كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
«ولا تستطيعها البطلة» أي السحرة، تسمية لهم باسم فعلهم، لأن ما يأتون به الباطل، وإنما لم يقدروا على قراءتها ولم يستطيعوها لزيغهم عن الحق وانهماكهم في الباطل، ويصح أن يكون المعنى ولا يستطيع دفعها واختراق تحصينها لقارئها السحرة.
وقيل: المراد من البطلة أهل البطالة، أي لا يستطيعون قراءتها وتدبر معانيها لكسلهم.
(ومن فضلُ سورتي البقرة وآل عمران أن فيهما اسم الله الأعظم:
(حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن البقرة وآل عمران وطه).
قال القاسم فالتمستها فإذا هي آية الحي القيوم.
(فضلُ سورة هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون:
(حديث ابن عباس في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: شيبتني هود و الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت....
﴿شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون والتكوير﴾: لما فيها من ذكر الأمم وما حل بهم من عاجل بأس الله، فأهل اليقين إذا تلوها انكشفت لهم من ملكه وسلطانه وبطشه وقهره ما تذهل منه النفوس وتشيب منه الرؤوس.
﴿تنبيه﴾: (... سورة هود احتوت على آية الأمر بالاستقامة قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة هود: 112] وهي حمل ثقيل بالأمر بالاستقامة كما أمر الله تعالى وهو أمر ليس خاصا به بل لمن اتبعه بقوله تعالى: ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا﴾.
وأما سور المرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت فكلها وصف لشدائد يوم القيامة: يوما يجعل الولدان شيبا.
وتنذر الناس إنذارا شديدا.
ففي سورة المرسلات تكرار للويل للمكذبين عدة مرات وفي عمَّ يتساءلون وصف للقيامة بالنبأ العظيم وفي التكوير وصف للحوادث الكونية الرهيبة يوم القيامة وفي الواقعة كذلك فهي الخافضة الرافعة ووصف أحوال أصحاب أهل اليمين وأصحاب الشمال وأحوال السابقين السابقين اولئك المقربين.
(فضلُ سورة الكهف:
(1) من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال:
(حديث أبي الدر داء في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال.
(2) من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه و بين البيت العتيق:
(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين.
(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه و بين البيت العتيق.
(3) تنزل السكينة بقراءتها كسائر القرآن:
(حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كان رجلٌ يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن.
﴿تنبيه﴾: (... وقصص سورة الكهف أربعة هي: أهل الكهف، صاحب الجنتين، موسى عليه السلام والخضر وذو القرنين.
وهذه القصص الأربعة يربطها محور واحد وهو أنها تجمع الفتن الأربعة في الحياة:
فتنة الدين: (قصة أهل الكهف)،
فتنة المال: (صاحب الجنتين)،
فتنة العلم: (موسى عليه السلام والخضر)
وفتنة السلطة: (ذو القرنين).
وهذه الفتن شديدة على الناس والمحرك الرئيسي لها هو الشيطان الذي يزيّن هذه الفتن ولذا جاءت الآية (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف: 50] وفي وسط السورة أيضاً.
ولهذا قال الرسول أنه من قرأها عصمه الله تعالى من فتنة المسيح الدجّال لأنه سيأتي بهذه الفتن الأربعة ليفتن الناس بها.
وقصص سورة الكهف كل تتحدث عن إحدى هذه الفتن ثم يأتي بعده تعقيب بالعصمة من الفتن: وهاك القصص الأربعة
(1) فتنة الدين:
قصة الفتية الذين هربوا بدينهم من الملك الظالم فآووا إلى الكهف حيث حدثت لهم معجزة إبقائهم فيه ثلاث مئة سنة وازدادوا تسعا وكانت القرية قد أصبحت كلها على التوحيد.
ثم تأتي آيات تشير إلى كيفية العصمة من هذه الفتنة (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف 28 – 29].
فالعصمة من فتنة الدين تكون بالصحبة الصالحة وتذكر الآخرة.
(2) فتنة المال:
قصة صاحب الجنتين الذي آتاه الله كل شيء فكفر بأنعم الله وأنكر البعث فأهلك الله تعالى الجنتين.
ثم تأتي العصمة من هذه الفتنة (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف 45 و46]. والعصمة من فتنة المال تكون في فهم حقيقة الدنيا وتذكر الآخرة.
(3) فتنة العلم:
قصة موسى عليه السلام مع الخضر وكان موسى ظنّ أنه أعلم أهل الأرض فأوحى له الله تعالى بأن هناك من هو أعلم منه فذهب للقائه والتعلم منه فلم يصبر على ما فعله الخضر لأنه لم يفهم الحكمة في أفعاله وإنما أخذ بظاهرها فقط.
وتأتي آية العصمة من هذه الفتنة (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف:69].
والعصمة من فتنة العلم هي التواضع وعدم الغرور بالعلم.
(4) فتنة السلطة:
قصة ذو القرنين الذي كان ملكاً عادلاً يمتلك العلم وينتقل من مشرق الأرض إلى مغربها عين الناس ويدعو إلى الله وينشر الخير حتى وصل لقوم خائفين من هجوم يأجوج ومأجوج فأعانهم على بناء سد لمنعهم عنهم وما زال السدّ قائماً إلى يومنا هذا.
وتأتي آية العصمة (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف 103 و104]
فالعصمة من فتنة السلطة هي الإخلاص لله في الإعمال وتذكر الآخرة.
(5) ختام السورة: العصمة من الفتن:
آخر آية من سورة الكهف تركّز على العصمة الكاملة من الفتن بتذكر اليوم الآخرة (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110]
فعلينا أن نعمل عملاً صالحاً صحيحاً ومخلصاً لله حتى يَقبل، والنجاة من الفتن إنتظار لقاء الله تعالى.
ومما يلاحظ في سورة الكهف ما يلي:
(1) الحركة في السورة كثيرة (فانطلقا، فآووا، قاموا فقالوا، فابعثوا، ابنوا، بلغا، جاوزا، فوجدا، آتنا،) وكأن المعنى أن المطلوب من الناس الحركة في الأرض لأنها تعصم من الفتن ولهذا قال ذو القرنين: (فأعينوني بقوة) أي دعاهم للتحرك ومساعدته ولهذا فضل قراءتها في يوم الجمعة الذي هو يوم إجازة للمسلمين حتى تعصمنا من فتن الدنيا.
(2) وهي السورة التي ابتدأت بالقرآن وختمت بالقرآن: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) [الكهف: 1] و (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف: 109]. وكأن حكمة الله تعالى في هذا القرآن لا تنتهي وكأن العصمة من الفتن تكون بهذا القرآن والتمسك به.
(3) الدعوة إلى الله موجودة بكل مستوياتها:
فتية يدعون الملك وصاحب يدعو صاحبه ومعلّم يدعو تلميذه وحاكم يدعو رعيته.
(4) ذكر الغيبيات كثيرة في السورة:
في كل القصص: عدد الفتية غيب وكم لبثوا غيب وكيف بقوا في الكهف غيب والفجوة في الكهف غيب، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام كلها غيب، وذو القرنين غيب.
وفي هذا دلالة على أن في الكون أشياء لا ندركها بالعين المجردة ولا نفهمها ولكن الله تعالى يدبّر بقدرته في الكون وعلينا أن نؤمن بها حتى لو لم نراها أو نفهمها وإنما نسلّم بغيب الله تعالى.
(وسميت السورة بـ (سورة الكهف): الكهف في قصة الفتية كان فيه نجاتهم مع إن ظاهره يوحي بالخوف والظلمة والرعب لكنه لم يكن كذلك إنما كان العكس (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) آية 16.
فالكهف في السورة ما هو إلا تعبير أن العصمة من الفتن أحياناً تكون باللجوء إلى الله حتى لو أن ظاهر الأمر مخيف.
وهو رمز الدعوة إلى الله فهو كهف الدعوة وكهف التسليم لله ولذا سميت السورة (الكهف) وهي العصمة من الفتن.
(فضل سورة الفتح:
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال لما نزلت! < إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله >! إلى قوله! < فوزا عظيما >! قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا.
(فضلُ سورتي السجدة والملك:
(حديث جابر في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك.
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غُفر له: تبارك الذي بيده الملك.
(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر.
(فضل المسبِّحات:
((حديث العِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لا يَنَامُ حتَّى يَقْرَأَ المسبِّحَاتِ, ويقُولُ: فيها آيةٌ خيرٌ مِنْ ألْفِ آيَةِ.
