فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 149-187

كتاب الرقائق

صفحات 149-187
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(بيد ملك) موكل به.
(فإذا تواضع) للحق والخلق.
(قيل للملك) من قبل اللّه تعالى.
(ارفع حكمته) أي قدره ومنزلته يقال فلان عالي الحكمة، فرفعها كناية عن الأعذار.
(فإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته) كناية عن إذلاله فإن من صفة الذليل تنكيس رأسه فثمرة التكبر في الدنيا الذلة بين عباد اللّه وفي الآخرة نار الإيثار وهي عصارة أهل النار كما جاء في بعض الأخبار.
أهـ (فأنت قد تكون مدير شركة و عندك مستخدَم، هذا المستخدم في الدنيا مستخدم، أما في الآخرة فقد يكون أعلى منك درجة عند الله عزوجل، فالإسلام يعلمك التواضع و يعلمك الإنصاف.
توفير الحقوق أيضا من الرياضة، الأخلاق تهذب بالعلم، و الأعمال تتوج بالإخلاص والحقوق تتوافر بالمعاملة، أو تعطي ما أُمرت به من حقوق الله و العباد كاملة غير منقوصة، الآن قليل من الناس يموت والده فيوزِّع التركة بالعدل التام، له أختان متزوجتان لاترثان البيت الذي يسكنه الأخ ثمنه اثنا عشر مليوناً يقول لأخته، تعالي اجلسي، من منعكِ؟ هذا بيت العائلة لما الأب مات لم يعد بيت العائلة، صار بيت الورثة، فهذه الأخت لها حق في هذا البيت، عملياً لا تُعطى شيئاً، حتى أثاث البيت يكون من نصيب الأخ و لا يوزع على الإناث منه شيئاً، فالبطولة أن تؤدِّي الحقوق.
(قال أحد العلماء:

أعرف أخاً من إخواننا، كلما يسلم عليّ أكبره، له أخت فقط، أخته متزوجة وزوجها له بيت، و دخله جيد، و ليست بحاجة أبداً، بيت الأب يسكنه الابن مع والدته، قال لي: واللهِ قيّمت البيت على أنه فارغ، لا على أنه مستأجر و أعطيت أختي حصتها بالكمال و التمام، وقال أيضاً: لي قريبة تزوجت في سن متأخرة، من رجل له أولاد صالحون، فقالت لأولاد زوجها: واللهِ والدكم قبل أن يموت وهب لي شفهياً مبلغ خمسمائة ألف يستثمرها عند فلان، قال لي: هذه لكِ فقالوا: سمعاً و طاعة، و قالوا للمستثمر أعطها إيصالا باسمها بدل إيصال والدي، واللهِ شيء جيد ببساطة، لكن من دون دليل مادي، مهرها خمسة عشر ألف، أعطوها إياه بالتمام و الكمال قبل توزيع الإرث، بعد أيام جاؤوا فقالوا: سألنا عالماً، فقال: لا بد أن يُعطى المهر على السعر المعاصر، فأعطوها مقابله مائة و ثمانين ألف ليرة، و كل حاجاتها مؤمّنة بعد وفاة والدهم، ثم اشتروا لها بيتا بما تملك، وأسّسوه لتسكنه، هم لم يفعلوا إلا الحق، ولكن لأن العمل نادر صار يلفت النظر هذا شيء طبيعي، حقوق، فالإنسان إذا لم يؤد الحقوق فلا مقطوع عن الله عزوجل.
توفير الحقوق في المعاملة أن تعطي به من حق الله و حقوق العباد كاملا موفورا غير منقوص، قال رجل لسيدنا عمر: أتحبُّني؟ قال له: واللهِ لا أحب، قال له: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال له: لا واللهِ، قال له: إذًا إنما يأسف على الحب النساء " ليس هناك مشكلة، فأن تصحح العمل بالعلم، وأن تصحح النية بالإخلاص، وأن تؤدي الحقوق لأصحابها بالتمام والكمال، هذه هي الرياضة، هذه المنزلة التي أدخلها صاحب المدارج، مدارج السالكين في منازل إياك نعبد و إياك نستعين.
عندنا رياضة بمستوى أعلى، رياضة المؤمنين، قال: هناك رياضة خاصة، هناك إنسان متفوق، من خصائص هذه الرياضة قطع ما يفرق قلبك عن الله، كل شيء يصرفك عن الله تقطعه هذه رياضة، حتى المباحات، شيء مباح، لكن قلبك تعلق به، دعه، لأن الله عزوجل هو المقصود قال: قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمع عليه، والإقبال بكليتك عليه، حاضرا معه، بقلبك كله، لا تلتفت إلى غيره، هذه مرتبة أعلى.
هناك شيء آخر الإنسان أحيانا يتعلق برأي و يبحث له عن أدلة، هذا موقف خطأ، الأصل أن متعلق بالحق و أن تسعى لتطبيقه، أينما كان الحق.

أيها الإخوة، «رياضة الخاصة أن تقطع كل ما يبعدك عن الله»، قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمع عليه، و الإقبال بكليتك عليه، هناك نقطة ثانية، أن تحكِّم العلم لا أن تحكِّم الحال، الإنسان أحيانا يكون له إقبال على الله شديد، يعيش من الغمرة من الحال المسعد، هذه الغمرة من الحال المسعد قد تحمله على أن يقول شيئا غير صحيح، فهو دائما يحكِّم العلم بالحال، ولا يحكّم الحال بالعلم الحال خطير، سمِّي حالا لأنه يحول، مثلا، هذا الذي فَقَدَ ناقته وهو في الصحراء فأيقن بالهلاك وبكى، تأمل قصته في الحديث الآتي: ((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته أرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ". حاله الشديد بالعثور على ناقته أخلّ توازنه فقال كلاماً كفراً، هناك من يلتفت إلى قلبه و يتصل بربه، فيشعر بنشوة كبيرة جدا، هذه تبعده عن العلم، فيحكِّم حاله لعلمه، و الأولى أن يحكِّم علمه بحاله.
والحال أنواع؛ هناك حال شيطاني، إذا دخل أحدهم بيتاً مثلاً و استطاع أن يأخذ منه مليون ليرة، الطريقة سهلة، و لم ينتبه أحد، فلو قعدت مع هذا السارق، تجد إشراقة في وجهه، لأنه حقق هدفه، فهل يُسمى هذا الحال راقياً، كل إنسان يحقق هدفاً و لو كان خسيساً يشعر بنشوة، أما نحن فعندنا العلم يتحكم في الحال، «العلم حكَم على الحال»، وليس الحال حكما على العلم، هناك أناس كثيرون أحوالهم تتحكم بعلمهم، تأخذه نشوة فيتكلم كلاما غير صحيح، قد يستعلي و قد يطعن في الآخرين، أساسه نشوة، فمن لوازم رياضة الخاصة أن علمه متحكم بحاله، و ليس العكس.

أما هناك رياضة خاصة الخاصة، هؤلاء المتفوقون، مرتبتهم مرتبة الامتياز، قال: هذه المرتبة «لا يرى إلا الله، لا يرى عمله»، حتى لو أن الله عز وجل أجرى على يده خيرا كبيرا لا يرى عمله، قال: ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، ما قال: فهديتكم، هداكم الله بي، حتى الإنسان في المرتبة العالية لا يرى عمله، يرى فضل الله عليه، حتى لو كنت مستقيماً، لو أنك في زمن الفتنة تجاهد نفسك و هواك، لولا أن الله عزوجل أعانك على الاستقامة لما كنت مستقيما، و الدليل سيدنا يوسف، حينما قال: قال تعالى: (قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبّ إِلَيّ مِمّا يَدْعُونَنِيَ إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنّ أَصْبُ إِلَيْهِنّ وَأَكُن مّنَ الْجَاهِلِينَ) [يوسف: 33] أي عفّتي بمعونتك يا رب، عفتي و استقامتي و ورعي بدعم منك، من أنا لولا دعمك لي هذا مستوى عال جدا، حتى بالتفوق، حتى بالإيجابيات، حتى بالإنجازات لا ترى إلا فضل الله عليك.
(قال أحد العلماء: مرة كنت في جلسة، وهناك إنسان فيه روح من الدعابة اللطيفة أضحك من في المجلس مرتين أو ثلاثا، قلت لهم: اشكروا الله على هذا الضحك، قالوا: ولِم؟ قلت لهم: لأن الذي أضحككم قادر على أن يبكيكم، أضحككم، لأنه يوجد ما يسيئكم من مرض أو هم و غم، فإذا ضحك الإنسان معنى ذلك أن الله سمح له أن يضحك، فكلما تفوقت عند الله عزوجل ترى فضل الله عليك.
إذا كنت في كل حال معي... فعن حمل زادي أنا في غنى فأنتم هو الحق لا غيركم... يا ليت شعري أنا من أنا تتلاشى ذاتك أمام عظمة الله، عبّر عنها علماء القلوب بالفناء، أنت ليس لك وجود، النبي الكريم حدّثنا عن أعماله العظيمة، قال: هذه جهد مقل، فكلما كبرت عند الله، رأيت فضله و لم تر عملك، وكلما صغرت عند الله رأيت فضلك و عملك و لم تر فضل الله عليك.

