فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 467-4

كتاب الرقائق

صفحات 467-4
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(وقنعه اللّه بما آتاه) بمد الهمزة أي جعله قانعاً بما أعطاه إياه ولم يطلب الزياد لمعرفته أن رزقه مقسوم لن يعدو ما قدر له والفلاح الفوز بالبغية في الدارين والحديث قد جمع بينهما والمراد بالرزق الحلال منه فإن المصطفى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم مدح المرزوق وأثبت له الفلاح وذكر الأمرين وقيد الثاني بقنع أي رزق كفافاً وقنعه اللّه بالكفاف فلم يطلب الزيادة وأطلق الأوّل ليشمل جميع ما يتناوله الإسلام ذكره الطيبي وصاحب هذه الحالة معدود من الفقراء لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا بل يجاهد نفسه في الصبر على القدر الزائد على الكفاف فلم يفته من حال الفقراء إلا السلامة من قهر الرجال وذل المسألة.
(حديث عبيد الله بن محصن الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوتُ يومه فكأنما حيزت له الدنيا.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (من أصبح منكم آمنا في سربه) بكسر السين على الأشهر أي في نفسه وروي بفتحها أي في مسلكه وقيل بفتحتين أي في بيته (معافى في جسده) أي صحيحاً بدنه (عنده قوت يومه) أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك، يعني من جمع اللّه له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع اللّه له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره (فكأنما حيزت) بكسر المهملة (له الدنيا) أي ضمت وجمعت (بحذافيرها) أي بجوانبها أي فكأنما أعطي الدنيا بأسرها، ومن ثم قال نفطويه: إذا ما كساك الدهر ثوب مصحة ولم يخل من قوت يحلى ويعذب فلا تغبطن المترفين فإنه على حسب ما يعطيهم الدهر يسلب وقال: إذا القوت يأتي لك والصحة والأمن وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى.
(حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليكف الرجل منكم كزاد الراكب.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (ليكف الرجل منكم) من الدنيا

(كزاد الراكب) يعني ليكفك من الدنيا ما يبلغك إلى الآخرة فالمؤمن يتزود منها والفاجر يستمتع فيها والأصل أن من امتلأ قلبه بالإيمان استغنى عن كثير من مؤن دنياه واحتمل المشاق في تكثير مؤن أخراه، وفيه تنبيه على أن الإنسان مسافر لا قرار له فيحمل ما يبلغه المنزلة بين يديه مرحلة مرحلة ويقتصر عليه وفي بعض الكتب المنزلة ابن آدم خذ من الددنيا ما شئت وخذ من الهم أضعافه.
(تنبيه) كان بعض العارفين إذا انقضى فصل الشتاء أو الصيف يتصرف في الثياب الذي يلبسها في ذلك الفصل ولا يدخرها إلى الفصل الآخر وهو مقام عيسوي فإن المسيح عليه السلام لم تكن له ثياب تطوى زيادة على ما عليه من جبة صوف أو قطن وكانت مخدته ذراعيه وقصعته بطنه ووضع لبنة على لبنة من طين تحت رأسه فقال له ابليس قد رغبت يا عيسى في الدنيا بعد ذلك الزهد فرمى بهما واستغفر وتاب، وكان أبو حذيفة يقول: أحب الأيام إلي يوم يأتيني الخادم فيقول: ما في بيتنا اليوم شيء نأكله، هذا تأكيد شديد في الترغيب في الزهد، قال العلائي: والباعث عليه قصر الأمل ولهذا أشار إليه بقوله كزاد الراكب تشبيهاً للإنسان في الدنيا بحال المسافر.
أهـ (وكان يربط الحجر على بطنه من الجوع: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يربط الحجر على بطنه من الغرث.
الغرث: الجوع (حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأيته متغيرا؟ فقلت بأبي أنت ما لي أراك متغيرا قال ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث، قال فذهبت فإذا يهودي يسقي إبلا له فسقيت له على كل دلو بتمرة فجمعت تمرا فأتيت به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال من أين لك يا كعب فأخبرته فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتحبني يا كعب قلت بأبي أنت نعم، قال إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى معادنه وإنه سيصيبك بلاء فأعد له تجفافا، قال ففقده النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال ما فعل كعب قالوا مريض فخرج يمشي حتى دخل عليه فقال له أبشر يا كعب فقالت أمه هنيئا لك الجنة يا كعب فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذه المتألية على الله عز وجل قلت هي أمي يا رسول الله، قال ما يدريك يا أم كعب لعل كعبا قال ما لا ينفعه ومنع ما لا يغنيه.

وكان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمر على أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد في بيتهم النار، طعامهم الأسودان: التمر والماء (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نار.
فقلت: يا خالة، ما كان يُعَيِّشُكُم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيران من الأنصار، كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ألبانهم فيسقينا.
قال الإمام ابن حجر في الفتح: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين: المراد بالهلال الثالث هلال الشهر الثالث وهو يرى عند انقضاء الشهرين وبرؤيته يدخل أول الشهر الثالث.
وما أوقدت في أبيات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نار: لا يوقد في شيء من بيوته نار لا لخبز ولا لطبخ.
ما كان يُعَيِّشُكُم؟ بضم أوله يقال أعاشه الله أي أعطاه العيش.
الأسودان التمر والماء: الأسودان يطلق على التمر والماء والسواد للتمر دون الماء فنعتا بنعت واحد تغليبا وإذا اقترن الشيئان سميا باسم أشهرهما.
منائح: جمع منيحة بنون وحاء مهملة (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: ما أكل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبزاً مرققاً، ولا شاة مسموطة حتى لقي الله.
قال الحافظ بن حجر في الفتح: ما أكل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبزاً مرققاً: وأكل المرقق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختيارا لطيبات الحياة الدائمة.
ولا شاة مسموطة: المسموط الذي ازيل شعره بالماء المسخن وشوى بجلده أو يطبخ وإنما يصنع ذلك في الصغير السن الطري وهو من فعل المترفين من وجهين أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه وثانيهما أن المسلوخ ينتفع بجلده في اللبس وغيره.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: ما علمت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكل على سُكُرُّجَةٍ قطُّ، ولا خُبِزَ له مرقَّق قطُّ، ولا أكل على خِوَان قطُّ.
قيل لقتادة: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَر.
قال صاحب تحفة الأحوذي:

(سُكُرُّجَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَالْكَافِ وَالرَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُؤْكَلُ فِيهِ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِنَ الْأُدْمِ وَهِيَ فَارِسِيَّةٌ، وَأَكْثَرُ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْكَوَامِخُ وَنَحْوُهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: تَرْكُهُ الْأَكْلَ فِي السُّكُرُّجَةِ إِمَّا لِكَوْنِهَا لَمْ تَكُنْ تُصْنَعُ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ أَوِ اسْتِصْغَارًا لَهَا؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُعَدُّ لِوَضْعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى الْهَضْمِ وَلَمْ يَكُونُوا غَالِبًا يَشْبَعُونَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجَةٌ بِالْهَضْمِ انْتَهَى.
(عَلَى خِوَانٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُضَمُّ أَيْ مَائِدَةٍ.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجلس على الأرض و يأكل على الأرض و يعتقل الشاة و يجيب دعوة المملوك على خبز الشعير.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (كان يجلس على الأرض) أي من غير حائل (ويأكل على الأرض) من غير مائدة ولا خوان إشارة إلى طلب التساهل في أمر الظاهر وصرف الهمم إلى عمارة الباطن وتطهير القلوب وتأسى به أكابر صحبه فكانوا يصلون على الأرض في المساجد ويمشون حفاة في الطرقات ولا يجعلون غالباً بينهم وبين التراب حاجزاً في مضاجعهم قال الغزالي: وقد اتنهت النوبة الآن إلى طائفة يسمون الرعونة نظافة ويقولون هي مبنى الدين فأكثر أوقاتهم في تزيين الظاهر كفعل الماشطة بعروسها والباطن خراب ولا يستنكرون ذلك ولو مشى أحدهم على الأرض حافياً أو صلى عليها بغير سجادة مفروشة أقاموا عليه القيامة وشددوا عليه النكير ولقبوه بالقذر وأخرجوه من زمرتهم واستنكفوا عن مخالطته فقد صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً (ويعتقل الشاة) أي يجعل رجليه بين قوائمها ليحلبها إرشاداً إلى التواضع وترك الترفع.
(ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير) زاد في رواية والإهالة السنخة أي الدهن المتغير الريح وعلمه ذلك أنها بإخبار الداعي أو للعلم بفقره ورثاثة حاله أو مشاهدة غالب مأكوله ونحو ذلك من القرابين الخالية فكان لا يمنعه ذلك من إجابته وإن كان حقيراً وهذا من كمال تواضعه ومزيد براءته من سائر صنوف الكبر وأنواع الترفع.