والمسبِّحاتِ: هي السور التي تُفتتح بقولَ تعالى بـ ﴿سَبَّح َ﴾ أو
﴿يُسَبِّح﴾ وهى: [حديد, والحشر, والصف, والجمعة, والتغابن, والأعلى]
(فضل سورة التكوير والإنفطار والانشقاق:
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:" من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت " 0
(فضل سورة الكوثر:
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أنزلت علي آنفآ سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (إنآ أعطينك الكوثر فصل لربك وأنحر إن شانئك هو الابترُ) أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر وعده ليه ربي، عليه خير كثير، هو حوضي ترد غليه أمتي يوم القيامة، آنيته كعدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثوا بعدك.
(فضلُ سورة الكافرون:
(حديث ابن عباس في صحيح الترمذي) ﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
قال الشيخ الألباني: صحيح دون فضل زلزلت
(حديث فروة بن نوفل في صحيح الترمذي) أن أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أويتُ إلى فراشي فقال: اقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ عند منامك فإنها براءة من الشرك.
(فضل المعوذتين:
(حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: آيات أنزلت علي الليلة لم ير مثلهن قط قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس.
(فضلُ المُعَوِّذات:
(حديث عبد الله بن خبيب في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ و المعوذتين حين تمسي و حين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء.
(فضلُ سورة الإخلاص:
(حديث أبي سعيدٍ الخدري في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
(حديث معاذ بن أنس الجهني في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات بنى الله له بيتا في الجنة.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كان رجل من الانصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح: ﴿قل هو الله أحد﴾.
حتى يفرغ منه، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبروه الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذة السورة في كل ركعة؟.
فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة.
(ثالثاً الاستغفار:
(معنى الاستغفار:
الاستغفار هو طلب المغفرة من العزيز الغفار وطلب الإقالة من العثرات من غافر الذنب وقابل التوب، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها،
أي أن الله عز وجل يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.
قال ابن الأثير:
في أسماء الله تعالى الغَفّار والغَفور، وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما الساتر لذنوب عباده وعُيوبهم المُتجاوِز عن خطاياهم وذنوبهم.
وأصل الغَفْر التغطية.
يقال: غفر الله لك غفراً وغفراناً ومغفرة.
والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمُذنبين.
قال ذو النون المصري: الاستغفار جامع لِمَعانٍ:
أولهما: الندم على ما مضى
الثاني: العزم على الترك
والثالث: أداء ما ضيعت من فرض الله
الرابع: رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها
الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام
السادس: إذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية.
(الفرق بين الاستغفار والتوبة:
ماهو الفرق بين الاستغفار والتوبة؟
الاستغفار: هو طلب المغفرة من العزيز الغفار وطلب الإقالة من العثرات من غافر الذنب وقابل التوب، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها،
أي أن الله عز وجل يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى والإنابة إليه.
والاستغفار من أعظم الأذكار التي ينبغي للعبد أن يكثر منها،
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) قال: إن كنا لنعد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
(والاستغفار يكون توبة إذا جمع معاني التوبة وشروطها، وهي الإقلاع عن الذنب إن كان متلبسا به وعقد العزم على أن لا يعود إليه فيما بقي من عمره، والندم على ما فات، وبذلك تتداخل التوبة والاستغفار فيكون الاستغفار توبة والتوبة طلب مغفرة.
مسألة: هل التسبيح أفضل أم الاستغفار؟
قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في الوابل الصيب: وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يوماً سئل بعض أهل العلم: أيما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟
فقال: إذا كان الثوب نقياً فالبخور وماء الورد أنفع له وإن كان دنساً فالصابون والماء الحار أنفع له، فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟ أهـ
(فضل الاستغفار:
ينبغي على طالب العلم أن يلزم الاستغفار وأن يتمسك به وأن يعض عليه بالنواجذ وأن يغرف منه غرفاً لأنه دواء الذنوب فطوبى لمن وُجِد في صحيفته استغفارٌ كثير، وللاستغفار فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم وهاك بعض فضائله:
(1) أنه طاعة لله عز وجل وامتثال أمر الله تعالى، والله تعالى تارة يؤمر به كقوله تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل/20)
وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر: 3]
وتارة يذكر الله عز وجل أنه يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء/110)
قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 135]
وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) (آل عمران/17)،
ولقد أمر الله تعالى رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو أتقى الخلق بإخلاص الدين وإدامة الاستغفار، فقال عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19].
والاستغفار جاء على ألسنة أنبياء الله ورسله:
فعلى لسان نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوه ُ) [فصلت: 6]
وقال على لسان نبيّه هود عليه الصلاة والسلام: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) [هود:52]
وجاء على لسان صالح عليه الصلاة والسلام: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) [هود:61]
وعلى لسان شعيب عليه الصلاة والسلام (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود:90]
(2) التأسي بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
فلقد كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ملازماً للاستغفار آناء الليل وأطراف النهار:
(حديث الأغرِّ المُزني في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: والمراد هنا ما يتغشى القلب.
قال القاضى: قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه فإذا فَتَرَ عنه أو غفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي.
(حديث أبي بكر الصديق الثابت في الصحيحين) أنه قال لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
(حديث عليٍّ الثابت في صحيح مسلم) قال: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
(حديث عبد الله بن بُسر في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال طوبى لمن وُجد في صحيفته استغفارا كثيرا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَلَجَاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من صلاته بادر إلى الاستغفار،
(حديث ثوبان الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ثم قال: اللهم أنت السلام و منك السلام تباركت يا ذا الجلال و الإكرام.
وحجاج بيت الله الحرام مأمورون بالاستغفار بعد الإفاضة من عرفة والمشعر الحرام، ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:199].
وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال مكحول: ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة.
وكان مكحول كثير الاستغفار.
(3) الاستغفار سبب لغفران الذنوب:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) [سورة: نوح: 10]
(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن إبليس لعنه الله قال وعزتك وجلالك لا أبرح أُغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا ابرح أغفر لهم ما استغفروني.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَلَجَاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.
(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي.
يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السّمَاءِ ثُمّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي.
يا ابنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
(معنى عنان السماء: قيل هو السحاب وقيل هو ما عَنَّ لك منها أي ما ظهر لك منها.
وقد ورد في حديث أنس أهم الأسباب التي يغفر الله عز وجل بها الذنوب وهي:
أحدها: الدعاء مع الرجاء:
يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، فإن الدعاء مأمور به موعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
[غافر/60]
فالدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه،
وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه،
ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى،
فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرة من غير ربه،
ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره فقوله: " إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي " يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك،
ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه.
فذنوب العباد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها،
كما قال الإمام الشافعي عند موته:
وَلمّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَت مَذَاهِبِي... جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوكَ سُلَّمًا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعظَمَ
الثاني الاستغفار: فلو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء ـ وهو السحاب،
وقيل: ما انتهى إليه البصر منها ـ ثم استغفر العبد ربه عز وجل، فإن الله يغفرها له.
روي عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني عود لسانك اللهم اغفر لي فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً.
وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متي تنزل المغفرة.
الثالث التوحيد: وهو السبب الأعظم ومن فقده حُرِمَ المغفرة،
ومن أتى به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة.
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء/166) قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في معنى قوله: " يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة"
يُعْفَى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك،
فلو لقى الموحد الذي لم يشرك بالله ألبتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضةٌ، والدافع لها قوي، ومعنى " قُراب الأرض " ملؤها أو ما يقارب ذلك، ولكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر بفضله ورحمته، وإن شاء عذب بعدله وحكمته، وهو المحمود على كل حال.
قال بعضهم: الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار،
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيمًا وإجلالاً ومهابة وخشية ورجاء وتوكلاً، وحينئذٍ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات،
فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات،
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: كما أن الله عز وجل لا يقبل طاعات المشركين فنرجو أن يغفر الله عز وجل ذنوب الموحدين أو معناه.
(4) الاستغفار سبب لنزول سبب لنزول الأمطار:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)
[سورة: نوح:10،11]
(5) الإمداد بالأموال والبنين:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [سورة: نوح:12:10]
(6) دخول الجنات:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [سورة: نوح:12:10]
جاء ثلاثة إلى الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه واشتكى الأول قلة المطر فقال له أكثر من الاستغفار، واشتكى الثاني العقم فقال له أكثر من الاستغفار، واشتكى الثالث جدب الأرض وقلة النبات فقال له أكثر من الاستغفار.