(فصلٌ في منزلة المحبة والخوف والرجاء:

(عناصر الفصل: (العلاقة بين المحبة والخوف والرجاء: (أولاً: محبة الله عز وجلّ: (منزلة المحبة: (تعريف المحبة: (علامات محبة الله تعالى للعبد: (علامات العبد الدالة على محبته لله تعالى: (ما هي الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى؟ (أحوال يحب الله تعالى أهلها: (مسائل هامة في المحبة: (لوازم محبة الله تعالى: (الآثار الواردة في محبة الله تعالى: (ثانياً الخوف والرجاء: (أهمية الخوف والرجاء: (متى يُعَدُ الخوف أفضل من الرجاء: (تعريف الخوف: (الخشية أخص من الخوف:

(منازل الخوف ودرجاته: (الخوف المحمود الصادق؟ (هل الخوف مقصودٌ لذاته؟ (هل الخوف أفضل أم المحبة؟ (حكم الخوف من الله: (فضائل الخوف: (ثمرات الخوف من الله: (الأسباب الجالبة للخوف: (موانع الخوف: (أنواع الخوف: (تعريف الرجاء: (الفرق بين الرجاء والتمني: (الرجاء ضد اليأس: (درجات الوصول إلى تحقيق الرجاء: (الرجاء دواء يحتاج له رجلان: (ثمرات الرجاء: (أنواع الرجاء: (علامة الرجاء في العبد: (درجات الرجاء: (أنواع الرجاء من حيث الراجي: (الخوف المحمود والرجاء المحمود: وهاك تفصيلَ ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (العلاقة بين المحبة والخوف والرجاء: هذه المنزلة هي ثلاث منازل متلازمة متلاصقة متداخلة هي مقامات الإيمان الثلاثة «المحبة والخوف والرجاء» والتي لا يصح الإيمان بدونها.
قال مكحول الدمشقي رحمه الله تعالى، وكان من الأئمة الصالحين وكان لأهل الشام كالحسن البصري للبصرة: من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو صدِّيق و من عبد الله بالحب فقط فهو زنديق و من عبد الله بالخوف فقط فهو حروري و من عبد الله بالرجاء فقط فهو مُرْجِئي (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57] فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه بالعبودية والمحبة فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب والخوف والرجاء.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى: القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره.
قال: ينبغي للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد.
وقال غيره: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هي المركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه.
(أولاً: محبة الله عز وجلّ:

(منزلة المحبة:

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين عن المحبة:

المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عملها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، وهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب.
أهـ والمحبة هي الرأس والخوف والرجاء هما الجناحان والعبد يسير إلى الله بالمحبة والخوف والرجاء.
والمحبة هي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، فهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى ما خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه.
فهي تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها، وتبوءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب.
تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بحكمته البالغة أن المرء مع من أحب..، فيالها من نعمة على المحبين سابغة.... تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون.
[من كلام ابن القيم في المحبة] (تعريف المحبة:

(المحبة في اللغة: من الحب، قيل المحبة أصلها الصفاء لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان، وقيل إنها مأخوذة من الحباب الذي يعلو الماء عند المطر الشديد فعلى هذا المحبة غليان القلب عند الاهتياج إلى لقاء المحبوب، وقيل المحبة مشتقة من اللزوم والثبات ومنه أحب البعير إذا برك.
حلّت عليه بالفلاة ضربة ضرب بعير السوء إذا أحبَّ أي إذا أقام في المقام ولزمه فكأن المحب قد لزم قلبه محبوبه فلم يرم عنه انتقالاً، وقيل بل المحبة مأخوذة من القلق والاضطراب ومنه سمي القرط حباً لقلقه في الأذن واضطرابه كما قال الشاعر: تبيت الحية النضناض منه مكان الحب تستمع السرار

وقيل مأخوذة من الحب جمع حبة وهو لباب الشيء وخالصه وأصله فإن الحب أصل النبات والشجر وقيل بل مأخوذة من الحِب الذي هو إناء واسع يوضع فيه الشيء فيمتلئ به بحيث لا يسع غيره وكذلك قلب المحب ليس فيه سعة لغير محبوبه.
وقيل مأخوذة من حبة القلب وهي سويداءه ويقال ثمرته فسميت المحبة بذلك لوصولها إلى حبة القلب.
وأياً ما كان فإن هذه الصفات تجتمع في المحب وتكون مما يشعر به، و محبة الله هي التي نتحدث عنها وهي أمر هائل جسيم وفضل غامر جزيل لا يقدر على إدراك قيمته إلا من عرف الله بصفاته كما وصف نفسه.
(علامات محبة الله تعالى للعبد:

العلامات التي إذا وجدت في العبد أو أحس بها تدل على أن الله يحبه.. [^fn999] حسن التدبير له فيربيه من الطفولة على أحسن نظام ويكتب الإيمان في قلبه وينور له عقله فيجتبيه لمحبته ويستخلصه لعبادته فيشغل لسانه بذكره وجوارحه بطاعته، فيتبع كل ما يقربه إلى محبوبه و هو الله عز وجل ويجعله الله نافراً من كل ما يباعد بينه وبينه ثم يتولى هذا العبد الذي يحبه بتيسير أموره من غير ذلّ للخلق فييسر أموره من غير إذلال، ويسدد ظاهره وباطنه، ويجعل همه هماً واحداً بحيث تشغله محبته عن كل شيء.
(2) الرفق بالعبد والمراد اللين واللطف والأخذ بالأسهل وحسن الصنيع.
(3) القبول في الأرض والمراد قبول القلوب لهذا العبد الذي يحبه الرب والميل إليه والرضا عنه والثناء عليه كما جاء في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة الأشعري في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض.
(4) الابتلاء: فإنه من علامات محبة الله تعالى للعبد كما جاء في الحديث الآتي: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء و إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا و من سخط فله السخط.
(حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه خطيئة.

فيبتليهم بأنواع البلاء حتى يمحصهم من الذنوب، ويفرغ قلبوهم من الشغل بالدنيا غيرة منه عليهم، فالله يغار ومن صفاته الغيرة، يغار أن يشتغل العبد الذي يحبه بغيره فلا يريد أن يشتغل بالدنيا فيبتليه ويتلذذ العبد بالبلاء ويصبر ولا يجد وقتاً وإمكاناً للاشتغال بالدنيا التي تصرفه عن الله فلا يقع العبد فيما يضره في الآخرة، ويبتليه بضنك من المعيشة أو كدر من الدنيا أو تسليط أهلها ليشهد صدقه معه في المجاهدة، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّىَ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد: 31] وهذا الابتلاء على حسب قدر الإيمان ومحبة الله للعبد بنص السنة الصحيحة كما جاء في الحديث الآتي: (حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه خطيئة.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء.
(5) يوفقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت بنص السنة الصحيحة كما جاء في الحديث الآتي: (حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله إذا أحب عبداً استعمله، قالوا كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت.
(حديث أبي عنبة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أراد الله بعبد خيرا عسله قيل: و ما عسله؟ قال: يفتح له عملا صالحا قبل موته ثم يقبضه عليه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إذا أراد الله بعبد خيراً عسله) بفتح العين والسين المهملتين تشدّد وتخفف أي طيب ثناءه بين الناس من عسل الطعام يعسله إذا جعل فيه العسل ذكره الزمخشري (قيل) أي قالوا يا رسول الله (وما عسله) أي ما معناه

(قال يفتح له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه) فهذا من كلام الراوي لا المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبه ما رزقه الله من العمل الصالح الذي طاب ذكره وفاح نشره بالعسل الذي هو الطعام الصالح الذي يحلو به كل شيء ويصلح كل ما خالطه ذكره الزمخشري، قال الحكيم الترمذي فهذا عبد أدركته دولة السعادة فأصاب حظه ومراده بعد ما قطع عمره في رفض العبودية وتعطيلها وعطل الحدود وأهمل الفرائض فلما قرب أوان شخوصه إلى الحق أدركته السعادة بذلك الحظ الذي كان سبق له فاستنار الصدر بالنور وانكشف الغطاء فأدركته الخشية وعظمت مساويه عنده فاستقام أمره فعمل صالحاً قليلاً فأعطى جزيلاً.
(علامات العبد الدالة على محبته لله تعالى:

لما كانت المحبة خفية في القلب سهُل أن يدّعيها كل أحد قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمّنْ خَلَقَ) [المائدة: 18]، فما أسهل الدعوى وأعز الحقيقة، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان وخداع النفس إذا ادعت نفسه محبة الله ما لم يمتحنها بالعلامات ويطالبها بالبراهين، والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابتة وفرعها في السماء، وثمارها تظهر في القلب والجوارح كدلالة الثمار على الأشجار والدخان على النار وهذه العلامات كثيرة منها ما يلي: (1) حب لقاء الله تعالى فإنه لا يتصور أن يحب القلب محبوباً إلا ويحب لقاءه ومشاهدته كما جاء في الحديث الآتي: (حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه.

