كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
فمن أنفع ما للقلب النظرُ في حق الله على العباد؛ فإن ذلك يورث مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل، والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله، ومغفرته، ورحمته؛ فإن حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر ولا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله _ تعالى _ وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ومغفرته.
(1)
ثم قال: وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك؛ ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم.
ومن ههنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره.
وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.
(2)
(4) أن الله تعالى له الحكمة البالغة:
فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، وقد ترى الشيء مصلحة ظاهرة، ولكن الحكمة لا تقتضيه؛ فقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة؛ فلعل هذا من ذاك.
ثم إن الله تعالى له الحكمة البالغة، فأسماؤه الحسنى وأفعاله تمنع نسبة الظلم إليه، وتقتضي ألا يفعل إلا ما هو مطابق للحكمة، موافق لها؛ فتأخر الإجابة قد يكون عين المصلحة للداعي كما سيأتي بيانه في الفقرات التالية.
(5) قد يكون في تحقق المطلوب زيادة في الشر:
فربما تحقق للداعي مطلوبه، وأجيب له سؤله، فكان ذلك سببًا في زيادة إثم، أو تأخر عن مرتبة، أو كان ذلك حملاً على الأشر والبطر؛ فكان التأخير أو المنع أصلح.
(وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسِرْتَ، وإن أسرت تَنَصَّرْتَ.
1
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية.
ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه.
(1)، (2) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم تحقيق مجدي السيد ص97_98.
ولو رزق من المعرفة حَظًّا وافرًا لعدَّ المنع نعمة، والبلاء رحمة، وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية، وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى، وكان في حال القلة أعظم شكرًا من حال الكثرة.
1
(6) أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه:
وهذا سر بديع يحسن بالعبد أن يتفطن له حال دعائه لربه؛ ذلك أن الله _ عز وجل _ أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، فهو أعلم بمصالح عباده منهم، وأرحم بهم من أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.
وإذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من ألا ينزل بهم؛ نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم.
ولو مُكِّنُوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علمًا، وإرادةً، وعملاً.
لكنه تعالى تولى تدبير أمورهم بموجب علمه، وعدله، وحكمته، ورحمته أَحَبُّوا أم كرهوا.
فإذا سلَّم العبد لله، وأيقن بأن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنه أرحم به من نفسه _ طاب قلبه، قضيت حاجته أو لم تُقضَ.
وإذا فوض العبد ربه، ورضي بما يختاره له _ أَمَدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
وهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى.
ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به.
ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطفُ عليه، واللطف فيه، فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يُهَوِّن عليه ما قدر له.
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى:
منعه عطاء؛ وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم، وإنما نظر في خير العبد فمنعه اختيارًا وحسن نظر.
2
(7) أن الإنسان لا يعلم عاقبة أمره:
فربما يطلب ما لا يَحْمد عاقبته، وربما كان فيه ضرره، كمثل طفل محموم يطلب الحلوى وهي لا تناسبه.
والمدبر للإنسان أعلم بمصالحه، وعاقبةِ أمره، كيف وقد قال تعالى: (وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ) [البقرة / 216]
(ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يقضيه عليه؛ لما يرجوه من حسن العاقبة.
(ومن أسرارها ألا يقترح على ربه، ولا يسأله ما ليس له به علم؛ فلعل فيه مضرَّتَه وهو لا يعلم؛ فلا يختار على ربه، بل يسأله حسن العاقبة فيما يختار له؛ فلا أنفع له من ذلك.
(ولهذا من لطف الله _ تعالى _ لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية، التي يظن بها إدراك بغيته، فيعلم الله أنها تضره، وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يدْرِ أن ربه قد لطف به؛ حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار.
1
(8) الدخول في زمرة المحبوبين لله تعالى:
فالذين يدعون ربهم، ويبتلون بتأخر الإجابة عنهم _ يدخلون في زمرة المحبوبين، المُشَرَّفِين بمحبة رب العالمين؛ فهو _ سبحانه _ إذا أحب قومًا ابتلاهم.
2
وقد جاء في السنة ما يشير إلى أن الابتلاء دليل على محبة الله للعبد؛
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء و إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا و من سخط فله السخط.
(حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه خطيئة.
(9) أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والعكس بالعكس:
فإذا صحت معرفة العبد بربه علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، والتي منها تأخر إجابة الدعاء _ أنها تحمل في طياتها ضروبًا من المصالح والمنافع لا يحصيها علمه، ولا تحيط بها فكرته.
بل إن مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها.
قال تعالى: (فَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) [النساء / 19]
قال تعالى: (وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ) [البقرة / 216]
فإذا علم العبد أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، وأن المحبوب قد يأتي بالمكروه _ لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ فإن الله يعلم ما لا يعلمه العبد.
وما أجمل قول من قال:
كم نعمةٍ لا تستقلُّ بشكرها... لله في طيِّ المكاره كامنه 1
ومن قال: تجري الأمور على حكم القضاء وفي... طيِّ الحوادث محبوب ومكروه وربما سرني ما كنت أحذره... وربما ساءني ما كنت أرجوه 2
قال سفيان بن عيينه:
ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه.
3
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي:
إذا اشتدت البوى تحَفَّفْ بالرضا... عن الله قد فاز الرَّضيُّ المراقبُ
وكم نعمةٍ مقرونة ببلية... على الناس تخفى والبلايا مواهب 4
(10) تأخر الإجابة سبب لتفقد العبد لنفسه:
فقد يكون امتناع الإجابة لآفة في الداعي؛ فربما كان في مطعومه شبهة، أو في قلبه وقت الدعاء غفلة، أو كان متلبسًا بذنوب مانعة.
وسُئِلَ إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟
فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول ولم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار ولم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان ولم تحاربوه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات ولم تعتبروا بها، وانتبهتم من نومكم فاشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم.
وتأخر الإجابة قد يبعث الداعي إلى تفقد نفسه، والنظر في حاله مع ربه، فيحصل له من جراء ذلك المحاسبةُ، والتوبةُ، والأوبةُ.
ولو عجلت له دعوته لربما غفل عن نفسه، فظن أنه على خير وهدى، فأهلكه العجب، وفاتته هذه الفائدة.
(11) قد تكون الدعوة مستجابة دون علم الداعي:
فقد مر بنا عند الحديث عن فضائل الدعاء أن ثمرة الدعاء مضمونة إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة، وسلممن موانعها؛ فالداعي لا يخلو من أن يستجاب له دعاؤه فيرى أثره في الدنيا، أو لا يستجاب له لوجود أحد الموانع، فلا يرى أثرًا لدعائه في الدنيا، أو أن يستجاب له ولكن لا يرى أثرًا للإجابة في الدنيا وإنما يؤخر له من الأجر مثل دعوته يوم القيامة، أو أن يستجاب له الدعاء فلا يرى أثرًا للإجابة، ولكن يصرف الله عنه من السوء مثل دعوته وهو لا يعلم.
1
إذا تقرر هذا فكيف يستبطئ الداعي الإجابة طالما أن الثمرة مضمونة؟ ولماذا لا يحسن العبد ظنه بربه ويقول: لعله استجيب لي من حيث لا أعلم؟.
(12) قد يكون الدعاء ضعيفًا فلا يقاوم البلاء:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وله 2 مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفًا.
الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
3
(13) قد يكون الإنسان سد طريق الإجابة بالمعاصي:
فلو فتحها بالتقوى لحصل على مراده؛ فكيف يستبطئ الإجابة وقد سد طريقها بالمعاصي؟.
أما علم أن التقوى سبب الراحة، وأنها مفتاح كل خير؟
أما سمع قوله قال تعالى: (وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ) [الطلاق 2، 3]
أَوَ ما فهم أن العكس بالعكس؟.
قال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سَددْتَ طُرقَها بالمعاصى.
وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
"نحن ندعو الإلهَ في كل كرب ثم ننساهُ عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابةَ لدعاء قد سددنا طريقَها بالذنوب؟
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فقال تعالى (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فأنى يستجاب لذلك) وهو استفهام واقع على وجه التعجب والاستبعاد.
أي كيف يدعو هذا الآكل للحرام وينتظر الإجابة مع تيقنه من سوء فعاله، نسأل الله أن يطعمنا الحلال ويجنبنا مهاوى الضلال إنه ولى ذلك والقادر عليه.
(14) ظهورآثار أسماء الله تعالى:
فمن أسماء الله _ عز وجل _ المعطي، المانع، الحكم، العدل، الكريم، العليم، البر، الرحيم، المالك، الحكيم.
وهذه الأسماء تستدعي متعلقات تظهر فيها أحكامها، ومقتضياتها، وآثارها؛ فتأخر الإجابة من أسباب ظهور تلك الآثار، والمقتضيات والأحكام.
فقد يمنع _ عز وجل _ أحدًا من الناس؛ لحكمته، وعدله، وعلمه.
وقد يعطي برحمته _ عز وجل _، وحكمته، وبره، وعلمه.
(15) تكميل مراتب العبودية للأولياء:
فالله تعالى يحب أولياءه، ويريد أن يكمل لهم مراتب العبودية، فيبتليهم بأنواع من البلاء، ومنها تأخر إجابة الدعاء؛ كي يتَرَقَّوا في مدارج الكمال ومراتب العبودية؛ فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله، وعلت درجته.
1
فأنفع الأشياء للعبد على الإطلاق طاعته لربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه معصيته لربه بظاهره وباطنه.
فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصًا له _ فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرًا له.
وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته _ فكل ما هو فيه من محبوبٍ شرٌّ له.
فإذا تدبر العبد ذلك تشاغل بما هو أنفع له من حصول ما فاته.
(هذا ومن تلك العبوديات التي تحصل من جراء تأخر إجابة الدعاء ما يلي:
(أ) انتظار الفرج:
فانتظار الفرج من أجل العبوديات وأعظمها، فكلما اشتد انتظار الفرج كلما ازدادت ثقة العبد بربه، فيزداد بذلك قربًا من الله، وأُنْسًا به _عز وجل _.
ولو عجلت له الإجابة لربما فاتته هذه العبودية.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
انتظار روح الفرج يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره، ومطالعته، وترقبه يخفف حمل المشقة ولاسيما عند قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته _ ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل.
