كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(4) تطبيق الحدود الشرعية: بقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179)
(5) إقامة شعائر الإسلام والتحلي بمكارم الأخلاق: لقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة:177)
(6) الصيام: لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)
(7) تعظيم شعائر الله: لقوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)
(8) العدل: لقوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)
(9) العفو: لقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (البقرة: 237)
(10) تعظيم الرسول وتوقيره: لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) (الحجرات: 3)، وذلك يشمل الرسول حيا وميتا، ويكون عدم رفع الأصوات عليه ميتا باحترام سنته، وانتهاج طرقته، وعدم مجاوزة هديه إلى غيره من زبالات الأذهان ونخالات الأفكار والمذاهب والآراء.
وبالجملة: فجميع الطاعات من أسباب حصول التقوى، وجميع المعاصي من معوقات حصول التقوى، كما قال طلق بن حبيب رضي الله عنه: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله تخاف عقاب الله.
(كيف تكون تقيّاً؟
1 - أن تحب الله أكثر من أي شيء.
2 - أن تستشعر مراقبة الله دائماً.
3 - أن تعلم عاقبة المعاصي.
4 - أن تتعلم كيف تقاوم هواك وتتغلب عليه.
5 - أن تدرك مكائد الشيطان و وساوسه.
وهذه الأشياء سهلة بالقول وصعبة في التطبيق..، فبعض الناس يغفل وينسى مراقبة الله له، وينسى حديث ((اعبد الله كأنك تراه)).. ولله درُّ من قال: إذا ما خلوتَ الدهرَ يوماً فلا تقل... خلوتُ ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبنّ الله يغفلُ ساعةً... ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
وأما مسألة معرفة ما في الحرام من المفاسد والآلام فإن الإنسان يكفي أن يتأمل فيما حصل للكبار، و ما حصل للأقوام السابقة، ما الذي أخرج الأبوين من الجنة؟ من دار النعيم واللذة والسرور إلى دار الآلام والأحزان.. ؟؛ المعصية.. !.. فالحرام يترتب عليه مفاسد ومصائب.. وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ باطنه وظاهره فجعله في أقبح صورة وبدّله بالقرب بعداً وبالرحمة لعنة وبالجنّة ناراً تلظّى فهان على الله غاية الهوان وصار فاسقاً مجرماً قاد البشرية إلى كل فساد وشرّ؟؛ المعصية.. ! ما الذي أغرق أهل الأرض جميعهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال.. ؟، ما الذي سلّط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم صرعى على سطح الأرض.. ؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم.. ؟، ما الذي رفع قرية سدود.. قرية قوم لوط.. حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأتبعها بحجارة وجعل مكانها شيئاً منتناً لا يكاد يوجد فيه حياة.. ؟، وما الذي أرسل على قوم شعيب عذاب الظُّلّة، لما صار فوق رؤوسهم أمطرهم ناراً تلظّى.. ؟، وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم تعرض عليها صباح مساء؟ فالأجساد للغرق والأرواح للحرق والموعد يوم القيامة.. ! فتأمل ما في الذنوب من الآلام والمصائب؛ يقود إلى التقوى ولو كان فيها لذّة.. (ولله درُّ من قال: تفنى اللذاذة ممن نال لذتها... من الحرام ويبقى الإثم والعارُ تبقى عواقبُ سوءٍ من مَغَبَّتها... لا خيرَ في لذةٍ من بعدها النارُ
وكذلك فالإنسان لابد أن يتعلم كيف يغالب هواه وابتداءً من معالجة الخواطر، أول ما تأتي الخاطرة بالمعصية أو بالشر يطردها، وهذا هو العلاج الناجح؛ أن الإنسان يدافع الهوى والخاطرة ويتغلّب عليها، ولا بأس أن يفطم نفسه عن المعاصي ولو كان ذلك شيئاً مكروهاً بالنسبة له، فالصبر على الحرام ليس سهلاً بل فيه ألم لكن يعقبه لذّة وراحة يوم الدنيا..
ولاشك أن هذا كما تقدم فيه غصّة في البداية لكن أحسن من الشوك والغسلين والضريع يوم القيامة والإنسان أحياناً يترك المعاصي شهامة ورجولة لو تأمل ما فيها من الخسّة.. وأغضُ طَرْفِي إن بدت لي جارتي... حتى يواري جارتي مأواها
إذا كان هذا العربي قبل الإسلام يفاخر انه يغض طرفه عن جارته فبعد الإسلام كيف يجب أن نكون.. ؟، إذا كان الفرد يمكن أن يترك بعض المعاصي خجلاً من الناس.. فما باله إذا فكر من جهة الله.. ؟ سيكون الترك أعظم.. ! ثم يجب على المرء أن يعرف مكائد إبليس لكي يتقيه وإبليس له عدة طرق في إغواء الناس فينبغي أن ينظر فيها، كيف يشغله مثلاً بالمفضول عن الفاضل وهذا أنزل المراتب وكيف يبدأ به من الشرك أولاً.. ! (من ثمرات التقوى:
للتقوى ثمرات وفوائد جليلة فمن ذلك ما يلي:
(1) البشرى.. سواء كانت ثناء من الخلق، أو رؤيا صالحة، من الملائكة عند الموت، قال تعالى: (أَلآ إِنّ أَوْلِيَآءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىَ فِي الْحَياةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) [يونس 62: 64].ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، فإن أثنى الناس عليه لعمل ما قصد إظهاره فإن هذا من عاجل بشرى المؤمن بنص السنة الصحيحة كما جاء في الحديث الآتي:
(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: قيل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن.
(2) نصرة الله للمتقي وتأييده له وتسديده قال تعالى: (وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ) [البقرة: 194]، والمعيّة هذه معية نصرة وتأييد وتسديد، وهو سبحانه وتعالى أعطاها للأنبياء المتقين فقال لموسى وهارون (قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىَ) [طه: 46]، و قال تعالى: (قَالَ كَلاّ إِنّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 62] فهو معه فلا يخاف.
(3) التوفيق للعلم: لقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 282]
فيعلمكم الحلال والحرام ومصالحكم وحفظ أموالكم وما أمركم وما نهاكم عنه ويعلمكم كل ما تحتاجون إليه، ومن أسباب نقصان العلم و نقص الحفظ وذهاب المسائل وعدم انفتاح النفس للعلم وعدم الحماسة للعلم؛ المعاصي فهي تصد النفس عن العلم.
ومن أسباب تحصيل العلم وانفتاح الذهن والقلب والحماس له؛ التقوى.
(4) الهداية للصواب والتمييز بين الحق والباطل: لقوله تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً [الأنفال: 29] الفرقان في اللغة الذي يفرّق بين الليل والنهار، كالصبح يفرق بين الحق والباطل.
(5) تكفير الذنوب وتعظيم أجر المتقين: لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق:5]
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتّقَوْاْ لَكَفّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنّاتِ النّعِيمِ) [المائدة: 65] وقال تعالى: (وَمَن يَتّقِ اللّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) [الطلاق: 5]
(6) مغفرة الذنوب: لقوله تعالى: وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 129]
(7) تسهيل الأمور وتيسيرها: لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:4]
(8) أنها المخرج من كل ضيق ومصدر للرزق من حيث لا يحتسب المتقي، لأن الله وعد و وعد الله لا يتخلف قال تعالى: (وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ) [الطلاق 2، 3]. وهذه مهمة جداً في شحّ الوظائف.
وحتى يأتيك البديل المباح بعد تركك للعمل المحرّم ينبغي أن تتقي الله في جميع أمورك.
(9) الرزق الواسع دون عناء أو مشقة: لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3،2]
(10) محبة الله والملائكة للعبد، ومحبة الناس لهذا العبد، قال تعالى: (بَلَىَ مَنْ أَوْفَىَ بِعَهْدِهِ وَاتّقَى فَإِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ) [آل عمران: 76]، قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمََنُ وُدّاً) [مريم: 96] أي مودة منه ومن الملائكة وفي قلوب العباد، وإذا أحبه نادى جبريل أن يحبه، ويحبه أهل السماء ثم يحبه أهل الأرض كما في الحديث الآتي: (
(حديث أبي هريرة الأشعري في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض.
(11) نيل الجزاء وعدم إضاعة العمل: لقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90]
(12) التقوى سبب قبول العمل وهذا من أعظم الأشياء قال تعالى: (إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ) [المائدة: 27] أجاب بها الأخ الصالح أخاه الفاجر الذي قتله.
وكان بعض السلف يقول: لو أعلم أن الله تقبّل مني سجدة واحدة لتمنّيت الموت لأن الله يقول ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾.