فالمحب الصادق يذكر محبوبه دائماً والموعد الذي بينهما للقاء، ولا ينسى موعد لقاء حبيبه، و ماهو موعد اللقاء؟، هناك موعدان، الأول الموت و الثاني يوم القيامة، والثالث اللقاء في الجنة والنظر إلى وجه الرب.
إذاً فالموت هو الموعد الأول للقاء مع الله وليس معنى هذا أن العبد يريد الموت الآن وأنه يتمناه ويدعو به على نفسه، لكن إذا نزل الموت بالعبد الصالح أحب نزوله، لأنه سيفضي به الآن إلى لقاء الله وما أعد له من الثواب والنعيم ويكون بقرب ربه قال تعالى: (إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مّقْتَدِرِ) [القمر: 55]، يريد أن يكون عند ربه وأن يصل إليه من الألطاف والإنعام بعد الموت من الله ما يصل، فضلاً عن ما يكون له من الجزاء العظيم في الجنة، فمحبة لقاء الله تعالى ولما علم الله عز وجل شوق عباده المحبين له والمطيعين ضرب لهم موعداً بينه وبينهم وهو الموت قال تعالى: (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ اللّهِ فَإِنّ أَجَلَ اللّهِ لاَتٍ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: 5] (2) أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاة الله تعالى وتلاوة كتابه فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق، فإن أقل درجات التنعم بمناجاة الحبيب فمن كان النوم والاشتغال بالحديث ألذّ عنده من مناجاة الليل فكيف تصح محبته؟، فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه في طاعته وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل ولذا جعلت قرةُ عين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة بنص السنة الصحيحة كما جاء في الحديث الآتي: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة.
(جعلت قرة عيني في الصلاة): قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:

لأنه كان حالة كونه فيها مجموع الهم على مطالعة جلال اللّه وصفاته فيحصل له من آثار ذلك ما تقر به عينه (تنبيه) سئل ابن عطاء اللّه هل هذا خاص بنبينا صلى اللّه عليه وسلم أم لغيره منه شرب فقال: قرة العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود وليس معرفة كمعرفته فلا قرة عين كقرته انتهى ومحصوله أنه ليس من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم لكنه أعطي في هذا المقام أعلاه وبذلك صرح الحكيم الترمذي فقال: إن الصلاة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم فلمحمد صلى اللّه عليه وسلم من ربه تعالى بحر ولما سواه أنهار وأودية فكل إنما ينال من الصلاة [ص 349] من مقامه فالأنبياء ثم خلفاؤهم الأولياء ينالون من الصلاة مقاماً عالياً وليس للعباد والزهاد والمتقين فيه إلا مقام الصدق ومجاهدة الوسوسة ومن بعدهم من عامة المسلمين لهم مقام التوحيد في الصلاة والوساوس معهم بلا مجاهدة والأنبياء وأعاظم الأولياء في مفاوز الملكوت وليس للشيطان أن يدخل تلك المفاوز وما وراء المفاوز حجب وبساتين شغلت القلوب بما فيها عن أن يخطر ببالهم ما وراءها، أهـ. فقرة العين كما قال ابن القيم فوق المحبة، فجعل النساء والطيب مما يحبه، وأخبر أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها ومحض لذته وفرحه وسروره و بهجته إنما هو بالصلاة التي هي صلة بالله وحضور بين يديه ومناجاة له واقتراب منه فكيف لا تكون قرة العين؟ وكيف تقر عين المحب بسواها؟ ومن قرة عينه بصلاته في الدنيا؛ قرة عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة وقرة عينه به أيضاً في الدنيا ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، فقرة عين المحب ولذته ونعيم روحه في طاعة محبوبه بخلاف المطيع كرهاً، المتحمل للخدمة ثقلاً، الذي يرى أنه لولا ذل القهر ما أطاع فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي أذله مكرِهه وقاهره بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتاً ونعيماً ولذة وسروراً فهذا ليس الحامل له على الطاعة والعبادة والعمل ذل الإكراه، بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعاً ومحبة وإيثاراً كجريان الماء في منحدره، يتم تلقائياً بكل يسر وسهولة، وهذا حال المحبين الصادقين فإن عبادتهم طوعاً ومحبة ورضا ففيها قرة عيونهم وسرور قلوبهم ولذة أرواحهم.
(فالحاصل: أن العبد إذا أحب ربه عمل له بيسر وسهولة منقاداً طائعاً مستلذاً.

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم أنه قال ذات يوم: لو أن العباد علموا حب الله عز وجل لقل مطعمهم ومشربهم وملبسهم وحرصهم، وذلك أن ملائكة الله أحبوا الله فاشتغلوا بعبادته عن غيره، حتى أن منهم قائماً وراكعاً وساجداً منذ خلق الله تعالى الدنيا ما التفت إلى من عن يمينه وشماله، اشتغالاً بالله عز وجل وبخدمته.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر: 32] قال: السابق مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، مضطجع على باب الكرامة، والمقتصد مضروب بسوط الندامة، مقتول بسيف الحسرة مضطجع على باب العفو، والظالم لنفسه مضروب بسوط الغفلة، مقتول بسيف الأمل مضطجع على باب العقوبة.
مسألة: كيف نوفّق بين هذا الكلام وبين ما يجده الإنسان من المشاق في القيام لصلاة الفجر وتحمل المكاره التي يرغم نفسه عليها إرغاماً، و يرغم نفسه أحياناً على الطاعات، هل معنى ذلك أن هذا إنسان لا يحب الله؟ الجواب: أن الوصول إلى مرحلة يكون فيها العابد لربه كالماء الذي يجري في المنحدرات؛ هذه لا تتم من أول الأمر ولا يصل إليها العبد من أول العبادة والعمل، بل يصل إليها بعد تدريب ومكابدة ومشقة ومجاهدة، ولذلك فإن اللذة والتنعم بالطاعة تحصل بعد الصبر على التكره والتعب أولاً، فإذا صبر وصدق في صبره وصل إلى مرحلة اللذة التي تكون العبادة بعدها عنده كجريان الماء في منحدره، ولذلك قال بعض السلف: (كابدت نفسي في قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به بقية عمري).ومن عرف هذا عرف الطريق إلى محبة الله كيف يكون أوله وآخره وماذا سيلقى وأعد نفسه لهذا وهذه مسألة في غاية الأهمية.

ولا يزال السالك عرضة للفتور والانتكاس والآفات حتى يصل إلى هذه الحالة (ففترة المشقة تكون مصحوبة باحتمالات انتكاس وفتور وبرود وآفات حتى يصل إلى مرحلة اللذة بالطاعة، ويمكن للفرد أن يشعر أنه يتلذذ بالطاعة أحياناً وتشق عليه أحياناً، وأن نفسه تتقلب حتى تستقر على التلذذ بالطاعة دائماً.
فواضح إذاً أن العمل لله والعبادة مراتب ودرجات ومن فقه التدرج هذا عرف كيف يصل، أما الذي لا يعرف عن هذا الموضوع شيئاً فعباداته كلها تقليد وليس عنده تصور لقضية البدء والاستمرار وما يحصل في الطريق من آفات ثم الوصول بعد ذلك في النهاية إلى هذه المرحلة العظيمة التي تسهل عليه بعدها كل مشقة وتهون عليه كل صعوبة) فحين إذٍ يصير نعيمه في سيره ولذته في اجتهاده وعذابه في فتوره وتوقفه عن العبادة فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته ووقوفه عن سيره ولا سبيل إلى هذا إلا بالحب الذي يدفعه إلى العمل (ولذلك تجد بعض العابدين إذا مرض ينزعج جداً ويتألم من المرض، لا لأجل ألم المرض، ولكن لأجل أنه قطعه عن العبادة التي كان متعوداً عليها فتصبح القواطع عن العمل أكره شيء عنده، ولذلك عوضه الله بالأجر،" كما جاء في الحديث الآتي: (حديث أبي قتادة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له ما كان يعمله وهو صحيحٌ مقيم.
(فالحاصل: أن علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة.