1
(ب) حصول الاضطرار والافتقار إلى الله:
فهذا لب العبادة ومقصودها الأعظم؛ فالافتقار إلى الله دون سواه هو عين الغنى، والتذللُ له _ عز وجل _ هو العز الذي لا يدانيه عز.
ثم إن حاجة الإنسان بل ضرورته إلى الافتقار والاضطرار إلى الله _ لا تدانيها حاجة أو ضرورة.
ولو أجيب دعاؤه مباشرة لربما أصابه التيه بالنفس، والإدلال على الله بالعمل، ولربما شعر بالغنى عن الله _ تبارك وتعالى _.
وبذلك يخرج العبد عن وصفه الذي لا ينفك عنه، والذي فيه جماله وكماله ألا وهو افتقاره إلى ربه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والعبد هو فقير دائمًا إلى الله من كل وجه؛ من جهة أنه معبوده، وأنه مستعانه، فلا يأتي بالنعم إلا هو، ولا يَصْلُح حال العبد إلا بعبادته.
وهو مذنب _ أيضًا _ لا بد له من الذنوب فهو دائمًا فقير مذنب؛ فيحتاج دائمًا إلى الغفور الرحيم؛ الغفور الذي يغفر ذنوبه، والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه، ويحسن إليه؛ فهو دائمًا بين إنعام ربه وذنوب نفسه.
2
(ج) حصول عبودية الرضا:
فالرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وبستان العارفين.
3
فمن رضي عن الله وبالله رضي الله عنه وأرضاه؛ فالمؤمن حين تنزل به النازلة يدعو ربه، ويبالغ في ذلك، فلا يرى أثرًا للإجابة، فإذا قارب اليأس نُظِرَ حينئذٍ في قلبه، فإن كان راضيًا بالأقدار، غير قنوط من فضل الله فالغالب تعجيل الإجابة؛ فهناك يصلح الإيمان، ويهزم الشيطان، وتتبين مقادير الرجال.
وقد أشير إلى هذا في قوله _ تعالى: (حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [البقرة / 214]
وكذلك جرى ليعقوب _ عليه السلام _ مع أولاده كما مر قريبًا.
أما الاعتراض وقلة الرضا عن الله فخروج عن صفة العبودية.
قال بعضهم: ارض عن الله في جميع ما يفعله بك؛ فإنه ما منعك إلا ليعطيك، ولا ابتلاك إلا ليعافيك، ولا أمرضك إلا ليشفيك، ولا أماتك إلا ليحييك؛ فإياك أن تفارق الرضا عنه طرفة عين، فتسقط من عينه.
1
قال ابن ناصر الدين الدمشقي:
يجري القضاءُ وفيه الخير نافلة... لمؤمن واثق بالله لا لاهي
إن جاءه فرح أو نابه ترح... في الحالتين يقول الحمد لله 2
(د) الانكسار بين يدي جبار السماوات والأرض:
فالله تعالى يحب المنكسرين بين يديه، فيدنيهم، ويقرب منهم، بل هو تعالى عند المنكسرة قلوبهم.
ذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى _ عليه السلام _:=يا رب، أين أبغيك؟
قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك انهدموا.
3
فربما كان تأخر الإجابة سببًا لإطالة الوقوف على باب الله، وانكسار العبد بين يديه، وكثرة اللجأ إليه، والاعتصام به.
بدليل أنه لولا هذه النازلة لم يُرَ على باب اللجأ والمسكنة؛ فالله _ عز وجل _ علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه، فابتلاهم من خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به.
فهذا من النعم في طي البلاء، وإنما البلاء المحض ما يشغلك عن ربك، وأما ما يقيمك بين يديه _ عز وجل _ ففيه جمالك، وكمالك، وعزك، وفلاحك.
(هـ) التمتع بطول المناجاة:
فقد مرَّ بنا عند الحديث عن فضائل الدعاء أن العبد قد يقوم لمناجاة ربه، وإنزال حاجاته ببابه، فيُفتح على قلبه حال السؤال والدعاء من محبة الله، ومعرفته، والخضوع له، والتذلل بين يديه _ ما ينسيه حاجته، فيكون ما فتح له من ذلك أحبَّ إليه من قضاء حاجته التي سألها، فيحب أن تدوم له تلك الحال، وتكون عنده آثر من حاجته، ويكون فرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاتته تلك الحال.
وعلى هذا فكلما تأخرت الإجابة كلما طالت المناجاة، وحصلت اللذة، وزاد القرب.
ولو عجلت الإجابة لربما فاتت تلك الثمرة.
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى:
لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تَضَرُّعه إليه فيها.
4
(و) مجاهدة الشيطان ومراغمته:
فالشيطان عدو مبين للإنسان، يتربص به الدوائر، ويسعى في إضلاله وصدِّه عن صراط الله المستقيم، فإذا صادف منه غرة أصابه من خلالها.
فالعبد إذا دعا ربه، وتأخر وقت الإجابة _ بدأ الشيطان يجول في خاطره؛ ليسيء ظنه بربه، وصار يُلقي في رُعِه أن لا فائدة من دعائه.
فإذا جاهده العبد، وراغمه، وأغاظه بكثرة الدعاء، وإحسان الظن بالله _ حصل على أجر عظيم؛ فمجاهدة الشيطان ومراغمته من أجل العبوديات.
ولو لم يأت العبد من تأخر الإجابة إلا هذه الفائدة _ لكان حريًا به ألا ينزعج من تأخرها.
هذه بعض الحكم المتلمسة من جراء تأخر الدعاء، والتي يجدر بالعبد أن يستحضرها إذا دعا وتأخرت إجابة الدعاء.
(الدعوات المستجابات:
(كل من عمل بالشروط، وابتعد عن الموانع، وعمل بالآداب، وتحرّى أوقات الإجابة، والأماكن الفاضلة فهو ممن يستجيب الله دعاءه، وقد بينت السنة أنواعاً وأصنافاً ممن طبق هذه الشروط واستجاب الله دعاءهم ومنهم ما يلي:
1 دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب:
(حديث أبي الدرداء الثابت في صحيح مسلم) النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل.
2 دعوة المظلوم:
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(والشواهد على إجابة دعوة المظلوم لا تكاد تحصر، ومنها ما جاء في قصة سعد بن أبي وقاص مع أهل الكوفة لما شكوه إلى عمر بن الخطاب.
قال أبو عوانة، وجماعة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال:=شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشيِّ لا أخرم منها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين.
فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق.
فبعث رجلاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدًا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرًا، حتى أتوا على مسجد لبني عبسٍ، فقال رجل يقال له أبو سعد: أما إذا نشدتمونا بالله فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية.
(فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا فأعم بصره، وأطل عمره، وعَرِّضْهُ للفتن.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت؟ قال: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد.
(1)
وقال الذهبي:
يقال إن رجلاً وشى على بسر بن سعيد عند الوليد بن عبد الملك بأنه يعيبكم.
قال: فأحضره وسأله، فقال: لم أَقُلْهُ؛ اللهم إن كنتُ صادقًا فأرني به آية، فاضطرب الرجل فمات.
(2)
(وخاصمت أروى بنت أويس سعيد بن زيد رضي الله عنه عند مروان ابن الحكم أمير المدينة وادَّعت عليه أنه أخذ من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: وما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ”من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طُوِّقه إلى سبع أرضين“
ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تتلمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها 3.
(3) الإمام العادل:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في سلسلة الأحاديث الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاثة لا يُردُّ دعاؤُهم: الذاكر لله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المُقسِط“.
(4) دعوة الذاكر لله كثيراً:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في سلسلة الأحاديث الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاثة لا يُردُّ دعاؤُهم: الذاكر لله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المُقسِط“.
(5) دعوة المضطر:
قال الله تعالى: ﴿أمَّن يُجيبُ المضطَرَّ إذا دعَاهُ ويكشِفَ السُّوءَ﴾ [النمل /62]
ومما يدل على أن من أقوى أسباب الإجابة الاضطرار حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل أغلقت الغار عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله تعالى واسألوا الله بها لعله يفرجها عنكم، فدعوا الله تعالى بصالح أعمالهم فارتفعت الصخرة فخرجوا يمشون 1.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فناء بي في طلب شيء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأدرتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون).
(6) دعوة من دعا بدعوة ذي النون:
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة ذي النون إذ دعا بها و هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:" ألا أخْبِرُكُمُ بِشَيْءٍ إذَا نَزَلَ بِرَجُلِ مِنْكُمُ كَرْبٌ أو بَلاَءٌ مِنْ أمْرِ الدُّنْياَ دَعَا بِهِ فَفُرِّجَ عنه؟ دُعَاءُ ذِي النُّوُنِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ".
(وذو النون: هو نبي الله يونس عليه السلام.
(والنون: الحوت.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة ذي النون إذ دعا بها و هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.
(وذو النون: هو نبي الله يونس _ عليه السلام _،
(والنون: الحوت.
فهذا سيدنا يونس عليه السلام ألقي في اليم فالتقمه الحوت وأسدل الليل البهيم ستاره المظلم عليه، فالتجأ إلى الله ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فأنجاه الله، حتى إذا خرج إلى شاطئ السلامة، تلقفته يد الرحمة الإلهية والعناية الربانية فأظلته تحت شجرة اليقطين.
قال تعالى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:87 - 88].
قال القرطبي في تفسير هذه الآية:
وفي الخبر في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه، وينجيه كما أنجاه، وهو قوله: [وكذلك ننجي المؤمنين] 1
وقال ابن كثير في قوله تعالى: [وكذلك ننجي المؤمنين]: أي إذا كانوا في الشدائد، ودعونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء؛ فقد جاء الترغيب به في الدعاء به عند سيد الأنبياء.
2
﴿تنبيه﴾: (هذا الدعاء من أعظم أنواع الدعاء، لاشتماله على الآتي:
أولاً: على توحيد الله (لا إله إلا أنت)
وهو أعظم وسيلة إلى الله تعالى، وأعظم طاعة وأعظم وقربة.