فقال له أحد جلسائه: يا ابن رسول الله كلُ الثلاثةِ مختلف الشكاية وأنت وحدت الجواب بينهم فقال رضي الله تعالى عنه أما قرأتم قول الله تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً، يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لّكُمْ أَنْهَاراً) [سورة: نوح:12:10] أهـ
(7) زيادة القوة بكل معانيها:
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود: 52]
(8) الاستغفار من أسباب تنزل الرحمات الإلهية قال تعالى: لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]
(9) دفع البلاء:
قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].
(10) والمستغفرون يمتعهم ربهم متاعاً حسناً، فيهنئون بحياة طيبة، ويسبغ عليهم سبحانه مزيداً من فضله وإنعامه: وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3].
(11) وبالاستغفار تُختتم العبادات ليُقِرَ العبدُ بتقصيرهِ فيُغفرُ له ذنبه قال تعالى: في الحج: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:199]
(12) وأثنى الله على المستغفرين بأوقات السحر فقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)
[آل عمران:17]
(13) الاستغفار سبب لإيتاء كل ذي فضل فضله:
قال تعالى على لسان نبيّه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود:3]
(14) وبالاستغفار يُودّع الميت:
(حديث عثمان بن عفان الثابت في صحيح أبي داود) قال كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل.
(15) وبالاستغفار تتحاتّ الخطايا والذنوب:
(حديث زيد بن حارثة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف.
(الآثار الواردة في فضل الاستغفار:
قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: ما ألهم الله سبحانه عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه
وقال قتادة رحمه الله تعالى: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم فأما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار.
قال بكر عبد الله المزني: أنتم تكثرون من الذنوب فاستكثروا من الاستغفار، فإن الرجل إذا وجد في صحيفته بين كل سطرين استغفار سرّه مكان ذلك.
قال سفيان الثوري لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين:
لا أقوم حتى تحدثني.
قال له جعفر: أنا أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير.
يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقائها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عز وجل قال في كتابه: (لئن شكرتم لأزيدنكم) وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) يا سفيان إذا حَزَبَك أمرٌ من سلطان أو غيره فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة.
فعقد سفيان بيده وقال ثلاث ونصف ثلاث.
قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله، ولينفعنه الله بها.
وفي وصية علي بن الحسن المسلمي: وأكثر ذكر الموت، وأكثر الاستغفار مما قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك.
طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً.
كما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كان الإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقضي ليلته في المسجد ولكن مُنع من المبيت في المسجد بواسطة حارس المسجد، حاول معه الإمام ولكن لا جدوى، فقال له الإمام سأنام موضع قدمي، وبالفعل نام الإمام أحمد بن حنبل مكان موضع قدميه فقام حارس المسجد بجرّه لإبعاده من مكان المسجد، وكان الإمام أحمد بن حنبل شيخ وقور تبدو عليه ملامح الكبر، فرآه خباز فلما رآه يُجرّ بهذه الهيئة عرض عليه المبيت، وذهب الإمام أحمد بن حنبل مع الخباز، فأكرمه ونعّمه، وذهب الخباز لتحضير عجينه لعمل الخبز، المهم أن الإمام أحمد بن حنبل سمع الخباز يستغفر ويستغفر، ومضى وقت طويل وهو على هذه الحال فتعجب الإمام أحمد بن حنبل، فلما أصبح سأل الإمام أحمد الخباز عن استغفاره في الليل:
فأجابه الخباز: أنه طوال ما يحضر عجينه ويعجن فهو يستغفر
فسأله الإمام أحمد: وهل وجدت لاستغفارك ثمره؟
والإمام أحمد سأل الخباز هذا السؤال وهو يعلم ثمرات الاستغفار و يعلم فضل الاستغفار وفوائده.
فقال الخباز: نعم، والله ما دعوت دعوة إلا أُجيبت، إلا دعوة واحدة!
فقال الإمام أحمد: وما هي؟
فقال الخباز: رؤية الإمام أحمد بن حنبل!
فقال الإمام أحمد: أنا أحمد بن حنبل والله إني جُررت إليك جراً!!
(فهذه بعض فضائل الاستغفار ومنافعه جلاّها لنا ربنا في كتابه، وأفصح عنها رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما صح من خبره، تَحْمِلُ أهل الإيمان وأرباب التقوى على البدار بالتوبة وكثرة الاستغفار، غير أن هذه المنح الإلهية والفضائل الربانية إنما تحصل للمستغفرين الله تعالى حقاً وصدقاً، إذ الاستغفار ليس بأقوال ترددها الألسن، وعبارات تكرر بين الحين والآخر فحسب، وإنما الاستغفار الحق ما تواطأ عليه القلب واللسان، وندم صاحبه على ما بدر منه من ذنوب وآثام، وعزم ألا يعود على اقتراف شيء من ذلك، إذ هذه أركان التوبة النصوح التي أمر الله تعالى بها العباد، ووعد عليها تكفير الخطيئات والفوز بنعيم الجنات، فقال عز شأنه: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]،
قال الإمام القرطبي -رحمه الله-:
"قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار، ويثبت معناه في الجنان، وليس التلفظ بمجرد اللسان، فمن استغفر بلسانه، وقلبه مصرّ على معصيته، فاستغفراه يحتاج إلى استغفار"، وقال بعض العلماء: "من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيحُ توبته فهو كاذب، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه".
وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
(وإن من نفاذ البصيرة، وصدق الإيمان كثرة التوبة والاستغفار على الدوام، فذلك هدي رسول الهدى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول أبو هريرة -رضي الله عنه-: (ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
(وهكذا شأن أرباب العزائم وأهل الإيمان الخلّص، يلجئون إلى الله على الدوام، ويكثرون التوبة والاستغفار، صادقين مخلصين غير يائسين ولا مصرين، قد ملأت خشية الله قلوبهم، ورسخت في مقام الإحسان أقدامهم، فهم بين مراقبة ربهم وشهود أعمالهم الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ [آل عمران:16، 17], أولئك هم العارفون المتقون، يؤدون الفرائض، ويكثرون من الطاعات والنوافل، ثم يسارعون إلى الاستغفار خشية التقصير أو الإخلال فيما قدموا من صالح الأعمال، كَانُواْ قَلِيلاً مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17،18].
(فضل الاستغفار لعامة المؤمنين:
(حديث عبادة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ حسنة.
(أهمية الاستغفار في حق النساء:
الاستغفار في حق النساء مهم جداً لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء النساء، قال
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن جزلة ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت يا رسول الله وما نقصان العقل والدين قال أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين.
(أفضل الاستغفار:
أفضل الاستغفار أن يبدأ بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل ربه بعد ذلك المغفرة كما في حديث سيد الاستغفار:
(حديث شداد بن أوس في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سيدُ الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة و من قالها من الليل و هو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة.
وقوله: " أبوء لك بنعمتك علي " أي أعترف لك،
و " أبوء بذنبي " أي أعترف وأقر بذنبي.
(ومن أفضل الاستغفار أن يقول العبد: " أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب.
(حديث زيد بن حارثة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف.
(رابعاً الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(فضل الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
إن الله تعالى بقدرته وسلطانه بعث نبينا محمد وخصّه وشرّفه بتبليغ الرسالة فكان رحمةً للعالمين وإماماً للمتقين وجعله هادياً للطريق القويم فلزم على العباد طاعته وتوقيره والقيام بحقوقه ومن حقوقه أن الله اختصه بالصلاة عليه وأمرنا بذلك في كتابه الحكيم وسنة نبيه الكريم حيث كتب مضاعفة الأجر لمن صلّى عليه فما أسعد من وفق لذلك.
(وعلى ذلك فينبغي على طالب العلم أن يلزم الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما لها من فضائل عظيمة ومزايا جسيمة منها ما يلي:
- امتثال أمر الله تعالى حيث أمر بالصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في محكم التنزيل: قال تعالى: (إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ صَلّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) [الأحزاب / 56]
- حصول عشر صلوات من الله تعالى على المصلي على النبي إذا صلى على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرةً واحدة.
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله و أرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة.... (3) يُحَطُ عنه عشر خطيئات ويُرْفعُ له عشر درجات.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى اللَّه عليه عشر صلوات، وحُطت عنه عشر خطيئات، ورُفعت له عشر درجات. - أنها سببٌ لنيل شفاعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صلى عليَّ أو سأل ليَ الوسيلة حقت عليه شفا عتي يوم القيامة.