(وكان يقول: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخندق، وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللهم لا عيش الا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار).
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) قالت: إنما كان فراش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف.
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: وفي الحديث ما كان عليه النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها وشهواتها وفاخر لباسها ونحوه واجتزائه بما يحصل به أدنى التجزية في ذلك كله، وفيه الندب للاقتداء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا وغيره.
وقال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: وَالْأَدَمُ بِفَتْحَتَيْنِ: اسْمٌ لِجَمْعِ الْأَدِيمِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ (حَشْوُهُ لِيفٌ): قَالَ فِي الْقَامُوسِ: لِيفُ النَّخْلِ بِالْكَسْرِ مَعْرُوفٌ.
وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ لِيفٌ بِالْكَسْرِ يوست درخت خرما.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْفِرَاشِ،، وَالْوِسَادَةِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهَا وَالِارْتِفَاقِ بِهَا، قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
قَالَ الْقَارِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقَالُ فِيهِ بِالِاسْتِحْبَابِ لِمُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ لِلِاسْتِرَاحَةِ الَّتِي قُصِدَتْ بِالنَّوْمِ لِلْقِيَامِ عَلَى النَّشَاطِ فِي الْعِبَادَةِ.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال نام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حصير فقام وقد أثر في جنبه قلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
قال صاحب تحفة الأحوذي: (فَقَامَ) أَيْ عَنِ النَّوْمِ (وَقَدْ أَثَّرَ) أَيْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ

(لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً) بِكَسْرِ الجزء السابع الْوَاوِ وَفَتْحِهَا كَكِتَابٍ وَسَحَابٍ أَيْ فِرَاشًا وَكَلِمَةُ (لَوْ) تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِيَّةِ وَالتَّقْدِيرُ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ بِسَاطًا حَسَنًا وَفِرَاشًا لَيِّنًا لَكَانَ أَحْسَنَ مِنَ اضْطِجَاعِكَ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ الْخَشِنِ (مَالِي وَلِلدُّنْيَا) قَالَ الْقَارِي: مَا نَافِيَةٌ أَيْ لَيْسَ لِي أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعَ الدُّنْيَا وَلَا لِلدُّنْيَا أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعِي حَتَّى أَرْغَبَ إِلَيْهَا، وَأَنْبَسِطُ عَلَيْهَا وَأَجْمَعُ مَا فِيهَا وَلَذَّتِهَا أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أَيُّ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ لِي مَعَ الدُّنْيَا أَوْ أَيُّ شَيْءٍ لِي مَعَ الْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا أَوْ مَيْلِهَا إِلَيَّ فَإِنِّي طَالِبُ الْآخِرَةِ وَهِيَ ضَرَّتُهَا الْمُضَادَّةُ لَهَا.
قَالَ وَاللَّامُ فِي لِلدُّنْيَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إِنْ كَانَ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ وَإِنْ كَانَ لِلْعَطْفِ فَالتَّقْدِيرُ مَالِي مَعَ الدُّنْيَا وَمَا لِلدُّنْيَا مَعِي (﴿اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا﴾ (1)) وَجْهُ التَّشْبِيهِ سُرْعَةُ الرَّحِيلِ وَقِلَّةُ الْمُكْثِ وَمِنْ ثَمَّ خَصَّ الرَّاكِبَ.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قالت دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطيفة مثنية فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف فدخل علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال ما هذا يا عائشة قالت قلت يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا فقال رُدِّيْه يا عائشة فو الله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة.
(حديث أبي بردة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن وكساء من التي يسمونها الملبدة قال فأقسمت بالله إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبض في هذين الثوبين.
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: الملبدة: قال العلماء الملبد بفتح الباء وهو المرقع، يقال: لبدت القميص ألبده بالتخفيف فيهما، ولبدته ألبده بالتشديد، وقيل هو الذي ثخن وسطه حتى صار كاللبد.

(حديث عمرو بن الحارث رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: ما ترك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة.
﴿تنبيه﴾: (وهذا مثل أعلى في الزهد في الدنيا والتقلل من متاعها, فلقد كان بإمكان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكون أغنى رجل في العرب وربما في العالم, فلقد أفاء الله تعالى عليه في الغزوات أموالا عظيمة, ويكفي مثالا على ذلك غزوة حنين حيث كان يعطي الرجل الواحد مابين جبلين من الغنم والإبل, وأعطى عددا من زعماء العرب وأكابرهم كل واحد مائة من الإبل ولم يدخر لنفسه من ذلك شيئا, والْتَحق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرفيق الأعلى وهو على تلك الصفة المذكورة من التقشُّف والزهد البالغ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لو أن عندي مثلَ أحدٍ ذهباٍ ما يسرني أن لا يمَّر عليَّ ثلاث وعندي منه شيءٌ إلا شيءٌ أرْصُدُه لدين.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(لو أن عندي مثلَ أحدٍ) أي جبل أحد (ذهباً) بالنصب على التمييز قال ابن مالك بوقوع التمييز بعد مثل قليل وجواب لو (ما يسرني) من السرور بمعنى الفرح (أن لا يمر عليَّ) بالتشديد (ثلاث) من الليالي ويجوز الأيام بتكلف (وعندي منه شيء) أي من الذهب، وفي التقييد بثلاث مبالغة في سرعة الإنفاق (إلا شيء أرصده) بضم الهمزة وكسر الصاد أعدَّه (لدين) أي أحفظه لأداء دين لأنه مقدم على الصدقة واستثنى الشيء من الشيء لكون الثاني مقيداً خاصاً ورفعه لكونه جواب لو في حكم النفي وجعل لو هنا للتمني متعقب بالرد وخص الذهب بضرب المثل لكونه أشرف المعادن وأعظم حائل بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها وأعظم شيء عصى اللّه به وله قطعت الأرحام وأريقت الدماء واستحلت المحارم ووقع التظالم وهو المرغب في الدنيا المزهد في الآخرة وكم أميت به من حق وأحيي به من باطل ونصر به ظالم وقهر به مظلوم فمن سره أن لا يكون عنده منه شيء فقد آثر الآخرة.

(3) أن الله تعالى وصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء:

قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص 79،80] (4) أن الله تعالى وصف الكفار أنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة:

قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم 2، 3] (فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا.
(5) من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة بنص السنة الصحيحة:

(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له.
[من كانت الآخرة همّه]: يعني: أي شغله الشاغل، يعمل لها ويرغب فيها عن الآخرة، كان جزائه ما يلي: جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة: [ومن كانت الدنيا همّه]: فالإنسان مخلوق من أجل العبادة، فإذا نسي هذا الأمر وأصبح نهماً على الدنيا يريد أن يجمعها من أي جهة كانت، وأصبحت هذه الدنيا همه الوحيد فهذا جزاؤه [جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له] [جعل الله فقره بين عينيه]: يعني: أنه دائماً مستحضر الفقر يرى الفقر بين عينيه، مهما وجد معه من المال، [وفرَّق عليه شمله]: فالذي يجمع لك الأمور ويؤلف بين القلوب هو الله سبحانه وتعالى، فالإنسان يجمع من شمال ويمين وربنا يفرق عليه هذا كله ما دام همه الوحيد.

[ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له]: فلا تتعب نفسك وتحملها فوق طاقتها فتقصر في عبادة الله سبحانه، وتقول: المال المال، ولكن ابحث عن المال من حلال، واحذر الحرام، واحذر أن تضيع الدين وتضيع الطاعة فيضيع منك الجميع الدنيا والآخرة.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من جعل الهموم هماً واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك.
من جعل الهموم هماً واحدا هم المعاد: ولو أن كلاً منا في قلبه الآخرة، فسيدرك أن الله سبحانه على كل عمل يقوم به، فإنه إذا قام للصلاة تذكر: الله سيحاسبني على هذه الصلاة فيحسنها، وإذا صام أحسن الصيام، وإذا عمل أي عمل من الأعمال أتقن ذلك العمل، ولا من أجل أن يأخذ الجزاء من الناس، ليس من أجل أن يترقى، ولكن ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، فإذا كانت الآخرة على بال الإنسان دائماً فإن الله سوف يكفيه أمر دنياه، قال: (كفاه الله هم دنياه).
ومن تشعبت به الهموم: يعني: نسي الآخرة وبدأ يفكر يريد أن يأكل ويشرب ويلبس ويريد كذا وكذا، ويعمل طول النهار وهو يفكر في أمور الدنيا، ناسياً ربه سبحانه فهذا يكون حاله كما في الحديث: (لم يبال الله في أي أوديته هلك): يعني: في أي مكان هلك لا يبالي الله عز وجل به.
فالمؤمن قريب من الله، والله يحبه ويفرح بتوبته وبإقباله عليه، أما الإنسان البعيد عن الله سبحانه وتعالى فإن يهلك في أي واد لا يبالي الله به.
(6) إن من خير الناس من يشنأ الدنيا ويحب الآخرة بنص السنة الصحيحة:

(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خير الناس ذو القلب المخموم و اللسان الصادق قيل: ما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه و لا بغي و لا حسد قيل: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن.
فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة: ومفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا.

كلمات ينبغي أن تكتب بماء الذهب، ونور لا يخرج إلا من مشكاة النبوة، إنها دعوة لإرشاد النفس إلى طريق الخير دعوة امتزجت بالإخلاص المحض.
(مخموم القلب): يقال: خممت الشيء إذا كنسته، وخممت البيت إذا كنسته، مخموم القلب أي أنه يزيل ما علق بقلبه أول بأول، مثلما تكنس البيت وتزيل ما به من النجاسات والقاذورات.
(هو التقي النقي الذي لا إثم فيه و لا بغي و لا حسد): فعلى المسلم أن يربي نفسه على خلق العفو والصفح، وسلامة الصدر من شوائب الغل والحسد، ذلك الحسد الآفة العظيمة والمرض العضال، من سَلِمَ منه فقد سلم، وهو مثل الغيرة يثير الحقد والكراهية، ويدفع إلى تمني وقوع الأذى للشخص المحسود.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري.
قال قال عيسى بن مريم عليه السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والمال فيه داء كثير، قيل: يا روح الله: ما داؤه؟ قال: لا يؤدي حقه، قالوا: فإن أدى حقه.
قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء، قالوا: فإن سلم من الفخر والخيلاء؟ قال: يشغله استصلاحه عن ذكر الله.