(13) الأمن والمنزلة الرفيعة: لقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان:51]
(14) تنوع الجزاء وتعدد اللذات: لقوله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (33) وَكَأْساً دِهَاقاً [النبأ 31 - 34]
(15) القرب من الله تعالى يوم القيامة مع التمتع باللقاء والرؤية: لقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55،54]
الحادية والعشرون: سلامة الصدر: لقوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]
(16) إصلاح العمل مع المغفرة: لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب:71،70]
(17) البصيرة وسرعة الانتباه: لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]
الرابعة والعشرون: عظم الأجر: لقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران:172]
(18) الفوز: لقوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:52]
(19) التفكر والتدبر: لقوله تعالى: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [يونس:6]
(20) التقوى سبب للنجاة من عذاب الدنيا والآخرة: قال تعالى: (وَنَجّيْنَا الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتّقُونَ) [فصلت: 18]
وقال تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى [الليل:17]
وقال تعالى: (ثُمّ نُنَجّي الّذِينَ اتّقَواْ وّنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) [مريم: 72]،
(21) الفوز بالخيرية: لقوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]
(22) حسن العاقبة: لقوله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]
(23) الفوز بولاية الله: لقوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:19]
(24) حصول الفلاح: لقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189]
(25) الفوز بالجنة: لقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الذاريات:15]
(26) يرزق بركات من السموات والأرض، والبركة تكثير القليل، الكثرة، الزيادة، الخير، العافية، قال تعالى: (وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَىَ آمَنُواْ وَاتّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ) [الأعراف: 96]، وهذا معناه أنه وسّع عليهم في الخير ويسّره لهم بسبب التقوى، و قال تعالى: (وَأَلّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مّآءً غَدَقاً) [الجن: 16]، وكذلك إذا لم تحصل التقوى؛ يظهر الفساد في الأرض قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ) [الروم: 41] ويحصل التلوث والأمراض والسرطانات ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُواْ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ جزاءً ونكالا، وتُنزع البركة بالمعصية.
(27) الحفظ من كيد الأعداء، فإن الإنسان لا يخلو من عدو حاسد قال تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتّقُواْ لاَ يَضُرّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120] فيدفع الله عنه شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال التقوى.
(28) حفظ الأبناء من بعدهم قال تعالى: (وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُواّ اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً) [النساء: 9]، فأرشد الله الآباء الذين يخشون ترك ذرية ضعاف بالتقوى في سائر شؤونهم لكي يحفظ أبناءهم، ويغاثون بالرعاية الإلهية بل يحفظ فروع الفروع.. !، قال تعالى: (وَأَمّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رّبّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عّلَيْهِ صَبْراً) [الكهف: 82] ولكن هناك أمر مهم وهو ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ (29) التزكية بالكرامة: لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] (فحفظ الله الأبناء بصلاح ذلك الأب.. يقول محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد و لده وقريته التي هو فيها والدويرات التي حولها فما يزالون في حفظ الله وستره..، قال ابن المسيب: يا بني إني لأزيد في صلاتي من أجلك رجاء أن أُحفَظ فيك وتلا الآية ﴿وكان أبوهما صالحا﴾،طبعاً هو يصلي لله، وابن المسيب أفقه من أن يرجو على عمله فقط ثواباً دنيوياً ولكنه يرجو تبعاً للثواب الأخروي أمراً في الدنيا والله تعالى كريم يعطي أموراً في الدنيا والآخرة على العبادات.
(30) العز والفوقية فوق الخلق يوم القيامة غير عز الدنيا قال تعالى: (زُيّنَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ اتّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [البقرة: 212]، فيورثون الجنة بالتقوى كما قال تعالى: (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ) [آل عمران: 133] و قال تعالى: (تِلْكَ الْجَنّةُ الّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً) [مريم: 63]، وهؤلاء المتقون لا يذهبون إلى الجنة مشياً وإنما يذهبون ركباناً موقرين مكرمين قال تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنّةُ لِلْمُتّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) [ق: 31] وقال تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتّقِينَ إِلَى الرّحْمََنِ وَفْداً) [مريم: 85]، والوفد يكرم يذهب بهم إلى ملك الملوك سبحانه وتعالى، فيدخلهم جنته قال تعالى: (إِنّ لِلْمُتّقِينَ مَفَازاً) [النبأ: 31]، يدخلهم الأنهار قال تعالى: (إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ) [القمر: 54] والدار الآخرة للمتقين يوم القيامة، ويجمع الإنسان بأحبابه إذا اتقى ربه قال تعالى: (الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلاّ الْمُتّقِينَ) [الزخرف: 67]، وهؤلاء على سرر متقابلين كما قال تعالى: (إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ) [الحجر 45: 47] فيأتون إلى الجنة زمراً زمراً، مجموعات ووفود إلى الله تعالى مكرمين قال تعالى: (وَسِيقَ الّذِينَ اتّقَوْاْ رَبّهُمْ إِلَى الّجَنّةِ زُمَراً) [الزمر: 73] (صفات المتقين:
(1) ذكر الله من صفاتهم أنهم يؤمنون بالغيب إيماناً جازماً، قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة 2: 3]
(2) يتحرون الصّدق في الأقوال والأعمال قال تعالى: (وَالّذِي جَآءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ) [الزمر: 33]، الذي جاء بالصدق هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذي صدق به قيل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
و قال تعالى: (أُولََئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ) [البقرة: 177]، هذا بيان أن المتقي يصدق.
(3) يعظمون شعائر الله قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32]، وما معنى تعظيم شعائر الله؟؛ أن المرء يعظم حرمات ربه فلا ينتهكها، ويعظّم أوامر الله فيأتي بها على وجهها، ويأتي بأنفس الأشياء، فلو طُلِب منه هدي في الحج أو أضحية استسمنه واستحسنه وأتى به على أحسن وأنفس وأغلى ما يجد، هذا من تعظيم شعائر الله.
وكان إشعار الهدي وهو تعليمه بعلامة حتى لا يؤخذ أو إذا ضاع يُعرف هذا ما يفعله الحاج من السنة.
(4) يتحرون العدل ويحكمون به قال تعالى: (يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8].الآية أساساً في المشركين والمشركون يبُكرَهون ويبغضُون لأجل شرك والكفر ومع ذلك أمرنا أن نعدل فيهم.
وعلي بن أبي طالب لما اختصم مع يهودي، حكم عليه القاضي لما لم يأتِ ببينة، وسُلّمت الدرع لليهودي، فاندهش اليهودي كيف يُحكم له على أمير المؤمنين، و الدرع كان لعلي رضي الله عنه ولم تكن له بيّنة، قال شهودي الحسن والحسين، قال لا تجوز شهادة الأبناء للأب، قال سيّدا شباب أهل الجنة، قال هذا في الجنّة..، فمن دهشة اليهودي مما رأى قاليا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، الدرع درعك، سقطت منك وأنت خارج إلى صفّين، فاختلستها.
إذاً إذا رأى الكفار عدل المسلمين يمكن أن يسلموا.
(5) المتقين يتبعون سبيل الأنبياء والصادقين والمصلحين يكونون معهم، قال تعالى: (يََأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ) [التوبة: 119]، فأهل الصدق هم أصحاب المتقين وإخوانهم ورفقاءهم وأهل جلوسهم وروّاد منتدياتهم.
يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في الحديث الآتي:
(حديث علي الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة و الكذب ريبة.
فتمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك أحياناً ما ترى بعض الحلال خشية أن تكون حراماً، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرى تمرة فيريد أن يأكلها فيتركها لأنه يخشى أن تكون سقطت من تمر الصدقة.
وهذا أصل من أصول الورع، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمر بتمرة فلا يأكلها خشية أن تكون من الصدقة.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: مر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتمرة في الطريق، قال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).
والورع يجب أن يكون ورعاً صحيحاً، فبعض الناس يفعلون الكبائر ثم يتورعون عن الأشياء اليسيرة.. !." عجبتُ لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم تسألون عن دم البعوض".. !!!، فلذلك ينبغي أن يكون الورع على أساس، امرئ ترك المحرمات ثم هو آخذ في الإعراض عن المشتبهات، ولذلك لما سُئِل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري البقل ويشترط الخوصة أنه يخشى أن تكون هذه التي تربط بها حزمة البقل غير داخلة في البيع فيشترط على البائع ذلك..،قال: ما هذه المسائل.. ؟!!!، قالوا: فلان يفعل ذلك.. إبراهيم بن أبي نعيم.. قال: هذا نعما.. هذا رجل يليق بحاله.. رجل متقي جداً.
وهو الذي سُئِل رحمه الله عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها فقال: ((إن كان برّ أمه في كل شيء حتى لم يبقَ إلا طلاق زوجته؛ يفعل، ولكن إن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم إلى أمه بعد ذلك فيضربها فلا يفعل.. !)).
(فصلٌ في منزلة الاستقامة:
(عناصر الفصل: (تعريف الاستقامة: (إذا استقام القلب استقامت الجوارح: (حكم الاستقامة: (أدلة الاستقامة: (حاجتنا إلى الاستقامة: (الاستقامة على الدين ظاهراً وباطناً: (الاستمرار على الاستقامة والتقصير فيها: (واقع الاستقامة في حياة الناس: (مقامات الدين التي يطالب بها العبد في الاستقامة: (فضل الاستقامة: (حقيقة الاستقامة: (الأمور التي تُعِينُ على تحقيق الاستقامة؟ (ما تتحقق به الإستقامة: (القوادح في الإستقامة: (مرض نقص الاستقامة: (أسباب الاستقامة: (ثمار الاستقامة ونتائجها: (درجات الاستقامة: (متعلقات الاستقامة: (أقسام الاستقامة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف الاستقامة:
الاستقامة في اللغة 1:
ضد الاعوجاج والانحراف فالشَّيء المستقيم هو المعتدل الذي لا اعوجاج فيه، وهذا يأتي في الحِسِّيَات، تقول: هذا طريق مستقيم و هذا طريق مُعْوَجٌّ.
