مقدمة في فضل علم الآداب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ.
﴿تنبيه﴾: السبب في ذلك لأن ذلك يكون سبباً في الطمع وسوء الخلق.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في المشكل:
فأما حكم الحديث فإن هذا إنما يكون في الجماعة، والعادة تناول تمرة واحدة، فإذا قرن الإنسان زاد على الجماعة واستأثر عليهم، فافتقر إلى الأذن.
اهـ (1).
والنهي هنا إما للتحريم أو الكراهة وكلٌ قد قال به أهل العلم.
وذهب النووي إلى التفصيل فقال: والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركاً بينهم فالقران حرام إلا برضاهم ويحصل الرضا بتصريحهم به أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حالٍ أو إدلال عليهم كلهم بحيث يعلم يقيناً أو ظناً قوياً أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام، وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القران، ثم إن كان في الطعام قلة فحسن أن لا يقرن لتساويهم، وإن كان كثيراً بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقاً التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستعجلاً ويريد الإسراع لشغل آخر (2).
مسألة: هل يقاس على التمر غيره من صنوف الطعام التي تتناول إفراداً؟
الجواب: نعم يقاس عليه ما كانت العادة بتناوله إفراداً.
قال ابن تيمية: وعلى قياسه قران كل ما العادة جارية بتناوله إفراداً (3).
(12) التواضع في الأكل:
(حديث أبي جُحَيفة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا آكُلُ مُتَّكِئًا.
﴿تنبيه﴾: والسبب في ذلك أن الإتكاء حال الأكل من صفات المتكبرين والعياذ بالله.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: (1). كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 565) رقم (1165)
(2). شرح مسلم.
المجلد السابع (13/ 190)
(3). الآداب الشرعية (3/ 158)
اختلف في صفة الاتكاء فقيل: أن يتمكن من الجلوس للأكل على أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته... وقال ابن حجر: وإذا ثبت كونه مكروهاً أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى (1). ووجه الكراهة في ذلك أن هذه الهيئة من فعل الجبابرة وملوك العجم، وهي جلسة من يريد الإكثار من الطعام (2).
(حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قَالَ
أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً فَجَثَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا.
(حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: آكل كما يأكل العبد و أجلس كما يجلس العبد.
(حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ
أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ.
قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْمًا لِمَوَادِّ الْكِبْرِ، وَقَطْعًا لِذَرَائِعِ الاعْجَابِ، وَكَسْرًا لِأَشَرِ النَّفْسِ، وَتَذْلِيلًا لِسَطْوَةِ الاسْتِعْلاَءِ.
(13) عدم الأكل منبطحاً على بطنه أو الجلوس على ما حرم الله: (1). فتح الباري (9/ 452). قلت: وهذه الصفة أعني: نصب الرجل اليمنى والجلوس علىاليسرى، رواها أبو الحسن بن المقري في الشمائل من حديثه (كان إذا قعد استوفز على ركبته اليسرى وأقام اليمنى... ) وسنده ضعيف.
قاله العراقي في تخريج إحياء علوم الدين.
(2/ 6). ط. دار الحديث، الطبعة الأولى 1412هـ.
(2). انظر زاد المعاد (4/ 222)، وفتح الباري (9/ 452)
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَطْعَمَيْنِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ وَأَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ.
والحديث صريحٌ في النهي، والعلة في ذلك أن الجلوس مع وجود ذلك المنكر فيه إشعارٌ بالرضا والإقرار عليه (1).
﴿فائدة﴾: هديه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هيئة الجلوس للأكل: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل وهو مقعٍ، ويُذكر عنه أنه كان يجلس للأكل متوركاً على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعاً لربه عزو جل، قاله ابن القيم (2).
فأما الأولى:
(حديث أَنَسُ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقْعِيًا (3) يَأْكُلُ تَمْرًا.
وأما الثانية:
(حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قَالَ
أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً فَجَثَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا.
(14) الْأَكْلُ عَلَى السُّفَر أَوْلَى مِنْ الْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ:
(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قُلْتُ لِقَتَادَةَ عَلَامَ يَأْكُلُونَ قَالَ عَلَى السُّفَرِ.
الخِوَان: وهو مرتفع يهيأ ليؤكل الطعام عليه كالطاولة.
سُكْرُجَة: إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل كالسلطة والمقبلات.
ولا يعني هذا أنه يحرم الأكل على الطاولة أو ما ارتفع ولكن الأفضل الأكل على الأرض لأنه هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(15) كَرَاهِيَةِ الأَكْلِ مِنْ وَسَطِ الطّعَام: (1). انظر عون المعبود.
المجلد الخامس (10/ 178)
(2). زاد المعاد (4/ 221)
(3). أي جالساً على إليته ناصباً ساقيه.
شرح مسلم.
المجلد السابع (13/ 188)
(حديث ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أنّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ: "إنّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ وَسَطَ الطّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ".
وخُص الوسط بنزول البركة، لأنه أعدل المواضع، وعلة النهي حتى لا يُحرم الآكل البركة التي تحِلُ في وسطه، وقد يُلحق به ما إذا كان الآكلون جماعة، فإن المتقدم منهم إلى وسط الطعام قبل حافته قد أساء الأدب معهم، واستأثر لنفسه بالطيب دونهم، والله أعلم (1).
(16) جواز الأكلُ قائما:
(حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: "كُنّا نَأَكُلُ على عَهْدِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ".
﴿تنبيه﴾: وعلى هذا فيُحمل الحديث الآتي على كراهية التنزيه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ.
(17) لا يعيب الطعام إن اشتهاه أكله وإلا تركه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: مَا عَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ.
﴿تنبيه﴾: وهذا دليلٌ أوفى عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الطَّعَامِ إلَّا مَا يَشْتَهِيهِ, لَا يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى تَنَاوُلِ مَا لَا يُرِيدُهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَضَرِّ شَيْءٍ بِالْبَدَنِ, وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21].
وعيب الطعام كقولك: مالح قليل الملح حامض رقيق غليظ غير ناضج ونحو ذلك، قاله النووي (2). وعلة النهي في ذلك؛ لأن الطعام خلقة الله فلا تعاب، وفيه وجهٌ آخر وهو أن عيب الطعام يُدخل على قلب الصانع الحزن والألم لكونه الذي أعده وهيأه، فسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الباب حتى لا يجد الحزن طريقاً إلى قلب المسلم، والشريعة تأتي بمثل هذا دائماً.
(1). انظر عون المعبود.
المجلد الخامس (10/ 177)
(2). شرح مسلم.
المجلد السابع (14/ 22)
مسألة: هل يتعارض هذا الحديث مع امتناع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أكل الضب (1)، وهل يُعد قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الضب: (... فأجدني أعافه) وفي رواية: (هذا لحم لم آكله قط) امتناعه من عيب الطعام؟
الجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين، وليس قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الضب من عيب الطعام، بل هو إخبارٌ عن سبب امتناعه، وهو أنه لا يشتهي هذا النوع من الطعام ولم يعتاده.
قال النووي: وأما حديث ترك أكل الضب فليس هو من عيب الطعام، إنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا أشتهيه (2).
﴿تنبيه﴾: هذا لا يعارض كون النبي يعجبه الذراع ويحب الدباء.
كان يعجبه الذراع:
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يعجبه الذراع.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(كان يعجبه الذراع) وتمامه عند الترمذي وسم في الذراع أي في فتح خيبر جعل فيه سم قاتل لوقته فأكل منه لقمة فأخبره جبريل أو الذراع الخلاف المعروف بأنه مسموم فتركه ولم يضره السم أى يطيب ويحسن في مذاقه ولم يصب من قال في نظره إلا أن يريد بالنظر الرأي والاعتقاد وذلك لأنها ألين وأعجل نضجاً وأبعد عن موضع الأذى.
يحب الدُبَّاء:
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن خياطا دعا رسول الله لطعام صنعه، قال أنس ابن مالك: فذهبت مع رسول الله إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله خبزا ومرقا، فيه دباء وقديد، فرأيت النبي يتتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ.
(18) استحباب الاجتماع على الطعام:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ.
(1).البخاري، مسلم (1946)، أحمد (2679)، النسائي (4316)، أبو داود (3794)، ابن ماجه (3241)، مالك (1805)، الدارمي (2017)
(2). شرح مسلم.
