كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن محمد بن واسع أنه حضر جنازة فلما رجع إلى أهله أتي بغدائه فبكى وقال هذا يوم منغص علينا نهاره وأبى أن يطعم.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن صالح المري يقول أدركت بالبصرة شبابا وشيوخا يشهدون الجنائز يرجعون منها كأنهم نشروا من قبورهم فيعرف فيهم والله الزيادة بعد ذلك.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن قطري الخشاب قال شهدنا جنازة وفيها الشعبي وأشراف أهل الكوفة فلما دفن الميت قال الشعبي هذا الموت غاية العباد في دار الدنيا فأبكى بكلمته الناس.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن الأعمش قال أدركت الناس وإذا كانت فيهم جنازة جاءوا فجلسوا صموتا لا يتكلمون فإذا وضعت نظرت إلى كل رجل واضعا حبوته على صدره كأنه أبوه أو أخوه أو ابنه.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن العباس بن يزيد البصري قال قلت قلت لسفيان بن عيينة لأي شيء كان يستحب خفض الصوت عند الجنائز قال شبهوه بالحشر إلى الله أما سمعته يقول: (وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرّحْمََنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً) [طه: 108]
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن صالح المري قال كان حسان بن أبي سنان إذا مات في جيرانهم ميت سمعت من داره النحيب والبكاء كما يسمع من دار الميت فإذا حضر الجنازة ثم انصرف لم يفطر تلك الليلة ونظرت إلى ولده وأهل داره عليهم السكينة والخشوع أياما.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن عبد الرحمن بن حميد عن رجل من بني... قال أبصر ابن مسعود رجلا يضحك في جنازة فقال أتضحك وأنت في الجنازة والله لا كلمتك أبدا.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن قتادة قال بلغنا أن أبا الدرداء نظر إلى رجل يضحك في جنازة فقال أما كان فيما رأيت من هول الميت ما شغلك عن الضحك.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن عن رجل من ولد الحسن قال شهدنا مع الحسن جنازة فرأى رجلا يحدث صاحبه ويتبسم إليه فقال يا سبحان الله أما كان في الذي بين يدك مشتغل عن التبسم قال الحسن كانوا يعظمون الموت أن يرفع عنده صوت.
(
دفن الميت:
مسألة: ما هو حكم الدفن؟ أجمع المسلمون أن الدفن فرض كفاية لقوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتاً، أَحْيَآءً وَأَمْواتاً) [سورة: المرسلات 25/ 26]
ويجب دفن الميت ولو كان كافراً لما ثبت الثابت في صحيح النسائي أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعليّ بن أبي طالب وقد مات أبو طالب (اذهب فواره).
مسألة: هل يكون الدفن في المقابر أم في المنازل؟
السنة الدفن في المقابر لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع كما تواترت الأخبار بذلك ولم ينقل عن أحدٍ من السلف أنه دفن في غير المقبرة ويستثنى من ذلك شيئان:
(1) الأنبياء: فإنه لم يقبر نبيٌ إلإ حيث يموت
(لحديث أبي بكرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لم يقبر نبيٌ إلإ حيث يموت.
(2) شهداء المعركة: فإنهم يفتنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر
(لحديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح النسائي) قال لما كان يوم أحد حُمل القتلى ليدفنوا بالبقيع فنادى منادي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم.
(
الأوقات التي لا يجوز الدفن فيها إلا لضرورة:
مسألة: ما هي الأوقات التي لا يجوز الدفن فيها إلا لضرورة؟
هناك ثلاث أوقات لا يجوز الدفن فيها إلا لضرورة
(لحديث عقبة بن عامر الثابت في صحيح مسلم) قال ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهانا أن نصلي فيهنَّ أو نقبر فيهنَّ موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب
وكذا الدفن بالليل لا يجوز إلا لضرورة:
(لحديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا.
(ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبر قد دفن ليلا، فقال: (متى دفن هذا).
قالوا: البارحة.
قال: (أفلا آذنتموني).
قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك.
فقام فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه.
(
استحباب الدفن في الأماكن المقدسة:
مسألة: هل يستحب الدفن في الأماكن المقدسة؟ نعم يستحب الدفن في الأماكن المقدسة
(لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع، فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة.
قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت.
قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر).
قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فلو كنت ثم لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر).
معنى ثَّمّ أي هناك، الكثيب الأحمر أي الرمل المجتمع
(
استحباب طلب الموت في أحد الحرمين:
مسألة: هل يستحب طلب الموت في أحد الحرمين؟
نعم يستحب طلب الموت في أحد الحرمين.
(حديث الثابت في صحيح البخاري) أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقلت أنى هذا؟ فقال: يأتيني الله به إن شاء الله.
الشاهد: أن هذا قول عمر رضي الله تعالى عنه، وقول عمر رضي الله تعالى عنه سنة متبعة لأنه من الخلفاء الراشدين.
(حديث العرباض بن سارية الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:... أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و إن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ]
(
الأمور التي تستحب في الدفن:
مسألة: ما هي الأمور التي تستحب في الدفن؟
الأمور التي تستحب في الدفن:
(1) يستحب إعماق القبر لأن فيه إحتراماً للميت لأن في إعماقه منع السباع أن تأكله وفيه أيضاً إحتراماً للحي لأن في إعماق القبر منعاً لخروج الرائحة الكريهة التي تؤذي الحي.
(حديث هشام ابن عامر الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال شكونا إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد فقلنا يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احفروا وأعمقوا وادفنوا الإثنين والثلاثة في قبر واحد قالوا فمن نقدم يا رسول الله قال قدموا أكثرهم قرآنا قال فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد.
(2) يفضل اللحد على الشق:
(لحديث ابن عباس الثابت في صحيح السنن الأربعة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اللحد لنا والشقُ لغيرنا.
(حديث سعد ابن أبي وقاص الثابت في صحيح مسلم) أنه قال في مرضه الذي مات فيه قال في مرضه الذي هلك فيه ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
مسألة: ما الفرق بين اللحد والشق؟
اللحد: يكون في جانب القبر أما الشق يكون في وسط القبر.
(3) السنة إدخال الميت من مؤخرة القبر:
(لحديث أبي إسحاق الثابت في صحيح أبي داود) أن عبد الله ابن يزيد أدخل الميت من قِبَلِ رجلي القبر وقال: هذا من السنة.
(4) يقول الذي يضعه في لحده (بسم الله وعلى سنة رسول الله)
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله وعلى سنة رسول الله.
(5) يجوز للزوج أن يتولى دفن زوجته بنفسه
(لحديث عائشة الثابت في صحيح ابن ماجة) قالت رجع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه فقال بل أنا يا عائشة وارأساه ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك.
﴿تنبيه﴾: (لا يشترط لمن تولى الدفن أن يكون من المحارم:
(لحديث أنس الثابت في صحيح البخاري) قال: شهدنا بنتا لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس على القبر، قال: فرأيت عيناه تدمعان، قال: فقال: (هل منكم رجل لم يقارف الليلة).
فقال أبو طلحة: أنا، قال: (فانزل).
قال: فنزل في قبرها.
الشاهد: أن أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان حاضراً ولم يتولى الدفن بنفسه.
(6) يستحب لمن كان عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثواتٍ بيديه جميعاً بعد الفراغ من سد اللحد.
(لحديث أبي هريرة رضي الله عنه لابن ماجة) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على جنازة ثم أتى الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً.
وهذا الحديث صححه الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء.
(
الأمور التي تستحب بعد الفراغ من الدفن:
مسألة: ما هي الأمور التي تستحب بعد الفراغ من الدفن؟ الأمور التي تستحب بعد الفراغ من الدفن: (1) الاستغفار للميت:
(لحديث عثمان بن عفان الثابت في صحيح أبي داود) قال كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل.