ثم ثنى بالتنزيه (سبحانك) تنزيه الله عما لا يليق به عز وجل، فكل ما يفعل، وكل ما يقدر فله فيه الحكمة البالغة، فهو منزه عما لا يليق بجلاله وكماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعظيم شأنه.
ثم ثلث ببيان عجزه وضعفه وفقره وظلمه لنفسه، وهكذا كل عبد بالنسبة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينبغي له أن يكون كذلك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]
(7) دعوة من دعا بالاسم الأعظم:
(حديث أنس في صحيح السنن الأربعة) قال سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
(حديث بريدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
(8) دعوة الولد البار بوالديه:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية أو علمٍ ينتفع به أو ولدٌ صالحٌ يدعو له.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الرجل لتُرْفَع درجته في الجنة فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك.
ومن ذلك حديث الثلاثة الذين انحدرت عليهم الصخرة، فإن منهم رجلاً كان برَّاً بوالديه فتوسل بذلك العمل الصالح فاستجاب الله دعاءه
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فناء بي في طلب شيء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأدرتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون).
(ومن ذلك: قصة أويس القرني
إخبار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أفضل التابعين، وأنه لو أقسم على الله لأبره، والسبب أن له والدة هو بها برٌ.
(حديث عمر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل.
(9) دعوة من أحبه الله ورضي عنه:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
وهذا المحبوب المقرب الذي له عند الله منزلة عظيمة إذا سأل الله شيئاً أعطاه، وإن استعاذ به من شيء أعاذه، وإن دعاه أجابه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته على ربه عز وجل.
(قصص لمستجابي الدعاء:
(سعد ابن أبي وقاص:
كان سعد ابن أبي وقاص مجاب الدعوة فكذب عليه رجل فقال اللهم إن كان كاذبا فاعم بصره وأطل عمره وعرضه للفتن فأصاب الرجل ذلك كله فكان يتعرض للجواري في السكك ويقول شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد ودعا علي رجل سمعه يشتم عليا فما برح من مكانه حتى جاء بعير ناد فخبطه بيديه ورجليه حتى قتله.
(سعيد بن زيد:
(وخاصمت أروى بنت أويس سعيد بن زيد رضي الله عنه عند مروان ابن الحكم أمير المدينة وادَّعت عليه أنه أخذ من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: وما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ”من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طُوِّقه إلى سبع أرضين“
ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تتلمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها 1.
(أُبَيُّ ابن كعب
وكان أُبَيُّ رضي الله عنه مستجاب الدعوة فيحكي ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لجمع من الصحابه:
أخرجوا بنا إلى أرض قومنا فكان ابن عباس مع أبى بن كعب في مؤخرة الناس, فهاجت سحابه, فدعا أُبَىّ قائلاً: اللهم اصرف عنا أذاها.
فلحق ابن عباس وأبى الناس, فوجدوا إن رحالهم ابتلت: فقال عمر ما أصابكم؟ (أى: كيف لم تبل رحالكما؟) فقال ابن عباس: إن أبيّا قال: اللهم اصرف عنا أذاها.
فقال عمر فهلا دعوتم لنا معكم.
(عبد الله بن جحش:
عبد الله بن جحش قال يوم أحد يارب إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك فأقول فيك وفي رسولك فتقول صدقت قال سعيد لقد لقيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط.
(قصة حصلت في عهد أبي موسى الأشعري:
احترقت خصاص بالبصرة في زمن أبي موسي الأشعري وبقي في وسطها خص لم يحترق فقال أبو موسي لصاحب الخص ما بال خصك لم يحترق فقال إني أقسمت على ربي أن لا يحرقه فقال أبو موسي إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في أمتي رجال طلس رؤوسهم دنس ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم.
(العلاء بن الحضرمي:
كان العلاء بن الحضرمي في سرية فعطشوا فصلي ثم قال اللهم ياعليم ياحكيم ياعلي ياعظيم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ ولا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا فساروا قليلا فوجدوا نهرا من ماء السماء يتدفق فشربوا وملأوا أوعيتهم ثم ساروا فرجع بعض أصحابه إلى موضع النهر فلم ير شيئا وكأنه لم يكن في موضعه ماء قط وشكا أنس بن مالك عطش أرضه في البصرة فتوضأ وخرج إلى البرية وصلي ركعتين ودعا فجاء المطر وسقا أرضه ولم يجاوز المطر أرضه إلا يسيرا.
(أبو مسلم الخولاني:
كان أبو مسلم الخولاني مشهورا بإجابة الدعوة فكان يمر به الضب فيقول له الصبيان ادع الله لنا أن يحبس علينا هذا الضب فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم ودعا على امرأة أفسدت عليه عشرة امرأة له بذهاب بصرها فذهب بصرها في الحال فجاءته فجعلت تناشده بالله وتطلب من الله فرحمها ودعا الله تعالى فرد عليها بصرها ورجعت امرأته إلى حالها معه.
(مطرف ابن عبد الله بن الشخير:
وكذب رجل على مطرف ابن عبد الله بن الشخير فقال له إن كنت كاذبا فعجل الله حتفك فمات الرجل مكانه.
(عطاء السليمي:
كان عطاء السليمي لا يكاد يدعو، إنما يدعو لبعض أصحابة ويؤمن، قال: فحبس بعض أصحابة فقيل له: ألك حاجة؟ قال: دعوة من عطاء إن يفرج الله عني.
قال صالح فانتبه فقلت: يا أبا محمد، أما تحب أن يفرج الله عنك؟ قال
بلى والله أني لا حب ذاك قلت: فان جليسك فلان قد حبس فادع الله أن يفرج عنه فرفع يديه وبكى وقال الهي تعلم حاجتنا قبل أن نسألكها فاقضها لنا قال صالح فو الله مابرحنا من البيت حتى دخل الرجل.
1
(صلة بن أشيم:
وكان صلة بن أشيم في سرية فذهبت بغلته بثقلها وارتحل الناس فقام يصلي فقال اللهم إني أقسم عليك أن ترد على بغلتي وثقلها فجاءت حتى قامت بين يديه وكان مرة في برية فقرأ فجاع فاستطعم الله وجبة خلفه فإذا هو بثوب أو منديل فيه دوخلة رطب طري فأكل منه وبقي الثوب عند امرأته معاذة العدوية وكانت من الصالحات.
(محمد بن المنكدر:
وكان محمد بن المنكدر في غزاة فقال له رجل من رفقائه اشتهي رطبا جنيا فقال ابن المنكدر استطعموا الله يطعمكم فإنه القادر فدعا القوم فلم يسيروا إلا قليلا حتى رأوا مكتلا مخيطا فإذا هو خير رطب فقال بعض القوم لو كان عسلا فقال ابن المنكدر إن الذي أطعمكم رطبا جنيا ها هنا قادر على أن يطعمكم عسلا فاستطعموه فدعوا فساروا قليلا فوجدوا ظرف عسل على الطريق فنزلوا وأكلوا.
(الحسن البصري:
كان رجل من الخوارج يغشي مجلس الحسن البصري فيؤذيهم فلما ازداد أذاه قال الحسن اللهم قد عملت أذاه لنا فاكفناه بما شئت فخر الرجل من قامته فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سريره.
(حبيب العجمي:
كان حبيب العجمي أبو محمد معروفا بإجابة الدعوة دعا لغلام أقرع الرأس وجعل يبكي ويمسح بدموعه رأس الغلام فما قام حتى اسود رأسه وعاد كأحسن الناس شعرا.
وكان مرة عند مالك بن دينار فجاء رجل فأغلظ لمالك من أجل دراهم قسمها مالك فلما طال ذلك من أمره رفع حبيب يده إلى السماء فقال اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك فأرحنا منه كيف شئت فسقط الرجل على وجهه ميتا.
(صفوان بن محرز:
اخذ عبيد الله بن زياد ابن أخي لصفوان بن محرز فحبسه في السجن فلم يدع صفوان شريفا بالبصرة يرجوا منفعة إلا تجمل به عليه فلم ير لحاجته نجاحا فغاب في مصلاة حزينا فإذا آت قد أتاه في منامه فقال: يا صفوان قم فاطلب حاجتك من وجهها.
قال: فانتبه فزعا فقام وتوضأ ثم صلى ثم دعا.
فأرق ابن زياد (الذي سجن ابن أخيه ولم يستطع النوم) فقال: علي بابن أخي صفوان بن محرز فجاء الحراس وجيء بالنيران وفتحت تلك الأبواب الحديد في جوف الليل فقيل: أين ابن أخي صفوان بن محرز؟ أخرجوه فاني قد منعت من النوم منذ الليلة فاخرج فأتى به إلى زياد فكلمه ثم قال: انطلق بلا كفيل ولا شيء فما شعر صفوان حتى ضرب عليه أخيه بابه، قال صفوان من هذا؟ قال: أنا فلان.
1
(أبو قلابة:
وخرج أبو قلابة صائما حاجا فتقدم أصحابه في يوم صائف فأصابه عطش شديد فقال اللهم إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر فأظلته سحابة فأمطرت عليه حتى بلت ثوبه وذهب العطش عنه فنزل فحوض حياضا فملأها فانتهي إليه أصحابه فشربوا وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء.
1
(قصة عبد الواحد بن زيد:
خرجت في بعض غزواتي في البحر، ومعي غلام لي له فضل، فمات الغلام فدفنته في جزيرة فنبذته الأرض ثلاث مرات في ثلاثة مواضع، فبينا نحن وقوف نتفكر ما نصنع له إذ انتقضت النسور والعقيان فمزقوه حتى لم يبق منه شيء فلما قدمنا البصرة أتيت أم الغلام فقلت لها: " ما كانت حال ابنك؟ قالت: خيرا كنت اسمعه: يقول: " اللهم احشرني من حواصل الطير " 2.
(حبيب بن أبي ثابت:
جيء بحبيب بن أبي ثابت وسعيد بن حبيب وطلق بن حبيب يراد بهم الحجاج ـ قال: فأصابهم عطش وخوف فقال سعيد لحبيب: ادع الله فقال له حبيب أني أراك أوجه مني قال: فدعا سعيد وأمن أصحابه فرفعت سحابة فمطروا وشربوا وسقوا واستقوا.
3
(عن أصبغ ابن زيد قال: مكثت أنا ومن عندي ثلاثا لم نطعم شيئا من الجوع، فخرجت إلي ابنتي الصغيرة وقالت يا أبتي الجوع، تشكو الجوع، قال فأتيت مكان الوضوء – انظروا إلى من اللجاءة، انظروا إلى من يلجئون- فتوضأت وصليت ركعتين، وألهمت دعاء دعوت به وفي آخره: اللهم افتح علي رزقا لا تجعل لأحد علي فيه منة، ولا لك علي فيه في الآخرة تبعة برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم انصرفت إلى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قامت إلي وقالت: يا أبه جاء رجل يقول أنه عمي بهذه الصرة من الدراهم وبحمال عليه دقيق وحمال عليه من كل شيء في السوق، وقال: أقرءوا أخي السلام وقول له إذا احتجت إلى شيء فأدعو بهذا الدعاء تأتيك حاجتك.
قال أصبغ ابن زيد والله ما كان لي أخو قط، ولا أعرف من كان هذا القائل، ولكن الله على كل شيء قدير.
فقلت للفكر لما صار مضطربا....... وخانني الصبر والتفريط والجلد
دعها سماوية تمشي على قدر........ لا تعترضها بأمر منك تنفسد
فحفني بخفي اللطف خالقنا........ نعم الوكيل ونعم العون والمدد
(وعن شقيق البلخي قال: كنت في بيتي قاعدا فقال لي أهلي قد ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحل لك أن تحمل عليهم ما لا طاقة لهم به، قال فتوضأت – نرجع إلى السبب الذي كانوا يدورون حوله رضوان الله عليهم- فتوضأت وكان لي صديق لا يزال يقسم علي بالله إن يكون لي حاجة أعلمه بها ولا أكتمها عنه، فخطر ذكره ببالي، فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد، فذكرت ما روي عن أبي جعفر قال: من عرضت له حاجة إلى مخلوق فليبدأ فيها بالله عز وجل، قال فدخلت المسجد فصليت ركعتين، فلما كنت في التشهد أفرغ علي النوم، فرأيت في منامي أنه قيل: يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه، يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه، قال فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني فيه ربي، فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة، ثم تركت الذهاب لصاحبي وتوكلت على الله، ثم انصرفت إلى المنزل فوجدت الذي أردت أن اقصد قد حركه الله وأجرى لأهلي على يديه ما أغناهم.
قال مالك بن دينار:
خرجت إلى الحج وفيما أنا سائر في البادية، إذ رأيت غراباً فى فمه رغيف، فقلت: هذا غراب يطير وفى فمه رغيف، إن له لشأناً، فتتبعته حتى نزل عند غار، فذهبت إليه فإذا بي أرى رجلا مشدوداً لا يستطيع فكاكاً، والرغيف بين يديه، فقلت للرجل: من تكون؟ قال: أنا من الحجاج وقد أخذ اللصوص مالي و متاعي وشدوني و ألقوني في هذا الموضع، كما ترى وصبرت على الجوع
أياماً ثم توجهت إلى ربى بقلبي وقلت: يا من قال في كتابه العزيز:
(أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء (فأنا مضطر فارحمني فأرسل الله إلى هذا الغراب بطعامي.
في هذا الموقف نرى حال الداعي قد أثر في إجابة دعوته فقد كان مضطراً فقد كل الأسباب ولم يبق له إلا باب السماء.. والله حرمه من الأسباب ليتعلم أن يتعلق قلبه برب الأسباب لا بالأسباب حتى إذا عاد للحياة الطبيعية و أصبحت الأسباب فى يده لم يلتفت إليها......
((قصة الحسن البصري مع الحجاج بن يوسف الثقفي)
بنى الحجاج بن يوسف الثقفى داراً بواسط بالعراق فدعا الناس للفرجة والدعاء بالبركة..
فذهب الحسن البصرى رضى الله عنه إلى هناك فوقف خطيباً في الناس ليلفت الناس عن الانبهار بالزخارف إلى كراهية الظلم الذى يمارسه الحجاج بن يوسف وقال فيه كلاما غليظا، فلما أشفق الناس عليه من بطش الحجاج قال: لقد أخذ الله ميثاق أهل العلم لتبيننه للناس ولا تكتمونه... ثم انصرف ولما بلغ الحجاج ما حدث استشاط غيظاً ولام أتباعه على عدم الرد عليه و أخبرهم أنه سيجعله عبرة للناس و أرسل فى طلبه وأعد فى مجلسه النطع والسياف فظن الناس أنه قاتله وقبل أن يدخل الحسن البصرى إلى مجلس الحجاج
تمتم بكلمات فلما دخل عليه فوجىء الناس بأن الحجاج يحسن استقباله وأجلسه بجواره وطيب لحيته وسأله فى بعض المسائل ثم أذن له بالإنصراف..
وما أن غادرالحسن البصرى المجلس حتى جرى الحاجب خلفه وسأله ناشدتك الله ما هذه الكلمات التى كنت تتمتم بها فإن الحجاج ما استدعاك ليطيب لحيتك؟
فقال الحسن: قلت: اللهم ياولى نعمتى وملاذى عند كربتى، اللهم اجعل عقوبته لى برداً وسلاما كما جعلت الناربردا وسلاماًً على إبراهيم.
روى غيلان بن جرير البصري:
أن رجلا كذب على مطرف بن عبد الله الحافظ البصري المتوفى سنة 95 فقال مطرف، اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر مكانه ميتا.
طبقات الحفاظ الذهبي 1: 60، دول الاسلام 1: 47، الإصابة 3: 479، تهذيب التهذيب 1: 173.
((امرأة تلد بدعاء مالك ابن أربع سنين)
أخرج البيهقي في السنن الكبرى 7: 443 بإسناده عن هاشم المجاشعي قال: بينما مالك بن دينار - المتوفى 123 وقيل غير ذلك - يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيى! ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد، فغضب مالك و أطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء، ثم دعا فقال: أللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجها عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت أسراره.
(السختياني ينبع الماء
أخرج أبو نعيم في (حلية الأولياء) 3: 5 بالإسناد عن عبد الواحد بن زيد قال:
كنت مع أيوب السختياني (4) على حراء فعطشت عطشا شديدا حتى رأى ذلك في وجهي فقال.
ما الذي أرى بك؟ قلت: العطش، وقد خفت على نفسي،
قال: تستر علي؟ قلت: نعم.
قال: فاستحلفني فحلفت له أن لا أخبر عنه ما دام حيا، قال: فغمز برجله على حراء فنبع الماء فشربت حتى رويت وحملت معي من الماء قال: فما حدثت به أحدا حتى مات.
وفي [الروض الفائق] ص 126: كان جماعة مع أيوب السختياني في سفر فأعياهم طلب الماء فقال أيوب: أتسترون علي ما عشت؟
فقالوا: نعم.
فدور دائرة فنبع الماء قال: فشربنا فلما قدموا البصرة أخبر به حماد بن زيد.
قال عبد الواحد بن زيد: شهدت معه ذلك اليوم.
(حضور غائب بدعاء معروف الكرخي
ذكر الإمام أبو محمد ضياء الدين الشيخ أحمد الوتري الشافعي المتوفى بمصر في عشر الثمانين والتسعمائة في كتابه (روضة الناظرين) ص 8 نقلا عن خليل بن محمد الصياد إنه قال: غاب أبي فتألمت فجئت إلى معروف - الكرخي المتوفى 200/ 1 / 4 - فقلت: غاب أبي فقال: ما تريد؟ قلت: رجوعه.
قال: أللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك وما بينهما لك ائت بمحمد، فأتيت باب الشام فإذا هو واقف فقلت: أين كنت؟
(ومن المواقف الجميلة الطريفة في فضل الدعاء أنه كان لسعيد ابن جبير ديكا، كان يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح، فلم يصلي سعيد قيام الليل تلك الليلة فشق عليه ذلك، فقال ماله قطع الله صوته –يعني الديك-؟
وكان سعيد مجاب الدعوة، فما سمع للديك صوت بعد ذلك الدعاء، فقالت أم سعيد: يا بني لا تدعو على شيء بعدها.
((وليس معنى أن الدعوة المجابة إقتصرت عليهم بل إن القصص المعاصرة لمن أستجيب دعاءهم كثيرة فهذا يدعو بالشفاء عندما استعصى الاطباء فيشفى وهذه تدعو بحفظ ولدها فيحفظه الله وهذا يدعو بالتيسير في الحج مع شدة الحال فيسر الله له ومثل هذا كثير جعلنا الله وإياكم من أولياءه وأحبابه ووأصفياءه.
(هذه قصه واقعيه حدثت في وقتنا الحاضر لمعلمة في مكه المكرمه 0
كان هناك مجموعه من المعلمات تعاقدنا مع سائق يوصلهن من منازلهن للمدرسه والعكس وكان هذا السائق يعرف وقت صرف الرواتب وفي يوم ركبنا المعلمات معه ويعرف أنهن استلمن رواتبهن فأخذ السائق بتوصيل المعلمات واحد تلو الأخرى وبقيت معلمه واحده تنظر دورها أن يوصلها الى منزلها ولكنها تفأجأت أن السائق غير من طريق البيت واخذ يتجه إلى طريق جدة أخذت المعلمه تناديه يافلان يا فلان هذا ليس طريق المنزل لكن لم يرد عليها وبعد محاولات فاشله لاستعطافه أيقنت انه طمع فيها، أثناء قيادته السياره سجدت المعلمه على أرضية السياره وأخذت تدعو يامغيث 0000000
وخرجت هذه الدعوه من قلب مكروب!!!
وفجأه!!!!
ضرب السائق فرامل لأن هناك سياره اعترضته رفعت المعلمه رأسها تخيلوا من كان في السياره المعترضه
إنه أبوها وأخوها فرحت لوهله ثم انتابها خوف لوجودها في هذا المكان مع السائق ماذا سيقول أباها وأخاها عنها!!!