المجلد السابع (14/ 22)
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَحَبُ الطَعَامِ إِلَى اللهِ مَا كَثُرَتْ عَلَيهِِ الأَيْدِي.
(حديث وَحْشِيٍّ ابن حرب الثابت في صحيح ابن ماجة) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ.
(19) أن يبدأ بالطعام الْأَكْبَرُ وَالْأَعْلَمُ:
(حديث حُذَيْفَةُ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كُنَّا إذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعَ يَدَهُ.
(20) تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة:
جاءت الأحاديث بالوعيد الشديد لمن شرب في آنية الذهب والفضة، أو أكل في صحافهما.
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث حُذيفة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الحرير و الديباج و الشرب في آنية الذهب و الفضة وقال: هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة.
(حديث أم سلمة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ.
وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الشرب بها (1). وليس ثمة نصٌ في علة هذا الحكم، والمسلم إذا جاءه الدليل من الكتاب أو من السنة الصحيحة، لا ينبغي له أن يتعداه قيد أنملة، ولا يتكلف التأويل ليستسيغ الفعل.
وقد تطرق بعض أهل العلم لحكمة هذا النهي واختلفوا فيه، فمن هذه العلل: التشبه بالجبابرة وملوك الأعاجم، والسرف والخيلاء، وأذى الصالحين والفقراء الذين لا يجدون من ذلك ما بهم الحاجة إليه.
قاله ابن عبد البر 0 (2).
﴿فائدة﴾: قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: (1). ذكر الاجماع ابن عبد البر في التمهيد (16/ 104)، وابن المنذر.
انظر فتح الباري (10/ 97). ولا شك أن الأكل في حكم الشرب.
(2). التمهيد (16/ 105). وانظر فتح الباري (10/ 97)
قال الإسماعيلي: قوله: (ولكم في الآخرة) [في رواية] أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله.
قلت [أي: ابن حجر]: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما تقدم في شرب الخمر (1).
(21) انتظار الطعام الساخن حتى يبرد:
(حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة) أنها كانت إذا ثردت غطته شيئاً حتى يذهب نوره ودخانه، ثم تقول: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إنه أعظم للبركة.
(22) تجنب الإسراف والمخيلة:
(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ أَوْ مَخِيلَةٌ.
(23) لا يستحب الوضوء قبل الأكل:
(حديث بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَقَالُوا أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ فَقَالَ إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ.
آدَابِ أَكْلِ التَّمْرِ:
(1) تَفْتِيشُهُ لِتَنْقِيَتِهِ:
(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قال:
أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ.
(2) يأكل التمر ويلقي النوى بين أصبعيه:
(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي فَقَرَّبْنَا إلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إصْبَعَيْهِ وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ قَالَ فَقَالَ أَبِي وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتَهُ: اُدْعُ اللَّهَ لَنَا فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقَتْهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ.
(1). فتح الباري (10/ 98)
الْوَطْبَةُ: بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ الْحَيْسُ, يَجْمَعُ التَّمْرَ الْبَرْنِيَّ وَالْأَقِطَ الْمَدْقُوقَ وَالسَّمْنَ, وَضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ وَطِئَةٌ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْرِ الطَّاء وَبَعْدهَا هَمْزَةٌ قِيلَ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إصْبَعَيْهِ أَيْ: يَجْعَلُهُ بَيْنَهُمَا لِقِلَّتِهِ وَقِيلَ كَانَ يَجْمَعُهُ عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ ثُمَّ يُرْمَى بِهِ.
(3) النهي عن القران بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه:
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ.
﴿تنبيه﴾: السبب في ذلك لأن ذلك يكون سبباً في الطمع وسوء الخلق.
مراعاة صفة الأطعمة عند الجمع بينها:
(حديث عبد الله بن جعفر الثابت في الصحيحين) قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأكل الرطب بالقثاء.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قالت: أرادت أمي أن تسمنني لدخولي على رسول الله فلم أقبل عليها بشيء مما تريد حتى أطعمتني القثاء بالرطب فسمنت عليه كأحسن السمن.
(حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:"أنّ النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ يَأْكُلُ البِطّيخَ بالرّطَبِ".
فضل الحلوى والعسل:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قالت: كان النبي يحب الحلوى والعسل.
(24) تقديم الأكل على الصلاة عند حضور الطعام:
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ.
والعلة في ذلك؛ لئلا يقوم المرء ونفسه تتوق إلى الطعام فيحصل له من التشويش الذي يذهب معه خشوعه.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:
روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس: (أنهما كانا يأكلان طعاماً وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال هل ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شئ)
وفي رواية ابن أبي شيبة: (لئلا يعرض لنا في صلاتنا) (1).
وليس هذا الأمرُ خاصاً بالعشاء وحده إنما هو في كل طعام تتشوف النفس إليه، ويؤيد ذلك نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة بحضرة الطعام، وعند مدافعة الأخبثان، والعلة ظاهرة في الحديث الآتي:
(حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ.
﴿فائدة﴾: قال بعض العلماء: من حضر طعامه ثم أقيمت الصلاة، فإنه ينبغي عليه أن يأكل لقيمات يكسر بها سورة الجوع.
ورد ذلك النووي فقال: وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ولا يعجلن حتى يفرغ منه) دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقماً يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح وهذا الحديث صريحٌ في إبطاله (2).
مسألة: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، فهل يجب الأكل منه للظاهر الحديث، أم أن ذلك على الاستحباب؟
الجواب: فعل ابن عمر-رضي الله عنهما- في رواية أحمد وغيره، يدل على تقديم الأكل مطلقاً، ومن أهل العلم من قيد ذلك بتعلق النفس وتشوفها إلى الطعام، فإن كانت نفسه تتوق إلى الطعام فإن الأولى في حقه أن يصيب منه حتى يقبل على صلاته وهو خاشع، ومن ذلك قول أبي الدرداء-رضي الله عنه- من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يُقبل على صلاته وقلبه فارغ (3). والمختار من ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر- فإنه بعد أن ساق أثر ابن عباس، وأثر الحسن ابن علي: (العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة) قال: وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجوداً وعدماً ولا يتقيد بكل أو بعض (4).
(25) الأكل مما يلي الآكل: (1). فتح الباري (2/ 189)
(2). مسلم بشرح النووي.
المجلد الثالث (5/ 38)
(3). علقه البخاري في كتاب الأذان.
باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة.
وهذا الأثر وصله ابن المبارك في كتاب الزهد.
وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة من طريقه.
قاله ابن حجر.
فتح الباري (2/ 187)
(4). فتح الباري (2/ 189 - 190)
(حديث عمر بن أبي سلمى رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.
وعلة النهي في ذلك: لأن الأكل من موضع أيدي الناس فيه سوء أدب، وقد يتقذر الآكلين من هذا الفعل ـ وهو الغالب ـ. لكن قد يعترض علينا معترضٌ فيقول: ما تقولون في حديث أنس قال: إن خياطاً دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطعام صنعه فذهبت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقرب خبز شعير ومرقاً فيه دباءٌ وقديدٌ رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتتبع الدباء من حوالي القصعة (1). والجواب عن هذا الاعتراض أنه لا تعارض بين الحديثين، ونقول: ما قاله ابن عبد البر: إن المرق والادام وسائر الطعام، إذا كان فيه نوعان أو أنواع، فلا بأس أن تجول اليد فيه، للتخير مما وضع على المائدة... ثم قال- معلقاً على قوله: (وكل مما يليك) -: وإنما أمره أن يأكل مما يليه، لأن الطعام كله كان نوعاً واحداً، والله أعلم.
كذا فسره أهل العلم (2). وبهذا يتضح الجمع بين الحديثين -والله الموفق-.
(26) استحباب الأكل بعد ذهاب حرارته:
(حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أنها كانت إذا ثردت (3) غطته شيئاً حتى يذهب فوره، ثم تقول: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إنه أعظم للبركة).
(1). البخاري (5436) واللفظ له، مسلم (2041)، أحمد (12219)، الترمذي (1850)، أبو داود (3782)، مالك (1161)، الدارمي (2050). والدباء هو القرع، وجاء مصرحاً به في رواية أحمد.