(2) أن يرفع القبر عن الأرض قليلاً نحو شبر ولا يُسوى بالأرض وذلك لكي يُميز ولا يهان.
(لحديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيحابن حبان) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَ قبره عن الأرض قدر شبر.
(3) أن يجعل القبر مسنماً أي مجعولاً كالسنام بحيث يكون وسطه بارزاً على أطرافه:
(لحديث سفيان التمار الثابت في صحيح البخاري) قال: رأيت قبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسنماً.
(4) أن يُعلَّم القبر بحجرٍ ونحوه
(لحديث أنس الثابت في صحيح ابن ماجة) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة.
مسألة: هل يجوز أن ندفن أكثر من رجلٍ في قبرٍ واحد؟
دلت السنة الثابتة الصحيحة على أن ذلك جائز
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحدٍ في الثوب الواحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن فإذا أُشير إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسَّلوا ولم يُصلى عليهم.
(
الأشياء التي تنفع الميت بعد موته:
مسألة: ما هي الأشياء التي تنفع الميت بعد موته؟
(الأشياء التي تنفع الميت بعد موته:
(1) دعاء المسلم له: قال تعالى: (وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ) [سورة: الحشر - الآية: 10]
(حديث أبي الدرداء الثابت في صحيح مسلم) النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل.
(2) قضاء الدين:
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري) أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحجَّ، ولم تحج حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: (نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنتِ قاضِيَتَهُ).
قالت: نعم، فقال: اقضوا اللهَ الذي له، فإنَّ اللهَ أحقُّ بالوفاء).
(3) قضاء النذر عنه:
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري) أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحجَّ، ولم تحج حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: (نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنتِ قاضِيَتَهُ).
قالت: نعم، فقال: اقضوا اللهَ الذي له، فإنَّ اللهَ أحقُّ بالوفاء).
(4) ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة: قال تعالى: (وَأَن لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ) [سورة: النجم - الآية: 39]
وقد ثبت في السنة الثابتة الصحيحة أن ولد الرجل من كسبه
(حديث عائشة الثابت في صحيح السنن الأربعة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية أو علمٍ ينتفع به أو ولدٌ صالحٌ يدعو له.
(
ما ورد في التعزية وحكمها:
مسألة: ما معنى مسائل التعزية، وما حكمها؟
العزاء الصبر والتعزية التصبير والحمل على الصبر وذلك بذكر الأدعية والنصوص الواردة في فضيلة الصبر مما يجعل المصاب يتسلى وينسى المصيبة وهذا هو مقصود التعزية وليس المقصود أن نأتي إليه لنثير أحزانه كما يفعل بعض الناس.
(حكم التعزية:
التعزية من السنة: وقد ورد في السنة الثابتة الصحيحة ما يدل على أت للتعزية أجرٌ عظيم.
(حديث عمرو بن حزم الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة.
مسألة: ما هي ألفاظ التعزية؟
التعزية تؤدى بأي لفظٍ يحمل على الصبر ويخفف المصيبة لأن هذا هو مقصودها, مثل أن يقال: أعظم الله أجرك وألهمك صبرك، وأفضل ألفاظها ما ورد في السنة الثابتة الصحيحة
(حديث أسامة بن زيد الثابت في الصحيحين) قال: أرسلت ابنةالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليه، إن ابناً لي قُبض فأتنا، فأرسل يُقرئ السلام، ويقول: (إنَّ لله ما أخذ وما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمًّى، فلتصبر ولتحتسب).
﴿تنبيه﴾: (وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما لأنهما بخلاف السنة، وإذا ثبتت السنة فلا اعتبار لمن خالفها.
(1) ينبغي اجتناب الاجتماع للتعزية في مكانٍ خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد
(2) ينبغي كذلك اجتناب صنع أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء.
(حديث جرير ابن عبد الله الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام من النياحة.
مسألة: هل من السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه طعام لأهل الميت؟
نعم ذلك من السنة:
(حديث عبد الله ابن جعفر الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال ابنةالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم أمرٌ يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم.
(
الحداد على الميت:
مسألة: ما هو الحداد على الميت، وما مدة الإحداد؟
الإحداد على الميت: هو ترك ما تتزين به المرأة من الحلي والكحل والحرير والطيب والخضاب.
مدة الإحداد: يجوز للمرأة أن تُحِدَ على قريبها الميت ثلاثة أيام ما لم يمنعها زوجها ويحرم عليها فوق ذلك، أما إذا كان الميت الزوج فإنها تحد عليه أربعة أشهرٍ وعشرا، وإنما وجب على الزوجة ذلك وفاءاً للزوج ومراعاةٍ لحقه.
(حديث أم عطية الثابت في الصحيحين) قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر، إذا اغتسلت إحدانا من محيضها، في نبذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز.
(حديث زينب بنت أبي سلمة الثابت في الصحيحين) قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا).
ثم دخلت على زينب بنت جحش، حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست، ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا.
(
ما ورد في النهي عن سب الأموات:
مسألة: ما حكم سب الأموات؟
(الصحيح في هذه المسالة: أن سب الأموات مجراها مجرى الغيبة فمن لم يجز غيبته لم يجز سبه ميتاً وعليه يحمل الحديث الاتي
(حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري)) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قد موا.
(قد أفضوا إلى ما قدموا): قد وصلوا إلى ما قدموا من خيرٍ وشر.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وجبت).
ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: (وجبت) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
الشاهد: أن الناس أثنوا شراً فأقرهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
كما يجوز سب الكفار ولعنهم قال تعالى: (لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) [سورة: المائدة - الآية: 78]
و قال تعالى: (تَبّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ) [سورة: المسد - الآية: 1]
مسألة: هل يجوز الثناء على الميت بخير؟
نعم يجوز الثناء على الميت بخير:
(حديث عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (أيما مسلم، شهد له أربعة بخير، أدخله الله الجنة).
فقلنا: وثلاثة، قال: (وثلاثة).
فقلنا: واثنان، قال: (واثنان).
ثم لم نسأله عن الواحد.
باب أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور:
(عناصر الباب:
(
ما هو البرزخ؟
(هول القبور: (
سؤال القبر:
(التثبيت في القبر: (عذاب القبر ونعيمه: (الأسباب الموجبة لعذاب القبر: (الأسباب التي تكون سبباً في النجاة عذاب القبر: (أنواع عذاب القبر: (ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنورها عليهم بدعاء الأحياء: (عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيا: (ضمة القبر: (اجتماع أعمال الميت عليه من خير وشر ومدافعتها عنه: (اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه: (فيما ورد من تلاقي الموتى في البرزخ وتزاورهم: (ما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء: (ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ: (زيارة الموتى والاتعاظ بهم: (الفرق بين زيارة الموحدين للقبور، وزيارة المشركين: (استحباب تذكر القبور والتفكير في أحوالهم: (أحوال السلف في تذكر القبور والتفكير في أحوالهم: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (ما هو البرزخ؟
مسألة: ما هو البرزخ؟ (قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابة أهوال القبور:
إن الله سبحانه وتعالى خلق بني آدم للبقاء لا للفناء، وإنما ينقلهم بعد خلقهم من دار إلى دار، كما قال ذلك طائفة من السلف الأخيار، منهم بلال بن سعد، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، فأسكنهما في هذه الدار، ليبلوهم أيُّهم أحسن عملاً، ثم ينقلهم إلى دار البرزخ فيحبسهم هنالك إلى أن يجمعهم يوم القيامة ويجزي كل عاملٍ جزاء عمله مفصّلاً هذا مع أنهم في دار البرزخ بأعمالهم مدانون مكافئون، فمكرَّمون بإحسانهم وبإساءتهم مهانون، قال تعالى: (وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 100]
قال مجاهد: البرزخ الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا، وعنه قال: هو ما بين الموت إلى البعث،
قال الحسن: هي هذه القبور التي بينكم وبين الآخرة، وعنه قال أبو هريرة: هي هذه القبور التي تركضون عليها لا يسمعون الصوت,
وقال عطاء الخرساني: البرزخ مدة ما بين الدنيا والآخرة, وصلى أبو أمامة على جنازة فلما وضعت في لحدها, قال أبوأمامة: هذا برزخ إلى يوم يبعثون.
