشار هذا القبطى يستتر بإيمانه بين ملئه وقومه، ويكاتمهم إياه، ولذلك كان منهم بحيث يحضر ناديهم، ويطارحهم الرأى فيه، ولم يبين السياق ما إذا كان دافعه إلى الكتمان الخوف من بطشهم وفتنتهم، أو الرغبة فى حماية موسى والمؤمنين، والدفاع عنهم، أو الأمرين معا.
وحين وصل الحال إلى فرعون هَمَّ بقتل موسى وقف هذا الرجل وقفته العظيمة مدافعا محذرا، دون أن يكون فى موقفه هذا ما يدل دلالة صريحة على إعلانه للإيمان، بل كان اعتماده على المنطق الذى يقتضى أن هذا الرجل ـ موسى عليه السلام ـ إما أن يكون كاذبا، أو صادقا، فإن كان كاذبا فهو يتحمل مغبة كذبه على ربه فى الدنيا والآخرة، وإن كان صادقا فأنتم حريون بالعقوبة على عصيانكم له وإقامتكم على ما أنتم عليه، فكيف إذا أزتم على ذلك قتله؟.
وما يزال هذا المؤمن يحاور ويداور ويلمح ويعرض حتى جهر ـ أخيرا ـ بما هو عليه من اتباع موسى واليمان به، وواجه طغيان فرعون القائل (مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ) [غافر: 29] الى قوله (َ يَقَوْمِ اتّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرّشَادِ) [غافر: 38] وحينئذ مكر به آل فرعون (فَوقَاهُ اللّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ) [غافر: 45]
وهذه الحادثة الفردية التى عاشها مؤمن آل فرعون، عاشها جميع من المؤمنين الأولين بدعوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكانوا يكتمون إيمانهم من قومهم ويستسرون به.
وقد فصل القول فى حكم هذه التقية السيد محمود شكرى الألوسى رحمه الله تعالى فقال: كل مؤمن وقع فى محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين، وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك، ويخفي دينه، ويتشبث بعذر الاستضعاف، فإن أرض الله واسعة".
نعم إن كان له ممن له عذر شرعى فى ترك الهجرة كالصبيان، والنساء، والعميان، والمحبوسين، والذين يخوفهم بالقتل، أو قتل الأولاد، أو الآباء، أو أمهات، تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا غالبا، سواء كان هذا القتل بضرب العنق، أو بحبس القوت، أو بنحو ذلك، فإنه يجوز له المكث مع المخالف، والموافقة بقدر الضرورة، ويجب عليه أن يسعى فى الحلية للخروج والفراربدينه.
وإن كان التخويف بفوات المنفعة، أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها، كالحبس مع القوت، والضرب القليل غير المهلك، فإنه لايجوز له موافقتهم.
فعلى هذا يجوز للمسلم أن يكتم إسلامه اذا كان مقيما فى محل لا يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يستطيع الخروج أو الهجرة من هذا المحل، أو لا يجد مكانا يهاجر اليه ويأمن فيه على دينه، ويخشى لو جهر بدينه من الفتنة أو القتل، أو إلحاق الضرر البالغ به، أو بأقاربه، أو بمن يلوذ به.
على أن يقصر فى ذلك إلى قدر الضرورة، فلا يكتم حيث يسعه الإعلان، وعلى أن يسعى للهجرة ما استطاع إلا إذا كان مقيما بين أظهر المشركين، وفى البلاد التي لا يقدر فيها على الجهر بدينه، لأغراض مشروعة، تخدم الأمة المسلمة والجماعة المسلمة كالاغراض العسكرية، ونحوها فهو ـ حينئذ مأذون بالبقاء بينهم حتى يحقق الغرض الذى انتدب من أجله وحكم هذه الحالة الخاصة يؤخذ ـ بطريق الأولى ـ من اذن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لبعض أصحابه الذين بعثهم فى مهمات خاصة، أن يقولوا فيه شيئا، وأن يظهروا الموافقة للكافرين فى بعض أمرهم.
القسم الثالث من أقسام التقية (إظهار الموافقة للمشركين على دينهم):
وهذا القسم هو أشد الأقسام وأخطرها، وفيه يتعدى الأمر مجرد السكوت والكتمان والاستسرار إلى إظهار الدين الباطل، وموافقة المشركين عليه، وفى تعريف السرخسى للتقية قال:"والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يُضْمِرُ خلافه"،فقصر التقية على هذا المعنى.