قال: (قُدمت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصعةٌ فيها قرع، قال: وكان يعجبه القرع، قال: فجعل يلتمس القرع بأصبعه أو قال بأصابعه).
والقديد: هو اللحم المملح المجفف بالشمس.
(2). التمهيد (1/ 277)
(3). أي صنعت ثريداً.
وقال أبو هريرة-رضي الله عنه-: (لا يؤكل طعام حتى يذهب بخاره) (1). ولم يكن [النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] يأكل طعاماً في وقت شدة حراراته، قاله ابن القيم (2). وأقرب المعاني للبركة هنا هو ما يحصل به التغذيه وتسلم عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله وغير ذلك، قاله النووي (3).
(27) أكل اللحم غير موجب للوضوء:
(حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ
أَكَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خُبْزًا وَلَحْمًا وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا.
(28) النهى عن أكل طعام المتباريين:
(حديث ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ.
طعام المتباريين: هما المتعارضان بفعلهما ليعجز أحدهما الآخر بصنيعه وإنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء.
(29) استحباب الكلام على الطعام:
مخالفة للعجم فإنها من عاداتهم (4) والمشابهة منهيٌ عنها.
قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية:
قال إسحاق بن إبراهيم: تعشيت مرة أنا وأبو عبد الله [أحمد بن حنبل] وقرابة له، فجعلنا لا نتكلم وهو يأكل ويقول: الحمد لله وبسم الله، ثم قال: أكلٌ وحمدٌ خيرٌ من أكل وصمت.
ولم أجد عن أحمد خلاف هذه الرواية صريحاً، ولم أجدها في كلام أكثر الأصحاب.
والظاهر أن أحمد -رحمه الله- اتبع الأثر في ذلك؛ فإن من طريقته وعادته تحري الاتباع (5).
آداب الشراب:
آداب الشراب:
للشراب آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب الأكل والشرب جملةً وتفصيلا:
أولاً آداب الشراب جملةً:
(1) كراهية التنفس في الإناء والنفخ فيه:
(2) التنفس خارج الإناء:
(3) السنة في الشرب اليمن فالأيمن:
(4) كراهية الشرب من فَمِ الْقِرْبَةِ أَوْ السِّقَاءِ:
(5) النهي عن اختناث الأسقية:
(6) يَحرُم الشرب في آنية الذهب و الفضة:
(7) تغطية الأسقية:
(8) استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً: (1). قال الألباني في إرواء الغليل (1978): صحيح: أخرجه البيهقي (7/ 2580)
(2). زاد المعاد (4/ 223)
(3). شرح مسلم.
المجلد السابع (13/ 172)
(4). انظر إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 11) دار الحديث ط. الأولى 1412هـ
(5). الآداب الشرعية (3/ 163)
(9) يُفضَل الشراب الحلو البارد: (10) المضمضة من شرب اللبن: (10) المضمضة من شرب اللبن: (13) حكم الأكل أو الشرب في أواني أهل الكتاب: (14) إباحة الشرب دفعة واحدة: ثانيا آداب الشراب تفصيلا:
(1) كراهية التنفس في الإناء والنفخ فيه:
من آداب الشرب، أن لا يتنفس الشارب في الإناء، ولا ينفخ فيه، وفي ذلك أحاديث صحيحة، فمنها ما يلي:
(حديث أبي قتادة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ.
(حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ النَفْخِ فِي الشَرَابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: القَذَاةُ أَرَاهَا فِي الإِنَاءِ، قَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيْكَ، ثُمَّ تَنَفَس.
والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك، قاله النووي (1).
وأما النفخ في الشراب فإنه يُكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولاسيما إن كان متغير الفم.
وبالجملة: فأنفاس النافخ تخالطه، ولهذا جمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين النهي عن التنفس في الإناء والنفخ فيه، قاله ابن القيم.. (2).
(2) التنفس خارج الإناء:
(حديث أبى سعيد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيْكَ، ثُمَّ تَنَفَس.
(3) السنة في الشرب اليمن فالأيمن: (1). شرح صحيح مسلم.
المجلد الثاني (3/ 130)
(2). زاد المعاد (4/ 235)
(حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: أنها حلبت لرسول الله شاة داجن، وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطى رسول الله القدح فشرب منه، حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر، وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال: (الأيمن فالأيمن).
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: أتي رسول الله بقدح فشرب، وعن يمينه غلام هو أحدث القوم، والأشياخ عن يساره، قال: (يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ).
فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه.
(4) كراهية الشرب من فَمِ الْقِرْبَةِ أَوْ السِّقَاءِ:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ أَوْ السِّقَاءِ.
في الحديث نهيٌ صريح عن الشرب من فم القربة أو السقاء، والذي ينبغي هو صبُ الشراب في الإناء ثم الشرب منه.
وهذا النهي حمله بعض أهل العلم على التحريم وحمله بعضهم على كراهة التنزيه وهم الأكثر، ومنهم من جعل أحاديث النهي ناسخة للإباحة (1). وقد ذكر أهل العلم بعض الحكم التي من أجلها جاء هذا النهي، نذكر بعضاً منها:
فمنها: أن تردد أنفاس الشارب فيه يُكسبه زُهومة ورائحة كريهة يُعاف لأجلها، ومنها: أنه ربما يكون في القربة أو السِّقاء حشرات أو حيوانات أو قذاة أو غيرها لا يشعر بها الشارب فتدخل في جوفة فيتضرر بها، ومنها: أنه ربما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره (2). ومنها: أن ريق الشارب ونَفَسه قد يكون ممرضاً غيره، لما ثبت عند الأطباء أن العدوى قد تنتقل عن طريق الريق والنفس.
(5) النهي عن اختناث الأسقية:
(حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نهى عن اختناث الأسقية.
(6) يَحرُم الشرب في آنية الذهب و الفضة:
(حديث حُذيفة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الحرير و الديباج و الشرب في آنية الذهب و الفضة وقال: هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة.
(1). انظر فتح الباري (10/ 94)
(2). انظر زاد المعاد (4/ 233)، وفتح الباري (10/ 94)، و الآداب الشرعية (3/ 166).
(حديث أم سلمة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ.
(7) تغطية الأسقية:
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ وَغَلِّقُوا الْأَبْوَابَ وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.
(وخَمِّروا الطعام والشراب) أي استروه وغطوه.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: خَمِّرُوا الْآنِيَةَ وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ.
(8) استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً:
(حديث أبي قتادة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا.
ودلالة هذا الحديث ظاهرة في أن من تولى سقاية قوم فإنه يقدمهم على نفسه ويكون هو آخرهم شرباً اقتداءً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(9) يُفضَل الشراب الحلو البارد:
(حديث عائَشةَ رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي) قالت: "كانَ أحَبّ الشّرَابِ إلى رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحُلْوَ الْبَارِدَ".
(10) المضمضة من شرب اللبن:
(حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ إِنَّ لَهُ دَسَمًا.
(حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الثابت في صحيح ابن ماجة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَضْمِضُوا مِنْ اللَّبَنِ فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا.
(11) حكم الشرب قائما:
القول الصحيح الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدلة هو جواز الشرب قائما وعليه يُحمل الآتي:
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِم.
(حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: "كُنّا نَأَكُلُ على عَهْدِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ".
﴿تنبيه﴾: وعلى هذا فيُحمل الحديث الآتي على الكراهة:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ.
(12) لا يجوز انتباذ التمر والزبيب معا لأن كلاً منهما من جنس ما يُسْكِر:
(حديث أبي قتادة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يُجمع بين التمر والزَّهْوِ، والتمر والزبيب، ولْيُنْبَذْ كل واحد منهما على حدة.
(13) حكم الأكل أو الشرب في أواني أهل الكتاب:
(حديث أبي ثعلبة الثابت في الصحيحين) قال: قلتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَومٍ أَهْلَ كِتَابٍ، أَفَنَأكُلُ فِي آنِيَتَهُم قَالَ: لَا تَأْكُلُوا فِيهَا إِلَا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيْهَا.
(14) إباحة الشرب دفعة واحدة:
(حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ النَفْخِ فِي الشَرَابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: القَذَاةُ أَرَاهَا فِي الإِنَاءِ، قَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيْكَ، ثُمَّ تَنَفَس.