وقيل للشَّعبي مات فلان قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ، وسمع رجلا يقول: مات فلان أصبح من أهل الآخرة.
قال: لا تقل من أهل الآخرة! ولكن قل من أهل القبور.
(هول القبور:
(أخي الحبيب:
أما تفكرت في حال من مات ونُقِلَ من القصورِ إلى ظلمة القبور وما فيها من الدواهي والأمور تحت الجنادل والصخور.. ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود.. ومن ملاعبة الأهل والولدان إلى مقاساة الهوام والديدان.. ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوبيل؟ فأخذهم الموت على غرة، وسكنوا القبور بعد حياة الترف واللذة، وتساووا جميعاً بعد موتهم في تلك الحفرة.
(ولله درُ من قال:
أتيت القبور فناديتها... أين المعظم والمحتقر؟!
وأين المذل بسلطانه... وأين القوي على ما قدر؟!
تفانوا جميعاً فما مخبر... وماتوا جميعاً ومات الخبر!!
فيا سائلي عن أناس مضوا... أما لك فيما مضى معتبر؟!
تروح وتغدو بنات الثرى... فتمحو محاسن تلك الصور!
(أخي الحبيب: ماذا أعددت لأول ليلة تبيتها في قبرك؟ أما علمت أنها ليلة شديدة، بكى منها العلماء، وشكا منها الحكماء، وشمر لها الصالحون الأتقياء؟ فارقت موضع مرقدي... يوماَ فقارققني السكون القبر أول ليلة... بالله قل لي ما يكون؟!
كان الربيع بن خثيم يتجهز لتلك الليلة، ويروى أنه حفر في بيته حفرة فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيها، وكان يمثل نفسه أنه يقد مات وندم وسأل الرجعة فيقول: رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99،100]، ثم يجيب نفسه فيقول: (قد رجعت يا ربيع!!) فيرى فيه ذلك أياماً، أي يرى فيه العبادة والاجتهاد والخوف والوجل.
الثرى والتراب.. ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة.. ومن المضجع الوثير إلى المصرع
(شيع الحسن رحمه الله: جنازة فجلس على شفير القبر فقال: إن أمراً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن أمراً هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره.
(ووعظ عمر بن عبد العزيز يوماً أصحابه فكان من كلامه أنه قال: إذا مررت بهم فنادهم إن كنت منادياً، وادعهم إن كنت داعياً، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم.. سل غنيهم ما بقي من غناه؟.. واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون.. واسألهم عن الجلود الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان؟!.. أكلت الألسن، وغفرت الوجوه، ومحيت المحاسن، وكسرت الفقار، وبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء فأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة والمال والأهل.
(وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: "ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم.. من الموت موعده.. والقبر بيته.. والثرى فراشه.. والدود أنيسه.. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كيف يكون حاله؟! "، ثم بكي رحمه الله.
(فيا ساكن القبر غداً! ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك اليانعة؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك وبخورك؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟.. ليت شعري بأي خديك بدأ البلى.. يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت.. ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا.. وما يأتيني به من رسالة ربي.. ثم انصرف رحمة الله فما عاش بعد ذلك إلا جمعة.
(أخي الحبيب:
تفكر في الذين رحلوا.. أين نزلوا؟ وتذكر القوم نوقشوا وسئلوا.. ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا.. ولكن هيهات هيهات وقد قبروا.
أما اعتبرت بمن رحل، أما وعظتك العبر، أما كان لك سمعٌ ولا بصر.
(أخي الحبيب:
القبر أول منازل الآخرة فكيف بنا أهملنا بنيانه وقوضنا أركانه وليس بيننا وبين الانتقال إليه إلا أن يقال: فلان مات.
وأنت إذا أمعنت النظر في كل شيء لن تجد أفظع من القبر وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث هانىء مولى عثمان رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: كان عثمان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، وقال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما رأيت منظراً قطُّ إلا والقبر أفظع منه ".
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ) وَمِنْهَا عُرْضَةُ الْقِيَامَةِ عِنْدَ الْعَرْضِ, وَمِنْهَا الْوُقُوفُ عِنْدَ الْمِيزَانِ, وَمِنْهَا الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ, وَمِنْهَا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ, وَآخِرُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الدُّنْيَا وَلِذَا يُسَمَّى الْبَرْزَخُ
(فَإِنْ نَجَا) أَيْ خُلِّصَ الْمَقْبُورُ
(مِنْهُ) أَيْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
(فَمَا بَعْدَهُ) أَيْ مِنَ الْمَنَازِلِ
(أَيْسَرُ مِنْهُ) أَيْ أَسْهَلُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ لَكُفِّرَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ
(وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ) أَيْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَلَمْ يُكَفِّرْ ذُنُوبَهُ بِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِهِ
(فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ) لِأَنَّ النَّارَ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَالْقَبْرُ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ
(قَالَ) أَيْ عُثْمَانُ - رضي الله عنه -.
(مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالظَّاءِ أَيْ مَوْضِعًا يُنْظَرُ إِلَيْهِ وَعَبَّرَ عَنِ الْمَوْضِعِ بِالْمَنْظَرِ مُبَالَغَةً لِأَنَّهُ إِذَا نُفِيَ الشَّيْءُ مَعَ لَازِمِهِ يَنْتَفِي بِالطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ
(قَطُّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمَضْمُومَةِ: أَيْ أَبَدًا وَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْمَاضِي
(إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ) مِنْ فَظُعَ الْأَمْرُ كَكَرُمَ اشْتَدَّتْ شَنَاعَتُهُ وَجَاوَزَ الْمِقْدَارَ فِي ذَلِكَ, يَعْنِي أَشَدُّ وَأَفْظَعُ وَأَنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْظَرِ.
قِيلَ: الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ مَنْظَرٍ وَهُوَ مَوْصُوفٌ حُذِفَتْ صِفَتُهُ, أَيْ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا فَظِيعًا عَلَى حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ الْفَظَاعَةِ, إِلَّا فِي حَالَةِ كَوْنِ الْقَبْرِ أَقْبَحَ مِنْهُ, فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ.
أهـ
فارقت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون... القبر أول ليلة بالله قل لي فيه ما يكون
نظرة واحدة بعين البصيرة في هذا القبر والله سوف تعطيك حقيقة هذه الدنيا فبعد العزة وبعد الأموال وبعد الأوامر والنواهي وبعد الخدم والحشم وبعد القصور والدور، أهذه هي نهاية ابن آدم في هذه الحفرة الضيقة المظلمة.
تالله لو عاش الفتى في عمره... ألفاً من الأعوام مالك أمره
متلذذاً فيها بكل نعيم... متنعماً فيها بنعمى عصره
ما كان ذلك كله في أن يفي... بمبيت أول ليلة في قبره
فإذا تفكر في ما سيلقاه في قبره وأنه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
إذا تفكر في هذا كله ارتدع عن المعاصي ورق قلبه لخالقه.