الاستقامة في الشرع:
لأئمة الدين في تعريف الاستقامة وحدها ألفاظ وأقوال مختلفة، ذات دلالة واحدة، والأقوال هي:
(سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة، فقال: "أن لا تشرك بالله شيئاً".
(وقال عمر رضي الله عنه: "أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب".
(وقال عثمان رضي الله عنه: "إخلاص العمل لله".
(وعرفها علي رضي الله عنه: "بأنها أداء الفرائض".
(وقال الحسن البصري رحمه الله: "استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته".
(وقال مجاهد رحمه الله: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله".
(وقال ابن زيد وقتادة رحمهما الله: "الاستقامة على طاعة الله".
(وقال سفيان الثوري رحمه الله: "العمل على وفاق القول".
(وقال الربيع بن خيثم رحمه الله: "الإعراض عما سوى الله".
(وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الزهد في الفانية، والرغبة في الباقية".
(وقال ابن تيمية رحمه الله: "الاستقامة على محبة الله وعبوديته، وعدم الالتفات عنه يمنة أويسرى".
(وقال شيخ الإسلام الهروي رحمه الله: "الاجتهاد في اقتصاد".
مفاد هذه التعريفات، وحقيقتها، ومدلولها:
الاستقامة من الكلمات الجامعة المانعة، كالبر، والخير، والعبادة، فلها تعلق بالقول، والفعل، والاعتقاد.
(قال الإمام القرطبي رحمه الله: هذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله، عقداً، وقولاً، وفعلاً، وداوموا على ذلك.
(وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء.
والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال، والأحوال، والنيات، فالاستقامة فيها، وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله).
فحقيقة هذه التعريفات تُتَرجم في الآتي:
أولاً: الإيمان الصادق بالله عز وجل.
ثانياً: الاتباع الكامل والاقتداء التام بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً"، قال: أخلصه وأصوبه؛ قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: أن يكون العمل خالصاً لله عز وجل، وموافقاً لسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أوكما قال.
ثالثاً: أداء الواجبات: "ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه" الحديث، وفعل الواجبات أفضل من ترك المحرمات.
رابعاً: الانتهاء عن المحرمات والمكروهات.
خامساً: الإكثار من النوافل والتطوعات: "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" الحديث.
سادساً: المداومة على أعمال الخير: "أحب العمل إلى الله أدومه" الحديث، وقالت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كان عمله ديمة".
سابعاً: التوسط والاعتدال، فخير الأمور الوسط، وعمل قليل في سبيل وسنة خير من كثير في بدعة، والاعتدال لا يعني التسيب والانفلات، فبين التشدد، والالتزام، والتفلت فروق دقيقات.
ثامناً: حفظ الجوارح وسجن اللسان.
تاسعاً: السعي لتزكية النفس: "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا".
عاشراً: الاجتهاد في طاعة الله عز وجل، وفي نيل مرضاته قدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
(وفصل الخطاب في تعريف الاستقامة: أن معنى الاستقامة لزوم طاعة الله تعالى وهي المواظبة على التقوى بدوام امتثال الأوامر واجتناب النواهي ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «أعظم الكرامة لزوم الاستقامة» والاستقامة وسط بين الغول والتقصير، وكلاهما منهي عنه شرعاً، وهى من جوامع الكلم فهي كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين فهي تجمع الدين كله ولهذا أوصى بها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانت دليلاً أوفى على جوامع كَلِمِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في الحديث الآتي:
(حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنه قال للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ؟ قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثم اسْتَقِمْ.
(حديث ثوبان رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
(إذا استقام القلب استقامت الجوارح:
أصل الاستقامة في القلب، فإذا استقام القلب استقامت الجوارح؛ لأن القلب ملك الأعضاء وهي جنوده ورعاياه.
كما أن من أعظم الجوارح تأثيرًا في استقامة العبد اللسان؛ فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه، وقد دلنا النبي صَلى عليه وسلم على هذه القضية الكبيرة كما في الحديث الآتي: (
(حديث أبي سعيدٍ في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا.
(حكم الاستقامة:
أمر الله عز وجل نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعه أن يلتزموا الاستقامة عقيدة وشريعة، هدياً ومنهجاً، ويجتنبوا الطغيان، ويحذروا أهواء أولياء الشيطان، قال الله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة هود:112] (قال ابن كثير رحمه الله: " يأمر الله – تعالى – رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء، ومخالفة الأضداد، وينهى عن الطغيان وهو البغي؛ فإنه مصرعة حتى ولو على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء ". (أدلة الاستقامة:
لقد حث الله تعالى على الاستقامة، وأمر بها عباده، وجاءت الدعوة إلى الاستقامة في مواطن من القرآن الكريم، منها ما يلي:
(1) الأمر المباشر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود: 112]
وقوله تعالى: (فَاسْتَقِيمُوَاْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ) [فصلت: 6]
(2) ومنها الحثُ على الاستقامة والحضُ عليها وبيان النتائج المترتبة عليها، كما في قوله تعالى: (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30]
وقوله تعالى: (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأحقاف: 13]
(وقد أورد الماوردي في الآية خمسة أوجه:
أحدها: ثم استقاموا على أن الله ربهم وحده.
الثاني: استقاموا على طاعته وأداء فرائضه.
الثالث: على إخلاص الدين والعمل إلى الموت.
الرابع: ثم استقاموا في أفعالهم كما استقاموا في أقوالهم.
الخامس: ثم استقاموا سرًّا كما استقاموا جهرًا.
والحق أن ذلك كله داخل في معنى الاستقامة.
(3) أمرنا الله تعالى أن ندعو بالهداية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة قال تعالى: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6]
ولذا كان أنفعُ دعاء هو (اهدنا الصراط المستقيم) ولذا نقوله في كل ركعةٍ من الصلوات.
(4) والله تعالى يتولى الهداية إلى الاستقامة وهي هداية التوفيق التي لا يملكها إلا الله تعالى، لا يملكها نبيٌ مرسل ولا مَلَكٌ مُقَرَّب، قال تعالى: (وَإِنّ اللّهَ لَهَادِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ) [الحج: 54]
(5) والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتولى الهداية إلى الاستقامة وهي هداية الإرشاد: قال تعالى: (وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ) [الشورى: 52]
(حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنه قال للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ؟ قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثم اسْتَقِمْ.
(حديث ثوبان رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
(ولن تحصوا):
(قال الإمام السندي في حاشيته على ابن ماجة: أي ولن تطيقوا وأصل الإحصاء العدل والإحاطة به لئلا يغفلوا عنه فلا يتكلوا على ما يوفون به ولا ييأسوا من رحمته فيما يذرون عجزا وقصورا لا تقصيرا وقيل معناه لن تحصوا ثوابه.
(اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن): أَيْ إِنْ لَمْ تُطِيقُوا بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ الِاسْتِقَامَة فَحَقّ عَلَيْكُمْ أَنْ تَلْزَمُوا فَرْضهَا وَهِيَ الصَّلَاة الْجَامِعَة لِأَنْوَاعِ الْعِبَادَات الْقِرَاءَة وَالتَّسْبِيح وَالتَّهْلِيل وَالْإِمْسَاك عَنْ كَلَام الْغَيْر وَالْأَحَادِيث فِي خَيْر الْأَعْمَال جَاءَتْ مُتَعَارِضَة صُورَة فَيَنْبَغِي التَّوْفِيق بِحَمْلِ خَيْر أَعْمَالكُمْ عَلَى مَعْنَى مِنْ خَيْر أَعْمَالكُمْ كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث اِبْن عُمَر.
(حاجتنا إلى الاستقامة:
إنَّ الاستِقامة على أَمَر الله غَايةٌ جليلة، وَهَدَفٌ في هذه الحياة ينبغي لِكُلِّ مُسلم أن يسعى إليه، فإنَّ مِنْ رَحْمَة الله - سبحانه وتعالى - أَنَّه يَأْمُرنا بالأمر ويبيِّن لنا كيفية الامتثال به، والحاجة إلى الاستقامة حاجة ماسّة.
يقول الله تعالى: ((فاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ)) [هود:112].
(هذا الأمر مُرَتَّبٌ على ما قبله وهو قوله تعالى: ((وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ)) [هود:111].
أي: كلُ إنسان سَيُوَفَّى عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فإذا كان الأمر كذلك (فاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ) لأنها طريق السعادة والفلاح والفوز.
وقوله تعالى: ((فاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ)): الأمر هنا للنبي أولاً: ثم لأتباعه ((ومن تاب معك))
أي: ومن آمن معك بأن تابوا من الشرك فأمنوا بالله ورسوله وصاروا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤمنين به وبما جاء به.
(ثم إن الأمر بالاستقامة هو التي شيَّب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره:
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولغيره.
وقيل: له والمراد أمته؛ قاله السدى.
وقيل: "استقم" اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك.
فتكون السين سين السؤال، كما تقول: استغفر الله أطلب الغفران منه.
والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال؛ فاستقم على امتثال أمر الله.
وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: "قل آمنت بالله ثم استقم".
وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع.
﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي استقم أنت وهم؛ يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته.
(قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: "شيبتني هود وأخواتها".
وقد تقدم في أول السورة.
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري يقول: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: "شيبتني هود".
فقال: "نعم" فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال: "لا ولكن قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ نهى عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد؛ ومنه ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾.
وقيل: أي لا تتجبروا على أحد.
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولغيره.
وقيل: له والمراد أمته؛ قاله السدى.
وقيل: "استقم" اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك.
فتكون السين سين السؤال، كما تقول: استغفر الله أطلب الغفران منه.
والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال؛ فاستقم على امتثال أمر الله.
وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: "قل آمنت بالله ثم استقم".
وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع.
﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي استقم أنت وهم؛ يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته.
قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: "شيبتني هود وأخواتها".
وقد تقدم في أول السورة.
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري يقول: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: "شيبتني هود".
فقال: "نعم" فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال: "لا ولكن قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ نهى عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد؛ ومنه ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾.
وقيل: أي لا تتجبروا على أحد.
(الاستقامة على الدين ظاهراً وباطناً:
إن الالتزام بالإسلام والاستقامة على دين الله هو ظاهرٌ وباطن، هو مخبرٌ ومظهر، هو حقيقة وجوهر كما أنه شكل ومظهر ينتج ويظهر على المسلم في الخارج، ونحن نريد أن يكون التزامنا بالإسلام داخلي وخارجي، شيء يقر في القلب فينعكس على التصرفات وعلى الأعمال.. أعمال القلب وأعمال الجوارح.
ينبغي أن نعالج القلب قبل أن نعالج العادات والتقاليد والملابس مع أن الكل من الدين، لكن هناك أولويات، ونحن نوقن بالارتباط بين الظاهر والباطن، ونحن نعتقد أن هناك مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
نعتقد أن تحكيم الشريعة في كل شيء يقود إلى إصلاح الظاهر والباطن، وأن ديننا قد أمر بإصلاح الظاهر والباطن، والله سبحانه وتعالى قال: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] لم يقل: ذروا ظاهر الإثم فقط، ولا قال: ذروا باطن الإثم فقط، قال: ذروا ظاهر الإثم وباطنه، فظاهر الإثم كل ما يظهر للناس من البذاءة والفحش والسب واللعن والشتم.. ونحو ذلك.
وباطن الإثم كل ما يكون في القلب.. من الحقد والحسد والعجب والغش واحتقار الخلق.. ونحو ذلك: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] الباطن مهم جداً والظاهر مهم كذلك، ولولا أن الظاهر مهم ما جاءت الشريعة بأحكام اللباس وسنن الفطرة والزينة والشعر والانتعال والنظافة وكل أمرٍ من الأمور التي تميز المسلم ظاهرياً عن غير المسلم، ولما شرعت الشريعة لنا وجوب مخالفة أهل الكتاب وغير المسلمين حتى في صبغ الشعر وفي الصلاة حفاة بغير نعال، وفي اللحية والشارب وغير ذلك، حتى نهينا عن التشبه بالحيوانات والبهائم، والذين يطيلون شواربهم اليوم مخالفون للهدي النبوي الذي أمرنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله وحذرنا: (من لم يأخذ من شاربه؛ فليس منا) يجب قص ما طال عن الشفة، وأولئك النسوة اللاتي أطلن أظافرهن مثل الوحوش وصبغنها بالمناكير الحمراء وغيرها، هؤلاء المتشبهات بالحيوانات والبهائم والوحوش الكاسرة هن على استعداد بالخدش بها في أقرب مناسبة تقوم بها قائمة.
إذاً أيها الإخوة! الظاهر أمر عظيم وليس هناك في الإسلام شيء اسمه قشور ولب، والذين ينادون بتقسيم الإسلام إلى قشور ولباب أناسٌ ضالون مخطئون، الإسلام كلٌ لا يتجزأ.. الإسلام يؤخذ كله ويطبق كله، ومع الأسف فإن الناس اليوم يغترون بالظاهر، وليت أن ظاهر الأكثرية ظاهراً إسلامياً؛ إذاً لقلنا: إنهم على الأقل قد امتثلوا شيئاً من الدين، لكن الناس اليوم يعتنون بالمظاهر.. في الثياب والحفلات والزينات والطعام والشراب والسياحة، حتى العبادات إذا سمعوا قارئاً يقرأ بصوتٍ جميل، قال: صوتٌ رائع، ويجعلون حجهم سياحة، وعمرتهم أكل وحكايات في الحرم، هذا حالهم.
وطائفة أخرى من الناس دخلوا في الدين ظاهرياً؛ فهذا أطال لحيته وأعفاها، والتزم الثوب بطوله الشرعي الذي لا ينزل عن الكعبين، ولكن قلبه ينطوي على أنواع من المفاسد، والأمور العظيمة، ولذلك التصرفات الناتجة عنه والتعامل مع الناس بل مع زوجته وأولاده في البيت وأقربائه وجيرانه من أسوأ ما يمكن.
وأناسٌ قد أخذوا بنصيبٍ من هذا وهذا الالتزام الظاهري والباطني، ولكن عندهم نقص، نحن كلنا مقصرون ولذلك هذه دعوة حقيقة للالتزام بالإسلام ظاهراً وباطناً.
ولسنا من الذين ينخدعون بالظاهر، ولا بالذين يقومون الناس على الظاهر، فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان جالساً وعنده رجل، فمر رجلٌ فقال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي عنده: (ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم مر رجلٌ آخر، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للجالس عنده: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا) هذا الضعيف المستضعف خيرٌ من ملأ الأرض من أمثال هذا الذي تقول عنه: إنه من أشراف الناس.
ولما كانت امرأة من بني إسرائيل ترضع صبياً لها، أقبل رجلٌ ذو شارة حسنة وهيئة وفخامة ولباس وحشم، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الصبي الثدي، وأقبل وقال: اللهم لا تجعلني مثله، أنطقه الله في المهد، ونحن اليوم في خضم هذه الجاهلية التي يتعارك فيها ومعها؛ فإننا نحتاج إلى شخصيات إسلامية قوية ذات إيمان وإخلاص ذات علم وعمل: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] نحتاج إلى أناسٍ يتمسكون بالدين ظاهراً وباطناً.. نحتاج إلى أناس لا يلعبون بالدين، وإنما يكونون صادقين مع الله سبحانه وتعالى في تمسكهم به، وقلنا أن الناس اليوم قد اهتموا بالمظاهر السيئة، وبعضهم عنده مظاهر طيبة وبواطن سيئة، ولكن الأكثرية بعيدون عن شرع الله.. يلعبون بهذا الدين لعباً، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى، فقال: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف:98]... مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء:2]... فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ [الطور:11 - 12]، والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:57 - 58].. وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الأنعام:70].
هذه النوعية التي تلعب بالدين ابتداءً من العقيدة:
فالإيمان قول وعمل واعتقاد، والذين يقولون: إن الإيمان بالقلب فقط هم أناسٌ يلعبون بالدين، ويتخذونه لعباً ولهواً، هؤلاء الذين يتحايلون على شرع الله قد عرفناهم، وقد جاءت تصريحاتهم موافقة لما في قلوبهم من الاستهزاء بالدين.. هؤلاء الذين سموا الربا فوائد وعوائد استثمار، والذي سموا الخمر مشروبات روحية، والذين سموا الرقص والموسيقى والغناء والتماثيل فن، والذين سموا الرشوة أتعاب، هؤلاء الذين يلعبون بالدين قد عرفناهم، وميزناهم جيداً في الواقع، هؤلاء الذين يتتبعون الرخص ويضربون كلام العلماء بعضه ببعض، هؤلاء يلعبون بالنار، الذين يفتون في المجالس في الأهواء ويتكلمون في الدين يخبطون بغير علم.
قد عرفنا الذين يقولون: لِمَ يأخذ رجل أربعة نسوة ولا تأخذ المرأة إلا واحد؟ فلماذا لا تأخذ المرأة أكثر من رجل؟ قد عرفنا هؤلاء.
أيها الإخوة! نريد أن نلقي الضوء على عقيدتنا وتصرفاتنا نحن؛ نحن الذين نرى أننا نريد الصراط المستقيم والهداية، نسعى للتمسك بهذا الدين.. نريد أن نرى أنفسنا على ضوء الشريعة، الشريعة أمرتنا بأي شيء؟ هل أمرتنا بجزء من الإسلام أو أمرتنا بالإسلام كله؟ هل قالت: أسلموا في وقت الرخاء، ثم تراجعوا في وقت الشدة؟ بماذا طالبتنا الشريعة؟ ما هو المنهج والموقف من هذه الشريعة؟ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:208 - 209].. ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] كلكم ادخلوا في الإسلام أو ادخلوا أنتم جميعاً في شعائر الإسلام كلها، لا تتركوا شعيرة إلا وطبقتوها بما تستطيعون: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170] فالله عز وجل قال: يُمسِّكون بالكتاب، فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك، هذا الفرق بين يمسِكون بالكتاب ويمسِّكون بالكتاب، إنها صيغة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة، وهذه الصورة هي التي يريد الله منا أن نأخذ بها كتابه، ونحن نعلم كما علمنا الله ورسوله أن الجد والقوة في أخذ الدين شيء والتعنت والتنطع والغلو والتطرف هو شيء آخر، ولذلك نحن نعلم جيداً الذين يوجهون إلينا سهام التطرف والتنطع بلفظة الأصولية اليوم، نعرفهم ونميزهم ونعرف معنى التمسك بالدين على وجهه صحيح.
إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر، لكنها تنافي التميع.. إنها لا تنافي سعة الأفق، لكنها تنافي الاستهتار.. لا تنافي مراعاة الواقع، لكنها تنافي أن يكون الواقع هو الحكم على الشريعة، لأن الدين يقول: إن الشريعة هي الحكم على الواقع، وليس العكس.
والله سبحانه وتعالى علمنا ونبهنا إلى أن كتابه الكريم هذا قولٌ فصل وما هو بالهزل، بل هو حقٌ وجد، ليس فيه سائبة هزلٍ بل كله جدٌ محض، هو فاصل بين الحق والباطل قد بلغ الغاية في ذلك، فليس بالهزل ولم ينزل باللعب، ويجب أن يكون مهيباً في الصدور: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:63] خذوا ما ألزمناكم من.
(الاستمرار على الاستقامة والتقصير فيها:
المؤمن مُطَالَبُ بدوام الاستقامة، ولذلك يسألها ربه في كل ركعة من صلاته: قال تعالى: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6]، ولما كان من طبيعة الإنسان أنه قد يقصر في امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهذا خروج عن الاستقامة إذ الاستقامة هي المواظبة على التقوى بلزوم امتثال الأوامر واجتناب النواهي على الدوام، لذلك أرشده الشرع إلى ما يعيده لطريق الاستقامة، فقال تعالى مشيراً إلى ذلك: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوه ُ) [فصلت: 6]، فأشار إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، وأن ذلك التقصير يُجْبَرُ بالاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة.
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها) كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[اتق الله حيثما كنت]: أي واظب على التقوى على الدوام وفي كل وقتٍ وحين، وهذه هي الاستقامة بحذافيرها.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(اتَّقِ اللَّهَ) أسَيْ بِالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ, فَإِنَّ التَّقْوَى أَسَاسُ الدِّينِ وَبِهِ يَرْتَقِي إِلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ (حَيْثُ مَا كُنْتَ) أَيْ فِي الْخَلَاءِ وَفِي النَّعْمَاءِ وَالْبَلَاءِ, فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسِرِّ أَمْرِكَ كَمَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَوَاهِرِكَ, فَعَلَيْكَ بِرِعَايَةِ دَقَائِقِ الْأَدَبِ فِي حِفْظِ أَوَامِرِهِ وَمَرَاضِيهِ, وَالِاحْتِرَازِ عَنْ مَسَاخِطِهِ وَمَسَاوِيهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (وَأَتْبِعْ) أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (السَّيِّئَةَ) الصَّادِرَةَ مِنْ صَغِيرَةٍ وَكَذَا كَبِيرَةٍ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ عُمُومُ الْخَبَرِ وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ لَكِنْ خَصَّهُ الْجُمْهُورُ بِالصَّغَائِرِ (الْحَسَنَةَ) صَلَاةً أَوْ صَدَقَةً أَوِ اسْتِغْفَارًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (تَمْحُهَا) أَيْ تَدْفَعُ الْحَسَنَةُ السَّيِّئَةَ وَتَرْفَعُهَا, وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ, وَالْمُرَادُ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا آثَارَهَا مِنَ الْقَلْبِ أَوْ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ, وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعَالَجُ بِضِدِّهِ فَالْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (وَخَالِقِ النَّاسَ) أَمْرٌ مِنَ الْمُخَالَقَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ أَيْ خَالِطْهُمْ وَعَامِلْهُمْ (بِخُلُقٍ حَسَنٍ) أَيْ تَكَلَّفْ مُعَاشَرَتَهُمْ بِالْمُجَامَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ نَحْوِ طَلَاقَةِ وَجْهٍ, وَخَفْضِ جَانِبٍ, وَتَلَطُّفٍ وَإِينَاسٍ, وَبَذْلِ نَدًى, وَتَحَمُّلِ أَذًى, فَإِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يُرْجَى لَهُ فِي الدُّنْيَا الْفَلَاحُ, وَفِي الْآخِرَةِ الْفَوْزُ بِالنَّجَاةِ وَالنَّجَاحِ.
وقال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(اتق الله) بامتثال أمره وتجنب نهيه
(حيثما كنت) أي وحدك أو في جمع فإن كانوا أهل بغي أو فجور فعليك بخويصة نفسك أو المراد في أي زمان ومكان كنت فيه رآك الناس أم لا فإن الله مطلع عليك واتقوا الله إن الله كان عليكم رقيباً، والخطاب لكل من يتوجه إليه الأمر فيعم كل مأمور وأفراد الضمير باعتبار كل فرد وما زائدة بشهادة رواية حذفها وهذا من جوامع الكلم فإن التقوى وإن قل لفظها كلمة جامعة فحقه تقدس أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر بقدر الإمكان، ومن ثم شملت خير الدارين إذ هي تجنب كل منهي عنه وفعل كل مأمور به فمن فعل ذلك فهو من المتقين الذين أثنى عليهم في كتابه المبين ثم نبه على تدارك ما عساه يفرط من تقصيره في بعض الأوامر والتورط في بعض النواهي فقال
(واتبع) بفتح الهمزة وسكون المثناة فوق وكسر الموحدة ألحق (السيئة) الصادرة منك صغيرة وكذا كبيرة كما اقتضاه ظاهر الخبر والحسنة بالنسبة إليها التوبة منها فلا ملجئ لقصره على الصغيرة كما ظن وأيا مّا كان فالحسنات تؤثر في السيئات بالتخفيف منها يعني ألحق (الحسنة) إياها صلاة أو صدقة أو استغفاراً أو تسبيحاً أو غيرها (تمحها) أي السيئة المثبتة في صحيفة الكاتبين وذلك لأن المرض يعالج بضده كالبياض يزال بالسواد وعكسه ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ يعني فلا يعجزك إذا فرطت منك سيئة أن تتبعها حسنة كصلاة قال ابن عربي: والحسنة تمحو السيئة سواء كانت قبلها أو بعدها وكونها بعدها أولى إذ الأفعال تصدر عن القلوب وتتأثر بها فإذا فعل سيئة فقد تمكن في القلب اختيارها فإذا أتبعها حسنة نشأت عن اختيار في القلب فتمحو ذلك وظاهر قوله تمحها أنها تزال حقيقة من الصحيفة وقيل عبر يه عن ترك المؤاخذة ثم إن ذا يخص من عمومه السيئة المتعلقة بآدمي فلا يمحها إلا الاستحلال مع بيان جهة الظلامة إن أمكن ولم يترتب عليه مفسدة وإلا فالمرجو كفاية الاستغفار والدعاء (وخالق الناس بخلق) بضمتين (حسن) بالتحريك أي تكلف معاشرتهم بالمجاملة من نحو طلاقة وجه وحلم وشفقة وخفض جانب وعدم ظن السوء بهم وتودد إلى كل كبير وصغير وتلطف في سياستهم مع تباين طباعهم، يقال فلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلف وجمع هذا بعضهم في قوله: وأن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك فتجتمع القلوب وتتفق الكلمة وتنتظم الأحوال وذلك جماع الخير وملاك الأمر، والخلق بالضم الطبع والسجية وعرفاً ملكة نفسانية تحمل على فعل الجميل وتجنب القبيح كذا ذكره البعض هنا وليس بصواب فإنه تفسير لمطلق الخلق بالخلق الحسن وهو فاسد وقد تكفل حجة الإسلام بتعريفه على طرف التمام فقال: الخلق هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة وسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً حسناً وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً وحسن [ص 121] الخلق وإن كان جلياً لكن في الحديث رمز إلى إمكان اكتسابه وإلا لما صح الأمر به كما سيجيء إيضاحه والأمر به عام خص بمستحقه فخرج الكفرة والظلمة فأغلظ عليهم ثم هذا الحديث من القواعد المهمة لإبانته لخير الدارين وتضمنه لما يلزم المكلف من رعاية حق الحق والخلق.
وقال بعضهم: وهو جامع لجميع أحكام الشريعة إذ لا يخرج عنه شيء وقال آخر فصل فيه تفصيلاً بديعاً فإنه اشتمل على ثلاثة أحكام كل منها جامع في بابه ومترتب على ما قبله (تنبيه) قال الراغب: الفرق بين الخلق والتخلق أن التخلق معه استثقال واكتساب ويحتاج إلى بعث وتنشيط من خارج والخلق معه استخفاف وارتياح ولا يحتاج إلى بعث من خارج.
(واقع الاستقامة في حياة الناس:
أيها الإخوة! عند النظر للواقع الذي نعيش فيه الآن، نرى أن أكثر الناس على غير دين الله، وأكثرهم يصدون عن سبيل الله، وفي وسط هذه الظلمات قامت الدعوة بدين الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهي لا تزال في تقدمٍ وانتشارٍ ولله الحمد.