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم يقول: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونهيتم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكنزتموها دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها ومنتكم، فأنفذتم خاضعين لأمنيتها تتمرغون في زهواتها، وتتمتعون في لذاتها، وتتقلبون في شهواتها، وتتلوثون بتبعاتها، تنشبون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها، وتبنون بالغفلة في أماكنها وتحصنون بالجهل في مساكنها، تريدون أن تجاوروا الله في داره، وتحطوا رحالكم بقربه، بين أوليائه وأصفيائه، وأهل ولايته، وأنتم غرقى في بحار الدنيا حيارى، ترتعون في زهواتها، وتتمتعون في لذاتها، وتتنافسون في غمراتها، فمن جَمْعِها ما تشبعون، ومن التنافس فيها ما تَمِلُّون، كذبتم و الله أنفسكم وغرتكم ومنتكم الأماني، وعللتكم بالتواني، حتى لا تعطوا اليقين من قلوبكم، والصدق من نياتكم، وتتنصلون إليه من مساوىء ذنوبكم وتعصوه في بقية أعماركم، أما سمعتم الله تعالى يقول في محكم كتابه: (أَمْ نَجْعَلُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتّقِينَ كَالْفُجّارِ) [ص: 28].
لا تنال جنته إلا بطاعته، ولا تنال ولايته إلا بمحبته، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته، فإن الله تعالى قد أعد المغفرة للأوابين، وأعد الرحمة للتوابين، وأعد الجنة للخائفين، وأعد الحور للمطيعين، وأعد رؤيته للمشتاقين، قال تعالى: (وَإِنّي لَغَفّارٌ لّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمّ اهْتَدَىَ) [طه: 82].
من طريق العمى إلى طريق الهدى.
(7) إن الزهد في الدنيا من أسباب نيل حب الله تعالى الذي هو غاية كل مؤمن:

(حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:

(ازهد) من الزهد بكسر أوله وقد يفتح، وهو لغة: الإعراض عن الشيء احتقاراً، وشرعاً الاقتصار على قدر الضرورة مما يتيقن حله.
وقيل أن لا يطلب المفقود حتى يفقد الموجود (في الدنيا) باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها لتحذير الله تعالى منها واحتقاره لها، فإنك إن فعلت ذلك (يحبك الله) لكونك أعرضت عما أعرض عنه ولم ينظر إليه منذ خلقه.
وفي إفهامه أنك إذا أحببتها أبغضك، فمحبته مع عدم محبتها ولأنه سبحانه وتعالى يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا لا يجتمعان، وذلك لأن القلب بيت الرب فلا يحب أن يشرك في بيته غيره، ومحبتها الممنوعة هي إيثارها بنيل الشهوات لا لفعل الخير والتقرب بها، والمراد بمحبته غايتها من إرادة الثواب، فهي صفة ذاتية أو الإثابة فهي صفة فعلية (وازهد فيما عند الناس) منها (يحبك الناس) لأن قلوبهم مجبولة على حبها مطبوعة عليها ومن نازع إنساناً في محبوبه كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه أحبه واصطفاه ولهذا قال الحسن البصري لا يزال الرجل كريماً على الناس حتى يطمع في دنياهم فيستخفون به ويكرهون حديثه.
وقيل لبعض أهل البصرة: من سيدكم؟ قال الحسن، قال بم سادكم؟ قال: احتجنا لعلمه واستغنى عن دنيانا ماأعظم هذه الوصية النبوية، وما أشد حاجتنا إلى فهمها، والعمل بمقتضاها، حتى ننال بذلك المحبة بجميع صورها.
﴿تنبيه﴾: (الزهد سبباً للمحبة، فمن أحبه الله تعالى فهو في أعلى الدرجات؛ فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات، ومفهومه أيضاً أن من محب الدنيا متعرض لبغض الله تعالى.
(أقوال السلف في الزهد:

ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الأسوة والقدوة، فقد سار على دربه الأفاضل، فعن على رضي الله عنه أنه قال: طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، والكتاب شعاراً، والدعاء دثاراً، ورفضوا الدنيا رفضاً.
وكتب أبو الدرداء إلى بعض إخوانه، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك الله لرغبتك فيما عنده، وأحبك الناس لتركك لهم دنياهم، والسلام.
وقال أبو الدرداء حين تولى القضاء في الشام: في خلافة عثمان، أصبح أبو الدرداء واليا للقضاء في الشام، فخطب بالناس يوما وقال: يا أهل الشام، أنتم الإخوان في الدين، والجيران في الدار، والأنصار على الأعداء، و لكن مالي أراكم لا تستحيون؟؟

تجمعون مالا تأكلون، وتبنون مالا تسكنون، وترجون مالا تبلغون، قد كانت القرون من قبلكم يجمعون فيوعون، ويؤملون فيطيلون، ويبنون فيوثقون، فأصبح جمعهم بورا، وأملهم غرورا، وبيوتهم قبورا أولئك قوم عاد، ملئوا ما بين عدن إلى عمان أموالا وأولادا.
ثم ابتسم بسخرية لافحة: من يشتري مني تركة أل عاد بدرهمين؟! وعن عروة بن الزبير أن أم المؤمنين عائشة جاءها يوماً من عند معاوية ثمانون ألفاً، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحماً بدرهم؟ قالت: لو ذكرتني لفعلت.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا علم له.
(وقال أيضاً: ركعتين من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبداً سرمداً.
(وقال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصوماً وجهاداً من أصحاب محمد، وهم كانوا خيراً منكم، قالوا: كيف ذلك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب منكم في الآخرة.
وقال عمر رضي الله عنه: الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد.
(ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام تلقاه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالتك هذه، فقال: (إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العز بغيره) ودخل رجل على أبي ذر رضي الله عنه فجعل يقلب بصره في بيته، فقال يا أبا ذر: ما أرى في بيتك متاعاً، ولا أثاثاً، فقال: إن لنا بيتاً نوجه إليه صالح متاعنا وقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.
وقال على رضي الله عنه: تزوجت فاطمة ومالي ولها فراش إلا جلد كبش، كنا ننام عليه بالليل، ونعلف عليه الناضح (البعير) بالنهار ومالي خادم غيرها، ولقد كانت تعجن، وإن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها.
(وقال أيضاً: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل، وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] وكان عمرو بن العاص – رضي الله عنه- يخطب بمصر ويقول: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما هو فكان أزهد الناس في الدنيا وأما أنتم فأرغب الناس فيها.

ولما حضرت الوفاة معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
وقد ذكر الإمام أحمد أن أفضل التابعين علماً سعيد بن المسيب، أما أفضلهم على جهة العموم والجملة فأويس القرني، وكان أويس يقول: توسدوا الموت إذا نمتم و اجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم، وقال الفضيل: حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا.
وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط.
قال مالك بن دينار: يقولون: مالك زاهد.
أي زهد عند مالك، وله جبة وكساء.
إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز أتته الدنيا فاغرة فتركها.
وصية إمام الزاهدين إبراهيم بن أدهم: قيل لسلطان الزاهدين إبراهيم بن أدهم {أوصنا بما ينفعنا فقال: إذا رأيتم الناس مشغولين بامر الدنيا فاشتغلوا بأمر الآخرة.
وإذا اشتغلوا بتزيين ظواهرهم فاشتغلوا بتزيين بواطنكم.
وإذا اشتغلوا بعمارة البساتين والقصور فاشتغلوا بعمارة القبور.
وإذا اشتغلوا بخدمة المخلوقين فاشتغلوا بخدمة رب العالمين.
و إذا اشتغلوا بعيوب الناس فاشتغلوا بعيوب أنفسكم.
واتخذوا من الدنيا زادا يوصلكم الى الآخرة فإنما الدنيا مزرعة الآخرة.
وكان كثير من السلف يعرض لهم بالمال الحلال، فيقولون: لا نأخذه، نخاف أن يفسد علينا ديننا.
وكان حماد بن سلمة إذا فتح حانوته وكسب حبتين قام.
وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت، وخلف أربعمائة دينار، وقال: إنما تركتها لأصون بها عرضي وديني.
وقال سفيان الثورى: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباءة.
(وقال أيضا ً: إذا زهد العبد في الدنيا أنبت الله الحكمة في قلبه، وأطلق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا وداءها ودواءها.
(وقال أيضا ً: عليك بالزهد يبصرك الله عورات الدنيا، وعليك بالورع يخفف الله عنك حسابك، ودع ما يريبك إلى مالا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك.
(وقال أيضا ً: لا تصلح القراءة إلا بالزهد، واغبط الأحياء بما تغبط به الأموات، أحبهم على قدر أعمالهم، وذل عند الطاعة، واستعص عند المعصية.
(وقال أيضا ً: لا يكون للقراءة ملح حتى يكون معها زهد.

وقال الشافعي في ذم الدنيا والتمسك بها: وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وان تجتذبها نازعتك كلابها.
وكان أبو سليمان الداراني يقول: كل ما شغلك عن الله، من أهل ومال وولد فهو مشئوم طويت الدنيا عمن هم أفضل منا.
ويكفي أن في الزهد التأسي برسول الله صلي اله عليه وسلم وصحابته الكرام، كما أن فيه تمام التوكل على الله، وهو يغرس في القلب القناعة، إنه راحة في الدنيا وسعادة في الآخرة.
وقال عبد الله بن عون: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم.
قال الحسن البصري رحمه الله: " أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا إذا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها إذا أدبر، وكانت في أعينهم أهون من التراب " وقال الحسن: دخلنا على صفوان بن محيريز وهو في بيت من قصب قد مال عليه فقيل له: لو أصلحته.
فقال: كم من رجل قد مات، وهو قائم على حاله.
وكان الحسن البصري إذا ذكر له صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها.
لقد أخرج منها في خرق.
وقال الحسن رحمه الله: والله لقد أدركت سبعين بدرياً أكثر لباسهم الصوف.
قال إبراهيم التيمي: كم بينكم وبين القوم؟ أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فاتّبعتموها.
وقال بلال بن سعد: كفى به ذنباً أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها.
(والزاهد يحبه الله ويحبه الناس فإن امتلكت فاشكر، وأخرج الدنيا من قلبك، وان افتقرت فاصبر فقد طويت عمن هم أفضل منك، فقد كان نبيك صلي الله عليه وسلم ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، ومات وفي رف أم المؤمنين عائشة حفنة من الشعير تأكل منها، وكنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلي الله عليه وسلم نلت السقف، وخطب عمر بن الخطاب وهو خليفة المؤمنين وعليه إزار به اثنتا عشرة رقعة لقد طويت الدنيا عنهم ولم يكن ذلك لهوانهم على الله، بل لهوان الدنيا عليه سبحانه.
فهي لا تزن عنده جناح بعوضه، وركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.
فلا تأس ولا تجزع على ما فاتك منها، ولا تفرح بما أتاك؛ فالمؤمن لا يجزع من ذلها ولا يتنافس في عزها له شأن وللناس شان، وكن عبداً لله في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، وسواء أقبلت عليك الدنيا أو أدبرت فإقبالها إحجام، وإدبارها إقدام، والأصل أن تلقاك بكل ما تكره فإذا لاقتك بما تحب فهو استثناء.