(أخي الحبيب:
انظر لحال الموتى وتأمل حالهم ومآلهم فوالله إنه سيأتيك يوم مثل يومهم وسيمر عليك ما مرّ بهم، ألا فاعتبر واستعد، ولا تغفل ولا تنسى مصيرك ومآلك، فهل تصورت نفسك وأنت مكان هذا المدفون، والله إنها نعمة كبيرة أن أعطاك الله العبرة من غيرك ولم يعط غيرك العبرة منك، فأعطاك الفرصة أن تحاسب نفسك وتستعد لذلك المصرع، فهلاّ استفدت من هذه الفرصة ما دام في الوقت مهلة، لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(
(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق.
فتخيل نفسك يا عبد الله وأنت محمول على الأعناق وعلى أي الحالتين تحب أن تكون.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة ما سمعت مثلها قط قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).
قال فغطى أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوههم لهم خنين.
ومعنى الحديث: لو أنكم علمتم ما أعلمه من عظمة الله عز وجل، وانتقامه ممن يعصيه، لطال بكاؤكم وحزنكم وخوفكم مما ينتظركم، ولما ضحكتم أصلاً، فالقليل هنا بمعنى المعدوم، وهو مفهوم من السياق.
﴿تنبيه﴾: (وهذا الكلام موجه للصحابة رضي الله عنهم فكيف بك أنت أيها الغافل اللاهي تلهو وتلعب وتغني وتعصي الله صباحاً ومساء، ولا كأن أمامك موت ولا قبر ولا حشر ولا نشر، ولا كأن أمامك هذه الأهوال العظيمة، فما أقسى والله قلبك وما أقل عقلك.
فتنبه لذلك أيها المسكين إن كنت تعقل وتفهم.
فتخيل يا عبد الله وأنت في هذا القبر الموحش المظلم يقال لك مثل هذا الكلام فحينئذ لا ينفعك ندم ولا صياح ولا بكاء ولا أنين.
(
سؤال القبر:
مسألة: ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في سؤال القبر؟
عقيدة أهل السنة والجماعة في سؤال القبر أن كل إنسانٍ يُسأل في قبره بعد موته قُبر أم لم يقبر فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء أو أغرق في البحر لسئل عن أعماله وجوزي بالخير خيراً وبالشر شراً وأن النعيم والعذاب على النفس والبدن معاً
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:
عذاب القبر حقٌ لا ينكره إلا ضالٌ مضل.
انتهى
وهاكم الأدلة على ذلك:
قال تعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ وَيُضِلّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَآءُ) [إبراهيم: 27]
(حديث البراء الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: العبد إذا سُئل في قبره يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد ورسوله فذلك قوله تعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) [إبراهيم: 27].
(حديث البراء الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: العبد إذا سُئل في قبره يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد ورسوله فذلك قوله تعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) [إبراهيم: 27].
(حديث البراء الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) نزلت في عذاب القبر، زاد مسلم: "يقال له: من ربك؟ فيقول ربي الله ونبيي محمد، فذلك قوله سبحانه وتعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن العبد إذا وضع في قبره و تولى عنه أصحابه حتى أنه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله و رسوله فيقال: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا، و أما المنافق و الكافر فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال له: لا دريت و لا تليت ثم يضرب بمطارق من حديد ضربةً فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر و للآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو: عبد الله و رسوله أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد عبده و رسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينور له فيه ثم يقال: نم فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك و إن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله لا أدري فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
(حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ويجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولان فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان من ربك فيقول ربي الله فيقولان ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان ما يدريك فيقول قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته فينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الحسن يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين
حتى يجعلوها في تلك المسوح وتخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذه الريح الخبيثة فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ثم تطرح روحه طرحا ثم قرأ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكانه فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري، قال فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعهد ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه القبيح يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة.
(فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول): السفود " الكثير الشعب " من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولوا مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقال له أرأيتك هذا الذي كان قبلكم ما تقول فيه وماذا تشهد عليه فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه قال فيقول محمد أشهد أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه جاء بالحق من عند الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويعاد الجسد كما بدأ منه فتجعل نسمته في النسيم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة فذلك قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27] وإن الكافر إذا أتي من قبل رأسه لم يوجد شيء ثم أتي عن يمينه فلا يوجد شيء ثم أتي عن شماله فلا يوجد شيء ثم أتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء فيقال له اجلس فيجلس مرعوبا خائفا فيقال أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه فيقول أي رجل ولا يهتدي لاسمه فيقال له محمد فيقول لا أدري سمعت الناس قالوا قولا فقلت كما قال الناس فيقال له على ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبورا ثم يفتح له باب من أبواب الجنة ويقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورا ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم
القيامة أعمى.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون اخرجي إلى روح الله فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا فيشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من الأرض ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم فيقولون ما فعل فلان فيقولون دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا فيقول قد مات أما أتاكم فيقولون ذهب به إلى أمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون اخرجي إلى غضب الله فتخرج كأنتن ريح جيفة فيذهب به إلى باب الأرض.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن
عبيد بن عمير قال: المؤمن يفتن سبعاً والمنافق أربعين صباحاً.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن
بعض حفدة أبي موسى الأشعري أن أبا موسى الأشعري أوصاهم قال: إذا حفرتم فأعمقوا قعره أما أني والله لأقول لكم ذلك وأني لأعلم إن كنت من أهل طاعة الله ليفسحن لي في قبري ولينور لي فيه.
ثم ليفتحن لي باب مساكني في الجنة فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني منها، ثم ليأتيني من روحها وريحتها وريحانها.
ولئن كنت من أهل المنزلة الأخرى ليضيقن علي قبري، وليهدمنَّ على الأرض، وليفتحن الله إلى باب مساكني من النار، فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني منها، ثم ليأتيني من شرها، وشرورها ودخانها.
(وهاك أروع القصص لأناس رأوا عجباً في القبور حين دفنوا بعض الموتى:
(روى ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين بإسناده عن أبي غالب صاحب أبي أمامه أن فتى بالشام حضره الموت فقال لعمه: أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي؟ قال: إذاً والله تدخلك الجنة.
فقال: والله لله أرحم بي من والدتي فقبض الفتى، فجزع عليه عبد الملك بن مروان قال: فدخلت القبر مع عمه فخطوا له خطاً فلم يلحدوه، قال فقلنا باللبن فسوينا عليه فسقطت لبنه، فوثب عمه فتأخر قلت: ماشأنك قال: ملىء قبره نورا، وفسح له مد بصره.
(وروي في كتاب ذكر الموت بإسناده عن أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ قال: كان شيخ من بني الحضرمي بالبصرة وكان شيخا صالحا، وكان له ابن أخ يصحب الفتيان الفساق فكان يعظه، فمات الفتى، فلما أنزله عمه في قبره فسوى عليه اللبن شك في بعض أمره، فنزع بعض اللبن فنظر فإذا قبره أوسع من جبانة البصرة، وإذا هو في وسط منها، فرد عليه اللبن وسأل امرأته عن عمله فقالت: كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله يقول: وأنا اشهد بما شهدت به، وأكفيها من تولى عنها.
(
التثبيت في القبر:
(حديث البراء في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: العبد إذا سُئل في قبره يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد ورسوله فذلك قوله تعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) [إبراهيم: 27].
(حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في قول الله تعالى (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) [إبراهيم: 27] قال في القبر إذا قيل له من ربك وما دينك ومن نبيك.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
هُوَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِأَنْ لَا يُزَالُوا عَنْهُ إِذَا فُتِنُوا فِي دِينِهِمْ، وَلَمْ يَرْتَابُوا بِالشُّبُهَاتِ وَإِنْ أُلْقُوا فِي النَّارِ، كَمَا ثَبَتَ الَّذِينَ فَتَنَهُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ وَغَيْرُهُمْ وَفِي الْآخِرَةِ أَيْ فِي الْقَبْرِ، بِتَلْقِينِ الْجَوَابِ وَتَمْكِينِ الصَّوَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
(أخي الحبيب:
هل تذكرت هاذم اللذات، ومفرق الجماعات ومشتت البنين والبنات؟
هل تذكرت يوماً تكون فيه من أهل القبور؟
هل تذكرت مفارقة الأهل والجيران، والأموال والأصحاب والأوطان؟
هل تذكرت ضيق القبور وظلمتها؟
هل تذكرت وحشتها وكربتها؟
هل تذكرت عذاب القبر وألوانه؟
هل تذكرت حياته وعقاربه وديدانه؟
هل تذكرت الشجاع الأقرع وعظم شأنه؟
هل تذكرت ضرب الفاجر بمرزبة من حديد مع الإهانة؟
هل تذكرت سؤال الملكين منكر ونكير؟
هل تذكرت أتوفق للصواب من الجواب، أم يقال لك: لا دريت ولا تليت؟
هل تذكرت نعيم القبر وروحه وريحانه؟
أخي أعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، وللصواب إخلاصاً لا رياء.
وكان عون بن عبد الله يقول في بكائه وذكر خطيئته: ويح نفسي، بأي شيء لم أعص ربي؟
ويحي! إنما عصيتُه بنعمته عندي.
ويحي! من خطيئة ذهبت شهوتُها، وبقيت تبعتُها عندي.
ويحي! كيف أنسى الموت ولا ينساني؟
ويحي! إن حُجبت يوم القيامة عن ربي.
ويحي! كيف أغفل ولا يغفل عني؟
أم كيف تُهنئُي معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟ أم كيف لا تطول حسرتي ولا أدري ما يفعل بي؟
أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟
أم كيف أجمعُ بها وفي غيرها قراري؟
أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل منها يكفيني؟
أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟
أم كيف لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي؟
أم كيف يشتد إعجابي بما يزايلني وينقطع عني؟
(
عذاب القبر ونعيمه:
القبر فتنة وحساب فإما نعيم وإما عذاب، وأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه.
ففريق في الجنة وفريق السعير.
فهل أعددت للموت عده؟ وهل فكرت يوماً في وحشة القبور؟ وهل تأملت في أهوال الحشر والنشور؟
(عذاب القبر ونعيمه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:
عذاب القبر ونعيمه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكر ذلك إلا مكابر ومعاند قال تعالى: سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [التوبة:101]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
قال مجاهد في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ يعني: القتل والسباء وقال ـ في رواية ـ بالجوع، وعذاب القبر، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾
وقال ابن جريج: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب النار.
وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا، وعذاب في القبر.
وقال سبحانه: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46،45]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو: الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم.
فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساءً إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار؛ ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي: أشده ألما وأعظمه نكالا.
وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.
(قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور:
وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع كقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُوَاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوَاْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام: 93]
قال تعالى: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ) [غافر: 46]
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عذاب القبر والتعوذ منه منها ما يلي:
(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنها سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عذاب القبر قال " نعم عذاب القبر حق " قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال.
(حديث ابن عباس في الصحيحين) قال: مر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقبرين فقال "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"
(حديث البراء الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) نزلت في عذاب القبر، زاد مسلم: "يقال له: من ربك؟ فيقول ربي الله ونبيي محمد، فذلك قوله سبحانه وتعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ.
(حديث البراء الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: العبد إذا سُئل في قبره يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد ورسوله فذلك قوله تعالى: (يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ) [إبراهيم: 27].
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن العبد إذا وضع في قبره و تولى عنه أصحابه حتى أنه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله و رسوله فيقال: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا، و أما المنافق و الكافر فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال له: لا دريت و لا تليت ثم يضرب بمطارق من حديد ضربةً فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن العبد) المؤمن المخلص
(إذا وضع في قبره) بالبناء للمفعول
(وتولى عنه) أي أعرض
(أصحابه) المشيعون له من أهله وأصدقائه
(يسمع قرع نعالهم) أي صوتها عند الرؤوس قال القاضي: يعني لو كان حياً فإن جسده قبل أن يأتيه الملك فيقعده ميت لا حس فيه انتهى وسيجيء ما ينازع فيه قال الطيبي: وقوله (أتاه) جواب الشرط والجملة خبر إن وقوله وإنه يسمع قرع نعالهم إما حال بحذف الواو أو كأحد الوجهين في قوله تعالى ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا﴾ الآية (ملكان) بفتح اللام منكر ونكير بفتح كاف الأول وكلاهما ضد المعروف سميا به لأنهما لا يشبه خلقهما خلق آدمي ولا ملك ولا غيرهما وهما أسودان أزرقان جعلهما اللّه نكرة للمؤمن ليبصره ويثبته وعذاباً على غيره
(فيعقدانه) حقيقة بأن يوسع اللحد حتى يجلس فيه زاد في رواية فتعاد روحه في جسده وظاهره في كله ونقله المصنف في أرجوزته عن الجمهور لكن قال ابن حجر: ظاهر الخبر في النصف الأعلى وجمع بأن مقرها في النصف الأعلى ولها اتصال بباقيه وقيل وجزم به القاضي والمراد بالإقعاد التنبيه والإيقاظ عما هو عليه بإعادة الروح فيه أجرى الإقعاد مجرى الإجلاس وقد يقال أجلسه من نومه إذا أيقظه والحديث ورد بهما والظاهر أن لفظ الرسول فيجلسانه وبعض الرواة أبدله بيقعدانه فإن الفصحاء يستعملون الإقعاد إذا كان من قيام والإجلاس إذا كان من اضطجاع وهو في ذلك تابع للأثر حيث قال عقب قوله يقعدانه وفي حديث البراء فيجلسانه وهو أولى بالاختيار لأن الفصحاء إنما يستعملون القعود في مقابلة القيام فيقولون القيام والقعود ولا تسمعهم يقولون القيام والجلوس يقال قعد عن قيامه وجلس عن مضجعه واستلقائه وحكى أن نصر بن جميل دخل على المأمون فسلم فقال له اجلس فقال يا أمير المؤمنين لست بمضطجع فأجلس فقال كيف أقول قال اقعد فالمختار من الروايتين الإجلاس لموافقته لدقيق المعنى وتصحيح الكلام وهو الأجدر ببلاغة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ولعل من روى فيقعدانه ظن أن اللفظين بمعنى ولهذا أنكروا رواية الحديث بالمعنى خشية أن يزل في الألفاظ المشتركة فيذهب عن المعنى المراد ورده الطيبي بأن الأقرب الترادف وأن استعمال القعود مع القيام والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظية ونحن نقول به إذا كانا مذكورين معاً نحو ﴿الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ لا إذا لم يكن أحدهما مذكوراً، ألا ترى إلى حديث مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد قوله إذ طلع علينا ولا خفاء أنه عليه الصلاة والسلام لم يضطجع بعد الطلوع عليهم وكذا لم يرد في نص الحديث الاضطجاع ليوجب أن يذكر معه الجلوس (فيقولان له) الظاهر أن أحدهما يقول لحصول الاكتفاء به لكن لما كان كل منهما بصدد القول نسب إليهما جميعاً (ما كنت) في حياتك (تقول) أي أيّ شيء تقوله