(3) أن يكون صابراً على المكاره، والصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وألزمها للمحبين، وهم أحوج إلى منزلة الصبر من كل منزلة، فإن قيل كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية مع منافاته لكمال المحبة، فإنه لا يكون إلا مع منازعات النفس النفس لمراد المحبوب؟ قيل: هذه هي النكتة ولب الموضوع والقصد والفائدة التي لأجلها كان الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وأعلقها به وبه يعلم صحيح المحبة من معدومها وصادقها من كاذبها فإنه بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة المحبة ومن هنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن الحقيقة ولم يثبت إلا الصابرون، فلولا تحمل المشاق وتجشّم المكاره بالصبر ماثبتت صحة الدعوة وقد تبين أن أعظم الناس محبة لله أشدهم صبراً وهذا ماوصف الله به أولياءه وخاصة فقال عن عبده أيوب لما ابتلاه ﴿ِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾ فهذه العلاقة بين الصبر والمحبة ﴿نّعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ﴾، وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أن الصبر لا يكون إلا لله، فيصبر لله و الصبر لا يكون إلا بالله، قال تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمّا يَمْكُرُونَ) [النحل: 127] (4) من العلامات أن لا يقدم العبد شيئاً على الله لا ولده ولا والده ولا الناس وتأمل في الأحايث الآتية بعين البصيرة: (حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله و أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
(حديث عمر في صحيح البخاري) أن عمر رضي الله عنه للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنك لأحب إلى من كل شيء إلا من نفسي.
قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
قال: الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي.
فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآن يا عمر "

(فالحاصل: أن من العلامات أن لا يقدم العبد شيئاً على الله لا ولده ولا والده ولا الناس ولا أي شهوة، ومن آثر على الله شيئاً من المحبوبات فقلبه مريض، و إذا كان العبد مؤثراً ما أحبه الله على ما يحبه هو فيكون عند ذلك مقاوماً لداعي الهوى معرضاً عن الكسل مواظباً على الطاعة متقرباً بالنوافل فيظهر الطاعة ولذلك قال الشاعر: تعصي الإله وأنت تزعم حبه... هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته... إن المحب لمن يحب مطيع وهذه ملاحظة مهمة تهم الدعاة في التعامل مع المدعوين وهي أن العصيان لا ينافي أصل المحبة إنما يضاد كمالها.
فالمحبة كالإيمان لها أصل ولها كمال، فبحسب المعاصي ينقص الكمال، وإذا دخل المرء في مرحلة الشك والنفاق الأكبر ذهب الأصل وانخلع وانعدم، فالذي ليس في قلبه محبة لله هذا كافر مرتد ومنافق نفاق أكبر، ليس له من الدين نصيب، أما العصاة لا يقال لهم أنه ليس عندهم محبة لله بل يقال محبتهم لله ناقصة وعلى هذا يعَاملون والدليل على هذا الحديث الآتي: (حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري): أن رجلاً على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تلعنوه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله).
يحب الله ورسوله: يعني عنده أصل المحبة، وعنده نقص بقدر ما عصا.
ولأن هذا صحابي فلا نتكلم فيه في ذاته بل وإنما الشاهد الإتيان بالحديث لنبين أن المعصية لا تنفي أصل المحبة، وقد يكون الرجل قد تاب وختم له بخير فنحفظ حقوق صحابة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى الذين عصوا منهم، ومعروف أن الحدود تكفر المعاصي.
وهذا ما ينبغي التعامل به مع صحابة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى الذين ورد في الأحاديث أنهم وقعوا في المعاصي، فإنهم عند الله بمكان عظيم حتى العاصي منهم كان يخرج للجاهد و يقدم نفسه وروحه فداء لله ورسوله، وعندهم طاعات عظيمة قد تكون أكب بكثير مما فعلوا من السيئات.

(5) أن يكون مولعاً بذكر الله تعالى، لا يفتر لسانه ولا يخلو عنه قلبه، فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره بالضرورة ومن ذكر ما يتعلق به.
فيحب عبادته وكلامه وذكره وطاعته وأولياءه.
ولقد أمر الله تعالى عباده بذكره في أخوف المواضع قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لّعَلّكُمْ تُفْلَحُونَ) [الأنفال: 45] تحت ظلال السيوف وقعقعات السيوف ولا تشغلكم عن ذكر ربكم.
فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب، وحتى العرب في الجاهلية كان المرء يفتخر بالأشعار أنه ذكر محبوبته في الحرب و تحت وقع السلاح.
وأهل الإيمان أولى بهذا منهم بحبهم للرحمن وأكثر مما يفعله العاشقون والضلاّل مع محبوبينهم.
ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحبوب ولسانه عند أول يقظة من منامه وآخر شيء يذكره قبل أن ينام مرة أخرى، وهذه من فوائد أذكار النوم والاستيقاظ.
(6) المحب الصادق إذا ذكر الله خالياً وجل قلبه وفاضت عيناه من خشية الله قال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ) [الأنفال: 2] (7) أن يغار لله فيغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون و لحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون فهذه هي غيرة المحب حقاً، والدين كله تحت هذه الغيرة فأقوى الناس ديناً وأعظمهم محبة لله أعظمهم غيرة على حرمات الله، ولذلك ينكرون المنكرات ويمنعونها غيرة، لأن محبوبهم لا يرضى بهذا فهم لا يرضون به ولا يرضون بحصوله ويسعون في تغييره.
(8) محبة كلام الله عز وجل، فإذا أردت أن تعلم ماعندك وعند غيرك من محبة الله فانظر محبة القرآن من قلبك فإن من المعلوم أن من أحب محبوباً كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه، فلا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم، ومن هنا كان عكوف هؤلاء المحبين لله على كتاب الله، تلاوة وتفسيراً وتدبراً والاستشهاد به في كل موقف.
يكثرون من القراءة نظراً وحفظاً.
فيكثرون التلاوة ينتج عنها التعلق بكلام المحبوب والإكثار منه.

(9) أن يتأسف على ما يفوته من طاعة الله وذكره، فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته فإذا فاته ورده وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص على ماله من فوات ماله وسرقة ماله وضياع ماله، وبادر إلى قضائه في أقرب فرصة كما كان يفعل الصادق المصدوق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما جاء في الحديث الآتي: (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عمل عملاً أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلّى من النهار اثنتا عشرة ركعة.
(10) أن يستقل في حق محبوبه جميع أعماله ولا يراها شيئاً، ولا يرى أن ما عبده به وأطال وصبر عليه أنه بذل شيئاً، فلا يراه قط إلا بعين النقص والإزدراء ويرى شأن محبوبه أعظم من كل ما عمل من أجله وأعلى قدراً فلا يرضى بعمله، بل يتهم عمله ويحتقره ويخشى أنه ما وفّى حق محبوبه بل ويتوب إليه من النقص.
لذلك بعد الصلاة يقول أستغفر الله، فهو دائم الاستغفار للنقص الحاصل في عبادة الرب.
وكلما ازداد حباً لله ازداد معرفة بحقه فاستقل عمله أكثر.
فكلما ازداد حبّاً ازداد عملاً واحتقاراً لما عمل امتثالاً لقوله تعالى: قال تعالى: (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنّهُمْ إِلَىَ رَبّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: 60] (ما هي الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى؟

إن من المعلوم شرعاً أن محبة الله تعالى لا تنال إلا بالعمل وليس بمجرد الزعم أو القول الخالي من العمل الدال على صدقه، وفي الجملة «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل»، فإلى من إراد أن يرقى من منزلة المحب لله، إلى منزلة المحبوب من الله، أقدم لك هذه الأسباب العشرة التي ذكرها الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه العظيم (مدارج السالكين) مع شرح مختصر لها.
ودونك الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى جملةً وتفصيلاً: (أولاً: الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى جملةً:

السبب الأول: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به، كتدبير الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه.
السبب الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها موصلة إلى درجة المحبوب بعد المحبة.
السبب الثالث: دوام ذكره على كل حال، بالسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.

السبب الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى.
السبب الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله بأسمائه وأفعاله، أحبه لا محالة.
السبب السادس: مشاهدة بره وإحسانه، وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته.
السبب السابع: وهو من أعجبها: انكسار القلب بكليته، بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن المعنى غير الأسماء والعبارات.
السبب الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي، لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
السبب التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقي أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.
السبب العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.
(ثانياً: الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى تفصيلا:

السبب الأول: قراءة القرآن بتدبر والتفهم لمعانيه، وما أريد به، كتدبير الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه.
قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ) [محمد: 24] نعم فمن أحب أن يكلمه الله تعالى فليقرأ كتاب الله، قال الحسن بن على: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار.
قال ابن الجوزي رحمه الله: ينبغي لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصاله معاني كلامه إلى أفهامهم وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، بتدبر كلامه.
قال الإمام النووي رحمه الله: أول ما يجب على القارىء، أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى.
ولهذا فإن رجلاً من أصحاب النبي استجلب محبة الله بتلاوة سورة واحدة وتدبرها ومحبتها، هي سورة الإخلاص التي فيها صفة الرحمن جل وعلا فظل يرددها في صلاتة، فلما سُئل عن ذلك قال:؟.
فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها ادخلك الجنة.

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كان رجل من الانصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح: ﴿قل هو الله أحد﴾.
حتى يفرغ منه، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبروه الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذة السورة في كل ركعة؟.
فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها ادخلك الجنة.
وينبغي أن نعلم أن المقصود من القراءة هو التدبر، وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية فليرددها كما فعل النبي وأصحابه.
فقد روى أبو ذر عن النبي أنه قام ليلة بآية يرددها: إن تُعَذّبهُم فَإِِنّهُم عِبَادُكَ وَإن تَغفِر لَهُم فَإنّكَ أنتَ العَزِيز الحَكيمُ [المائدة:118] وقام تميم الداري بآية وهي قوله تعالى: أَم حَسِبَ الّذِينَ اجتَرَحُوا السّيِئَاتِ أن نّجعَلَهُم كَالّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَوَآءً مّحيَاهُم وَمَمَاتُهُم سَآءَ مَا يَحكُمُون [الجاثية:21] (فينبغي عند قراءة القرآن أن يتدبّر القارئ ويتأمل في معاني القرآن وأحكامه، لأن هذا هو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ [سورة ص: 29].
في هذه الآية بين الله تعالى أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.
وفَقُهَ الصحابةُ رضي الله عنهم شرع الله وسنة رسوله فكانوا لا يتعجَّلون مجرد التلاوة دون تدبر، بل كانوا لا يجاوزون عشر آيات حتى يعلموا معانيهن والعمل بهن (رواه الطبري في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه).
ونهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ختم القرآن في أقل من ثلاث لأنه لن يتحقق تدبره وفقهه.
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث.

(وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يتعجلون حفظ القرآن (وهو نافلة) دون تدبره (وهو فرض عين)، بل ثبت في الصحيحين أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مات ولم يحفظ القرآن من الصحابة غير أربعة على اختلاف في أسماء اثنين منهم، وبمجموع الروايات لا يكاد الحفاظ من الصحابة يتجاوز عددهم العشرة، ووصف غيرهم بالقرَّاء لا يعني حفظه كله.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إنَّا صعب علينا حفظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به) [الجامع لأحكام القرآن 1/ 75] وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (كان الفاضل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن) [الجامع لأحكام القرآن 1/ 76] (وكانوا يحذرون مما آل إليه الحال اليوم في جميع بلاد المسلمين عربًا وعجمًا؛ فقد أمر عمر رضي الله عنه عامله في العراق أن يفرض للحفاظ في الديوان، فلما بلغه أن سبع مئة حفظوا القرآن قال: (إني لأخشى أن يسرعوا إلى القرآن قبل أن يتفقَّهوا في الدين) وكتب إلى عامله ألا يعطيهم شيئاً (عن مالك في العتبية).
(وكانوا يتعلمون الإيمان قبل القرآن ثم يتعلمون القرآن كما في الحديث الآتي: (حديثُ جندب ابن عبد الله صحيح ابن ماجة) قال كنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن فتيانٌ حزَاوِرَة، فتعلمنا الإيمانَ قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآنَ فازددنا به إيمانا.
وتَنْزِلُ السورة فيتعلَّمون حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها.
(كما في: بيان مشكل الآثار للطحاوي 4/ 44 عن ابن عمر رضي الله عنهما.) حتَّى لقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه تعلَّم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة.
(الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/ 76، ط: دار الكتاب العربي بيروت).
قال الحسن البصري رحمه الله: (نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً) مفتاح دار السعادة لابن القيم (1/ 187 مكتبة الرياض الحديثة.) وقال ابن القيم رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78]: (ذم الله المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني) بدائع التفسير: 1/ 300. وذكر الشوكاني رحمه الله من تفسيرها: (لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون فهم وتدبر) فتح القدير 1/ 104.

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121]: قال ابن مسعود رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يتأوَّل منه شيئًا على غير تأويله)، وعن عمر رضي الله عنه: (هم الذين إذا مروا بآية رحمةٍ سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذابٍ استعاذوا منها).
ولم يفسرها أحد من الفقهاء في الدين بالتجويد أو الحفظ مجردًا عن التدبر.
وقال ابن القيم رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]: (هجر القرآن أنواع)، وذكر منها: (هجر تدبره وتفهمه ومعرفة مراد الله منه) (بدائع التفسير).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وترك تدبره وتفهمه من هجرانه) (مهذَّب تفسيره، ط: دار السلام 678). وقال ابن القيم رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]: (وهذه المتابعة هي التلاوة التي أثنى الله على أهلها... فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع... والمقصود التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه... وتلاوة المعنى أشرف من تلاوة اللفظ، وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة) مفتاح دار السعادة 1/ 42. وقال ابن القيم رحمه الله: (فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وحلاوة القرآن)، وروي عن أيوب عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث، قال: (لأن أقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ) 1/ 187. وقال ابن تيمية رحمه الله: (والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين) (مجموع الفتاوى: 23/ 55) (معنى التدبر: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: التدبر تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله.
وقيل في معناه: هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة.

قال السيوطي رحمه الله تعالى: صفة التدبر أن يشغل القارئ قلبه بالتفكر في معنى ما يتلفظ به فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان قصر عنه فيما مضى من عمره اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرع وطلب.
(وصفة ذلك: أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرّع وطلب.
وقد ورد الحث الشديد في الكتاب العزيز، وفى السنة الصحيحة على التدبر في معاني القرآن والتفكر في مقاصده وأهدافه.
قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ) [محمد / 24] وفى هذه الآية الكريمة توبيخ عظيم على ترك التدبر في القرآن.
(والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يحث على تدبر القرآن منها ما يلي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
قال علي رضى الله عنه: لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبر فيها.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما، أحب إليّ من أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا.
وقال ابن مسعود رضى الله عنه: من أراد علم الأولين والآخرين، فليتدبر القرآن.
وقد بات الكثير من السلف يتلو أحدهم آية واحدة ليلة كاملة، يرددها ليتدبر ما فيها، وكلما أعادها انكشف له من معانيها، وظهر له من أنوارها، وفاض عليه من علومها وبركاتها.
قال الأحنف بن قيس: عرضت نفسي على القرآن، فلم أجد نفسي بشيء أشبه مني بهذه الآية وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة/ 102] ﴿تنبيه﴾: (واقعنا هو تطبيق جزء من الحديث وهو التلاوة أما الدراسة والتدبر فهي - في نظر بعضنا - تؤخر الحفظ وتقلل من عدد الحروف المقروءة فلا داعي لها.

(حديث حذيفة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، لا يمر بآيةِ رحمةٍ إلا سأل ولا بآيةِ عذاب إلا استجار.
(حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صليت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة فافتتح البقرة ثم المائة فمضى ثم المائتين فمضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فافتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع فقال سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده فكان قيامه قريبا من ركوعه ثم سجد فجعل يقول سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من ركوعه.
(هذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.
وكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يهتم اهتماماً بالغاً بتدبر القرآن وكان أحياناً لا يزال يردد آيةً حتى يصبح (حديث أبي ذر في صحيحي النسائي وابن ماجة) قال قام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بآيةٍ يرددها حتى أصبح، والآية قال تعالى: (إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة / 118] (فهذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقدم التدبر على كثرة التلاوة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة.
وقد تأسى أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به في ذلك فردد تميم بن أوس آيةً حتى أصبح والآية هي (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) {الجاثية/21) قال محمد بن كعب القرظي: لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ (إذا زلزلت) و (القارعة) لا أزيد عليهما أحب إليَّ من أن أهذَّ القرآن ليلتي هذّاً.
أو قال: أنثره نثرا ً. قال ابن القيم: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر.

وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وقواطيع الطريق وآفاته، وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة.
فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما يختلف فيه العالم، وتعطيه فرقاناً ونوراً يفرق به بين الهدى والضلال، وتعطيه قوة في قلبه وحياة واسعة وانشراحاً وبهجة وسروراً فيصير في شأن والناس في شأن آخر؛ فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل.
وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها؛ لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتناديه كلما فترت عزماته.
تقدمَ الركبُ، وفاتك الدليل، فاللحاقَ اللحاقَ، والرحيلَ الرحيلَ فاعتصم بالله واستعن به وقل: {حسبي الله ونعم الوكيل.
(إنَّ المؤمن عندما يُحسن قراءة القرآن وتدبره يقف على زاد عظيم من معانيه ودلالاته وهداياته، ونحن في عصرنا الحاضر أحوج ما نكون إلى القرآن العظيم، نتلوه ونتدَّبره، نفهمه ونفسِّره، نحيا به ونتعامل معه، نصلح أنفسنا ومجتمعاتنا على هديه، ونقيم مناهج حياتنا على أسسه ومبادئه وتوجيهاته.
يقول الإمام الآجري رحمه الله تعالى: ألا ترون رحمكم الله إلى مولاكم الكريم، كيف يحثُّ خلقه على أن يتدبروا كلامه، ومن تدبَّر كلامه عرف الربّ عز وجل، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر ممَّا حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رغَّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعزَّ بلا عشيرة، وأنس بما يستوحش منه غيره، وكان همُّه عند تلاوة السورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلوه؟ ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟ وإنَّما مراده: متى أعقل من الله الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأنَّ تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال في القرآن الكريم:

لا تهذوا القرآن هذا لشعر ولا تنثروه نثر الدقل - أي التمر الرديء وفي رواية الرمل - قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
وقال الحسن البصري رحمه الله: "الزموا كتاب الله وتتبعوا ما فيه من الأمثال، وكونوا فيه من أهل البصر، رحم الله عبداً عرض نفسه وعمله على كتاب الله، فإن وافق كتابَ الله حمد الله وسأله الزيادة، وإن خالف كتاب الله أعتب نفسه ورجع من قريب".
(إنَّ التمسك بكتاب الله عزّ وجل تلاوة وتدبراً، عملاً والتزاماً، سبيلُ السعادة في الدارين الدنيا والآخرة، وطريق الفلاح فيهما، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يَضِلَّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
ثم قرأ قوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) [طه 123: 126] (وإذا نظرنا في سير الصحابة ومن بعدهم من سلف هذه الأمة؛ نجدهم قد تلقوا هذا القرآن الكريم مدركين مدى الشرف الذي حباهم الله به، فأقبلوا عليه يحفظونه ويرتلونه آناء وأطراف النهار، جعلوه غذاء أرواحهم وقوت قلوبهم وقرة أعينهم، نفذوا أحكامه وأقاموا حدوده وطبقوا شرائعه، طهرت به نفوسهم وصلحت به أحوالهم، ودعوا الناس إليه ورغبوهم فيه.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال في القرآن الكريم: لا تهذوا القرآن هذا لشعر ولا تنثروه نثر الدقل - أي التمر الرديء وفي رواية الرمل - قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
قال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين الفاتحة إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدقل!!..

قال الحسن البصري: والله! ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآنُ في خُلُق ولا عمل.
قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [النساء: 82] وقال الحسن أيضاً: نزل القرآن ليُتَدَبَّر ويعمل به؛ فاتخذوا تلاوته عملاً.
أي أن عمل الناس أصبح تلاوة القرآن فقط بلا تدبر ولا عمل به.
قال ابن كثير: (يقول الله تعالى آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: أفلا يتدبرون القرآن)، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب، قال تعالى: (الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقّ تِلاَوَتِهِ أُوْلََئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) [البقرة: 121] روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله.
وقال الشوكاني: يتلونه: يعملون بما فيه، ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر.
قال تعالى: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون﴾ [البقرة: 78] قال الشوكاني: وقيل: (الأماني: التلاوة) أي: لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون تفهم وتدبر.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ذم الله المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني.
قال تعالى: (وَقَالَ الرّسُولُ يَرَبّ إِنّ قَوْمِي اتّخَذُواْ هََذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) [الفرقان: 30] قال ابن كثير: وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع... الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
وحتى نتدبر القرآن فعلينا بمراعاة الآتي: (1) مراعاة آداب التلاوة من طهارة ومكان وزمان مناسبين وحال مناسبة وإخلاص واستعاذة وبسملة وتفريغ للنفس من شواغلها وحصر الفكر مع القرآن والخشوع والتأثر والشعور بأن القرآن يخاطبه.
(2) التلاوة بتأنٍ وتدبر وانفعال وخشوع، وألا يكون همه نهاية السورة، الوقوف أمام الآية التي يقرؤها وقفةً متأنيةً فاحصةً مكررةً، النظرة التفصيلية في سياق الآية: تركيبها - معناها - نزولها - غريبها – دلالاتها.
(3) ملاحظة البعد الواقعي للآية؛ بحيث يجعل من الآية منطلقاً لعلاج حياته وواقعه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به.

(4) العودة إلى فهم السلف للآية وتدبرهم لها وتعاملهم معها والاطلاع على آراء بعض المفسرين في الآية.
(5) النظرة الكلية الشاملة للقرآن، الالتفات للأهداف الأساسية للقرآن.
(6) الثقة المطلقة بالنص القرآني وإخضاع الواقع المخالف له.
(7) معايشة إيحاءات النص وظلاله ولطائفه، الاستعانة بالمعارف الثقافات الحديثة، العودة المتجددة للآيات، وعدم الاقتصار على التدبر مرة واحدة؛ فالمعاني تتجدد، ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة، التمكن من أساسيات علوم التفسير.
القراءة في الكتب المتخصصة في هذا الموضوع مثل كتاب: (القواعد الحسان لتفسير القرآن) للسعدي، وكتاب (مفاتيح للتعامل مع القرآن) للخالدي، وكتاب (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل) لعبد الرحمن حبنكة الميداني، وكتاب (دراسات قرآنية) لمحمد قطب.
(فوائد تدبر القرآن: (1) التدبر في القرآن غاية من غايات إنزاله: يقول الله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾

. ومدح الحق جل وعلا من تدبر وانتفع، فذكر من صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ (الفرقان:73) (وذم من لا يتدبرون القرآن وأنكر عليهم فقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد24].
(2) التدبر من علامات الإيمان: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾، ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾ (3) التدبر يزيد الإيمان: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون﴾.
(4) تدبر القرآن من النصيحة لكتاب الله، قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (الدين النصيحة) (حديث تميم ابن أوس الداريِّ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول اللّه قال: للّه وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.

(5) ترك التدبر يؤدي إلى قسوة القلب: قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16].
وهو من أنواع هجر القرآن الذي شكاه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لربه: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) [الفرقان:30] السبب الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها موصلة إلى درجة المحبوب بعد المحبة.

وذلك لأنها توصل إلى درجة المحبة وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
فتضمن هذا الحديث الإلهي الشريف حصر أسباب محبة الله في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل.
وأخبر سبحانه أن أداء الفرائض أحب ما يتقرب إليه المتقربون ثم بعدها النوافل، وأن المحب يستكثر من النوافل، لا يزال يكثر منها حتى يصير محبوباً لله فإذا صار محبوباً شغلته المحبة عن أي أفكار وخواطر أخرى أجنبية غريبة عن العبادة فلا تخطر على باله وإذا جاءت تنصرف وتنطرد بسرعة، لأنه صار عنده من مراقبة الله ما يمنع هذه الأفكار من الورود ويكون عنده من المهابة والعظمة لربه ما يمنع من الانشغال بأي شيء أجنبي عن العبادة، ويكون عنده من الإجلال لله والأنس به والشوق إليه ما يجعله دائماً ذاكراً تالياً عابداً عاملاً.

فإذا قيل أن هناك أناس وهذا أكثر حال المسلمين، يستكثرون من النوافل و هم مقصرون في الواجبات ويقترفون المعاصي فما الحل؟ ليس الحل في ترك النوافل فبتركها يزداد حاله سوءاً فالنوافل تجبر النقص، بل الحل في البقاء على النوافل لكن يصلح حال الواجبات و يصلح حال ترك المحرمات فيمتنع عن المحرمات ويزيد في النوافل.
وفي الحديث كما قال ابن حجر عظم قدر الصلاة فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها وذلك لأنها محل المناجاة والقربى، ولا واسط فيها بين العبد وربه، ولا شيء أقر لعين العبد منها ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أنه لا يفارقه ولا يخرج منه لأن فيه نعيمه وبه تطيب حياته وهذا للعابد.
إذاً المحافظة على الصلاة فرضاً ونفلاً من أعظم ما يجلب المحبة ومنها قيام الليل.
ولا تكاد تجد فريضة إلا وله نوافل (الصلاة- الصيام – الزكاة- الحج- صلة الرحم والبر بالوالدين) حتى المرء إذا قصّر في الواجب وجد ما يعوّض به، لكن لا يمكن للمرء أن يشتغل بالنوافل ويترك الواجبات وهذا من خلل التصور واضطراب الميزان وخلل المنهج.

(وقد بين هذا الحديث صنفان من الناجين الفائزين.
(الصنف الأول: المحب لله مؤد لفرائض الله، وقافٌ عند حدوده.
(الصنف الثاني: المحبوب من الله متقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل.
(وهذا مقصود ابن القيم رحمه الله بقوله: (فإنها موصلة إلى درجة المحبوبية بعد المحبة).
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ولياء الله المقربون قسمان: ذكر الأول، ثم قال: الثاني: من تقرب إلى الله تعالى بعد أداء الفرائض بالنوافل، وهم أهل درجة السابقين المقربين، لأنهم تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالإجتهاد في نوافل الطاعات، والإنكاف عن دقائق المكروهات بالورع، وذلك يوجب للعبد محبة الله كما قال تعالى في الحديث القدسي: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فمن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والحظوة عنده.
والنوافل المتقرب بها إلى الله تعالى أنواع: وهي الزيادات على أنواع الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة.
السبب الثالث: دوام ذكره على كل حال، بالسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.

وليعلم أن نصيبه من المحبة على حسب نصيبه من هذا الذكر، ولهذا أمر تعالى بالإكثار من ذكره, وأنه سبب للفلاح قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لّعَلّكُمْ تُفْلَحُونَ) [الأنفال: 45]،وأثنى على أهل الذكر ومدحهم وأخبر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه فوق منزلة الجهاد، وجعل الله هذا الذكر حتى بعد العبادات العظيمة وخاتمة الأعمال الصالحة وبعد الصيام قال تعالى: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185]، والحج قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ) [البقرة: 200]، والصلاة قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِكُمْ) [النساء: 103]، والجمعة إذا انقضت قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللّهِ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لّعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 10]،وهكذا..، فالذكر هذا مقارن للأعمال الصالحة ﴿قال تعالى: (وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ) [طه: 14]﴾، و بناء على ذلك فإن ذكر الله تعالى من أعظم ما يوصل إلى محبته عز وجل.. السبب الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى.

قال ابن القيم في شرح هذه العبارة: (إيثار رضى الله على رضى غيره، وإن عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن، وضعف عنه الطول والبدن).
وقال رحمه الله: (إيثار رضى الله عز وجل على غيره، وهو يريد أن يفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق، وهي درجة الإيثار وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وأعلاها لأولى العزم منهم، وأعلاها لنبينا محمد.
وذا كله لا يكون إلا لثلاثة: 1 ـ قهر هوى النفس.
2 ـ مخالفة هوى النفس.
3 ـ مجاهدة الشيطان وأوليائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله وينهي النفس عن الهوى، ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على أتباعه والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملاً صالحاً) [10/ 635 مجموع الفتاوى]

السبب الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله بأسمائه وأفعاله، أحبه لا محالة.

قال ابن القيم رحمه الله: لا يوصف بالمعرفة إلا من كان عالماً بالله وبالطريق الموصل إلى الله، وبآفاتها وقواطعها، وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة.
فالعارف هو من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعالة، ثم صدق الله في معاملته، ثم أخلص له في قصده ونيته.
فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وأتلف شجرة الإحسان فضلاً عن أن يكون من أهل العرفان.
ومن أول الصفات فكأنما يتهم البيان النبوي للرسالة بالتقصير إذ لا يمكن أن يترك النبي أهم أبواب الإيمان بحاجه إلى إيضاح وإفصاح من غيره لإظهار المراد المقصود الذى لم تبينه العبادات في النصوص.
وثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: {إن لله تسعاً وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة.
السبب السادس: مشاهدة بره وإحسانه، وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته.

العبد أسير الإحسان فالإنعام والبر واللطف، معاني تسترق مشاعره، وتستولي على أحاسيسه، وتدفعه إلى محبة من يسدي إليه النعمة ويهدي إليه المعروف.
ولا منعم على الحقيقة ولا محسن إلا الله، هذه دلالة العقل الصريح والنقل الصحيح، فلا محبوب في الحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى، ولا مستحق للمحبة كلها سواه، وانتدب لنصرته وقمع أعدائه، وأعانه على جميع أغراضه، وإذا عرف الإنسان حق المعرفة، علم أن المحسن إليه هو الله سبحانه وتعالى فقط، وأنواع إحسانه لا يحيط بها حصر: وإِن تَعُدُوا نِعمَتَ اللّهِ لاَ تُحصُوهَآ إنّ الإِِنسَانَ لَظََلُومٌ كَفّارٌ [إبراهيم:34] قال سيد قطب رحمه الله في الظلال [6/ 3646،3645]: (فأما الأفئدة) فهي هذه الخاصية التي صار بها الإنسان، وهي قوة الإدراك والتمييز والمعرفة التي استخلف به الإنسان في هذا الملك العريض، والتي حمل بها الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، أمانة الإيمان الاختياري والاهتداء الذاتي والاستقامة الإرادية على منهج الله القويم.

ولا يعلم أحد ماهيّة هذه القوة ولا مركزها داخل الجسم أو خارجه فهي سر الله في الإنسان، لم يعلمه أحد سواه.
وعلى هذه الهبات الضخمة التي أعطيها الإنسان لينهض بتلك الأمانة الكبرى فإنه لم يشكر قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ [المؤمنون:78] وهو أمر يثير الخجل والحياة عند التذكير به.
كما يذكرهم القرآن في هذا المجال ويذكر كل جاحد و كافر لا يشكر نعمة الله عليه، وهو لا يوفيها حقها ولو عاش للشكر دون سواه!! ستجيب ما في الكون من آياته... عجبٌ عُجاب لو تَرى عَيناك السبب السابع: وهو من أعجبها: انكسار القلب بكليته، بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن المعنى غير الأسماء والعبارات.

والإنكسار بمعنى الخشوع، وهو الذل والسكون.
قال تعالى: وَخَشَعَتِ الأَصوَاتُ لِلرّحمَنِ فَلاَ تَسمَعُ إِلاهَمساً [طه:108] يقول الراغب الأصفهاني: (الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل إذا ضرع القلب: خشعت جوارحة.
وقال ابن القيم: (الحق أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار.
وقد كان للسلف في الخشوع بين يدي الله أحوال عجيبة، تدل على ما كانت عليه قلوبهم من الصفاء والنقاء.
كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما إذا قام في الصلاة كأنه عود، من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لاتحسبه إلا جزع حائط.
وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما إذا توضأ اصفّر لونه، فقيل له: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء.
قال: (أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟).
السبب الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي، لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
قال تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُم عَنِ المَضاجِعِ يَدعون ربهم خوفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقناهُم يُنفِقُونَ [السجدة:16] إن أصحاب الليل هم بلا شك من أهل المحبة، بل هم من أشرف أهل المحبة، لأن قيامهم في الليل بين يدي اللّه تعالى يجمعُ لهم جلّ أسباب المحبة التي سبق ذكرها.
ولهذا فلا عجب أن ينزل أمين السماء جبريل عليه السلام على أمين الأرض محمد صلى اللّه عليه وسلم ويقول له: (وأعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.

(حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:... أتاني جبريل فقال: يا محمدُ عِش ما شئت فإنك ميت و أحبب من شئت فإنك مفارِقُه، و اعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، و اعلم أن شرفَ المؤمن قيامُهُ بالليل و عزَّه استغناؤه عن الناس.
قال الحسن البصري رحمه اللّه: (لم أجد من العبادة شيئاً أشد من الصلاة في جوف الليل فقيل له: ما بال المجتهدين من أحسن الناس وجوهاً فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
السبب الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي، لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

وتلاوة كلامه والوقوف بتأدب معه بأدب العبودبة استغفاراً وتوبة قال تعالى: (تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [السجدة:16] و قال تعالى: (أَمّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُو الألْبَابِ) [الزمر: 9] إن أصحاب الليل هم بلا شك من أهل المحبة، بل هم من أشرف أهل المحبة، لأن قيامهم في الليل بين يدي اللّه تعالى يجمعُ لهم جلّ أسباب المحبة التي سبق ذكرها.
ولهذا فلا عجب أن ينزل أمين السماء جبريل عليه السلام على أمين الأرض محمد صلى اللّه عليه وسلم ويقول له: (وأعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.
(حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:... أتاني جبريل فقال: يا محمدُ عِش ما شئت فإنك ميت و أحبب من شئت فإنك مفارِقُه، و اعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، و اعلم أن شرفَ المؤمن قيامُهُ بالليل و عزَّه استغناؤه عن الناس.
قال الحسن البصري رحمه اللّه: (لم أجد من العبادة شيئاً أشد من الصلاة في جوف الليل فقيل له: ما بال المجتهدين من أحسن الناس وجوهاً فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
السبب التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقي أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.

(حديث معاذ رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في و المتجالسين في و المتباذلين في و المتزاورين في.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (قال اللّه تعالى وجبت) وفي رواية حقت (محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ) أي يتجالسون في محبتي بذكري وكان الجنيد أبداً مشغولاً في خلوته فإذا دخل إخوانه خرج وقعد معهم ويقول لو أعلم شيئاً أفضل من مجالستكم ما خرجت إليكم وذلك لأن لمجالسة الخواص أثراً في صفاء الحضور ونشر العلوم ما ليس لغيرهم (والمتباذلين فيّ) أي بذل كل واحد منهم لصاحبه نفسه وماله في مهماته في جميع حالاته كما فعل الصديق رضي اللّه عنه ببذل نفسه ليلة الغار وماله حتى تخلل بعباءة لا لغرض من الدنيا ولا لدار القرار (والمتزاورين فيّ) زاد الطبراني في روايته والمتصادقين فيّ وذلك لأن قلوبهم لهت عن كل شيء سواه فتعلقت بتوحيده فألف بينهم بروحه وروح الجلال أعظم شأناً أن يوصف فإذا وجدت قلوبهم نسيم روح الجلال كادت تطير من أماكنها شوقاً إليه وهم محبوسون بهذا الهيكل فصاروا في [ص 486] اللقاء يهش بعضهم لبعض ائتلافاً وتلذذاً وشوقاً لمحبوبهم الأعظم فمن ثم وجب لهم الحب ففازوا بكمال القرب قال ابن عربي: قد أعطاني اللّه من محبته الحظ الأوفر واللّه إني لأجد من الحب ما لو وضع على السماء لانفطرت وعلى النجوم لانكدرت وعلى الجبال لسيرت والحب على قدر التجلي والتجلي على قدر المعرفة لكن محبة العارف لا أثر لها في الشاهد.
أهـ فمحبة المسلم لأخيه المسلم في الله، ثمرة لصدق الإيمان وحسن الخلق وهي سياج واق، ويحفظ الله به قلب العبد، ويشد فيه الإيمان حتى لا يتفلت أو يضعف.
السبب العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.