(وفصل الخطاب في فضائل الزهد: هو ما قاله الفضيل ابن عياض: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالي من كل الدنيا، وقيل للفضيل: ما الزهد في الدنيا؟ قال: القنع وهو الغنى، وقيل: ما الورع؟ قال: اجتناب المحارم.
وسئل ما العبادة؟ قال: أداء الفرائض.
وسئل عن التواضع قال: أن تخضع للحق، وقال: أشد الورع في اللسان، وقال: التعبير كله باللسان لا بالعمل.
وقال: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
وقال: قال الله عز وجل: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.
(حاجة الناس إلى الزهد:

إن الزهد في الدنيا ليس من نافلة القول، بل هو أمر لازم لكل من أراد رضوان الله تعالى والفوز بجنته، ويكفي في فضيلته أنه اختيار نبينا محمد وأصحابه، قال ابن القيم رحمه الله: لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان، وإما من فساد في العقل، أو منهما معاً.
ولذا نبذها رسول الله وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم، وهجروها ولم يميلوا إليها، عدوها سجناً لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، ولكنهم علموا أنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف ينقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل.
(كيف يزهد العبد في الدنيا ويرغب في الآخرة: قال ابن القيم -رحمه الله-: لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: النظر الأول: النظر في الدنيا، وسرعة زوالها وفنائها، واضمحلالها، ونقصها، وخستها، وألم المزاحمة عليها، والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص، والأنكاد، وآخر ذلك الزوال، والانقطاع، مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها، فهذا أحد النظرين.
النظر الثاني: النظر في الآخرة، وإقبالها، ومجيئها ولابد، ودوامها، وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات، والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا، فهي كما قال تعالى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [الأعلى:17].
فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة.

فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره، وزهد فيما يقتضي الزهد فيه، فكل أحدٍ مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة، إلا تبين له فضل الآجل على العاجل، وقويت رغبته في الأعلى الأفضل.
فإذا آثر الفاني الناقص، كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له، وإما لعدم رغبته في الأفضل.
وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان، وضعف العقل والبصيرة فإن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها، إما أن يُصَدِّق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى، وإما أن لا يصدق.
فإن لم يصدق بذلك كان عادمًا للإيمان رأسًا، وإن صدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل، سيء الاختيار لنفسه، وهذا تقسيم حاضر ضروري، لا ينفك العبد من أحد القسمين منه، فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان، وإما من فساد في العقل، وما أكثر ما يقوم منهما، ولهذا نبذها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم، وأطرحوها ولم يألفوها، وهجروها ولم يميلوا إليها، وعَدُّوها سجنًا لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها، وفاضت على أصحابه فآثروا بها، ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها معبر لا ممر، لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذّن بالرحيل.
قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما لي وللدنيا، إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها) وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما الدنيا في الآخرة، إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما ترجع) وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها، وغفل عن آياته، ولم يرج لقائه، فقال: ({إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ).
[يونس:7، 8]. من كتاب (خواطر إيمانية) لـ د/أحمد فريد

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق بن إبراهيم البلخي قال: سبعة أبواب يسلك بها طريق الزهاد: الصبر على الجوع بالسرور لا بالفتور، بالرضا لا بالجزع، والصبر على العرى بالفرح لا بالحزن، والصبر على طول الصيام بالتفضل لا بالتعسف، كأنه طاعم ناعم، والصبر على الذل بطيب نفسه لا بالتكره، والصبر على البؤس بالرضا لا بالسخط، وطول الفكرة فيما يودع بطنه من المطعم والمشرب، ويكسو به ظهره من أين، وكيف، ولعل، وعسى.
فإذا كان في هذه الأبواب السبعة فقد سلك صدرا من طريق الزهاد وذلك الفضل العظيم.
(خصال الزهد:

  • الخصال المطلوبة في تحقق الزهد:

تعددت أقوال السلف من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدُجى في خصال الزهد وهاك صفوة ماقالوه في خصال الزهد: قال يحيى بن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعز بلا رياسة.
وقال بعض الحكماء: الزهد خمس خصال: الثقة بالله، والتبرى عن الخلق، الإخلاص في العمل، واحتمال الظلم، والقناعة في اليد ومن أحسن ما قيل في خصال الزهد ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال» الزهد ثلاثة أحرف (زاي وهاء ودال)، فالزاي زاد للمعاد، والهاء هدي للدين، والدال دوام على الطاعة «. وفي موضع آخر، قال» الزهد ثلاثة أحرف، الزاي ترك الزينة، والهاء ترك الهوى، والدال ترك الدنيا.. (ومن خصال الزهد: أن يميل على الهوى ولا يميل مع الهوى، والثانية ينقطع الزاهد إلى الزهد بقلبه، وأن يذكر كلما خلا بنفسه كيف مدخله في قبره وكيف مخرجه: أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق البلخي قال: ثلاث خصال هي تاج الزاهد، الأولى أن يميل على الهوى ولا يميل مع الهوى، والثانية ينقطع الزاهد إلى الزهد بقلبه، والثالثة أن يذكر كلما خلا بنفسه كيف مدخله في قبره وكيف مخرجه، ويذكر الجوع والعطش والعرى، وطول القيامة والحساب والصراط، وطول الحساب والفضيحة البادية، فإذا ذكر ذلك شغله عن ذكر دار الغرور، فإذا كان ذلك كان من محبى الزهاد ومن أحبهم كان معهم.
(عشرةٌ من خِصال الزهد:

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق بن إبراهيم قال: عشرة أبواب من الزهد يسمى الرجل فيها زاهدا إذا فعلها، فإذا خالفها سمى متزهدا، والمتزهد الذي يتشبه بالزهاد في رؤيته وسمعته وخشوعه وقوله، ومدخله ومخرجه، ومطعمه وملبسه، ومركبه، وفعله وحرصه، وحب الدنيا يشهد عليه بخلافه، ترى رضاه رضا الراغبين، وبساطه في كلامه وعجلته بساط الراغبين، وحسده وبغيه وتطاوله وكبره وفخره وسوء خلقه وحفا لسانه وطول خوضه فيما لا يعنيه يدل على نفاق المتزهد، لا على خشوع الزاهد، فاحذر من هذه الصفة، وإذا وجدت فيمن يزعم أنه زاهد الخصال التي أصفها لك فارج له أن يكون في بعض طريق الزهاد، إذا أسرته حسنة وساءته سيئة، وكره أن يحمد بما لم يفعل من البر، فأما إذا لم يفعل يكره هذه كما يكره لحم الخنزير والميتة والدم، وإذا عرف هذه الخصال صرف فيها نهاره وساعاته وليلته وساعاتها، نقص أمله وطال غمه بما أمامه، فإذا شغل نفسه بغير ما خلق له طال حزنه، وعلم أنه مفتون وترك من شغله عن الطاعة في تلك الساعة، فبهذا يجدون حلاوة الزهد، وبه يحترزون من حزب الشيطان، وإن ذكر الله عندهم أحلى من العسل، وأبرد من البرد وأشفى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف، وتكون مجالستهم مع من يصف لهم بالزهاد ويعظهم أحب إليهم وأشهى عندهم ممن يعطيهم الدنانير والدراهم عند الحاجة وذلك بقلوبهم لا بألسنتهم، وأن يخلو أحدهم بالبكاء على ذنوبه وعلى الخوف الشديد أن لا يقبل منه ما يعمل، ويظهر للناس من التبسم والنشاط كأنه ذو رغبة لا ذو رهبة، وأن لا يحدث نفسه أنه خير من أحد من أهل قبلته: وأن يعرف ذنوبه ولا يعرف ذنوب غيره، فإذا كانت فيه هذه الأبواب العشرة كان في طريق الزهاد، فأرجو أن يسلكه إن شاء الله، وسبعة أبواب تتلو هذه الأبواب، التواضع لله بالقلب لا بالتصنع، والخضوع للحق طوعا لا بالاضطرار، وحسن المعاشرة مع من ابتلى بمعاشرتهم لا لرغبة فيما عندهم، والهرب من المنكبين على الدنيا كهرب الحمار من البيطار والنفور عنها كنفور الحمار من زئير السبع، وطلب العافيه من كل ما يخاف عقابه ولا يرجو ثوابه، ومجالسة البكائين على الذنوب، والرحمة لنفسه ولأنفسهم، ومخاطبة العالمين بظاهره لا بقلبه، ولا يتخوف من الكائن بعد الموت والأهوال والشدائد، فإذا فعل ذلك سلك طريق الزهاد ونال أفضل العبادة.