(في هذا الرجل لمحمد) أي في محمد صلى اللّه عليه وسلم وقال الطيبي قوله لمحمد بيان من الراوي للرجل أي لأجل محمد ولم يقولا رسول اللّه أو النبي امتحاناً له واغراباً على المسؤول لئلا يتلقى تعظيمه منهما فيقول تقليداً لا اعتقاداً وفهم بعض من لفظ الإشارة أنه يكشف له عن النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى يراه عياناً فيقال ما تقول في هذا وأبطله ابن جماعة بأن الإشارة تطلق في كلامهم على الحاضر والغائب كما يقول المرء لصاحبه ما تقول في هذا السلطان وهما لم يرياه (فأما المؤمن) أي الذي قبض على الإيمان (فيقول) بعزم وجزم من غير تلعثم ولا توقف (أشهد أنه عبد اللّه ورسوله) إلى كافة الثقلين (فيقال) أي فيقول له الملكان المذكوران أو غيرهما (انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعداً من الجنة) أي محل قعودك فيها (فيراهما جميعاً) أي يرى مقعده من النار ومقعده من الجنة فيزداد فرحاً إلى فرح ويعرف نعمة اللّه عليه بتخليصه من النار وإدخاله الجنة وأما الكافر فيزداد غماً إلى غم وحسرة إلى حسرة بتفويت الجنة وحصول النار له (ويفسح له في قبره) أي يوسع له فيه (سبعون ذراعاً) يعني شيئاً كثيراً جداً فالسبعين للتكثير لا للتحديد كما في نظائره (وأما الكافر) أي المعلن بكفره (أو المنافق) الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر وهذا شك من الراوي أو بمعنى الواو قال ابن حجر: والروايات كلها مجمعة على أن كلاً منهما يسأل انتهى وفيه رد لقول ابن عبد البر لا يسأل الكافر لكن رجحه المصنف في أرجوزته قيل والسؤال من خصائص هذه الأمة وقيل لا وقيل بالوقف وقيل والمؤمن يسأل سبعاً والمنافق أربعين صباحاً (فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال له لا دريت) بفتح الراء (ولا تليت) من الدراية والتلاوة أصله تلوت أبدلت الواو ياء لمزاوجة دريت ومجموع ذلك دعاء عليه أي لا كنت دارياً ولا تالياً أو أخبار له أي لا علمت بنفسك بالاستدلال ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيما يقولون ذكره ابن بطال وغيره وقال الخطابي: هكذا يرويه المحدثون وهو غلط وصوابه أتليت بوزن أفعلت من قولك أي ما أتلوته أي ما استطعته (ثم يضرب) بالبناء للمجهول يعني يضربه الملكان اللذان يليان فتنته (بمطارق من حديد) في رواية بمطرقة بكسر الميم أي بمرزبة كما عبر بها في سنن أبي داود
(ضربةً فيصيح صيحة يسمعها من يليه) ظاهره الملكان فقط وليس مراداً بقرينة قوله (غير الثقلين) الجن والإنس وبقرينة خبر أحمد فيسمعه خلق اللّه كلهم غير الثقلين والمنطوق مقدم على المفهوم وحكمة عدم سماع الثقلين الابتلاء فلو سمعا صار الإيمان ضرورياً وأعرضوا عن نحو المعايش مما يتوقف عليه بقاء الشخص والنوع فيبطل معاشهم وأصل الثقل المتاع المحمول على الدابة وقيل لهما الثقلان لأنهما قطان الأرض فكأنهما ثقلاها ذكره الزمخشري قال القاضي: وظاهر الخبر أن السؤال إنما يكون فيمن قبر أما غيره فبمعزل عنه ويشهد له خبر لولا أن لا تدافنوا لدعوات اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر قلت بل هو أمر يشمل الأموات ويعمهم حتى من أكله سبع أو طير وتفرق شرقاً وغرباً فإنه تعالى يعلق روحه الذي فارقه يجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره المستمر على حالتي النمو والذبول الذي تتعلق به الأرواح أولاً فيحيى ويحيى بحياته سائر أجزاء البدن ليسأل فيثاب أو يعذب ولا يستبعد ذلك فإنه تعالى عالم بالجزئيات فيعلم الأجزاء انفصالها ومواقعها ومحالها ويميز بين الأصلي وغيره ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حال الانفراد تعليقه به حال الاجتماع فإن البينة عندنا ليست شرطاً للحياة بل لا يستبعد تعليق ذلك الروح الشخص الواحد في آن واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول وفيه حل المشي بين القبور بنعل لكن يكره كذا قيل واستثنى من السؤال جماعة (9) ووردت أخبار بإعفائهم عنه (تنبيه) قال جدي نقلاً عن شيخه العراقي [ص 375] ظاهر الخبر أن الملكين يأتيان المؤمن والمنافق على صفة واحدة وهو اللائق بالامتحان والاختبار (تنبيه) قال ابن عربي: من أفسد شيئاً بعد إنشائه جاز أن يعيده كما يراه إذا قامت اللطيفة الروحانية بجزء من الإنسان فقد صح عليه اسم الحيوان والنائم يرى ما لا يراه اليقظان وهو إلى جانبه.
(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر و للآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو: عبد الله و رسوله أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد عبده و رسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينور له فيه ثم يقال: نم فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك و إن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله لا أدري فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: إِذَا أُدْخِلَ فِي الْقَبْرِ وَدُفِنَ.
(أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ) بِزَايٍ فَرَاءٍ أَيْ: أَزْرَقَانِ أَعْيُنُهُمَا.
(يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ) مَفْعُولٌ مِنْ أَنْكَرَ بِمَعْنَى نَكِرَ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا.
(وَلِلْآخَرِ النَّكِيرُ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ مِنْ نَكِرَ بِالْكَسْرِ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، فَهُمَا كِلَاهُمَا ضِدُّ الْمَعْرُوفِ سُمِّيَا بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَعْرِفْهُمَا وَلَمْ يَرَ صُورَةً مِثْلَ صُورَتِهِمَا، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ، وقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اسْمَ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُذْنِبَ في قبره مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، وَاسْمَ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُطِيعَ في قبره مُبَشِّرٌ وَبَشِيرٌ.
(فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟) زَادَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ - رضي الله عنه - عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: ﴿فَيُقْعِدَانِهِ﴾، وزَادَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: ﴿فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ﴾
(فَيَقُولُ) أَيْ: الْمَيِّتُ وسؤال القبر
(مَا كَانَ يَقُولُ) أَيْ: قَبْلَ الْمَوْتِ
(فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول): أَيْ: الْإِقْرَارُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وعِلْمُهُمَا بِذَلِكَ إِمَّا بِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ، أَوْ بِمُشَاهَدَتِهِمَا فِي جَبِينِهِ أَثَرَ السَّعَادَةِ والنعيم في قبر المؤمن وَشُعَاعَ نُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِبَادَةِ.
(ثُمَّ يُفْسَحُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُوَسَّعُ
(سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ) أَيْ: فِي عَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا.
يَعْنِي: طُولَهُ وَعَرْضَهُ كَذَلِكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ يُفْسَحُ قَبْرُهُ مِقْدَارَ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فَجَعَلَ الْقَبْرَ ظَرْفًا لِلسَّبْعَيْنِ، وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى السَّبْعِينَ مُبَالَغَةً فِي السَّعَةِ
(ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ) أَيْ: يُجْعَلُ النُّورُ لَهُ فِي قَبْرِهِ الَّذِي وُسِّعَ عَلَيْهِ.
(نَمْ) أَمْرٌ مِنْ نَامَ يَنَامُ
(فَيَقُولُ) أَيْ: الْمَيِّتُ لِعَظِيمِ مَا رَأَى مِنَ السُّرُورِ
(أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي) أَيْ: أُرِيدُ الرُّجُوعَ، كَذَا قِيلَ، والْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُقَدَّرٌ قَالَهُ الْقَارِي.