- أنها سبب لكفاية العبد هم الدنيا وهم الآخرة.
(حديث أبي بن كعب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي فقال ما شئت قال قلت الربع قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قال قلت فالثلثين قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تُكْفَى هَمُك ويغفر لك ذنبك.
﴿تنبيه﴾: (... المقصود بالصلاة هنا الدعاء.
قال المنذري: قوله: «فكم أجعل لك من صلاتي» معناه: إني أكثر الدعاء، فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك؟ [الترغيب والترهيب جـ2 ص389] وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قوله: «أجعل لك صلاتي كلها» أي أصرف بصلاتي عليك جميع الذي كنت أدعو به لنفسي.
وقوله: «إذًا تُكفى همك» يعني إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة عليَّ أُعطيت خَيْريْ الدنيا والآخرة [تحفة الأحوذي جـ7 ص129، 130] (5) أنها سبب لغفران الذنوب: (حديث أبي بن كعب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي فقال ما شئت قال قلت الربع قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قال قلت فالثلثين قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك. - أنها ترمي بصاحبها على طريق الجنة.
(حديث ابن عباس في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ك من نسيَ الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة.
﴿تنبيه﴾: (المقصود بالنسيان هنا هو الترك كقوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىَ) (طه – 126)، وليس المقصود بالنسيان هنا الذهول لأن الإنسان لا يؤاخذ بالنسيان. - أنها تنفي عن العبد اسم (البخيل) إذا صلى عليه عند ذكره: (حديث علي في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البخيلُ الذي من ذكرت عنده فلم يصلي عليّ.
- أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن من لم يصلي عليه فقد خاب وخسر وألصقت أنفه بالتراب، وما ذلك إلا لفوات الأجر والفضل.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي و رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له و رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة. - أنه يرجى إجابة دعائه إذا قدمها بين يدي الدعاء:
(حديث عمر في صحيح الترمذي موقوفاً) قال: إن الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(حديث فضالة بن عُبيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى ولم يصل على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عجَّل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله عز وجل وعز والثناء عليه ثم يصلي على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يدعو بعد بما شاء.
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الترمذي) قال كنت أصلي و النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم دعوت لنفسي فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سل تُعطه سل تُعطه.
(حديث عمر الثابت في صحيح الترمذي موقوفا) قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(10) أنها سبب لقرب العبد منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم القيامة:
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة.
(11) أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه وذكره عنده:
(حديث أوس بن أوس رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثرُوا علي من الصلاةِ يومَ الجمعةِ, فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ.
قالوا كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ قال إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام.
(وكفى بالعبد نبلاً أن يذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله.
(12) أنها سبب لرد النبي الصلاة والسلام على المصلي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما مِنْ أحَدٍ يُسلِّمُ عليَّ, إلا رَدَّ الله عليَّ رُوحي حتَّى أرُدّ عليهِ السَّلامَ.
(13) أنها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما جلس قومٌ مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترةٌ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
ترةٌ: حسرة وندامة
(معنى الصلاة والسلام على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما) ً [الأحزاب:56]
قال ابن كثير رحمه الله: المقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه تصلي عليه الملائكة ثم أمر الله تعالى العالم السفلي بالصلاة والسلام عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً) أ. هـ.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في جلاء الأفهام: (والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسوله فصلوا عليه أنتم أيضاً صلوا عليه وسلموا تسليماً لما نالكم ببركة رسالته ويمن سفارته، من خير شرف الدنيا والآخرة) أ. هـ.
(وقال أيضاً: «معنى صلاة اللَّه على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الثناء على الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والعناية به، وإظهار شرفه، وفضله وحرمته، وصلاتنا على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: تعني أننا نطلب من اللَّه الزيادة في ثنائه على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإظهار فضله وشرفه وتكريمه وتقريبه له [جلاء الأفهام ص261، 262]
وقد ذُكر في معنى الصلاة على النبي أقوال كثيرة، والصواب ما قاله أبو العالية:
قال أبو العالية: «صلاة اللَّه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء –أي: أنَّ الملائكة تطلب من اللَّه الزيادة من ثنائه على النبي.
أهـ
وقال ابن عباس: «يصلون: يَُبِّركون» -أي: يدعون له بالبركة- البخاري -كتاب التفسير- باب 10.
قال الحليمي: «معنى الصلاة على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صلِّ على محمدٍ: عظِّم محمدًا.
قال ابن حجر: «المراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود.
(وقال أيضًا: «معنى صلاة اللَّه على نبيه: ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم: طلب ذلك له من اللَّه -تعالى-، والمراد طلب الزيادة، لا طلب أصل الصلاة [فتح الباري جـ11 ص16].
(حُكم الصلاة على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله عشرة أقوال في المسألة؛ فمن العلماء من قال: إنها سنة بإطلاق، ومنهم من قال: إنها واجبة بإطلاق، ومنهم من قال: إنها واجبة في الصلاة وسنة في غيرها، وهي أقوال كثيرة، ولكن الراجح بالنسبة لحكم الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة -والله تعالى أعلم- أنها ركن من أركان الصلاة، وهذا هو الراجح من مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ فهي كقراءة الفاتحة أو القيام أو الركوع وما أشبه ذلك.
أما في غير الصلاة، فهي واجبة عند ذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يجوز أن تترك إلا إذا سها عنها الإنسان أو نسيها.
أما مع التذكر فلا يجوز للإنسان أن يترك الصلاة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو تكرر ذكره في المجلس، وهذا جزء يسير من حقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أمته.
ومما يدل على وجوب الصلاة على النبي ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله عشرة أقوال في المسألة؛ فمن العلماء من قال: إنها سنة بإطلاق، ومنهم من قال: إنها واجبة بإطلاق، ومنهم من قال: إنها واجبة في الصلاة وسنة في غيرها، وهي أقوال كثيرة، ولكن الراجح بالنسبة لحكم الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصلاة -والله تعالى أعلم- أنها ركن من أركان الصلاة، وهذا هو الراجح من مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ فهي كقراءة الفاتحة أو القيام أو الركوع وما أشبه ذلك.
أما في غير الصلاة، فهي واجبة عند ذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يجوز أن تترك إلا إذا سها عنها الإنسان أو نسيها.
أما مع التذكر فلا يجوز للإنسان أن يترك الصلاة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو تكرر ذكره في المجلس، وهذا جزء يسير من حقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أمته.
(ومما يدل على وجوب الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خارج الصلاة الأدلة الآتية:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي و رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له و رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة.
رغم أنف: يعني لصق بالتراب ذلاً وهوانًا.
(حديث علي في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البخيلُ الذي من ذكرت عنده فلم يصلي عليّ.
(حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد! من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين قال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين قال: و من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما جلس قومٌ مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترةٌ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
ترةٌ: حسرة وندامة
(حديث ابن عباس في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ك من نسيَ الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة.
(معنى التسليم على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
السلام: هو السلامة من النقائص والآفات فإن ضم السلام إلى الصلاة حصل بها المطلوب وزال به المرهوب فبالسلام يزول المرهوب وتنتفي النقائص وبالصلاة يحصل المطلوب وتثبت الكمالات - قاله الشيخ محمد بن عثيمين.
والسلام معناه طلب السلامة من الآفات، فهذه الصيغة فيها سؤال الله تعالى أن يحقق الخيرات لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالثناء عليه في الملأ الأعلى وإزالة الآفات والسلامة منها.
مسألة: لماذا خُصَّ المؤمنون بالسلام دون اللَّه والملائكة؟
الجواب: لأن السلام هو تسليم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مما يؤذيه، فلما جاءت هذه الآية عقيب ذِكْر ما يؤذي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم﴾ [الأحزاب:53]، والأذية إنما هي من البشر، فناسب التخصيص بهم والتأكيد، وإليه الإشارة بما ذكره بعده».
[الفتوحات الإلهية للعجيلي جـ3 ص454.
(المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي ويرغب فيها:
(1) قبل الدعاء:
(حديث فضالة بن عُبيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى ولم يصل على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عجَّل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله عز وجل وعز والثناء عليه ثم يصلي على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يدعو بعد بما شاء.
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الترمذي) قال كنت أصلي و النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم دعوت لنفسي فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سل تُعطه سل تُعطه.
(حديث عمر الثابت في صحيح الترمذي موقوفا) قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات.
فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه نجح.
فأركانه: حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعهالأسباب، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على النبي)
(2) بعد ترديد الأذان:
(حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله و أرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة.
(3) عند ذكره وسماع اسمه أو كتابته:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ.
وَرَغِم أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلمْ يُدْخِلاَهُ الْجَنّةَ)
(3) الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة:
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلةَ الجمعة, فمنْ صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه عشراً.
(حديث أوس بن أوس رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثرُوا علي من الصلاةِ يومَ الجمعةِ, فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ.
قالوا كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ قال إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في زاد المعاد: ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيد الأنام ويوم الجمعة سيد الأيام فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة وهو يوم المزيد له إذا دخلوا الجنة وهو يوم عيد لهم في الدنيا ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم ولا يرد سائلهم وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته.
ا هـ. (1)
(5) الصلاة على النبي في الرسائل وما يكتب بعد البسملة:
قال القاضي عياض: (ومن مواطن الصلاة التي مضى عليها عمل الأمة ولم تنكرها: ولم يكن في الصدر الأول، وأحدث عند ولاية بني هاشم - الدولة العباسية - فمضى عمل الناس في أقطار الأرض.
ومنهم من يختم به أيضاً الكتب)
(6) عند دخول المسجد وعند الخروج منه:
(حديث فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قالت كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا دخل المسجد يقول بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك.
(7) في الصباح والمساء:
(حديث أبي الدر داء في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صلى عليَّ حين يصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي يوم القيامة.
(8) بعد التشهد الأخير في الصلاة:
(حديث فضالة بن عُبيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى ولم يصل على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عجَّل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله عز وجل وعز والثناء عليه ثم يصلي على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يدعو بعد بما شاء.
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الترمذي) قال كنت أصلي و النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم دعوت لنفسي فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سل تُعطه سل تُعطه.
(9) عند ختام المجلس:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما جلس قومٌ مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترةٌ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
ترةٌ: حسرة وندامة
(صفة الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(حديث كعب بن عُجرة الثابت في الصحيحين) قال: قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
(أبي حميد الساعدي الثابت في الصحيحين) قال: قالوا: يا رسول اللَّه، كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزوجه وذريته كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد.
(التحذير من ترك الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمدًا:
عدَّ بعض العلماء ترك الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمدًا عند سماع ذكره من الكبائر:
قال الإمام ابن حجر في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر:
الكبيرة الستون ترك الصلاة على النبي عند سماع ذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أهـ
(إن من ترك الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع حرمانه من الخيرات الكثيرة، فإنه تصيبه أوصاف تذم فعله وتصفه بصفات لا يتمناها المسلم لنفسه، منها ما يلي:
1 الدعاء عليه برغم الأنف:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي و رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له و رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة.
رغم أنف: يعني لصق بالتراب ذلاً وهوانًا.
﴿تنبيه﴾: (... إن المسلم حين يعلم أن الحديث جمع بين العاق لوالديه عند الكبر، وبين من أدرك رمضان فلم يغفر له، وبين من ذكر عنده النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فلم يصل عليه، يدرك مدى العقوبة التي تنتظر هذا الذي لا يصلي على النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إذا ذكر اسمه.
2 وصفه بالبخل:
(حديث علي في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البخيلُ الذي من ذكرت عنده فلم يصلي عليّ.
3 وصفه بالبعد:
(حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد! من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين قال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين قال: و من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين.
(4) يخطئ طريق الجنة:
(حديث ابن عباس في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ك من نسيَ الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة.
(5) أن من جلس في مجلس فلم يذكروا الله ولم يصلوا على رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كان هذا المجلس عليهم حسرة يوم القيامة:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما جلس قومٌ مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترةٌ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
ترةٌ: حسرة وندامة
مسألة: ما هو حكم كتابة اسم الرسول الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدون الصلاة أو السلام عليه؟
هذا من الجفاء والتقصير في حق النبي المصطفى والرسول المجتبى عليه الصلاة والسلام.
بل كره العلماء إفراد السلام عليه دون الصلاة، بأن يقول: "عليه السلام".
كما كرهوا كتابة الصلاة عليه مختصرة كـ: (ص) أو (صلعم) ونحوها.
قال السيوطي رحمه الله تعالى: وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يسأم من تكراره، ومن أغفله حُرم حظاً عظيماً.
أ. هـ.
وقال السخاوي رحمه الله تعالى: قال حمزة الكناني: كنت أكتب الحديث فكنت أكتب عند ذكر النبي ولا أكتب وسلم، فرأيت النبي في المنام فقال: "مالك لا تتم الصلاة عليّ؟ " فما كتبت بعد صلى الله عليه إلا كتبت: "وسلم".أ. هـ.
وقال أيضاً: صرَّح ابن الصلاح بكراهة الاقتصار على: "عليه السلام" فقط.
أ. هـ.
نقل الإمام البيهقي في شُعبِ الإيمان عن الحَلِيمي أنه قال: معلوم أن حقوقَ رسولِ الله صلى الله عليه أجلُّ وأعظمُ وأكرمُ وألزمُ لنا، وأوجب علينا من حقوقِ الساداتِ على مماليكهم، والآباءِ على أولادِهم؛ لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصمَ به لنا أرواحَنا وأبدانَنا وأعراضَنا وأموالَنا وأهلينا وأولادَنا في العاجلة وهدانا به، كما إذا أطعناه أدّانا إلى جنات النعيم، فأية نعمةٍ توازي هذه النعم؟ وأيّةُ مِنّةٍ تُداني هذه المِنن؟
ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعتَه، وتَوعّدنا على معصيته بالنار، ووعدنا بأتِّباعه الجنة.
فأيُّ رُتْبَةٍ تضاهي هذه الرتبة؟ وأيّةُ درجةٍ تساوي في العُلى هذه الدرجة؟
فَحَقٌّ علينا إذاً أن نحبَّه ونجلَّه ونعظِّمَه ونهيبه أكثر من إجلال كلِّ عبدٍ سيدَه، وكلِّ وَلَدٍ والدَه، وبمثل هذا نطق الكتاب، ووردت أوامر الله جل ثناؤه، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:156]، فأخبر أن الفلاحَ إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيرَه، ولا خلاف في أن التعزير ههنا التعظيم،
وقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:9]
فَأبَانَ أن حقَّ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمته أن يكونَ معزراً موقّراً مَهيباً، ولا يُعامل بالاسترسال والمباسطة كما يُعامِل الأكْفَاء بعضُهم بعضاً، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ [النور:63]
فقيل في معناه: لا تجعلوا دعائه إياكم كدعاءِ بعضِكم بعضاً فتؤخِّروا إجابته بالأعذار والعلل التي يؤخِّرُ بها بعضُكم إجابة بعض، ولكن عَظِّموه بسرعةِ الإجابة، ومعاجلةِ الطاعة، ولم تُجعل الصلاة لهم عذراً في التخلف عن الإجابة إذا دعا أحدَهم وهو يصلي، إعلاماً لهم بأن الصلاة إذا لم تكن عذراً يُستباح به تأخير الإجابة، فما دونها من معاني الأعذار أبعد.
انتهى كلامه رحمه الله.
ومِنْ جَعْلِ دعاء الرسول كدعاء بعضنا بعضاً أن يُذكر اسمه كما يُذكر اسم غيره دون صلاة ولا تسليم.
وهذا لازم من لوازم محبته.
وترك الصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام عند ذِكره علامة على البخل (حديث علي في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البخيلُ الذي من ذكرت عنده فلم يصلي عليّ.
ومن ذُكر عنده النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو ذَكّرّه هو فلم يُصلِّ عليه فهذا علامة حِرمان، لقوله عليه الصلاة والسلام: "من نسي الصلاة عليّ خطئ طريق الجنة"
(حديث ابن عباس في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ك من نسيَ الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة.
فعلى أهل العلم أن يكونوا أسوة وقدوة، وأن يُعظّموا نبي الله، وقد تقدم قوله تبارك وتعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وتقدم قول الحليمي: فأخبر أن الفلاحَ إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره، ولا خلاف في أن التعزير ههنا التعظيم.
أ. هـ.