(ومن خصال الزهد: الخوف والرجاء والرغبة والرهبة والسخاء وسلامة الصدر واليقين التام: أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم: أقرب الزهاد من الله عز وجل أشدهم خوفا، وأحب الزهاد إلى الله أحسنهم له عملا، وأفضل الزهاد عند الله أعظمهم فيما عنده رغبة، وأكرم الزهاد عليه أتقاهم له، وأتم الزهاد زهدا أسخاهم نفسا وأسلمهم صدرا، وأكمل الزهاد زهدا أكثرهم يقينا.
(ومن خصال الزهد: أن الزاهد يعزف عن القيل والقال ويضع نصب عينيه ومحط نظره وقِبلة قلبه الوحيين الشريفيين الكتاب والسنة الصحيحة يتمسك بهما ويعض عليهما بالنواجذ، وينشغل بهما عن غيرهما، ويستمد من نورهما نوراً ومن ضيائهما لمعاناً ليُضئ له الطريق، وينشغل عن مخالطة أهل الدنيا بقوله تعالى: (لأيّ يَوْمٍ أُجّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ) [المرسلات 12: 15]. يوم يقال: (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىَ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [الإسراء: 14].
أخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم قال: الزاهد يكتفي من الأحاديث والقال والقيل وما كان وما يكون بقول الله تعالى: (لأيّ يَوْمٍ أُجّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ) [المرسلات 12: 15]. يوم يقال: (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىَ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [الإسراء: 14].
قال إبراهيم: فبلغني أن الحسن قال في قوله: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.
لكل آدمي قلادة فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت وقلدها، فإذا بعث نشرت.
وقيل: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً.
(ومن خصال الزاهد وهو يصلي: أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن رباح بن الهروي، قال: مر عصام بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم تحسن تصلي؟ قال: نعم قال: كيف تصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر وأمشي بالخشية وأدخل بالنية وأكبر بالعظمة وأقرأ بالترتيل والتفكر وأركع بالخشوع وأسجد بالتواضع وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم بالسبل والسنة وأسلمها بالإخلاص إلى الله عز وجل وأرجح على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت، قال: تكلم فأنت تحسن لصلي.

(ومن أخص صفات الزهد هو العلم بالتوحيد لأن التوحيد مُقَدَّمٌ على العمل والأصل الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفعُ مع الشركِ عمل، وإذا لم يكن الزاهد على علم بالتوحيد ربما يقع في الشرك وهو لايدري فلا ينفعه الزهد حينئذ.
قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد / 19) (حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات، فجعل إخبارهم بالصلاةِ معلقٌ على قبولِ التوحيد فإن لم يقبلوه فلا تخبرهم، وذلك لأن التوحيد مُقَدَّمٌ على العمل والأصلُ الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشركِ عمل.
(حديثُ جندب ابن عبد الله صحيح ابن ماجة) قال كنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن فتيانٌ حزَاوِرَة، فتعلمنا الإيمانَ قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآنَ فازددنا به إيمانا.
معنى حزاوره: جمع حَزْوَر وهو الغلام إذا اشتد وقوى.
قال الشيخ حافظ ابن أحمد الحكمي في سلم الوصول: أولُ واجبٍِ على العبيدِ... معرفةُ الرحمنِ بالتوحيدِ إذ هو من كل الأوامرِ أعظمُ... وهو نوعان أيا من يفهمُ

(ومن أخص صفات الزهد الفقه، فإنه لا يصلح زهد إلا بفقه، لأن الفقه ميزانٌ صحيح ومقياسٌ دقيقٌ معتبر يطَّلع الإنسان من خلاله على حقيقة الزهد وحقيقة الدنيا فيرغب عنها وحقيقة الآخرة فيرغب فيها فيرزقه الله تعالى التوفيق والسداد، ويعصمه من الشطط، ولأنه إذا لم يتفقه في دين الله تعالى لربما فعل أشياء ظناً منه أنها من الزهد وليس الأمر كذلك، لجهله ثم إنه وبفقه الأحكام سيُصححُ عمله الذي سيلقي به ربه ولا سبيل له إلى تصحيح عمله الذي سيلقي به ربه إلا عن طريق الفقه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان ابن عيينة: لا تصلح عبادة إلا بزهد، ولا يصلح زهد إلا بفقه، ولا يصلح فقه إلا بصبر.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمران القصير، قال: سألت الحسن، عن شيء فقلت: إن الفقهاء يقولون كذا وكذا فقال: وهل رأيت فقيهاً بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه عز وجل.

(ومن أخص صفات الزهد التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل إذ لا معنى للزهد الذي هو من أفضل أبواب تزكية النفس إلا بالتحلي بالفضائل من قراءة القرآن والذكر والدعاء والاستغفار وقيام الليل وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الجار وعدم إيذائه و إكرام الضيف والتعاون على البر والتقوى والتحلي بآداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق و بذل النصيحة وقضاء حوائج المسلمين وخدمتهم وصنع المعروف و شكر المعروف و الحب في الله تعالى والحرص على مجالسة الصالحين ورحمة الصغير وتوقير الكبير وضبط اللسان وحسن الخلق والحِلمِ والأناة و الرفق واحتمال الأذى والعفو والإعراض عن الجاهلين و التواضع وخفض الجناح وإيثار الخمول وعدم الشهرة والصمت وقلةِ الكلام والصدق والحياء والجود والسخاء والإنفاق في وجوه الخير والإيثار والمواساة في السَنَةِ والمجاعة ومجاهدة النفس والهوى، وكذلك لايتم تحقيق الزهد إلا بالتخلي عن الرذائل من اجتناب الغش والخداع للمسلمين و اجتناب الغدر للمسلمين و اجتناب ظلم العباد فإنه بئس الزاد ليوم المعاد و اجتناب مجالس الظالمين و اجتناب إيذاء المسلمين و اجتناب التباغض والتقاطع والتدابر واجتناب الحسد واجتناب احتقار المسلمين واجتناب التجسس على المسلمين وعدم تتبع عورات المسلمين وزلاتهم والتخلي عن رذيلة كثرة الكلام والتخلي عن رذيلة التحدث بكل ما سمع والتخلي عن الكذب والتخلي عن الغناء والاحتراز منه والتخلي والاحتراز من الشعر المحرم والتخلي عن رذيلة الغيبة والتخلي عن رذيلة النميمة والتخلي عن رذيلة ذي الوجهين والاحتراز من فحش القول وبذاءة اللسان و التخلي عن رزيلة الغضب والتخلي عن رذيلة السباب والتخلي عن آفة التكلم فيما لا يعنيه والتخلي عن آفة كثرة المزاح والتخلي عن رذيلة شهادة الزور وحفظ اللسان من قذف المحصنات والعياذ بالله والتخلي عن الجدال العقيم والتخلي عن شهوة الخصومة وحفظ اللسان من الحلف بغير الله وحفظ اللسان عن الحلف بالأمانة وحفظ اللسان عن الحلف باللات والعزى وحفظ اللسان عن الحلف بالله كذباً وحفظ اللسان عن اليمين الغموس وحفظ اللسان من المدح المذموم وحفظ اللسان من اللعن وحفظ اللسان من إخلاف الوعد والتخلي عن رزيلة الكبر والعياذ بالله والاحتراز من رذيلة العجب والعياذ بالله والتخلي من رذيلة البخل والعياذ بالله والاحتراز من رذيلة الحرص والطمع، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الآداب إن شاء الله تعالى.

(الزاهد والراغب لا يجتمعان بغيتهما مخالفة، وهواهما شتى: أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق البلخي قال: والزاهد والراغب كرجلين يريد أحدهما المشرق والآخر يريد المغرب، هل يتفقان على أمر واحد وبغيتهما مخالفة، وهواهما شتى؟ دعاء الراغب: اللهم ارزقني مالا وولدا وخيرا وانصرني على أعدائي وادفع عني شرورهم وحسدهم وبغيهم وبلاءهم وفتنهم آمين.
ودعاء الزاهد: اللهم ارزقني علم الخائفين.
وخوف العاملين ويقين المتوكلين.
وتوكل الموقنين.
وشكر الصابرين.
وصبر الشاكرين.
وإخبات المغلبين.
وإنابة المخبتين.
وزهد الصادقين.
وألحقني بالشهداء والأحياء المرزوقين.
آمين رب العالمين.
هذا دعاؤه هل من شيء من دعاء الراغب يحيط به؟ لا والله هذا طريق وذاك طريق.
(رأس الزهد ووسط الزهد وآخر الزهد:

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي تراب الزاهد، قال: جاء رجل إلى حاتم الأصم، فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط الزهد وآخر الزهد فقال: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الإخلاص، قال حاتم: وأنا أدعو الناس إلى ثلاثة أشياء: إلى المعرفة وإلى الثقة وإلى التوكل، فأما معرفة القضاء فإن تعلم أن القضاء عدل منه فإذا علمت أن ذلك عدل منه فإنه لا ينبغي لك أن تشكو إلى الناس أو تهتم أو تسخط، ولكنه ينبغي لك أن ترضى وتصبر.
وأما الثقة فالإياس من المخلوقين، وعلامة الإياس أن ترفع القضاء من المخلوقين فإذا رفعت القضاء منهم استرحت منهم واستراحوا منك، وإذا لم ترفع القضاء منهم فإنه لابد لك أن تتزين لهم وتتصنع لهم، فإذا فعلت ذلك فقد وقعت في أمر عظيم، وقد وقعوا في أمر عظيم، وتصنع فإذا وضعت عليهم الموت فقد رحمتهم وأيست منهم، وأما التوكل فطمأنينة القلب بموعود الله تعالى، فإذا كنت مطمئنا بالموعود استغنيت غنى لا تفتقر أبداً.
قال حاتم: والزهد اسم والزاهد الرجل، وللزهد ثلاث شرايع، أولها الصبر بالمعرفة والاستقامة على التوكل والرضاء بالعطاء، فأما تفسير الصبر بالمعرفة فإذا أنزلت الشدة أن تعلم بقلبك أن الله عز وجل يراك على حالك وتصبر وتحتسب وتعرف ثواب ذلك الصبر، ومعرفة ثواب الصبر أن تكون مستوطن النفس في ذلك الصبر، وتعلم أن لكل شيء وقتا، والوقت على وجهين إما أن يجيء الفرج وإما أن يجيء الموت، فإذا كان هذان الشيئان عندك فأنت حينئذ عارف صابر، وأما الاستقامة على التوكل فالتوكل إقرار باللسان وتصديق بالقلب، فإذا كان مقرا مصدقاً أنه رازق لا شك فيه فإنه يستقيم، والاستقامة على معنيين، أن تعلم أن شيئاً لك وشيئاً لغيرك، وأن كل شيء لك لا يفوتك، والذي لغيرك لا تنالله ولو احتلت بكل حيلة، فإذا كان مالك لا يفوتك فينبغي لك أن تكون واثقا ساكنا فإذا علمت أنك لا تنال ما لغيرك فينبغي لك أن لا تطمع فيه.
وعلامة صدق هذين الشيئين أن تكون مشتغلا بالمعروض.
وأما الرضا بالعطاء فالعطاء ينزل على وجهين عطاء تهوى أنت فيجب عليك الشكر والحمد، وأما العطاء الذي لا تهوى فيجب عليك أن ترضى وتصبر.
(علامات الزهد: قال الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء:

اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد، وليس كذلك؛ فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد، فكم من الراهبين من ردوا أنفسهم كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازموا ديراً لا باب له، وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له، فذلك لا يدل على الزهد دلالة قاطعة، بل لا بد من الزهد في المال والجاه جميعاً حتى يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا بل قد يدعي جماعة الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة، كما قال الخواص في وصف المدعين إذ قال: وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من اللباس يموهون بذلك على الناس ليهدى إليهم مثل لباسهم، لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقروا فيعطوا كما تعطى المساكين، ويحتجون لنفوسهم باتباع العلم وأنهم على السنة، وأن الأشياء داخلة إليهم وهم خارجون منها وإنما يأخذون بعلة غيرهم.
هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق، وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم، فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالاً لهم، فهم مائلون إلى الدنيا متبعون للهوى.
فهذا كله كلام الخواص رحمه الله؛ فإذن معرفة الزهد أمر مشكل، بل حال الزهد على الزاهد مشكل.
وينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث علامات:

  • العلامة الأولى: أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود، كما قال تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " بل ينبغي أن يكون بالضد من ذلك: وهو أن يحزن بوجود المال ويفرح بفقده.
  • العلامة الثانية: أن يستوي عنده ذامه ومادحه، فالأول علامة الزهد في المال والثاني علامة الزهد في الجاه.
  • العلامة الثالثة: ان يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة إما محبة الله، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح، فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان، وكل من أنس بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره، ولذلك قيل لبعضهم: إلى ماذا أفضى بهم الزهد؟ فقال: إلى الأنس بالله؛ فأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان.
    قال يحيى بن معاذ: الدنيا كالعروس، ومن يطلبها يحرص على زينتها و الزاهد يسخم أي يسود وجهها، وينتف شعرها، ويخرق ثوبها، والعارف مشتغل بالله تعالى عنها.
    (ما ليس بزهد ويتوهم أنه زهد:
  • متعلقات الزهد خمسة أشياء وهي:

1 - المال: وليس المراد من الزهد في المال رفضه وعدم السعي لكسبه وتجميعه، وإنما نعم المال الصالح للمرء الصالح، فالمال قد يكون نعمة إذا حصل عليه صاحبه من الحلال وأعانه على طاعة الله سبحانه وتعالى وأنفقه في رضوان الله وفي نصرة قضايا الإسلام والمسلمين، فعلى سبيل المثال أبو بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعمرو بن العاص كانوا من كبار الأثرياء وكانوا يستخدمون أموالهم في طاعة ربهم، أما المال الذي يفسد صاحبه فيدفعه إلى الطغيان والظلم ونشر الفاحشة فإن ذلك المال يكون نقمة على صاحبه، يقول الله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى).
[العلق:6،7]. 2 - الملك والرئاسة: ليس المراد من الزهد أيضًا رفض الملك والرياسة والوزارة وعدم المشاركة في الحياة السياسية وتركها لأراذل القوم، فسليمان وداود عليهما السلام كانا من أزهد الناس في زمانهما، ولهما من الملك والأموال والنساء ما لا يعلمه إلا الله، كذلك كان يوسف عليه السلام وزيرا على خزائن الأرض قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) [يوسف: 101]. وإنما الملك الذي يطغى صاحبه ويجعله فاسدا مستبدا هو الذي نهى الله عنه، يقول سبحانه: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الملك) [البقرة:852]. 3 - المظهر: فليس من الزهد أن يكون الرجل أشعث أغبر، رث الملابس، كريه الرائحة، حاله وسخ ينفر كل من يراه، ف إن الله جميل يحب الجمال.
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غَمطُ الناس.
4 - ما في أيدي الناس: ويقصد بذلك الزهد عما في أيدي الناس وعدم استشرافه أو التطلع إليه أوالطمع فيه أو محاولة الإستيلاء عليه يطرق غير شرعية، وفي هذا يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» (حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:

(ازهد) من الزهد بكسر أوله وقد يفتح، وهو لغة: الإعراض عن الشيء احتقاراً، وشرعاً الاقتصار على قدر الضرورة مما يتيقن حله.
وقيل أن لا يطلب المفقود حتى يفقد الموجود (في الدنيا) باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها لتحذير الله تعالى منها واحتقاره لها، فإنك إن فعلت ذلك (يحبك الله) لكونك أعرضت عما أعرض عنه ولم ينظر إليه منذ خلقه.
وفي إفهامه أنك إذا أحببتها أبغضك، فمحبته مع عدم محبتها ولأنه سبحانه وتعالى يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا لا يجتمعان، وذلك لأن القلب بيت الرب فلا يحب أن يشرك في بيته غيره، ومحبتها الممنوعة هي إيثارها بنيل الشهوات لا لفعل الخير والتقرب بها، والمراد بمحبته غايتها من إرادة الثواب، فهي صفة ذاتية أو الإثابة فهي صفة فعلية (وازهد فيما عند الناس) منها (يحبك الناس) لأن قلوبهم مجبولة على حبها مطبوعة عليها ومن نازع إنساناً في محبوبه كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه أحبه واصطفاه ولهذا قال الحسن البصري لا يزال الرجل كريماً على الناس حتى يطمع في دنياهم فيستخفون به ويكرهون حديثه.
وقيل لبعض أهل البصرة: من سيدكم؟ قال الحسن، قال بم سادكم؟ قال: احتجنا لعلمه واستغنى عن دنيانا ماأعظم هذه الوصية النبوية، وما أشد حاجتنا إلى فهمها، والعمل بمقتضاها، حتى ننال بذلك المحبة بجميع صورها.
(حديث أبي أيوب رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا قمت في صلاتك فَصَلِ صلاةَ مُوَدِّعٍ و لا تكلم بكلام تَعْتَذِرُ منه وأجْمِع اليأس عما في أيدي الناس.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إذا قمت في صلاتك) أي شرعت فيها (فصل صلاة مودع) أي إذا شرعت فيها فأقبل على الله وحده ودع غيره لمناجاة ربك (ولا تكلم) بحذف إحدى التاءين تخفيفاً (بكلام تعتذر منه) أي لا تتكلم بشيء يوجب أن يطلب من غيرك رفع اللوم عنك بسببه (وأجْمِع اليأس عما في أيدي الناس) أي اعزم وصمم على قطع الأمل مما في يد غيرك من جميع الخلق فإنه يريح القلب والبدن.
وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قال الراغب: وأكثر ما يقال أجمع فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكر نحو ﴿أجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ واليأس: القنوط وقطع الأمل (تنبيه) من البين أن كلا من الكلام المحوح للعذر والإياس مما في أيدي الناس مأمور به لا بقيد القيام إلى الصلاة.
أهـ

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء قال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس، وأول الزهد في الناس زهدك في نفسك.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: أتى النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلٌ فقال: يا رسول الله: أوصني وأوجز، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عليك بالإياس مما في أيدي الناس، وإياك مما يعتذر منه".
فمن زهد في الدنيا رنا بطرفه وقلبه نعيم الجنات، وجوار الكبير المتعال.
﴿تنبيه﴾: (فإن جاء من الناس للعبد شيء بدون استشراف نفس أو طمع أو تحايل فلا بأس به.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعطيني العطاءَ، فأقولُ أعطهِ من هو أفقر مني فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غير مشرفٍ ولا سائل، فخُذهُ، وما لا، فلا تُتْبعِه نفسك) 5 - النفس: ويقصد بذلك عدم إعجاب المرء بنفسه فيظن أنه سيخرق الأرض، أو يبلغ الجبال طولاً، فيتكبر بمنصبه أو بما أعطاه الله من صورة على خلق الله، وإنما يتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، كما أمر الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (واخفض جناحك للمؤمنين) [الحجر:88] (من تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله).
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) (الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا: لما كان الزهد في الدنيا مطلبٌ ثمين لنيل حب الله تعالى كما في الحديث الآتي: (حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
لذا وجب علينا أن نتعرف على الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا وأن نتمسك بها وأن نعض عليها بالنواجذ، وهاك الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا: (الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا:

(1) النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها ونقصها وخستها وما في المزاحمة عليها من الغصص والنغص والأنكاد.
(2) النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات.