(فَأُخْبِرُهُمْ) أَيْ: بِأَنَّ حَالِي طَيِّبٌ، وَلَا حُزْنَ لِي لِيَفْرَحُوا بِذَلِكَ
(نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ) هُوَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي أَوَّلِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ لِلذَّكَرِ الْعَرِيسُ
(الَّذِي لَا يُوقِظُهُ) الْجُمْلَةُ صِفَةُ الْعَرُوسِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ نَوْمَهُ بِنَوْمَةِ الْعَرُوسِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي طَيِّبِ الْعَيْشِ
(إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ) قَالَ الْمُظْهَرُ: عِبَارَةٌ عَنْ عِزَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ يَأْتِيهِ غَدَاةَ لَيْلَةِ زِفَافِهِ مَنْ هُوَ أَحَبُّ وَأَعْطَفُ فَيُوقِظُهُ عَلَى الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ
(حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ) هَذَا لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْمَلَكَيْنِ، بَلْ مِنْ كَلَامِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَتَّى مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: يَنَامُ طَيِّبَ الْعَيْشِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ.
(وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا) وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ هُوَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
(فَقُلْتُ مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ قَوْلِهِمْ
(لَا أَدْرِي) أَيْ: أَنَّهُ نَبِيٌّ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ أَيْ: مَا شَعَرْتُ غَيْرَ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ.
(فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك):
(فيقال للأرض: التئمي عليه): أَيْ: انْضَمِّي وَاجْتَمِعِي.
(فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه): بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ ضِلَعٍ، وَهُوَ عَظْمُ الْجَنْبِ، أَيْ: تَزُولُ عَنِ الْهَيْئَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ شِدَّةِ الْتِئَامِهَا عَلَيْهِ وَشِدَّةِ الضَّغْطَةِ، وَتُجَاوِزُ جَنْبَيْهِ مِنْ كُلِّ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ آخَرَ.
(فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك): أَيْ: فِي الْأَرْضِ، أَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
أخي الحبيب:
هل تذكرت لحظة الفراق عندما تلقي آخر النظرات على هذه الدنيا وتستقبل الآخرة بما فيها من الأهوال والصعاب فإما أن تنتقل إلى سموم وحميم وتصلية جحيم فاعمل من الآن عملاً ينجيك بإذن الله مما أمامك من أهوال ما دام في الوقت مهلة وما دمت تستطيع ذلك لتخرج من هذه الدنيا مرتاحاً وفرحاً مسروراً بلقاء ربك، وبما أعده لك من النعيم المقيم.
ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً... والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا... في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
(حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ويجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولان فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان من ربك فيقول ربي الله فيقولان ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان ما يدريك فيقول قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته فينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الحسن يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين
حتى يجعلوها في تلك المسوح وتخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذه الريح الخبيثة فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ثم تطرح روحه طرحا ثم قرأ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكانه فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري، قال فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعهد ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه القبيح يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة.
(فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول): السفود " الكثير الشعب " من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء فيرحب له قبره سبعون ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر أتدرون فيما أنزلت هذه الآية (فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ) [طه: 124] قال أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه يُسَلَّطَ عليه تسعةٌ وتسعون تنينا، أتدرون ما التنين؟ سبعون حية لكل حية سبع رؤوس يلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثر عذاب القبر من البول.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا منه.
(
الأسباب الموجبة لعذاب القبر:
(أخي الحبيب:
(ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أهل القبور يعذبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده، فعذاب القبر يكون على معاصي القلب، والعين، والأذن، والفم، واللسان، والبطن، والفرج، واليد،، والرجل، والبدن كله، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب، ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب.
وقد ورد الوعيد بالعذاب في القبر على كثير من المعاصي والذنوب منها ما يلي:
(1) النميمة والغيبة.
(2) عدم الاستبراء من البول.
(3) الصلاة بغير طهور.
(4) الكذب.
(5) تضييع الصلاة والتثاقل عنها.
(6) ترك الزكاة.
(7) الزنى.
(8) الغلول من المغنم (السرقة)
(9) الخيانة.
(10) السعي في الفتنة بين المسلمين.
(11) أكل الربا.
(12) ترك نصرة المظلوم.
(13) شرب الخمر.
(14) إسبال الثياب تكبراً.
(15) القتل.
(17) الموت على غير السنة (البدعة)
(وقال رحمه الله بعد أن ذكر أنواع كثيرة من المحرمات التي يعذب بها الموتى في قبورهم: (وما كان أكثر الناس كذلك، كان أكثر أهل القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات، وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها، ويحق لها وقد حيل بينها وبين أمانيها.. تالله لقدت وعظت لواعظ مقالا، ونادت: يا عمار الدنيا لقد عمرتم داراً موشكة بكم زوالاً، وخربتم داراً أنتم مسرعون إليها انتقالاً هذه دار الاستيفاء، ومستودع الأعمال، وبذر الزرع، وهي محل للعبر، رياض من رياض الجنة، أو حفر من حفر النيران.
ما للمقابر لا تجيب... إذا دعاهن الكئيب
حفر مسقفة عليهن... الجنادل والكثيب
فيهن ولدان وأطفال... وشبان وشيب
كم من حبيب لم تكن... نفسي بفرقته تطيب
غادرته في بعضهن... مجندلاً وهو الحبيب
وسلوت عنه وإنما... عهدي برؤيته قريب
(فاعتبروا يا أولي الأبصار: (أخي الحبيب: كم من ظالمٍ تعدى وجار، فما راعى الأهل ولا الجار، بينا هو عقد الإصرار، حل به الموت فحل من حلته الأزرار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2] (ما صحبه سوى الكفن، إلى بيت البلى والعفن، ولو رأيته وقد حلت به المحن، وشين ذلك الوجه الحسن، فلا تسأل كيف صار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2]
(أين مجالسة العالية؟ أين عيشته الصافية؟ أين لذاته الخالية؟ كم تسفى على قبره سافية!! ذهبت العين وَأُخْفِيَت الآثار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2] (تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأتراب، وصار فراشه الجندل والتراب، وربما فُتِحَ له في اللحد باب إلى النار فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2]
(الأسباب التي تكون سبباً في النجاة عذاب القبر:
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أسباب النجاة من عذاب القبر، هي أن يتجنب الإنسان تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، وهي جميع المعاصي والذنوب.
(وذكر رحمه الله أن من أنفع تلك الأسباب: أن يحاسب المرء نفسه كل يوم على ما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد التوبة، النصوح بينه وبين الله، فينم على تلك التوبة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل، مسرورا بتأخير أجله، حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته، ولا ينام إلا على طهارة، ذاكراً الله عز وجل، مستعملاً الأذكار والسنن التي ورت عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند النوم حتى يغلبه النوم، فمن أراد الله به خيراً وفقه لذلك.
ثم ذكر رحمه الله الطاعات التي ورد أنها مما ينجي من عذاب القبر وهي:
(1) الرباط في سبيل الله.
(2) الشهادة في سبيل الله.
(3) قراءة سورة الملك.
(4) الموت بداء البطن.
(5) الموت يوم الجمعة.
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(1) الرباط في سبيل الله.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث سلمان رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان.
ومعنى الرباط: الإقامة بالثغر مقوياً للمسلمين على الكفار، والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم.
والرباط فضله عظيم وأجره كبير، وأفضله ما كان في أشد الثغور خوفاً.
(2) الشهادة في سبيل الله:
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(
(حديث رجل من أصحاب النبي الثابت في صحيح النسائي) أن رجلاً قال: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة.
(حديث المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «للشّهِيدِ عندَ الله سِتّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ في أَوّلِ دُفْعَةٍ ويرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنّةِ، ويُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ منها خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ويُزَوّجُ اثْنَتَيْنِ وسْبعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ (الْعِينِ)، وَيُشَفّعُ في سَبْعِينَ مِنْ أقَارِبِهِ».