(حُكم جهر المؤذن بالصلاة على النبي بعد الأذان:
إن جهر كثير من المؤذنين بالصلاة على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عقب الأذان بدعة لم يفعلها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والمؤذنون في عهده، ولم يفعلها الصحابة والخلفاء الراشدون والتابعون مع عِلْمهم بفضل الصلاة على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وحرصهم على الطاعات، ولو كان ذلك خيرًا لسبقونا إليه، ومن المعلوم أن ألفاظ الأذان عبادة مبنية على التوقيف، لا يجوز الزيادة فيها ولا النقصان.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
قال الإمام مالك بن أنس:
«من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خان الرسالة؛ لأن اللَّه -تعالى- يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِين﴾ [المائدة:3]، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا [الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم جـ6 ص225]
حكم الصلاة على غير نبينا محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
سوف نتناول الحديث عن هذه المسألة من عِدة وجوه بإيجاز شديد:
أولاً: الصلاة على الأنبياء والمرسلين: قال ابن القيم: «سائر الأنبياء والمرسلين يُصلى عليهم ويُسلَّم [جلاء الأفهام ص627]
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صلوا على أنبياء اللَّه ورسله فإن اللَّه بعثهم كما بعثني.
ثانيًا: الصلاة على آل نبينا محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جميعًا بمعنى أن نقول: اللهم صلِّ على آل محمد.
قال ابن القيم: «آل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصلي عليهم بلا خلاف بين الأمة».
[جلاء الأفهام ص636]
ثالثًا: هل يُصلى على آل نبينا محمد منفردين؟ بمعنى أن يفرد واحد منهم بالذكر، فيُقال: اللهم صلِّ على علي، أو اللهم صلِّ على الحسن أو الحسين أو فاطمة ونحو ذلك، وهل يُصلى على أحد من الصحابة ومَنْ بَعْدهم؟
قال الإمام النووي -رحمه اللَّه- عند الإجابة عن هذين السؤالين: «الصحيح، الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نُهينا عن شعارهم [الأذكار للنووي ص159]
قال ابن القيم: «إن الرافضة إذا ذكروا أئمتهم يصلون عليهم بأسمائهم، ولا يصلون على غيرهم ممن هو خير منهم وأحب إلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فينبغي أن يُخالفوا في هذا الشعار [جلاء الأفهام ص640]
فائدة هامة: قال الإمام النووي: «اتفق العلماء على جواز جَعْل غير الأنبياء تبعًا لهم في الصلاة، فيُقال: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه، للأحاديث الصحيحة في ذلك، وقد أُمرنا به في التشهد، ولم يزل السلف عليه خارج الصلاة أيضًا [الأذكار للنووي ص160]
(خامساً الدعاء:
(تعريف الدعاء وحقيقته:
(تعريف الدعاء في اللغة: الدعاء لغة: الطلب والابتهال: يُقال: دعوتُ الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير (1) ودعا الله: طلب منه الخير ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر (2).
(تعريف الدعاء في الشرع: أما في الشرع فقد عرف بعدة تعريفات لعل أفضلها هو تعريف الإمام الضياء اللامع ابن القيم
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الدعاء هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه.
وحقيقته: إظْهَارُ الافْتِقَارِ إلى الله تعالى، والتَّبرُؤ من الحول والقوة، وهو سِمَةُ العبودية، واسْتِشْعَارُ الذِّلْةِ البَشَرِيَّةِ، وفيه معنى الثَّنَاءُ على الله عزَّ وجلَّ، وإضافة الجُودِ والكَرَمِ إليه (3).
وقال الشيخ علي الحذيفي: حقيقة الدعاءِ تَعْظِيمُ الرَّغْبَةِ إلى الله في قضاءِ الحاجاتِ الدُنْيِوِيَةِ والأخْرَوِيَةِ، وكَشْفِ الكُرُبَاتِ ودَفْعِِ الشُّرُورِ والمَكْرُوهَاتِ الدُّنيوية والأخْرَوِيَةِ 1. فَضْلُ اَلْدُّعَاء وَبَيَانُ أنَّ اَلْدُّعَاء مِنْ أعْظَمِ أنْوَاعِ اَلْعِبَادَاتِ (أنواع الدعاء:
(كل دعاء ورد في الكتاب والسنة فإنه يتناول نوعين اثنين، ويندرج تحتهما، وهذان النوعان هما:
(1) دعاء المسألة.
(2) دعاء العبادة.
(الأول: دعاء المسألة، وهو السؤال والطلب من الله تعالى، كأن تقول: رب اغفر لي واهدني، فهذا دعاء عبادة وطلب من الله عز وجل، وهذا واضح معروف.
(الثاني: دعاء العبادة، فالصلاة دعاء، والصوم دعاء، والحج دعاء، وذلك لأن العبد الذي يتلبس بعبادة من هذه العبادات يفعل ذلك ولسان حاله: يا رب أنت أمرتني فاستجبت لك وأطعتك، وهاأنذا متلبس بهذه العبادة فاقبلها مني، وهذا فيه معنى التضرع والسؤال والدعاء، وأصل معنى الصلاة في اللغة هو الدعاء، فالثناء والعبادة المحضة من أفضل الدعاء، فاستحضار مثل هذه المعاني يقرّب العبد من ربه، ويجعل العبادة أكثر قرباً إلى مقاصدها التعبدية.
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الداعين _ يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
وهذه قاعدة نافعة؛ فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة _ دعاء المسألة فقط، ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء.
وهذا خطأ جرهم إلى ما هو شر منه؛ فإن الآيات صريحة في شموله لدعاء المسألة، ودعاء العبادة.
تعريف دعاء المسألة: هو أن يطلب الداعي ما ينفعه، وما يكشف ضره.
أوهو ما تضمن مسألة، أو طلبًا، كأن يقول الداعي: أعطني، أكرمني، وهكذا...
(وهذا النوع على ثلاثة أضرب:
(1) سؤال الله ودعاؤه: كمن يقول: اللهم ارحمني واغفر لي، فهذا من العبادة لله.
(2) سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه المسئول: كأن يطلب من ميت أو غائب أن يطعمه، أو يغيثه، أو أن يشفي مرضه، فهذا شرك أكبر.
(3) سؤال غير الله فيما يقدر عليه المسؤول: كأن يطلب من حيٍّ قادرٍ حاضرٍ أن يطعمه، أو يعينه فهذا جائز.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد مضت السُّنَّةُ أن الحيَّ يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه.
وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء.
1
ومن هذا قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: (فَاسْتَغَاثَهُ الّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الّذِي مِنْ عَدُوّهِ) [القصص / 15]
(تعريف دعاء العبادة: أما دعاء العبادة فهو شامل لجميع القربات الظاهرة والباطنة؛ لأن المتعبد لله طالب وداعٍ بلسان مقاله ولسان حاله ربَّه قبولَ تلك العبادة، والإثابة عليها، فهو العبادة بمعناها الشامل.
(ولهذا لو سألت أي عابد مؤمن: ما قَصْدُك بصلاتك، وصيامك، وحجك، وأدائك لحقوق الله وحق الخلق؟ _ لكان قلب المؤمن ناطقًا قبل أن يجيبك لسانه: بأن قصدي من ذلك رضا ربي، ونيل ثوابه، والسلامة من عقابه؛ ولهذا كانت النية شرطًا لصحة الأعمال وقبولها وإثمارها الثمرة الطيبة في الدنيا والآخرة.
2
ولهذا فَصَرْفُ دعاء العبادة لغير الله يعد شركًا أكبر؛ لأن من يدعو غير الله إنما يتقرب إليه حتى يجيب دعاءه، ويثيبه على فعله.
(وهكذا دعاء المسألة إلا فيما يوجه للمخلوق الحي، الحاضر، القادر؛ فليس من العبادة؛ لقصة موسى المذكورة في سورة القصص، وهي قوله_سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الّذِي مِنْ عَدُوّهِ) [القصص / 15]
والأدلة في ذلك كثيرة.
(تلازم نوعي الدعاء: من خلال ما مضى يتبين لنا أن نوعي الدعاء متلازمان؛ ذلك أن الله _ عز وجل _ يُدعى لجلب النفع ودفع الضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاءً دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان؛ فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
3
(أمثلة لتلازمهما 4:
(1) قال تعالى: (وَقَالَ رَبّكُمْ ادْعُونِيَ أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر/ 60] أي أستجب طلبكم، وأتقبل عملكم.