قال مالك: فكأني أرى في ذلك الرخصة، أن يشرب من نفس واحد ما شاء، ولا أرى بأساً بالشرب من نفس واحد، وأرى فيه رخصة لموضع الحديث: (أني لا أروى من نفس واحد) (1).
وقال شيخ الإسلام: وفيه دليل-أي الحديث المتقدم- على أنه لو روى في نفس واحد ولم يحتج إلى النفس جاز، وما علمت أحداً من الأئمة أوجب التنفس، وحرم الشرب بنفس واحد (2). (1). التمهيد لابن عبد البر: (1/ 392)
(2). الفتاوى (32/ 209)
آداب قضاء الحاجة:
آداب قضاء الحاجة:
لقضاء الحاجة آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب قضاء الحاجة جملةً وتفصيلا: أولاً آداب قضاء الحاجة جملةً: (1) اجتناب الملاعن الثلاث: 1 يحرُم البول في الماء الراكد (الدائم): (3) كراهية دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله: (4) لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها في الفضاء ويجوز في البنيان: (5) ما يقال ويفعل عند الدخول والخروج من الخلاء: (6) التستر عند قضاء الحاجة: (7) البول قائماً وقاعداً: (8) النهي عن استخدام اليد اليمنى في قضاء الحاجة: (9) الاستنجاء والاستجمار (1): (10) كراهية الاستجمار بالعظم والروث: (11) استحباب الاستجمار وتراً: (12) كراهية الكلام في الخلاء: ثانيا آداب قضاء الحاجة تفصيلا:
(1) اجتناب الملاعن الثلاث:
(حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ (2) وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ.
وحديث معاذ انفرد بذكر الموارد والموردة وهي: الطريق إلى الماء ذكره في اللسان (3). وهي المجاري والطرق إلى الماء واحدها مورد، يقال: وردت الماء إذا حضرته لتشرب (4). (1).الاستنجاء: الاغتسال بالماء من النجو والتمسح بالحجارة منه... وقال الزجاج: الاستنجاء: التنظف بمدر أو ماء.
واستنجى أي مسح موضع النجو أو غسله.
(لسان العرب 15/ 306) مادة: (نجا).
الاستجمار: قال أبو زيد: الاستجمار: الاستنجاء بالحجارة، وقيل: هو الاستنجاء، واستجمر واستنجى واحد إذا تمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الحج للحصى التي ترمى بها.
(اللسان: 4/ 147) مادة: (جمر).
والحديثان صُدر أحدهما باجتناب الملاعن الثلاث، والآخر باتقاء اللاعنين، فما المراد بذلك.
قال الخطابي: المراد باللاعنين الأمرين الجالبين للعن، الحاملين الناس عليه والداعيين إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن يعني عادة الناس لعنه، فلما صارا سبباً لذلك أضيف اللعن إليهما، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون والملاعن مواضع اللعن، قلت: فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود.
وأما على رواية مسلم فمعنا والله أعلم: اتقوا فعل اللعانين أي صاحبي اللعن وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة والله أعلم (1).
وعلة النهي عن التخلي في هذه المواضع الثلاثة، هو أن تقذير هذه المواضع وتنجيسها بالقذر فيه إيذاءٌ للمؤمنين وإيذاءهم محرم بنص الكتاب، قال تعالى: (وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً) [الأحزاب: 58]
﴿تنبيه﴾: يُلحق بالظل، المكان الذي يتشمس فيه الناس أيام الشتاء، قال الشيخ ابن عثيمين: وهذ قياسٌ جلي (2). وعلى هذا فلا يجوز التخلي في هذا المكان، لأن العلة في النهي عن الظل موجودة هنا والحكم يدور مع علته وجوداً وعدما ً.
﴿فائدة﴾: الأحاديث تشير إلى أن النهي ينصبُ على حال التغوط فقط دون التبول.
وإلى هذا ذهب النووي فقال في شرح قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم) قال: فمعناه يتغوط في موضع يمر به الناس.
ورد ذلك العظيم آبادي فقال: [و] لا يصح تفسير النووي بالتغوط، ولو سلم فالبول يلحق به قياساً... وقال: وقد علمت أن المراد بالتخلي التفرد لقضاء الحادة غائطاً كان أو بولاً... وأنت تعلم أن البراز اسم للفضاء الواسع من الأرض، وكنوا به عن حاجة الإنسان، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، فإنه وإن كان اسماً للغائط لكن يلحق به البول 1.
مسألة: ثبت أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستتر عند قضاء حاجته بحائش نخلٍ، والحائش له ظل.
فكيف نجمع بين فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين نهيه؟ (1). شرح مسلم للنووي.
المجلد الثاني (3/ 132)
(2). الشرح الممتع على زاد المستقنع (1/ 102). دار آسام.
ط. الثانية 1414هـ
(3). انظر شرح مسلم للنووي.
المجلد الثاني (3/ 132)، وعون المعبود.
المجلد الأول (1/ 30 - 31)
الجواب: إن الظل الذي يحرم التخلي فيه، هو الظل الذي يقصده الناس ويجلسون فيه، ويجعلونه مقيلاً لهم، وأما فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيحمل على أن هذا الظل غير مقصود ولا مرغوب فيه، وحاشا أن ينهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن شيء ثم يفعله.
(2) يحرُم البول في الماء الراكد (الدائم):
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ.
والعلة فيه ظاهرة، وهو أن البول في الماء الدائم مظنة التنجيس، والتغوط فيه أشد وأقبح وهو أولى.
ويُفهم منه أن حكم النهي لا ينسحب على الماء الجاري.
قال النووي: فإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث (1).
(3) كراهية دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله:
وذلك صيانة لاسم الله تعالى عن الإهانة والابتذال، و لا يليق بمسلم أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة.
قال ابن عثيمين في شرحه، قوله: (إلا لحاجة) هذا مستثنى من المكروه، يعني إذا احتاج إلى ذلك كالأوراق النقدية التي فها اسم الله، لأننا لو قلنا؛ لا تدخل بها ثم أخرجها ووضعها عند باب الخلاء صارت عرضة للنسيان، وإذا كان في محل بارح صارت عرضة لأن يطير بها الهواء، وإذا كان في مجمع من الناس عرضة لأن تسرق (2).
وأما المصحف فلا نشك في تحريم الدخول به إلى مكان قضاء الحاجة، وعليه أهل العلم، ولكنهم أجازوا الدخول به إن كان يُخشى عليه السرقة، ومع ذلك فإن المسلم عليه أن يتقي الله ربه، ولا يعرض كلام الله للإهانة، وعليه أن يتحرز في ذلك الأمر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً كأن يُعطي شخصاً آخر ذلك المصحف حتى يخرج من الخلاء ونحو ذلك من السبل، فإن عُدمت فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها (3).
(4) لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها في الفضاء ويجوز في البنيان: (1). شرح صحيح مسلم.
المجلد الأول (2/ 152). وللعلماء تفصيل في هذه المسألة لم أرد الإطالة فيها، واقتصرنا على المراد.
انظر شرح مسلم للنووي، وشرح البخاري لا بن حجر (1/ 413 - 414). (2). الشرح الممتع على زاد المستقنع (1/ 91)
(حديث أبي أيوب الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.
(حديث سلمان الفارسي الثابت في صحيح مسلم) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.
(حديث مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا قَالَ بَلَى إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ.
ومذاهب أهل العلم في هذا كثيرة تبعاً لظواهر النصوص المتعارضة، ولكن الجمع بينها ممكن.
قال النووي رحمه الله: ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها (1). والمختار عندنا هو تحريم قضاء الحاجة مستقبل القبلة أو مستدبرها في الخلاء، وجواز ذلك في البنيان، أو بوجود ساتر بين المتخلي وبين القبلة استقبالاً أو استدباراً.
وإلى هذا ذهبت اللجنة الدائمة (2).
(5) ما يقال ويفعل عند الدخول والخروج من الخلاء:
مواضع قضاء الحاجة محل للنجاسات والقذر، والشياطين معروفةٌ بملابستها للنجاسات ومحبتها لذلك، ولذا فهي تأوي إلى الكُنف والحُشوش (مكان قضاء الحاجة)،والحشوش محتضرة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (1). شرح مسلم.
المجلد الثاني (3/ 126)
(2). انظر الفتوى رقم (4480) (5/ 97 - 99)
(حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ.
والشيطان عدوٌ للإنسان، لا ينفك عن عداوته وإيذاءه ويجد بغيته في الحشوش والكنف، ولهذا جاء الشرع بما يحفظ للإنسان بدنه وعقله، فشرع له أذكاراً تحفظه بأمر الله -سبحانه وتعالى-.
فيقدم الداخل إلى الخلاء رجله اليسرى، قال شيخ الإسلام: وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى: تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال، والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك.
وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء وخلع النعل، والخروج من المسجد (1).
الذكر عند دخول الخلاء:
يستحب للمسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول: (بسم الله) بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث علي الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ.
ويسن له أن يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَبَائِثِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (2). (1). الفتاوى (21/ 108 - 109)
(2). قال ابن عثيمين: الخبْث: علىرواي التسكين- الشر، والخبائث: النفوس الشريرة.
والخبُث: على رواية الضم - جمع خبيث والمراد به ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، والمراد إناث الشياطين.
والتسكين أعم، ولهذا كان هو أكثر روايات الشيوخ كما قاله الخطابي -رحمه الله-.
(الشرح الممتع 1/ 82 - 83).
[وقال البخاري]: وقال سعيد بن زيد: (إذا أراد أن يدخل) (1). وقوله: (إذا أراد الخلاء) أفاد أن الداخل يقول هذا الذكر قبل دخوله لا بعده.
وفائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله عز وجل من الخبث والخبائث، لأن هذا المكان خبيث، والخبييث مأوى الخبثاء، فهو مأوى الشياطين فصار من المناسب إذا أراد دخول الخلاء أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهو النفوس الشريرة، قاله في ابن عثيمين (2).
الذكر بعد الخروج من الخلاء:
وعند الخروج من الخلاء يقدم الرجل اليمنى ويقول: (غفرانك)، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عائشة الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ غُفْرَانَكَ.
﴿تنبيه﴾: هذا الأدب لا يقتصر على الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، بل يستحب فعله حتى في الصحراء، فإذا اقترب المتخلي من المكان الذي اختاره لقضاء حاجته فليقل ذكر الدخول، وإذا فرغ منه قال ذكر الخروج.
قال النووي: وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء والله أعلم (3).
(6) التستر عند قضاء الحاجة:
وهو أدبٌ نبوي، أرشد به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته إلى أن يستتروا عند قضاء حاجتهم، وذلك لأن قضاء الحاجة مدعاة إلى كشف العورة، والشرع جاء بالستر وحفظ العورات لا كشفها.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ.
(1). رواه البخاري (142)، ومسلم (375)، وأحمد (11536)، والترمذي (5)، والنسائي (19)، وأبو داود (4)، وابن ماجه (296)، والدارمي (669). وقول البخاري: وقال سعيد بن زيد.. الخ.
هذه الرواية وصلها المصنف نفسه في الأدب المفرد.
انظر فتح الباري (1/ 294)
(2). الشرح الممتع (1/ 83)
(3). شرح مسلم.
المجلد الثاني (4/ 60)
(حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ (1) أَبْعَدَ.
والمتخلي في البنيان قد كُفي مشقة التحرز من كشف العورة، لوجود المرافق والمراحيض المستورة، فلله الحمد والمنة على تيسيره.
﴿تنبيه﴾: ينبغي على المتخلي في الصحراء أن لا يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض، وخصوصاً إذا كان هناك من يمكنه النظر إليه.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ.
(7) البول قائماً وقاعداً:
الأصل في البول أن يكون من قعود، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عائشة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إِلَا جَالِسَاً.
وذلك لأن البائل قائماً لا يسلم عادةً من تلوث في بدنه وثوبه، ولكن إن دعت الحاجة إلى البوم واقفاً فلا بأس بذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث حُذيفة الثابت في الصحيحين) قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبَاطَةَ (2) قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ.
﴿تنبيه﴾: لا منافاة بين حديث حذيفة، وبين قول عائشة-رضي الله عنهما- فكلام عائشة يُحمل على الأغلب من عادة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقلنا ذلك لثبوت بوله قائماً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وحمل العلماء بول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائماً، على أن ذلك لبيان الجواز، أو أنه كان في مكان لا يستطيع معه البول جالساً.
﴿فائدة﴾: لجواز البول قائماً شرطان:
(1) أن يأمن التلويث.
(2) أن يأمن الناظر.
قاله ابن عثيمين (3).
مسألة: هل يجوز البول قائماً لغير حاجة؟ (1). قال الكسائي: يقالُ لموضع الغائط: الخلاءُ، والمَذْهب، والمرفق، والمرحاض.
(لسان العرب 1/ 394) مادة: (ذهب)
(2). السُّباطة: الكناسة...: [وهي] الموضع الذي يُرمى فيه التراب والاوساخ وما يُكنس من المنازل.
(لسان العرب 7/ 309) مادة: (سبط)
(3). الشرح الممتع (1/ 92)
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: لو بال قائماً لغير حاجة لم يأثم لكنه خالف في القضاء حاجته الأفضل والأكثر من فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1). (8) النهي عن استخدام اليد اليمنى في قضاء الحاجة:
اعلم أن من تأمل نصوص الشرع، فإنه يجد أنها جاءت بتكريم اليد اليمنى والرجل اليمنى على الرجل اليسرى واليد اليسرى، وأرشدت العباد إلى أن يستخدموا أيمانهم في فعل الأمور الكريمة، وشمائلهم على الضد من ذلك.
ومن هذا الباب نهي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مس الذكر والاستنجاء باليد اليمنى.
(حديث أبي قتادة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ.
(حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم (2).
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
وإنما وقع النهي عن مس الذكر والاستنجاء باليمين لمعنيين:
أحدهما: لرفع قدر اليمين عن الاستعمال في خساس الأحوال، ولهذا تجعل في آخر دخول الخلاء وأول دخول المسجد، وتُجعل اليمين للأكل والشرب والتناول، وتُمتهن اليسرى في الأقذار.
والثاني: أنه لو باشرت اليُمنى النجاسة لكان الإنسان يتذكر عند تناول طعامه بيمنه ما باشرت ومست، فينفر الطبع ويستوحش، ويخيل إليه بقاء ذلك الأثر فيها، فُنزهت عن هذا ليطيب عيشه في التناول (3).
مسألة: لم يرد في الأحاديث النهي عن مس الدبر باليمين عند التغوط؟ (1). (5/ 89 - 90). فتوى (4213)
(2). شرح مسلم.
المجلد الثاني (3/ 127)
(3). مشكل الصحيحين (2/ 138) رقم (604)
والجواب: النهي عن مس الدبر عند التغوط أولى من النهي عن مس الذكر عند التبول.
فهو قياس الأولى، ولعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبه بالأخف اكتفاءً به للدلالة على الأشد، لا سيما وأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كان أشد حياءً من العذراء في خدرها) (1). ولا يرد علينا أن الحياء يمنع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبليغ الدين؛ لأن البلاغ حصل بذكر الأخف تنبيهاً على الأشد، والله أعلم.
مسألة: قال طلق بين حبيب-رضي الله عنه- قدمنا على نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ، فقال: (هل هو إلا مُضغةٌ منه) أو قال: (بضعةٌ منه) (2). والسؤال هنا: إن ظاهر حديث طلق يدل على إباحة مس الذكر في جميع الأحول، فما الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة؟
الجواب: أنه لا تعارض بينهما فحديث طلق -رضي الله عنه- مطلق، وحديث أبي قتادة-رضي الله عنه- مقيد في حال البول.
قال ابن أبي جمرة: [قوله]: (إنما هو بضعةٌ منك) فدل على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح وبقي ما عداها على الإباحة (3).
(9) الاستنجاء والاستجمار (4):
من محاسن الشريعة، أنها جاءت باليسر والتخفيف، ورفع الحرج عند المشقة وعدم الاستطاعة، قال تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]. (1). رواه البخاري (3562)، ومسلم (2320)، وأحمد (11286)، وابن ماجه (4180)
(2). رواه أبو داود (182) قال ابن حجر: والحديث صحيح أو حسن (فتح الباري 1/ 306) وصححه الألباني، أحمد (15857)، والترمذي (85)، وابن ماجه (483).
(3). فتح الباري (1/ 306)
(4).الاستنجاء: الاغتسال بالماء من النجو والتمسح بالحجارة منه... وقال الزجاج: الاستنجاء: التنظف بمدر أو ماء.