(3) قراءة سورة الملك:
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غُفر له: تبارك الذي بيده الملك.
(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر.
(4) الموت بداء البطن:
(حديث عبد الله بن يسار الثابت في صحيح النسائي) قال: كنت جالسا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة فذكروا أن رجلا توفى مات ببطنه فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته فقال أحدهما للآخر ألم يقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره فقال الآخر بلي..
وهذا يحمل من أصيب بداء البطن أن يصبر ولا يجزع، ويحتسب الأجر عند الله، وأن يحتسبه أهله كذلك.
(5) الموت يوم الجمعة:
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر.
وهذا محض فضل الله وتوفيقه لحسن الخاتمة.
(ومما يستأنس به في هذا الباب:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولوا مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقال له أرأيتك هذا الذي كان قبلكم ما تقول فيه وماذا تشهد عليه فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه قال فيقول محمد أشهد أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه جاء بالحق من عند الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويعاد الجسد كما بدأ منه فتجعل نسمته في النسيم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة فذلك قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة الآية وإن الكافر إذا أتي من قبل رأسه لم يوجد شيء ثم أتي عن يمينه فلا يوجد شيء ثم أتي عن شماله فلا يوجد شيء ثم أتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء فيقال له اجلس فيجلس مرعوبا خائفا فيقال أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه فيقول أي رجل ولا يهتدي لاسمه فيقال له محمد فيقول لا أدري سمعت الناس قالوا قولا فقلت كما قال الناس فيقال له على ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبورا ثم يفتح له باب من أبواب الجنة ويقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورا ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة
أعمى.
وقد دل ذلك على أن تلك الأعمال من الصلاة والزكاة والصيام وفعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس من أسباب النجاة من عذاب القبر وكربه وفتنه.
والجامع في ذلك تحقيق التقوى لله تعالى، كما قاله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13]
(حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ويجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولان فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان من ربك فيقول ربي الله فيقولان ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان ما يدريك فيقول قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته فينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الحسن يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين
حتى يجعلوها في تلك المسوح وتخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذه الريح الخبيثة فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ثم تطرح روحه طرحا ثم قرأ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكانه فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري، قال فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعهد ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه القبيح يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة.
(فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول): السفود " الكثير الشعب " من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب.
اللهم اجعل قبورنا وإخواننا المسلمين رياضاً من رياض الجنة، وقنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سبحانك على ما تشاء قدير والإجابة جدير وأنت حسبنا ونم الوكيل.
(أنواع عذاب القبر:
لعذاب القبر أنواع منها ما يلي:
(1) منها الضرب إما بمطراق من حديد أو غيره كما في الأحاديث الآتية: (حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن العبد إذا وضع في قبره و تولى عنه أصحابه حتى أنه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله و رسوله فيقال: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا، و أما المنافق و الكافر فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال له: لا دريت و لا تليت ثم يضرب بمطارق من حديد ضربةً فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء فيرحب له قبره سبعون ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر أتدرون فيما أنزلت هذه الآية (فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ) [طه: 124] قال أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه يُسَلَّطَ عليه تسعةٌ وتسعون تنينا، أتدرون ما التنين؟ سبعون حية لكل حية سبع رؤوس يلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة.
(2) ومنها تضييق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه كما في الأحاديث الآتية:
(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر و للآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو: عبد الله و رسوله أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمد عبده و رسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينور له فيه ثم يقال: نم فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك و إن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله لا أدري فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
﴿تنبيه﴾: (وقد كشف لمن يشاء من عباده من أهل القبور ونعيمهم ومن ذلك هذه القصص الذي أوردها الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور:
(روى ابن أبي الدنيا عن طريق عمر بن هارون عن عبد الحميد بن محمود المغولي قال: كنت جالساً عند ابن عباس فأتاه قوم فقالوا: إنا خرجنا حجاجاً ومعنا صاحب لنا حتى أتينا ذات الصفاح فمات فهيأناه ثم انطلقنا فحفرنا له قبراً ولحدنا له لحداً فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأت اللحد فتركناه وأتيناك فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ذلك عمله الذي كان يعمل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها فلما رجعنا قلنا لامرأته ما كان عمله ويحك؟ قالت: كان يبيع الطعام فيأخذ كل يوم قوت أهله ثم يقرظ القصب مثله فيلقيه فيه.
(وروى الهيثم بن عدي حدثنا أبان بن عبد الله البجلي قال: هلك جار لنا فشهدنا غسله وكفنه وحمله إلى قبره وإذا شيء في قبره شبيه بالهرة فزجرناه فلم ينزجر فضرب الحفار جبهته ببيرمة فلم يبرح فتحولنا إلى قبر آخر، فلما الحدوا فإذا هو فيه فصنعنا به مثلما صنعوا أولاً، فلم يبرح يلتفت فرجعوا إلى قبر ثالث فلما ألحدوا وإذا ذاك الهر فيه، فصنعوا فيه مثلما صنعوا أولاً، فلم يلتبت فقال بعض القوم: يا هؤلاء إن هذا الأمر ما رأينا مثله فادفنوا صاحبكم فدفنوه فلما سوي عليه اللبن سمعوا قعقعة عظامه فذهبو إلى امرأته فقالوا: يا هذا ما كان يعمل زوجك؟ وحدثوها بما رأوه فقالت: ما كان يغتسل من الجنابة.
(قال أبو الحسن بن البراء: حدثني عبد الله بن المدني قال: كان لي صديق فقال: فخرجت إلى ضيعتي فأدركني العصر إلى جانبي مقبرة، فصليت العصر قريبا منها، فبينما أنا جالس إذ سمعت من ناحية القبر صوتا وأنيناً فدنوت من القبر فإذا هو يقول: آه كنت أصوم, كنت اصلي فأصابتني قشعريرة فدعوت من حضرني, فسمع كما سمعت ومضيت إلى ضيعتي ورجعت فصليت في موضعي الأول، وصبرت حتى غابت الشمس وصليت المغرب ثم استمعت على ذلك القبر فإذا هو يأن: آه كنت أصوم كنت أصلي, فرجعت إلى أهلي فحممت ومرضت شهرين.
(وخرج أبو القاسم اللالكائي في كتابه شرح السنة بإسناده عن يحيى بن معين قال: قال لي حفار المقابر: أعجب ما رأيت في هذه المقابر أني سمعت من قبر أنيناً كأنين المريض، وبإسناده عن الحارث المحاسبي قال: كنت في الجبانة في البصرة على قبر فأسمع من القبر: أواه من عذاب الله، قال الحارث: وكنت في مقبرة ههنا في باب المقبرة فأسمع صوت القنا بعضها على بعض يضرب وأنا مشرف على المقبرة من قبر وهو يقول: أواه.
(وبإسناده عن صدقة بن خالد الدمشقي عن بعض أهل دمشق قال: حججنا فهلك صاحب لنا في بعض الطريق على ماء من تلك المياه فأتينا أهل الماء نطلب شيئاً نحفر له، فأخرجوا لنا فاساً و مجرفة فلما وارينا صاحبنا نسينا الفأس في القبر، فنبشناه فوجدناه قد جمع عنقه ويداه ورجلاه في حلقة الفأس فسوينا عليه التراب وأرضينا أصحابه من الثمن، فلما انصرفنا جئنا إلى امرأته فسألناها عنه؟ فقالت: كان علي ما رأيتم من حاله يحج ويغزو فلما أخبرناها الخبر، قالت: صحبه رجل معه مال: فقتل الرجل، وأخذ المال قالت فيه: كان يحج ويغزو.