إن بوادر اليقظة الإسلامية التي تعم اليوم أرجاء العالم الإسلامي وحتى الأقليات الإسلامية في بلدان كثر هي أمر واقع، وإن ظهور علامات التدين على كثيرٍ من الأشخاص لا شك أنه نتيجة لهذه الصحوة وظهور هذه اليقظة هو أمرٌ من أمر الله سبحانه وتعالى، ونحن مع فرحنا واستبشارنا بهذه النعمة الإلهية من ظهور أمر الدين وانتشاره؛ فإننا في نفس الوقت نحذر حذراً عظيماً مما يخالط هذه الصحوة، وهؤلاء الناس الذين تظهر عليهم بوادر الاستقامة ومظاهرها، الخشية العظيمة التي نخشاها على أنفسنا وعلى الآخرين من فشو الأمراض الباطنة ونقص الاستقامة الذي هو عيب أي عيب، فإن الكثير ضعف عندهم معيار الالتزام، وتقلص المفهوم الحقيقي للتمسك بهذا الدين، ولقد ظهرت علامات التدين على كثيرٍ من الأشخاص تأثراً بالجو العام، وإذعاناً لبعض الفتاوى، أو حماساً بعد سماع موعظة أو محاضرة، فهؤلاء الذين يغشون اليوم التجمعات الإسلامية من هم هؤلاء؟ ما هي صفاتهم؟ ما مقدار تمسكهم بهذا الدين؟ لا بد أن ننقد أنفسنا لنصحح الواقع، ولا بد أن نعلم مواطئ أقدامنا ومواقعنا حتى ننظر هل نحن على الصراط المستقيم أم أنه يوجد عندنا من الانحرافات ما يجب علينا أن نصححه؟ فهذا بيان للحقيقة، وتنبيه للغافلين، ونصيحة للمقصرين، وكلنا مقصرون، إن بيان الاستقامة أمر مهم؛ لأننا لن نسلم إلا إذا جئنا الله بقلب سليم، وكذلك فإننا لا نريد أن نكون عقبة في طريق التزام الناس بالإسلام.. لا نريد أن نكون منفرين عن شرع الله.. لا نريد أن يكون عندنا من التصرفات ما يكون سداً بين الناس وبين الدخول في هذا الدين والشريعة، فكم من الكفرة لما رأوا بعض التصرفات من بعض المسلمين عدلوا عن الدخول في دين الله، وكم من العامة الذين رأوا تصرفات بعض الذين عندهم شيء من الالتزام الظاهر حملوا على هذا الدين وعلى هذه الاستقامة، وقالوا: هؤلاء المتدينون انظروا إليهم ماذا يفعلون! هل تريدون أن نكون مثل هؤلاء؟ والناس كثيرٌ منهم جهلة، لا يفرقون بين الإسلام والمسلمين، يقولون: الإسلام هو هذه التصرفات التي نراها من المسلمين..
الاستقامة والالتزام والتدين هو هذه المعاملة التي نلقاها من المتدينين.. الناس عندهم هذا المبدأ وهم لا يميزون، ليتهم يعرفون الرجال بالحق، لكنهم مع الأسف يعرفون الحق بالرجال! ولذلك فإن كثيراً منهم يكون عنده تصورات خاطئة وقناعات مغلوطة عن حقيقة الاستقامة مما يرونه من تصرفات بعض المتدينين في الظاهر.
(مقامات الدين التي يطالب بها العبد في الاستقامة:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
«المطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد فإن لم يقدر عليها فالمقاربة» فإن نزل عنها: فالتفريط والإضاعة.
أهـ.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يُدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الدين يسر و لن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا و قاربوا و أبشروا و استعينوا بالغدوة و الروحة و شيء من الدلجة.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[سددوا و قاربوا]: فالسداد: الوصول إلى حقيقة الاستقامة، أو هو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد.
وقوله: (قاربوا) أي: اجتهدوا في الوصول إلى السداد، فإن اجتهدتم ولم تصيبوا فلا يفوتكم القرب منه، فما لا يُدْرك كُلُهُ لا يُتْرَك جُلُه، فهما مرتبتان يطالب العبد بهما: السداد، وهي الاستقامة، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، وما سواهما تفريط وإضافة، والمؤمن ينبغي عليه أن لا يفارق هاتين المرتبتين، وليجتهد في الوصول إلى أعلاهما، كالذي يرمي غرضاً يجتهد في إصابته، أو القرب منه حتى يصيبه.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين تعليقاً على هذا الحديث:
فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال وأخبر في حديث ثوبان: أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه ومع هذا فأخبرهم: أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة فلا يركن أحد إلى عمله ولا يعجب به ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله
«فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين» وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات فالاستقامة فيها: «وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله»
قال بعض العارفين: كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطالبك بالاستقامة.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.
(ثم تأمل في الحديث الآتي أيضاً بعين البصيرة:
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المسلم المسدد يدرك درجة الصّوَّام القوَّام بآيات الله بحسن خلقه، وكرم ضريبته.
وكرم الضريبة: أي كرم الطباع.. وهذا يدل على أن الصيام والقيام وحدهما ليسا كافيين، بل أن حُسن الخلق أهم.
(فضل الاستقامة:
الاستقامة، وما أدراك ما الاستقامة، ثم ما أدراك ما الاستقامة، إنها أس الديانة، وسبيل السلامة، إذ هي أكبر كرامة في الدنيا، المفضية إلى الكرامة الأبدية وهي الجنة: "فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ".
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، فلو مشى المرء على الماء، أوطار أوتربع في الهواء، ما دل ذلك على قبول الله له حتى يستقيم على أمر الله ونهيه، إذ هو الضابط الوحيد للكرامة.
حُكِي للإمام الشافعي رحمه الله ما قاله الليث بن سعد، فقيه مصر ومفتيها في زمانه: "لو رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فقال: "لقد قصَّر الليث، لو رأيتم الرجل يمشي على الماء، أويطير في الهواء، فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب".
أمر بهذه الخطورة والأهمية فيه فلاح الدنيا والآخرة، ينبغي لكل مسلم عاقل أن يسعى لتحقيقه في نفسه، ويحرص على أن ينال منه حظه، فما لا يدرك كله لا يترك جله،، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن تُحاسب، ووزن أعماله بميزان الشرع قبل أن توزن عليه، وتزيَّن ليوم العرض الأكبر، كما قال عمر بن الخطاب، الناصح البصير.
وهاك بعض فضائل الاستقامة:
(1) قد ذكر الله سبحانه فضل الاستقامة، وأنها سبيل السعادة في غير ما موضع من كتابه:
قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [الأحقاف:13 - 14].
فالله تعالى قد أثنى على أهل الاستقامة، وَوَعَدَهُم بالأجر الجزيل.
وقال: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)) [فصلت:30].
لقد وعدهم الله، ووعد الله حق.. إذا ما استقاموا أن تتنزل عليهم الملائكة وهي تنادي أن لا تخافوا.. ولاتحزنوا.. وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.. فالحزن بعيد عمن استقام.. والخوف بعيد عنه.. وله البشرى..
(2) وأهل الاستقامة لهم الرزق الحسن قال تعالى: (وَأَلّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مّآءً غَدَقاً) [الجن: 16]
وما الطريقة التي تريد الآية الاستقامة عليها سوى الطريقة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو أول من سلك طريقة الاستقامة قدوة لهذه الأمة مستجيبا لأمر الله تعالى: ” قال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ)) [هود: 112] ” وليس ذلك وحده.. بل: ” (وَمَن تَابَ مَعَكَ) ”.. وطريق الاستقامة هذه تسير بعكس طريق الطغيان (وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
يؤكد الله ذلك مرة أخرى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ) [الشورى: 15].
كما أمره أن يخاطب الناس يدعوهم للاستقامة: ” قال تعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوَاْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ) [فصلت: 6] وهكذا يتضح الطريق أمام المؤمن.. فليس له أن يسلك طريقا سواه.. أدع.. استقم كما أُمرت.. ولا تَتبع أهواء الكافرين والفاسقين والمنافقين.. ثم الحذر أن تزل القدم بالفتنة فيزيغ المرء عن الصراط المستقيم.. ففيما أنزل الله على رسوله الحق.. كل الحق.. وليس غير الحق.
ومن ثم تكون الاستقامة خير من ألف كرامة.
(3) إن الاستقامة من شأنها أن ترقى بالإنسان، وتصل به إلى الذُّرْوَةِ من الكمال، وتحفظ عقله وقلبه من أن يتطرق إليهما الفساد، وتصون نفسه من التردي في حمأة الرذيلة.
وإذا سيطرت الرغبة في الاستقامة على جماعة وسادت بينهم، حسنت أحوالهم، واستقامت أمورهم، وعمهم الأمن والسلام، وإذا ضعفت الرغبة في الاستقامة ضعف الإقبال على الخير، وعظم التورط في الإثم وفشا المنكر، وتعرض الفرد والجماعة للانحراف والخطايا والانحلال الذي يعقبه سلب الحرية والاستقلال.
ولهذا اهتم الإسلام بالاستقامة اهتمامًا كبيرا، وأولاها عناية خاصة، لأنها الاستقامة تجمع الدين كله ولهذا أوصى بها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانت دليلاً أوفى على جوامع كَلِمِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في الحديث الآتي:
(حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنه قال للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ؟ قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثم اسْتَقِمْ.