وقد أجمع العلماء قاطبة على أن الإنسان إذا واجه ضغطا وتخويفا وتهديدا إن أصَرَّ على إيمانه، فلم يلتفت إلى هذا التخويف، وثبت على إعلان دينه، إنه فعل الأفضل، وإن قتل في هذا السبيل فهو شهيد، وقد ترك الرخصة الى العزيمة.
كما أجمعوا على أن ما أكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن أظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر.
ولكن يشترط للاكراه شروط:
الأول: أن يكون المُهَدِدُ قادراَ على إيقاع ما يُهَدِدُ به، والمأمور عاجز عن الدفع عن نفسه، ولو بالفرار والهرب.
الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع عن فعل ما يؤمر به ذلك.
الثالث: أن يكون التهديد بأمر فوري، كأن يهدده بالقتل، اما لو قال: افعل كذا، وإلا ضربتك غداً لم يكن مُكْرَها، إلا إذا كان الزمن المحدد قريبا جدا فيكون فى حكم الأمر الفوري.
الرابع: ألا يظهر من المأمور المكره ما يدل على نوع من الرضا والاختيار والموافقة القلبية.
وقد خص بعض السلف الرخصة بالقول فحسب، دون الفعل، ونقل عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومكحول، وغيرهما أن القول والفعل سواء، وهو مذهب مالك وطائفة من اهل العراق.
ولكن هذه التقية غير جائزة حين يترتب عليها ضياع الحق وخفاؤه، والتباسه بالباطل، كما اذا كان المكره من العلماء المرموقين الذي ينتظر الناس كلمتهم ليدينوا بها ويعتقدوها، ومن الزعماء المتبوعين الذين يقتدى الناس بهم، ويعتبرون بمواقفهم.
يقول الشيخ احمد شاكر بعد ذكر بعض شروط التقية:".. على ألا يكون ممن يقتدى به، فيخشى أن يخفى الحق على الجاهلين، وأن يضعف إيمانهم، ويحجموا عن نصرة حقهم احتجاجا بمن أجاب عند الاكراه تقية، وهم غافلون.
وهذا هو الذى أضعف المسلمين فى القرون الأخيرة: "أن أحجم علماؤهم وزعماؤهم وقادتهم عن الضرب على أيدى الظالمين، وعن الحق فى مواطن الصدق، فتهافت الناس، وضعفت قلوبهم، وملئوا من عدوهم فكانوا لا غناء لهم وكانوا غثاء كغثاء السيل".
وقال رحمه الله فى تعليق له على موقف الإمام أحمد ورفضه التقية لما يترتب عليها من التلبس على الجهال:".. أما أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى ويثبتون، وفى سبيل الله ما يلقون، ولو أنهم أخذوا بالتقية، واستساغوا لضل الناس من ورائهم، يقتدون بهم، ولا يعلمون أن هذه تقية.
وقد أتى المسلمون من ضعف علمائهم فى مواقف الحق، لا يصدعون بمال يؤمرون، يجاملون فى دينهم وفى الحق، لا يجاملون الملوك والحكام فقط، بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعا، أو خافوا ضراً فى الحقير والجليل من أمر الدنيا، وكل أمر الدنيا حقير، فكان من ضعف المسلمين بضعف ما نرى "
وهناك حالة استثنائية خاصة يجوز فيها اظهار الموافقة، أو يشرع لغرض تحقيق مصلحة شرعية تجسسية، أو عسكرية، على ألا يتعدى بها القدر الضرورى اللازم، وقد ورد فى السنة ما يشهد لذلك الحديث الآتي:
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله).
فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: (نعم).
قال: فائذن لي أن أقول شيئا، قال: (قل) فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين؟ - وحدثنا عمرو غير مرة، فلم يذكر وسقا أو وسقين، أو: فقلت له: فيه وسقا أو وسقين؟ فقال: أرى فيه وسقا أو وسقين - فقال: نعم، ارهنوني، قالو: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم، قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، وكنا نرهنك اللأمة - قال سفيان: يعني السلاح - فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غيرعمرو، قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب.
قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين - قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم - قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر.
قال عمرو: جاء معه برجلين، فقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه.
وقال مرة ثم أشمكم، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحا، أي أطيب، وقال غير عمرو: قال عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب.
قال عمرو: فقال أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبروه.