كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(حديث عمر في صحيح البخاري) أن عمر رضي الله عنه للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنك لأحب إلى من كل شيء إلا من نفسي.
قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
قال: الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي.
فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآن يا عمر "
[3] أن يحب في الله ويبغض في الله تعالى:
(حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحب لله و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الإيمان.
(حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله و المعاداة في الله و الحب في الله و البغض في الله عز و جل.
أنواع المحبة:
(والمحبة تنقسم إلى قسمين:
(القسم الأول: محبة عبادة، وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة، فهو مشرك شركاً أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة.
(القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:
النوع الأول: المحبة لله وفي الله، وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله، أي: كون الشيء محبوباً لله تعالى من أشخاص، كالأنبياء، والرسل، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
أو أعمال، كالصلاة، والزكاة، وأعمال الخير، أو غير ذلك.
وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله.
النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد.
والصغار، والضعفاء، والمرضى.
النوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة، كمحبة الإنسان لوالده، ولمعلمه، ولكبير من أهل الخير.
النوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام، والشراب، والملبس، والمركب، والمسكن.
(الآثار الواردة في محبة الله تعالى:
قال فتح الموصلى: " المحب لا يجد للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ". وقال بعضهم: " المحب طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دأباً وشوقاً ". وأنشد بعضهم: وكن لربك ذا حب لتخدمه... إن المحبين للأحباب خُدّامُ
وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم: " تعودوا حب الله وطاعته، فإن المتقين ألفوا بالطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيرها، فإن عرض لهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون".
وأنشد ابن المبارك:
تعصى الإله وأنت تزعم حبه... هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته... إن المحب لمن يحب مطيع
(ثانياً الخوف والرجاء:
(أهمية الخوف والرجاء:
مسألة: ما أهمية الخوف والرجاء؟
الخوف والرجاء ركنا محبة الله تعالى وهما للعبد كالجناحين للطائر، والخوف والرجاء متلازمان فخوفٌ بلا رجاء يأسٌ وقنوط، ورجاءٌ بلا خوف أمنٌ وغرور، وقد وصف الله تعالى عباده المخلصين بالخوف والرجاء
قال تعالى: (إِنّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ) [سورة: الأنبياء - الآية: 90]
و قال تعالى: (تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [سورة: السجدة - الآية: 16]
فالخوف للنفس سائق والرجاء لها قائد إن ونت على قائدها حثها سائقها وإن أبت على سائقها حركها قائدها مزيح الرجاء يسكن حر الخوف وسيف الخوف يقطع سيف ـ سوف ـ وإن تفكر في الإنعام شكر وأصبح للهم قد هجر وإن نظر في الذنوب حذر وبات جوف الليل يعتذر وأنشد: أَظلَت عَلينا مِنكَ يوماً سَحابةً أَضَاءَت لَنا برقاً وأَمطَرتنا فَلا غيمَها فيائسٌ طامعٌ ولا غَيثَها باقي فيروى عطاشها.
(متى يُعَدُ الخوف أفضل من الرجاء:
مسألة: متى يُعَدُ الخوف أفضل من الرجاء؟
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: الخوف أفضل من الرجاء مادام الرجل صحيحاً، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف يقول: إذا كان في صحته محسناً عظم رجاؤه عند الموت، وحسن ظنه.
إذا كان في صحته مسيئاً ساء ظنه عند الموت ولم يعظم رجاؤه.
وفصل الخطاب في هذه المسألة:
أن الخوف أفضل من الرجاء مادام الإنسان صحيحاً ليكون له بمثابة السوط المانع من معصية الله تعالى وينشطه على العبادة
و الرجاء أفضل من الخوف في حالة المرض أو الاحتضار للأسباب الآتية:
[1] لأنه إذا غلَّب الرجاء على الخوف في حالة المرض أو الاحتضار فإن العبد يحب لقاء الله تعالى ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه.
[2] لأن تغليب الرجاء على الخوف في حالة المرض أو الاحتضار يجعل العبد حسن الظن بالله تعالى
(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يموتن أحد منكم إلا و هو يحسن الظن بالله تعالى.
ولما احتُضِر الإمام أحمد قال لأولاده ولمن حضر احتضاره: حدثوني بأخبار الرجاء لعلي ألقى الله وأنا أُحسن الظن به.
(تعريف الخوف:
الخوف: من مادة خوف التي تدل على الذعر والفزع في اللغة العربية، خفت الشيء خوفاً وخيفة وخوّف الرجل جعل الناس يخافونه ((﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175] أي يجعلكم تخافون أولياءه أي يخوّفكم بأوليائه.
والخوف توقع مكروه لعلامة مظنونة أو معلومة، وهو ضد الأمن ويستعمل في الأمور الدنيوية أو الآخروية فهو توقع حلول مكروه أو فوات محبوب، اضطراب القلب وحركته أو فزعه من مكروه يناله أو محبوب يفوته.
(والخوف شرعاً: هو الانخلاع من طمأنينة الأمن وتألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال.
قال ابن قدامة: اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال.
مثال ذلك: من جنى على ملك جناية ثم وقع في يده فهو يخاف القتل ويجوّز العفو "احتمالات" ولكن يكون تألم قلبه بحسب قوة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله وتفاحش جنايته وتأثيرها عند الملك، وبحسب ضعف الأسباب يضعف الخوف، وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية بل عن صفة الذي يُخاف عظمة وجلالاً فإنه إذا علم أن الله سبحانه وتعالى لو أهلك العالمين لم يبالي ولم يمنعه مانع فبحسب معرفة الإنسان بعيوب نفسه وبجلال الله وأنه لا يسأل عما يفعل يكون الخوف على حسب هذا فهو مطالعة القلوب لسطوات الله عز وجل ونقمه فيولد في القلب الخوف"خوف الوعيد".
﴿تنبيه﴾: (الخوف القاصر يدعو إلى الغفلة والجرأة على الذنب والإفراط في الخوف يدعو إلى اليأس والقنوط.
والخوف المحمود هو الحسنة بين السيئتين و هو ما حجزك عن معصية الله تعالى.
(ولذلك قيل: ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه، وقيل لذي النون المصري: متى يكون العبد خائفاً؟ قال: " إذا نزل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام ".
فالخوف المحمود يحرق الشهوات المحرمة فتصير المعاصى المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهاً، عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سماً، فتحرق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويحصل في القلب الخضوع والذلة والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد، بل بصير مستوعب الهم بخوفه، والنظر في خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة، والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات، والخطوات والكلمات، ويكون حاله حال من وقع في مخلب سبع ضار، لا يدري أنه يغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه فيهلك، فيكون بظاهره وباطنه مشغولاً بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره، فهذا حال من غلبه الخوف.
قال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال: 2]
قال الله تعالى: ﴿ْ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ماَ آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون الآية 57 - 61).
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قالت: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه الآية: (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: 60] قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
وقال تعالى: (إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ)
[آل عمران: 175]
(حقيق بمن علم ما بين يديه، وتيقن أن العمل يحصى عليه، وأنه لا بد من الرحيل عمل لديه، إلى موقف صعب يساق إليه، يتجافى عن مضطجع البطالة بجنبيه.
(أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن حاتم الأصم أنه قال: من خلا قلبه من ذكر أخطار أربعة فهو مغتر فلا يأمن الشقاء.
الأول: خطر يوم الميثاق حين قال الله تعالى هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ولا يعلم في أي الفريقين كان.
والثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث فنودي الملك بالشقاء والسعادة ولا يدري أمن الأشقياء هم أم من السعداء.
والثالث: ذكر هول المطلع ولا يدري أيبشر برضا الله تعالى أو بسخطه.
والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتا ولا يدري أي الطريقين يسلك به فمحقوق لصاحب هذه الأخطار أن لا يفارق الحزن قلبه.
بكى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ليلة فأطال فسئل عن بكائه فقال ذكرت مصير القوم بين يدي الله عز وجل فريق في الجنة وفريق في السعير ثم صرخ وغشي عليه.
(الخشية أخص من الخوف:
فإن الخشية للعلماء بالله قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28]،فالخشية خوفاً مقروناً بمعرفة..، وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية))، فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء والعارفين، وعلى حسب قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية..
فصاحب الخوف يلجأ إلى الهرب، وصاحب الخشية يلجأ إلى الاعتصام بالعلم،
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
و (الخشية) أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر:28] فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية".
وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -: ((الخشية خوف مبني على العلم بعظمة من يخشى وكمال سلطانه))..
فإذا خفت من شخص لا تدري هل يقدر عليك أم لا فهذا خوف وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية..
قال ابن القيم – رحمه الله -: ((في مثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق، فالأول يلجأ إلى الحمية والهرب لقلة معرفته والآخر يلتجئ إلى الأدوية)) فالخشية خوف مبني على علم..
وقد ورد الخوف في القرآن على وجوه منها ما يلي:
(1) القتل والهزيمة: ((﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ [النساء: 83]، ((﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ﴾ [البقرة: 155].
(2) الحرب والقتال: ((﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: 19] إذا انجلت الحرب، (فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19]
(3) العلم والدراية: ((﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: 182] أي علم.
(إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ)} [البقرة: 229] أي يعلما، ((﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3] أي علمتم.
(4) النّقْص: ((﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 47]
(5) الرعب والخشية من العذاب والعقوبة: ((﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:: 16]
قال ابن قدامة: ((اعلم بأن الخوف سوط الله يسوق الله به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله عز وجل، والخوف سراج القلوب به يبصر ما فيه من الخير والشر))..
وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه فأين المفر.. ؟!!!، وما فارق الخوف قلباً إلا خربه فإذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات فيها وطرد الدنيا عنها..
فكم أطلق الخوف من سجين في لذته كانت قد استحكمت عليه سكرته وكم فك من أسير للهوى ضاعت فيه همته وكم أيقظ من غافل التحف بلحاف شهوته وكم عاق لوالديه رده الخوف عن معصيته، وكم من فاجر في لهوه قد أيقظه الخوف من رقدته، وكم من عابدٍ لله قد بكى من خشيته وكم من منيب إلى الله قطع الخوف مهجته وكم من مسافر إلى الله رافقه الخوف في رحلته وكم من محبٍّ لله ارتوت الأرض من دمعته، فلله ما أعظم الخوف لمن عرف عظيم منزلته..
والخوف ليس مقصوداً لذاته، ليس المقصود أن نخاف لأجل أن نخاف بل نخاف ليكون الخوف وسيلة تصلح أحوالنا.
لو كان الخوف مقصوداً لذاته لما ذهب عن أهل الجنة!!، فليس فيها عمل ولا اجتهاد في العبادات ومقاومة للهوى والشهوات كان الخوف من أهلها ذاهب ((لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)).
ومن خاف اليوم أمِنَ غداً.. ومن أمِن اليوم خاف غداً.
والخوف يتعلق بالأفعال، والمحبة تتعلق بالذات والصفات، ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ((والله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ونصب الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال)).
لذلك كرر الله سبحانه وتعالى ذكر النار وما أعده الله فيها لأعدائه من العذاب والنكال وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال إلى غير ذلك مما فيه من العظائم والأهوال ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه وامتثال والمسارعة إلى ما يأمر به ويحبه ويرضاه واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد ذلك العجب العجاب وكذلك السنة الصحيحة المفسّرة للقرآن وكذلك سير السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات الساميات من شدة الاجتهاد في الطاعة والكف عن المحرمات ودقائق الأعمال المكروهات فضلاً عن المحرمات.. (منازل الخوف ودرجاته:
القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والكف عن دقائق الكروهات (يعني فعل المستحبات وترك المكروه والشبهة)، كان ذلك خوفاً محموداً فإن تزايد الخوف بحيث أدّى إلى مرض أو موت أو همٍّ لازم أو قعود عن العمل بحيث يقطع السعي عن اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة إلى الله عز وجل لم يكن خوفاً محموداً.
بعض الناس من شدة خوفهم من العذاب والنار يصابون باليأس والإحباط والقعود عن العمل ويقولون لا فائدة!!..، ليس هذا هو المطلوب..، وهذه الزيادة مذمومة.
لأن اليأس من روح الله من الكبائر بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن عباس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الكبائر: الشرك بالله و الإياس من روح الله و القنوط من رحمة الله.
(فالخوف المحمود: ما حجزك عن معاصي الله وحملك على فعل المستحبات وفعل الواجبات قبلها وعلى ترك الشبهات والمكروهات وترك المحرمات قبلها وهناك خوف ضعيف أقل من هذا، لا يؤدي إلى ترك المحرمات كلها أو فعل الواجبات كلها فهو خوف ناقص..
ذكر البخاري في قوله: (باب الخوف من الله عز وجل).
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: هو من المقامات العليّة وهو من لوازم الإيمان، قال الله تعالى: ((﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]
وقال تعالى: ((﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150]
وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [فاطر: 28]
وكلما كان العبد أقرب إلى ربه كان أشد له خشية ممن دونه ولهذا كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخشى الناس وأتقاهم لله تعالى بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسألون عن عبادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أخبروا كأنهم تقاُّلوها وقالوا: أين نحن من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر أبداً، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وقد وصف الله الملائكة بقوله: ((﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]، والأنبياء بقوله: ((﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39]، وإنما كان خوف المقربين أشد لأنهم يطالبون بما لا يطالب به غيرهم فيراعون تلك المنزلة ولأن الواجب لله منه الشكر على المنزلة فيضاعف بالنسبة لعلو تلك المنزلة..
فالعبد إن كان مستقيماً فمن أي شيء يخاف؟!!، فخوفه من سوء العاقبة لقوله تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال: 24]، وكذلك يخاف من نقصان الدرجة..
وإن كان مائلاً منحرفاً وعاصياً فخوفه من سوء فعله و ينفعه ذلك مع الندم والإقلاع..
(الخوف المحمود الصادق؟
ينفع الخوف مع الندم والإقلاع، فإن الخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتصديق بالوعيد أو أن يحرم التوبة أو لا يكون ممن شاء الله أن لا يغفر له.
مسألة: ما هو الخوف المحمود الصادق؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.
قال أبو عثمان: "صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا".
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "الخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله".
(هل الخوف مقصودٌ لذاته؟
مسألة: هل الخوف مقصودٌ لذاته؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
والخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
(هل الخوف أفضل أم المحبة؟
مسألة: هل الخوف أفضل أم المحبة؟
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه".
(حكم الخوف من الله:
الخوف من الله واجب، وهو من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهو فرض على كل أحد.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ منزلة (الخوف).
وهى من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد.
(أدلة وجوب الخوف:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: 175]
قال ابن سعدي رحمه الله تعالى: وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده وأنه من لوازم الإيمان فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفهم من الله.
وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]
والأصل في الأمر الوجوب
وقال تعالى: ((﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150]
قال ابن سعدي رحمه الله تعالى: أمر الله بخشية الله التي هي رأس كل خير فمن لم يخشَ الله لم ينكفّ عن معصته ولم يمتثل أمره.
إن الله امتدح أهل الخوف، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57] إلى قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:61]
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قالت: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه الآية (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنّهُمْ إِلَىَ رَبّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: 60] قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
((أُوْلََئِكَ يُسَارِعُونَ فِي) [المؤمنون: 61])) قال الحسن: عملوا لله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم..
إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً.. !
إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً.. !
والتخويف من عذاب الله أحد مهمات الرسل: قال تعالى ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: 56] والإنذار هو الإعلام بالشيء الذي يخيف، فالإنذار في لغة العرب كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: الإنذار إخبار فيه تخويف كما أن التبشير إخبار فيه سرور.
(وقد وصف الله تعالى رسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه نذير في مواضع كثيرة..
(حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مثلي و مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني و إني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا و انطلقوا على مهلهم فنجوا و كذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم و اجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به و مثل من عصاني و كذب بما جئت به من الحق.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح:
النذير العريان: أصله أن رجلا من خثعم طرقه عدوهم فسلبه ثيابه فأنذر قومه فكذبوه فاصطلموا وقيل لأن العادة أن ينزع ثوبه ويلوح به ليري من بعد وشرطه أن يكون على مكان عال فصل.
وقد كان العرب إذا رأى أحدهم جيشاً يغير على قبيلته قد اقترب وهو في الخارج ولا تدري قبيلته جاء يركض ويخلع ثيابه وهو يصرخ حتى يبين لهم هول المصيبة التي ستنزل بهم وفداحة الخطر، وهذه أشد أنواع النذارات عند العرب.
وقال تعالى: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} [الحجر: 89]
وقال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50]
(وكان من أوائل أوامر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإنذار (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 1،2]، خوف الناس عذاب الله جهنم، بأس الله وانتقامه..، قال القرطبي: خوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.
(وقد وصف الله العذاب في كتابه في عدة مواضع لتحقيق الخوف في نفوس عباده ليتقوه، كما قال تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
قال ابن كثير: (يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ) إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوّف به عباده.
قال: لينزجروا عن المحارم والمآثم.
(يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
وبين سبحانه أن ما يرسله من الآيات لتصديق الأنبياء عليهم السلام كناقة صالح إنما يرسله من أجل التخويف (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) [الإسراء: 59]
(كذلك الآيات الكونية كالخسوف والكسوف وغيرها.
(وكذلك قال الله في البرق والرعد: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) [الرعد: 12].
(فضائل الخوف:
(1) جمع الله عز وجلّ لأهل الخوف الهدى والرحمة، والعلم، والرضوان، فقال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 154).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: من الآية 28).
وقال عز وجل: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: من الآية 8].
(2) وقد أمر الله عز وجل بالخوف، وجعله شرطاً في الإيمان، فقال عز وجل: ﴿ْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: من الآية 175].
قال ابن جرير: لا تخافوا أيها المؤمنين المشركين ولا يعظمن عليكم أمرهم ولا ترهبوا جمعهم مع طاعتكم إياي فأطعتموني واتبعتم أمري وإني متكلف لكم بالنصر والظفر ولكن خافوني واتقوني أن تعصوني أن تخالفوا أمري فتهلكوا إن كنتم مؤمنين فالله عز وجل أولى أن يخاف منه من الكفار والمشركين.
فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف وإن ضعف، ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف معرفته وإيمانه.
(حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن رجلا كان قبلكم، رغسه الله مالا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله عز وجل فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته.
(حديث عبد الرحمن بن جبرالثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ما أُغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار).
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله.
ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم من الصالحين من سلف هذه الأمة، وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن.
(فالصحابة - رضي الله عنهم - ابتلاهم الله تعالى بابتلاء عظيم ليظهر الذي لا يخاف من الذي يخاف في الصيد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 94].... ليختبرنكم الله أيها المؤمنون ببعض الصيد في حال الإحرام كي يعلم أهل طاعة الله والإيمان به المنتهون إلى حدوده وأمره ونهيه، يختبر ليظهر من الذي يخاف الله والذي لا يخافه
[لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ]: يعني يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سراً وجهراً ومحرم عليهم الصيد في الإحرام لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره ومن لا يطيع، أما الصحابة فنجحوا في ذلك، وأما اليهود ففشلوا عندما حرم الله عليهم الصيد يوم السبت فاستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، فنصبوا الشباك يوم الجمعة وسحبوها يوم الحد، فلم يخافوا الله فهلكوا.... فالمرء قد يتعرض أحياناً لمعصية أو شهوة والوقوع فيها يسير جداً وقد تكون الفضيحة مأمونة ((لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ))،وكما في قصة يوسف وامرأة العزيز، هنا يكون الاختبار والبلاء.
(وهاك صورٌ مشرقة من خوف الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح:
فهذا الصديق - رضي الله عنه - يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل.
وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ سورة الطور حتى بلغ: ﴿إنّ عَذابَ ربِكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: 7].
بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو يموت: ويحك ضع خدى على الأض عساه يرحمنى ثم قال: ويل أمى لم يغفر لى –ثلاثاً –ثم قضى، وكان يمر بالآية في ورده بالله تخيفه فيبقى في البيت أياماً يعاد يحسبونه مريضاً، وكان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء.
وقال له ابن عباس: " مصّر لله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح وفعل " فقال: " وددت أن أنجو لا أجر ولا وزر ".
وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان إذا وقف على القبر يبكى حتى يبل لحيته، قال: " لو أننى بين االجنة والنار ولا أدرى إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير ".
وهذا أبو الدرداء - رضي الله عنه - كان يقول: " لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، ماأكلتم طعاماً على شهوة، ولا شربتم شراباً على شهوة أبداً، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت إنيشجرة تعضد ثم تؤكل ".
وكان ابن عباس رضي الله عنهما أسفل عينيه مثل الشراك البالى من كثرة الدموع.
وقال علىّ –كرم الله وجهه- قد سلّم من صلاة الفجر، وقد علاه كآبة وهو يقلب يده: " لقد رأيت أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجداً وقياما يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله تمادوا كما يميد الشجر في يوم الربح، وهملت أعينهم بالدموع حتى يتبل ثيابهم، والله فكأتى بالقوم باتوا غافلين".
ثم قام فما رؤى بعد ذلك ضاحكاً حتى ضربه ابن ملجم.
وقال موسى بن مسعود: " كنا إذا جلسنا إلى سفيان كأن النار قد أحاطت بنا لما نرى من خوفه وجزعه ".
ووصف أحدهم الحسن فقال: " كان إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بقطع رقبته، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له ".
ورُوى أن زرارة بن أبى أوفي صلّى بالناس الفجر بسورة المدثر، فلما قرأ قوله تبارك وتعالي: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (المدثر: الآية 8 - 9). أخذته شهقة فمات.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن قال: " ابكوا فإن لم تبكو فتباكوا، فوالذينفسى بيده: لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته، وصلى حتى ينكسر صلبه ".
قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: " من خاف الله دله الخوف على كل خير".
وقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى:" ما من مؤمن يعمل سيئة إلا ويلحقها جنتان: خوف العقاب، ورجاء العفو ".
وقال الحسن البصرى رحمه الله تعالى: " إن المؤمنين قوم ذلت منهم – والله- الأسماع والأبصار وزالجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم والله الأصحاء، ولكن دخلهم من الخوف مالم يدخل غيرهم ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة فقالوا: الحمد الله الذي أذهب عنا الخوف، أما – والله – ما أحزنهم ما أحزن الناس ولا تعاظم في قلوبهم شيء طلبوا به الجنة إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة في غير مطعم أو شرب فقد قل علمه وحضر عذابه ".
(3) الخوف من الله عبادة قامت في قلب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فارتفعت نفسه عن المحرمات والمحظورات لأنه يخاف رب الأرض والسموات قال تعالى: (قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الأنعام: 15،16]. فهو يخشى عذاب الله ولا يتعد حدوده.
(4) الخوف من الله من صفات أولي الألباب قال تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الْحَقّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُواْ الألْبَابِ الّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ) [الرعد 19: 21].
(فالخوف من الله يدل على أن صاحبه صاحب عقل، من أولي الألباب أي راجح العقل يعرف الشيء الذي يخوّف حقاً.
(ثمرات الخوف من الله:
(أولاً ثمرات الخوف من الله في الدنيا:
(1) من أسباب التمكين في الأرض، وزيادة الإيمان والطمأنينة لأنك إذا حصل لك الموعود وثقت أكثر، قال تعالى: (وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنّكُمْ مّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنّ فِي مِلّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبّهُمْ لَنُهْلِكَنّ الظّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم 13، 14]
(فالخوف من الله يؤدي إلى التمكين في الأرض والانتصار على الأعداء وأن يهلك الله عدوهم ويخزيهم ويورث المؤمنين أرضهم وديارهم.
(2) يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه وعدم طلب المقابل في الدنيا فلا ينقص الأجر في الآخرة قال تعالى: (إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنّا نَخَافُ مِن رّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) [الإنسان 9، 10]
و قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ) [النور 36، 37]، أي تضطرب وتتقلب وهذا هو الذي دفعهم للعمل، يريدون النجاة ويحذرون الهلاك ويخافون أن يأتوا وكتبهم بشمالهم.
﴿تنبيه﴾: (من خاف الله انقاد له كل شيء:
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن بعض الصالحين رضي الله عنهم: أتيت إبراهيم بن أدهم لأزوره، فطلبته في المسجد، فلم أجده، فقيل لي: إنه خرج الآن من المسجد، فخرجت في طلبه، فوجدته في بطن وادٍ نائمًا في زمان الحر، وحيّة عظيمة عند رأسه، وفي فم الحيّة غصن من الياسمين، وهي تشرّد عنه الذباب، فبقيت متعجبًا من ذلك، وإذا بالحية قد أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فقالت لي: مم تتعجب أيها الرجل؟ فقلت لها، من فعلك هذا, وأكثر تعجبي من كلامك وأنت عدوة لبني آدم.
فقالت لي: والله العظيم، ما جعلنا الله أعداء إلا للعاصين، وأما أهل طاعته، فنحن لهم منقادون.
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي، فعرض لهم أسد في بعض الطرق، فقال له سفيان: أم ترى كيف قطع علينا الطريق، وأخاف الناس.
قال شيبان: لا تخف، فلما سمع الأسد كلام شيبان، بصبص إليه، وأخذ شيبان بأذنه وفركها، فبصبص وحرك ذنبه وولى هاربا، فقال سفيان: ما هذه الشهرة يا شيبان؟ قال: أو هذه شهرة يا سفيان؟ لولا مكان الشهرة لوضعت زادي على ظهره حتى أتيت مكة.
(ثانياً ثمرات الخوف من الله في الآخرة:
(1) الخوف من الله يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (سَبْعَةٌ يُظِلّهُمُ الله في ظِلّهِ يَوْمَ لاَ ظِلّ إِلاّ ظِلّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلّقٌ في المَسْاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في الله اجْتَمعَا عَلَيه وَتَفَرّقَا عليه، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذَاتُ منصبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَهُ)
وظاهر الحديث أنه يقولها بلسانه ليزجر المرأة عن فعلها وليذكر نفسه ويصر على موقفه ولا يتراجع بعد إعلان المبادئ،
((ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)): الخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة.
(2) الخوف من الله من أسباب المغفرة: وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن رجلا كان قبلكم، رغسه الله مالا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله عز وجل فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته.
تأمل سعة رحمة الله تعالى وكيف أن الله تعالى عذره بجهله وشفع له خوفه من ربه وإلا فالذي ينكر البعث كافر.
(3) الخوف من الله يؤدي إلى الجنة:
قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ) [الرحمن: 46]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
قال ابن شَوْذب، وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ في أبي بكر الصديق.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا بَقيَّة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾: نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار، لعلي أضل الله، قال: تاب يوما وليلة بعد أن تكلم بهذا، فقبل الله منه وأدخله الجنة.
والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره، يقول تعالى: ولمن خاف مقامه بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:40]، ولم يطغ، ولا آثر الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله، واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما قال البخاري، رحمه الله.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر، على وجهه في جنة عدن.
وثبت في رواية حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد لا أعلمه إلا قد رفعه قال جنتان من ذهب للمقربين ومن دونهما جنتان من ورق لأصحاب اليمين أخرجه الطبري وابن أبي حاتم ورجاله ثقات.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله الْجَنّةُ».
والمعنى: أي الذي يخاف من إغارة العدو وقت السحر يسير من أول الليل
(أدلج): فبلغ المنزل والمأمن والمطلب، وهذا مثل ضربه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس الأمارة بالسوء والأماني الكاذبة وأعوان إبليس، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق عليه، هذه سلعة الله التي من دخلها كان من الآمنين.
(4) الخوف من الله يرفع الخوف عن الخائف يوم القيامة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث شداد بن أوس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: و عزتي و جلالي لا أجمع لعبدي أمنين و لا خوفين إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمعُ عبادي و إن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمعُ عبادي.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(قال اللّه تعالى وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين: إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي)
فمن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس وذلك لأن من أعطى علم اليقين في الدنيا طالع الصراط وأهواله بقلبه فذاق من الخوف وركب من الأهوال ما لا يوصف فيضعه عنه غداً ولا يذيقه مرارته مرة ثانية وهذا معنى قول بعض العارفين لأنه لما صلى حَرَ مخالفة القوى في الدنيا لم يذقه اللّه كرب الحر في العقبى.
قال القرطبي: فمن استحى من اللّه في الدنيا مما يصنع استحى اللّه عن سؤاله في القيامة ولم يجمع عليه حياءين كما لم يجمع عليه خوفين وقال الحرالي: نار الحق في الدنيا للمعترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة ومحمد عليه الصلاة والسلام يعطى الأمن يوم القيامة حتى يتفرغ للشفاعة وما ذاك إلا من الخوف الذي كان علاه أيام الدنيا فلم يجتمع عليه خوفان فكل من كان له حظ من اليقين فعاين منه ما ذاق من الخوف سقط عنه من الخوف بقدر ما ذاق هنا قال العارفون: والخوف خوفان خوف عقاب وخوف جلال والأول يصيب أهل الظاهر والثاني يصيب أهل القلوب والأول يزول والثاني لا يزول.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير، بل التفريط والأمن.
هكذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن نفسه وعصره، فماذا نقول نحن عن أنفسنا وعصرنا؟!
(5) الخوف من الله سبب للنجاة من كل سوء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات: هوى متبع و شح مطاع و إعجاب المرء بنفسه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(ثلاث منجيات) من عذاب اللّه تعالى
(خشية اللّه في السر والعلانية) أي خوفه تعالى
(والعدل في الرضى والغضب) العادل من لا يميل في الهوى فيجور في الحكم
(والقصد في الفقر والغنى) أي التوسط فيهما
(وثلاث مهلكات) أي يردين فاعلهنّ في الهلاك
(هوى متبع وشح مطاع) قال ابن الأثير: هو أن يطيعه صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها اللّه عليه في ماله يقال أطاعه يطيعه فهو مطيع وطاع له يطوع ويطيع فهو طائع أي أذعن وأقرّ والاسم الطاعة
(وإعجاب المرء بنفسه) قال القرطبي: وهو ملاحظة لها بعين الكمال والاستحسان مع نسيان منة اللّه فإن وقع على الغير واحتقره فهو الكبر قال الغزالي: أحذرك ثلاثاً من خبائث القلب هي الغالبة على متفقهة العصر وهي مهلكات وأمّهات لجملة من الخبائث سواها الحسد والرياء والعجب فاجتهد في تطهير قلبك منها فإن عجزت عنه فأنت عن غيره أعجز ولا تظن أنه يسلم لك بنية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب فأما الحسد فالحسود هو الذي ينشق عليه إنعام اللّه على عبد من عباده بمال أو علم أو محبة أو حظ حتى يحب زوالها عنه وإن لم يحصل له شيء فهو المعذب الذي لا يرحم [ص 307] فلا يزال في عذاب فالدنيا لا تخلو عن كثير من أقرانه فهو في عذاب في الدنيا إلى موته ولعذاب الآخرة أشد وأكبر وأما الهوى المتبع فهو طلبك المنزلة في قلوب الخلق لتنال الجاه والحشمة وفيه هلك أكثر الناس وأما العجب فهو الداء العضال وهو نظر العبد إلى نفسه بعين العز والاستعظام ونظره لغيره بعين الاحتقار وثمرته أن يقول أنا وأنا كما قال إبليس ونتيجته في المجالس التقدم والترفع وطلب التصدر وفي المحاورة الاستنكاف من أن يرد كلامه وذلك مهلك للنفس في الدنيا والآخرة قال الزمخشري: الإعجاب هو فتنة العلماء وأعظم بها من فتنة وقال في العوارف: وما نقل عن جمع كبار من كلمات مؤذنة بالإعجاب فهو بسقيا السكر وانحصارهم في مضيقه وعدم خروجهم لفضاء الفقر في ابتداء أمرهم فإنه إذا حدق صاحب البصيرة نظره علم أنه من استراق النفس قال عند نزول الوارد على القلب والنفس عند الاستراق المذكور تظهر بصفتها فتصدر عنها تلك الكلمات كقول بعضهم ما تحت خضر السماء مثلي وقول بعضهم أسرجت وألجمت وطفت في أقطار الأرض وقلت هل من مبارز فلم يخرج إليّ أحد فهذا كله يطفح عليهم حال السكر فيحتمل.
﴿تنبيه﴾: (فهذه الخشية هي التي تحفظ العبد وتنجيه من كل سوء لأنه قال ووعد الله لا يخلف وهذا رسوله (منجيات) وعمّم تشمل الدنيا والآخرة.
(6) الخوف من الله يجعل الإنسان ممدوحاً مثني عليه ويكفيه فخراً أن يدخل في أصحاب الأسماء والألقاب الشريفة قال تعالى: (تَتَجَافَىَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مّآ أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [السجدة 16، 17]
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]
قال تعالى: (وَالّذِينَ هُم مّنْ عَذَابِ رَبّهِم مّشْفِقُونَ إِنّ عَذَابَ رَبّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) [المعارج 27، 28]
وأثنى الله على أقرب عبادة وهم الأنبياء لخوفهم منه قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين َ﴾ [الأنبياء: 90]
وأثنى الله على الملائكة لخوفهم منه قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]
قال ابن القيم: من ثمرات الخوف أن يقمع الشهوات ويكدّر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة مكدرة.
وليس المقصود تكدير اللذائذ المباحة، الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استمتع وهو سيد الخائفين على قدر ((حبب إليه من الدنيا الطيب والنساء)).
تكدر اللذات المحرمة بتذكر عذاب الله و وعيده لمن وقع فيها فتتكدر لذته المحرمة بتذكر مابها من عذاب.
قال ابن القيم –رحمه الله-:
كما يصير العسل مكروهاً عند من يشتهيه إذا علم أن فيه سمّاً، فتحترق الشهوات بالخوف وتتأدب الجوارح و يذل القلب ويستكين ويفارقه الكبر والحقد والحسد ويصير مستوعب الهم لخوفه والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيرع ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والظنّة (البخل) بالأنفاس واللحظات ومؤاخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات ويكون حاله (الخائف) كم وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أيغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلكه ولا شغل له إلا ما وقع فيه، فقوة المراقبة والمحاسبة بحسب قوة الخوف وقوة المعرفة بجلال الله تعالى وصفاته وبعيوب نفسه وما بين يديها من الأخطار والأهوال.
وقال ابن قدامة رحمه الله:
فضيلة كل شيء بقدر إعانته على طلب السعادة وهي لقاء الله تعالى والقرب منه، فكل ما أعان على ذلك فهو فضيلة ((ولمن خاف مقام ربه جنتان)).
(7) الخوف من الله من أباب نيل الرضا من الله قال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (8) سورة البينة (الأسباب الجالبة للخوف:
الخوف ليس مقصوداً لذاته بل لما بعده من فعل الواجبات وعدم تركها والبعد عن المحرمات وعدم ارتكابها وإذا زاد يمكن أن يكون فعل مستحبات وترك مشتبهات وإذا زاد أكثر يصبح مذموماً وإذا نقص عن هذا يكون أيضاً ناقصاً لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، فمن الأسباب الجالبة للخوف ما يلي:
(1) سابق الذَّنب الذي وقع فيه.
(2) حذر التقصير في الواجبات.
(3) الخوف من المصير أن يكون على ما يكره.
(4) إجلال الله و تعظيمه قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50].
والملائكة خوفهم من الله شديد جداً قال تعالى: (وَلاَ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّىَ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيرُ) [سبأ: 23]
فالله إذا تكلم بالكلمة في السماء من أوامره ضربت الملائكة بأجنحتها خضوعاً لقوله، فأصدرت صوتاً عظيماً كجرّ السلسلة العظيمة على الصخرة ثم يغشاهم من الفزع ما يغشاهم ورجعوا إلى حالة يستطيعون فيها الكلام قالوا ماذا قال ربكم تناقلت الأوامر قالوا الحق، فإذاً إجلال الله يقتضي الخوف والهيبة منه جل وعلا وهذه أهمية معرفة أسماء الله وصفاته.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى و جبريل كالحِلْسِ البَالِي من خشية الله تعالى.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(مررت يوم أسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية اللّه تعالى) بمهملتين أولاهما مكسورة كساء رقيق على ظهر البعير تحت قتبه، زاد الطبراني في بعض طرقه فعرفت فضل علمه باللّه عليَّ اهـ. شبهه به لرؤيته لاصقاً بما لطى به من هيبة اللّه تعالى وشدة فرقه منه وتلك الخشية التي تلبس بها هي التي ترقيه في مدارج التبجيل والتعظيم حتى دعي في التنزيل بالرسول الكريم، وعلى قدر خوف العبد من الرب يكون قربه.
وفيه كما قال الزمخشري دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين وأنهم بين الخوف والرجاء.
قال الحكيم الترمذي: وأوفر الخلق حظاً من معرفة اللّه أعلمهم به وأعظمهم عنده منزلة وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة والأنبياء إنما فضلوا على الخلق بالمعرفة لا بالأعمال، ولو تفاضلوا بالأعمال لكان المعمرون من الأنبياء وقومهم أفضل من نبينا صلى اللّه عليه وسلم وأمته.
(5) الخوف من الله يتعلق بقضيتين..
أ – الخوف من عذابه..
ب – الخوف من الله..
الناس العامة ينزعون إلى الخوف من النار أكثر، وأهل الفقه والعلم خوفهم من الله قبل خوفهم من ناره لأن العامة قد يكون فهمهم وعلمهم قليل وبساطة فأحياناً لا يتذكر من كل القضية إلا النار، وقد لا يستوعب أن الخوف من الله قبل الخوف من ناره أول وأكبر وأعظم ولذلك قال ابن قدامة رحمه الله: ((في مقامي الخوف المقام الأول الخوف من عذاب الله وهذا خوف عامة الناس وهذا النوع من الخوف يحصل بالإيمان بالجنة والنار وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية، المقام الثاني الخوف من الله نفسه عز وجل وهو خوف العلماء والعارفين لأنه يكفيهم فقط ثلاث كلمات قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: 30] ولذلك قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له))
كما في الحديث الآتي: (
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسألون عن عبادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أخبروا كأنهم تقاُّلوها وقالوا: أين نحن من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر أبداً، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: 28]
لأنه لما كملت معرفتهم بربهم وأسمائه وصفاته أثرت الخوف ففاض الأثر على القلب ثم ظهر على الجوارح بهذه الأعمال.
(6) تتأمل النجاة لمن، وتقارن نفسك بصفاتهم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82].
و كما في سورة العصر حيث أقسم الله أن الناس في خسران واستثنى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3].
وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13].
هذه الآية تورث الخوف حيث أقسم الله أنه ليملأ جهنم فينخلع القلب والله تعالى يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]
وقيل لفلان لم تبكي؟ قال لأني أعلم يقيناً أنني سآتي على جهنم ولكن ليس لدي يقين أنني سأنجو منها.. !!، وفي مسألة قبول العمل أيضاً والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].
فإذا حصل الخوف حصلت أسباب النجاة.
(7) تدبر كلام الله ورسوله والنظر في سيرته:
قال ابن القيم: لأنه سيد الخائفين وإمام المتقين وأخشاهم لله فإذا تدبر المسلم كلام الله وسنة نبيه شهد قلبه أموراً من صفات الله وعقوباته وانتقامه و كيف خاف الأنبياء والملائكة والصالحون، وليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آيات الكتاب العزيز فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل وتحثه على التضمرّ والتخفف للقاء اليوم الثقيل)).
يقول ابن الجوزي: ((والله لو أن مؤمناً عاقلاً قرأ سورة الحديد وآخر سورة الحشر وآية الطرسي وسورة الإخلاص بتفكر وتدبر لتصدّع قلبه من خشية الله وتحيّر من عظمة الله ربّه)).
(8) التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى:
فإنه من تفكر في ذلك خاف الله لا محالة لأن التفكر يوقعه على صفات الله جل جلاله وكبريائه ومن شهد قلبه عظمة الله وكبرياءه علم شأن تحذيره عندما قال: قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: 30]
أي خافوه واخشوه بما أبدى لكم من صفاته وأسمائه وعدله عز وجل، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]
يمجد الرب نفسه، أنا الجبار الملك، أنا المتكبر العزيز الكريم..،
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا محمد، إنا نجد: أن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول أنا الملك، فضحك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض).
(9) التفكر في الموت وشدته وأنه لا مفر منه قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]، فهذا يوجب الخوف من الله
ولهذا كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمرنا بأن نكثر من ذكر هادم اللذات كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أكثروا ذكر هاذم) بذال معجمة قاطع وبمهملة مزيل وليس مراداً هنا كذا في روض السهيلي قال ابن حجر وفي ذا النفي نظر
(اللذات) الموت
(فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه) قال العسكري لو فكر البلغاء في قول المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ذلك لعلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووصف به نظماً ونثراً ولهذا كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الموت يقطر جلده دماً قيل ولا يدخل ذكر الموت بيتاً إلا رضي أهله بما قسم لهم وقال أبو نواس.
ألا يا ابن الذين فنوا وماتوا أما واللّه ما ماتوا لتبقى وقال أبو حمزة الخراساني: من أكثر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان.
وقال القرطبي: ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين ضيق وسعة ونعمة ومحنة فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها.
وقال الغزالي: الموت خطر هائل وخطب عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل مشغول بالشهوات فلا ينجع ذكره فيه فالطريق أن يفرغ قلبه عن كل شيء إلا ذكر الموت الذي هو بين يديه كمن يريد السفر فإذا باشر ذكر الموت قلبه أثر فيه فيقل حركته وفرحه بالدنيا وينكسر قلبه وأنفع طريق فيه أن يذكر أشكاله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في أحوالهم ومناصبهم التي كانوا عليها في الدنيا ويتأمل كيف محى التراب حسن صورهم وتبددت أجزاؤهم في قبورهم ويتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت مجالسهم وانقطعت آثارهم.
(10) التفكر فيما بعد الموت:
في القبر وأهواله فإنه يرقّ القلب ويُدْمِع العين ويُذّكِر الآخرة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال زار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.
(حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
وما ترك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرصة إلا ذكَّر أصحابه بالموت وما بعده.
(حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
(وهكذا سار السلف من بعد نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكرون الموت ويُذكّرون الناس به.. فهذا أويس القرني رحمه الله يخاطب أهل الكوفة قائلاً: يا أهل الكوفة توسدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم.
إنَّ في ذكر الموت أعظم الأثر في إيقاظ النفوس وانتشالها من غفلتها، فكان الموت أعظم المواعظ.
قيل لبعض الزهَّاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات.
وقال آخر: من لم يردعه القرآن والموت فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
(من استعدَّ للموت جدَّ َفي العمل، وقصَّر الأمل.
يقول اللبيدي: رأيت أبا اسحاق في حياته يُخرج ورقة يقرؤها دائماً، فلما مات نظرت في الورقة فإذا مكتوب فيها: أحسن عملك فقد دنا أجلك.. أحسن عملك فقد دنا أجلك.
إنَّ الذي يعيش مترقباً للنهاية يعيش مستعداً لها، فيقلُّ عند الموت ندمه وحسراته.
(لذا قال شقيق البلخي رحمه الله: استعد إذا جاءك الموت أن لا تصيح بأعلى الصوت تطلب الرجعة فلا يستجاب لك.
التذكير بالموت يحصل به إيقاظ القلوب من سباتها، وزجر النفوس عن التمادي في غيها وشهواتها، فيزيد الصالح في صلاحه، وأن يستيقظ الغافل قبل حسرته وقبل مماته.
قال عون بن عبد الله: كم من مستقبل يوماً لا يستكمله ومنتظر غد لا يبلغه لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.
وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه فيقف ليلا على القبور فيقول يا أهل القبور قد طويت الصحف وقد رفعت الاعمال ثم يبكي ثم يصفن بين قدميه حتى يصبح ثم يرجع فيشهد صلاة الصبح.
(11) التفكر في ما إذا قدم إلى القيامة وأهوالها وحديث البعث والنشور إلى ذبح الموت: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]، فلفت النظر يقوي مراقبة العبد ربه.
(12) التفكر في ما إذا دخل أهل النار النار..، ماذا يوجد فيها من الأهوال في شدة عذابها؟!!..، قال تعالى: (إِنّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ) [المدثر: 35].
قال الحسن رحمه الله تعالى: كبرت منذرة داهية عظيمة أعظم الدواهي ما أنذرت الخلائق بشيء قط أفظع منها.
وكيف قرت لأهل العلم أعينهم
أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا
والموت ينذرهم جهراً علانية
لو كان للقوم أسماع لقد سمعوا
أفي الجنان وفوز لا انقطاع له
أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع
لينفع العلم قبل الموت عالمه
قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا
(13) تفكر العبد في ذنوبه وأنه نسيه والله تعالى أحصاها ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاه، وأن الله يمكن أن يعطيه النعم استدراجاً قال تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: 36]، في قصة صاحب الجنتين.
(حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيمٌ على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إذا رأيت الله تعالى) أي علمت أنه
(يعطي العبد) عبر بالمضارع إشارة إلى تجدد الإعطاء وتكرره
(من الدنيا) [ص 355] أي من زهرتها وزينتها
(ما يحب) أي العبد من نحو مال وولد وجاه
(وهو مقيم) أي والحال أنه مقيم
(على معاصيه) أي عاكف عليها ملازم لها
(فإنما ذلك) أي فاعلموا أنما إعطاؤه ما يحب من الدنيا
(منه) أي من الله
(استدراج) أي أخذ بتدريج واستنزال من درجة إلى أخرى، فكلما فعل معصية قابلها بنعمة وأنساه الاستغفار فيدنيه من العذاب قليلاً قليلاً ثم يصبه عليه صباً.
قال إمام الحرمين: إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على خطر، فلا تدري ماذا يكون وما سبق لك في الغيب، ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.
وقال علي كرم الله وجهه: كم من مستدرج بالإحسان وكم من مفتون بحسن القول فيه.
وكم من مغرور بالستر عليه، وقيل لذي النون: ما أقصى ما يخدع به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ وفي الحكم: خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجاً.
والاستدراج الأخذ بالتدريج لا مباغتة.
والمراد هنا تقريب الله العبد إلى العقوبة شيئاً فشيئاً، واستدراجه تعالى للعبد أنه كلما جدد ذنباً جدد له نعمة وأنساه الاستغفار فيزداد أشراً وبطراً فيندرج في المعاصي بسبب تواتر النعم عليه ظاناً أن تواترها تقريب من الله، وإنما هو خذلان وتبعيد.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن اللّه تعالى ليملي) بفتح اللام الأولى أي ليمهل والإملاء الإمهال والتأخير وإطالة العمر
(للظالم) زيادة في استدراجه ليطول عمره ويكثر ظلمه فيزداد عقابه كما قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178] فإمهاله عين عقابه.
(حتى إذا أخذه) أي أنزل به نقمته
(لم يفلته) أي لم يفلت منه أو لم يفلته منه أحد أي لم يخلصه أبداً بل يهلكه لكثرة ظلمه بالشرك فإن كان مؤمناً لم يخلصه مدة طويلة بقدر جنايته، وقول بعضهم معنى لم يفلته لم يؤخره تعقبه ابن حجر بأنه يفهم أن الظالم إذا صرف عن منصبه أو أهين لا يعود إلى غيره والمشاهد في بعضهم بخلافه فالأولى جعله غالبياً من الإفلات وهو خروج من مضيق وتمام الحديث في البخاري: ثم قرأ ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ وفيه تسلية للمظلوم ووعيد للظالم وأنه لا يغتر بالإمهال فإنه ليس بإهمال.
(14) التفكر في عاقبة محقرات الذنوب التي يحقرها الناس: وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالبا.
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياكم و محقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود و جاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم و إن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إياكم ومحقرات الذنوب) أي صغائرها لأن صغارها أسباب تؤدي إلى ارتكاب كبارها كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدّية إلى تحري كبارها قال الغزالي: صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى تفوت أهل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة اهـ. وإن اللّه يعذب من شاء على الصغير ويغفر لمن شاء الكبير ثم إنه ضرب لذلك مثلاً زيادة في التوضيح فقال:
(فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) يعني أن الصغائر إذا اجتمعت ولم تكفر أهلكت ولم يذكر الكبائر لندرة وقوعها من الصدر الأول وشدة تحرزهم عنها فأنذرهم مما قد لا يكترثون به وقال الغزالي: تصير الصغيرة [ص 128] كبيرة بأسباب منها الاستصغار والإصرار فإن الذنب كلما استعظمه العبد صغر عند اللّه وكلما استصغره عظم عند اللّه لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه وكراهته له وذلك النفور يمنع من شدة تأثيره به واستصغاره يصدر عن الألفة به وذلك يوجب شدة الأثر في القلب المطلوب تنويره بالطاعة والمحذور تسويده بالخطيئة وقال الحكيم: إذا استخف بالمحقرات دخل التخلط في إيمانه وذهب الوقار وانتقص من كل شيء بمنزلة الشمس ينكسف طرف منها فبقدر ما انكسف ولو كرأس إبرة ينقص من شعاعها وإشراقها على أهل الدنيا وخلص النقصان إلى كل شيء في الأرض فكذا نور المعرفة ينقص بالذنب على قدره فيصير قلبه محجوباً عن اللّه فزوال الدنيا بكليتها أهون من ذلك فلا يزال ينقص ويتراكم نقصانه وهو أبله لا ينتبه لذلك حتى يستوجب الحرمان.
(15) أن يعلم العبد أنه قد يحال بينه وبين التوبة بموت مفاجيء، تسويف، شبهات، إصرار على المعصية والشهوات، فتنة مضلّة، والحسرة حينها لا تنفع قال تعالى: (حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ لَعَلّيَ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون 99،100]
و قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39]
(16) التفكر في سوء الخاتمة حينئذ قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: 27]، وملك الموت كيف يسحب روح الفاجر فيتقطع فيها كل عرق و عصب وكيف يجعل في كفه من النار وحنوط له من جهنم..
(17) تجالس ناس يكسبونك خشية وخوف من الله من الصالحين والعلماء المتقين: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، صاحب أصحاب الخشية، رقة قلب إذا سمعوا الذكر وتلين قلوبهم قال تعالى: ((﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (23) سورة الزمر)).
واقرأ سيرهم فاصحب أنفاسهم..
أهل الحديث هم أهل الرسول
وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
(18) مطالعة سير الخائفين من الله..
ابن عباس رضي الله عنه كان تحت عينيه خطّان كالشراكان الباليان أخاديد من الدموع.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ آيات فمرض مرض عاده الناس من بعده، وكان يقول: ((يا ليتني كنت شجرة تؤكل)).
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ((ياليتني كنت هذه التبنة)) ((يا ليتني لم أكن شيئاً مذكوراً)) ((ياليت أمي لم تلدني)) ((لو مات جمل ضياعاً على جانب الفرات لخشيت أن يسألني عنه الله يوم القيامة)).
ويقول: ((لو نادى منادٍ من السماء يا أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا واحداً لخفت أن أكون أنا هو)).. !!
وعائشة رضي الله عنها: تقرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 27] في صلاتها فتبكي وتبكي ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]
وكانت تقول: عائشة رضي الله عنها تقول: ((يا ليتني كنت نسياً منسياً)).
وأبو بكر رضي الله عنه: يمسك لسانه ويقول ((هذا الذي أوردني المهالك))،
وعثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: ((وددت لو أنني لو مت لم أبعث)) وهو الذي كان يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً ويتخرق مصحفه من كثر ما قرأ به، ومات ودمه على المصحف شهيداً..
وعلي رضي الله عنه يقول: ((لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى اليوم شيئاً يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجداً وقياماً – أثر في الجلد فخشنه مثل ركب المعزى- يتلون كتاب ربهم يراوحون بين جباههم وجنوبهم فإذا أصبحوا ذكروا الله عزوجل مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين..
وأبو عبيدة رضي الله عنه يقول: ((وددت لو كنت كبشاً فذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي)).
وعمران بن حصين رضي الله عنه يقول: ((يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح)).
وحذيفة رضي الله عنه يقول ((وددت أن لي إنسان يكون في مالي ذم أغلق علي بابي فلا يدخل علي أحد حتى ألحق بالله)).
وأبو هريرة رضي الله عنه: يغشى عليه ثلاث مرات وهو يحدث بحديث أول ثلاث تسعّر بهم النار..
وعمر بن عبد العزيز: يبكي ويبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينام.. تسأله زوجته فيقول ﴿قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15]
فتبكي فاطمة وتقول: ((اللهم أعذه من النار)).
(19) سماع المواعظ وبعض الخطب:
ومن أهم الأسباب الجالبة للخوف سماع المواعظ وبعض الخطب فما أشد ضرورة العبد المسلم إلى المواعظ التي تثبت قلبه في زمن حار فيه الكثير من الناس فانغمسوا في القيم الهابطة التي غزت العقول و القلوب و المجتمعات ولا يتم ذلك إلا بمجالسة الصالحين، الذين بمجالستهم ترق القلوب سواء كان هذا شيخاً لك يعلمك الخير أو كان صديقاً يساعدك على ما يقربك إلى الله.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
وكانت مجالس النبي صلى الله عليه و سلم مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله و ترغيب و ترهيب، إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة و الموعظة الحسنة و تعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكر و يعظ و يقص، و أن يدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، و أن يبشر و ينذر وسماه الله قال تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً) [الأحزاب 45،46] و التبشير و الإنذار هو الترغيب و الترهيب فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابها رقة القلوب و الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة.
فالموعظة سبيل للهدى و الرحمة و الشفاء لما في الصدور كما قال تعالى: (يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مّوْعِظَةٌ مّن رّبّكُمْ وَشِفَآءٌ لّمَا فِي الصّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57] لأجل ذلك أمر الله تبارك و تعالى بها نبيه عليه الصلاة و السلام فقال تعالى (َعِظْهُمْ وَقُل لّهُمْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) [النساء:63]
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال لعرباض: صلى بنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يارسول الله، كأن هذه موعظة مُوَدِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "" أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(ذَرَفَتْ) أَيْ دَمَعَتْ
(وَوَجِلَتْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ خَافَتْ
(كأن هذه موعِظَةُ مُوَدِّعٍ) بِالْإِصَافَةِ فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يُهِمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ كَأَنَّكَ تُوَدِّعُنَا بِهَا لِمَا رَأَى مِنْ مُبَالَغَتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَوْعِظَةِ
(فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا) أَيْ فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُوصِينَا
(وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) أَيْ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ أَيْ صَارَ أَمِيرًا أَدْنَى الْخَلْقِ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا عَنْ طَاعَتِهِ أَوْ لَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَأَطِيعُوهُ مَخَافَةَ إِثَارَةِ الْفِتَنِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ: وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا بِالنَّصْبِ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُطَاعُ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الشَّيْءِ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ،﴾ وَقَدْرُ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا لِشَخْصٍ آدَمِيٍّ وَنَظَائِرُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرَةٌ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ إِلَخْ).
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: ﴿وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعُلُومِ: وَالْحِكَمِ فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْأُمَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لُغَةً فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ - رضي الله عنه - فِي التَّرَاوِيحِ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةً فَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ الْأَوَّلُ زَادَهُ عُثْمَانُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بِدْعَةٌ الجزء السابع وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَ أَبُوهُ فِي التَّرَاوِيحِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ) أَيْ زَمَنَ الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ (فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي) أَيْ فَلْيَلْزَمْ سُنَّتِي (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ) فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهِمْ إِمَّا لِعَمَلِهِمْ بِهَا أَوْ لِاسْتِنْبَاطِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهَا قَالَهُ الْقَارِي.
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ: إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَطَالُوا الْكَلَامَ فِي هَذَا وَأَخَذُوا فِي تَأْوِيلِهِ بِوُجُوهٍ أَكْثَرُهَا مُتَعَسِّفَةٌ، وَالَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ هُوَ الْعَمَلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا التَّرْكِيبُ بِحَسْبِ مَا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ الْعَرَبِ، فَالسُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْزَمُوا طَرِيقَتِي وَطَرِيقَةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَقَدْ كَانَتْ طَرِيقَتُهُمْ هِيَ نَفْسُ طَرِيقَتِهِ، فَإِنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ حِرْصًا عَلَيْهَا وَعَمَلًا بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ كَانُوا يَتَوَقَّوْنَ مُخَالَفَتَهُ فِي أَصْغَرِ الْأُمُورِ فَضْلًا عَنْ أَكْبَرِهَا.
وَكَانُوا إِذَا أَعْوَزَهُمُ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمِلُوا بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنَ الرَّأْيِ بَعْدَ الْفَحْصِ وَالْبَحْثِ وَالتَّشَاوُرِ وَالتَّدَبُّرِ، وَهَذَا الرَّأْيُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ هُوَ أَيْضًا مِنْ سُنَّتِهِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ﴿حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَ تَقْضِي؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ﴾ (1) أَوْ كَمَا قَالَ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا فِي بَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ.
فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ مَا عَمِلُوا فِيهِ بِالرَّأْيِ هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ " ﴿وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ثَمَرَةٌ "﴾، قُلْتُ: ثَمَرَتُهُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَدْرَكَ زَمَنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَوْ أَدْرَكَ زَمَنَهُ وَزَمَنَ الْخُلَفَاءِ، وَلَكِنَّهُ حَدَثَ أَمْرٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي زَمَنِهِ فَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ، فَأَشَارَ بِهَذَا الْإِرْشَادِ إِلَى سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ إِلَى دَفْعِ مَا عَسَاهُ يَتَرَدَّدُ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ مِنَ الشَّكِّ وَيَخْتَلِجُ فِيهَا مِنَ الظُّنُونِ.
فَأَقَلُّ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ مِنْ سُنَنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنَّهُ أَوْلَى مِنْ رَأْيِ غَيْرِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَثِيرًا مَا كَانَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْسَبُ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى أَصْحَابِهِ فِي حَيَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِنِسْبَتِهِ إِلَى غَيْرِهِ مَعَ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْقُدْوَةِ وَمَكَانُ الْأُسْوَةِ فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَقِفْ عِنْدَ تَحْرِيرِهِ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ.
انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَ صَاحِبِ سُبُلِ السَّلَامِ فِي بَيَانِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ قِيلَ: هُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-؛ لِأَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: قَالَ الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً وَقَدِ انْتَهَى بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَصَفَ الرَّاشِدِينَ بِالْمَهْدِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَصْلُحْ الجزء السابع أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْخَلْقَ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ: وَهُمُ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ وَذُو النُّورَيْنِ وَأَبُو تُرَابٍ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَجْمَعِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ الخلفاء الأربعة وَوَاظَبُوا عَلَى اسْتِمْطَارِ الرَّحْمَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّبَوِيَّةِ وَخَصَّهُمُ اللَّهُ بِالْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، وَالْمَنَاقِبِ السُّنِّيَّةِ، وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَشَاقِّ الْأَسْفَارِ وَمُجَاهَدَةِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ.
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ الْعُظْمَى وَالتَّصَدِّي إِلَى الرِّيَاسَةِ الْكُبْرَى لِإِشَاعَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَإِعْلَاءِ أَعْلَامِ الشَّرْعِ الْمَتِينِ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمْ، وَازْدِيَادًا لِمَثُوبَاتِهِمْ، انْتَهَى.
(عَضُّوا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السُّنَّةِ
(بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ، وَقِيلَ: هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَقِيلَ هُوَ النَّابُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَكَامَلَتِ الْأَسْنَانُ فَهِيَ ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ ثَنَايَا، وَهِيَ أَوَائِلُ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ مُقَدَّمِ الْفَمِ، ثُمَّ أَرْبَعٌ رُبَاعِيَّاتٌ، ثُمَّ أَرْبَعُ أَنْيَابٍ، ثُمَّ أَرْبَعُ ضَوَاحِكَ، ثُمَّ اثْنَا عَشَرَ أَضْرَاسٍ، وَهِيَ الطَّوَاحِنُ، ثُمَّ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ، وَهِيَ أَوَاخِرُ الْأَسْنَانِ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَضْرَاسَ عِشْرُونَ شَامِلَةً لِلضَّوَاحِكِ وَالطَّوَاحِنِ وَالنَّوَاجِذِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَضُّ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا أَخْذًا شَدِيدًا يَأْخُذُ بِأَسْنَانِهِ أَوِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ، كَمَنْ أَصَابَهُ أَلَمٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فَيَشْتَدُّ بِأَسْنَانِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.
الشاهد من الحديث:
قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب:
(موعظة) من الوعظ و هو النصح و التذكير بالعواقب، و أتى لنا بكلام دال على التخويف بطريق النصيحة والتذكير بالعواقب لأجل ترقيق القلوب، و التنوين في موعظة للتعظيم و التفخيم أي بموعظة عظيمة بليغة.
(وجلت): بكسر الجيم أي خافت منها القلوب
(وذرفت) بفتح الذال المعجمة و الراء أي سالت منها العيون أي دموعها و في ذلك إشارة إلى أن تلك الموعظة أثرت في نفوسهم و أخدت بمجامعهم ظاهرا و باطنا، و هذا دليل على كمال معرفتهم و مراعاتهم لربهم.
وقال ابن القيم رحمه الله:
الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف و الرجاء فيتحرك للعمل طلبا للخلاص من الخوف و رغبة في حصول المرجوا.
وها هو الإمام الذهبي رحمه الله يبين أهمية الرقائق و المواعظ في تليين القلب و صفائه:"قال كنا عند أبي شريح فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبهم فقوموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب و الرقائق فإنها تجدد العبادة و تورث الزهادة و تجر الصداقة و اقلوا المسائل فإنها في غير ما نزل نفسي القلب و تورث العداوة.
فينبغي للمتعلم أن يقصد من العلماء من اشتهر بالديانة وعرف بالستر والصيانة، يقول ابن سيرين: إنما هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون.
والمفترض أن يستفيد طالب العلم رقة القلب من شيخه.
كما أن من الإخوان من مصاحبتهم ترقق القلب، " ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليستمسك به" عمر بن الخطاب.
(20) العلم بالله وأسمائه وصفاته:
فإذا عرف الإنسان ربه.. كيف يعصيه؟ كيف يعصي ربه وهو يعلم أنه صائر إليه موقوف بين يديه؟
وكذلك يعرف أسماء الله وصفاته حق المعرفة بأن يؤمن بها ويستحضرها في قلبه، يستحضرها في قلبه عند الطاعة فيقبل إليها، وعند المعصية فيحجم عنها.
ومعرفة أسماء الله وصفاته ترقق القلب، فإذا علم بسمع الله تعالى وبصره وعلمه المطلق حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل مالا يرضي الله،
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (2/ 90):
(وعلمه ـ ويقصد العبد ـ بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله و يرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح " اهـ.
وإذا عرف أن الله هو الجبار العزيز شديد العقا ب لم يجرؤ أن يبارزه بالمعصية وإذا علم أن الله هو الرحمن الرحيم الغفور الودود رجا رحمة ربه وأحب خالقه.
فإذا عرف الله بأسمائه وصفاته أحب ربه سبحانه وخافه ورجاه فلا يكون في قلبه مكان لحب غيره أو مكان لخوف غيره أو مكان لرجاء غيره.
وليس من معرفة أسماء الله وصفاته أن نجعلها دافعا لنا للمعصية فنقول: إن الله غفور رحيم مما يدفعنا إلى أن نعصيه وننسى أنه أيضا سبحانه شديد العقاب.
(21) الدعاء.
وذلك مقصود في دعاء الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل الله أن يرزقه الخشية وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة: (