(حديث ثوبان رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
(حقيقة الاستقامة:
الاستقامة تتضمن في الشرع أمرين:
(1) السَّير على الطريق.
(2) الاستمرار و الثبات عليه حتى الممات.
فالأول: السير على الطريق:
وهذا المعنى يُفَسِّرُهُ قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)) [آل عمران:102].
اتقوه حق التقوى بحسب الاستطاعة، قال تعالى: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) [التغابن:16].
والثاني: الاستمرار والثبات عليه حتى الممات:
وذلك في قوله تعالى: ((وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) [آل عمران:102].
فهذا يتضمن الأمر بالدوام والاستمرار.
والمعنى: استقيموا واثبتوا على التقوى حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، كما في الحديث الآتي:
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فلتأته مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فلتأته مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] أي يواظب على التقوى حتى الممات.
﴿تنبيه﴾: (ومن هنا يتضح أن الاستقامة هي المواظبة على التقوى حتى الممات.
(الأمور التي تُعِينُ على تحقيق الاستقامة؟
الاستقامة على أمر الله نعمة عظيمة، ودرجة رفيعة، ومنة عالية، فتحقيقها يحتاج إلى جد، واجتهاد، وصبر، واحتساب، ودعاء، وتضرع، وإخبات، وتوفيق، واحتراز.
وأهم المعينات على تحقيق ذلك بعد توفيق الله عز وجل ما يأتي:
أولاً: الدعاء والتضرع، وسؤالها بجد وإخلاص:
ولأهمية ذلك أمرنا بقراءة الفاتحة في كل ركعة، لما فيها من سؤال الصراط المستقيم المخالف لأصحاب الجحيم.
فالدعاء هو العبادة، وهو سلاح المستضعفين، وعدة الصالحين، ولا يعجز عنه إلا المخذولين، فالله سبحانه وتعالى مالك الهداية والاستقامة، فلا تُطلب إلا من مالكها.
ثانياً: الاشتغال بالعلم الشرعي:
فالعلم قائد والعمل تبع له: قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) [محمد: 19]، فأمر بالعلم قبل العمل.
وينبغي أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره، ويشرع في الأهم ثم المهم، وأن يتلقى من مشايخ أهل السنة الموثوق بدينهم وعقيدتهم وعلمهم، "إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم"، كما قال مالك وغيره.
ثالثاً: الحرص على التمسك بالسنة:
إن الحرص على التمسك بالسنة هو سفينة النجاة، والحذر كل الحذر من البدع والاقتراب من المبتدعين، فإن ذلك هو الداء العظيم، والضلال المبين، بحكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديثين الآتيين: (
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
رابعاً: مراقبة الله في السر والعلن:
خامساً: مجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وعدم الغفلة عن ذلك، ومحاسبتها في كل وقت وحين، وعلى الجليل والحقير.
سادساً: الإكثار من تلاوة القرآن، ومحاولة حفظه أوما تيسر منه، والمداومة على ورد ثابت.
سابعاً: الإكثار من ذكر الله عز وجل، والمداومة على أذكار الصباح والمساء، وأذكار وأدعية المناسبات المختلفات، فمن لم يوفق للغزو والجهاد، ولا لصيام الهواجر وقيام الليالي، فلا يفوتنه أن يعوض عن ذلك بلسانه.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله.
ثامناً: الحرص على سلامة القلب، والحذر من أمراض القلب المعنوية، كالحسد، والرياء، والنفاق، والشك، والحرص، والطمع، والعُجْب، والكِبْر، وطول الأمل، وحب الدنيا، فإنها أخطر من أمراضه الحسية، وهي سبب لكل رزية.
تاسعاً: التقلب بين الخوف والرجاء، في حال الصحة والشباب يغلب جانب الخوف، وعند المرض ونزول البلاء وعند الاحتضار يغلب جانب الرجاء.
عاشراً: مزاحمة العلماء بالركب، والقرب منهم، والحرص على الاستفادة منهم، واقتباس الأدب والسلوك قبل العلم والمعرفة.
أحد عشر: دراسة السيرة النبوية، وتراجم الأصحاب والعلماء، يعين على تزكية النفوس والترقي بها، "فإن التشبه بالرجال فلاح".
الثاني عشر: الحرص على معاشرة الأخيار، فالمرء على دين خليله، والطيورعلى أشكالها تقع، قال تعالى: (الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلاّ الْمُتّقِينَ) [الزخرف: 67].
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل.
(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك و نافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة.
الثالث عشر: الإكثار من ذكر الموت وتوقعه في كل وقت وحين، فهو أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الرابع عشر: القناعة بما قسم الله، والرضا بذلك، والنظر إلى من هو دونك وليس إلى من هو أرفع منك في شأن الدنيا، أما في شأن الدين: "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ".
الخامس عشر: الخوف والحذر من سوء الخاتمة.
السادس عشر: سؤال الله والاستعاذة به من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
السابع عشر: الاستفادة من الوقت، والحرص عليه، فما العمر إلا أيام، وساعات، وثوان.
الثامن عشر: تجديد التوبة والإنابة، مع تحقيق شروطها والحرص على أن تكون توبة نصوحاً.
(ما تتحقق به الإستقامة:
تتحقق الاستقامة بأمور: الأمر الأول: أداء الفرائض والواجبات:
وهذه الفرائض والواجبات التي فرضها الله على عباده على مراتب:
أولًا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فالتوحيد هو أوجب الواجبات، وأعظم الحسنات، وأفضل الطاعات، فالتوحيد مقدمٌ على العمل والأصل الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشرك عمل، وهو أول ما أمر الله به عباده، وهو حقه عليهم، وهو مفتاح دعوة الرسل،، وتحقيق ذلك بعبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين له ويتبع ذلك تحقيق متابعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن ذلك مقتضى الشهادتين.
ثانيًا: الصلوات الخمس: وهي قرينة التوحيد في الكتاب والسُّنَّة.
ثالثاً: الزكاة، والصيام، الحج، هذه أركان الإسلام.
رابعاً: الواجبات الأخرى كـ"الجهاد في سبيل الله، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحقوق العباد" كلها تدخل في الفرائض، فتكون مما يتحقق الاستقامة.
إذًا: الاستقامة إنما تتحقق بأداء حقوق الله، وحقوق العباد.
الأمر الثاني مما يحقق الاستقامة: النَّوافل.
ولاشك أَنَّ الْمُحَافَظَة عَلى النَّوافل مِنْ كمال الاستقامة، ومِنْ حكمة الله أَنْ شَرَّع لعباده نوافل الطاعات في جميع العبادات "الصلاة، الصدقة، الصيام، الحج" وسائر الطاعات التي فرضها الله على عباده، شرع من جنسها ما هو تطوع، والنوافل هي أحبُ ما يُتَقربُ به إلى الله تعالى بعد الفريضة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
الأمر الثالث مما يحقق: اجتناب المحرمات.
واجتناب المحرمات يكون بامتثال المأمورات، واجتناب المحظورات، فالتوحيد – مثلاً- لابد فيه مِنْ تَرك الشِّرك، والشِّرك أعظم الذنوب، وتأتي بعده كبائر الذنوب، وتأتي بعده ذنوب على مراتبها في القبح والتحريم التي لابد من تَوَقِّيْها لتحقيق الاستقامة.
ويدخل في الاستقامة ترك الحرام البَيِّن، وترك المتشابه! كما في الحديث الآتي:
(حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه و دينه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب.
كثيرٌ مِنْ النَّاس لا يبالي إذا لم يكن الشيء من الحرام البَيِّن، وممن يُقَال فِيهِ إِنَّ هذا حرام، أو يُفْتَى بِأَنَّه حرام فَإِنَّه لَا يَدَعَهُ!!
وهذا ينبئ عن ضعف الإيمان وضعف التقوى.
فإن صحيح الإيمان، وصحيح التقوى هو مَنْ تَجَنَّب الحرام، واتقى الوقوع في الشبهات، فضلًا عن الوقوع في الحرام؛ فاجتناب الذرائع، وما يُقَرِّبُ إلى الحرام مطلوب ((فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ)).
الأمر الرابع: ترك المكروهات وترك فضول المباحات.
بعد ما علمنا أن حقيقة الاستقامة تشمل امتثال جميع المأمورات، واجتناب جميع المحرَّمات، ومن كمالها أداء النوافل، وهي أيضًا على مراتب في الفضل وفي التأكد، أيضًا من كمالها ترك المكروهات، وترك فضول المباحات.
وعلى ذلك: فأهل الاستقامة ليسوا على مرتبة واحدة، فيهم المقربون، وفيهم المقتصدون، وهم لا يخرجون عن وصف الاستقامة، أما الظالمون لأنفسهم فإنهم ليسوا من أهل الاستقامة المطلقة؛ لأنهم مُخَلِّطون ((خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً)) [التوبة:102].
فلم يكونوا مستقيمين الاستقامة التي أمر الله بها، عندهم تفريط، وبهذا نعلم أن الاستقامة تتفاوت، ويتفاضل فيها أهلها.
الخامس: الاستمرار على طريق الاستقامة حتى الموت.
فمن المعلوم أن كثيراً من الناس ممن يسير على طريق طالباً لأمر يستطيل الطريق فلا يطيق السير وأضرب لهذا مثلاً في السير على الطريق الحسي فمن المعلوم قد ينطلق جَمْعٌ كثيرٌ من الناس للوصول إلى مطالب وحظوظ، فمنهم من يكون عنده صدق في الطلب، وعزم صادق، وعنده يقين بحصول المطلوب، وهو من مطالب الحياة، ومنهم من يكون ضعيف فيتقاعس، وربما رجع من الطريق، وربما سار ببطء، فمِن مفهوم الاستقامة التي أمرنا الله بها، وأثنى بها على المؤمنين الثبات والدوام حتى الممات، فالذي آمن، وسار على الطريق، ثم انحرف يمينًا، أو شمالًا بإفراط، أو تفريط، أو رجع فما استقام، لابد لتحقق الاستقامة من الاستمرار؛ لأن من تراجع لا يصل إلى مطلوبه، ولهذا أكَّد الله هذا بقوله: ((وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ))، وفي الحديث، ((فلتأته مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)) كما تقدَّم معنا.
بما يشتمل عليه اسم الإيمان من الأفعال أو التروك.
السادس: عدم الانحراف:
وتتضمن الاستقامة أيضًا ـ وهو مما يدخل في السير على الطريق ـ عدم الانحراف.
والانحراف: خلاف الاستقامة.
والانحراف في طريق الدين: إما أن يكون إلى إفراط أو إلى تفريط، وإما أن يكون هناك تجاوز لحدود الله "غلو، طغيان" وإما تفريط، وتقاعس، وتراجع، وانحراف.
فأما الإفراط: فإنه يكون بتعدي حدود الله، قال تعالى: ((تلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)) [البقرة:229].
هذا في الأوامر، ولا تتعدى المباح، ولا تتجاوز ما شَرَعَ الله إلى الغلو والابتداع في الدين.
ومن التفريط: الغلو في الدين في كل شرائعه، لابد من الوقوف عند الحدود، ((تلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)) [البقرة:229].
وأيضًا: قال ((تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)) [البقرة:187].
فالقُرب من حدوده التي نهانا عنها تفريط، وتعدِّي الحدود إفراط، وكلاهما خلاف الاستقامة.
فالاستقامة تقتضي الوقوف عند حدود الله التي أذن فيها من واجب، ومستحب، ومباح، وَتَجنُّب الحدود التي نهى الله عنها، فنهى عن القرب منها.
إذًا: السَّير إلى الله لابد أن يكون في الطريق الوسط، وهو الذي يُسمَّى في النصوص الصراط.
ما هو الصراط؟
الصراط: هو دين الله، هو الإسلام، هو القرآن.
دين الله هو الصراط الذي نَصَبَهُ الله للعباد طريقًا يسيرون عليه إليه سبحانه.
فالعبد في ضرورة إلى هداية الله، وهدايةُ الله لهذا الصراط يتضمن الاستقامة ((اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)) [الفاتحة:6].
اهدنا: أَوْجَبَ الله علينا أن نستهديه الصراط في كل ركعة، ((اهدِنَا)) هذا أوجب وأفضل وأنفع دعاء.
والهداية هنا تشمل نوعين:
(1) هداية الدلالة والإرشاد.
(2) هداية التوفيق، وهداية التوفيق تتضمن الثبات على الطريق.
(القوادح في الإستقامة:
لمَّا أمر الله نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالاستقامة، نهاه عن ضِدِّها، وهو الطغيان، والمَيْل إلى الكافرين والظالمين، والفاسقين والمنافقين، قال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود: 112] والطغيان ضد الاستقامة، تجاوز، وإفراط، وتعدِّي لحدود الله، وإمعان أيضًا في الباطل، قال: (وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود: 112]
فقوله تعالى: ((إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) فيه وعد ووعيد، وإذا كان سبحانه بصيراً بما يعمله العباد، فإنه سيجزيهم بما علمه، ورآه من أعمالهم التي وقعت منهم حقيقة، على الخير خيرًا، وعلى الشرِ بما يستحقون.
قال تعالى: ((وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)).
الركون: هو المَيْل، وهو أيضًا ضد الاستقامة.
والاستقامة تتضمن مفاصلة أعداء الله، وبُغْضَ أعداء الله، والحذرَ من طاعة أعداء الله، قال تعالى: ((وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً)) [الأحزاب:48].
وطاعتهم من الركون إليهم.
قوله تعالى: ((فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)) [هود:113]. فيه وعيد شديد وتهديد لمن ركن إلى الظالمين وينبغي أن يُعلم أن أكثر ما يطلق عليه اسم الظلم في القرآن الشرك، قال تعالى: ((وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ)) [يونس:106].
وقال: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان:13].
ويشمل الظلم أنواع الظلم، وقد يُراد به في بعض المواضع ما دون الشرك، مثل الآية التي أَشَرْتُ إلى معناها، قال تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) [فاطر:32].
هذه الأصناف هي أصناف المؤمنين بالكتاب وبالرسول، منهم الظالم لنفسه المُخلِّط، ومنهم المقتصد وهو المتوسط، ومنهم السابق بالخيرات وهم المقربون.
(مرض نقص الاستقامة:
(خطورة مرض نقص الاستقامة:
إن مرض نقص الاستقامة داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمره خطير وشره مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب كالسرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل،، إن تأثير مرض نقص الاستقامة على النفس أسوء من مرض نقص المناعة على الجسد، فإن الأشياء الجسدية ابتلاء، أما الأشياء التي تكون في الدين؛ فإن مصيبة الدين لا تعدلها مصيبة، إن مرض نقص الاستقامة أودى بالإيمان في وادٍ سحيق، مرض نقص الاستقامة هو الذي شَوَّه صورة الإسلام وشوَّه جمال الإسلام في أعين الناظرين إلى بعض الذين يزعمون التدين، مرض نقص الاستقامة هو الذي سبب الانتكاس حقيقة، والارتداد على الأعقاب، والنكوص على الأدبار، مرض نقص الاستقامة هوالذي أوجد عناصر مُشَوَّهة تزعم الانتساب إلى الدين، وليس عندها منه إلا النزر اليسير، مرض نقص الاستقامة هوالذي جعل بعض الناس يقولون: نحن نلتزم بالإسلام إلى حدٍ معين لأنه لا طاقة لنا بأخذ الدين كله، والذين يقولون: ما عندنا استعداد لتقديم التضحيات.
(صور مرض نقص الاستقامة:
مرض نقص الاستقامة له عدة صور منها ما يلي: (1) عدم الاستعداد لتقديم التضحيات: أيها الإخوة! الذي يسير معك ثم يقول: ليس عندي استعدادٌ لإكمال المشوار، أنت تطالبنا بأمورٍ لا طاقة لنا بها، والحقيقة أنك تطالبهم بالدين، ليس عندنا استعداد للتضحية والتقديم والعمل لهذا الدين، نحن نريد أن نكون طيبين في أنفسنا، مصلين مزكين صائمين نحج ونعتمر، نذكر الله وندعو، لكن أن نقدم تضحيات لهذا الدين ليس عندنا استعداد، أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونتحمل الأذى ليس عندنا استعداد.. هل هؤلاء فعلاً أصحاب تدين حقيقي؟ إذا احتاجت الدعوة إلى الله إلى إنفاق وبذل أموال وبذل أنفس وبذل جهد وبذل الأعمار تراجعوا، فقالوا: إن أموالنا نحتاج إليها، وأوقاتنا نحتاج إليها، إننا لا نصبر على الأذى، ولا نتحمل ولا نطيق، حتى الأذى الكلامي لا يريدون سماعه، ثم يقولون: نحن متدينون، هذا الالتزام البارد وهذه الاستقامة الناقصة لا تغني شيئاً، فإذا كَثُرَ الخبث هلك الناس وفيهم الصالحون بنص السنة الصحيحة كما في الحديثين الآتيين: (
(حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل عليها فزعا يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث).
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله عز وجل بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله.
فأين النوعية المصلحة التي تكفل الله بإنجائها إذا حلَّ العذاب بأهل القرى: قال تعالى: (فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) [الأعراف:165].
(2) الرياء والنفاق في الأعمال:
إن الذين يتحركون بعباداتٍ جسدية ليس فيها إخلاص ولا روح ولا توجه لله، بل إن الكثير من أعمالهم يغشاها الرياء والنفاق، هؤلاء يجب أن يعودوا إلى الله ويتوبوا إليه من هذا الخطر العظيم وهذا السوس الذي نخر عظامهم من الداخل، والذي أودى بعباداتهم وقلل أجرها أو أعدمها بالكلية، الذين لا يصلون إلا مع الناس، ولا يطيلون الصلاة والخشوع إلا أمام الناس، الذين لا يتعلمون العلم إلا للمباهاة، الذين قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شأنهم:
وتأمل في الأحاديث الآتية لتعلم مدى خطر الداء العِضال والمرضِ القتَّال (الرياء) على العمل:
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة.
(حديث جابر الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار.
(حديث جندب بن عبد الله في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سمَّع سمَّع الله به ومن يرائي يرائي الله به.