واستنجى أي مسح موضع النجو أو غسله.
(لسان العرب 15/ 306) مادة: (نجا).
الاستجمار: قال أبو زيد: الاستجمار: الاستنجاء بالحجارة، وقيل: هو الاستنجاء، واستجمر واستنجى واحد إذا تمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الحج للحصى التي ترمى بها.
(اللسان: 4/ 147) مادة: (جمر).
ومن التيسير الذي منَّ الله به على المكلفين أن أباح لهم التنظف بالأحجار و نحوها كالأوراق والمناديل وشبهها بعد الفراغ من تخليهم واستطابتهم، وهو يقوم مقام الماء في التطهير، ولا شك أن هذا من التيسير لأن الماء غير مقدور عليه في كل الأحوال، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ (1) بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ.
﴿تنبيه﴾: الاستنجاء قد يكون بالماء، وقد يكون بالأحجار، وقد يكون بهما جميعاً.
أما الأول والثاني فقد وردت فيهما آثاراً صحيحة، وأما الثالث: [فـ] هذا لا أعلمه وارداً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن من حيث المعنى لا شك أنه أكمل تطهيراً، قاله ابن عثيمين (2).
(10) كراهية الاستجمار بالعظم والروث:
لما أباح الله على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، استعمال الأحجار ونحوها عوضاً عن الماء في التنظيف، منعهم من استعمال الروث العظم لمعاني فيها، إما على جهة التعبد أو أنها ليست لها خاصية التطهير كما في الأحجار وشبهها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ.
(حديث سلمان الفارسي الثابت في صحيح مسلم) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.
(1). قال ابن منظور: وفي الحديث: ابغني أحجاراً استنفض بها.
أي استنجي بها، وهو من نفض الثوب لأن المستنجي ينفض عن نفسه الأذى بالحجر أي يزيله ويدفعه.
(اللسان: 7/ 241) مادة: (نفض)
(2). الشرح الممتع (1/ 105)
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ (1) بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ.
﴿تنبيه﴾: يمنع الاستنجاء أو الاستجمار بطعام الآدميين، قياساً على طعام الجن، من باب قياس الأولى.
كما يحرم الاستنجاء أو الاستجمار بالأوراق المحترمة ككتب علوم الشريعة لأنها لا تخلوا من الآيات القرآنية، وألفاظ الجلالة، والقرآن من باب أولى.
(11) استحباب الاستجمار وتراً:
(حديث سلمان الفارسي الثابت في صحيح مسلم) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.
وهذا من أجل إنقاء المحل، وأقله ثلاث مسحات تعم المحل، لحديث سلمان -رضي الله عنه-السابق، فإن حصل الإنقاء بدون ثلاث مسحات وجب تكميلها، وإن حصل الإنقاء بعد الثلاث وكان شفعاً كالأربع والست استحب قطعه على الوتر بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ.
(12) كراهية الكلام في الخلاء:
كره كثيرٌ من أهل العلم الكلام على قضاء الحاجة وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبُولُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
(حديث المهاجر بن قُنفد الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجه) أَنَّهُ (1). قال ابن منظور: وفي الحديث: ابغني أحجاراً استنفض بها.
أي استنجي بها، وهو من نفض الثوب لأن المستنجي ينفض عن نفسه الأذى بالحجر أي يزيله ويدفعه.
(اللسان: 7/ 241) مادة: (نفض)
أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ.
واستثنوا من ذلك إذا كان لضرورة أو حاجة كإرشاد ضرير يكاد يقع في بئر، أو طلب ماء ونحو... ذلك (1).
آداب حضور المساجد:
آداب حضور المساجد:
حضور المساجد آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب حضور المساجد جملةً وتفصيلا:
أولاً آداب حضور المساجد جملةً:
(1) فضل بناء المساجد:
(2) النهي عن حضور المساجد لمن أكل الثوم أو البصل ونحوهما:
(3) استحباب التبكير إلى المساجد:
(4) المشي إلى الصلاة بخشوع وسكينة:
(5) ما يقال من الدعاء عند المشي إلى الصلاة:
(6) استحباب تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى عند الخروج منه:
(7) الدعاء عند دخول المساجد وعند الخروج منها:
(8) استحباب أداء تحية المسجد عند دخول المسجد:
(9) فضل القعود في المسجد:
(10) اسْتِحْبَابِ جُلُوسِ الْقُرْفُصَاءِ في المسجد لما فيها من الخشوع:
(11) اسْتِحْبَابِ التربع في المسجد بعد صلاة الفجر:
(12) ما جاء في الاستلقاء في المسجد:
(13) جواز النوم في المسجد:
(14) النهي عن البيع والشراء في المساجد:
(15) النهي عن إنشاد الضالة في المساجد:
(16) عدم رفع الصوت في المسجد إلا في الموعظة والمصالح الشرعية:
(17) النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى المسجد قبل الصلاة، وجوازه بعدها.
(18) جواز التحدث بالأمور الدنيوية المباحة في المسجد:
(19) جواز الأكل والشرب في المسجد:
(20) جواز قول الشعر في المسجد:
(21) استحباب إظهار الزينة لصلاة الجمعة والعيدين:
(22) النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان:
(23) من السنة الصلاة بالنعال في المساجد:
(24) آداب حضور النساء للمساجد:
ثانيا آداب حضور المساجد تفصيلا:
(1) فضل بناء المساجد: (1). انظر شرح صحيح مسلم للنووي.
المجلد الثاني (4/ 55)، والشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (1/ 95)
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهِا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ.
قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير:
(من بنى للّه مسجداً ولو كمفحص) وفي رواية مثل مفحص (قطاة) حمله الأكثر على المبالغة لأن مفحصها بقدر ما تحفره (لبيضها) وترقد عليه وقدره لا يكفي للصلاة فيه وزعم أن المراد بالمسجد محل السجود فحسب يأباه لفظ بنى لإشعاره بوجود بناء حقيقي أو ما في معناه قال ابن حجر: لكن لا تمنع إرادة الآخر مجازاً إذ بناء كل شيء بحسبه وقد شاهدنا كثيراً من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة وهي في غاية الصغر وبعضها لا يكون أكثر من قدر محل السجود وقال الزركشي: لو هنا للتقليل وقد عده من معانيها ابن هشام الخضراوي وجعل منها اتقوا النار ولو بشق تمرة والظاهر أن التقليل مستفاد مما بعد لو، لا منها (بنى اللّه له بيتاً في الجنة) إن كان قد بنى المسجد من حلال كما جاء مصرحاً به في رواية البيهقي عن أبي هريرة ولفظه من بنى للّه بيتاً يعبد اللّه فيه من مال حلال بنى اللّه له بيتاً في الجنة من درٍّ وياقوتٍ اهـ. وهذا من أعظم أنواع الإعظام والإكرام لإيذائه بأنه مقره ومسكنه قد أعد له وهيئ وبنى وأنه عند اللّه بمكان جليل يبنى له بدار القرار بجوار الغفار.
(تنبيه) قال الزركشي: خص القطاة بالذكر دون غيرها لأن العرب تضرب به المثل في الصدق ففيه رمز إلى المحافظة على الإخلاص في بنائه والصدق في إنشائه.
(2) النهي عن حضور المساجد لمن أكل الثوم أو البصل ونحوهما:
يجب على من أكل بصلاً أو ثوماً نيئاَ أن يجتنب المساجد حتى لا يؤذي المصلين برائحته الخبيثة، ومن آذى المصلين فقد آذى الملائكة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث جابر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَقَالَ مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ.
﴿تنبيه﴾: ومع صراحة الأحاديث في نهي آكل الثوم و البصل عن حضور المساجد ورفع الإثم عنه لأجل تركه شهود الجماعة؛ إلا أن هناك طائفة من الناس أبت إلا المخالفة.
والله تعالى يقول (فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63]
وبعضهم لا يريد المخالفة ولا يقصدها ولكن لحسن نيته يجد أن من الصعب عليه أن يترك الجماعة ولا يشهدها حتى ولو كان آكلاً للثوم أو البصل، وليس هذا عذرٌ يقبل.
وبعض العامة يعلم بالنهي ولكن لا يلقي له اهتماماً، وهذا من ضعف الإيمان في قلبه.