وفتح أبوها الباب واخذ بيد ابنته إلى السياره و انطلق مباشره دون التكلم مع السائق ولا مع ابنته ودارت الأفكار برأس
المعلمه؟؟ وصلوا إلى البيت نزلت المعلمه مسرعه نحو أمها حتى تشرح لها الوضع قبل دخول والدها تفأجأت بوجود والدها و اخوها على مائدة الغداء أماه م م م متى كيف اشلون كانو في السياره يامههههه وانا سبقتهم في الدخول
أجابت الأم هم موجودون منذ ساعتين.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إذن من الذين كانوا في السياره؟؟؟
هل تعرفون من هم؟؟
إنهم الملائكة ومن رحمة الله بها انه جعلهم على صورة والدها واخوها حتى لا تخاف 0
يا الله انك أرحم بنا من امهاتنا0
((قصة لمريض شفاه الله تعالى بالدعاء)
والقصة لصديق يعمل مهندسا كان قد أصيب بالتهاب رئوي أدى إلى خراج على الرئة..
حاول الأطباء علاجه مدة شهرين كاملين وأعطوه كل أنواع المضادات بلا فائدة، حتى فقد وزنه واقترب من نهايته..
وفى يوم من الأيام وبعد مغادرة الأطباء للمستشفى الذى كان يقيم فيه توجه إلى ربه وقال: يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء اشفني وعافني.
وأخذ يبتهل ويردد الدعاء حتى شعر أن شيئاً في صدره يريد أن يخرج وبعد سعال خفيف خرجت كرة من الصديد وضعها في إناء بجواره وشعر بتحسن تام بعدها لقد أصبح قادراً على الحركة مرة أخرى، وكانت المفاجأة حينما جاء الأطباء فى الغد..
ووضع الطبيب سماعته على صدره فلم يسمع شيئا مما كان يسمعه ووجد ابتسامته تعلو وجهه وقبل أن ينطق الطبيب قال صديقي: لقد شفاني الله بالدعاء.
فكم من مرضى أقرباء لنا حاروا مع العلاجات والأطباء فلابد من أن ننصحهم مع أخذهم بأسباب الشفاء ومع استمرارهم فى الدواء أن يتضرعوا ويلجأوا إلى ربهم عز وجل بالدعاء (دعاء المضطر) والله هو الذى يجيب فهو قادر على كل شىء سبحانه...
) (وهذه قصةٌ مُبْكِيَة
هذة قصة حقيقية حصلت أحداثها ما بين الرياض وعفيف لأن صاحبة القصة أقسمت على كل من يسمعها أن ينشرها للفائدة فتقول:
لقد كنت فتاة مستهترة اصبغ شعري بالأصباغ الملونة كل فترة وعلى الموضة وأضع المناكير ولا أكاد أزيلها إلا للتغيير، أضع عبايتي على كتفي أريد فقط فتنة الشباب لا إغوائهم، أخرج إلى الأسواق متعطرة متزينة ويزين إبليس لي المعاصي ما كبر منها وما صغر وفوق هذا كلة لم اركع لله ركعة واحدة بل لا اعرف كيف اصلي والعجيب أني مربية
أجيال معلمة يشار لها بعين احترام فقد كنت ادرس في احد المدارس البعيدة من مدينة الرياض فقد كنت اخرج من منزلي مع صلاة الفجر ولا أعود حتى صلاة العصر المهم أننا كنا مجموعة من المعلمات وكنت أنا الوحيدة التي لم أتزوج.
فمنهن المتزوجة حديثا ومنهن الحامل ومنهن التي أخذت أجازة أمومة وأيضا كنت أنا الوحيدة التي نزع مني الحياء فقد كنت أحدث السائق وأمازحه كأنة أحد أقاربي ومرت الأيام وما زلت على طيشي وضلالي وفي صباح احد الايام استيقظت متأخرة وخرجت بسرعة وركبت السيارة وعندما التفتت لم أجد سواي في المقاعد الخلفية سألت السائق فقال فلانة مريضة وفلانة قد ولدت و. و. فقلت في نفسي ما دام الطريق طويل سأنام حتى نصل فنمت ولم استيقظ إلا من وعرة الطريق فنهضت خائفة ورفعت الستار ما هذا الطريق وما الذي صار؟؟؟؟ فلان أين تذهب بي؟؟؟؟؟؟؟ قال لي بكل وقاحة الآن ستعرفين فقد عرفت مخططة قلت له وكلي خوف يا فلان أما تخاف الله أتعلم عقوبة ما تنوي فعلة وكلام كثير أريد أن أثنية عما يريد فعلة وكنت اعلم أني هالكة لا محالة فقال بثقة إبليسية لعينة أما خفتي الله أنتي؟
وأنتي تضحكين بغنج وميوعة وتمازحينني؟؟؟؟ ولا تعلمين أنك فتنتيني وأني لن أتركك حتى آخذ ما أريد بكيت صرخت ولكن المكان بعيد ولا يوجد سوى أنا وهذا الشيطان المارد مكان صحراوي مخيف... مخيف... رجوتة وقد أعياني البكاء وقلت بيأس واستسلام إذاً دعني أصلي لله ركعتين لعل اللة يرحمني فوافق بعد أن توسلت علية نزلت من السيارة وكأني أقاد إلى ساحة الإعدام صليت ولأول مرة في حياتي صليتها بخوف وبرجاء والدموع تملأ مكان سجودي توسلت لله تعالى أن يرحمني ويتوب علي وصوتي الباكي يقطع هدوء المكان وفي لحظة وأنا أنهي صلاتي تتوقعون مالذي حدث؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وكانت المفاجأة ما الذي أراه؟ إنني أرى سيارة أخي قادمة نعم إنه أخي وقد قصد المكان بعينة لم أفكر بلحظة كيف عرف مكاني ولكني فرحت بجنون وأخذت اقفز... وأنادي... وذلك السائق ينهرني ولكني لم أبالي به.... من أرى أنه أخي الذي يسكن الشرقية وأخي الآخر الذي يسكن معنا فنزل أحدهما وضرب السائق بعصا غليظة وقال اركبي مع احمد في السيارة وأنا سآخذ هذا السائق واضعة في سيارة بجانب الطريق... ركبت مع احمد والذهول يعصف بي وسألته هاتفةً كيف عرفتما بمكاني وكيف جئت من الشرقية؟ ومتى؟ قال في البيت تعرفين كل شيء وركب محمد معنا وعدنا للرياض وأنا غير مصدقة لما يحدث وعندما وصلت إلى المنزل ونزلت من السيارة قالا لي أخوتي اذهبي إلى أمنا واخبريها الخبر وسنعود بعد قليل ونزلت مسرعة اخبر أمي دخلت عليها في المطبخ واحتضنتها وأنا ابكي واخبرها بالقصة قالت لي بذهول وأحمد فعلا في الشرقية وأخوك محمد ما زال نائما فذهبنا إلى غرفة محمد فوجدناه فعلا نائم أيقظته كالمجنونة لأساله ما الذي يحدث فأقسم بالله العظيم أنة لم يخرج من غرفتة ولا يعلم بالقصة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ذهبت إلى سماعة الهاتف تناولتها وأنا أكاد أجن فسالت أخي الآخر فقال ولكنني في عملي الآن بعدها بكيت وعرفت كل إلي حصل إنهما ملكين أرسلهما ربي لينقذني فحمدت الله تعالى على ذلك وكانت هي سبب هدايتي ولله الحمد والمنة بعدها انتقلت الى منطقة عفيفة وابتعدت عن كل ما يذكرني بالماضي المليء بالمعاصي والذنوب.
(وذكر أحد الدعاة في بعض رسائله أن رجلا من العباد كان مع أهله في الصحراء في جهة البادية، وكان عابدا قانتا منيبا ذاكرا لله، قال فانقطعت المياه المجاورة لنا وذهبت التمس ماء لأهلي فوجدت أن الغدير قد جف، فعدت إليهم ثم التمسنا الماء يمنة ويسرة فلم نجد ولو قطرة، وأدركنا الظمأ واحتاج أطفالي للماء، فتذكرت رب العزة سبحانه القريب المجيب، فقمت وتيممت واستقبلت القبلة وصليت ركعتين، ثم رفعت يدي وبكيت وسالت دموعي وسألت الله بإلحاح وتذكرت قوله:
(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل /62]
قال وما هو والله إلا أن قمت من مقامي وليس في السماء من سحاب ولا غيم، وإذا بسحابة قد توسطت مكاني ومنزلي في الصحراء، واحتكمت على المكان ثم أنزلت ماءها فامتلأت الغدران من حولنا وعن يميننا وعن يسارنا فشربنا واغتسلنا وتوضئنا وحمدنا الله سبحانه وتعالى، ثم ارتحلت قليلا خلف هذا المكان وإذا الجدب والقحط، فعلمت أن الله ساقها لي بدعائي، فحمدت الله عز وجل:
(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)
[الشورى /28]
(وذكر أيضا أن رجلا مسلما ذهب إلى إحدى الدول والتجأ بأهله إليها، وطلب بأن تمنحه جنسية، قال فأغلقت في وجهه الأبواب، وحاول هذا الرجل كل المحاولة وستفرغ جهده وعرض الأمر على كل معارفه، فبارت الحيل وسدت السبل، ثم لقي عالما ورعا فشكا إليه الحال، فقال له عليك بالثلث الأخير من الليل فأدعو مولاك، إنه الميسر سبحانه وتعالى، قال هذا الرجل: ووالله فقد تركت الذهاب إلى الناس وطلب الشفاعات، وأخذت أداوم على الثلث الأخير كما أخبرني ذلك العالم، وكنت أهتف لله في السحر وأدعوه، وما هو إلا بعد أيام وتقدمت بمعروض عادي ولم اجعل بيني وبينهم واسطة فذهب هذا الخطاب وما هو إلا أيام وفوجئت وأنا في بيتي أني ادعى وأسلم الجنسية، وكنت في ظروف صعبة.
إن الله سميع مجيب، ولطيف قريب، لكن التقصير منا، لابد أن نلج على الله وندعوه، وابشروا:
(إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ).
(أسباب تأخير إجابة دعاء المظلومين على الظالمين:
من أسباب تأخير إجابة دعاء المظلومين على الظالمين ما قاله الله جل وعلا: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الابْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) [إبراهيم 42، 43]
قيل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان أهل الجاهلية يدعون على الظالم، وتعجل عقوبته، حتى إنهم كانوا يقولون: عش رجباً ترى عجباً، أي أن الظالم تأتيه عقوبته في شهر رجب، كناية عن قرب نزول العقوبة به، قالوا له: ونحن اليوم مع الإسلام ندعو على الظالم فلا نجاب في أكثر الأمر، فقال عمر رضي الله عنه: هذا حاجز بينهم وبين الظلم، إن الله عز وجل لم يعجل العقوبة لكفار هذه الأمة، ولا لفساقها، فإنه تعالى يقول: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [القمر /46]
وقد يكون من سبب تأخير استجابة الدعاء عليهم أن الله عز وجل أراد لهم أشد العذاب، ولما يبلغوا درجته الآن، فيمهلهم الله حتى يبلغوا تلك الدرجة من البغي والطغيان، حتى يستحقوا ذلك الدرك من النار الذي أعده الله لهم.
(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران /178]
(ومن أسباب تأخير استجابة الدعاء على الظالمين، أننا نحن الذين نظن أن الاستجابة قد تأخرت لأن الأيام في منظور البشر طويلة، بينما هي في عين الله قصيرة، وقد قال الله جل وعلا: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) [الحج /47]
ولكن يتساءل الناس متى ثم تأتي الإجابة (وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ) [الحج /47، 48]
قال بعض أهل التفسير كان بين دعاء موسى على فرعون، وبين إهلاك فرعون بالغرق أربعون سنة.
(الاعتداء في الدعاء:
(هناك أخطاء عديدة تقع في الدعاء، وهذه الأخطاء داخلة في باب الاعتداء في الدعاء.
(حديث عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور و الدعاء.
فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به _ فهو اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله.
1
(تَعْرِيَفُ الاِعْتِدَاءِ في الدعاء:
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
اَلْمُعْتَدِيِ هو اَلْمُجَاوِزُ لِلْحَدِّ ومُرْتَكِبُ اَلْحَظْرِ 0
وقال الفخر الرازي ﴿اَلْمُعْتَدِينَ﴾ أي: اَلْمُجَاوِزِينَ ما أمِرُوا بِهِ0
وقال ابن منظور 2: يُقَالُ: تَعَدَّيْتُ الحَقَّ، واِعْتَدَيْتُهُ، وعَدَوْتهُ، أي: جَاوُزْتهُ، وفي الحديث: " سيكون قوم يعتدون في الدُّعَاءِ "،
هو الخُرُوجُ فيه عن الوضع الشَّرْعِيِّ والسُّنَّةُ المأثورة 000وقال: أصل هذا كلِّه: مُجَاوَزَةُ اَلْحَدِّ، وَاَلْقَدْرِ، وَاَلْحَقِّ 0
اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيم يَنْهَى عَنْ اَلاِعْتِدَاءِ فِيِ اَلْدُّعَاءِ:
قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتدِينَ﴾ (الأعراف/55)
عَنْ اِبْن عَبَّاس رضي الله عنهما قال: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاء وَلا فِي غَيْره 3
وعن قتادة قال: تَعَلَّمُوا أنَّ في بَعْضِ الدُّعَاءِ اِعْتِدَاءٌ فَاجْتَنِبُوا العُدْوَانَ وَالاِعْتِدَاءَ إنْ اسْطَعَتْمُ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله 4
وقال الطبري: وأمَّا قوله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّهُ لا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّ رَبّكُمْ لا يُحِبّ مَنْ اِعْتَدَى فَتَجَاوَزَ حَدّه الَّذِي حَدَّهُ لِعِبَادِهِ فِي دُعَائِهِ وَمَسْألَته رَبّه 5
اَلْسُّنَّةُ اَلْمُطَّهَرَةُ تَنْهَى عَنْ اَلاِعْتِدَاءِ فِيِ اَلْدُّعَاءِ:
نَهَتْ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطَهَرِّةُ وحَذَرَتْ مِنَ الاِعْتِدَاءِ في الدُّعَاءِ،
(حديث عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور و الدعاء.
(الاِعْتِدَاءِ فِيِ اَلْدُّعَاءِ يَمْنَعُ مِنَ اَلإجَابَةِ وَاَلْقَبُولِ:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا و إما أن يدخر له في الآخرة ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلاَّ أعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاث: ٍ إِمَّا أنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أنْ يَصْرِف عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا" قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ:" اللَّهُ أكْثَرُ "0
قال القرطبي تعليقاُ على الحديث:
وحديث أبي سعيد الخدري وإنْ كان إذناً بالإجابة في إحدى ثلاث، فقد دَلَّكَ على صِحَةِ اِجْتِنَابِ الاعْتِدَاء الْمَانِع مِنْ الإجَابَة حيث قال فيه: " لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ " 1
وقال القُرْطِبِيُّ في موضع آخر عن الاعتداء في الدعاء هو: أن يَدْعُو بما ليس في الكِتَابِ والسُّنَّةِ؛ فَيَتَخَيْرَ ألفاظا مُفْقِرَةٍ وكلمات مُسَّجَعَةٍ قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا مُعَوَلٍ عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دَعَا به رسوله عليه السلام، وكُلُّ هذا يَمْنَعُ مِنْ اِسْتَجَابَةِ الدُّعَاءِ 2.
وقال البغوي: إن للدعاء آدابا وشرائط، وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخَلَّ بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة 3
(وفيما يلي ذكر لبعض صور الاعتداء في الدعاء اَلْمَنْهِيُّ عَنْهَا جملةً وتفصيلا:
(أولاً صور الاعتداء في الدعاء اَلْمَنْهِيُّ عَنْهَا جملةً:
(1) أن يشتمل الدعاء على شيء من التوسلات الشركية:
(2) أن يشتمل على شيء من التوسلات البدعية:
(3) تمني الموت وسؤال ذلك:
(4) الدعاء بتعجيل العقوبة:
(5) الدعاء بما هو مستحيل، أو بما هو ممتنع عقلاً أو عادةً، أو شرعًا:
(6) الدعاء بأمر قد فرغ منه:
(7) أن يدعو بما دل الشرع على عدم وقوعه:
(8) الدعاء على الأهل والأموال والنفس:
(9) كأن يدعو على شخص أن يكون مدمنًا للخمر، أو أن يميته الله كافرًا، أو أن يبتلى بالزنا أو غير ذلك، أو أن يدعو الله أن ييسر له الفساد والفجور.
(10) الدعاء بقطيعة الرحم:
(11) الدعاء بانتشار المعاصي:
(12) تحجير الرحمة:
(13) ترك الأدب في الدعاء:
(14) الدعاء على وجه التجربة والاختبار لله تعالى:
(15) أن يكون غرض الداعي فاسدًا:
(16) أن يعتمد العبد على غيره في الدعاء:
ْ (17) اِسْتِبْدَالِ لَفْظٍ وَارِدٍ (مَأثُور) بِغَيْرِهِ:
(18) اَلتَّغَنِي وَاَلتَّمْطِيطِ (تَحْرِيرُ النَّغَمِ):
(19) اَلتَّفْصِيلُ في اَلْدُّعَاءِ (كَثْرَةُ اَلألْفَاظِ):
(20) تَكَلُّفُ اَلْسَّجْعِ وَاَلإعْرَابِ:
(21) اَلنَّهْيُ عَنْ تَكَلِّفِ الإعْرَابِ:
(22) رَفْعُ اَلْصَّوْتِ فَوْقَ اَلْحَاجَةِ وَاَلْنَّوْحُ وَاَلبُكَاءُ:
(23) كثرة اللحن: خصوصًا إذا كان يحيل المعنى، أو كان ناتجًا عن قلة مبالاة، أو كان ناتجًا من إمام يُؤَمِّنُ الناس خلفه.
(24) قلة الاهتمام باختيار الاسم المناسب أو الصفة المناسبة:
(25) اليأس أو قلة اليقين من إجابة الدعاء:
(26) أن يفصل الداعي تفصيلاً لا لزوم له:
(27) دعاء الله بأسماء لم ترد في الكتاب والسنة:
(28) المبالغة في رفع الصوت:
(29) الدعاء بـ: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه:
(30) تعليق الدعاء على المشيئة:
(31) الإدلال على الله وترك التضرع:
(32) تصنع البكاء ورفع الصوت بذلك:
(33) تركُ الإمامِ رفعَ يديه إذا استسقى في خطبة الجمعة:
(34) الإطالة بالدعاء حال القنوت، والدعاء بما لا يناسب المقصود فيه:
(35) أن يكون الدعاء فيه طلب يناقض حكمة الله تعالى:
(36) أن يكون الدعاء مشتملاً على مناقضة شرع أمر الله به:
(37) أن يكون الدعاء محتوياً مسألة لا يليق طلبها:
(ثانياً صور الاعتداء في الدعاء اَلْمَنْهِيُّ عَنْهَا تفصيلا:
1 أن يشتمل الدعاء على شيء من التوسلات الشركية:
كأن يُدعى غير الله _ تبارك وتعالى _ من بشر، أو حجر، أو شجر، أو جن، أو غير ذلك، فهذا أقبح أنواع الاعتداء في الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة، وصرفه لغير الله شرك، والشرك أعظم ذنب عصى الله به.
2 أن يشتمل على شيء من التوسلات البدعية:
كالتوسل بذات النبي"، أو بجاهه _ عليه الصلاة والسلام _، فهذا التوسل توسل بدعي، والدين مبناه على الاتباع لا الابتداع، والبدعة بريد الكفر.
(1)
(3) تمني الموت وسؤال ذلك:
ومن مكروهات الدعاء تمني الموت، وهنا يتبين صدق المؤمن وثباته، من كذبه وضعف دينه، فبعض الناس ما إن تصيبه مصيبة، أو بلاء، إلا وتراه يسأل الله الموت، فلا يصبر ولا يحتسب، بل تراه جزعاً يريد الخروج من دوامة الابتلاء والفتنة، ولا ريب أن ذاك خطأ في الدعاء، بل لا بد من الصبر لتمحيص الذنوب والخطايا، ورفعة الدرجات، وهذا هو شأن المؤمن مع ربه جل وعز.
(لحديث أنس الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي و توفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.
قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي في شرحه لهذا الحديث:
هذا نهي عن تمني الموت؛ للضر الذي ينزل بالعبد، من مرض، أو فقر، أو خوف، أو وقوع في شدة أو مهلكة أو نحوها من الأشياء؛ فإن في تمني الموت لذلك مفاسدَ منها: أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها، وهو مأمور بالصبر، والقيام بوظيفته، والصبر ينافي ذلك.
ومنها أنه يضعف النفس، ويحدث الخور والكسل، ويوقع في اليأس.
والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور، والسعي في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به.
وذلك موجب لأمرين: اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها، والسعي النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه.
ومنها أن تمني الموت جهل وحمق؛ فإنه لا يدري ما يكون بعد الموت؛ فربما كان كالمستجير من الضر إلى ما هو أفظع منه، من عذاب البرزخ وأهواله.
ومنها أن الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها، والقيامِ بها، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له؛ فكيف يتمنى انقطاعَ عملٍ الذَّرَّةُ منه خير من الدنيا وما عليها؟!.
وخصّ من هذا العموم قيامه بالصبر على الضر الذي أصابه؛ فإن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.
(2)
(4) الدعاء بتعجيل العقوبة:
كأن يقول الإنسان: اللهم عجل عقوبتي في هذه الدنيا؛ لأدخل الجنة يوم القيامة، وأسلم من عذاب النار! فهذا خطأ، وأولى لهذا ثم أولى له أن يسأل الله السلامة في الدارين.
فلا يجوز له أن يدعو أن يعجل الله له العقوبة في الدنيا، ويعفو عنه يوم القيامة، هذا أمر لا يجوز، بل على العبد أن يسأل الله التوبة والمغفرة والرحمة وأن يتجاوز عنه، ويكفر عنه سيئاته، فالله تعالى غفور رحيم، يقبل توبة عبده وإنابته ورجوعه إليه.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه أفلا قلت اللهم! < آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار >! قال فدعا الله له فشفاه.
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:
في هذا الحدِيث: النَّهْي عَنْ الدُّعَاء بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَة، وَفِيهِ: فَضْل الدُّعَاء بِاَللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار، وَفِيهِ: جَوَاز التَّعَجُّب بِقَوْلِ: سُبْحَان اللَّه، وَفِيهِ: اِسْتِحْبَاب عِيَادَة الْمَرِيض وَالدُّعَاء لَهُ، وَفِيهِ: كَرَاهَة تَمَنِّي الْبَلاء لِئَلاَّ يَتَضَجَّر مِنْهُ وَيَسْخَطهُ، وَرُبَّمَا شَكَا 1، وَأظْهَرُ الأقْوَال فِي تَفْسِير الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا أنَّهَا الْعِبَادَة وَالْعَافِيَة، وَفِي الآخِرَة الْجَنَّة وَالْمَغْفِرَة 2
فالأصل الدعاء بالعافية في الدين والدنيا كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال لم يكن رسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح {... اللهم إني أسألك العفو و العافية الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي و أهلي و مالي، اللهم استر عوراتي و آمن روعاتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي.
(وفي الحديث أيْضًا فَائِدَةٌ هَامَةٍ وَجَلِيلَةٌ، وَهِيَ: أنَّ اَلْدُّعَاءَ اَلْمَشْرُوعَ إنَّمَا يَكُونُ فِيِ طَلَبِ اَلآخِرَةِ وَاَلْدُّنْيَا:
قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة /200، 201)
قال الفَخْرُ الرَّازِي في تفسيره على الآية الكريمة: بَيَّنَ الله تعالى أن الذين يَدْعُونَ الله فريقان، أحدهما: يكون دُعَاؤهُمُ مَقْصُوراً على طَلَبِ الدُّنْيَا، والثاني: الذين يَجْمَعُونَ في الدُّعَاءِ بين طَلَبِ الدُّنْيَا وطَلَبِ الآخِرَةِ، وقد كان في التَّقْسِيمِ قِسْمٌ ثالث، وهو من يكون دُعَاؤهُ مَقْصُوراً على طَلَبِ الآخِرَةِ، واختلفوا في هذا القسم هل مَشْرُوعٌ أمْ لاَ؟ والأكثرون على أنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ 0
وتحدث د. مراد هوفمان عن التوازن الكامل والدقيق بين الجسد والروح في الإسلام فقال: ما الآخرة إلا جزاء العمل في الدُّنْياَ، ومن هنا جاء الاهتمام في الدُّنْياَ، فالقرآن يُلْهِمُ المسلم الدُّعَاءُ لِلْدُّنْياَ، وليس الآخرة فقط ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 1
(5) الدعاء بما هو مستحيل، أو بما هو ممتنع عقلاً أو عادةً، أو شرعًا:
كأن يدعو بأن يخلد في الدنيا، أو أن يعطى النبوة، أو ألا يقيم الله الساعة، أو ألا يمر الناس على الصراط، أو أن يسأل الله أن يحيي الموتى، أو أن يسأل رؤية الله في الدنيا، أو أن ترفع عنه لوازم البشرية، فيستغني عن الطعام والشراب، والنَّفَس، أو أن يطلب الولد دون زواج أو تسَرٍّ، أو يسأل الثمر دون زرع أو حراثة، أو أن يعطى جبلاً من ذهب، أو أن يكون متواجدًا في مكانين في آن واحد، وهكذا دواليك...
(6) الدعاء بأمر قد فرغ منه:
وهذا قريب مما قبله، فهذا الدعاء من باب تحصيل الحاصل؛ فالشيء إذا فرغ منه لم يتعلق بالدعاء فيه فائدة.
كمن يسأل الله ألا تهلك هذه الأمة بسنة بعامة، وألا يسلط الله عليها عدوًّا من سوى أنفسها فيستبيح بيضتها، فهذان أمران دعا بهما النبي"وأجيبت دعوته.
2
ومن ذلك أن يدعو ألا يدخل الكفار الجنة إن ماتوا على كفرهم، أو أن يدخلوا النار، أو أن يخلدوا فيها، أو بألا يخلد المؤمن في النار، فالدعاء بمثل هذه الأمور وما شاكلها _ تحصيل حاصل؛ لأنه دعاء بأمور قد فرغ منها.
(7) أن يدعو بما دل الشرع على عدم وقوعه:
كأن يدعو على مسلم ألا يدخل الجنة، أو أن يدعو لكافر بدخول الجنة بعد أن مات على الكفر.
(8) الدعاء على الأهل والأموال والنفس:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم.
قال في عون المعبود:
" ((لا تدعوا)) أي دعاء سوء ((على أنفسكم)) أي بالهلاك، ومثله ((ولا تدعوا على أولادكم)) أي بالعمى ونحوه، ((ولا تدعوا على أموالكم)) أي من العبيد والإماء بالموت وغيره، ((لا توافقوا)) نهي للداعي، وعلة النهي أي لا تدعوا على من ذكر لئلا توافقوا ((من الله ساعة نيل)) أي عطاء ((فيها عطاء فيستجيب لكم)) أي لئلا تصادفوا ساعة إجابة ونيل فتستجاب دعوتكم السوء" - 1.
(9) كأن يدعو على شخص أن يكون مدمنًا للخمر، أو أن يميته الله كافرًا، أو أن يبتلى بالزنا أو غير ذلك، أو أن يدعو الله أن ييسر له الفساد والفجور.
(10) الدعاء بقطيعة الرحم:
كأن يقول: اللهم فرق بين فلان وأمه، أو أقاربه أو زوجته، أو يقول: اللهم فرق شمل المسلمين، وخالف بين كلمتهم.
(11) الدعاء بانتشار المعاصي:
كما تفعل الرافضة؛ فهم يدعون، ويتمنون أن ينتشر الفساد، وتكثر المعاصي في الأرض؛ حتى يخرج المهدي _ بزعمهم _ فيملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا!.
(12) تحجير الرحمة:
وقد مر بنا قريبًا، كحال من يقول: اللهم أنزل الغيث على بلادنا فحسب، أو اللهم اشفني وحدي ووفقني، وارزقني وحدي، أو نحو ذلك.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً.
فلما سلم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للأعرابي: (لقد حجرت واسعاً).
يريد رحمة الله.
(13) ترك الأدب في الدعاء:
وذلك بأن يدعو بما لا يليق، وبما ينافي الأدب مع الله _ عز وجل _ كأن يقول: اللهم يا خالق الحيَّات، والعقارب، والحمير، ونحو ذلك.
قال الخطابي:
ولا يحسن أن يقال: يا ربَّ الكلاب، ويا ربَّ القردة والخنازير ونحوها من سفل الحيوان، وحشرات الأرض، وإن كانت جميع المكَوَّنات إليه من جهة الخلق لها، والقدرة عليها شاملة لجميع أصنافها.
1
ولهذا فاللائق بالعبد حال دعائه لربه أن يتأدب غاية ما يمكنه، وأن يتجنب كل ما ينافي كمال الأدب؛ ذلك أن مقامه بين يدي ربه مقام ذلة وخضوع؛ فلا يليق به إلا كمال الأدب.
قال الخطابي:
ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى صاحبه ورئيسه في حاجة يرفعها إليه، أو معونة يطلبها منه _ لَتَخَيَّر له محاسن الكلام، ولَتَخَلَّص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان.
ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته إياه، ولم يسلك هذه الطريقة فيها معه _ أوشك أن ينبو سمعُه عن كلامه، وألا يحظى بطائل من حاجته عنده.
فما ظنك برب العزة _ سبحانه _ وبمقام عبده الذليل بين يديه، ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كُنْهَ الثناء عليه؟!.
وهكذا رسوله وصفيه"قد أظهر العجز، والانقطاع دونه، فقال في مناجاته: وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
فسبحان من جعل عجز العاجزين عن شكره والثناء عليه شكرًا لهم.
2
(14) الدعاء على وجه التجربة والاختبار لله تعالى:
كأن يقول: سأجرب وأدعو؛ لأرى أيستجاب لي أم لا!.
(15) أن يكون غرض الداعي فاسدًا:
كأن يسأل الله أن يرزقه مالاً؛ ليتكثر به ويفتخر على الناس، أو ليستعين به على المعاصي، أو أن يسأل الله ملكًا أو سلطانًا؛ ليحارب من خلاله أولياء الله، ويتسلط عليهم.
(16) أن يعتمد العبد على غيره في الدعاء:
فتجد من الناس من لا يدعو الله بنفسه؛ بحجة أنه مذنب، فتجده دائمًا يطلب من العلماء، والعباد، والصالحين أن يدعوا له.
ْ (17) اِسْتِبْدَالِ لَفْظٍ وَارِدٍ (مَأثُور) بِغَيْرِهِ:
(حديث البراء رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوئك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضتُ أمري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلمُ به.
قال ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري:
الْحِكْمَة فِي رَدِّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى من قال (الرَّسُول) بَدَل (النَّبِيِّ) أنَّ ألْفَاظ الأذْكَار تَوْقِيفِيَّة، وَلَهَا خَصَائِص وَأسْرَار لا يَدْخُلهَا الْقِيَاس فَتَجِب الْمُحَافَظَة عَلَى اللَّفْظ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ 1
ونقل الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم 2 عن مجموعة من العلماء أنَّ سَبَب الإِنْكَار 3 أنَّ هَذَا ذِكْر وَدُعَاء، فَيَنْبَغِي فِيهِ الاقْتِصَار عَلَى اللَّفْظ الْوَارِد بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ يَتَعَلَّق الْجَزَاء بِتِلْكَ الْحُرُوف، وَلَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَات، فَيَتَعَيَّن أدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا، ثم قال: وهذا القول حَسَن 0
(وعليه نعلم جَلِيًّا خطأ من يَزَيِدُ أو يُنْقِصَ في الأدعية المأثورة، مع الاحتفاظ بصحة المعنى، فهو مَنْهِيٌّ عنه، وأقَلُّ ما فيه أنه يُفَوِّتَ على الدَّاعِي تَحْصِيلُ أجْرِ وثواب الاِتباع في الدُّعَاءِ، فمثلاً دُعَاءُ القُنُوتِ في صلاة الوتر الذي علّمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما هو: " اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ" 1، فعندما يدعوا إمام في صلاة الوتر قائلاً: اللهم اهدني يا مولاي فيمن هديت، ويأتي آخر فيقول: اللهم اهدني يا مولاي بفضلك فيمن هديت، وثالث فيقول: اللهم اهدني يا مولاي بفضلك ومنّك وكرمك فيمن هديت و000، نقول له قف! لقد اِعْتَدَيْتَ وتَجَاوَزْتَ الدُّعَاءَ المأثور بإضافتك لألفاظ من عندك حَتْمًا هي ليست بأفضل وأكمل مما قاله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي علّم أمته في شخص الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما دعاء كاملاً لا ينقصه شيء، ومن هنا يتضح وضوحاً جلياً أن «اتباع السنة أولى من كثرة العمل» (ثم إن الالتزام بالدُّعَاءِ المأثور فيه الجمع بين فضيلتين: فَضِيلَةُ الدُّعَاءِ، وفَضِيلَةُ اِتْبَاعِ السُّنَّةِ المُطَهَرَةِ، مِمَّا يَجْعَلُ الدُّعَاءَ أقْرَبُ مِنِ القَبُولِ وأدُعَى للإجَابَةِ 0 قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
المَشْرُوعُ للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة؛ فإن الدُّعَاءَ من أفضل العبادات، وقد نَهَانَا الله عن الاِعْتِدَاءِ فيه، فينبغي لنا أن نَتَبِعَ ما شُرِّعَ وسُنَّ، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، والذي يَعْدِلُ عن الدُّعَاءِ المُشْرُوعِ إلى غيره، الأحْسَنُ له أن لا يَفُوتَهُ الأكْمَلُ والأفْضَلُ، وهي الأدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ، فإنَّها أفْضَلُ وأكْمَلُ باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ، فكيف وقد يكون في عَيْنِ الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك؟! ومن أشَدِّ الناس عَيْباً من يَتَّخِذُ حِزْباَ ليس بمأثور عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدَعُ الأحزاب النَّبَوِيَّة التي كان يقولها سَيُّدُ بَنِي آدَمَ وإمَامُ الخَلْقِ وحُجَّةُ الله على عباده 1 لذا شَدَّدَ الإمام أحمد على من يزيد في ألفاظ القنوت ولو حرفاً واحداً فقال: وقد كان المسلمون يُصَلُّونَ خلف من يَقْنُتُ وخلف من لا يَقْنُتُ، فإذا زَادَ في القُنُوتُ حَرْفاً 00 فإن كنت في الصلاة فاقطعها 2 وكذلك في الدُّعَاءِ المشهور الذي علّمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للسيدة عائشة رضي الله عنها لكي تدعو به إذا وافقت ليلة القدر " اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي " 3، فيأتي أحدهم ويدعوا قائلاً: اللهم إنك عَفُوٌ غَفُورٌ تحب العفو فاعف عني، وثاني فيقول: اللهم إنك عفو غفور شكور تحب العفو فاعف عني، وثالث يدعوا فيقول: اللهم إنك عفو غفور شكور جواد رحيم تحب العفو فاعف عني و000، لا شك أن هذا تَعَدِّي مَنْهِيٌ عنه، (والتَّعَدِّي يعني: تَجَاوُزُ مَا يَنْبَغِي أنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ 4، فهذا التَّعْدِي يمنع أجر وفضيلة الاتباع عند الدُّعَاءِ المأثور عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل وربما يمنع قَبُوَل الدُّعَاءِ كما أسلفنا 0
فجاهد نفسك أن تتعلم وتحفظ الأدعية المأثورة بِنَصِّهَا، حتى تَدْعُوا بها كاملة كما وردت دون نقص فيها ولا زيادة، فتنال فضيلة الدُّعَاءِ والاِتِّباَعِ 0 (18) اَلتَّغَنِي وَاَلتَّمْطِيطِ (تَحْرِيرُ النَّغَمِ): قال المناوي 1: قال الكمال ابن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التَّمْطِيطِ، والمبالغة في الصِّيَاحِ، والاشتغال بِتَحْرِيرَاتِ النَّغَمِ إظهاراً للصناعة النَّغَمِيَةِ، لا إقَامَةً لِلْعُبُودِيَّةِ، فإنه لا يَقْتَضِي الإجابة، بل هو من مُقْتَضَيَاتِ اَلْرَدِّ، وهذا معلوم إن كان قَصْدُهُ إعْجَابُ الناس به، فكأنه قال إعْجَبُوا مِنْ حُسْنِ صَوْتِي وتَحْرِيرِي، ولا أرى تَحْرِيرَ النَّغَمِ في الدُّعَاءِ كما يفعله القرّاء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدُّعَاء والسؤال إذ مقام طلب الحاجة: التَّضَرُّع، لا التَّغَنِي، فاستبان أن ذاك ـ أي التَّغَنِي والتَّمْطِيطُ ـ من مقتضيات اَلْخَيْبَةِ واَلْحِرْمَانِ0أ0هـ وللأسف احترف بعض الأئمة اَلتَّغَنِي وَاَلتَّمْطِيطِ في الدُّعَاءِ، حتى أنه يَهْتَمُّ بالدُّعَاءِ أكثر من اهتمامه بقراءة القرآن في الصلاة، فتراه يُفْرِغَ جُهْدَهُ في اَلتَّغَنِي بالدُّعَاءِ وتحسين صوته وتَمْطِيطِ الكلام، وربما أجرى على الدُّعَاءِ أحكام تلاوة القرآن الكريم من مَدٍّ وإخْفَاءٍ وإدْغَامٍ، كل هذا لِيَسْتَدِرَّ دموع المصلين ويُرْضِي نفسه بأنه استطاع أن يَصِلَ بهم إلى مرحلة الخشوع وذرف الدموع0 فالتَّغَنِي وتَحُسِينِ الصَّوْتِ هو من خصائص القرآن الكريم، أمَّا الدَّعَاء فالمشروع فيه أن يكون على السَّجِيِةِ بلا تَكَلُّفٍ ولا تَغَنِي0 (19) اَلتَّفْصِيلُ في اَلْدُّعَاءِ (كَثْرَةُ اَلألْفَاظِ):
(حديث أبي نَعَامَةَ الثابت في صحيح أبي داود) عن ابن لِسَعْدٍ أنه قال: سَمِعَنِي أبِي وَأنَا أقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا وَأعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَسَلاسِلِهَا وَأغْلالِهَا وَكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ " فَإِيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إنَّكَ إِنْ أعْطِيتَ الْجَنَّةَ أعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ، وَإنْ أعِذْتَ مِنْ النَّارِ أعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الشَّرِّ.
قال ابن تيمية 1:
الدُّعَاءُ ليس كُلُّهُ جائزاً، بل فيه عُدْوَانٌ مُحَرَّم، والمَشْرُوعُ 2 لا عُدْوَانَ فيه، وأن العُدْوَانَ يَكُونُ تَارَة ًبِكَثْرَةِ الألْفَاظِ، وتَارَةً في المَعَانِي، كما فَسَّرَ الصحابة ذلك 000 ثم أورد الأحاديث المذكورة سابقاً 0
(حديث عائشة في صحيح أبي داود) قالت كان رسول الله يستحب الجوامع من الدعاء وَيَدَعُ ما سوى ذلك.
قال في عون المعبود بشرح سنن أبي داود:
الْجَامِعَة لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَهِيَ مَا كَانَ لَفْظه قَلِيلاً وَمَعْنَاهُ كَثِيرًا، كما في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار﴾ ومِثل الدُّعَاء بِالْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة 3
(فمن صور الاعتداء تَكْثِيرُ الكلام الذي لا دَاعِيَّ له ولا حاجة إليه، والتَّكَلِِّفِ في ذِكْرِ التَّفَاصِيلِ، كأن يدعو ربَّهُ أن يرحمه إذا وُضِعَ في اللحد تحت التراب والثرى، وكذلك أن يرحمه إذا سالت العيون وبليت اللحوم، وأن يرحمه إذا تركه الأصحاب وتولى عنه الأهل والأحباب 4، أو يدعو على عدوه أن يُخْرِسَ الله لسانه ويُشِلَّ يده، ويُجَمِدَ الدَّمَ في عُرُوقِه000 0