ولهذا قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ) [غافر / 60]]، فسمى ذلك عبادة؛ وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب سؤله بلسان المقال، والعابد يطلب من ربه القبول والثواب، ومغفرة الذنوب بلسان الحال.
(2) قال تعالى: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ) [الأعراف / 29
فَوَضْعُ كلمة الدِّين موضع كلمة العبادة_ وهو كثير في القرآن _ يدل على أن الدعاء هو لب الدين، وروح العبادة.
ومعنى الآية هنا: أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم، وأخلصوا له أعمال البر والطاعة.
(3) قال تعالى: (وَإِذَا مَسّ الإِنسَانَ الضّرّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً) [يونس / 12]
يدخل في قوله: دعانا (دعاءُ المسألة)؛ فإنه لا يزال مُلِحًّا بلسانه، سائلاً دفع ضرورته.
ويدخل في (دعاء العبادة)؛ فإن قلبه في هذه الحال يكون راجيًا طامعًا، منقطعًا عن غير الله، عالمًا أنه لا يكشف ما به من سوء إلا الله، وهذا دعاء عبادة.
(4) قال تعالى: (ادْعُواْ رَبّكُمْ تَضَرّعاً وَخُفْيَةً) [الأعراف / 55]
فقوله تعالى ادعوا يدخل فيه الأمران؛ فكما أن من كمال دعاء الطلب كثرةَ التضرع، والإلحاح، وإظهار الفقر والمسكنة، وإخفاء ذلك، وإخلاصه _ فكذلك دعاء العبادة؛ فإن العبادة لا تتم، ولا تكمل إلا بالمداومة عليها، ومقارنة الخشوع، والخضوع، وإخفائها، وإخلاصها لله _ تعالى _.
(5) قال تعالى: (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلََهاً آخَرَ) [الشعراء / 213]
وقوله تعالى: (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) [المؤمنون / 117] وقوله تعالى (فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللّهِ أَحَداً) [الجن / 18]
يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ فكما أن من طلب من غير الله حاجة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك كافر _ فكذلك من عبد مع الله غيره فهو مشرك كافر.
(6) وقوله تعالى قال تعالى: (وَللّهِ الأسْمَآءُ الْحُسْنَىَ فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف /180] يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
أما دعاء المسألة فإنه يسأل الله تعالى في كل مطلوب باسم يناسب ذلك المطلوب ويقتضيه، فمن سأل رحمة الله ومغفرته دعاه باسم الغفور الرحيم، ومن سأل الرزق سأله باسم الرزاق، وهكذا...
أما دعاء العبادة فهو التعبد لله _ تعالى _ بأسمائه الحسنى، فيفهم أولاً معنى ذلك الاسم الكريم، ثم يديم استحضاره بقلبه حتى يمتلئ قلبه منه؛ فالأسماء الدالة على العظمة والكبرياء تلأ القلب تعظيمًا وإجلالاً لله _ تعالى _.
والأسماء الدالة على الرحمة، والفضل، والإحسان تملأ القلب طمعًا في فضل الله، ورجاء رَوْحِه ورحمته.
والأسماء الدالة على الود، والحب، والكمال تملأ القلب محبة، وَوُدًّا، وتألُّهًا، وإنابة إلى الله _ تعالى _.
والأسماء الدالة على سعة علمه، ولطيف خُبره _ توجب مراقبة الله، والحياء منه، وهكذا...
وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجل الأوصاف، ولا يزال العبد يجاهد نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية.
(حاجة الناس إلى الدعاء:
(إن من المعلوم شرعاً أن الناس في أمس الحاجة إلى الدعاء لأنهم مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم ودفع مضارهم، في أمور دينهم ودنياهم، قال تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ أنتُمُ الفُقراءُ إلى اللهِ واللهُ هوَ الغنيُّ الحَميدُ﴾ [فاطر /15] ومما يوضح ذلك ويبينه الحديث الآتي: (حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
(فلا يوجد مؤمن إلا ويعلم أن النافع الضار هو الله سبحانه، وأنه تعالى يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويرزق من يشاء بغير حساب، وأن خزائن كل شيء بيده، وأنه تعالى لو أراد نفع عبد فلن يضره أحد ولو تمالأ أهل الأرض كلهم عليه، وأنه لو أراد الضر بعبد لما نفعه أهل الأرض ولو كانوا معه.
لا يوجد مؤمن إلا وهو يؤمن بهذا كله؛ لأن من شك في شيء من ذلك فليس بمؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[يونس: 107].
فلا ينفع ولا يضر إلا الله تعالى ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53]
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 67] سقطت كل الآلهة، وتلاشت كل المعبودات وما بقي إلا الله تعالى ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 67] ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ [الفتح:11]
لا يسمع دعاء الغريق في لجة البحر إلا الله.
ولا يسمع تضرع الساجد في خلوته إلا.
ولا يسمع نجوى الموتور المظلوم وعبرته تتردد في صدره، وصوته يتحشرج في جوفه إلا الله.
ولا يرى عبرة الخاشع في زاويته والليل قد أسدل ستاره إلا الله ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى {7﴾ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى} [طه:8]
(وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم،
قال تعالى: (يَأَيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ) [فاطر / 15]
فالعباد لا يملكون لأنفسهم شيئاً من ذلك كله، وأن من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق، فإنه يحرمها في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوْبَقَتْه خطاياه في الآخرة 1.
فجميعُ الخلق مفتقرون إلى الله، مفتقرون إلى الله في كل شؤونِهم وأحوالِهم، وفي كلِ كبيرةٍ وصغيره، وفي هذا العصرُ تعلقَ الناسُ بالناسِ، وشكا الناسُ إلى الناس، ولا بئسَ أن يُستعانُ بالناس في ما يقدرون عليه، لكن أن يكونَ المُعتمَدُ عليهم، والسؤال إليهم، والتعلقُ بهم فهذا هو الهلاكُ بعينه، فإن من تعلق بشيٍ وكلَ إليه.
(والإنسان لا يستغني عن ربه طرفة عين ولا أقل من ذلك، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يردد كثيرا: " لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
(حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.
فقيراً جئتُ بابك يا إلهي......... ولستُ إلى عبادك بالفقيرِ
غنياً عنهمُ بيقينِ قلبي........... وأطمعُ منك في لفضلِ الكبيرِ
الهي ما سألتُ سواك عونا...... فحسبي العونُ من ربٍ قديرِ
الهي ما سألتُ سواك عفوا..... فحسبي العفوُ من ربٍ غفورِ
الهي ما سألتُ سواك هديا..... فحسبي الهديُ من ربٍ بصيرِ
إذا لم أستعن بك يا الهي...... فمن عونيِ سواك ومن مجيرِ
(ولله درُ من قال:
دعوني أناجي مولى جليلا... إذا الليل أرخى على السدولا
نظرت إليك بقلب ذليل... لأرجو به يا إلهي القبولا
لك الحمد والمجد والكبرياء... وأنت الإله الذي لن يزولا
وأنت الإله الذي لم يزل... حميدًا كريمًا عظيمًا جليلا
تميت الأنام وتحيي العظام... وتنشى الخلائق جيلا فجيلا
عظيم الجلال كريم الفعال... جزيل النوال تنيل السؤولا
حبيب القلوب غفور الذنوب... تواري العيوب تقيل الجهولا
وتعطي الجزيل وتولي الجميل... وتأخذ من ذا وذاك القليلا
خزائن جودك لا تنقضي... تعمّ الجواد بها والبخيلا
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن رجلاً قال لذي النون وهو يعظ الناس: يا شيخ، ما الذي أصنع؟ كلما وقفت على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى.
قال له: يا أخي، كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ترامى عليها، وكلما طردته، تقرّب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها.
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن الحسن البصري قيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ فقال: خلوا بالرحمن، فألبسهم نورا من نوره.
إن الفرار إلى الله، واللجوء إليه في كلِ حالٍ وفي كل كربٍ وهم، هو السبيلُ للتخلصَ من ضعفنا وفتورنا وذلنا و هواننا.
إن في هذه الدنيا مصائبَ ورزايا، ومحناً وبلايا، آلامُ تضيقُ بها النفوس، ومزعجاتُ تورث الخوفَ والجزع، كم في الدنيا من عينٍ باكيةٍ؟
وكم فيها من قلب حزين؟
وكم فيها من الضعفاءِ والمعدومين، قلوبُهم تشتعل، ودموعُهم تسيل؟ هذا يَشْكُ علةً وسقما، عزيزٌ قد ذل، وغنيٌ افتقر، وصحيحٌ مرض، رجل يتبرم من زوجه وولده، وآخرُ يشكُ ويئنُ من ظلمِ سيده.