(3) الإكثار من ذكر الموت والدار الآخرة.
(4) تشييع الجنائز والتفكر في مصارع الآباء والإخوان وأنهم لم يأخذوا في قبورهم شيئاً من الدنيا ولم يستفيدوا غير العمل الصالح.
(5) التفرغ للآخرة والإقبال على طاعة الله وإعمار الأوقات بالذكر وتلاوة القرآن.
(6) إيثار المصالح الدينية على المصالح الدنيوية: (7) البذل والإنفاق وكثرة الصدقات: (8) ترك مجالس أهل الدنيا والاشتغال بمجالس الآخرة: (9) الإقلال من الطعام والشراب والنوم والضحك والمزاح.
(10) مطالعة سير الزاهدين وبخاصة سيرة النبي وأصحابه: (إخفاء البكاء:

وبالتأمل في سيرة هؤلاء الصالحين الباكين من خشية الله تعالى نجد أنهم اشتركوا في صفة واحدة على تنوع عباداتهم واجتهاداتهم في طاعة الله تعالى تلك الصفة هي الإخلاص المنافي للرياء فلقد كانوا رضي الله عنهم أبعد الناس عن أن يراهم أحد حال البكاء حرصاً منهم أن لا يدخل العُجْب قلوبهم فتبطل عبادتهم وتراهم شددوا بلسان الحال والمقال على هذه الصفة ابتغاء نيل الأجر كاملاً غير منقوص من رب العالمين لا من مدح المادحين.
قال الحسن البصري: إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام.
وقال عبد الكريم بن رشيد: كنت في حلقه الحسن فجعل رجل يبكى وارتفع صوته فقال الحسن إن الشيطان ليبكى هذا الآن.
وكان أيوب السختيانى في ثوبه بعض الطول لستر الحال وكان إذا وعظ فرقَّ فَرَقَ من الرياء فيمسح وجهه ويقول: ما أشد الزكام.
وقال حماد بن زيد: دخلنا على محمد بن واسع في مرضه نعودة قال فجاء يحيى البكاء يستأذن عليه فقالوا: يا أبا عبد الله هذا أخوك أبو سلمه على الباب قال: من أبو سلمه؟ قالوا: يحيى قال: من يحيى؟ قالوا: يحيى البكاء قال حماد: وقد علم أنه يحيى البكاء فقال شر أيامكم يوم نسبتم فيه إلى البكاء.
وعن القاسم بن محمد قال:

كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة إن كان يصلى آنا نصلى وإن كان يصوم آنا نصوم وإن كان يغزو فآنا نغزو وإن كان يحج آنا لنحج قال فكنا في بعض مسيرتا في طريق الشام ليله نتعشى في بيت إن طفئ السراج فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا ولعله حين فقد السراج فصار إلى ظلمه ذكر القيامة.
(سيد البكائين والناس أجمعين حبيبنا محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لم يكن بكاؤه بشهيق ورفع صوت، ولكن كانت عيناه تدمعان حتى تسيل الدموع، ويسمع لصدره أزيز.
وكان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبكي عند سماع القرآن: ((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن مسعود: (اقْرأ عَليَّ القُرْآن، فَإِنِّي أُحبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فقرأ عليْهِ من سُورة النِّساء حتّى بلغ قوله: ((فَكَيفَ إِذاَ جِئنَاَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَاَ بِكَ عَلى هَؤلاء شَهِيدا))، قال: (حَسْبُكَ الآن).
فالتفتُ إليه فَإِذَاَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَان.
وكان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبكي في الصلاة: ((حديث عبيد بن عمير رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فسكتت ثم قالت: لمَّا كانت ليلة من الليالي قال: «يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي» قلت: والله إني أحب قربك وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهَّر ثم قال يصلِّي، قالت: فلم يزل يبكي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بلّ حِجْره، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يُؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد أُنزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ (سورة آل عمران، الآية: 190). ((حديث عبد الله بن الشخير الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء.

((حديث عبيد بن عمير رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فسكتت ثم قالت: لمَّا كانت ليلة من الليالي قال: «يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي» قلت: والله إني أحب قربك وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهَّر ثم قال يصلِّي، قالت: فلم يزل يبكي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بلّ حِجْره، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يُؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد أُنزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولميتفكر فيها: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ (سورة آل عمران، الآية: 190). (وكان يبكي عند القبور: ((حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
(بكاء أصحاب النبي رضي الله عنهم: ((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة ما سمعت مثلها قط قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).
قال فغطى أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوههم لهم خنين.
ومعنى الحديث: لو أنكم علمتم ما أعلمه من عظمة الله عز وجل، وانتقامه ممن يعصيه، لطال بكاؤكم وحزنكم وخوفكم مما ينتظركم، ولما ضحكتم أصلاً، فالقليل هنا بمعنى المعدوم، وهو مفهوم من السياق.
(بكاء أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: اشتهر عنه البكاء في الصلاة حتى أن السيدة عائشة لما قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مروا أبا ((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس.
قال مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعادت فقال مُري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف، فأتاه فصلى بالناس في حياة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (بكاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كان بكاؤه يسمع من آخر الصفوف، فقد قال عبد الله بن شداد: (سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [(86) سورة يوسف]).

((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة ما سمعت مثلها قط قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).
قال فغطى أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوههم لهم خنين.
ومعنى الحديث: لو أنكم علمتم ما أعلمه من عظمة الله عز وجل، وانتقامه ممن يعصيه، لطال بكاؤكم وحزنكم وخوفكم مما ينتظركم، ولما ضحكتم أصلاً، فالقليل هنا بمعنى المعدوم، وهو مفهوم من السياق.
(بكاء أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: اشتهر عنه البكاء في الصلاة حتى أن السيدة عائشة لما قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مروا أبا ((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس.
قال مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعادت فقال مُري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف، فأتاه فصلى بالناس في حياة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (بكاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كان بكاؤه يسمع من آخر الصفوف، فقد قال عبد الله بن شداد: (سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [(86) سورة يوسف]).
(بكاء عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: (تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟) قال: (إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشد منه").
(بكاء عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: ((حديث إبراهيم بن عبد الرحمن بن الثابت في صحيح البخاري): أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام، وكان صائما، فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة: إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه.
وأراه قال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
(بكاء سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: يقول: (أبكاني ثلاث: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: لأن أدمع دمعه من خشيه الله عز وجل أحب إلى من أن أتصدق بألف دينار.

كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ بكى حتى يغلبه البكاء.
(نماذج من بكاء السلف:

قال حماد بن زيد: رأيت ثابتا يبكي حتى تختلف أضلاعه.
وقال جعفر بن سليمان: بكى ثابت البناني حتى كادت عينه تذهب، فجاؤوا برجل يعالجها، فقال: أعالجها على أن تطيعني.
قال: وأي شيء؟ قال: على أن لا تبكي.، فقال: فما خيرهما إذا لم يبكيا، وأبى أن يتعالج.
وقرأ ثابت: ﴿تطلع على الأفئدة﴾ قال تأكله إلى فؤاده وهو حي لقد تبلغ فيهم العذاب ثم بكى وأبكى من حوله.
وقال حماد بن سلمة: قرأ ثابت: ﴿أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا﴾ وهو يصلي صلاة الليل ينتحب ويرددها.
وقال الثورى: جلست ذات يوم أحدث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي فجعل سعيد يبكى حتى رحمته فقلت: يا سعيد ما يبكيك وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم؟ فقال: يا سفيان وما يمنعني من البكاء إذا ذكرت مناقب أهل الخير وكنت عنهم بمعزل؟ قال سفيان: حق له أن يبكى.
وقال أبو مُسهر كان الأوزاعى رحمه الله يحيى الليل صلاه وقرآنا وبكاء وأخبرنى بعض إخوانى من أهل بيروت أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي وتتفقد موضع مصلاه فتجده رطباً من دموعه في الليل.
وعن القاسم بن محمد البغدادى قال كنت جار معروف الكرخى فسمعته ليله في السحر ينوح ويبكى وينشد: أي شيء تريد منى الذنوب... شغفت بي فليس عنى تغيب ما يضر الذنوب لو أعتقتني... رحمه لي فقد علاني المشيب عن بشير قال بت عند الربيع ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية ((أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)) قال فمكث ليلته حتى أصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
عن نسير بن ذعلوق قال: (كان الربيع بن خيثم يبكي حتى يبل لحيته من دموعه فيقول أدركنا قوماً كنا في جنوبهم لصوصاً.
عن سفيان قال بلغنا عن أم الربيع بن خيثم كانت تنادي ابنها ربيع تقول يا ربيع ألا تنام فيقول يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف السيئات حق له ألا ينام قال فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت يا بني لعلك قتلت.
قتيلا قال نعم يا والدة قد قتلت قتيلا، فقالت ومن هذا القتيل يا بني حتى نتحمل إلى أهله فيغتفرك والله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء بعد لقد رحموك فقال يا والدة هو نفسي.
قال الحسن البصري:

بلغنا أن الباكي من خشيه الله لا تقطر من دموعه قطره حتى تعتق رقبته من النار وقال أيضاً: لو أن باكيا بكى في ملأ من خشية الله لرحموا جميعا وليس شيء من الأعمال إلا له وزن إلا البكاء من خشية الله فإنه لا يقوم الله بالدمعة منه شيء وقال: ما بكى عبد إلا شهد عليه قلبه بالصدق أو الكذب.
وقال أبو جعفر الباقر: ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذله وما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله يكفر بها بحور الخطايا ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمه رحم الله تلك الأمة.
وقال كعب الأحبار: لأن أبكى من خشية الله فتسيل دموعي على وجنتي أحب إلى من أن أتصدق بوزني ذهبا.
وعن أبى معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبى حازم يبكى ويمسح وجهه بدموعه فقيل له لم تمسح وجهك بدموعك؟ قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانا من جسده إلا حرم الله عز وجل ذلك المكان على النار.
روى أحمد بن سهل قال: قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال: كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا فقيل لنا إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن قال وكان معنا رجل مؤذن وكان صيتا فقلنا له: إقرأ فقرأ [ألهاكم التكاثر] ورفع بها صوته فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقه ينشف بها الدموع من عينيه وأنشأ يقول بلغت الثمانين أو جزتها... فماذا أؤمل أو أنتظر أتى ثمانون من مولدى... وبعد الثمانين ما ينتظر عَّلتنى السنون فأبليننى......................... قال ثم خنقته العبره وكان معنا على بن خشرم فأتمه لنا يقول علتنى السنون فأبليننى... فرقت عظامى وكل البصر ابن المنكدر: كان محمد بن المنكدر: ذات ليله قائم يصلى إذ استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله فسألوه: ما الذي أبكاك؟ فاستعجم عليهم فتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبى حازم وأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكى فقال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ قد رعت أهلك فقال له إني مرت بي آيه من كتاب الله عز وجل قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى [وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون] قال فبكى أبو حازم معه واشتد بكاؤهما فقال بعض أهله لأبى حازم جئناك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما الذي أبكاهما.
الإمام الحجة الحافظ هشام الدستوائي.