وإذا تعاطى آكل البصل والثوم شيئاً يمنع رائحتهما الخبيثة، فإنه لا يمنع من شهود المساجد، ولكن ليتحقق الآكل أن الرائحة قد زالت بالكلية وأنها لا تؤذي المصلين.
وأما... ما يفعله بعض الناس اليوم من اتخاذ (معجون الأسنان) كمزيل لرائحة البصل والثوم، فهذا خطأ بين، لأن رائحة البصل والثوم تنبعث من المعدة وليست من الفم.
﴿فائدة﴾: يُقاس على الثوم والبصل والكراث كل رائحة خبيثة تؤذي المصلين، (كالدخان)، أو الروائح الكريهة التي تنبعث من الجسد، أو الملابس المنتنة.
فعلى المصلي تفقد نفسه قبل حضور المساجد، حتى لا يؤذي المصلين فيأثم بذلك.
(3) استحباب التبكير إلى المساجد:
رغب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التبكير إلى المساجد والمسارعة إليها، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا.
ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل وعظم أجر التبكير إلى المساجد، وذلك يتضح من إبهام الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأجر المبكر إلى المسجد، فإنه يدل على أن المبكر إلى المسجد قد حاز أجراً عظيماً.
ثم اقتراعهم على الصف الأول فيه دلالة قوية-أيضا- على عظم هذا الأجر.
(4) المشي إلى الصلاة بخشوع وسكينة:
يستحب للماشي إلى الصلاة، أن يكون مشيه إليها في خشوع وسكون وطمأنينة، لأن من قدم إلى الصلاة وهو مطمئن في مشيه؛ كان ذلك أدعى لخشوعه في صلاته وإقباله عليها، وعكسه من جاء إليها مسرعاً مستعجلاً فإنه يدخل في صلاته وهو مشتت الفكر والذهن.
ولقد نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته أن يسعوا إلى صلاتهم حتى ولو أقيمت الصلاة، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أبي قتادة الثابت في الصحيحين) قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا.
﴿تنبيه﴾: والمتأمل في الحديثين يجد أن حديث أبي قتادة-رضي الله عنه- جاء بلفظ: (إذا أتيتم الصلاة) وحديث أبي هريرة-رضي الله عنه- بلفظ: (إذا أقيمت الصلاة).
فهل بينهما تعارض؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن قدوم المصلي إلى المسجد يجب أن يكون في خشوع وسكينة سواء أقيمت الصلاة أو لم تقم.
وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذا أقيمت الصلاة) فيه بيان للأمر الذي يحمل الناس -غالباً- على السعي إلى الصلاة.
فبان بذلك أن لا تعارض بين اللفظين، والله أعلم.
(5) ما يقال من الدعاء عند المشي إلى الصلاة:
يستحب للماشي إلى الصلاة أن يدعو بدعاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما خرج إلى الصلاة.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى حَاجَتَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ فَصَلَّى فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَتَّقِيهِ فَتَوَضَّأْتُ فَقَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ لِي نُورًا).
ولفظ أبي داود: (.. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَاجْعَلْ فِي لِسَانِي نُورًا وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا وَاجْعَلْ خَلْفِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا وَمِنْ تَحْتِي نُورًا اللَّهُمَّ وَأَعْظِمْ لِي نُورًا الحديث) (1).
(6) استحباب تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى عند الخروج منه:
يستحب للداخل إلى المسجد أن يقدم رجله اليمنى؛ لأن ذلك هو فعل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأن المسجد أشرف الأماكن فناسب تقديم اليمنى لشرفه.
وعند الخروج منه تقدم الرجل اليسرى لفعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولأن الأماكن غير المسجد دونه في الشرف.
ومن عادة الشرع أن جعل اليد والرجل اليمنى لمباشرة الأشياء الفاضلة الكريمة، وجعل الشمال لمباشرة الأشياء الوضيعة.
والقاعدة العامة في هذا الباب هو حديث عائشة الآتي: (1). رواه مسلم: (763)، وأبو داود (1353) وقال الألباني: صحيح (1025)، وأحمد (3531)
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
وفي دخول المسجد سنة ذكرها أنس -رضي الله عنه- قال: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى) (1).
ومن المعلوم عن أهل الحديث أن قول الصحابي من السنة أن له حكم الرفع.
وقد بوب البخاري على حديث عائشة المتقدم بقوله: باب التيمن في دخول المسجد وغيره.
ثم ساق أثر ابن عمر فقال: وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى.
ومعروفٌ عن ابن عمر رضي الله عنهما بشدة متابعته لسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(7) الدعاء عند دخول المساجد وعند الخروج منها:
يستحب للداخل إلى المسجد أن يقول:
اللهم صلى وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج يقول: اللهم صلى وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهم إني أسألك من فضلك.
تأسياً بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند دخوله المسجد وعند خروجه منه.
(حديث فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ.
اغفر لي: أي استر ذنوبي وتجاوز عن عيوبي، وأصل الغَفْر التغطية، والمغفرة: إلباس الله تعالى العفوَ للمذنبين.
(حديث فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ.
(1). قال الحاكم في مستدركه: صحيح على شرط مسلم (1/ 338) (791)، ووافقه الذهبي.
ويستحب للداخل إلى المسجد-أيضاً- أن يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم.
(حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في صحيح أبي داود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
(8) استحباب أداء تحية المسجد عند دخول المسجد:
يستحب لداخل المسجد أن يبدأ بركعتين هما: تحية المسجد.
وهي ليست واجبة، ولكنها سنة مؤكدة لأمره بها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه في كذا موضع، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أبي قتادة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذا دخل أحدكم المسجد إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَارْكَعْ رَّكْعَتَيْنِ.
والذي صرف أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الوجوب إلى الاستحباب أحاديث أخر منها الحديث الآتي:
(حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِيَامُ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.
وعلى هذا فلا ينبغي لأهل الإيمان أن يرغبوا عن هاتين الركعتين ففيهما خيرٌ كثير.
(9) فضل القعود في المسجد:
مما جاء في فضل القعود في المساجد وانتظار الصلاة، الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: صَلَاةُ الرَجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَّعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَ ذَلَكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوِضُوءَ ثَمَّ خَرَجَ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً فَإِذَا صَلَى لَمْ تَزَلْ المَلَائِكَةُ تُصَلِي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَاه: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلَا يَزَالُ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَلَاة.
وهذا من رحمة الله بعباده وجزيل كرمه؛ أن رتب على جلوسهم في المساجد وانتظار الصلاة، كأجر المصلي.
ثم جعل ملائكته يدعون لمنتظر الصلاة في المسجد، بالرحمة والمغفرة والتوبة!.
﴿تنبيه﴾: يفرط كثيرٌ من الناس بالوقت الفاضل-وقت انتظار الصلاة (بين الأذان والإقامة)، فتجدهم يقلبون أعينهم في المصلين أو التالين، وبعضهم يُرسل بصره وعقله في تأمل نقوش المسجد وعمارته إلى غير ذلك، ولو أنهم اغتنموا هذا الوقت الفاضل بقراءة القرآن، أو ذكر الله، أو الاجتهاد في الدعاء لأنه وقت إجابة، لكان فيه خيرٌ كثير.
(10) اسْتِحْبَابِ جُلُوسِ الْقُرْفُصَاءِ في المسجد لما فيها من الخشوع:
(حديث قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود): أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ، قالت: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَشِّعَ فِي الْجِلْسَةِ أُرْعِدْتُ مِنْ الْفَرَقِ.
قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
القرفصاء بضم القاف والراء على الاتباع أن يجلس على إليتيه ويلصق فخديه ببطنه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه أو يجلس على ركبتيه منكبا ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه انتهى.
(الْمُتَخَشِّعَ) أي الخاشع الخاضع المتواضع.
(أُرْعِدْتُ) بصيغة المجهول أي أخذتني الرعدة والاضطراب والحركة.
(مِنْ الْفَرَقِ) بفتحتين أي من أجل الخوف والمعنى هبته مع خضوعه وخشوعه.