فالقلب إذا فسد فلن يجد المرء فائدة فيما يصلحه من شؤون دنياه ولن يجد نفعاً أو كسباً في أخراه.
قال تعالى: يَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ ولاَ بَنُوُنَ إِلاّ مَن أَتَى اللهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88] (أحوال يحب الله تعالى أهلها:

(1) قال تعالى: (وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]، فالعبد يندفع للإحسان لأنه إن صار من جملة المحسنين نال المحبة.
(2) وقال تعالى: (إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ) [البقرة: 222]، الحرص على الطهارة الباطنة والظاهرة.
(3) وقال تعالى: قال تعالى: (وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ) [آل عمران: 146] (4) وقال تعالى: (إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ) [آل عمران: 159] (5) وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: 54]، وما هي صفاتهم؟ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الحق لومة لائم.. (6) وأخبر الله تعالى أنه يحب المتقين، قال تعالى: (بَلَىَ مَنْ أَوْفَىَ بِعَهْدِهِ وَاتّقَى فَإِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ) [آل عمران: 76] (7) وأخبر أنه يحب المقسطين، أصحاب العدل الذين يعدلون في أهليهم والولايات التي يتولونها والمناصب التي يتبوءونها قال تعالى: (وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات: 9] (8) أخبر تعالى أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.
قال تعالى: (إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنّهُم بُنْيَانٌ مّرْصُوصٌ) [الصف: 4] (9) (حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي.
الغني: الغني عن الناس الخفي: من لا يريد علواً في الأرض ولا مناصب ولا جاه.
الخامل المنقطع إلى العبادة والانشغال بأمور نفسه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري قال: بلغني أن العبد يعمل العمل سراً فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه فيكتب في العلانية، ثم لا يزال الشيطان به حتى يحب أن يحمد عليه فينسخ من العلانية فيثبت في الرياء.

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عاملوا الله عز وجل بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبداً أسكن محبته في قلوب العباد.
(10) (حديث عمران بن حصين رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
، من غير إسراف وخيلاء ثم يتوسط ولا يبخل على نفسه.
﴿تنبيه﴾: (تقييد إظهار نعمة الله على العبد ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة: (حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة.
(11) (حديث معاذ رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في و المتجالسين في و المتباذلين في و المتزاورين في.
فالحب في الله والزيارة في الله والمجالسة في الله والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر واجلس بنا نؤمن ساعة ومجالس الذكر تنال بها محبة الله، (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية، قال هل لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أني أحبه في الله، قال فإني رسول الله إليك إن الله قد أحبك كما أحببته فيه.
(وكلما زادت المحبة بين المؤمنين كان هذا أقرب إلى الله: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما تحاب رجلان في الله؛ إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبا لصاحبه.

(12) (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كان رجل من الانصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح: ﴿قل هو الله أحد﴾.
حتى يفرغ منه، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبروه الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذة السورة في كل ركعة؟.
فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها ادخلك الجنة.
(13) (حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
وبالجملة فالله يحب الصالحات، ويبغض كل منكر ومعصية.
نسأل الله أن يرزقنا محبته وأن يجعل حبه أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ وأن يجعلنا ممن يقوم ويعمل بما يحب سبحانه وتعالى.
(مسائل هامة في المحبة:

مسألة: هل يجوز لمسلم تعزية الكافر وهو معه في العمل؟ الجواب: يعزيه دون أن يدعو لكافر بالرحمة فلا يقول مثلاً غفر الله لأبيك وأبوه كافر، فلا يجوز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة قال تعالى: (مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: 113]، وإنما يقال جبر الله مصيبتك، عوضك الله خيراً منه، اصبر هذه حال الدنيا، ونحو ذلك، يعزيه ويغتنم الفرصة لدعوته إلى الله.
فيقال له مثلاً اتعظ بالموت الذي حصل لقريبك وأن تستعد له بالتوحيد، وأنك تعتنق الدين الذي لا يقبل الله غيره حتى تنجو.
مسألة: هل محبة الدنيا هي من الشرك؟ الجواب: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة.

حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء: إذاً هناك أشياء في الدنيا محبتها ليست من الشرك لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحبها، ولذلك يجوز للإنسان أن يحب أشياء من الدنيا مادامت ليست محرمة، فلا يجوز أن يحب المرء الزنا والرشوة والخمر، ولكن يحب زوجاته والزرع والطيب و أكلة معينة، هذا حب طبيعي، لكن إذا طغى هذا الحب على محبة الله، فضحى بمرضاة الله من أجل الزوجة وسرق من أجل الطيب، فهنا تكون هذه المحبة الدنيوية معصية غير جائزة، وهناك محبة شركية تُخرج عن الملة، إذا أحب غير الله أكثر من الله، محبة عبودية فهنا يخرج عن الدين.
مسألة: ما هي المحبة وما لوازمها وما هي أنواعها؟ المقصود بالمحبة: هو استقرار حب الله تعالى في قلب العبد، وبعد أن يستقر حب الله في القلب ينبغي أن يدل على صدق المحبة بالتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة وامتثال أمره واجتناب نهيه.
[وأجمع ما قيل في المحبة] قال أبو بكر الكتاني: جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم _ فتكلم الشيوخ فيها _ وكان الجُنَيد بن محمد أصغرهم سناً فقالوا: هات ما عندك يا عراقي، فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه متصلٌ بذكر ربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، أحرقت قلبُه أنوار هيبته، فإذا تكلم فبالله وإذا تحرك فبأمر الله وإذا سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد، جزاك الله خيراً يا تاج العارفين.
﴿تنبيه﴾: (إن الذي يمعن النظر قي قول الجُنَيد بن محمد رحمه الله تعالى يجد أن المحبة أصل الأعمال كلها وإليك تفصيل ذلك: [عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه متصلٌ بذكر ربه]: أي منشغلٌ بذكر الله تعالى عن نفسه [ناظرٌ إليه بقلبه]: وهذا مقام الإحسان [أحرقت قلبُه أنوار هيبته] تضمنت خوف العبودية والتعظيم [فإذا تكلم فبالله وإذا تحرك فبأمر الله وإذا سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله] تضمنت ذكر الله وامتثال أوامره واجتناب نهيه في السكون والحركة.
ولا شك أن عبادة الله مبنية على المحبة، بل هي حقيقة العبادة، إذ لو تعبدت بدون محبة صارت عبادتك قشراً لا روح فيها، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى جنته، فسوف يسلك الطريق الموصل إلى ذلك.
(لوازم محبة الله تعالى:

[1] إفراد محبة العبودية به سبحانه وتعالى وأن من أشرك مع الله تعالى شيئاً آخر في محبة العبودية كان ذلك شركاً.

قال تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُواْ أَشَدّ حُبّاً للّهِ وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنّ الْقُوّةَ للّهِ جَمِيعاً وَأَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [سورة: البقرة - الآية: 165] (ومن الناس (. من تبعيضية قوله:) أ مَن يَتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً (. جمع ند، وهو الشبية والنظير.
قوله:) يحبونهم كحب الله (. أي: في كيفيته ونوعه، فالنوع أن يحب غير الله محبة عبادة.
والكيفية: أن يحبه كمحبة الله أو أشد، حتى إن بعضهم يعظم محبوبه ويغار له أكثر مما يعظم الله ويغار له، فلو قيل: أحلف بالله، لحلف، وهو كاذب ولم يبال، ولو قيل: احلف بالند، لم يحلف، وهو كاذب، وهذا شرك أكبر.
وقوله:) كحب الله (أي يحبون هذه الأنداد كمحبة الله، فيجعلونها شركاء لله في المحبة، لكن الذين آمنوا أشد حباً لله من هؤلاء لله، وهذا هو الصواب.
الثاني: أن المعنى كحب الله الصادر من المؤمنين.
أي: كحب المؤمنين لله، فيحبون هذه الأنداد كما يحب المؤمنون الله – عز وجل -، وهذا وإن احتمله اللفظ، لكن السياق يأباه، لأنه لو كان المعنى ذلك، لكان مناقضاً لقوله تعالى فيما بعد:) والذين أمنوا أشد حباً لله (. وكانت محبة المؤمنين لله أشد، لأنها محبة خالصة ليس فيها شرك، فمحبة المؤمنين أشد من حب هؤلاء لله.
قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبّ إِلَيْكُمْ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة / 24] [2] محبة رسوله وتقديم محبة رسوله على المال والولد والناس أجمعين (حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله و أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

جارٍ التحميل