وقال شاذ بن فياض: بكى هشام الدستوائي حتى فسدت عينه، فكانت مفتوحة، وهو لا يكاد يبصر بها.
قال الحارث بن سعيد كنا عند مالك بن دينار وعنده قارىء يقرأ [إذا زلزلت الأرض زلزالها] فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون حتى انتهى القارىء إلى [فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره] فجعل مالك يبكى ويشهق حتى غشى عليه فحمل بين القوم صريعاً.
أُتِىَ الحسن البصرى بكوز من ماء ليفطر عليه فلما أدناه إلى فيه بكى وقال ذكرت أمنية أهل النار قولهم [أن أفيضوا علينا من الماء] وذكرت ما أجيبوا به [إن الله حرمهما على الكافرين].
وعن إبراهيم بن الأشعث قال كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكى حتى لكأنه يودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس فكأنه بين الموتى جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها.
وعن عاصم قال: سمعت شقيق بن مسلمه يقول وهو ساجد رب اغفر لي رب اغفر لي إن تعف عنى تعف عنى تطولا من فضلك وإن تعذبني تعذبني غير ظالم لي قال ثم يبكى حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد.
(ذاك والله هو الإيمان الحق الذي ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقة العمل وهؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون وإن لم يكن هؤلاء أولياء الله فليس لله ولى.

(فصلٌ في منزلة الإخبات:

(عناصر الفصل: (تعريف الإخبات: (أثر الإخبات في بناء شخصية المسلم: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف الإخبات:

مسألة: ما هو الإخبات؟ (الإخبات في اللغة: هو الأرض المنبسطة، والإخبات: أخبت إذا طأطأ حتى يساوى بالأرض، ففي هذا دليل على كمال الانقياد والإذعان فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج:54] فالإخبات هو عدم الاعتراض, فلو ارتفعت لكان فيها نوع من الاستكبار.
ولهذا يقولون في قلوب الكفار: إنها قلوب متكبرة جبارة, وكثيراً ما يصفهم الله بوصف الاستكبار؛ لأنهم يستكبرون عن عبادة الله وطاعته والانقياد لأمره، فالاستكبار ضد الإخبات.
(والإخبات في الشرع: هو الخضوع الكامل والمطلق، فكأنه التصق بالأرض، فليس لديه أي اعتراض على ما يأتي من عند الله تبارك وتعالى، فهو كما قال الله عز وجل: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإخبات، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:34] ثم كشف عن معناهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: 35] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: 23] الخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض.
(وبه فسر ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة لفظ المخبتين وقالا: هم المتواضعون.
(وقال مجاهد: المخبت المطمئن إلى الله عز وجل قال: والخبت: المكان المطمئن من الأرض.
(وقال الأخفش: الخاشعون.
(وقال إبراهيم النخعي: المصلون المخلصون.
(وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم.
(هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع والسكون إلى الله عز وجل ولذلك عدي بإلى تضمينا لمعنى الطمأنينة والإنابة والسكون إلى الله تعالى.
قال صاحب المنازل: "هو من أول مقامات الطمأنينة يعني بمقامات الطمأنينة «كالسكينة واليقين والثقة بالله ونحوها»

(فالإخبات: مقدمتها ومبدؤها قال: وهو ورود المأمن من الرجوع والتردد، لما كان الإخبات أول مقام يتخلص فيه السالك من التردد الذي هو نوع غفلة وإعراض والسالك مسافر إلى ربه سائر إليه على مدى أنفاسه لا ينتهي مسيره إليه ما دام نفسه يصحبه، شبه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يرده المسافر على ظمأ وحاجة في أول مناهله فيرويه مورده ويزيل عنه خواطر تردده في إتمام سفره أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر فإذا ورد ذلك الماء: زال عنه التردد وخاطر الرجوع كذلك السالك إذا ورد مورد الإخبات تخلص من التردد والرجوع ونزل أول منازل الطمأنينة بسفره وجد في السير.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) قال: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو يَقُولُ رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا لَكَ ذَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا لَكَ مِطْوَاعًا لَكَ مُخْبِتًا إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَاغْسِلْ حَوْبَتِي وَأَجِبْ دَعْوَتِي وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَسَدِّدْ لِسَانِي وَاهْدِ قَلْبِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ): أَيْ عَلَى أَعْدَائِي فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ.

(وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَكْرُ الْخِدَاعُ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ إِيقَاعُ بَلَائِهِ بِأَعْدَائِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَقِيلَ هُوَ اسْتِدْرَاجُ الْعَبْدِ بِالطَّاعَةِ فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمَكْرُ الْحِيلَةُ وَالْفِكْرُ فِي دَفْعِ عَدُوٍّ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْعَدُوُّ، فَالْمَعْنَى: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِ أَعْدَائِي عَنِّي وَلَا تَهْدِ عَدُوِّي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ) كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ.
(وَاهْدِنِي) أَيْ دُلَّنِي عَلَى الْخَيْرَاتِ.
(وَيَسِّرْ لِي الْهُدَى) أَيْ وَسَهِّلِ اتِّبَاعَ الْهِدَايَةِ أَوْ طُرُقَ الدَّلَالَةِ حَتَّى لَا أَسْتَثْقِلَ الطَّاعَةَ وَلَا أَشْتَغِلَ عَنِ الطَّاعَةِ.
(وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ) أَيْ ظَلَمَنِي وَتَعَدَّى عَلَيَّ.
(رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا) أَيْ كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلَى النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ، وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ الْإِخْلَاصِ (لَكَ ذَكَّارًا) أَيْ كَثِيرَ الذِّكْرِ.
(لَكَ رَهَّابًا) أَيْ كَثِيرَ الْخَوْفِ (لَكَ مِطْوَاعًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ مِفْعَالٌ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ كَثِيرَ الطَّوْعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ (لَكَ مُخْبِتًا) أَيْ خَاضِعًا خَاشِعًا مُتَوَاضِعًا مِنَ الْإِخْبَاتِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَخْبَتَ خَشَعَ (إِلَيْكَ أَوَّاهًا) أَيْ مُتَضَرِّعًا فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ أَوَّهَ تَأْوِيهًا وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إِذَا قَالَ أَوْهُ أَيْ قَائِلًا كَثِيرًا لَفْظَ أَوْهُ وَهُوَ صَوْتُ الْحَزِينِ.
أَيِ اجْعَلْنِي حَزِينًا وَمُتَفَجِّعًا عَلَى التَّفْرِيطِ أَوْ هُوَ قَوْلُ النَّادِمِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ الْمُقَصِّرِ فِي طَاعَتِهِ وَقِيلَ الْأَوَّاهُ الْبَكَّاءُ

(مُنِيبًا) أَيْ رَاجِعًا قِيلَ التَّوْبَةُ رُجُوعٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالْإِنَابَةُ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ وَالْفِكْرَةِ، وَالْأَوْبَةُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا اكْتَفَى فِي قَوْلِهِ أَوَّاهًا مُنِيبًا بِصِلَةٍ وَاحِدَةٍ لِكَوْنِ الْإِنَابَةِ لَازِمَةً لِلتَّأَوُّهِ وَرَدِيفًا لَهُ فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
(رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي) أَيْ بِجَعْلِهَا صَحِيحَةً بِشَرَائِطِهَا وَاسْتِجْمَاعِ آدَابِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ حَيِّزِ الْقَبُولِ.
(وَاغْسِلْ حَوْبَتِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُضَمُّ أَيِ امْحُ ذَنْبِي.
(وَأَجِبْ دَعْوَتِي) أَيْ دُعَائِي.
(وَثَبِّتْ حُجَّتِي) أَيْ عَلَى أَعْدَائِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى وَثَبِّتْ قَوْلِي وَتَصْدِيقِي فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ.
(وَسَدِّدْ لِسَانِي) أَيْ صَوِّبْهُ وَقَوِّمْهُ حَتَّى لَا يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَلَا يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِالْحَقِّ.
(وَاهْدِ قَلْبِي) أَيْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
(وَاسْلُلْ) بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى أَيْ أَخْرِجْ مِنْ سَلَّ السَّيْفَ إِذَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْغِمْدِ (سَخِيمَةَ صَدْرِي) أَيْ غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ.
(أثر الإخبات في بناء شخصية المسلم:

الأثر الأول: أن الإخبات يعصم المسلم ويحفظه من الوقوع في المعاصي، والميل إلى الشهوات.
وذلك أن العصمة تغلب الشهوة وتقهرها، وتستوفي جميع أجزائها، فإذا استوفت العصمة جميع أجزاء الشهوة، فذلك دليل على إخباته ودخوله في مقام الطمأنينة، ونزوله أول منازلها.
وأمر آخر: أن المسلم إن استطاع أن يحمي نفسه من الوقوع في المعاصي، ويعصم نفسه من الميل إلى الشهوات، كان قريبًا من الله ورسوله، بعيدًا عن الشيطان وأعوانه.
ويتحقق فيه قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 23]

جارٍ التحميل