مسألة: ما هي جلسة القرفصاء؟
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيِّ: مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ جَالِسًا إلَّا الْقُرْفُصَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَنَاقِبِ: وَهَذِهِ الْجِلْسَةُ تَحْكِيهَا قَيْلَةُ فِي حَدِيثِهَا ﴿إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا جِلْسَةَ الْمُتَخَشِّعِ الْقُرْفُصَاءَ﴾ وَكَانَ أَحْمَدُ يَتَيَمَّمُ فِي جُلُوسِهِ هَذِهِ الْجِلْسَةَ, وَهِيَ أَوْلَى الْجِلْسَاتِ بِالْخُشُوعِ.
وَالْقُرْفُصَاءُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ بِأَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ, وَرُبَّمَا احْتَبَى بِيَدِهِ, وَلَا جِلْسَةَ أَخْشَعُ مِنْهَا انْتَهَى كَلَامُهُ.
(11) اسْتِحْبَابِ التربع في المسجد بعد صلاة الفجر:
(حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ
كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ.
(12) ما جاء في الاستلقاء في المسجد:
(حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
(حديث جَابِرٍ رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَ
نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ لَهُ سَرَاوِيلُ وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ رِوَايَةِ يُكْرَهُ كَشُرْبِهِ قَائِمًا وَنَهْيِهِ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ اسْتِلْقَاءٍ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ مَنْعُ الِاسْتِلْقَاءِ, وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْوَصْفِ.
أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ وَضْعُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى, وَالِاسْتِلْقَاءُ ذُكِرَ ; لِأَنَّهُ الْغَالِبُ لَا أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُكْمِ, وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ خُولِفَ لِلْخَبَرِ وَهُوَ فِي أَمْرٍ مَخْصُوصٍ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ: اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ جُلُوسِ الْمَرْءِ كَيْفَ أَحَبَّ مَا لَمْ يَضَعْ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ أَوْ يَسْتَلْقِي كَذَلِكَ, وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاسْتِلْقَاءِ وَالْقُعُودِ كَمَا قَدَّمْنَا فَمِنْ مَانِعٍ وَمُبِيحٍ.
فَسَوَّى ابْنُ حَزْمٍ فِي حِكَايَتِهِ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالِاسْتِلْقَاءِ, وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ وَالْقَوْلُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ مُتَّجَهٍ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْأَصْلُ التَّسَاوِي فِي الْأَحْكَامِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
(13) جواز النوم في المسجد:
يجوز النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك، ولقد كان أصحاب الصُّفة-رضي الله عنهم- (1) ينامون في المسجد (2)، وكان ابن عمر-رضي الله عنهما- ينام في المسجد قبل أن يكون له أهل.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ كُنَّا نَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(1). أصحاب الصُّفة: فقراء كانوا يقيمون في مسجد-رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويأكلون وينامون فيه.
(2). البخاري (442).
﴿تنبيه﴾: إذا احتلم [المسلم] وهو نائم به [بالمسجد] أسرع بالخروج منه حين يستيقظ ليغتسل من الجنابة (1). (14) النهي عن البيع والشراء في المساجد:
لا يجوز البيع والشراء في المساجد فهي لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله، وإقامة الصلاة، وتعليم الناس أمور دينهم.. الخ.
ومن رأى رجلاً يبيع أو يبتاع في المساجد فليدع عليه وليقل: لا أربح الله تجارتك، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
﴿تنبيه﴾: حول البيع أو الشراء في الغرف أو الصالات الملحقة بالمسجد أو القاعات المخصصة للصلاة.
قالت اللجنة الدائمة: لا يجوز البيع والشراء ولا الإعلان عن البضائع في القاعة المخصصة للصلاة إذا كانت تابعة للمسجد، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)... -وقالت-: أما الغرف ففيها تفصيل: فإن كانت داخلة في سور المسجد فلها حكم المسجد والقول فيها كالقول في القاعة، أما إن كانت خارج سور المسجد ولو كانت أبوابها فيه فليس لها حكم المسجد؛ لأن بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي تسكنه عائشة-رضي الله عنها- كان بابه في المسجد ولم يكن له حكم المسجد (2).
﴿فائدة﴾: اتباعاً لسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن من سمع رجلاً يبيع أو يبتاع في المساجد فليقل له: لا أربح الله تجارتك.
وظاهر اللفظ أنه لا فرق بين العالم بالحكم أو الجاهل به.
(15) النهي عن إنشاد الضالة في المساجد: (1). من فتاوى اللجنة الدائمة (6/ 292) فتوى (5795). وما بين المعقوفتين زيادة بيان مني.
(2). (6/ 283) فتوى رقم: (11967)
مساجد الله بُنيت لذكره، وتسبيحه، وتلاوة القرآن، والصلاة فيه.
ولم تجعل مكاناً للسؤال عن الضوال، أو المفقودات، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً (1) فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
وعلى هذا: فمن سمع من ينشد ضالته، فليقل: لا ردها الله عليك، أو لا أداها الله عليك، أو لا أدى الله عليك، والمعنى واحد.
(16) عدم رفع الصوت في المسجد إلا في الموعظة والمصالح الشرعية:
(حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في الصحيحين) قَالَ تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
الشاهد من الحديث: [فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ] فإنه دليلٌ أوفى على جواز رفع الصوت في الموعظة لمن أراد أن يُوَفَّقَ للتأسي بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(حديث كعب بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ.
(1). نشدت الضالة: إذا ناديتَ وسألتَ عنها.
(لسان العرب3/ 421) مادة: نشد.
الشاهد من الحديث: [فَنَادَى يَا كَعْبُ] لم ينكر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على من رفع صوته في المسجد وإنما أمر كعباً -رضي الله عنه- بوضع الشطر من دينه، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤخر البيان عن وقت حاجته.
فإنه دليلٌ أوفى على جواز رفع الصوت في "المصالح الشرعية" لمن أراد أن يُوَفَّقَ للتأسي بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(حديث السائب ابن يزيد الثابت في صحيح البخاري) قَالَ كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِمَا قَالَ مَنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ قَالَ لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
هذا الحديث له حكم الرفع.
ولعل هذا يؤيد ما ذهب إليه مالك في إحدى روايتيه: (التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير وما لابد منه فيجوز، وبين رفعه باللغط ونحوه فلا) قاله ابن حجر (1).
(17) النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى المسجد قبل الصلاة، وجوازه بعدها.
(حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ.
(حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
وطريق الجمع في ذلك أن يقال: إن النهي عن تشبيك الأصابع يكون قبل الصلاة لأن العامد إلى المسجد في حكم المصلي، وبعد انقضاء الصلاة يكون المصلي في حكم المنصرف منها.
(18) جواز الأكل والشرب في المسجد:
يجوز أن يتحدث الرجل مع أخيه في ـ المسجد ـ بالأمور الدنيوية المباحة، ولا أثم عليه في ذلك، فقد فعله رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان أصحابه يتحدثون بالمسجد وهو معهم ويقرهم على ذلك، وهذا دالٌ على جوازه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). فتح الباري (1/ 658)
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ.
(حديث سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ كَثِيرًا كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ولكن ينبغي مراعاة عدة أمور عند التحدث في المسجد فيما يتعلق بشئون الدنيا منها ما يلي: أولاً: أن لا يشغل من حوله من المصلين أو التالين للقرآن أو المشتغلين بالعلم.
ثانياً: أن لا يُتخذ عادة.
ثالثاً: أن يجتنب فيه الأقوال أو الأفعال المحرمة.
رابعاً: أن يكون الكلام قليلاً لا كثيراً.
(19) جواز الأكل والشرب في المسجد:
لا بأس بالأكل والشرب في المسجد، لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأكل في المسجد، وفعله دليل الجواز.
(حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ.
ولكن ينبغي على من شرب أو أكل طعاماً في المسجد أن لا يلوث المسجد بفضلات الطعام أو الشراب (1).
(20) جواز قول الشعر في المسجد:
يجوز الإنشاد في المسجد إذا كان فيه حكمة وكان من النوع المباح وعليه يحمل الحديث الآتي:
(حديث أبي هر يرة رضي الله تعالى عنه الثابت في الصحيحين) أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ.
﴿تنبيه﴾: أما إذا كان الشعر فيه هجاء لمسلم أو زيادة مدح أو غيره فلا يجوز وعليه يحمل الحديث الآتي: (1). وهذا يكثر في شهر رمضان، عندما يجتمع الناس للإفطار، فينبغي التنبه لذلك.