وثالثٌ كسدة وبارت تجارته، شاب أو فتاة يبحث عن عروس، وطالب يشكو كثرة الامتحانات والدروس.
هذا مسحور وذاك مدين، وأخر ابتليَ بالإدمان والتدخين، ورابعُ أصابه الخوفُ ووسوسةُ الشياطين.
وذاك حاجةً وفقرا.
وآخر هماً وقلقا.
تلك هي الدنيا، تضحكُ وتبكي، وتجمعُ وتشتت، شدةُ ورخاءُ وسراءٌ وضراءُ.
وصدق الله العظيم: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).
[الحديد / 23]
فارفع يديك وأسل دمع عينيك، وأظهر فقرك وعجزك، واعترف بِذُلِكَ وضَعْفَك.
(والدعاء سلاحٌ عجيب ٌ فَعَّال وسهمٌ نافذ لا يخيب:
إن الحياة قد طبعت على كدر، وقلما يسلم الإنسان من خطر، مصائب وأمراض، حوادث وأعراض، أحزان وحروب وفتن، ظلم وبغي، هموم وغموم.
ويتقلب الناس في هذه الدنيا بين فرح وسرور، و شدة وبلاء، وفقر وغنى وتمر بهم سنين ينعمون فيها، وتعصف بهم أخرى عجاف، يتجرعون فيها الغصص أو يكتوون بنار البُعد والحرمان.
وهذه هي حقيقة الدنيا إقبال وإدبار فرح وحزن، شدة ورخاء، سقم وعافية إلا أن الله تعالى لطيف بعباده رحيم بخلقه، فتح لهم باباً يتنفسون منه الرحمة، وتنزل به على قلوبهم السكينة والطمأنينة، ألا وهو باب الدعاء.
ولا يزال المؤمن بخير ما تعلق قلبه بربه ومولاه، كيف لا يكون كذلك وبيده سلاح لا كأي سلاح، سلاح لا تصنعه مصانع الغرب أو الشرق, إنه أقوى من كل سلاح مهما بلغت قوته ودقته، والعجيب في هذا السلاح أنه عزيز لا يملكه إلا صنف واحد من الناس, لا يملكه إلا المؤمنون الموحدون, إنه سلاح رباني، سلاح الأنبياء والأتقياء على مرّ العصور.
سلاح نجى الله به نوحًا عليه السلام فأغرق قومه بالطوفان, ونجى الله به موسى عليه السلام من الطاغية فرعون, نجى الله به صالحًا, وأهلك ثمود, وأذل عادًا وأظهر هودَ عليه السلام, وأعز محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مواطن كثيرة.
سلاح حارب به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه أعتى قوتين في ذلك الوقت: قوة الفرس, وقوة الروم, فانقلبوا صاغرين مبهورين، كيف استطاع أولئك العرب العزَّل أن يتفوقوا عليهم وهم من هم, في القوة والمنعة, ولا يزال ذلكم السلاح هو سيف الصالحين المخبتين مع تعاقب الأزمان وتغير الأحوال ’ تلكم العبادة وذلكم السلاح هو الدعاء.
هذا السلاح يطفيء نيران الدبابات.
بل إن الاسرى يُفكون بهذا السلاح
جاء مالك الأشجعى إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال أُسر ابنى عوف فقال له النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوا قيده فسقط القيد فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها و أقبل فمر بغنم للعدو فاستاقها فجاء بها إلى أبيه وقص عليه الخبر فقال أبوه قف حتى أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عنها، فلما أخبره بذلك قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اصنع بها ما أحببت ونزل قول الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) 1
(والدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل، وسهمٌ لا يخيب وأعجز الناس من عجز عن الدعاء، وإليك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في هذا:
(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يغني حذر من قدر و الدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل و إن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا و إما أن يدخر له في الآخرة ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل.
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلاَّ أعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاث: ٍ إِمَّا أنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أنْ يَصْرِف عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا" قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ:" اللَّهُ أكْثَرُ "0
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء.
(أعجز الناس من عجز عن الدعاء): أعظم ما يشق على المسلم أن يغلق عليه في الدعاء،
قال عمر بن الخطاب:
" أني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل همّ الدعاء" فاذا فتح على العبد في دعائه من معاني الحمد والثناء دعا الله وحسن الظن به والتعلق والرجاء به وتعظيم الرغبة مما عند الله والثقة بوعد الله فينبغي عليه أن يقبل على الدعاء وأن يصرف همته في ذلك لاسيما في الأزمان والأماكن الفاضلة, وعند نزول الضر وحصول الشدائد, ومن أكثر طرق هذا الباب فتح له, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
يقول جعفر الصادق رضي الله عنه:
عجبت لأربعة كيف يغفلون عن أربع:
عجبت لمن أصابه ضر كيف يغفل عن قول الله: (أَنّي مَسّنِيَ الضّرّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ) [الأنبياء / 83]
والله سبحانه وتعالى يقول: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ) [الأنبياء / 84]
وعجبت لمن أصابه غم كيف يغفل عن قول الله: (لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء /87]
والله سبحانه وتعالى يقول: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذالِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء /88]
وعجبت لمن يخاف كيف يغفل عن: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)
[آل عمران /173]
،والله تعالى يقول: (فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء)
[آل عمران /174]
وعجبت لمن يمكر به الناس كيف يغفل عن (وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر /44]
، والله تعالى يقول: (فَوقَاهُ اللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوء الْعَذَابِ)
[غافر /45]
أخى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه،
أخى: هل عندك أسير تريد فك أسره،
أخى: ألست فى حاجة إلى الله (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله)
أخي: في كل ذلك عليك بالتضرع إلى الله،،،،،،،،،
أخي الحبيب هل وقفت مع نفسك؟
كم مرة انطرحت بين يدي الله؟
كم مرة أحسستَ فيها بصدق المناجاة؟
أليس لك حاجة بل حاجات إلى رب الأرض والسماوات؟
أعجَزتَ أن تنفع نفسك بدعوة صالحة؟ علّ الله أن ينفعك بها.
أخي من أدمن طرق الباب يوشك أن يفتح له..... زد في الطرق يزاد لك في العطاء... من رب الارض والسماوات.
إلهي:
كم لك سواي، وما لي سواك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، فبفقري إليك وغناك عني، وبقوتك وضعفي، وبعزك وذلي، إلا رحمتني وعفوت عني، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عينه، وذل لك قلبه، الله لا تعذب نفساً قد عذبها الخوف منك، ولا تخرس لساناً كل ما يرويه عنك، ولا تقذ (أى لا تعمي) بصراً طالما بكى من مخافتك، ولا تخيب رجاء هو معلق بك، ولا تحرق بالنار وجهاً سجد لعظمتك، ولا تعذب بناناً كتب في طاعتك ولا لساناً دل الناس على شريعتك!! يا أرحم الراحمين!! يا الله.
اللهم يا موضع كل شكوى، ويا سمع كل نجوى، ويا شاهد كل بلوى، يا عالم كل خفية، و يا كاشف كل بلية، يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين ندعوك دعاءَ من أشدت فاقته، وضعفت قوته، وقلت حيلته دعاء الغرباء المضطرين الذين لا يجدون لكشف ما هم فيه إلا أنت.
يا أرحم الراحمين أكشف ما بنا وبالمسلمين من ضعف وفتور وذل وهوان.
يا سامعا لكل شكوى أعن المساكين والمستضعفين وأرحم النساء الثكالى والأطفال اليتامى وذي الشيبة الكبير، إنك على كل شيء قدير.
(ألم يأن لنا أن ننتبه إلى أن الدعاءُ أكرم شيء على الله، شرعه الله لحصول الخير ودفع الشر، فالدعاءُ سبب عظيم للفوز بالخيرات والبركات، وسببٌ لدفع المكروهات والشرورِ والكربات، والدعاءُ من القدَر ومن الأسبابِ النافعة الجالبة لكلِّ خير والدافعة لكل شرّ.
الدعاء به تُفرّجُ الشِّدّائد، وتُنفّسُ الكُرب فكم سمعنا عمن أُغلقت في وجهه الأبواب، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم طَرَقَ باب مسبب الأسباب، وألحّ على الله في الدعاء، ورفع إليه الشكوى، وبكى فَفُتِحَتْ له الأبواب، وانفرج ما به من شِدّة وضيق.